بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب: قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى
تأليف: الدكتور عبد الوهاب المسيري
1- بين الإنسان والإنسان الطبيعي
من الأمور المألوفة في الوقت الحاضر أن نتلَقّى معظم، إن لم يكن كل، ما يأتينا من أهل الغرب بكفاءةٍ منقطعة النظر، دون أن نحاول أن نحلله أو نفسّره.
ولذا ثمة غياب ملحوظ للبُعد النقدي في الدراسات العربية والإسلامية للمفاهيم والمصطلحات الغربية.
فنحنُ لا نسأل، على سبيل المِثال، عمّا إذا كان الإنسان – كما يتمثّل في النّص الذي ننقله- كائنًا ماديًا بسيطًا أم كائنًا مركّبًا يتجاوز المادة؟ ومن أين يستمد هذا الإنسان معياريته: من قوانين الحركة أم من شيء أكر تركيبًا؟ هل هناك هدف أو غاية في حياة الإنسان أم أن حياته نهب الصدفة والحرية العمياء؟ وأخرًا، هل الإنسان هو مركز الكون القادر على تجاوز عالَم المادة، أم أنه كائن لا أهمية له، يذعن لظروفه المادية وللحتميات الطبيعية؟
وقد ظهر مؤخرًا مصطلح «فيمينزم» الذي يُترجَم إلى (النسوية) أو (النسوانية) أو (الأنثوية) وهي ترجمة حرفية لا تُسمِن ولا تُغْني من جوع، ولا تفصح عن أي مفهوم كامن وراء المصطلح.
لابد أن نضع المصطلح في سياقٍ أوسع، ألا وهو ما نُسمّيه «نظرية الحقوق الجديدة».
وكاتب هذه الدراسة ينطلق من مفهوم معرفي أساسي وهو أن ثمة مواطن اختلافات جوهرية بن الإنسان والطبيعة، فالإنسان يحوي داخله من التركيب ما يُ كّنه من تجاوز عالَم الطبيعة/ المادة
«الحلولية الكمونية المادية» أو «المرجعية الكمونية الذاتية»
المبدأ الواحد المنظّم للكون ليس مفارقًا له أو مُنزّهًا عنه، متجاوزًا له، وإنما كامن (حال) فيه
هذا هو المبدأ البنيوي العام، أو النموذج الثابت الكامن
بأن يواجه الإنسان الكون دون وسائط، فيعلن أنه سيّد الكون ومركزه، موض ِ ع الحلول، ولذا فهو مرجعية ذاته، الذي لا يستمد معياريته إلا منها.
1- الواحدية الإنسانية (الهيومانية)
2- الواحدية الإمبريالية
ينغلق الإنسان على هذه الذات، فيُصبح تدريجيًا إنسانًا فردًا لا يُفكّر إلا في مصلحته ولذته، ولا يشر إلى الذات الإنسانية وإنما إلى الذات الفردية.
فيؤّله الإنسان الفرد نفسه في مواجهة الطبيعة وفي مواجهة الآخرين ويصبح إنسانًا إمبرياليًا.
وهنا تظهر الثنائية الصلبة، ثنائية الأنا والآخر.
3- ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة
الطبيعة/ المادة هي الأخرى موضع الحلول وأنها هي أيض ً ا مرجعية ذاتها ومكتفية بذاتها
الإنسان المتمركز حول ذاته الذي يشغل مركز الكون، مقابل الطبيعة المكتفية بذاتها التي تشغل مركز الكون.
4- الواحدية الصلبة
فيبدأ الجوهر الإنساني في الغياب تدريجيًا ويحل الطبيعي ّ محل الإنسانيّ، ويستمد الإنسان معياريته لا من ذاته وإنما من الطبيعة/ المادة ويزداد اتحاده بالطبيعة إلى أن يذوب فيها تمامًا، ذوبان الجزء في الكل.
