﷽
خُلاصة كتاب: سلطة الثقافة الغالبة
تأليف: إبراهيم بن عمر السكران
فهرس المواضيع:
التناظر بين الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي
ضغط الثقافة الغالبة على الشعائر (صلاة الكسوف نموذجا)
الفصل الثاني: العلوم المعيارية
علم أصول الفقه: علم اجتهادي أم قطعي؟
الاستفهام حول عدد مرويات أبي هريرة
استنكار انفراد أبي هريرة بالأحاديث الكثيرة
استشكال نهي عمر لأبي هريرة عن الرواية
دعوى تعارض أحاديث أبي هريرة مع القرآن
استشكال معارضة بعض الصحابة لأبي هريرة
استشكال رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار
فكرة عرض الأحاديث على القرآن والعقل
التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية
التمييز بين الرأي المطوي والرأي المنشور
التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار
التمييز في أغراض «العبارات» بحسب الأشخاص
كيف ننكر في مسألة شرعية والمخالفون فيها من العلماء كثيرون؟
كيف ننكر في مسألة شرعية ليست قطعية بل اجتهادية؟
أليس من الظلم أن نساوي بين القطعي وما هو دونه في الإنكار؟
كيف ينكر على المتأول والجاهل وقد رفع الله عنهم الإثم؟
في أواسط القرن الخامس الهجري، وحين كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (ت٤٨١هـ) يتأمل كيف انبهر بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي بالثقافة الفلسفية اليونانية، فحاولوا تطويع النصوص الشرعية لها، عبّر هذا الإمام باستعارة بلاغية بديعة، إذ يقول الهروي كله في تأمله: (ينظر الناظر الفهم في جذرها؛ فيرى مخ الفلسفة يكسى لحاء السنة).[1]
وبعد الهروي جاء أبو حامد الغزالي (ت٥٠٥هـ)، وألقى ملاحظة مشابهة، وهي أن الانبهار بالثقافة الفلسفية التي يهولها أصحابها قاد عددًا من المنتسبين إلى العلم في زمانه لاعتقاد ذات الأفكار الفلسفية ليشاركوهم جاه فخامتها كما يقول أبو حامد الله: (فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس، وإطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع رزانة عقلهم منكرون للشرائع، فلمَّا قرع ذلك سمعهم، تجملوا باعتقاد الكفر).[2]
هذا التصوير النفسي الذي ذكره أبو حامد وهو قوله: (فتجملوا باعتقاد الكفر)! … كم رأينا في عصرنا من يردد شعارات الثقافة الغربية الغالبة لا عن فهم مستوعب لها، ولكن تجملا باعتقادها لما في نفسه من تهويلها.
وفي القرن السابع/الثامن الهجري قدم الإمام ابن تيمية ملاحظات كثيرة حول ظاهرة الانبهار بالثقافة الفلسفية اليونانية، وتأويل نصوص العقيدة لتوافقها، … كقوله مثلاً: (لما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد).[3]
ومن أكثر ما ركز عليه ابن تيمية آلية شحن الألفاظ القرآنية بالمحتوى الثقافي الأجنبي لتمريره في الداخل الإسلامي، … كقوله مثلاً: (يعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات الفلسفية واليونانية).[4]
وقال في موضع آخر: (ولا ريب أن القوم أخذوا العبارات الإسلامية القرآنية والسنية، فجعلوا يضعون لها معاني توافق معتقدهم).[5]
ويرى ابن تيمية أنَّ هذا لم يكن تصرفاً بريئًا؛ بل كان استراتيجية مُخاتلة ومراوغة، كما يقول: (ولكن يموهون بالتعبير على المعاني الفلسفية بالعبارات الإسلامية).[6]
ويشير ابن تيمية في ثنايا دراساته إلى أن هذا الأسلوب غير النزيه تسبب في تصدعات عقدية في الداخل المسلم، كما يقول: (فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية ويودعونها معاني هؤلاء، وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين فإذا سمعوها قبلوها، ثم إذا عرفوا المعاني التي قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الإسلام).[7]
وفي القرن الثامن/التاسع صعد ابن خلدون بمثل هذه الملاحظات حول تغالب الثقافات، … وعقد لذلك فصلاً خاصًّا كرَّسه لتحليل هذه الظَّاهرة قال فيه: (الفصل الثالث والعشرون: في أنَّ المغلوب مُولع أبدًا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك: أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في مَن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلبٍ طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقادًا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به ..، حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها؛ فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير).[8]
وفي العصور الحديثة، وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي قبل مئتي سنة تقريبا، استيقظ المسلمون على (فارق الإمكانيات) بين أوروبا والمجتمعات المسلمة، فظهرت حركات تبحث عن النهضة، منذ رفاعة الطهطاوي (ت ۱۸۷۳م)، وجمال الدين الأفغاني (ت ۱۸۹۷م) ثم من بعدهم، لكن هذه الحركات سلكت الطريق الخطأ للأسف! … وهو: تأويل المُعطيات الشرعية لتوافق الثقافة الغالبة، وخصوصا عبر آلية حقن اللفظ التراثي بالمضمون الغربي تمهيدا لتبيئته.
وفي مفتتح الستينيات الميلادية نشر المؤرخ النصراني ألبرت حوراني كتابه الهام عن تاريخ هذه الحقبة، وقد ترجم إلى العربية بعنوان «الفكر العربي في عصر النهضة»، … حيث يقول عن حركة الإصلاح التي كان رأسها محمد عبده (ت ١٩٠٥م): (كانت هذه الحركة إصلاحية لأنها استهدفت إحياء ما كانت تعتبره العناصر المهملة في التراث الإسلامي، غير أن عملية هذا الإحياء قد تمت تحت تأثير الفكر الليبرالي الأوروبي، فأدت تدريجيا إلى تفسير جديد للمفاهيم الإسلامية بغية جعلها معادلة للمبادئ الموجهة للفكر الأوروبي في ذلك الحين. «عمران» ابن خلدون تحول تدريجيًا إلى «تمدن» غيزو، و«مصلحة» الفقهاء المالكيين وابن تيمية تحول إلى «منفعة» جون ستيوارت مل، و«إجماع» الفقه الإسلامي إلى «الرأي العام» في النظرية الديمقراطية، و «أهل الحل والعقد» إلى «أعضاء المجالس البرلمانية»، وكانت نتيجة ذلك، لدى ما سميناه بالجناح العلماني لمدرسة محمد عبده، الفصل الواقعي الحاسم بين دائرة الحياة المدنية ودائرة الدين، ثم فتح باب جديد أمام القومية العلمانية).[9]
وقد كان كثير من المصلحين في تلك الحقبة التاريخية يعتقدون أنهم بتطويع الشريعة للثقافة الغربية الغالبة يحمون الشباب المسلم من الإلحاد ويخففون في نفوسهم من مرارة الفارق الحضاري، ولكن المفارقة أنه حدث العكس! كما رصد ذلك ألبرت حوراني نفسه، حيث يقول: (لقد نوى -أي محمد عبده- إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسرًا تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحدًا بعد الآخر).[10]
هذا يذكرني بقول الله عزَّ وجلَّ في سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]
وفي نفس هذه الحقبة كان محمد محمد حسين قد نشر دراسته التفصيلية المُوسَّعة عن «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» … لاحظ أن أنماط التعامل مع مسالك النهضة ذاتها في العالم العربي كله … وقد قال في تلخيص هذه المناهج في معالجة هذه المسألة ما يلي: (وكل الأقطار العربية قد شغل بالبحث والمناقشة حول أمثل الطرق والأساليب للنهوض واستعادة القوة والتخلص من أسباب الضعف وآثاره، ولم يكد الخلاف فيها جميعًا يخرج عن اتجاهات ثلاثة: اتجاه يدعو إلى العودة لينابيع الإسلام الأولى، واتجاه آخر يدعو لاحتذاء الغرب وتتبع خطاه، واتجاه ثالث يدعو إلى إسلامية متطورة يفسر فيها الإسلام تفسيرًا يطابق الحضارة الغربية، ويبرر أنماطها وتقاليدها).[11]
سجل محمد محمد حسين هذه الملاحظة السابقة عام (١٩٦٢م) نتيجة دراسة الآداب في العالم العربي، وهي خلاصة قيمة في تزويدنا بهيكل عام لفهم تاريخ النهضة الوسيط.
ويمكن لنا أن ننتقي نموذجًا متأخرا في السبعينيات الميلادية، وهو القانوني الدستوري الدكتور فتحي عبد الكريم حيث يقول: (دفعهم حماسهم للإسلام إلى أن يثبتوا فيه، بغير دراسة معمقة، كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضر؛ متوهمين أن في ذلك خدمة جليلة للإسلام، فكأن الإسلام في أعينهم طفلٌ يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين؛ إلا إذا أخرجوا للناس مبادئ من دينهم مثل مبادئ النظم الاجتماعية السائدة في عصرهم، فإذا راجت الديمقراطية كان الإسلام ديمقراطيًا، وإذا راجت الاشتراكية كان الإسلام اشتراكيا، وإذا راجت نظرية سيادة الأمة كانت هذه النظرية من نظريات الإسلام!).[12]
لماذا لم تنجح ظاهرة تطويع الشريعة للثقافة الغربية الغالبة في تحقيق النهضة وحماية الشباب المسلم من الإلحاد؟
ثمة إجابات بديعة على هذا السؤال قدمها المفكرون الإسلاميون في هذا العصر، فمن ذلك ما كان يكرره مالك بن نبي (ت۱۹۷۳م) عن أن الشعور بمُركَّب النَّقص لا يبعث نهضة، كما يقول في كتابه «دور المسلم»: (لماذا استطاع ذلك أولئك الأعراب الفقراء في عهد محمد ﷺ؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها؟ فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطباتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: «لقد أتينا لننقذكم»، إنهم لم يشعروا بـ «مُركَّب النَّقص»، لماذا لم يشعروا بـ «مُركَّب النَّقص»؟! لأن الإمكانيات الحضارية المُتكدِّسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم).[13]
اللاعبون الكبار على رقعة السياسة اليوم يدركون أنه لا يمكن ضمان مصالحهم الاستراتيجية ونفوذهم الدولي إلا بتدجين كل الخطابات الدينية الحيوية الكبرى، … ولذلك تنفق الإمبرياليات الغربية المعاصرة بسخاء لا محدود على مراكز البحوث والدراسات وتقارير الرصد الدقيق والمستمر لكل بؤر التوتر بشكل عام، والحراك الديني الإسلامي بشكل خاص.
ولذلك ففي وسائل إعلام الدول المستضعفة تحتل الليبرالية، وهي أيديولوجية الغرب، المساحة الواسعة فيها، وتمنح مقاعد الذروة لرموز الخطاب الدعوي المدجن الذين يدفعون باتجاه تفتير مفاهيم العزة العقدية والاستعلاء الديني على الفكر الغربي، … ونحوها من الأوصاف التهويلية التي تستبعد من الصورة الانحطاط الغربي في أعظم المطالب كالجهل بالله، وهو أعظم مطلوب، والفواحش، والجريمة، والمادية البائسة، والحياة البهيمية الرائعة التي وصفها كتاب الله بقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ} [محمد: ۱۲].
وهذا الأسلوب الذي تسلكه الولايات المتحدة اليوم في الرهان على الخطابات الدينية «الملبرلة»، كما ترصدها الأطروحة الشهيرة للسياسي الأمريكي ليونارد بايندر في كتابه الصادر عام (۱۹۸۸م) بعنوان «الليبرالية الإسلامية».[14]
وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الأسلوب لأهل الأهواء بقوله: (وهذا شأن كل من أراد أن يظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق؛ إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى مُوافقتهم، فإن شياطين الإنس والجن لا يأتون ابتداءً ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة، فإنهم لا يتمكنون …، والغرض هاهنا التنبيه على أن دعاة الباطل المخالفين لما جاءت به الرسل يتدرجون من الأسهل الأقرب إلى موافقة الناس، إلى أن ينتهوا إلى هدم الدين).[15]
وترى القرآن نفسه يتحدث ويصف ويصور المؤامرات كما يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا في كل قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فيها﴾ [الأنعام: ١٢٣].
بل ووصف الله تعالى تواصل مؤامراتهم وعدم انقطاعها كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. ووصف الله شدة مؤامرات أهل الضلال بقوله: ﴿وَإن كان مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦].
أليس مثيرًا للانتباه أن كل الملفات الشرعية الملتهبة اليوم نجدها في المسائل محل التعارض بين «نصوص الوحي» و «ثقافة الغرب الغالب» كما نجده مثلا في: الولاء والبراء، الجهاد تحكيم الشريعة، قتل المرتد، الحجاب، الاختلاط، سفر المرأة بلا محرم، القوامة، الرقية الشرعية، المعازف، إلخ.
التعارض بين الأحكام الشرعية والثقافة الغربية الغالبة، … فتارة تمركز إشكالية منزلة الحضارة والمدنية المادية والموقف من المخالف، وتارة تشتعل إشكاليات الديمقراطية والاحتجاج السياسي، وأحيانًا أخرى يميل الخطاب إلى أسئلة الحرية الليبرالية وتحكيم الشريعة، ونحوها من الأسئلة والإشكاليات.
التناظر بين الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي
ما هو الاستبداد؟ الاستبداد في معناه العام هو الخضوع لسلطة غير موضوعية.
الاستبداد في حقيقته ليس لونا واحدًا كما يتصور الكثيرون، بل هو على مستويات من أهمها الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي.
وضحايا «الاستبداد الثقافي» … يبحثون في النصوص الشرعية أو التراث الإسلامي لتبرير وتسويغ مفاهيم الثقافة الغربية الغالبة، … وكل ذلك نتيجة انهيارهم النفسي أمام نفوذ المستبد الثقافي.
الواقع أن الأمر يتم على هذه الصورة: تجد كثيرا من النصوص الشرعية تحتمل عدة دلالات نتيجة طبيعة بنيتها اللغوية، … وعلماء المسلمين يتعاملون مع هذه الاحتمالات الدلالية بـ (منهج علمي) لتحديد الدلالة التي تعبر عن مراد الله. … أما الخانع لأحد نوعي الاستبداد فإنه لا يرجح هذه الاحتمالات الدلالية بمنهج علمي؛ وإنما ينتقي من الدلالات ما يتوافق مع اتجاه المستبد الذي يخضع له.
وتجد بعض الناس يقول لك: (انتقد الأفكار لا الأشخاص)!
حسنًا، ألم يكن السلف ينتقدون الأشخاص والأفكار كليهما؟!
وبعض الناس صار لديه مشكلة مع «شريعة إنكار المنكر»؛ لأنها تخالف الحرية التي تشربها من النموذج الليبرالي المهيمن.
ومن المقولات الليبرالية التي راجت بين كثير من المنتسبين للثقافة المعاصرة عبارة: (تكلم لكن لا تمد يدك)! وقريب منها عبارة: (تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين)!
حسنا؛ فإذا كان الكلام عدوانًا على الله، أو رسوله، أو الصحابة، أو أحد شرائع الإسلام إلخ ..، فهل سيبقى الكلام أهون من اليد؟!
