القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: خوَّات بن جُبَيْر رضي الله عنه (في ظلال التَّربية النبوية)، تأليف: محمد حشمت

خُلاصة كتاب:

خوَّات بن جُبَيْر رضي الله عنه

(في ظلال التَّربية النبوية)

تأليف: محمد حشمت

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

مقدمة

علمتُ أن «عبد الله بن جبير» أمير الرماة أخو «خَوَّات»، واكتشفتُ أنني أجهله كأخيه إلا من هذه الإشارة العابرة، بل زاد ذلك لما أخذت في البحث عن ترجمة لعبد الله فرأيتُ المُصَنِّفين يعرفونه بأخيه، فيقولون: «عبد الله بن جبير أخو خوَّات»!

بدأتُ في جمع المعلومات عنه لأعرفه أنا أولا، وأفيد بي غيري؛ رجاء الأجر في التعريف بأحد الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فإذا بي أمام معلومات وفيرة ترسم صورة من صور الإنسان السوي.

وجدتُ أن مقدار الدروس التي تقف عليها من أيامهم ومواقفهم في ظلال التربية النبوية، يتجاوز بكثير ما كنت أظن من الدروس الخفيفة والموعظة السريعة. نعم؛ لقد كانوا مقياسًا ومعيارا لكل من سيأتي بعدهم ..

تعلمتُ من خوات أن المحاولة الدائمة للوصول إلى للهدف أنك مُعرّض – ولا شك أن تُخطئ وتنحرف عن الطريق، ومن ثَمَّ ستقف وتُصحح، وتعود مرة أخرى إلى جادة الطريق الذي يوصلك إلى الهدف.

تمهيد

كانت شمس الإسلام لم تشرق بعد ..

فقال فيها شعرًا يتندر على شحّها، ومفتخراً بفحولته.. غير مبال لما فعل، فذهبتْ مَثَلًا، فيقال: «أشغلُ مِن ذاتِ النّحيين!»، ويقال: «أغلَمَ من خَوَّات!».

ثم يأذن الله تعالى لهذا الخوَّات الجاهلي أن يُسلم.

اسم.. وصفة

خوات بن جبير بن النعمان رضي الله عنه، الأوسي، الأنصاري، اسمٌ على مُسمَّى، والخوَّات الجريء، والرجل الذي لا يُبالي ما ركب من الأمور.

وكذلك لما خلعَ عباءة الجاهلية وأشرقت شمس الإسلام على قلبه واستقامت تلك الصفات على ميزان الإسلام فصارت جرأة في الحق واستخفافًا بالأمور في سبيل الله، فإذا بتلك الجرأة وعدم الاكتراث بالمخاطر، تتجلى في مواقف خوات: «أحد الشجعان المذكورين»، و«أحد الأبطال المشهورين»، و«أحد فرسان رسول الله ﷺ» كما تذكره كتب التراجم.

هي نفس أصل الصفة التي تتحول في ظلال الإسلام والحق إلى «فروسية»، و«شجاعة»، و«بطولة»، و«تضحية» لإنقاذ العباد، وتعمير الأرض، ومواجهة الفساد.

ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن ذلك، قال: «تجدونَ النَّاسَ معادِنَ؛ خيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُم في الإسلام، إذا فَقِهُوا».

يبحث [الإنسانُ] في معدنه وطبعه، ويُصرِّف تلك السِّمات والملكات بما يوافق الإسلام ويخدم الحق والعدل.

إلى الإسلام

يذكر أصحاب السِّير أن من الشخصيات التي حضرت بيعة العقبة الثانية عن الأوس كان الفارس النبيل، أبا المنذر عبد الله ابن جُبَير، الأخ الشقيق لصاحبنا هنا: خوَّات بن جُبَير!

إذاً؛ فقد وصل الإسلام إلى بيت هؤلاء الشجعان مُبكِّرًا

حياة جديدة

{يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

وكان من هؤلاء المُؤْثِرين الأوائل الذين استقبلوا المهاجرين في بيوتهم: خوَّات رضي الله عنه، حيث استقبل في بيته ونزل عليه واحد من أفضل سادات الصحابة وأتقاهم وأحبهم إلى رسول الله ﷺ، إنه السيد الثري، والزاهد الولي التقي أبو السائب، عُثمان بن مَظعُون ومعه زوجته خَوْلَة بنت حكيم رضي الله عنهما.

وكان يوماً مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.

ويبدو أن أمر استقبال المهاجرين أعيد ترتيبه بعد قدوم النبي ﷺ، كما نجده عند البخاري، من حـديـث أم العلاء الأنصارية، حيث أخبرت «أن عثمان بن مظعون طار لهم في السُّكنى، حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فاشتكى عثمان عندنا فمرّضته، حتى توفي..» [انظر: البخاري،(۳۹۲۹) كتاب «مناقب الأنصار»، باب «مقدم النبي ﷺ، وأصحابه المدينة».]