حينئذ يظهر الإنسان الطبيعي، وهو إنسان ليس فيه من الإنسان سوى الاسم
5- الواحدية السائلة
ويصبح النسبي هو المُطلَق الوحيد، ويصبح التَّغيُّر هو نقطة الثبات الوحيدة
ويفي بنا كل هذا إلى عالَم ٍمفكك لا مركز له
(الواحدية الهيومانية «عالَمٌ مركزه الإنسانية جمعاء» – الواحدية الإمبريالية «عالَمٌ مركزه الذات الفردية» – الثنائية الصلبة «صراعٌ بن الإنسان والطبيعة»
الواحدية الصلبة «عالَمٌ مركزه الطبيعة» – الواحدية السائلة «عالَم بلا مركز سقط في قبضة الصيرورة»)
ويُقس ّ م البر في منظومة نيتشه إلى (سوبرمان) أي الرجل الأعتى، أو الإنسان الذي تجاوز الإنسان، و(سبان) أي الرجل الأدنى، أو الإنسان الذي هو دون الإنسان.
2- المساواة والتسوية
حركات التحرر الجديدة
تقبل بالواحدية الإمبريالية (الإنسان في صراع مع أخيه الإنسان) وتدور في إطار الثنائية الصلبة (حرب الإنسان ضد أخيه الإنسان وضد الطبيعة) والواحدية الصلبة (سيادة الطبيعة على الإنسان وإزاحة الإنسان من مركز الكون) والواحدية السائلة (رفض فكرة المرجعية والمركز وأي ثوابت وأي كليات، بما في ذلك مفهوم الإنسانية المشركة القادرة على تجاوز الطبيعة/ المادة).
والإنسان هو مجرد كائن طبيعي يمكن ردّه إلى الطبيعة/ المادة ويمكن تسويته بالكائنات الطبيعية،
وكأن عقل الإنسان بالفِعل صفحة ماديّة بيضاء، وكأنه لا يحمل عبء وعيه الإنساني التاريخي، وكأنه آدم قبل لحظة الخَلق، قبل أن ينفخ الله فيه من روحه، فهو قطعة من الطن التي يمكن أن تُصاغ بأي شكل لا فارق بينها وبين أي عنصر طبيعي/ مادي آخر.
في هذا الإطار، يمكننا أن نعيد النظر في هذا الدفاع الرس عن الشذوذ الجني، فهو في جوهره ليس دعوة للتسامح أو لتفهُّم وضع الشواذ جنسيًا (كما قد يراءى للبعض لأول وهلة)، بل هو دعوة لتطبيع الشذوذ الجني، أي جعله أمرًا طبيعيًا عاديًا،
الشذوذ الجني لم يَعُد مجرد تعبر عن مزاج (أو انحراف) شخصي، وإنما تحوّل إلى أيديولوجية تهدف إلى إلغاء ثنائية إنسانية أساسية هي ثنائية الذكر/ الأنثى التي يستند إليها العمران الإنساني والمعيارية الإنسانية.
والحديث المتواتر والمتوتِّر عن (حقوق الإنسان)، والذي تقوده وتُوِّله وتدعمه أكر الدول الإمبريالية في العالَم، أي الولايات المتحدة، هو في جوهره هجوم على مفهوم الإنسانية المشركة.
فالإنسان الذي يتحدّثون عن حقوقه هو وحدة مستقلة بسيطة كمية، أحادية البُعد، غير اجتماعية وغير حضارية، لا عاقة لها بأسرة أو مجتمع أو دولة أو مرجعية تاريخية أو أخلاقية، هو مجموعة من الحاجات (المادية) البسيطة المجرّدة
مؤسسات عامة لا خصوصية لها ولا تحمل أي قيم، إلا فكرة تعظيم لذة المُستهلِك وزيادة أرباح الشركات.
فالجماعات الدينية أقلّية، والجماعات الإثنية أقلّية، والشواذ جنسيًا أقلّية، والمعوّقون أقلية، والمُسِنّون أقلّية، والبدينون أقلّية، والأطفال أقلّية، والنساء أقلّية.
وفكرة أن كل الناس أقلّيات، تعني أنه لا يوجد أغلبية، أي لا يوجد معيارية إنسانية ولا ثوابت، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية متساوية وتسود الفوضى المعرفية والأخلاقية.