فالرأي المنحرف في ميزان الشريعة قد يكون أخطر من الفعل المنحرف، والعدوان بالرأي على الشريعة، قد يكون أعظم من العدوان بالفعل على المسلمين، وقد وضح هذا أبو العباس ابن تيمية حيث يقول: (والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد ..، ولذلك كان النبي ﷺ يقتل من كان يحاربه باللسان، مع استبقائه بعض من حاربه باليد ..، وكذلك الإفساد قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد).[16]
وأهم وسائل العلاج على الإطلاق: ضخ مفاهيم العزة، والكرامة، والإباء، والشموخ، وقيمة المسلم.
ما يكشف التوجه الحقيقي للخطاب ليس (القاعدة المعلنة نظريًا) ولا (المسألة والمسألتين)، وإنما تواطؤ المسائل الكثيرة المنبعثة عن مؤثر واحد أو المتواردة على غرض نهائي واحد، … فيعرفون أصول الشخص من خلال انبثاثها في تطبيقاته ومواقفه.
كثرة التطبيقات تكشف القواعد الحقيقية للشخص، حتى وإن لم يصرح بها، ومن هذه التنبيهات الرائعة مقولة شيخ غرناطة العلامة الشاطبي في كتابه «الاعتصام» حيث يقول (ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات).[17]
أنا لا ألوم الغربي أن يقيم المسائل طبقا لما تقرؤه عينه الزرقاء.. لكني ألوم العربي أن يقيم المسائل بعين مزرقة.
طوال تاريخ الإسلام كان فقهاء وقضاة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين يعملون بـ«عقوبة المرتد» بلا أية إشكالات جذرية نابعة من ضغط ثقافة أخرى.
وطوال تاريخ الإسلام كان فقهاء الصحابة والتابعين، وأتباع التابعين، ثم المذاهب الأربعة يتحفظون في العلاقة بين الرجل والمرأة، وفصلوا كثيرًا من أحكام الذرائع فيها، ثم فجأة وفي هذا العصر صارت أحكام المرأة تمثل «أزمة»!
وهكذا كان فقهاء ومجاهدو الإسلام جميعًا وبلا استثناء يقررون «جهاد الطلب» ويذكرون أحكامه الشرعية، وما فتوح الإسلام وغزوات المجاهدين في أصقاع الأرض إلا جهاد طلب؛ ثم جاءنا هؤلاء وصاروا يتطلبون المخارج لجهاد الطلب.
وهكذا كان فقهاء القرون المفضلة والمذاهب الأربعة يقررون الحسبة والإنكار ويذكرون تفاصيل نصوصها وأحكامها الشرعية، ثم بعد كل هذه القرون جاءنا مجموعة من المفكرين وقالوا كل هذا خطأ، وإنما يفرق في المنكر بين التعدي على الآخرين وبين المنكر الشخصي، فالمنكر الشخصي الذي لا يضر الآخرين لا إنكار فيه.
هذا إزراء بالعقول أن نصدق أن أحكامًا وأصولا شرعية بعد خمسة عشر قرنا تم تغييرها إلى ما يوافق ثقافة الغربي الغالب ويقول لنا أصحابها أن هذا كان بعد بحث لهم ونظر في النصوص!
«تغريب الفقه الإسلامي» ليوافق ثقافة الغالب!
الاحتكام للنص ليس مجرد قاعدة معلنة، بل يجب أن يظهر في التطبيقات والفروع، كما يشير القرآن لذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠].
كما نبه القرآن إلى ظاهرة (العلاقة البراجماتية مع النص) … كما يقول تعالى: ﴿وَإِذَا دُعوا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨، ٤٩].
ذكر الله تعالى في كتابه ظاهرة الكذب على الله» في مواضع كثيرة جدًا، ولا يكثر القرآن من ذكر أمر من الأمور إلا انعكاسا لأهميته القصوى، وكثرة وقوعه وابتلاء الناس به؛
ومن ذلك قوله تعالى مبينا غاية وغرض من يكذب على الله ألا وهو «إضلال الناس» كما يقول تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْم﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقال سبحانه مبينًا عاقبة من يكذب عليه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّهُ﴾ [الزمر: ٦٠].
والواقع أن الكذب على الله له مرتبتان: الكذب على الله في «الألفاظ»، والكذب على الله في «المعاني».
وهذان النوعان أشار إليهما الإمام ابن تيمية بتقسيم بديع حيث سماهما: «تحريف التنزيل»، و«تحريف التأويل».[18]
فالكذب على الله في الألفاظ، كما في الوضع في الحديث، قد أقام علماء الإسلام لمقاومته «علوم السنة النبوية»، وأما الكذب الله في المعاني، كما في تأويل الكلم عن مواضعه، فقد أقام علماء الإسلام لمقاومته علمي «العقيدة» و«الفقه».
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠].
وقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال الإلحاد في الآيات: (أن يوضع الكلام على غير موضعه).[19]
ومن تأمل تاريخ «النبوات» علم أن أكثر ضلال المليين ليس من جهة جحد ألفاظ الوحي، وإنما من جهة تأويل معانيه وإخراج ألفاظ الشارع عن معانيها التي أرادها.
وقد نقله ابن تيمية عنهم حيث قال: (بل اعترف حذاقهم أي الفلاسفة بما قاله ابن سينا وغيره من أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموس محمد ﷺ).[20]
وسبب ذلك ظاهر، حيث إنهم عاشوا زمن الدولة الإسلامية المنتصرة بنموذجها التشريعي السياسي فلم ينكسروا، وأما الحداثة اليونانية التي انفتحوا عليها فقد كانت عقلية إلهية، لا تشريعية سياسية منتصرة، ولذلك اتزنوا في مستوى التشريع، واضطربوا في مستوى العقيدة.
المبتدعة في التراث كانوا مبهورين بالحداثة اليونانية، فحاولوا التلفيق بين غيبيات الوحي وغيبيات اليونان. وأما مبتدعة عصرنا فهم مبهورون بالحداثة الغربية الغالبة، فحاولوا التلفيق بين تشريعات الوحي وتشريعات الغرب.
وفي إشارة مذهلة حين ذكر الله المحرمات في بعض آيات القرآن بدأ بها تصاعديًا؛ فلما بلغ الشرك، وهو أعظمها، ذكر بعده الافتراء على الله! وهذه إشارة قرآنية لا تخفى في شدة تشنيع التقول على الله وهول خطورته كما قال تعالى في آيات عظيمة: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقد حذر نبي الله موسى من عاقبة «الافتراء على الله» تحذيراً مُدويًا بأنه مستوجب للاستئصال والإهلاك كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١].
والله سبحانه وتعالى غني عن نصرتنا لدينه، ولكن ليبلو بعضنا ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.
هذه مشكلة «المتوالية الفكرية» حين يتبنى بعض الناس «مقدمات خاطئة» يسارع في تبنيها قبل الاستكشاف المسبق للوازمها.
هذا المفهوم يمكن أن نسميه «تجريد الإسلام»، أي جعل النص فكرة مجردة، ومؤدى كلام هؤلاء أن الإسلام لا يرتبط بأي تجربة بشرية.
ولكن أين يظهر أثر هذا المفهوم؟ الحقيقة أنه يظهر أثره حين يطلق أحدهم تفسيرًا معينًا لحكم من أحكام الوحي يتناقض جذريًا مع فهم الصحابة لهذه الآية أو الحديث.
المعطيات الشرعية التي أسست مفهوم «مرجعية السلف».
يقول تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ۱۰۰].
ويقول تعالى أيضًا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥].
قال سبحانه: ﴿اَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، زاد على ذلك بوصف كاشف فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
الله اختار أن يودع هذا المعنى أعظم سور القرآن على الإطلاق وهي سورة الفاتحة، وجعلنا نردد هذا المعنى مرات عديدة يوميًا خلال الصلوات.
النبي ﷺ حين شرح افتراق الناس في فهم الإسلام بيَّن الطَّريقة الصحيحة فقال: (هُم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).[21]
بل جعل النبي نموذج الصحابة «ضمانة دينية» للمجتمع المسلم فقال في صحيح مسلم: (أصحابي أمنةً لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون)،[22] وقال ﷺ في الحديث الشهير: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).[23]
«الرهان على البرهان» فاعرضوا فهمكم في هذه الأدلة، ونعرض فهمنا، والأسعد بالدليل هو الأسعد بالصواب.
وإذا عرضت آثار أصحاب محمد عليهم رضوان الله تبيَّن فعلًا من هو الأتبع لها، وطارت الدعاوى والشعارات. وينبوع الإحداث في دين الله كله ناشئ بسبب «ضعف تعظيم السلف» في عمق علمهم وكمال ديانتهم.
تأمل في جمهور الطوائف الكلامية التراثية الضالة اليوم، تجدهم يرددون أن (كلام السلف أسلم وكلام الخلف أعلم وأحكم).
حسنا؛ إذا كان أصحاب رسول الله معلمهم وشيخهم وأستاذهم هو الرسول نفسه ﷺ الموحى إليه، فكيف يكون معلموكم أصح من تعليم رسول الله؟! هذا طعن في كمال قيام النبي بأمانة تعليم الكتاب والحكمة.
والتابعون معلموهم أصحاب رسول الله، فكيف يكون معلموكم أصح من معلمين تخرجوا على يدي رسول الله ﷺ؟! وهكذا فيمن بعدهم.
لنتأمل ملاحظة ابن تيمية هذه: (وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها).[24]
كما يقول في «الفتوى الحموية الكبرى»: (اعتمدوا على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه، فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي).[25]
فصار مؤدى كلامهم أن هؤلاء الذين درسوا اللسانيات والهرمنيوطيقيا وفلسفة اللغة والنقد الأدبي -وهذه أصول علوم الدلالة في الفكر الغربي- أفقه في معنى القرآن والحديث من أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود، فأي زندقة في دين الله أكثر من ذلك؟!
ومن أعجب استدلالات ابن تيمية أنه لما ناقش مقولة ابن سينا التي لمز فيها الصحابة بضعف عقولهم وعظم فيها الفلاسفة حين قال ابن سينا: (فإن المبرزين المنفقين لياليهم وأيامهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم بسرعة الوقوف على المعاني الغامضة؛ يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل إيضاح وشرح وعبارة؛ فكيف غُتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب؟!).[26]
ومن أجمل ما في رد ابن تيمية على عبارة ابن سينا هذا الاستدلال حيث يقول: (وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس، واعتبر ذلك بأتباعهم، فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد، وإبراهيم الحربي، وعبد الملك بن حبيب الأندلسي، و البخاري ومسلم وأبي داود، وعثمان بن سعد الدارمي، بل ومثل أبي العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيرهم من أمثالهم، فإن شككت في ذلك: فأنت مفرط في الجهل أو مكابر؛ فانظر خضوع هؤلاء للصحابة، وتعظيمهم لعقلهم وعلمهم حتى أنه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف الواحد من الصحابة، إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر، وقد قال الشافعي في «الرسالة»: أنهم فوقنا في كل عقل وعلم وفضل ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا).[27]
فمن «الوسطية المطلوبة» في القرآن ذلك الدعاء القرآني المبهر الذي ندعوا به يوميًا عشرات المرات: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
قال تعالى عن هذه الوسطية المرفوضة: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلاء﴾ [النساء: ١٤٣].
كما يقولون بلغتهم المفضلة (نبني جسور العلاقات مع جميع الأطراف).
الطريف في الأمر أن هؤلاء الوسطيين تلعب بهم «النفعية» و «البراجماتية» إلى مداها الأقصى، فإن كان النفوذ لأصحاب الدعوة كانوا معهم، وإن كان النفوذ لخصوم الدعوة كانوا معهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١].
أن الوسطية المطلوبة في القرآن تجدها دوما «حق بين باطلين»، أما الوسطية المرفوضة في القرآن فتجدها دوما «وسط بين الحق والباطل».
التوسط بين منهج أصحاب محمد ﷺ والفكر الغربي الغالب فهذه وسطية مردودة مذمومة.
حين نتصفح الجزئيات يمكن أن نصل غالبًا إلى كليات دفينة.
ما هي أولًا «المدارس الفكرية» المخالفة لأهل السنة في نمط فهم الإسلام؟
هم أربع اتجاهات: (العلمانيون، الليبراليون، التنويريون، اليساريون).
هذه الطوائف الأربع يجمعها قاسم مشترك فكري واحد، أو آلية فكرية مشتركة؛ … ويمكن أن نسمي هذا (الميكانيزم) العقلي الذي تشتغل بواسطته كل هذه الطوائف الفكرية الأربع: «تجزئة الوحي».
فالطائفة الأولى «العلمانيون»، وأعني طبعا العلمانية المنتسبة للإسلام، وليست العلمانية اللا دينية، … لا تكاد تجد علمانيًا عربيًا إلا ويحفظ عن ظهر قلب حديث التأبير: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)،[28] لكنهم ينفرون من نصوص تحكيم الشريعة في الأمور المنصوصة.
والطائفة الثانية «الليبراليون فتجدهم يحفلون كثيرًا بأي نصوص شرعية تتحدث عن الحريات العامة، ومشاركة المرأة في المجتمع، لكنهم يتبرمون بأي نصوص قرآنية أو نبوية تأمر بالنهي عن المنكر، أو معاقبة المخالف للشريعة.
والطائفة الثالثة: «التنويريون وتجدهم يتغنون كثيرًا بنصوص العمران المادي للدنيا واستفادة النبي ﷺ مما عند الأمم الأخرى. … لكنهم يتضايقون من نصوص تعظيم التوحيد، توحيد الشعائر وتوحيد التشريع، وأنه أعظم المطالب الإلهية.
والطائفة الرابعة: «اليساريون» وهؤلاء اليساريون يشعرون بنشوة حقيقية حين تتلى عليهم آيتي الشورى وآيات مقاومة موسى لاستبداد فرعون، وإنكار شعيب على قومه مظالم الأموال … يروون لك حديث: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).[29]
لكنهم ينفرون نفورًا شديدًا من النصوص المعظمة للعقيدة، … وتتنغص سعادتهم إذا سمعوا آية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُم﴾ [النساء: ٥٩].
فانظر كيف أن العلمانيين اختزلوا الإسلام في حرية الاجتهاد المدني، والليبراليين اختزلوا الإسلام في الحريات العامة، والتنويريين اختزلوا الإسلام في قضايا الحضارة والعلوم المدنية، واليساريين اختزلوا الإسلام في الاحتجاج السياسي.
المشكلة فيما ينفون من تشريعات الإسلام.
منهج أهل السنة هو «استيعاب الوحي»، أي استيعاب خلاصة توازنات النصوص.
فالمخالفون لأهل السنة في باب الصفات الإلهية مثلاً، تجد فيهم «المُعطِّلة» (المعتزلة والأشاعرة والماتريدية) وتجد جوهر إشكالهم هو أنهم أخذوا بنصوص التنزيه وتركوا نصوص الإثبات، و «المُمثِّلة» أخذوا بنصوص الإثبات وتركوا نصوص التنزيه.
والمخالفون لأهل السنة في باب القدر، تجد فيهم «القدرية» (النُّفاة) وهؤلاء أخذوا بنُصُوص الاختيار والإرادة البشرية وتركوا نصوص الإرادة الإلهية، وفيهم «الجبرية» وهؤلاء أخذوا بنصوص الإرادة الإلهية وتركوا نصوص الإرادة البشرية، ولكن أهل السنة أخذوا بكلا المعطيين الشرعيين.