الظاهر أنه نزل أولا على خوَّات بن جبير، ثُمَّ لمَّا قدم النبي ﷺ واختصم الأنصار وتسابقوا إلى استقبال إخوانهم ورعايتهم = اقترعوا.. فصارت القرعة آخرًا لأم العلاء وبقي عندهم حتى مات، رضي الله عنهم أجمعين فتثبت الضيافة والمنقبة لخوات في أوّل الأمر، ولأم العَلاء آخرها، والله أعلم.

أم العلاء، يقال هي زوج زيد بن ثابت رضي الله عنهما، بالمناسبة؛ يروي هذا الحديث عن أم العلاء ابنها «خارجة بن زيد».

اختبار في أوَّل الظِّلّ

يحكي خوَّات عن نفسه فيقول: أسلمتُ وهاجر إلينا النبي ﷺ، فبينما أنا في بعض طريق المدينة إذا أنا ببغي من بغايا الجاهلية قد كانت لي خِلَّا، فحَجَبني إسلامي عنها، ودعتني نفسي إليها، فلم أزل ألتفتُ إليها حتى تلقاني جدار بني جذرة، فسالت الدماء وهُشِّم وجهي، فأتيتُ النبي ﷺ على تلك الحالة! فقال: «مَهْيَمْ!» (كلمة يُستفهَم بها)، فأخبرته فقال: «فلا تَعُد، إن الله عزَّ وجلَّ إذا أراد بعبدٍ خيرًا عَجَّل له عقوبته في الدنيا».

نعم؛ ستأتيك الاختبارات في نقطة ضعفك وتحتشد في مكامن خوفك وحرصك!

الطريق إلى بدر

خرج خوَّات رضي الله عنه مع النبي ﷺ إلى غزوة بدر فيمن خرج من الصحابة،

بادر خوَّات له للخروج، وهذا متوافق مع سماته التي كان أظهرها الجراءة والإقدام التي زينها الإسلام فصارت شجاعة وبطولة وفروسية في سبيل الله.

وفي بعض الطريق يُصَاب خوَّات بحجر في قدمه فيُكسر وتتورم ساقه،

ولأنه خرج قاصدًا الغزو في سبيل الله ورده النبي ﷺ لإصابته، أسهم له النبي ﷺ بسهمه في الغنيمة، وبأجره أيضًا، فهو بدري حكمًا، وإن لم يشارك في القتال بنفسه.

الأمر اللافت في الطريق هنا أنه رضي الله عنه كان رديف النبي ﷺ على راحلته.

وإرداف النبيل لأصحابه من الأمور الجديرة بالاهتمام والتدبر، فهو نوع اهتمام زائد ورعاية من المربي الأول، ولم يكن الأمر مجرد حمل على الدابة لعجز في العتاد أو ما يُحمل عليه وإنما كما روي عن أنس بن مالك له، أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر أو غزا أرْدَفَ كل يوم رجلا من أصحابه».

هكذا لكل إنسان ما يؤنسه ويصلحه، ولكل شخص اهتمامات وأحوال.

وكم من الأحاديث التربوية الغالية والنصائح الحانية التي حفظتها لنا أحاديث الإرداف، التي كانت غالباً ما تبدأ بـ «كنت رديف النبي ﷺ فقال: ..» (٤).

أحاديث الإرداف جديرة فعلاً بالتَّأمُّل والجمع والتَّدبُّر، يسَّر اللهُ ذلك لمن يقوم به.

خوَّات في أحد

إلا أن الله تعالى إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه ..

راجع الصحابة أنفسهم ورأوا أنهم حملوا النبي ﷺ على رأي لم يكن يختاره، فكلموه أنَّ الرأي رأيه وهم تبع لرأيه، فأعلمهم النبي ﷺ أنَّ الأمر قد قضي، وأنه ما كان لنبي من أنبياء الله أن يلبس لَأمَة الحرب وزي القتال ثم يخلعه حتى يقضي الله بينه وبين عدو .. وقد كان.

الفتنة الداخلية: أن تأتيك الطعنة ممن هو في صفك، ويأتيك الوسواس الخناس في صورة واعظ من جلدتك ويتكلم بلسانك ويزعم حراسة منهجك.

ونزلت الهزيمة بالمشركين في أول الأمر، ثم كان من أمر الرماة ما كان، حين نزلوا عن مكانهم بعدما رأوا نصر المسلمين وظنوا أن الحرب قد انتهت وهنا حدث أمر عجيب!

شهادة خوَّات

عندما عصى الرماة الأمر ونزلوا.. رأى الشيطان أن الفرصة سانحة أن يتدخل بشكل حسي سافر فصرخ في الجند قائلا: «أي عباد الله.. أُخرَاكُم!»