3- السياق الحضاري المعرفي لحركتي تحرير المرأة والتمركز حول الأنثى
هذه الأفكار تُشكّل الإطار الحقيقي لحركة الفيمينزم التي ظهرت مؤخرًا في الغرب
يُتَرجم عادةً إلى (حركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها)
المصطلح الجديد مختلف تمام الاختلاف عن مدلولات حركة تحرير المرأة (وهي واحدة من حركات التحرر القديمة التي تدور في إطار إنساني هيوماني يؤمن بفكرة مركزية الإنسان في الكون، وبفكرة الإنسانية المشركة التي تشمل كل الأجناس والألوان وتشمل الرجال والنساء، وبفكرة الإنسان الاجتماعي الذي يستمد إنسانيته من انتمائه الحضاري والاجتماعي)
وعادةً ما تطالب حركات تحرير المرأة بأن تحصل المرأة على حقوقها كاملة: سياسية كانت (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في السُلطة)، أم اجتماعية (حق المرأة في الطاق وفي حضانة الأطفال)، أم اقتصادية (مساواة المرأة في الأجور مع الرجل).
ولذا يتحرك برنامج حركة تحرير المرأة داخل إطار من المفاهيم الإنسانية المشركة
مثل مفهوم الأسرة باعتبارها أهم المؤسسات الإنسانية التي يحتمي بها الإنسان ويحقق من خالها جوهره الإنساني ويكتسب داخل إطارها هويّته الحضارية والأخلاقية
تزايد هيمنة القيم البرانية المادية مثل: الكفاءة في العمل في الحياة العامة مع إهمال الحياة الخاصة – الاهتمام بدور المرأة العاملة (البرانية) مع إهمال دور المرأة الأم (الجوانية)
الاهتمام بالإنتاجية على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية الأساسية (مثل تماسك الأسرة وضرورة توفر الطمأنينة للأطفال)
وقد لاحظ أحد علاء الاجتماع الغربين (كريستوفر لاش) أنه منذ أواخر الستينيات أصبح من المستحيل على الأسرة الأمريكية أن تعيش على دخل واحد
أصبح من الازم على المرأة أن تصبح «يدًا عاملة» و «طاقة إنتاجية»
أصبح العمل الإنساني هو العمل الذي يقوم به المرء نظر أجر نقدي محسوب (كمّ محدد) خاضع لقوانين العرض والطلب، على أن يؤديه في رقعة الحياة العامة أو يصب ّ فيه في نهاية الأمر.
وهذا التعريف يستبعد بطبيعة الحال الأمومة وتنشئة الأطفال وغرها من الأعال المنزلية
وهكذا تغلغلت المرجعية المادية (بتركيزها على الكمي والبراني) وتراجعت المرجعية الإنسانية الهيومانية (بتركيزها على الكيفي والجواني)
وتمّ إدراك الإنسان خارج أي سياق اجتماعي إنساني بحيث أصبح الإنسان كائنًا طبيعيًا ماديًا كمّيًا لا يشغل أية مركزية في الكون وليس له مكانة خاصة فيه، يري عليه ما يري على الأشياء الطبيعية/ المادية الأخرى
ويحلّ الكمّ محل الكيف والثمن محل القيمة
حركة الفيمينزم (التي نترجمها بحركة التمركز حول الأنثى)
وتُتَرجم هذه الرؤية نفسها إلى مرحلتين:
أ) – مرحلة واحدية إمبريالية وثنائية وواحدية صلبة ينقسم فيها العالَم إلى ذكور متمركزين تمامًا حول ذكورتهم ويحاولون أن يرعوا الإناث ويهيمنوا عليهم، وإلى إناث متمركزات تمامًا حول أنوثتهن يحاولن بدورهن أن يرعن الرجال ويُهيمِن ّ عليهم.
ب) – سرعان ما تنحلّ هذه الواحدية الإمبريالية والثنائية والواحدية الصلبة لتصبح واحدية مادية سائلة لا تعرف فارقًا بن ذكرٍ أو أنثى.