وفي استخلاص كلي رائع للإمام ابن تيمية حدد فيه هذه المعالم، وذلك في رسالته «العقيدة الواسطية» الشهيرة: (بل أهل السُّنَّة هُم الوسط في فرق الأمَّة، كما أنَّ الأمَّة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في «باب صفات الله» ما بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهُم وسط في «باب أفعال الله» بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي «باب وعيد الله» بين المرجئة، والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي «باب أسماء الإيمان والدين» بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي «أصحاب رسول الله» بين الرافضة والخوارج).[30]
تجزئة الوحي أو تقنية التَّبعيض ليست ظاهرة جديدة بتاتا؛ وإنما هي ظاهرة كشف الوحي لنا عنها مُبكِّرًا، حين قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: ٨٥].
وقد رصد الإمام ابن تيمية ظاهرة الإيمان المشروط وبين مُخالفتها لأصل الإسلام، حيث يقول: (ففي الجُملة: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بالرسول إيماناً جازمًا ليس مشروطًا بعدم مُعارض، فمتى قال «أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره» لم يكن مؤمنًا به فهذا أصل عظيم تجب معرفته، فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنِّفاق).[31]
بل أوضح الإمام ابن تيمية أنَّ صاحب هذه الحالة يتدهور إيمانه تدريجيًا ولا يمكن أن يبقى متدينا، كما يقول الإمام ابن تيمية: (ولهذا تجد من تعوَّد مُعارضة الشرع بالرَّأي لا يستقِرّ في قلبه الإيمان).[32]
وبذلك تحقق لنفسها شيئًا من الطمأنينة الدَّاخلية بأنها ما زالت تتصل بسبب إلى الإسلام وأنها تنطلق من الإسلام، وأن مشكلتها ليست مع الإسلام، ونحو هذه التضميدات العاطفية لمشاعر الانشقاق المنهجي.
بسبب كون الثقافة الغالبة ستصطدم حتماً ببعض المُعطيات الشرعية فقد راجت بين المدارس الفكرية المُعاصرة آليات التَّقليل والتَّخلُّص من المُعطيات الشرعية وأحد هذه الآليات الرَّائجة فكرة «حصر الشَّريعة في قطعي الثُّبُوت والدَّلالة».
فيبدؤون بالقول بأنَّه لا إنكار إلَّا في القطعيات، ثم ينتقلون للقول أنه لا مانع من تغيير كل حكم شرعي ما لم يكن قطعيًا، ثمَّ ينتقلون لتضييق مفهوم القطعي جدًا، فيجعلون أي مُخالف حتى لو كان خلافه شاذًا، يقدح في القطعية، ويجعلون أيّ احتمال في الدَّلالة حتى لو كان لا عبرة به يقدح في القطعية.
بل يجعلون أحيانًا عدم ورود الحكم في القرآن قادحًا في القطعية، وبعضهم يجعل عدم ورود الحكم في «الصحيحين» قادحًا في القطعية، وأن كل ذلك يحول المسألة إلى اجتهادية.
لا يتورعون عن التمسك بأدنى شبهة ليقدحوا في القطعية.
التمييز بين القطعي والظني أصلا تفريق أصولي تقليدي معروف قبل الجويني، فجمع هؤلاء الجهل بتاريخ المفاهيم الشرعية وسوء استغلالها.
والمؤدى النهائي لذلك كله إذا تأمله الباحث الموضوعي هو «اختزال الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة» فقط.
والله تعالى أمر العدد اليسير من الناس أن يبلغ دين الله كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال النبي ﷺ في أحاديث يبلغ المعنى المشترك فيها درجة التواتر القطعي: (بلغوا عني ولو آية)،[33] وقال: (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه)،[34] … النبي كان يرسل إلى الأمم رسولًا واحدًا يخبرهم بالإسلام كله وليس حديثًا واحدًا.
فيتردد على ألسنة كثير من المُنتسبين للثقافة أن (غالب الأحكام الفقهية ظنية).
وربما نقل بعضهم بعض الاقتباسات التي تعزز كلامه من بعض كتب أصول الفقه المتأخرة التي بنيت على أصول كلامية تجعل (الفقه من باب الظنون)، وبعضهم ينطلق من مبدأ أن (الخلاف دليل الظنية).
فما مدى الدقة العلمية لهذا التصوير لمستوى ثبوت الفقهيات؟
هاهنا جواب بديع لشيخ الإسلام في كتابه «الاستقامة» في الرد على من قال «الفقه من باب الظنون» حيث يقول: (ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامَّة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظنّ فيها إنَّما هو قليل جدًّا في بعض الحوادث لبعض المُجتهدين، فأمَّا غالب الأفعال مفادها وأحداثها فغالب أحكامها معلومة ولله الحمد وأعني بكونها معلومة أن العلم بها مُمكن، وهو حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها، لا أعني أن العلم بها حاصل لكل أحد).[35]
حين كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (ت٤٨١هـ) يتأمل دروب السالكين إلى الله ويتحدث عن منزلة الرغبة إلى الله، ذكر أن رغبة أهل العلم والإيمان الذين يسميهم «أهل الخبر»: (تمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص).[36]
يكثر بين هذه المدارس تفعيل الآليات التي تساعدهم في التخلص من بعض المعطيات الشرعية للسلامة من هذا التعارض وسبق أن ناقشنا آليتين، وهما «تقنية التبعيض» و «قطعنة الشريعة» وأمامنا الآن آلية أخرى، وهي «تتبع الرخص».
وخلاصة هذه الفكرة أن التراث الإسلامي يعج باجتهادات شرعية كثيرة، فإذا استطعنا جمع وأرشفة رخصة كل عالم أصبح لدينا ملف جاهز لتخريج وشرعنة المعطيات التي تفرضها علينا الثقافة الغالبة. (منهج سعد الدين الهلالي)
وقد قرأت مرة لأحد الكتاب قوله منفعلا: (كم هو مضحك أن يكون تتبع الرخص زندقة؛ مع أن الله يحب أن تؤتى رخصه؟! وأن هذه العبارة هي فكرة سقيمة يتوارثها المتأخرون فقط).
والحقيقة أن قائل هذا الكلام لم يفرق بين «رخص الله» و «رخص المجتهدين»، والفرق بينهما هو الفرق بالضبط بين «العمل العلمي» و«العمل التلفيقي».
فالعمل العلمي في «رخص الله» تعني أن نجتهد في تحقيق دلالات نصوص الوحي، وتحليل مضامينها بشكل منهجي منظم، لنصل إلى ما يغلب على الظن أنه رخصة من الله؛ فنعمل به.
أما العمل التلفيقي في «رخص المجتهدين» فيعني القيام بعملية انتقائية غير منهجية يتم فيها تتبع فقه كل إمام من أئمة المسلمين والأخذ بما رأى أنه رخصة، … فأصبح معيار الرخصة «وجود فتوى»، وليس «وجود دليل».
ولأضرب لك مثلا: أحدهم كنت أتناقش معه مرة في الأخذ من اللحية فقال لي: (ابن عمر أخذ من لحيته وفعل الصحابي حجة لأنه شاهد التنزيل).
ثم انتقلنا لمسألة المعازف فقلت له: (ابن مسعود حلف أن لهو الحديث هو الغناء)، فقال العبرة بالنص، وقول الصحابي اجتهاد لا يلزم مَن بعده.
ولم يكن بين قولتيه تلك إلَّا بضع دقائق!
وبالطبع فإن مسألتي المعازف واللحية كلتيهما ليستا من أولويات الدين، وإنما أردت التمثيل فقط على المنهجية المضطربة في أخذ الرخص.
هل تعتقد أن الشارع ﷺ حين قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه)[37] يقصد أنَّ الله يُحِبّ مِنَّا أن نتتبع مثل هذه الشذوذات الفقهية؟!
النتائج النهائية لأية فكرة تكشف الهشاشة العلمية في الفكرة ذاتها.
وهذا يقودنا إلى التذكير بأحد أهم مبادئ دراسة تاريخ المفاهيم، وهو «أن يكون البحث عن مضمون المفهوم، وليس عن أحد ألفاظه»، وهذا مبدأ منطقي تفرضه الموضوعية والعقلانية العلمية.
ولنضرب على ذلك مثلا: لو أردنا أن ندرس النشوء التاريخي لمفهوم «القياس»، فسنصل إلى أحكام مضللة قطعا إن بحثنا تاريخيا عن نفس لفظ «القياس»، إذ سنجد أن لفظ القياس غير متداول بين الصحابة والتابعين أصلًا كمصطلح فني رسمي للتعبير عن ظاهرة «إعطاء غير المنصوص حكم المنصوص».
لكن إن بحثنا عن المضمون ذاته وهو: «تعدية حكم المنصوص إلى غير المنصوص» فسنصل إلى أحكام تاريخية دقيقة، إذ سنكتشف أن القياس (بمضمونه) وليس (بلفظه) مُتداول وشائع في فقه الصحابة والتابعين.
الواقع أن مضمون تتبع الرخص بكل وضوح وإيجاز هو أنه: (إذا اختلف العلماء في مسألة: فيجوز الأخذ بـ «الأهون» على النفس، ولا يجب الأخذ بـ«الأرجح» دليلًا).
كثيرًا ما يقال: احذر تتبع «رخص العلماء» وترك الأدلة، أو احذر تتبع «شذوذات العلماء» وترك الأدلة، أو احذر تتبع «زلات العلماء» وترك الأدلة.
السلف أطبقوا على التشنيع الشديد على هذا المعنى، وربطوه بمعنى الانحلال من الدين والتكاليف الشرعية، وهذه بعض النماذج:
قال زياد بن حدير: قال لي عمر بن الخطاب: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت لا. قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين.[38]
واحتج بعض التابعين على ابن عباس بقول أبي بكر وعمر، فقال لهم ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونا عن أبي بكر وعمر.[39]
وقال الإمام صاحب المذهب المتبوع في المائة الثانية والثالثة في الشام والأندلس الإمام أبو عمرو الأوزاعي (١٥٨هـ): (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام).[40]
وقال الإمام سليمان التيمي (١٤٣هـ) وهو من علماء التابعين، فقد جالس أنس بن مالك وأخذ عنه الحديث: (لو أخذت برخصة كل عالم -أو زلة كل عالم- اجتمع فيك الشر كله).[41]
الرخصة في لسان السلف تطلق بإطلاقين:
الرخصة ضد العزيمة، وهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهي مزيد الامتنان برفع المشقة.
والرخصة ضد الوعيد، وهي نصوص الرجاء، وتطلق كثيرًا بهذا المعنى عند المتقدمين من السلف.
وقال إمام الحجاز، وشيخ الإمام مالك، وهو الإمام يحيى بن سعيد القطان (ت ١٤٣هـ) وهو من أجلة علماء التابعين: (لو أن رجلًا عمل بكل رخصة؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وقول أهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة: لكان فاسقًا).[42]
وقال إمام اليمن وأحد من دارت عليهم الأسانيد، الإمام معمر بن راشد (١٥٣هـ): (لو أن رجلًا أخذ بقول أهل المدينة في السماع وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في النبيذ؛ كان شر عباد الله).[43]
وقال الإمام أحمد بن حنبل صاحب المذهب المتبوع: (لو عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع -يعني الغناء-، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقًا لأخذه بالرخص، وتتبعه لها).[44]
وقال زاهد القرن الثاني الإمام إبراهيم بن أدهم (ت١٦٢هـ): (من حمل شاذ العلماء حمل شرًا كبيرًا).[45]
وقال إمام المالكية في القرن الثالث وقاضي بغداد في زمانه الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي (ت ٢٨٢هـ): (دخلتُ على المعتضد فدفع إلى كتابًا نظرت فيه -وكان قد الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه- فقلت له: يا أمير المؤمنين؛ مُصنِّف هذا الكتاب «زنديقٌ»! فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟! قلت: الأحاديث على ما رويت؛ ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلَّا وله زلةٌ، ومَن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها؛ ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب).[46]
وهذا حافظ المغرب الإمام أبو عمر ابن عبد البر (٤٦٣هـ)، لم يشنع على تتبع الرخص فقط؛ بل نقل الإجماع على ذلك، حيث يقول: (قال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. قال أبو عمر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا، والحمد لله).[47]
وقال العالم المثقف أبو محمد «ابن حزم» (ت ٤٥٦هـ): (وقومٌ بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى، إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم).[48]
وقال شيخ المقاصد الإمام الشاطبي (٧٩٠هـ) في رائعته «الموافقات»: (فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع «رخص المذاهب»، وكل قول وافق فيها هواه: فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في مُتابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع).[49]
وهناك دليل شرعي صريح في المسألة، وقد استدل به الشاطبي وغيره، حيث يقول الشاطبي في الاحتجاج لهذه المسألة: (فإن في مسائل الخلاف ضابطًا قرآنيًا ينفي اتباع الهوى جُملة، وهو قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩]. وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مُجتهدان، فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من مُتابعة الهوى والشهوة، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرُّجُوع إلى الله والرسول..، وأيضًا: فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسقٌ لا يحل. وأيضًا: فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مُختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمُكلَّف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيَّد بالترجيح؛ فإنه متبع للدَّليل، فلا يكون مُتَّبعًا للهوى ولا مُسقطاً للتَّكليف).[50]
ومن الأدلة الشرعية التي تشير الى هذا المبدأ الذي ذكره الشاطبي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وأيضًا: ما روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث النعمان بن بشير الشهير عن النبي، أنه قال: (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات [ وقع في الحرام]، كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه).[51]
قال ابن النجار في كتابه الأصولي الشهير «الكوكب المنير شرح مختصر التحرير»: (ويحرم عليه، أي: على العامي، تتبع الرخص، وهو أنه كلما وجد رخصةً في مذهب عمل بها، ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب، (ويفسق به) أي: بتتبع الرخص؛ لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين، فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره، قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً).[52]
إن كان الإنسان غير متخصص شرعي، وكانت المسألة تحتاج إلى متخصص حيث تعسر عليه تمييز الراجح فيها: فإنه لا يجوز له أيضًا اتباع الأخف والرخصة مطلقا، وما دام أنه لا مناص هاهنا من التقليد فإنه يجب عليه الترجيح بين أقوال المجتهدين بناء على «المرجحات الخارجية» مثل: الأعلم، أو الأتقى، أو الأكثر، أو اطمئنان النفس، أي: اطمئنان نفس المؤمن إلى ما فيه براءة الذمة بضد ما حاك في نفسه أنه الإثم.
ولمن أراد التوسع في هذا الموضوع فيمكنه مراجعة المعالجة المطولة البديعة التي عقدها الإمام ابن القيم لهذا الموضوع في كتابه «مدارج السالكين»،[53] وقسَّم فيها الرُّخصة إلى نوعين: «الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصّا»، و «رخص التأويلات واختلاف المذاهب».