أي احترزوا من جهة أخراكم، وهي كلمة معروفة وقتها تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه.

وعندما التفت المسلمون وجدوا الجموع خلفَهم (الرُّماة الذين نزلوا ومن خلفهم المشركون القادمون من جهة الجبل)، ومع الغبار الكثيف والاختلاط الشديد وقعت الجراحات في المسلمين بعضهم من بعض.

نعم؛ تمثل الشيطان اللعين في صورة رجل من المسلمين يدعى «جُعَال بن سُرَاقة»، ولما رأى بعض الصحابة ما حصل، هم بعضهم أن يفتك بجعال لصرخته التي صرخ وتسببت في هذا الانفلات، إلا أن مجموعة من الصحابة منهم خوَّات بن جبير شهدوا بأنَّه كان معهم إذ ذاك، فعلموا أن اللعين قد تمثل في صورته لفتنة الناس، كما تمثل قبل ذلك في صورة غيره بغزوة بدر، وليست هذه بأول صرخاته!

النَّفْسُ مرة أخرى

ولكنها الدنيا تنادي في أسفل الجبل.. فلم يلتفت لندائه إلَّا القليل، وكان النزول إلى الدنيا أخف على النفوس من وقع الثبات على الجبل، وهكذا انكشفت ظهور المسلمين، ولم يبق على الجبل إلا الأمير عبد الله بن جبير ومعه ما دون العشرة من أصحابه.. التزموا مواقفهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يلقوا الله طائعين أمر رسوله ﷺ، فقتلوا وأكملوا حياتهم في مكان آخر حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ومن شدة ما فعل عبد الله بن جبير وأصحابه بالمشركين = ما إن خلصوا إليهم حتى مثلوا بجثثهم، حتى إن عبد الله من كثرة طعنه بالرماح خرجت حشوته.

في وسط هذه المعمعة.. أين خوَّات الآن؟

ها هو يحكي لك فيقول: «انتهيتُ يوم أحد إلى أخي، وهو مقتول، وقد شُقَّ بطنه، وخرج حشوته، فاستعنتُ بصاحب لي فحملناه والمشركون حولنا، فأدخلتُ حشوته في جسده وشددت بطنه بعمامتي، وحملته بيني وبين الرجل.

فلما رجعت حشوته في بطنه صوَّتت! ففزع صاحبي وطرحه، فضحكت!» يعني: عندما استعان بصاحب له ليحمل معه أخاه من وسط المشركين وأدخل أمعاءه في جسده وشد بطنه بعمامته، ليحمله هو والرجل، فلما أدخل الأمعاء مكانها في بطنه أخرجت صوتًا فزع منه صاحبه وطرحه، فضحك!

ولغرابة هذا كله يقول: «ضحكتُ في موضع لم يضحك فيه أَحَدٌ قط، ونمتُ في موضع لم ينم فيه أحد قط!».

حرارة المُنعطف

لم يسترح خوَّات ومن معه من نقل قتلاهم إلى المدينة، حتى نادى فيهم منادي رسول الله ﷺ: «إن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم».

جاء الأمر النبوي بأن يدفن شهداء أحد في أماكنهم التي قتلوا فيها،

وقال: «لا يخرج معنا إِلَّا مَن شَهِدَ القتال!»،

وفي خوَّات وأصحابه نزل قول الله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: ١٧٢].

قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله، ونستأصل أصحابه، فلما بلغهم قوله، قالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فأنزل الله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم} [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤].

معركة إضافية

كان هذا التواعد في آخر يوم أحد، لما أشيع أن النبي ﷺ قد قتل، فأخذ ينادي أبو سفيان على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، والنبي يقول لهم لا تجيبوه حتى انتفش أبو سفيان وقال: اعْلُ هبل! فأمرهم النبي الله أن يجيبوه فقالوا: «الله أعلى وأَجَلُّ»، ودار بينهم حوار حتى قال أبو سفيان موعدكم بدر العام القابل!

فقالوا: نعم؛ هو بيننا وبينك «موعد!».

معركة خوَّات

لنسمعه وهو يحكي عن نفسه، فيقول:

نزلنا مع رسول الله ﷺ مَرّ الظهران، قال: فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدَّثن فأعجبنني، فرجعت فاستخرجت عيبتي، فاستخرجت منها حُلّةً فلبستها وجئتُ فجلست معهُنَّ، وخرج رسول الله ﷺ من قُبَّتِهِ، فقال: «أبا عبد الله ما يجلسك معهن؟».

فلما رأيتُ رسول الله ﷺ هِبْتُهُ واختلطْتُ، قلتُ: «يا رسول الله جَمَلٌ لي شَرَدَ، فأنا أبتغي له قيدًا!»

ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلَّا قال: «السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد ذلك الجمل؟».

فلما رأيتُ ذلك تَعجَّلتُ إلى المدينة، واجتنبت المسجد والمجالسة إلى النبي ﷺ، فلما طال ذلك تحينتُ ساعة خلوة المسجد، فأتيتُ المسجد، فقمتُ أصلي، وخرج رسول الله ﷺ من بعض حُجَرِهِ فجأةً فصلى ركعتين خفيفتين، وطوَّلتُ رجاء أن يذهب ويدعني فقال: «طول أبا عبد الله ما شئت أن تُطوِّل، فلستُ قائماً حتى تنصرف!».

فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله ﷺ ولأبرئنَّ صدره، فلما قال: «السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟» فقلتُ: والذي بعثك بالحق ما شردَ ذلك الجمل منذ أسلم، فقال: «رحمك الله» ثلاثاً، ثُم لم يَعُد لشيء مما كان.

أمَّا النِّسوة: فهُنَّ الاختبار الأصعب والفتنة الأضرّ مُطلقًا على الرجال في هذه الدنيا، كمال قال النبي ﷺ نفسه: «ما تركتُ بعدي في النَّاس فتنةً أضرَّ على الرجالِ من النساء!».

وأمَّا الأسواق: فهي من الأماكن المحببة إلى الشيطان، لأنها مظنَّة الغش والخداع والربا والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما يشبهه وفي معناه، ولذلك قال النبي ﷺ: «وأبغض البلاد إلى الله: أسواقُها».

بقي الضّلع الثالث حيث الشَّهوة المُتَّقِدَة … وهي حاضرة هُنا في خوَّات، وقد ذكرنا كيف أنه صار في الجاهلية مثلا يُضرب في غلمته ولا يقتصر الأمر على وضع خوَّات فقط، بل كل رجل صحيح يشتهي بالفطرة المُركبة به، لا سِيَّما إذا كثرت أمامه الشهوات المُزَيَّنة له.

تجد في كتب الأمثال: «أغلم من خوَّات»، «أنكح من خوَّات»!

هذه طبيعة الشيطان اهتمام بالغ بالبدايات، وذلك لأن في بداية أي أمر = يتحدد اتجاهه وطبيعته، فالشيطان بإفساده للأمور من بدايتها يُفسد استمرارها، وكذلك يجتهد أن يُفسد غايتها.

ولذلك جاء حث الإسلام البالغ على العناية بالبدايات وتحصينها بما يفسد على الشيطان خطته..

التحصين في الصباح وعند المساء عند الخروج من المنزل وعند دخوله عند بداية الطعام وعند الانتهاء منه، عند دخول الخلاء وعند الخروج منه، بل عند الزواج.. بل عند الجماع، في كل بداية تجد الشرع المطهر يُذَكِّرك بتحصيناتك التي تحميك من الخطط الشيطانية لإفساد حياتك.

ما أسرع جريان السم عند استعداد المحل له وغياب الاحتراز!

أقول: إننا لا يمكننا الكذب بحال كي تجمل الصورة،

ولكننا تعاهدنا على أن نبحث عن الصحابي بوصفه إنسانًا، بشريا، يجري عليه ما يجري على بني آدم والقرآن نفسه كان يحكي أشد المواقف عمّن هُم أعلى قدرًا وأنبل مقاما من الصحابة، ويُعلق عليها بما يناسبها ولا يجمل الصورة أن الأحداث، والآيات يبرر في هذا كثيرة.

أنهن لو كن من المسلمات لأنكر عليهن النبي ﷺ كما أنكر على خوَّات جلوسه معهن،

«أبا عبد الله ما يجلسك معهن؟» … هل هو سؤال استنكاري؟ أم يستفهم منه عن سبب الجلوس ويتحرى قبل أن يُنكِر عليه ؟ الظاهر أن ذلك كله كان مكتنزا في ذلك السؤال الحكيم وتعجب كيف أنه ومع غضبته هذه يتعامل بثبات انفعالي وتؤدة وحكمة عجيبة فيُناديه بكنيته رغم كل شيء، ويقول له: «أبا عبد الله» ثم يسأله.

بحث خوَّات في ذاكرته فلم تسعفه المعاريض إلا بجواب قديم مُختَزن في ذاكرته من أيام الجاهلية، فقال: «.. هبتُهُ واختلطت، قلتُ: يا رسول الله جَمَلٌ لي شَرَدَ، فأنا أبتغي له قيدًا .. فمضى»، سمع النبي ﷺ هذا الجواب المُختلط ومضى!

نعم، هكذا «مضى» دون مُناقشة العذر المُلفَّق، وكأن النبي ﷺ يُعلِّمنا أنَّ المُربِّي الحاذق لا يُناقش الأعذار والتبريرات المُلفَّقة لحظة سماعها، بل يُعرض عنها إلى حين.