4- الواحدية الإمبريالية، والثنائية والواحدية الصلبة، والتمركز حول الأنثى
وتذهب بعض التواريخ الأيديولوجية المتمركزة حول الأنثى إلى أن هيمنة الذكر على الأنثى تمّت إثر معركة أو مجموعة من المعارك حدثت في عصور موغِلة في القِدم حينا كانت المجتمعات كلها مجتمعات أمومية (ماترياركي) تسيطر عليها الإناث أو الأمهات، وكانت الآلهة إناثًا،
بل وأُعيد تسمية التاريخ، فهو بالإنجليزية (هيستوري) التي وجد بعض الأذكياء أنها تعني (قصّة) فتقَرر تغير اسم التاريخ ليصبح (قصّتها)، أي أن تاريخ الذكور مختلف تمامًا عن تاريخ الإناث (تمامًا مثل «التاريخ اليهودي» المستقل عن «التاريخ الإنساني»).
الاتجاه المتمركز حول الأنثى الذي يؤكد فكرة الراع هذه، وكيف أن أحد قطبي ّ الراع لابد أن يهيمن على الآخر، فلا حب ولا تراحم ولا إنسانية مشركة، بل صراع شرس لا يختلف إلا من ناحية التفاصيل عن الراع بن الطبقات عند ماركس، أو الراع بن الأنواع والأجناس عند داروين
ففي غياب الإنسانية المشركة لا يمكن أن تكون هناك أحاسيس إنسانية مشركة بن الذكر والأنثى، فتركيبة جسدها مختلفة وطبيعتها الفسيولوجية مختلفة (والإنسان الطبيعي/ المادي يعيش في الجسد وحده، فضاؤه محدد بفضاء الجسد).
لغة النساء مختلفة تمامًا عن لغة الرجال، فهي لغة ملتوية لعوب كجسد المرأة (الجسد مرة أخرى، الجسد دائمًا، الجسد في البداية والنهاية).
فهل نحن نُفكّر في «المقاومة» باعتبارها أنثى وفي «الصمود» باعتباره ذكرًا؟ وهل نفكّر في «الأمانة» و «الخيانة» باعتبارها إناثًا
وحينئذ يصبح السحاق التعبير النهائي عن الواحدية الصلبة، وهو الأمر الطبيعي الوحيد المتاح للمرأة التي ترفض أن تؤكِّد «إنسانيّتها المشركة» التي لا يمكن أن تتحقق إلا داخل إطار اجتماعي وسياق تاريخي
وكما قالت إحدى دعاة التمركز حول الأنثى المساحقات: «إذا كانت الفيمينزم هي النظرية، فالسحاق هو التطبيق».
5- الواحدية السائلة وذوبان الأنثى
العالَم متعدد المراكز لا يكرث بأية فروق ظاهرة أو باطنة، فهو عالَم سائل لا مركز له، لا يمكن إصدار أحكام على أي شيء.
وبسقوط الأم الزوجة والمرأة، تسقط الأسرة ويتراجع الجوهر الإنساني المشرك ويصبح كل البر أفرادًا طبيعيين لكُلٍّ مصلحته الخاصة وقِصّته الصغيرة الخاصة
ويتم الإشارة إلى الإله في مرحلة الواحدية السائلة هذه لا باعتباره هو أو هي، إذ يصل الحياد قِمّته والسيولة منتهاها، فيُشار إليه، كما وَرَدَ في إحدى ترجمات الإنجيل الأخرة، باعتباره ذكرًا وأنثى وشيئًا.
ومن الصعب على المرء أن يقرر ما إذا كانت هذه هي نهاية السيولة، أم أن هناك المزيد؟ فالتجريب المنفتح في اللغة والتاريخ والعاقات بن البر مسألة لا سقف ولا حدود ولا نهاية لها.
6- حركة التمركز حول الأنثى والنظام العالمي الجديد
إن دعاة حركة تحرير المرأة يدركون تمامًا الحقيقة البديهية الإنسانية البسيطة وهي أن ثمة اختلافات (بيولوجية ونفسية واجتماعية) بن الرجل والمرأة
فإنهم يبذلون قصارى جهدهم للحيلولة دون تحوّلها إلى ظلم وتفاوت اجتماعي أو إنساني يؤدي إلى توسيع الهوة بن الذكور والإناث.
فيُطالِبون بأن يصبح الذكور آباء وأمّهات في الوقت نفسه، وأن تصبح الإناث بدورهن أمّهات وآباء.