ليس التجديد بمعنى إحياء ما اندثر من معاني الإسلام، وهو الذي جاء النص بتفخيم شأنه في حديث المجدد، وإنما معنى «التجديد» عندهم تحوير وتعديل الأحكام الشرعية لتتفق مع ثقافة الغالب.
صرح كثير من المستشرقين الذين درسوا الإسلام أن هذه المظاهر مظاهر وثنية» تبقت في الإسلام ولم يخرجها محمد ﷺ منه، أعز الله المناسك عن هذا الهراء.
فيلزم على مبدأ تطوير أحكام الإسلام ليتناسب مع ذوق العصر) أن نلغي شعيرة المناسك لأنها بحسب هذا المبدأ تشوه الإسلام وتدعو العقل العلمي المعاصر إلى ازدرائه.
فإن وافق هؤلاء على إلغاء المناسك فقد كفروا بركن من أركان الإسلام الخمسة، وإذا تمسك هؤلاء بشعيرة المناسك العظيمة برغم مخالفتها للذوق الغربي فقد ناقضوا مبدأهم الذي أزعجوا الناس به، وظهر أنهم يطبقونه بشكل تحكمي متناقض، بما أنه مبدأ (غير عقلاني).
ونحن نعرف أيضًا، أن العقل العلمي المعاصر لا يتقبل وجود كائنات مستترة على هذه الأرض اسمها الجن، برغم أن القرآن خصص سورة كاملة للحديث عن الجن، بل تحدث القرآن عن الجن في أكثر من (۳۰) آية متفرقة في القرآن، وأنه خلقهم من ﴿نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ۲۷]، وأنهم يطؤون: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وأنهم كانوا جنودًا لسليمان ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [النمل: ۱۷]. وأنهم استمعوا القرآن فتأثروا به ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أنصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩].
فبناء على حاكمية الذوق الغربي سيقال: أليس في التمسك بهذه النصوص القرآنية تشويه للإسلام وإعطاؤه صفة خرافية؟
وضع القرآن غير المسلمين [أم المقصود هو الكافر الجاحد المُنكر للحق؟!] في مرتبة مُنحطَّة، بتشبيههم بالدواب والأنعام والكلاب والحمير، كما يقول تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ﴾ [محمد: ۱۲] … ويقول في سورة الأنفال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥].
كما يتضمن القرآن تحريضًا وتشويقًا للقتال وتثمينا له كما يقول تعالى في ضرب الرقاب: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤].
ونحو هذه الآيات كثير، وهي آيات تتعارض جذريًا مع الذوق السلمي المعاصر. [هذا التصوير غير منضبط والأمر فيه تفصيل]
والقرآن مملوء بإجازة الرق وتشريع أحكامه، كتشريع وطء الأمة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].
ويتضمن القرآن حزمة من الآيات التي تدفع كلها باتجاه تضييق دائرة حراك المرأة، وتعطي هذه الآيات مؤشرًا واضحًا على تفريق الإسلام بين مجال حياة الرجل ومجال حياة المرأة.
وغير ذلك من الآيات التي تدفع باتجاه تحجيم وضبط نطاق حركة المرأة خارج المنزل، وهذه الآيات تتعارض جذريًا مع الذوق الغربي المنفلت تجاه المرأة والعلاقة بين الجنسين.
والآيات القرآنية العظيمة المُتعارضة مع الذوق الغربي كثيرة جدًا.
فكرة (تجديد الشريعة لتوافق الذوق المعاصر) فكرة متناقضة؛ لا يمكن العمل بها أصلا، وأنها تفضي للتسلسل، فلا تتوقف.
والمقصود هز الوعي المسلم لإدراك الفارق بين شرف الوحي وانحطاط الذوق الغربي.
خرجنا أصلًا عن حاكمية الوحي، ووقعنا في عبادة وتأليه «الذوق المعاصر».
كما في «صحيح مسلم» عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولا).[54]
هل نطور الوحي ليتناسب مع الذوق المعاصر، أم نطور الذوق المعاصر ليرتقي إلى الوحي؟
حملنا رسالة عظيمة تستهدف تربية الناس على الارتقاء والتطور ليصلوا إلى معاني الوحي ويعرفوا عظمتها.
ومن يقول لك إننا يجب أن نطور أحكام الإسلام لتتناسب مع الذوق المعاصر، ففي مقولته هذه معنى ضمني يخفيه، وهو أنه يعتقد أن الذوق المعاصر أرقى من أحكام الوحي!
ضغط الثقافة الغالبة على الشعائر (صلاة الكسوف نموذجا)
حتى الشعائر التي يفترض أنها شأن شخصي في أقل الأحوال لم تسلم من ارتياباتهم بسبب تعارض بعض أحكامها مع الثقافة الغربية الغالبة.
فقد سمعت بعض المنتسبين للثقافة المعاصرة يطرح تساؤلا حول جدوى صلاة الكسوف في هذا العصر: (ظاهرة الكسوف لم تعد اليوم ظاهرة مفاجئة، بل هي بفضل العلوم الفلكية الغربية المتقدمة باتت ظاهرة علمية يمكن التنبؤ بها مسبقا، فلذلك لا يمكن أن يقال: إنها تخويف، وبالتالي فلا جدوى من صلاة الكسوف في هذا العصر).
وليس من العسير أن يدرك الباحث أن البنية النفسية لهذا السؤال معجونة بالانكسار للعلوم الغربية المعاصرة واعتبارها مطلقات لا تقبل المخالفة.
حسنًا، جوهر القضية هاهنا يقودنا للبحث عن «أساس تشريع صلاة الكسوف» فهؤلاء الذين يقولون أننا اليوم بفضل العلوم الفلكية الغربية المعاصرة صرنا نعرف وقت الكسوف فلا معنى للصلاة وقعوا في خطأين بشكل مركب.
أولهما خطأ «فقهي» وهو أساس تشريع صلاة الكسوف.
والثاني خطأ «فلكي» وهو تاريخ المعرفة العلمية بمواعيد الكسوف.
معرفة مواعيد الكسوف علم فلكي قديم معروف قبل أن يشرع الله جل وعلا صلاة الكسوف أصلًا، وقبل نبوة محمد ﷺ، بمعنى أن الله شرع صلاة الكسوف وبنو آدم يمكنهم معرفة مواعيده بشكل علمي حسابي.
وثمة اليوم كتب وبحوث كثيرة تدرس «تاريخ التنبؤ بمواعيد الكسوف» وكيف تطور علميًا منذ أيام الرصد البابلي إلى عصر ابتكار التلسكوب؟[55]
وفي عصر المأمون قام حنين بن إسحاق المعروف بترجمة كتاب (بطليموس) في علم الفلك وسماه العرب (المجسطي)، ثم انتشر هذا الموضوع بين الفقهاء وصاروا يتحدثون عنه في كتبهم، وعن تفاصيل معرفة مواعيد الكسوف وممن شرح ذلك الفقيه المالكي ابن رشد الجد في «البيان والتحصيل»، وابن حزم في رسالته الطريفة «مراتب العلوم»، والقرافي في «الذخيرة»، والذهبي في «تاريخ الإسلام»، والرازي، وغيرهم، وأما المعاصرون فكثير؛ كابن عاشور والألوسي وغيرهم.
فقد وضح شيخ المالكية ابن رشد الجد (ت٥٢٠هـ) صحة معرفة مواعيد الكسوف بالحساب الفلكي ثم قال: (ليس في معرفة وقت الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب؛ ادعاء علم غيب، ولا ضلالة وكفر، على وجه من الوجوه).[56]
وممن قرر مبدأ الإمكانية البشرية لمعرفة مواعيد الكسوف والخسوف أبو العباس ابن تيمية حيث يقول: (يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل، كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهلة وما يستقبل؛ إذ كل ذلك بحساب، كما قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]).[57]
ونبه الإمام ابن تيمية إلى أن من قرائن صحة معرفة مواعيد الكسوف والخسوف أن الفلكيين تتفق كلمتهم عليه، حيث يقول: (إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك).[58]
ومن المسائل التي يثيرها بعض الناس هو أنه هل يسوغ للإنسان أن يستعد للصلاة بناءً على خبر الفلكيين؟ وقد أجاب ابن تيمية على ذلك وشرح الأساس الفقهي له، فقال: (إذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك، أو غلب على ظنه، فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك، واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك؛ كان هذا حثًّا من باب المُسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته).[59]
والحقيقة أن النصوص التراثية حول الموضوع كثيرة، ويبدو أن ما سبق كافٍ في برهنة قدم معرفة مواعيد الخسوف والكسوف، وأنها قبل أن يشرع الله صلاة الكسوف، بل قبل بعثة محمد، وأن فقهاء الإسلام الكبار قرروا أنها من العلوم الفلكية الصحيحة، ووضحوا أنها لا تعارض أساس شرعية صلاة الخسوف والكسوف.
وهذا يؤكد أن «صلاة الكسوف» ليس الأساس التشريعي لها كون بني آدم يجهلون موعد الكسوف، أو كونه يفاجئهم بشكل اعتباطي خارج عن السنن الكونية؛ بل أساس تشريع صلاة الكسوف هو عظمة الآية ذاتها، فهذا النور الذي قال الله عنه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: ٥] يذهب ضوؤه بشكل مهيب بما يذكر الناس بذهاب ضوء هذه الآيات يوم القيامة كما قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير: ١، ٢]، ولذلك قال النبي عن هاتين الآيتين: (يخوف بهما عباده)،[60] والتخويف ليس ناشئًا بسبب الجهل بموعد وقوع الآية، وإنما فرع عن هول الآية ذاتها.
أيضا التذكير بالنظام والإحكام والتَّصميم والإتقان، وكل هذا يدل على وجود الله وصحة دين الإسلام، وبالتالي داعي للخوف من الله يوم الحساب.
وأما كوننا نعرف مواعيده فهذا ليس له أثر على انفعال الأثر الإيماني العظيم لهذه الآية لمن كان له عقل وقلب حي، ونظير ذلك أن «يوم عرفة» نحن نعرف موعده بدقة ومع ذلك إذا جاءت ساعاته وقربت لحظات غروب ذلك اليوم العظيم تجد قلوب غالب المؤمنين لا تملك مشاعرها ورقتها وخشيتها من الله، برغم أنها تعرف موعد هذا اليوم تمامًا. وكذلك الإنسان إذا صعد علوًا يكبر تعظيما لله وهيبة له سبحانه، برغم أنه يعرف أنه سيصعد، فهل كونه يعرف يلغي فائدة التكبير؟
ومن تأمل في هذه النظائر وأمثالها علم علما قطعيًا أن معرفة زمن الحدث مسبقًا لا يلغي هيبة الحدث ذاته.
والهدف من معالجة هذا النموذج كشف الجهل الفادح لدى كثير من المهولين للثقافة الغالبة، وتسرعهم في تبني مواقف خاطئة شرعًا وتاريخا.
الفصل الثاني: العلوم المعيارية
ثمة فنون في تاريخ العلوم الشرعية تسمى «علوم المقاصد» مثل «العقيدة» و «الفقه، وثمة فنون أخرى تسمى «علوم الآلة»، أو العلوم المعيارية، ومن أهمها «أصول الفقه» و «مصطلح الحديث».
فأصول الفقه مسؤول بالدرجة الأولى عن ضبط الدلالة، ومصطلح الحديث مسؤول بالدرجة الأولى عن ضبط الثبوت، والمعطيات الشرعية قائمة على هذين الركنين: الثبوت والدلالة.
ومن الدعاوى التي طرحها وكلاء الثقافة الغالبة ما يلي: أن علم أصول الفقه علم اجتهادي، فما المانع أن نطوره؟، وأن أصول الفقه ابتكرها الشافعي، ولذلك فهي مرتبطة باحتياجات عصره، فيلزم أن نطورها لتتناسب مع احتياجات عصرنا، وتوسيع مصادر التشريع والتلقي ليكون «العقل» مصدر تشريع.
علم أصول الفقه: علم اجتهادي أم قطعي؟
يتوهم الخاضعون لسلطة الثقافة الغالبة أن علم أصول الفقه بكامله علم اجتهادي، وهذا من جهلهم بعلوم الشريعة، وليس جهلهم فقط بعلم أصول الفقه، فإن علوم الشريعة كلها لا يوجد فيها علم بكامله اجتهادي ولا علم بكامله قطعي.
بل علوم الشريعة كلها (العقيدة، التفسير، الحديث، الفقه، أصول الفقه، مقاصد الشريعة، إلخ) فيها مبادئ قطعية ثابتة لا تتغير، وفيها مسائل اجتهادية قابلة للنظر والاجتهاد والتحقيق والبحث وإعادة التحري.
ففي علم «أصول الفقه» هناك أصول قطعية ثابتة لا تتغير، وهناك مسائل «موضوعية» و «فنية» هي من قبيل المسائل الاجتهادية، فمن المسائل القطعية الثابتة:
أن مصدر التشريع الرئيسي هو «الوحي» قرآنا وسنة، ولا يجوز استحداث أي مصدر تشريعي آخر.
أما بقية مصادر التشريع الأخرى فهي «مصادر فرعية» يجب أن يوجد دليل شرعي من القرآن والسنة عليها: فالإجماع، والقياس، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعقل، كلها مصادر فرعية تبعية، تتأسس على القرآن والسنة.
أصول الفقه (مصادر التشريع وقواعد فهم النص) تأسست في ذات اللحظة التي هبط فيها النص نفسه، … لأنه وبكل إيجاز يستحيل أن يبقى النص الشرعي بلا قواعد لفهمه حتى عصر الشافعي (ت ٢٠٤هـ)!
بمجرد أن يقف الشافعي لا سلف له ستكون هذه القواعد في قفص الاتهام؛ لأن الرهان حينذاك، وما يزال، على تحقيق منهج النبي ﷺ وأصحابه، وليس على الإحداث في الدين.
وباستعراض سريع لقضايا أصول الفقه الجوهرية يكتشف الباحث أنها كلها كانت مطروقة قبل الشافعي.
وكل الذي صنعه الشافعي إنما هو «إفراد» هذه القضايا العلمية في مصنف مستقل، وتجريد بعض التطبيقات إلى أصول كلية.
فيجب أن نفرق بين مستويين مهمين من مستويات التعاطي مع «علم أصول الفقه».
فهناك المستوى الأول وهو «الجانب الفني»، مثل: سبك الاصطلاحات، أو التقسيمات، أو التعريفات، أو تنظيم المتفرق، أو استخلاص التطبيقات في مبادئ عامة، ونحو ذلك، فهذه كلها بدأت قبل الشافعي، ولم تنته إلى اليوم، وما زال علماء الإسلام يشجعون الإبداع والتجديد فيها.
وهناك المستوى الآخر وهو جانب «المحتوى الموضوعي» وهو الحقائق الموضوعية لعلم أصول الفقه، والمحتوى الموضوعي لأصول الفقه يقوم على أساسين: «أدلة الفقه الإجمالية» كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، و «قواعد فهم النص» كصيغ الأمر والنهي، والجمع بين الأدلة، وتقديم الناسخ على المنسوخ، وتقديم الخاص على العام، ونحوها.
فهذه كلها موجودة قبل الشافعي، ولم تتغير إلى اليوم.