وملخص ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا حريصين على اتباع النبي ﷺ واقتفاء أثره في كل موضع حتى مواضع الخلاء، … حتى إن المشركين رصدوا ذلك وتعجبوا منه وقالوا: «قد علَّمكُم نبيكُم كلَّ شيءٍ حتى الخِرَاءَة!».

وأمر آخر خاص بنا هنا وهو أنهم كانوا في انتظار للعدو. ولا يُؤمَن الاغتيال في مثل هذا الحال ولذلك كانوا يحرسونه ويتفقدونه، وهم حريصون على الستر وعدم النظر إلى مواضع العورة،

أحيانًا يكون السؤال أبلغ وأنجع في التأنيب من المواجهة الصريحة في الكلام.. بل أدعى للتفكر أيضًا وأرغب للرجوع والتوبة، أكثر من المواجهة المباشرة أو أن تقول أنت فعلت كذا وكذا.

وتأمل هنا ثلاث صور تبين لك جانبًا من تعدد التعامل النبوي مع الخطأ.. أو قل عندنا ثلاث مراتب:

الأولى: يتعامل فيها المربي لإصلاح الخلل من أقرب طريق وأيسره، وينصب المجهود على تعليم المدعو، الابن، المربى»، خطأ ما يسعى إليه وأثر ذلك على قلبه وحياته، وتجد ذلك في تعامل النبي ﷺ مع الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا.

أما المرتبة المقابلة؛ فتتميز بإلقاء كثير من مهمة اكتشاف الخطأ والتصحيح على المدعو نفسه أكثر من المربي،

يقول كعب بلى، إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعُذر.. ولقد أُعطِيتُ جدلًا.. ولكني – والله! – لقد علمتُ لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليُوشكنَّ الله أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق، تجد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله!

ثم تأتي المرتبة الثالثة… وهي الوسطى بين تلك الحالتين .. هُنا حادثة خوَّات رضي الله عنه.

وقد كان النبي ﷺ يأذن به لمن أراد أن يتعجل المسير إلى أهله ولا يرتبط بحركة الجيش في تلك المرحلة الأخيرة من الطريق، فيقول ﷺ: «مَن أحبَّ أن يتعجّل إلى أهله؛ فلْيُعَجِّل»، فلا يفهم كلام خوَّات أنه تعجل بلا إذن.

الإحساس بالذنب أول التوبة..

أمّا الصلاة فكان يصليها في مسجد قومه، فقد كان هناك مساجد منتشرة في كل ناحية يصلي فيها المسلمون ثم يعودون لأعمالهم وحياتهم.

جاء يصلي مُتَنفّلا يملأ صدره بنسيم القرب، ويريح قلبه من ألم البعد والغياب.

خوَّات يعلم أن النبي ﷺ لم يكن يشتد عليه كل ذلك بسبب الجلسة التي رآه فيها وفقط، ولكنه أراد أن يطمئن أنها كانت مُجرَّد فلتة عابرة لا منهج تسيب وتساهل واستدعاء لبعض أعمال الجاهلية، ولذلك أجاب خوَّات بهذا الجواب الذي ينم عن فهم لمُراد النبي ﷺ، وأوضح له أنها إنما كانت فلتة ومعصية وقتية، سُرعان ما تفكر فيها واستغفر وتاب، ولا علاقة لها بما كان منه في الماضي.

السفير الهادئ

ومع التجهز لحفر الخندق حول المدينة لحمايتها في ذلك الوقت العصيب.. ينتهى إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين خبر نقض بني قريظة للعهد!

فما كان من النبي ﷺ إلا أن جمع أربعة من خيرة فُرسانه ليوفدهم سفراء إلى بني قريظة ليستوثقوا من الخبر، فخرج «سعد بن معاذ» سيد الأوس، و«سعد بن عبادة» سيد الخزرج ومعهما: «عبد الله بن رواحة» الخزرجي وفارسنا: «خوَّات بن جبير» الأوسي.

فلما نال اليهود من رسول الله ﷺ، شاتمهم سعد وشاتموه وكان رجلًا فيه حِدَّة.

اللافت لي هنا أنني انتظرتُ أن تحدث تلك المشاتمة وتلك الحدة من خوَّات رضي الله عنه؛ لأننا كثيرًا نربط بين روح الإقدام والشجاعة بحدة الطبع وارتفاع الصوت وسرعة الغضب، بينما يعلّمنا هذا الموقف على وجازته أنه لا تلازم بين الأمرين،

مهمة فردية

يقول خوَّات: «دعاني رسول الله ﷺ ونحن مُحاصرون بالخندق، فقال: انطلق إلى بني قريظة فانظر هل ترى لهم غُرةً أو خللاً من موضع فتخبرني..»