هوليود (أكبر آلية عرفها الجنس البشري لنشر الأخبار وإشاعة الرُؤى)
إن حركة تحرير المرأة، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخر، ترى أن ثمة إنسانية مشركة بن كل البر، رجالًا ونساءً، وأن هذه الرقعة الواسعة المشركة بيننا هي الأساس الذي نتحاور على أساسه والإطار الذي نبحث داخله عن تحقيق المساواة.
أما حركة التمركز حول الأنثى فهي تنكر الإنسانية المشركة، ولذا لا يمكن أن ينضم لها الرجال،
7- حركة التمركز حول الأنثى والصهيونية
حركة مادية إمبريالية أخرى وهي الحركة الصهيونية، التي تنكر الإنسانية المشركة فتُقس ِّ م البر برامة بالغة إلى يهود وأغيار
في هذا الإطار توجّه الحركة الصهيونية جُلّ جهودها لتعميق الهوّة بن اليهود والأغيار لتحسن أداء اليهودي في عملية الراع حتّى ينسلخ عن مجتمع الأغيار و «يعود» إلى فلسطين بعد غياب مدة ألفي ّ عام.
وفي هذا الإطار يصبح أعداء السامية (أي أعداء اليهود) «أصدق أصدقائنا»، (على حدّ قول مؤسس الحركة الصهيونية، تيودور هرتزل).
فالعالَم الغربي الذي أخفق في عملية المواجهة العسكرية المباشرة مع العالَم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مُكلِّفة وطويلة ولا طاقة له بها، ومِن ثَمّ فالتفكيك هو البديل العمي الوحيد.
كما أدرك العالَم الغربي أن نجاح مجتمعات العالَم الثالث في مقاومته يعود إلى تماسكها، الذي يعود بدوره إلى وجود بناء أُسَ ي قوي، لا يزال قادرًا على توصيل المنظومات القيمية والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع، ومِن ثَمّ يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم.
العولمة … بحيث يتحوّل العالَم في نهاية الأمر وفي التحليل الأخر إلى سوق واحد متجانس يخضع لقوانين العرض والطلب المادية
وإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع، فإن الأُمّ هي اللبنة الأساسية في الأسرة ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى.
فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي يعلن حتمية الراع بن الذكر والأنثى
وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق والضيق والملل وعدم الطمأنينة في نفس المرأة عن طريق إعادة تعريفها بحيث لا يمكن أن تتحقق هويّتها إلا خارج إطار الأسرة.
وإذا انسحبت المرأة من الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت، وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعاري والهيمنة الغربية وأهم المؤسسات التي يحتفظ الإنسان من خالها بذاكرته التاريخية وهويّته القومية ومنظومته القيمية.
8- البحث عن بديل
يجب أن ننفض عن أنفسنا غبار التبعية الإدراكية ونبحث عن حلول لمشاكلنا نُوَلِّدها من نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية ومن إيماننا بإنسانيتنا المشركة
من الأجدر بنا أن نتحدّث عن «حقوق الأسرة» كنقطةِ بدء ثم يتفرّع عنها، وبعدها «حقوق الأفراد» الذين يكوِّنون هذه الأسرة، أي أننا سنبدأ بالكل (الإنساني الاجتماعي) ثم نتبعه بالأجزاء (الفردية).
الحديث عن «تحقيق الذات بشكل مُطلَق» يصبح أمرًا ممجوجًا ومرفوضًا ولابد أن يحل محله الحديث عن «تحقيق الذات داخل إطار الأسرة».
أزمة المرأة هي، في واقع الأمر، جزء من أزمة الإنسان في العر الحديث والتي تنبع من هذه الحركية الهائلة المرتبطة بتزايد مُعدّلات الاستهلاك
قد يكون من الأكثر رشدًا وعقلانية ألّا نطالب ب «تحرير المرأة»
وأن نطالب بدلًا من ذلك بتقييد الرجل أو وضع قليل من الحدود عليه
لابد أن يُعاد تعليم الرجل بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوّة والعيش داخل الأسرة والجماعة، وهي خبرات فقدها الإنسان الحديث مع تآكل الأسرة ومع تحرُّكه المتطرِّف في رقعة الحياة العامة. وبهذه الطريقة سيكون بوِسع الرجل أن يشارك في تنشئة الأطفال، وأن يعرف عن قرب الجهد الذي تبذله المرأة/ الأم، ومن ثَمّ يمكن لإنسانيتنا المشركة أن تؤكد نفسها مرة أخرى.