يطول تعجبي من دقة عبارة الإمام ابن تيمية حين وصف المهمة التي قام بها الشافعي، فقال: (فمعلوم أن أول من عرف أنه «جرد الكلام» في أصول الفقه هو الشافعي).[61]
وعبارة «جرَّد الكلام» في لسان السلف تعني أفرد هذا العلم بمصنف مستقل.
بل حتى المستشرقين المشهورين بانحيازاتهم في دراسة تاريخ التشريع؛ كالمستشرق الألماني المشهور جوزیف شاخت (ت١٩٦٩م)، … اضطر للاعتراف بأن الشافعي ليس هو مخترع أصول الفقه، بل هي موجودة قبل الشافعي.
يقول شاخت: (وقد خطا الشافعي بعلم أصول الفقه خطوات هامة، اعتمدت على تطور هذا العلم قبل الشافعي).[62]
هذا الطرح دليل كاسح على جهلهم بأصول الفقه أصلا، فالفقهاء والأصوليون جميعًا إذا قسموا الأدلة الشرعية قالوا: إنها تنقسم إلى قسمين: دليل نقلي، ودليل عقلي، وأشهر كتب أصول الفقه هو «المستصفى»، وحين ذكر الأدلة الشرعية جعل رابعها: «دليل العقل»،[63] وانتقد ابن تيمية تقسيم الأدلة الى (دليل شرعي ودليل عقلي)،[64] وقال إن الأدلة الشرعية قسمان: دليل نقلي، ودليل عقلي، فجعل الدليل العقلي من الأدلة الشرعية، وليس مقابلاً وقسيماً لها، فالعقل في الشريعة له دور كبير في الفقه الإسلامي عمومًا، وفي أصول الفقه خصوصا، ومن ذلك:
– فهم النص: فهو علم عقلي قائم على النظر في الألفاظ والسياق والقرائن بهدف استخلاص المعنى.
– القياس: وهو أصلًا عملية عقلية يتم فيها تعدية معنى الحكم المنصوص إلى غير المنصوص.
– الاستصحاب: وهو البقاء على الحال الأصلية قبل ورود الشرع.
– السياسة الشرعية: علم قائم على العقل والنظر في المصلحة والمفسدة.
– مقاصد الشريعة: وهو علم قائم على النظر في جزئيات النصوص واستخلاص المبادئ العامة والغايات النهائية للشارع.
– الترجيح بين الأقوال: وهو علم عقلي قائم على موازنة الأدلة والاعتبارات.
– تصحيح الأحاديث وتضعيفها: وهو علم عقلي بحت قائم على دراسة أحوال الرواة، ومقارنة المرويات، واحتمالات الخطأ، والقابلية التاريخية للثبوت.
حين بدأ المستشرقون عملياتهم البحثية في المشرق العربي أصبح من أهم أطروحاتهم «التشكيك في تدوين القرآن والسنة».
أما في تدوين السنة فمن أكثر ما كثفوا معاولهم عليه الطعن المكثرين من رواية الحديث؛ فرأوا أبا هريرة أكثر من روى الحديث من طبقة الصحابة، والزهري أشهر من دارت عليهم الأسانيد من طبقة التابعين، فخصوهما بالطعون والتشكيكات.
وأفضل ما كتب في موضوع التدوين المبكر للسنة ما سجله فؤاد سزكين عن تدوين السنة في موسوعته «تاريخ التراث العربي»،[65] ثم رسالة الدكتوراه للشيخ الأعظمي والتي نوقشت في كامبردج،[66] ثم ترجمها وطبعها بالعربية وكشف فيها تفصيلاً (اللا منهجية العلمية) لأطروحات جولدزيهر وشاخت والتي يرددها اليوم بعض المثقفين العرب.
الاستفهام حول عدد مرويات أبي هريرة
يذكر بعضهم بأنه بلغت أحاديث أبي هريرة أكثر من (5000) حديث، وأن هذا رقم ضخم جدا يضع علامات الاستفهام ويسبب الارتياب في مصدر هذه الأحاديث.
والواقع من خلال مسند أحمد وهو أوسع وأدق مسانيد السنة التي بين أيدينا أن مرويات أبي هريرة لا تبلغ إلا (۱۳۰۰) حديث، وهذا الرقم مع عدم حذف المكرر، وهذا العدد يشمل الصحيح والضعيف أيضًا!
استنكار انفراد أبي هريرة بالأحاديث الكثيرة
الأحاديث التي رواها أبو هريرة شاركه في روايتها صحابة آخرون، فلم ينفرد أبو هريرة إلا بنزر يسير من الأحاديث لا تبلغ العشرات.
محمد عبده يماني، أبو هريرة: أمانة الرواية وصدقها، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٩٨١٦) تاريخ (١٣ أكتوبر ٢٠٠٥م).
ومن مصادر الإشكال في هذا الاعتراض توهمهم أن الصحابي إذا قال: (قال رسول الله) فإنه محمول على المشافهة عن الرسول!
أكثر رواية الصحابة في الأصل ليست عن النبي، بل هي رواية بعضهم عن بعض فالصحابة يروون عن بعضهم، وخصوصا صغار الصحابة، ومن تأخر إسلامهم.
وهذه الظاهرة يسميها علماء المُصطلح «مرسل الصحابي».
ومن شواهد ذلك:
قال البراء بن عازب: (ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه؛ بل سمع بعضنا من بعض ولكنا لا نكذب).[67]
وقال ابن طاهر في كتاب «اليواقيت»: (كان من مذهب الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا صح عندهم أن رسول الله ﷺ ذكر حديثًا رووه عنه من غير أن تذكر الواسطة بينهم).[68]
قال السيوطي في تدريب الراوي: (أما مرسله أي الصحابي كإخباره عن شيء فعله رسول الله ﷺ أو نحوه، مما يعلم أنه لم يحضر، لصغر سنه أو تأخر إسلامه، فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها).[69]
النبي ﷺ كان يعزز في أصحابه استعداداتهم الذاتية ويكلفهم المهام الموافقة لها، … وكان أبو هريرة وابن عمر وأنس هم أهم المتخصصين في رواية السنة.
وقد كان كبار التابعين يحرصون على أبي هريرة أكثر من غيره لتميزه بالحفظ وسعة الرواية ومحبته لتبليغ الحديث.
وقد شهد له الصحابة والأئمة بحفظ الحديث، فقد كان الصحابي الجليل ابن عمر يترحم على أبي هريرة في جنازته ويقول: (كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين)،[70] وقال ابن عمر أيضًا لأبي هريرة: (كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه).[71]
ولذلك حين اشتكى أبو هريرة للنبي ﷺ نسيانه بعض الأحاديث؛ دعا له النبي فكان بعد ذلك لا ينسى شيئًا، وكان أبو هريرة لا يعمل وليس له وظيفة وإنما كان يتتبع النبي ويحفظ أقواله.
أما المدة التي صحب فيها رسول الله فليست مدة يسيرة، بل تبلغ (١٤٦٠) يومًا كان يلازمه فيها ملازمة تامة.
وبسبب تخصصه في رواية السنة فلم ينقل عنه كثير تفسير مثلا، ولو كان رجلا غير صادق لتكلم في كل فن لكنه لم يتكلم إلا فيما حفظه.
استشكال نهي عمر لأبي هريرة عن الرواية
الذي جاء في كتب التاريخ أنه قال له عمر: «أو لألحقنك بأرض القردة» ليس الصحابي أبا هريرة، بل قالها عمر للتابعي «كعب الأحبار» في قضية التحديث عن أهل الكتاب، فجعلها المعترض في حق أبي هريرة.
فلو تتبعنا سلسلة هذه الإشاعة لاكتشفنا أن صانع هذا التدليس والمفبرك الأول هو الهالك أبو رية في كتابه سيئ الذكر أضواء على «السنة وعنه تناقل كثير من الشبّان المستعجلين هذا الخلط وبثوه في منتدياتنا، وقد نبه العلماء المتخصصون على «كذبة أبي رية» هذه مبكرًا، ولكن المشتكى الى الله، ما حيلتنا إزاء تراجع الحس المنهجي العلمي في الشباب المثقف اليوم؟
ويمكن أيضًا أن يكون أبو رية نفسه ضحية لمن نقل عنهم من المستشرقين، فقد تكون هذه الفبركة من (جولدزيهر)، فله في مثلها نظائر كشفها الشيخ مصطفى السباعي في كتابه المشهور عن السنة، وناقش فيها تلميذ (جولدزيهر) القائم بعلمه وهو (جوزيف شاخت) وصدم حينها شاخت، وجولدزيهر من مصادر أبي رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية.
ومع ذلك، فهذا الخبر ضعيف أصلاً، فيه علتان: الأولى أن محمد بن زرعة الرعيني «مجهول»، والثانية: «الانقطاع» بين إسماعيل بن عبيد الله والسائب بن يزيد، وفضلاً عن ذلك لا يعرف في شيء من دواوين السنة التي عليها مدار الإسلام.
كان عمر ينهى الصحابة جميعًا عن الإكثار من التحديث، وقد لخص العلامة الذهبي الآثار الواردة عن عمر في ذلك، وعقب على ذلك بأن هذا اجتهاد في مقابل اجتهاد غيره من الصحابة، حيث يقول الذهبي في عبارة دقيقة: (هكذا كان عمر رضي الله عنه يقول: «أقلوا الحديث عن رسول الله»، وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره).[72]
بعض الصحابة كان يرى أن الإكثار من رواية الحديث سيترتب عليه أمران: أنه ذريعة إلى انصراف التابعين إلى الحديث وترك القرآن، وخصوصًا حديثي العهد بالإسلام، واحتمال الخطأ مع التوسع في الرواية.
ويكشف خلفيات اجتهاد عمر هذا الخبر الثابت عنه في «مستدرك الحاكم» وفيه قال عمر: (إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ، وامضوا وأنا شريككم).[73]
فهذه من الحالات التي كان يراعيها عمر، كترتيب الأولويات، وتقديم العناية بالقرآن ثم العناية بالسنة، ومراعاة حديثي العهد بالإسلام، ولم يكن مقصود عمر ترك الرواية وكتم العلم فقد روى عمر ذاته طبقًا لابن حزم (٥٣٧) حديثا.
دعوى تعارض أحاديث أبي هريرة مع القرآن
ليس في الصحيحين حديث متفق عليه يعارض القرآن، ولو كان كذلك لكان هذا علة في متنه أصلًا.
أما المثال الذي ذكره المعترض فليس من الأحاديث المتفق عليها، وليس حديثاً ثابتاً حسب المعايير الحديثية أساسا، بل هو حديث ضعفه جماهير المحدثين كالبخاري، وابن المديني، ويحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي والبيهقي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم كثير.
فهذا الحديث الذي يشير إليه السائل هو الحديث الشهير: «خلق الله التربة يوم السبت ..» الحديث.
وهذا الحديث خرجه مسلم، وانتقده الحُفَّاظ عليه، والعِلَّة في هذا الحديث أنَّ الراوي غلط فنسبه إلى النبي، وهو من كلام كعب الأحبار، قال الإمام ابن تيمية في الفتاوي: (وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله «خلق الله التربة يوم السبت»: فهو حديث «معلول»، قدح فيه أئمة الحديث: كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب وقد ذكر تعليله البيهقي أيضًا، وبينوا أنه غلط، ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه).[74]
وقال الإمام ابن تيمية في «الجواب الصحيح»: (وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ قليلة غلط، وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها، مثل ما روى «أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة»، فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث: كيحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري، وغيرهم، أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي بل صرح البخاري في «تاريخه الكبير» أنه من كلام كعب الأحبار، كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، ويبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في الصحيح أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فيكون أول الخلق يوم الأحد).[75]
والواقع أنه لو رجع لكتاب «المنار المنيف» لابن القيم لاكتشف قواعد «نقد متون السُّنَّة» عند أهل الحديث، فالحديث إذا عارض العقل القطعي أو دلالة القرآن القطعية، فإن هذا علة فيه تكشف أن ثمة خللا إسناديًا دقيقًا، لكن كثيراً من الصحفيين المسلوبين للثقافة الغربية الغالبة لا يُفرِّق بين تعارض السُّنَّة مع العقل وتعارض السُّنَّة مع الرأي الشخصي!
استشكال معارضة بعض الصحابة لأبي هريرة
أظن المعترض يقصد عائشة حين ردت على أبي هريرة حديث (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود)، وذلك حين قالت عائشة: (أعدلتمونا بالكلاب والحمر؟!).
ولم تعترض عائشة على أبي هريرة وحده، بل اعترضت على كل من روى هذا الحديث من الصحابة، حيث روى هذا الحديث من الصحابة خمسة أبو هريرة، وابن عباس، وأبو ذر، وعبد الله بن مغفل، والحكم بن عمرو.
لكن عائشة استنكرته لأنها كانت كما تقول: (قد شبهتمونا بالحمير والكلاب! والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعةً فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله ﷺ فأنسل من عند رجليه).[76]
وأساس هذه الإشكالية أن يستحضر الباحث أن «الخلاف بين الصحابة» وقع في كثير من المسائل والأحاديث، حيث كان كل منهم يعمل بما سمعه ورآه من النبي، ويستنكر إذا كان ظاهر ما معه يتعارض مع ظاهر ما مع غيره، وقد كثر استنكار عائشة على بعض الصحابة مروياتهم، ولذلك جمعها الإمام الزركشي في كتاب وسماه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»، وقد ذكر فيه الإمام الزركشي هذا الحديث: (يقطع الصلاة المرأة..)،[77] وذكر اختلاف الصحابة فيه.
استشكال رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار
المعترض لم يمنح نفسه فرصة للتأمل، لأنَّ هذه المقولة التي يذكرها الإمام بسر بن سعيد هي دفاع عن أبي هريرة، وكشف مصدر الخطأ: وهو الرواة الضعفاء الذين يجالسون أبا هريرة، وهذا عين ما أردنا إثباته في كل المناقشات السابقة، وتأمَّل مقولة بسر بن سعيد بتمامها:
(عن بسر بن سعيد قال: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله!).[78]
هؤلاء الضعفاء لم يعتد بمروياتهم أصلا! فالإمام بسر بن سعيد هاهنا لا يحذر من أبي هريرة، ولكنه يحذر من الرواة الضعفاء عن أبي هريرة، وهذا معنى ظاهر جدا في القصة.
بقية الرواة اعتمدنا في توثيقهم على أئمة الجرح والتعديل، أما الصحابة الذين احتفوا برسول الله ﷺ ونقلوا لنا سنته فقد اعتمدنا في توثيقهم على آيات قرآنية، وأحاديث نبوية مستفيضة، في تعديلهم والثناء على علمهم، والقرآن والحديث أدق من كلام علماء الجرح والتعديل قطعا.
كل الأحاديث التي فيها أصول الإسلام وقواعد الشريعة رواها مشاهير الصحابة، فحتى لو قدحنا في حفظ الصحابة غير المشهورين، فإن أصول أحكام الشريعة مستقرة برواية غيرهم من مشاهير الصحابة.
فكرة عرض الأحاديث على القرآن والعقل
فكرة اعتبار الحديث ببقية مصادر التشريع هذه كلها معايير مطبقة أصلاً، لكن بمنهج علمي مركب.