جاء عند ابن أبي شيبة، عن عكرمة: أن النبي ﷺ بعثَ خوَّات بنَ جُبير إلى بني قريظة على فرس له يُقال له: جناح!

انتبه الآن لقول خوَّات: «واستحييت تلك الساعة من رسول الله ﷺ حياءً شديدا، حيث ضيّعتُ ثغراً أمرني به».

قال: ثم ذكرتُ غلبة النوم والرجل يـرقـل بـي إلـى حصونهم، وتكلم باليهودية فعرفته، قال: أبشر بجزرة سمينة!

يقول خوَّات: وجاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «ظَفِرتَ يا خوَّات»!

ثم خرج فأخبر أصحابه فقال: كان من أمر خوَّات كذا وكذا، وأتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في أصحابه وهم يتحدثون، فلما رآني قال: «أَفْلَحَ وَجهُكَ».

قلتُ: ووجهك يا رسول الله.

قال: «أخبرني خبرك»، فأخبرته فقال النبي ﷺ: «هكذا أَخْبَرَنِي جبْرِيلُ»، وقال القوم: هكذا حدثنا رسول الله ﷺ.

مشاهد البناء

سيبدأ خوَّات مرحلة جديدة من المشاهد التي ينتقل فيها المسلمون من مرحلة التأسيس وإرغام المجتمع الدولي على الاعتراف بالدولة الوليدة وحقها المشروع في تحديد هويتها وفرض الهيبة وتطهير الأنحاء.

تحصيل المناقب

النبي ﷺ قال لهم وهم بالحديبية «مَن يصعد الثنيَّة، ثَنيَّة المُرار، فإنه يُحَط عنه ما حُطَّ عن بني إسرائيل!»، أي: غفرت خطاياه كما وعد بنو إسرائيل، فصعد خوَّات له مع بقية الصحابة فغفر الله لهم.

لما غاب عثمان بن عفان، وأشيع أنه قتل، ودعا النبي ﷺ الناس للبيعة، كان خوَّات ممن بايع النبي ﷺ تحت الشجرة، ونزل قول الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: ۱۸].

وجاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لهم يوم الحديبية: «أنتُم خير أهل الأرض»، وقد شمله ذلك الفضل العميم أيضًا مع بقية أصحاب الحديبية.

وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «لن يدخل النار رجل شهد بَدْرًا والحديبية».

فتح الحرية

أراد الله تعالى أن يمسح عن قلوبهم كل ذلك فأنزل صدر سورة الفتح:

{إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عزيزا} [الفتح: ۱: ۳]، فقال ﷺ «لقد أنزلت علي آية أحب إليَّ من الدنيا جميعًا». فقال الصحابة: «هنيئًا لك يا رسول الله، قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟»

فأنزل الله هذه الآية بعدها: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: ٥].

مع دخول العام السابع وفي شهر المحرم تحققت البشرى بالفتح القريب وعامَّة المُفسِّرين: أن الفتح القريب هي: خیبر!

وهكذا بقي خوَّات رضي الله عنه مُرافقا للنبي ﷺ في كل غزواته كأحد فرسانه الشجعان، … ثم كانت نهاية الرحلة النبوية الشريفة في ربيع الأول سنة (١١هـ)، وقد انتصف من عُمر خوَّات عقده الخامس.

وقفة مع مروياته

اختيار الرجل قطعة من عقله.

والراوي إما أنه قد حفظ ما يخصه ويحتاج إليه، وإما أن يكون حفظه لجمع الرواية وحفظ الحديث وطلب العلم، وقد يجتمعان في شخص، فيكون طالبًا للعلم من جهة وقد حفظ ما يخصه أكثر من غيره.

ولذلك تجد أن أشهر مرويات خوَّات له في صلاة القتال، أو ما يسمى بـ «صلاة الخوف»، وهذا بلا شك من اهتمامات خوَّات.

وشهد [خوَّات] المشاهد كلها، وعُمِّر حتى شهد أحداث الفتن الكبرى بين الصحابة رضي الله عنهم، وكان في جيش علي رضي الله عنه.

وفي صلاة الخوف أنزل الله تعالى آيات سورة النساء، وشرع لهم فيها الهيئة التي تُمكّنهم من أداء الصلاة وهم في ساحة القتال، وفيها حديث خوَّات، وقد خرجه الإمام البيهقي في «السنن»، بسنده إلى صالح بن خوَّات، عن أبيه قال: «صلى النبي ﷺ صلاة الخوف، فصفَّ طائفةٌ معه، وطائفة تلقاء العدو، فصلى النبي ﷺ بالذين معه ركعة، ثم قام وقاموا فأتموا لأنفسهم، ثم ذهبوا مكان أصحابهم، وجاء الآخرون، فصلى بهم النبي ﷺ الركعة التي بقيت، ثم أتموا لأنفسهم».