ولعلّه قد يكون من المفيد ألّنتحدّث عن «حق المرأة في العمل» (أي أن تعمل في رقعة الحياة العامة نظر أجر)، أي العمل المنتج ماديًا الذي يؤدّي إلى منتج مادي (سلع – خدمات). ونعيد صياغة رؤية الناس بحيث يُعاد تعريف العمل فيصبح «العمل الإنساني»، أي العمل المنتج إنسانيًا (وبذلك نؤكد أسبقية الإنساني على المادي والطبيعي).
وهنا تصبح الأمومة أهم «الأعال المُنتجة» (وماذا يمكن أن يكون أكر أهمية من تحويل الطفل الطبيعي إلى إنسان اجتماعي؟).
ومن ثَمّ يقل إحساس المرأة العاملة في المنزل بالغربة وعدم الجدوى، ويزداد احترام الرجل لها
نطوِّر طُرُزًا معيارية تُفعِّل الجرة كمؤسسة وسيطة تشبه في وظيفتها الأسرة الممتدة.
وقد يمكننا التوصُّل ليوم عمل يمكن تقطيعه وتقسيمه ليتناسب مع مؤسسة الأسرة ولا يتعارض مع محاولة المرأة أن تقوم بدورها كاُمّ وزوجة
وهذه الاقتراحات الأوّلية تهدف إلى تقليل الأعباء النفسية الناجمة عن الأمومة
وقد رأى الباحث صاحب الدراسة أن عمليات التخريب المتعمّد في المدارس تكلّف الملايين من الدولارات وأنها مرتبطة تمام الارتباط بظاهرة اختفاء الأم. كما يمكن أيض ً ا حساب الخسارة النفسية للطفل والتي يمكن ترجمتها ماديًا إلى أرقام. وهل يمكن أيضًا ربط ارتفاع معدّلات الطاق بمعدّلات انسحاب المرأة من الأسرة ومن دور الأمومة؟ (يُكلف الطاق في الولايات المتحدة باين الدولارات أيضًا).
ظاهرة «تأنيث الفقر»
بعد فرة قصرة أو طويلة يتملّك الرجل الملل وتنشب المعارك بن الطرفين فيُقرر الرجل أن «يحقق ذاته» خارج إطار الأسرة فيحمل متاعه ويذهب، تاركًا الأم المهجورة وحدها، ترعى الطفلين. فتزيد أعباءها النفسية والاجتماعية والاقتصادية
فهناك من الدراسات ما يشر إلى إنتاجية المجتمع على مستوى الماكرو تتزايد مع اضطلاع المرأة بدور الزوجة والأم، إذ أنها تقوم بتربية الأطفال تربية صالحة، فيصبحون أعضاء منتجين في المجتمع، كما أنّها تهدئ من روع الجميع: الزوج والأبناء عند عودتهم من رقعة الحياة العامة، فيستعيد الجميع توازنهم وتتزايد إنتاجيتهم.
وأعتقد أن الخصخصة بلا ضابط سيكون لها أثر مُدمّر على الأسرة وعلى المرأة، فالخصخصة هي في واقع الأمر توسيع رقعة السوق، وآليات العرض والطلب، لتبتلع كل شيء.
كما يجب ألا يفوتنا أن نتصدّى لكثر من المشاريع التي يُقال لها تنموية والتي يفرضها البنك الدولي والتي تهدف في واقع الأمر إلى تحطيم الدول القومية ومؤسسة الأسرة التي يَرون أنها من أكر معوّقات «التنمية» (أي التقدُّم المادي بغض النظر عن الثمن الإنساني مها كانت فداحته).
ونحن لابد أن نستفيد من الخبرات والمَعونات الدولية شريطة ألا تتحوّل إلى معاول هدم تقوِّض أساس مجتمعاتنا.
نقول إن هذا الجسد وهذه الخصائص تفرض عليها حدودًا معينة، وهذه الحدود تخلق لها حيّزًا أنثويًا خاص ً ا يفصلها عن الرجل دون أن يعزلها عنه.