كنت أظن أن هذه الحالة (تأويل القرآن، تكذيب السنة) حالة فكرية جديدة، … المتكلم الشهير بشر المريسي (ت٢١٨هـ) يقول: (إذا احتجوا عليكم بالقرآن فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأحاديث فادفعوها بالتكذيب).[79]
في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ ..، ولو أن امرءًا قال: «لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن»، لكان كافرًا بإجماع الأمة.
من هذه الآليات التي أكثروا منها توسيع وبعج مفهوم «نقد المتون» أي: متون السنة النبوية.
ولكن هناك أيضًا في التراث الإسلامي تطبيقات خاطئة وقعت من بعض المنتسبين للعلم، فجاء بعض المنهزمين للثقافة الغالبة وحاول استثمار هذه التطبيقات الخاطئة؛ لأن المنهج العلمي عند أهل الحديث يتنافى جذريًا مع سلوكياتهم.
احتج بعض هؤلاء بحادثة نسبت لأبي بكر الجصاص في رده أحاديث «سحر النبي» ﷺ التي رواها البخاري، وما كتبه رشيد رضا في رده لحديث: «إذا وقع الذباب» المروي في البخاري.[80]
فأما احتجاجهم بفعل أبي بكر الرازي المعروف بالجصاص، فإن أبا بكر هذا قد دخل في «الاعتزال»، وتجرؤه في رد بعض الأحاديث النبوية إنما دخل عليه بسبب اعتزالياته، وليس ثم جديد في كون الفرق الضالة ترد السنن النبوية.
ومن ذلك قال عن الإمام حافظ الدنيا سفيان بن عيينة: (وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطأ)،[81] ومن يقول هذا الكلام عن سفيان بن عيينة الذي هو أحد من دارت عليهم أسانيد طبقة أتباع التابعين؟!
ومثل هذه الجرأة في لمز أئمة أهل الأثر هي من أخص خصائص الروح الاعتزالية، ومن راجع مقدمة ابن قتيبة لكتابه «تأويل مختلف الحديث» استحوذ عليه العجب من تلك القصص والأخبار التي ساقها ابن قتيبة عن سلوكيات وتصرفات أئمة المعتزلة.
على أن الإنصاف يقتضي أن نشير إلى أن الجصاص ليس من المعتزلة الخلص، وإنما شارك المعتزلة في بعض أصولهم، وتسربت إليه بعض ضلالاتهم من بعض شيوخ المعتزلة الذين درس عليهم، وأما كتابه عن أحكام القرآن ففيه من نفائس الاستنباطات والمناقشات شيء لا يستغني عنه طالب العلم الجاد.
الأستاذ رشيد رضا مر بثلاث مراحل، كان في مرحلته الأولى «صوفيا» كما يقول عن نفسه في مقدمة تفسير المنار: (كنت من قبل اشتغالي بطلب العلم في طرابلس الشام مشتغلًا بالعبادة ميالا إلى التصوف).[82]
ثم في المرحلة الثانية تعرف على ما يسمى بالمدرسة الإصلاحية التي كان زعيماها (الأفغاني، وعبده)، وهي مدرسة تحارب الملاحدة وأهل السنة على حد سواء، وتبني أفكارها في صورة إسلام مستغرب، وقد انبهر رشيد رضا بأستاذه محمد عبده وانفعل به كثيرًا كما يقول في مقدمة «تفسيره»: (حكيمي الشرق، ومجددي الإسلام ومصلحي العصر: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري).[83]
وبدأت المرحلة الثالثة من وفاة الشيخ محمد عبده … وبدأ يزداد عنده الميل إلى أهل السنة وتعظيم الحديث، … ولذلك يقول أيضًا في مقدمة «تفسيره» عن مرحلته الثالثة هذه: (هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته -أي الشيخ محمد عبده- خالفت منهجه رحمه الله بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة).[84]
وسائر ما يوجد لمشايخ أهل السنة المعاصرين من ثناء على رشيد رضا فإنما هو بسبب ما حمدوه له من التحول الإجمالي إلى نصرة طريقة السلف.
والقضية ليست في نقد المتون بطريقة المحدثين التي تجمع بين علة السند وعلة المتن كالشذوذ والنكارة، ونحوها، مما يعرف بمقارنة طرق الحديث، وإنما القضية في التبجح برد الأحاديث بالذوق المحض تحت تأثير الثقافة والقيم الغربية الغالبة.
أسأل الله أن يُعمِّر قُلُوبنا جميعًا بتوقير سيد ولد آدم، وتعظيم حرمته، والهيبة عند سماع حديثه.
سنحاول هاهنا أن نسلط الضوء على اختلاف جوهري بين مفهوم التجديد في العلوم الشرعية ومفهوم التجديد في العلوم المدنية، وسنجعل هذه المقارنة من خلال ما يسمى «الممثل النموذجي»، وهما «الشافعي» و «آينشتاين».
«الشافعي» رمز العلوم الشرعية، و «آينشتاين» رمز العلوم المدنية. … أحدهما ينشد خط النهاية، والآخر ينشد خط البداية.
بمعنى أن «آينشتاين» كان كل همه أن يتجاوز مفاهيم عصره، ويبتكر نظريات جديدة غير معروفة، أما «الشافعي» فكان كل همه أن يسترجع المفاهيم السابقة وينفض عنها الغبار.
«الاستحداث» في العلوم المدنية: مؤشر إبداع مطلوب، و «الاستحداث» في العلوم الشرعية مؤشر تراجع وانحطاط.
التفسير الانقلابي لمعنى التجديد في العلوم الشرعية تسرب جزء كبير منه من خلال التأثر الخاطئ بقراءة تاريخ العلوم المدنية كالفلسفة والنظريات العلمية ومحاولة إسقاط فكرة الثورات والنظريات والتحولات الجذرية والانقلابات العلمية المفاهيمية على «العلوم الشرعية»، وهذا خطأ قاتل.
هذه الحياة مبنية على تقابل إرادتين إرادة بشرية وإرادة إلهية: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةُ} [الأنفال: ٦٧]
حين تصارع الخطاب الشرعي بمنظومة (أيديولوجية) بديلة، سواء تراثية كالمعتزلة مثلًا، أو مُعاصرة كالماركسية مثلاً؛ فإنك ستخسر حتمًا، فلا يوجد أي منظومة بديلة قادرة على مقاومة الخطاب الشرعي السني، فالمعتزلة والماركسية كلاهما فرضا على الناس بقوة النظام، وليس بانبعاث شعبي داخلي.
وسأعرض بعض قسمات وملامح «استراتيجية اللا بديل» التي صار يتبناها اليوم بعض مروجي الثقافة الغربية الغالبة:
يقول لك: النص لا نهائي التفسيرات ويتوقف، دون تعيين.
يقول لك: (يجب تجديد أصول الفقه ويسكت).
ماذا تستطيع أن تناقش؟ لا شيء!
يمكن القول أن أكثر خطاب منحرف مخاتلةً ومداورةً هو صاحب استراتيجية اللا بديل، لأنه يراهن على «تقويض اليقين» بالخطاب الشرعي السُّنِّيّ، لكنه يجبن عن أن يقدم مباشرة بديله المضمر؛ لأن استراتيجيته تقوم على أن الشاب حين يسقط يقينه فيمكن أن يتشرب البدائل الضعيفة بهدوء.
تلك الكتب المراوغة التي تكتفي بطرح الشكوك وتتحاشي طرح أي أحكام شرعية بديلة.
حجج العدم والوجود، وإنما يوازن بين وجودين.
ولا يعشق الغموض إلا من يخشى الضوء.
حين يتصدع اليقين بالإرادة الإلهية يصبح القلب مهيئًا لشحنه بأي الإرادات البشرية شئت، ولذلك كان من أكثر أنواع الأمراض التي نبه عليها القرآن مرض الارتياب، فالمرتاب لا يجد في نفسه القوة على المضي مع الإرادة الإلهية نتيجة التردد فيسقط فريسة للإرادات البشرية.
تأمل كيف يشرح القرآن ذلك: {إِنَّمَا يَسْتَئذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: ٤٥].
لا يمكن أن يجتمع اليقين بكتاب الله مع الاسترقاق للثقافة الغربية الغالبة في قلب رجل واحدٍ، … ولو أقسم لك العلماني والليبرالي أيمانا مُغلَّظة بأنَّه مُوقن بالله وكتابه ورسوله فلا تذهب بعيدا بهذه الأيمان: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: ٦٢].
ليس سرا أن الثقافة الغالبة اليوم هي الثقافة الغربية الليبرالية، وجوهر الليبرالية هو مفهوم الحرية المتجاوز للحدود الشرعية.
والليبراليون يصرحون دوما بالمصطلح نفسه وهو «الليبرالية»، بينما (الليبرو إسلاميون/التنويريون) فتجدهم يستعملون المقابل العربي وهو «الحرية» بينما الشرعيون الذين أصابتهم بعض شعب الليبرالية –بوعي أو بدون وعي- فإنهم يخجلون من ترداد مصطلح الليبرالية وشعار الحرية ويرددون شعار «الموقف من المخالف» باعتباره أقل دلالة تصنيفية.
سأستخلص المبادئ العامة لأهل السنة والجماعة في الموقف من المخالف.
أصل ضلالهم في باب «الموقف من المخالف» يعود إلى جهلهم أو تغييبهم لعدة تمييزات منهجية لأهل السنة.
التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية
التمييز بين المسألة ذات الدليل الظاهر والمسائل الاجتهادية التي يغمض ويدق مأخذها فينكرون على المخالف في الأولى ويتسامحون ويتفهمون في الثانية.
يجب التفريق بين المخالف لأهل السنة في المسألة والمسألتين ونحوها فهذا مجرد هفوة، وبين المخالف لهم في أصل منهجي عام فهذا يجوز التشنيع عليه، والتشنيع عقوبة مصلحية لا حكم مطلق.
والأصل المنهجي يعرف بأمرين:
إما أن يصرح هذا المخالف بهذا الأصل، وإما أن يكثر من الفروع والتطبيقات التي يستخلص منها أن لديه أصلا كليا منحرفا حتى ولو لم يصرح به، ومن أحسن من شرح هذا المعنى الإمام الشاطبي لله في كتابه التأصيلي «الاعتصام» حيث يقول:
(المسألة الخامسة: أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة).[85]
هذه النقطة هامة جدا في ما يخص موقف أهل السنة من الإمام النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم من الأئمة.
لو جاءنا رجل ثالث وقال: إن الأصل عنده هو: «إثبات الصفات الإلهية»، وفي مجال التطبيق أثبت جمهور الصفات الإلهية، وأخطأ في صفة أو صفتين، فهذه هفوة وزلة، وليس أصلا منهجيًا.
فهؤلاء الأشخاص الثلاثة يوضحون هذه المراتب الثلاث؛ من صرح بأصله المنحرف. ومن صرح بأصل سني، لكن عنده جزئيات كثيرة يتشكل منها أصل كلي منحرف، ومن صرح بأصل سني كليا وعمليًا، لكن خانه التوفيق في المسألة والمسألتين.
ومع كثرة ما كتب هؤلاء المفكرون المستغربون عن القضايا الشرعية؛ فإنك لا تجد أحدًا يستفتيهم، بل الناس ولله الحمد ينفرون من كلامهم في الشرعيات.
التمييز بين الرأي المطوي والرأي المنشور
من رأى رأيًا مخالفًا للشرع لكنه يكتمه بين خاصته، فلا ينبغي الإنكار عليه فيه علنا؛ لأن الإنكار علنا فيه نشر للمنكر، والشارع يكره المجاهرة ويحب الإسرار بالمعصية؛ لأن المجاهرة تحريض عملي على المعصية.
التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار
في مقام الإنكار: قد يحتاج الداعية إلى الحزم والتعنيف والتوبيخ بحسب الحال.
ولما احتاج النبي للحزم والتوبيخ قال لبعض أصحابه ﷺ: (بئس الخطيب أنت)،[86] وقال مرة لمن أفتى بغير علم: (قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟).[87]
وفي عبارة جامعة بديعة للإمام الجبل أبي العباس ابن تيمية لخص فيها هذا التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار بتشبيه في غاية البراعة البيانية فقال: (المؤمن للمؤمن كاليدين؛ تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين).[88]
التمييز في أغراض «العبارات» بحسب الأشخاص
يحصل أحيانًا أن يستنكر أهل السنة عبارة قالها أحد أهل الأهواء، فيأتي بعض الفضلاء المغرر بهم ويقول: كيف تنتقدون هذه العبارة وقد قال مثلها فلان من العلماء؟
وهؤلاء لم يتفطنوا إلى أن من أصول أهل السنة تفسير أغراض الناس من عباراتهم بحسب مناهجهم، لا تفسيرها معزولة عن سياقاتها، ويشرح الإمام ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» هذه القضية فيقول: (والكلمة الواحدة يقولها اثنان؛ يُريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحَقّ، والاعتبار: بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويُناظر عليه).[89]
كيف ننكر في مسألة شرعية والمخالفون فيها من العلماء كثيرون؟
أنكرها المحققون من أهل السنة، ولم يلتفتوا لكثرة المخالف؛ لأن العبرة بما يظهر من الدليل لا بعدد المخالفين.
كيف ننكر في مسألة شرعية ليست قطعية بل اجتهادية؟
أهل السنة بشكل عام لم يجعلوا المسائل على مرتبتين فقط «قطعي» و«اجتهادي»، بل ذكروا مراتب أخرى، مثل «المعلوم من الدين بالضرورة، ومثل الظن الغالب»، و«الظن المحتف بالقرائن بما يورث القطع، ومثل التمييز بين النص والظاهر»، وغيرها.
وكل من تدبر إنكار الصحابة: ما الذي أنكروه وما الذي لم ينكروه؟ عرف فقه الإنكار جيدًا، ولم يحتج لغيره، وما أكثر ما رأيت في مصنف ابن أبي شيبة من إنكار بعض الصحابة على بعض أمورًا دون القطعي، ولم يعتبروا بالخلاف.
أليس من الظلم أن نساوي بين القطعي وما هو دونه في الإنكار؟
من أهم أسباب الإشكال على بعض الأخيار أنهم يظنون أن قوة الإنكار درجة واحدة، … فإن الإنكار، قوة وضعفا، ينبني على النظر في عدة اعتبارات منها:
أن الإنكار فرع عن العلم؛ بمعنى أنه كلما قوي العلم بحقيقة المسألة قوي الإنكار فيها.
النظر في حال المنكر عليه، فمن غلب عليه اتباع الحق وجب الرفق في الإنكار عليه، ومن غلب عليه اتباع الهوى وجب معاملته بما يستحق.
الإنكار حصيلة موازنة مصالح شرعية كثيرة، وليست قوته وضعفه مجرد قاعدة مطلقة بحسب المسألة.
كيف ينكر على المتأول والجاهل وقد رفع الله عنهم الإثم؟
أكثر ما يسبب الغلط في مثل هذه المسائل، الخلط بين «باب الإنكار» و«باب التأثيم» فباب الإنكار والنصيحة أوسع بكثير من باب التأثيم والحرج، … فلا تلازم بين الإنكار والتأثيم؛ … وهذا نظير كون النبي ﷺ عامل كل من حوله من الأمم والمستضعفين بأحكام الكفار، وإن كان كثير منهم قد يكون معذورا عند الله بسبب جهله أو تأويله في الآخرة.
والشاهد أن باب الإنكار أوسع من باب التأثيم، ولا يجوز إسقاط نصوص الشرع، ونصوص الأئمة في باب التأثيم على باب الإنكار.
لا يوجد فرق دقيق بين القطعي والظني الغالب والاجتهادي، فكيف تكون معايير وهي غير منضبطة؟
والمراد أن وجود إشكال في تعيين بعض أفراد المفاهيم والمعايير والضوابط الشرعية، هذا موجود، لكنه لا يلغي هذه المعايير والضوابط، بل الواجب استفراغ الوسع في بلوغ المراد الإلهي فيها.
هذه العبارات ساهمت بدور جوهري في إرباك كثير من التصورات الشرعية عند هؤلاء الأفاضل، ومن تلك العبارات الشائعة:
قولهم: هل الإسلام دين هش لنخشى من الشبهات؟
طبيعة عامة الناس والشباب خلال التاريخ أنهم لا يملكون «علما تفصيليا» بأدلة مبادئ الإسلام والجواب عن الاعتراضات الواردة عليها، وهذا شيء طبيعي، بل ومطلوب أصلا؛ لأنه لو تفرغ عموم المجتمع للعلم الشرعي التفصيلي وجواب الاعتراضات لتعطلت الفروض الكفائية الأخرى.
فعامة الناس والشباب معهم إيمان مجمل قد تزعزعه رياح الشبهات إذا لم يتيسر له متخصص أو مطلع يزيل أشباحها عنه، … وفي نص بديع تحدث الإمام ابن تيمية وحلل هذه الإشكالية يقول فيه:
(فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين؛ بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق، وكذلك اذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل الوعيد، ولهذا لما قدم النبي المدينة أسلم عامة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق، فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة ولم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين ابتلوا فظهر صدقهم).[90]
وخلاصة الجواب عن هذه الإشكالية أنه ليس الإسلام دينا هشًا لنخشى عليه من الشبهات، بل قلوب بني آدم هي الهشة وهي التي نخشى عليها، فنحن لا نخشى على الوحي بل نخشى على الأرواح التي تحمل الوحي أن تخسره بشبهة عارضة.
من المعلوم للعام والخاص أن كثيرًا من المنتسبين للعلم في عصور السلف لما كثرت مخالفتهم للأدلة وظهر اتباعهم للأهواء، أسقطهم السلف وذموا الأخذ عنهم.
فالإسقاط بحق لمن كثرت مخالفتهم فرض كفائي شرعي؛
الذهبي رحمه لله في مجال «الهفوة والزلة» يقول في «السير»: (ولو أنَّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما).[91]
«الطائفية» لفظ محدث مجمل، … قال الإمام ابن تيمية في «درء التعارض»: (الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل فيمنع من كلا الإطلاقين).[92]
قال الإمام ابن تيمية: (وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلا بحال، ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه، فإن كان موافقا لما جاء به الرسول كان مقبولاً، وإن كان مُخالفًا كان مردودًا، وإن كان مجملاً مشتملاً على حق وباطل، لم يجز إثباته أيضًا، ولا يجوز نفي جميع معانيه، بل يجب المنع من إطلاق نفيه وإثباته، والتفصيل والاستفسار).[93]
إن كان المقصود منع نقد الطائفة المنحرفة وبيان ضلالها فهذا خطأ.
برغم أن إدانة أي طائفة ضلت عن شيء من الشريعة هذا مبدأ قرآني، وسنأخذ مثالا قرآنيًا لذلك يشابه واقع الطائفة الشيعية اليوم، فقد جاء طائفة من المسلمين في عصر النبي ﷺ وقاموا بـ «سب الصحابة» فقالوا عنهم: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة»، فأنزل الله عليهم تكفيرًا طائفيا، فقال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَلَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَعْفُ عَن طَائِفَةٍ منكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦].
وعلى أية حال الصراع بين الطوائف في القرآن كثير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَأَصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ۸۷].
الولاء والبراء في القرآن يقيم نظام العلاقات على أساس العقيدة، بينما الحرية الليبرالية تقيم نظام العلاقات على أسس مادية.
الذي تحول عندهم هو أرضية الولاء والبراء) أو المبررات التي تستحق الولاء والبراء فقط.
لو قلت لهم: إنني أحب من يعادي وطني لشنعوا عليك، ولو قلت لهم: إنني أوالي أو أصافح من يعادي وطني لاعتبروا ذلك تطرفا وتخلفًا.
فالقضية فيما يبدو ليست تخليا عن الولاء والبراء، وإنما إعادة تحديد لمن يستحق الولاء والبراء، فقد كانوا سابقًا يقولون إن «الله» هو المستحق لأن يكون الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه، وصاروا الآن يقولون أن وطنهم هو الذي يستحق الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه.
تحول أساس الولاء والبراء من «الله» إلى «الأرض»، كما أشار تعالى فقال: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخَلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨].
ولما بعث نبي الله ﷺ عبد الله بن رواحة إلى اليهود لخرص الثمار، خافوا أن يظلمهم فقال لهم كما عند أحمد بسند صحيح: (يا معشر اليهود! أنتم أبغض الخلق إليّ ..، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم).[94]
فأما قولهم: (إننا نقر أن الله أمر بمعاداة أعدائه كقوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: ١] لكن هذه في المعتدي وليس كل الكفار أعداء لله).
يجب بيان معنى الكافر المقصود، وهو الذي جحد رسالة الحق ولم يقبله.
فهل يقول هذا من قرأ كتاب الله؟ فكل كافر هو عدو لله أصلاً، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٠١ ].
المحادة بلا شك قدر زائد على مجرد الكفر كما قرره ابن تيمية في «الصارم المسلول»، وإنما المراد بيان أن المحادة أوسع من المقاتلة.
المودة الحاصلة بالزواج بالكتابية أمر كوني قدري، وأمر الله ببغض الكافر أمر شرعي ديني، الله الشرعية لا يعترض عليها بالأمور الكونية.
ثم إنه لا يمتنع أن تكون بين الزوجين عداوة دينية كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: ١٤].
ثم إن المودة التي ذكرها الله بين الزوجين لا يلزم منها أن
تكون دوما هي الحب، بل قد يكون المراد بها الصلة والإحسان كما قال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: ۲۳].
ثم إن ما يجده الإنسان في نفسه من الولاء والحب لوالده وشقيقه أعظم مما يجده من الولاء لزوجته، ومع ذلك قطع الله موالاة الأب الكافر المسالم، والشقيق الكافر المسالم، كما قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} [التوبة: ٢٣].
ثم إن أهل العلم بينوا أن مورد الأمرين مختلف أصلا، فبغض الكافر المسالم وعداوته القلبية هي بغض وعداوة قلبية دينية، أما المودة التي تقع بين الزوج والزوجة فهذه مودة غريزية فطرية، أن ولا يمتنع يجتمع الأمران في شخص واحد.
الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيرًا للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.
ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ} [البقرة: ٢١٦]
وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف صار أحب إليه شرعًا وإن كان يبغضه طبعًا، كما قال تعالى عن يوسف: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: ٣٣].
فمؤدى كلام هؤلاء إخراج الحب والبغض عن أصل التكليف، وبالتالي إبطال كل أوامر الحب والبغض التي أمر الله بها ورسوله، فصار أمر الله بحبه وحب رسوله، … ومشهور أن من أعظم خصال الإيمان ما نبه إليه النبي ﷺ بقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده).[95]
هذا الكافر أحسن إليك بمال أو هدية أو ابتسامة لكنه أساء إلى ربك بالكفر، وربك أغلى عليك من نفسك، ولذلك فإساءته لك أعظم أضعافا مضاعفة من إحسانه المادي إليك.
وإلى هذا المعنى أشار السبكي إشارة بديعة للغاية حين قال في «فتاواه»: (والذي يظهر أن النفوس الطاهرة السليمة لا تبغض أحدًا ولا تعاديه إلَّا بسبب، إما واصل إليها، أو إلى من تحبه أو يحبها، ومن هذا الباب عداوتنا للكفار بسبب تعرضهم إلى من هو أحب إلينا من أنفسنا).[96]
وعلى أية حال؛ فإن من يستحضر أن هذا الكافر يسيء إلى الله بجحد إلهيته أو نبوة محمد ﷺ ولم يهجم على قلبه بغضه قلبيًا فهذا يعني أنه قلبٌ ميِّت.
قال ابن تيمية: (ثم الناس في الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، هم أيضًا مجتهدون يصيبون تارة ويخطئون تارة).[97]
وقبل ذلك نبه الإمام محمد بن الحنفية كما رواه اللالكائي عنه حيث يقول: (من أبغض رجلًا على جورٍ ظهر منه، وهو في علم الله من أهل الجنة؛ أجره الله كما لو كان من أهل النار).[98]
قد يتدرج العالم أو الداعية في تنفيذ بعض الأحكام، أما تحريف الأحكام الشرعية فهذا لا يقع من عالم صادق لأجل أي مصلحة موهومة.
آخر ما يمكن أن يحرفوه هو موقف القرآن من الكافر!
وهل تدري أين جوهر المُشكلة في كلام هؤلاء الذين يريدون تغريب العقيدة ولبرلة الولاء والبراء؟ إنها في حرمان المسلمين من أوثق عرى الإيمان: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله).[99]
سأحاول أن أسلط الضوء في هذا المبحث على تناقضات الخاضعين لثقافة الحرية الليبرالية الغالبة وأنهم يتحدثون كثيرًا عن حرية المخالف حديثًا مخالفًا للشريعة وفي ذات الوقت ينتهكون حقوق المخالف الشرعية ذاتها!
كيف يدعو للتساهل مع من يقدح في الشريعة، ولا يقبل التسامح مع من يقدح في ذاته؟ كيف تكون نفس الإنسان أغلى عليه من ربه وخالقه ومولاه؟
وقد صور أحد أدباء القرن الثالث هذه الحالة فقال: (يصول أحدهم على من شتمه ويسالم من شتم ربه!).[100]
إذا تهكمت أي شخصية بوطنهم رأيت التفنن في المواجهة والدفاع، وتفتقت عقولهم عن فنون من الحجاج والجدل والإفحام تجاه المنتقد بشيء لا ينقضي منه العجب.
أتذكر دوماً قول نبي الله هود لخصومه حين راعوا جانب قومه أكثر من مراعاة الله، إذ يحكي الله مقالته: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله﴾ [هود: ۹۲].
وما ذلك إلا بسبب ما قام في نفوسهم من الهيبة من الناس أكثر من الهيبة من الله، ولذلك يقول تعالى عن هذا النمط من الناس: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣].
ومفهوم المواطنة يؤخذ اليوم بنفس المحددات النظرية الدولة الحديثة في الفكر السياسي الغربي الغالب.
أصبحت هذه الأمم المهيمنة تسكب على مجتمعاتنا المستضعفة أنماط حياتها في الزي والطعام والحفلات وغيرها، ومن صور ذلك أعياد الكفار التي صار لها حضور في مناخنا الثقافي والاجتماعي بسبب هذه المتغيرات الاتصالية المعاصرة.
ومن الأمور التي شدتني كثيرًا في السنة النبوية حساسية النبي ﷺ الموضوع «أعياد الكفار»، حيث ظهر اهتمام النبي ﷺ في أكثر من حادثة بقضية عدم مشاركة الكفار في أعيادهم، … ويركز النبي ﷺ على تعميق التفرد الإسلامي في فعاليات العيد.
الواقعة الأولى: لما جاء النبي الله إلى المدينة، وجدهم ولهم يومان يلعبون فيهما، ويمارسون احتفالا اجتماعيًا، لم يجعل النبي الموضوع يمر مرورًا عابرًا، بل سألهم عن دوافع هذا الاحتفال فقال لهم النبي: (ما هذان اليومان؟) فقالوا: (كنا نلعب فيهما في الجاهلية) فلم يقل النبي لا بأس، الأهم أن لا يقع في الاحتفال منكر، لا؛ بل أوقف هذا الاحتفال وهم في خضم فعالياته، وقال ﷺ: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر).[101]
الواقعة الثانية: أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ نذر أن ينحر إبلا في موضع في الحجاز يقال له «بوانة» فجاء يستفتي النبي ﷺ فسأله النبي عدة أسئلة كإجراء احترازي للإباحة، وكان منها أن سأله النبي قبل أن يفتيه بالجواز بهذا السؤال: (هل كان فيها -أي في بوانة- عيد من أعيادهم -أي الكفار-؟) فقال الرجل: لا، فقال له النبي: (أوف بنذرك).[102]
الواقعة الثالثة: أن النبي ﷺ في أثناء أحد الفعاليات العيدية الإسلامية أطلق حكمًا كليًا عامًا يكرس الخصوصية العيدية فقال: (إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا).[103]
الواقعة الرابعة: أن النبي ﷺ أشار مرةً إلى أيام المناسك وأكّد استحضار الخصوصية العيدية من جديد فقال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام).[104]
موضوع العيد لم يكن في التصور الشرعي الذي يقدمه النبي ﷺ مجرد شأن اجتماعي لا صلة للدين به.
يقول ابن تيمية: (فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما ونحوه مما كانوا يفعلونه، لكانوا قد بقوا على العادة، إذ العادات لا تغير إلا بمغير يزيلها، لا سيما وطباع النساء والصبيان وكثير من الناس متشوفة إلى اليوم الذي يتخذونه عيدًا للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم؛ لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتًا).[105]
هذا يذكرني بموقف النصارى من عيد ميلاد المسيح وإقامته في يوم العبادة الوثنية.
(عيدنا أهل الإسلام) لغة افتراق واضحة في موضوع العيد، وأنه ليس شأنا مدنيًا يشترك الناس فيه، بل هو من الخصوصيات الشعائرية الدينية التي تتمايز فيها الأمم.
إن ابن عباس، وخمسة من التابعين معه، وهم: ابن سيرين، وأبو العالية، وطاووس، والضَّحَّاك، والربيع بن أنس، استنبطوا من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: ۷۲] أنه يدخل فيه «أعياد الكفار» كما نقل ذلك أهل التفسير بالمأثور،[106] باعتبار أن عيد الكفار «زور» فلا يجوز شهوده.
يقول ابن القيم: (وكما أنهم لا يجوز لهم إظهار عيدهم، فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم؛ باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم).[107]
لماذا لم يعامل النبي ﷺ أعياد الكفار كما عامل بقية شؤونهم الاجتماعية الأخرى التي تسامح معها؟
لأن «العيد» في التصور الشرعي ليس شأنًا (اجتماعيًا) بل (شعيرة)، ولا يجوز مشاركة الكفار في شعائرهم.