وأصل هذا الحديث في الصحيحين، وفيه: «عن صالح بن خوَّات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف، أن طائفة صَفَّت.. » الحديث.

ومن الآثار الموقوفة عليه حديثه في أنواع النوم، حيث قال: «نومُ أوَّل النهار: خُرْقٌ، وأوسطه: خُلْق، وآخرُهُ: حُمْقُ!».

نوم أول النهار خُرْقٌ من الخَرَق، ويقال لها «نومة الخُرْق»، وهي نومة الضحى، وقيل إنها تشغل عن أمر الدنيا والآخرة، وهي دلالة على البلادة والكسل.

وأوسط النهار: خُلْق، وضُبطت «خُلُق»، أي: فطرة وخلقة الإنسان، وهو نوم القيلولة التي جاءت بها السنة وحرص عليها الصحابة حرصا شديدًا.

ومع حكمته فقد كان شاعرًا، حسن الصوت، له أشعار مبثوثة في كتب التراجم والأشعار.

قال عمر رضي الله عنه: «دعوا أبا عبد الله يتغنى من بنيات فؤاده» يعني من شعره.

قال خوَّات: فما زلتُ أُغَنِّيهم حتى إذا كان السَّحَر، فقال عمر رضي الله عنه: ارفع لسانك يا خوَّات، فقد أسْحَرْنا.

فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: هلم إلى رجل أرجو ألَّا يكون شَرًّا من عمر، قال: فتنحيتُ وأبو عبيدة فما زلنا كذلك حتى صلينا الفجر».

ولك أن تعجب من فقه الإمام البيهقي هنا وحُسن تبويبه على هذا الأثر حيث قال: «باب: لا يُضَيَّق على واحدٍ منهما أن يتكلم بما لا يأثم فيه مِن شعر، أو غيره!»

فلما طلب الناس من خوَّات أن يتغنى بشعر ضرار..

وضرار هنا إما ضِرار بن الأزور أو ضرار بن الخطاب الفهري رضي الله عنهما، وهما صحابيان، أسلما بعد الفتح، وكلاهما شاعر، وكانا آية في الفروسية والشجاعة وأخبارهم رائقة مشهورة في كتب التراجم، ولهم بطولات مسطرة فيها.

فقال لهم الفاروق عمر: «دعوا أبا عبد الله يتغنى من بنيات فؤاده»، أي من شعره ويظهر هنا أنه كان بهذه الدرجة من الإتقان الذي يدفع عمر أن ينصحهم بجعل خوَّات يغنيهم من شعره ومنتج صدره رضي الله عنه.

وهنا يدخل الأمين الوفي صاحب النفس الطيبة أبي عبيدة إلى المشهد فيقول: «هَلُم إلى رَجُلٍ أرجو ألا يكون شرًّا من عمر!».

يعني كأن أبا عبيدة قام ومعه بعض من يريد أن يُكمل الجلسة مع شعر خوَّات، … تعال إلى رجل، يعني خوَّات، أرجو أن يكون في مثل حُبّ عمر للحق والخير، وليس معنى أن عمر بن الخطاب أقصر، وأكمل خوَّات أن في ذلك أي منقصة.

وهذه والله شهادة عظيمة ومنقبة كبيرة لخوَّات رضي الله عنه، لا سيما وقد جاءت من أمين الأمة رضي الله عنه.

أرجو أن تستحضر ونحن نودع هذا المشهد أن عمر بن الخطاب هو في ذاك الوقت خليفة المسلمين وأمره محمول على الجد، ذلك يتنحون عنه ويكملون بلا أي خوف من استبداد ومع في الرأي أو خصومة بلا طائل.

أهل المسجد

أورد الإمام البغوي في ترجمة خوَّات له، أنه كان «أحد الخمسة الذين حَلفوا ألا يلبثوا وبينهم وبين رسول الله ﷺ بطن وادٍ، فسموا: أهل المسجد».

والذي يظهر والعلم عند الله أنهم استحبُّوا جوار رسول الله ﷺ عن أن يذهبوا ويسكنوا بعيدا عنه حبا في جواره ﷺ.