وإذا كانت الإمبريالية التقليدية تبحث دائمًا عن أسواق لس ِ لعها وعالة رخيصة، فالإمبريالية النفسية لا تختلف كثرًا عنها، إلا أنها جعلت من وعي الإنسان ووجدانه مجال حركتها ونشاطها، أي أنها لا تتحرك في رقعة الحياة العامة البرانية، بل في رقعة الحياة الخاصة الجوانية، وهي سوق يمكن توسيع حدوده إلى ما لا نهاية، عن طريق توسيع شهوة الإنسان وتوليد حالة من القلق وعدم الاتزان والرضا داخله، يتصوّر أنه لا يمكنه تجاوزها إلا من خال اقتناء سلع بعينها.
وقد نشأت عدة صناعات (رؤوس أموالها باين الدولارات) ركزت بالذات على المرأة. فشركات مستحضرات التجميل وأدواته جعلت المرأة هدفًا أساسيًا لها. فمن خال آلاف الإعانات، يولد في المرأة إحساس بأنها إن لم تستخدم آلاف المساحيق والعطور والكريمات وخافه تفقد جاذبيتها (عادة الجنسية) وتصبح قبيحة.
صناعة مساحيق التجميل وأدواته والأزياء تفرض مقاييس جالية يستحيل الالتزام بها إلا لمجموعة محدودة من الإناث المتفرِّغات لجسدهن (مثل الممثلات أو عارضات الأزياء أو فتيات الإعانات)
وقد تسبّب هذا في انتشار الأمراض النفسية مثل: مرض أناركسيا فورموزا، وهو إحساس يتملّك المرأة مها بلغت من جال ورشاقة أنها قبيحة وبدينة
عمليات حوسلة المرأة (أي تحويلها إلى وسيلة)
الإنسان المقرح من قِبَل النظام العالمي الجديد: إنسان بلا ذاكرة ولا وعي، إنسان عر ما بعد الحداثة والعالَم الذي لا مركز له (استخدم أحد الظرفاء اصطلاح «ما بَعد البكيني» (بالإنجليزية: بوست بكيني) على منوال ما بعد الحداثة (بالإنجليزية بوست مودرنست) ليُشر إلى هذا الاتجاه نحو التعرية الشاملة، وليوجّه أنظارنا نحو العاقة بن تعرية المرأة من ملابسها وتعرية الإنسان من منظوماته القيمية وخصوصيته القومية).
واستخدام العامية لا يختلف كثرًا عن ذلك، فلو أصبحت العامية وحدها هي مستودع ذاكرتنا التاريخية لفقدنا امرأ القيس والبُحري وابن خلدون وابن سينا، أي فقدنا كل شيء، وتصبح كلاسيكيّاتنا هي أغاني شكوكو وأقوال إسماعيل ياسين.
إن حركة التمركز حول الأنثى هي جزء من هذه الهجمة الشاملة ضد قيمنا وذاكرتنا ووعينا وخصوصياتنا ويجب أن ندرك هذا ونعيه، حتّى لا تكون معركتنا جزئية وغير واعية بذاتها.
الخاتِمة
نقطة البدء والوحدة التحليلية هي الإنسان الاجتماعي وليس الإنسان الطبيعي، وهي الأسرة وليس الفرد المتشظّي الوحيد الذي تكتسحه وسائل الإعلام وتُحرِّكه المؤسسات الكرى.
ومن ثَمّ فأنا أُطالِب بِرَدّ الاعتبار للأمومة ولوظيفة المرأة كأُمّ وزوجة، وأرى أن هذه الوظيفة «الإنسانية»، و «الخاصة» تسبق أي وظائف «إنتاجية» و «عامة» أخرى وإن كانت لا تحبّها.
العاقة المباشرة بن الأم والطفلة أمر لا يمكن تعويضه مدى الحياة.
لم يَعُد حديثًا عن تحرير المرأة وإنما عن تثويرها في مقابل الرجل وعزلها عنه.
إن أخذنا برأيها، سيكون من المستحيل علينا أن نجمع بن الذكور والإناث مرة أخرى؟
الحمد لله رب العالمين