وهذا المعنى هو الذي عبر عنه ابن تيمية في لغة فقهية هندسها ببراعة مذهلة، تأمل معي بالله عليك هذا التحليل الذي يستخلصه ابن تيمية من الأحاديث السابقة، حيث يقول:
(وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه: أحدها: أن «الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك» التي قال الله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُم نَاسِكُوهُ} [الحج: ٦٧] كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه).[108]
حسنًا، إذا كان العيد «شعيرة» فهذا يعني أن من يهنئ كافرًا على عيده فكأنما يهنئه على شعيرة معينة، ولذلك قال ابن القيم: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنَّأ عبدًا بمعصية أو بدعةٍ أو كفر فقد تعرَّض لمقت الله وسخطه).[109]
ومما يدل على أن الخلل ليس مرتبطا برأي فقهي أصلا بقدر ما هو مرتبط بالخضوع للثقافة الغربية الغالبة أننا لم نر هؤلاء عندنا يحتفلون بالأعياد الإفريقية أو الأعياد الشرق آسيوية التي يحتفل بها الكفار هناك، بل يحتفلون بما يحتفل به الغربي الغالب فقط، فهل هذا بحث فقهي حر، أم خنوع للمستبد الغربي؟
في الطرح «النظري» للثقافة الغربية الغالبة لا يعتبر القتال مشروعًا إلا للدفاع عن النفس فقط، وإن كانت الإمبرياليات الغربية (عمليا) تنتهك هذا المبدأ وتبدأ القتال وتشعل الكوارث في مناطق كثيرة من العالم لأهداف الهيمنة والاستغلال.
حاولوا جعل الجهاد كله هو «جهاد دفع» فقط، وقدموا تأويلات كثيرة للنصوص الشرعية وتاريخ الجهاد في الإسلام.
ماذا سنفعل بنصوص «الغزو»، و «الغزاة»، و «الغازي»؟!
ماذا سنفعل بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزَّى لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: ١٥٦].
وكيف سنفعل بأحاديث «جهاد الغزو» في «الصحيحين»؟! كحديث البخاري عن أنس (أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كفّ عنهم وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم).[110]
وما أكثر نصوص فضل الغزو وتجهيز الغازي في «الصحيحين».
ألا ترون القرآن نص على النوعين كليهما وقسمهما هذا التقسيم فقال تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران: ١٦٧] فلو كان الدفع هو المقاتلة فلم ميز بينهما إذن؟
يقول ابن القيم في مُلاحظة ذكية: (فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعًا وعقلاً، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين).[111]
في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق).[112]
أحد أبشع تطبيقات الحرية الليبرالية التي وقع فيها بعض الكتاب المحليين هو أنهم طردًا- لأصلهم في حرية المخالف- التزموا بأن من سب النبي ﷺ لا يجوز معاقبته بل يواجه الفكر بالفكر فقط.
سأقصر الكلام هاهنا حول نمط تعامل المسلمين سابقًا مع من سب النبي ﷺ.
جوهرة كتاب ابن تيمية هي هذه الجملة المضمخة بكل معاني العزة والاستعلاء بهذا الدين وتوقير نبيه في القلوب حيث يقول: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي ﷺ لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهوراً يمنع أحداً أن ينطق فيه بطعن أحبّ إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوامٌ وهو مُنتهك مُستهان).[113]
لعل القارئ لاحظ أن ما سبق من المناقشات يرجع إلى إشكالية واحدة وهي: «نمط فهم الدين في مراحل الاستضعاف أمام الأمم الغالبة».
لو تأمل الإنسان الصادق الباحث عن الحق في سيرة أئمة الهدى بعد الرسل، وهم أصحاب النبي، ولا سيما من اختصوا بالعلم دون الولاية العامة؛ كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت ثم من درس عليهم وسار على نهجهم من التابعين، وأركان التابعين أربعة كما يقول الإمام ابن تيمية،[114] وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، فهؤلاء الأربعة دارت عليهم الفتوى في عصر التابعين، وتدين القرن الثاني الذي فضله الله سبحانه بفتاواهم، وهم حملة علم أصحاب رسول الله ﷺ.
ثم إذا تدبر الباحث أيضًا أئمة القرن الثالث الذي درسوا على هؤلاء وواصلوا المسيرة، وهم تابعو التابعين، وأركان تابعي التابعين أربعة كما يقول ابن تيمية أيضًا وهم مالك بن أنس إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر وسفيان الثوري إمام أهل العراق.
الحمد لله رب العالمين
[1] الهروي، ذم الكلام، تحقيق: عبد الله الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية، (5/ ١٣٤).
[2] الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٢٤هـ، ص (٤١).
[3] ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق الكتبي، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، (١٤٢٦هـ)، (ص: ٤٥).
[4] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (7/ ٥٩٧).
[5] ابن تيمية، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، تحقيق: موسى سليمان الدويش، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، (ص: ٢٣٥).
[6] ابن تيمية، جامع المسائل، تحقيق محمد عزيز شمس، دار عالم الفوائد، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، (6/ ١٣٩).
[7] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (17/ ۳۳۳).
[8] ابن خلدون المقدمة، تحقيق: عبد الله الدويش، دار يعرب – دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٥هـ، (1/ ٢٨٣).
[9] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة: كريم عزقول، دار النهار، ص (٤١٠ – ٤١١).
[10] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة: كريم عزقول، دار النهار، (ص: ۱۷۹).
[11] محمد محمد حسين: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة (1/ 6).
[12] فتحي عبد الكريم: الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة)، مكتبة وهبة، القاهرة، ۱۹۷۷م، (ص: ۱۸).
[13] مالك بن نبي، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، دار الفكر، (ص: 49).
[14] Binder L, Islamic Liberalism: A Critique of Development Ideologies, University of Chicago Press, 1988.
[15] ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، تحقيق: أحمد معاذ حقي، طبعة الشئون الإسلامية والأوقاف، ١٤٢٦هـ، (3/ ٥١١، ٥١٥).
[16] ابن تيمية: الصارم المسلول، تحقيق: الحلواني وشودري، دار رمادي، الطبعة الأولى، (3/ 735).
[17] الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: الشقير والحميد والصيني، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ، (3/ ١٤٠).
[18] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: د. ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، (1/ ٧٦).
[19] أخرجه ابن جرير، التفسير (20/ 441/ 30815) ، تحقيق مكتب هجر، الطبعة الأولى.
[20] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، (1/ ٣١٧).
[21] أخرجه الطبراني المعجم الأوسط، (٤٨٨٦)، من حديث أنس بن مالك.
[22] أخرجه مسلم (٢٥٣١) من حديث أبي موسى الأشعري.
[23] أخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، أبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٣) وغيرهم، من حديث العرباض بن سارية.
[24] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (4/ ١٥٦).
[25] ابن تيمية، الفتوى الحموية الكبرى، تحقيق: حمد التويجري، دار الصميعي، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ، (ص: ۱۹۰).
[26] ابن سينا، الرسالة الأضحوية، تحقيق: د. حسن عاصي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ، (ص: ١٠١).
[27] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، (5/ ٧٢-٧٣).
[28] أخرجه مسلم (٢٣٦٣) من حديث عائشة وأنس.
[29] أخرجه الحاكم، المستدرك (3/ ١٩٥)، وهو في السلسلة الصحيحة» (1/ ٦٤٨) (٣٧٤).
[30] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (3/ ١٤١).
[31] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، (1/ ١٧٨).
[32] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، (1/ ۱۷۸)، مرجع سابق.
[33] أخرجه: البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو.
[34] أخرجه الترمذي (٢٦٥٧)، ابن ماجه (٢٣٢) واللفظ له من حديث عبد الله مسعود.
[35] ابن تيمية، الاستقامة، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، (1/ ٥٥).
[36] الهروي، منازل السائرين، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٨، (ص: ٣٥).
[37] أخرجه أحمد المسند (2/ 108/ 5866) من حديث ابن عمر.
[38] أخرجه: الدارمي، السنن، (٢١٤).
[39] أخرجه: ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ١٤١٤هـ، (2/ 1209/ 2377).
[40] أخرجه البيهقي، السنن الكبرى، (10/ ٢١١).
[41] أخرجه: الجعد، المسند، (۱۳۱۹)، وأبو نعيم، حلية الأولياء، (3/ ۳۲)، والخلال، الأمر بالمعروف، (ص: (۸۷).
[42] أخرجه: الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ص: ۸۷).
[43] أخرجه: الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ص: ۸۸).
[44] الرحيباني الحنبلي، مطالب أولي النهى، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ، (6/ ٦١٧).
[45] أخرجه أبو نعيم، حلية الأولياء، (8/ ۲۷)، والخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ص: ۸۸).
[46] أخرجه البيهقي، السنن الكبرى، (10/ ٢١١).
[47] أخرجه: ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 927/ 1767).
[48] ابن حزم، الإحكام، تحقيق: أحمد شاكر، تصوير: دار الآفاق، بيروت، (5/ ٦٨).
[49] الشاطبي، الموافقات، تحقيق: مشهور سليمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ، (3/ ١٢٣).
[50] الشاطبي، الموافقات، تحقيق مشهور سليمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ، (5/ ٨١-٨٣).
[51] أخرجه: البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).
[52] ابن النجار، شرح الكوكب المنير، تحقيق: الزحيلي وحماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، ١٤١٨هـ، (4/ ٥٧٧-٥٧٨).
[53] ابن القيم، مدارج السالكين، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، ۱۳۹۳هـ، (3/ ٥٧-٥٩).
[54] أخرجه مسلم (٣٤).
[55] Steele J, Observations and Predictions of Eclipse Times by Early Astronomers, Kluwer Academic Publishers, 2000.
[56] ابن رشد الجد، البيان والتحصيل، تحقيق: د. محمد الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤٠٨هـ، (٩/ ٣٤٥) الجزء بتحقيق: أحمد الحبابي.
[57] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٣٥/ ١٧٥).
[58] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (24/ ٢٥٨).
[59] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (24/ ٢٥٨).
[60] أخرجه مسلم (۹۱۱) من حديث أبي مسعود ود الأنصاري.
[61] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (20/ ٤٠٢).
[62] جوزيف شاخت، مادة: أصول، دائرة المعارف الإسلامية (الاستشراقية)، تحرير: هوتسما وزملائه، ترجمة: إبراهيم خورشيد وزملائه، مركز الشارقة للإبداع الفكري، (3/ ٨٤٢).
[63] الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تحقيق: حمزة بن زهير حافظ، نشر المدينة المنورة للطباعة (2/ ٤٠٦).
[64] ابن تيمية، منهاج السنة، (1/ ۸)؛ درء تعارض العقل والنقل (1/ ۱۹۸).
[65] فؤاد سزكين، تاريخ التراث العربي، مطبعة بهمن، ١٤٠٣هـ، المجلد الأول، الجزء الأول، (ص: ۱۱۷).
[66] محمد مصطفى الأعظمي، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، المكتب الإسلامي، ١٤١٣هـ.
[67] أخرجه: الإمام أحمد، العلل (٢٨٣٥)، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، دار الخاني، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ، (2/ ٤١٠)، وبنحوه في المسند (4/ 283/ ح18493).
[68] الزكشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: زين العابدين فريج، أضواء السلف، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، (1/ ٥٠٣-505).
[69] السيوطي، تدريب الراوي، تحقيق: نظر الفريابي، مكتبة الكوثر، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ، (١/ ٢٣٤).
[70] أخرجه: ابن سعد، الطبقات الكبري، (٥٧٠٤)، بتحقيق: إحسان عباس، دار صادر، (4/ ٣٤٠).
[71] أخرجه: الترمذي (٣٨٣٦).
[72] الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، (2/ ٦٠١).
[73] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (1/ ١٠٢) (٣٤٧).
[74] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (17/ ٢٣٥-٢٣٦).
[75] ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق: علي الناصر، وعبد العزيز العسكر، وحمدان الحمدان، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ، (2/ ٤٤٣-٤٤٥).
[76] أخرجه: البخاري (٥١٤)، ومسلم (٥١٢).
[77] انظره: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة (ص: ١٦١)، بتحقيق: سعيد الأفغاني المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ۱۳۹۰هـ.
[78] الإمام مسلم، التمييز، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، طبعة وزارة المعارف السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ، (ص: ١٧٥).
[79] انظر: ابن تيمية، درء التعارض (٥/ ۲۱۸) وابن القيم، الصواعق المرسلة، (3/ 138-139)، تحقيق: علي الدخيل، دار العاصمة، وبنحوها في «النقض» للدارمي، (1/ ٣٩٤)، تحقيق: رشيد الألمعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.
[80] أخرجه البخاري (٥۷۸۲) من حديث أبي هريرة.
[81] الجصاص، أحكام القرآن، (1/ ١٨٦) مرجع سابق.
[82] رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، الطبعة الثانية ١٣٦٦هـ، (1/ ١٠).
[83] رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، الطبعة الثانية ١٣٦٦هـ، (1/ ١١).
[84] رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، الطبعة الثانية ١٣٦٦هـ، (1/ ١٦).
[85] الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: هشام الصيني وآخرون، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ، (3/ ١٤٠).
[86] أخرجه مسلم (۸۷۰) من حديث عدي بن حاتم.
[87] أخرجه أبو داود (٣٣٦) وغيره، من حديث جابر.
[88] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (28/ ٥٣-٥٤).
[89] ابن القيم، مدارج السالكين، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، ١٣٩٣هـ، (3/ ٥٢١).
[90] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (7/ ۲۷۱).
[91] الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، (١٤/ ٤٠).
[92] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية ١٤١١هـ، (1/ ٧٦).
[93] ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، (6/ ٣٣٨).
[94] أخرجه أحمد، المسند، (٣/ 367/ ١٤٩٥٣) من حديث جابر.
[95] أخرجه البخاري (١٤) من حديث أبي هريرة.
[96] انظر: فتاوى السبكي، دار المعرفة، بيروت، (2/ ٤٧٦).
[97] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (11/ ١٥).
[98] أخرجه اللالكائي، شرح اعتقاد أهل السنة، (۱۲۷۷)، تحقيق: أحمد سعد حمدان، دار طيبة، ١٤٠٢هـ، (4/ ٦٩٠).
[99] أخرجه أحمد، المسند، (4/ 286/ 18524) من حديث البراء بن عازب.
[100] الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ١٣٨٤هـ، (1/ ٢٨٦).
[101] أخرجه أبو داود (١١٣٤)، والنسائي (١٥٥٦)، وغيرهما من حديث أنس.
[102] أخرجه أبو داود (۳۳۱۳) من حديث ثابت بن الضحاك.
[103] أخرجه: البخاري (٩٥٢)، ومسلم (۸۹۲) من حديث عائشة.
[104] أخرجه: الترمذي،(۷۷۳)، وأبو داود (٢٤١٩)، والنسائي (٣٠٠٤) من حديث عقبة بن عامر.
[105] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، (1/ ٤٣٥).
[106] انظر: ابن كثير، تفسير القرآن (6/ 130)، والسيوطي، الدر المنثور، (۱۱/ ٢٢٥، ٢٢٦)، والبغوي، تفسيره، (6/ ٩٨).
[107] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، (3/ ١٢٤٥).
[108] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق: د. ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، (1/ ٤٧٠).
[109] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، (1/ ٤٤١).
[110] أخرجه البخاري (٦١٠).
[111] ابن القيم، الفروسية، تحقيق: زائد النشيري، دار عالم الفوائد، طبعة المجمع، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ، (ص: ١٢٤).
[112] أخرجه مسلم (۱۹۱۰).
[113] ابن تيمية، الصارم المسلول (۲/ ۹۳۹).
[114] ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، (6/ ٨).