وقد وجدت أن ذلك الارتباط الشديد استمر حتى بعد وفاة النبي ﷺ، فقد استحب خوَّات جوار رسول الله ﷺ بعد وفاته عن أن يذهب ويسكن بعيدًا في الأراضي التي أقطعت له،

وهكذا سموا أهل المسجد لشدة ارتباطهم بمسجد رسول الله ﷺ، وقد كانوا خمسة: «عاصم بن ثابت» رضي الله عنه، أحد الشهداء الأبطال، شهد بيعة العقبة وبدرًا وأحدًا، وله قصة شهيرة وكرامة في حماية جسده واستشهد في يوم الرجيع (ت٤ هـ)، و«حنظلة الغسيل» رضي الله عنه، وقصته مشهورة، وهو الذي غسلته الملائكة، واستشهد في أحد (۳هـ)، وأخوه «عبد الله بن جبير» رضي الله عنه، البطل الصابر، أمير الرُّماة، شهد العقبة، وبدرا، واستشهد في أحد ثابتا،(۳هـ)، وله مواقف جليلة جديرة بالتدبر، «وسهل بن حنيف» رضي الله عنه، شهد المشاهد كلها، وأبلى يوم أحد بلاء حسنًا، وعُمِّر حتى حضر «صفين»، وسكن الكوفة (ت ۳۸هـ)، وصاحبنا هُنا «خوَّات بن جبير» رضي الله عنه.

والحاصل أن هؤلاء الخمسة كانوا قد استوطنوا المسجد في البداية كحال «أهل الصفة»، والصفة موضع كان في مؤخر مسجد النبي ﷺ في شمالي المسجد بالمدينة النبوية، وكان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه؛

والذي يظهر أن هؤلاء الخمسة كان بعضهم من أهل الصفة أصالة، كحال حنظلة الغسيل و الله الله، وبعضهم كان يأوي إليهم حبا في جوار رسول الله ﷺ، فلما تيسر لهم الانتقال والمأوى آثروا الجلوس في المسجد، وحلفوا ألا يلبثوا وبينهم وبين رسول الله ﷺ بطن وادٍ، فسُمُّوا أهل المسجد، والله أعلم.

وكان لخوَّات رضي الله عنه من الولد «صالح»، و«حبيب» وأمهما من بني ثعلبة.

و«سالم»، و «أم سالم»، و «أم القاسم»، وأمهم «عُميرة بنت حنظلة بن حبيب». و«داود»، و «عبد الله» وبه كان يُكنَّى، كما كان يكنى أبا صالح.

وبقي خوَّات رضي الله عنه إلى سنة أربعين، فمات فيها وهو ابن وسبعين سنة بالمدينة،

خاتمة

لقد ابتعدنا كثيرًا جدا!

بلا أي عبارات إنشائية؛ نحن نتوه» عندما نبتعد عن الضوء، عن الأصل، عن الأساس!

يتردد في أذني حديث النبي ﷺ: «النجومُ أمَنَةٌ للسماء، فإذا ذَهَبَت النجوم أَتَى السماءَ ما تُوعَدُ، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدُون، وأصحابِي أمنةٌ لأُمَّني، فإذا ذَهَبَ أَصحابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». أخرجه مسلم (۲۵۳۱) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

والحل الوحيد أن يعود «التائه» إلى أصله.. إلى مصدر الضوء الذي يدله على الطريق.

هذا هو السبيل الوحيد لإيجاد إنسان يُفكّر بسوية .. ويعبر بحرية.

مُلحق

والمعلوم أن معاجم الإمام الطبراني تختلف عن بعضها في الترتيب والمظنة أيضًا، فقد رتب الكبير» على أسماء الصحابة، وهو مظنة المقبول أكثر من معجميه الآخرين «الأوسط والصغير»، فإنهما مظنة الغرائب والمناكير كما يقول الحافظ ابن عساكر في التاريخ: «وصنف المعجم الكبير في أسماء الصحابة، والأوسط في غرائب شيوخه والصغير في أسماء شيوخه».

خرَّج العلماء المحققون والبررة الصادقون الحديث في أبواب المناقب لأنهم فهموا أن الحديث يتكلم عن حب الصحابي لله ولرسوله وعودته للحق ويشرح طريق العودة إلى جادة الصواب والاعتراف بالخطأ، وبيان فضيلة ثباته منذ إسلامه ولزومه جادة الإسلام ولم يكن منه إلا ما يحدث للبشر وبني آدم من الخطأ والنسيان ثم التوبة والعودة إلى الصراط المستقيم.

أما من يتخيلون المجتمع الأول بهذه الطوباوية الباهتة، والمثالية المجحفة، فهم أسرى عقولهم ومذاهبهم، وحديثهم عن التنزيه هنا سمج ممجوج وهل يتنزه عن ذكر حديث ماعز والغامدية رضي الله عنهما؟ وهل كان الصحابة لا يخطئون؟

بل إننا نقول إن الصحابة والله هم المعيار البشري والمجتمع المختار القياسي، الذين قُدّر لهم أن يجري الله تعالى صورة المجتمع السوي على أيديهم وأنهم الذين جمعوا بين نقاء المثال وبشرية الواقع.. بلا أي انفصال تحت أي ذريعة أو تأويل.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading