القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: نظرةٌ رفيعةٌ للكتاب المقدَّس؟ سُلطَةُ الكتابِ المقدَّس وتشكيلُ قانونِ العهدِ الجديد

خُلاصة كتاب

نظرةٌ رفيعةٌ للكتاب المقدَّس؟

سُلطَةُ الكتابِ المقدَّس وتشكيلُ قانونِ العهدِ الجديد

A High View of Scripture?

The Authority of the Bible

 and the Formation of the New Testament Canon

تأليف:

كريج دي ألِّيرت Craig D. Allert

ترجمة:

محمد شاهين التَّاعِب (عفا الله عنه)

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس:

مُقدِّمة. 5

1. الإنجيليون والتقليدية والكتاب المقدَّس7

الوحدة والتنوُّع في الفكر الإنجيلي.. 7

تيَّاراتُ التَّلاقي في الإنجيليَّة. 8

التنوُّعُ والمحاورُ الضابطةُ. 11

القانون والإطار اللاهوتي.. 11

2. تقديمٌ لعملية تشكيل قانون العهد الجديد. 13

تشكيل القانون: النظرة الإنجيلية التقليدية. 13

ثلاث نظريات رئيسية. 14

نظرية تكوُّن قانون العهد الجديد بشكلٍ تلقائي.. 15

قانونٌ تكوَّن في القرن الثاني الميلادي.. 15

كتاب مُقدَّس (Scripture) لا يعني بالضرورة قانوني (Canon) 16

قانونٌ أوسع للعهد القديم؟. 18

إشكالية قانون العهد الجديد. 20

معايير القانونية. 22

الرسولية. 23

الأرثوذكسية. 25

الكاثوليكية والانتشار الواسع. 26

الوحي والقانونية. 27

الكتب غير القانونية والوحي29

مُلخَّص…. 33

3. القانون واللاهوت الكنسي (Ecclesiology) 34

هل يدعم التاريخ وجهة النظر الإنجيلية؟. 34

التقليد المسيحي المركزي.. 35

الآباء والكتاب المقدس38

قضايا القانون تتعلق بالكنيسة. 39

قوانين الكنيسة. 41

الكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة. 46

مُلخَّص…. 47

4. قانون مُغلق في القرن الثاني الميلادي؟. 47

الماركيونية (Marcionism) 48

الغنوصيّة (Gnosticism) 51

المونتانيّة (Montanism) 54

القطعة الموراتوريّة (The Muratorian Fragment) 57

نظرة على الأناجيل.. 64

الأناجيل لدى آباء الكنيسة الرسوليين65

كليمندس الأول (First Clement) 66

إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch) 67

بوليكاربوس السُميرني (Polycarp of Smyrna) 68

هل وُجدت مجموعة أناجيل؟. 68

يوستينوس الشهيد (Justin Martyr) 69

الرباعية لتاتيان: قانون إنجيل رباعي؟. 70

إيرينايوس أسقف ليون (Irenaeus of Lyons) 75

الكتاب المقدّس وقاعدة الإيمان لدى إيريناوس77

الأناجيل في القرن الثاني — خلاصة. 78

أدلّة من رسائل بولس78

مجموعة رسائل بولس في القرن الثاني.. 80

وضع قانون العهد الجديد في القرن الثاني.. 81

٥. قائمتان مهمّتان من القرن الرابع. 81

تاريخ الكنيسة لأوسابيوس القيصري.. 82

الكتابات المقبولة، أو المعترَف بها (Homologoumena) 84

الكتابات المختلف عليها، أو المتنازَع فيها (Antilegomena) 89

الرسالة الفصحية 39 لأثناسيوس والقوائم اللاحقة. 93

تكوين قانون الأسفار المقدّسة. 98

٦. الوحي والعصمة. 98

ماذا يقول الكتاب المقدّس عن الوحي؟. 99

٢ تيموثاوس ٣: ١٥–١٧. 99

سياق النُّصُوص100

«الكتب المقدّسة» و«الكتاب». 100

«موحًى به من الله» (theopneustos) 101

نظرية تفصيلية؟. 103

٢ بطرس ١: ١٩–٢١. 104

يوحنا ١٠: ٣٤–٣٥. 104

البيان الصادر عن شيكاغو حول عصمة الكتاب المقدّس والإنجيليّة. 105

الخداع المُتعمَّد. 107

الحقيقة بوصفها مُطابقة للواقع. 108

حالة ر. هـ. جندري وإنجيل متى.. 108

الإلهام، والعصمة، والسلطة القانونية. 111

خاتمة. 112

المُلحق: آباء الكنيسة، والأسفار المقدسة، والوحي113

الآباء والكتاب المُقدَّس113

الآباء والوحي120

 

مُقدِّمة

أُدركُ أنَّ عليَّ أن أبدأ بتوضيح ما لا يتناوله هذا الكتاب، فهو ليسَ تأريخًا لعملية تشكيل قانون العهد الجديد. … بل إنَّ هذا الكتاب يُعنى بالبحث في الآثار التي خلَّفتها عملية تشكيل قانون العهد الجديد على العقائد الإنجيلية المتعلِّقة بالكتاب المقدَّس.

إنَّ مصطلح «قانون» (canon) يُستخدمُ هنا للإشارة إلى مجموعةٍ مُغلقةٍ من النُّصوص، لا يُمكنُ إضافةُ شيءٍ إليها، ولا يُمكنُ حذفُ شيءٍ منها.

إنَّ أغلب الإنجيليِّين، خصوصًا على المستوى الشعبي، لديهم تصوُّرٌ عن الكتاب المقدَّس أُسمِّيهِ «تصوُّر السُّقوط من السماء». وأقصدُ بذلك أنَّ الكتاب المقدَّس، بوصفهِ المصدرَ الأوَّلَ والأساسَ للإيمان الإنجيليِّ والحياةِ، يُؤخذُ على أنَّه موجودٌ منذ الأزل، وتمَّ تسليمُهُ إلينا على هذه الصورة. وقلَّما نفكِّرُ في السؤال عن سبب امتلاكنا لهذه المجموعة المُحدَّدة من الأسفار؛ كيفَ، ومتى، ولماذا تشكَّلت هذه المجموعة؟ وما سبب تميُّزها عن بقيَّة الوثائق الأخرى للكنيسة الأولى؟ وكيفَ تمَّ الاعتراف بسُلطتها وقبولها في الكنيسة الأولى؟ وهل كانت تُمارِسُ سُلطةً وحيدةً على الكنيسة؟

… إنَّ النظرةَ الرفيعةَ للكتابِ المقدَّس يجبُ أن تُراعيَ العملية التاريخية التي أوصلت إلينا هذا الكتاب. بل إنَّ دراسة هذه المسألة ينبغي أن تسبق فعليًّا البحثَ في ما يقوله الكتاب نفسه. فبالتأكيد، كان لأولئك الذين جمعوا هذه الوثائق وألَّفوا منها قانونًا أسبابٌ دفعتهم لفعل ذلك.

لكنَّ العقائد الإنجيلية المُتعلِّقة بالكتاب المُقدَّس نادرًا ما تأخذُ هذه المسائل التاريخية على محمل الجدّ، مُفترضةً أنَّ النظرة الرَّفيعة إلى الكتاب المُقدَّس تبدأ مباشرةً من عقيدة الوحي.

يقول لويس هودجز (Louis Hodges): «إنَّ نقطة الانطلاق للنظرة الإنجيلية إلى الكتاب المقدَّس هي عقيدة الوحي».

المصدر: ل. آي. هودجز (L. I. Hodges)، «أبعاد جديدة في الكتاب المقدَّس» (New Dimensions in Scripture)، ضمن كتاب «أبعاد جديدة في الفكر الإنجيلي: مقالات تكريمية لـ ميلارد ج. إريكسون» (New Dimensions in Evangelical Thought: Essays in Honor of Millard J. Erickson)، تحرير د. س. دوكري (D. S. Dockery)، (داونرز جروف، إلينوي: إنترفارسيتي [InterVarsity]، 1998)، ص213. جميع الإحالات والاقتباسات من هذا المقال في هذا القسم مأخوذة من الصفحات 213-215.

وفقًا لهودجز (Hodges)، فإنَّ إحدى الإشكاليَّات التي تظهر عند صياغة عقيدةٍ حول الكتاب المقدَّس هي العلاقة بين ما هو إلهيٌّ وما هو بشريٌّ في تأليف الكتاب المقدَّس.

وما حدثَ بشكلٍ أساسيٍّ هو أنَّ تعريف النظرة الرفيعة للكتاب المقدَّس قد أصبح مُرادفًا ببساطةٍ لعقيدة الوحي اللَّفظيّ الكامل (verbal plenary doctrine of Scripture).

الافتراض السائد هنا هو أنَّه إذا كان الكتاب المقدَّس حقًّا هو كلمة الله ذاتها للبشر، فإنَّ الاهتمام بما يقوله ينبغي أن يطغى تمامًا على الاهتمام بكيفية وصوله إلى أيدي الكنيسة.

أنا هنا لا أنفي وحيَ الكتابِ المقدَّس، بل إنَّ ما أجادلُ بشأنه هو أنَّنا -نحنُ الإنجيليِّين- اقتربنا من تأليه هذه المجموعة من النصوص، مع فهمٍ ضئيلٍ أو معدومٍ لكيفية جمعها في الكتاب المقدَّس.

إنَّ الاعتقادَ بألوهية النصوص هو الذي يُحدِّد أجندة البحث في قانونيَّة هذه النصوص (canonicity)، ممَّا يؤدِّي إلى تجاهل العمل الواقعيِّ والمُهمِّ والأحكام التي قامت بها الكنيسةُ الأولى، لصالح فكرة أنَّ الله -بشكلٍ أو بآخر- فرضَ هذه الوثائق على الكنيسة، حتى أصبحت عمليةُ القانون نفسها «مؤلَّهة». ولهذا تأثيرٌ مباشرٌ في جعل أي بحثٍ إضافيٍّ في عملية تشكيل القانون أمرًا غير ضروريٍّ، لأنَّ مثل هؤلاء الإنجيليِّين يزعمون أنَّ الكنيسة لم «تختر» الوثائقَ التي يجبُ إدراجها في القانون، بل إنَّ الوثائق فرضت نفسها على الكنيسة بسبب وحيها الإلهيِّ. وبهذا، فإنَّ كلَّ ما قامت به الكنيسة هو مُجرَّد الاعتراف، وليس الاختيار. لكن، في الواقع، فإنَّ الكيفيَّة التي من خلالها تمَّ الاعتراف بهذا الوحي لم تلقَ إلا شرحًا ضئيلًا.

وبشكلٍ عام، يبدو أنَّ الإنجيليِّين غيرُ مهتمِّين بكيفيَّة وصول الكتاب المقدَّس إلينا. وحتى عندما يُبدُون اهتمامًا بذلك، فإنَّهم نادرًا ما يربطون بين الآثار الناتجة عن هذه الاهتمامات وبين ما قد تُحدِثُه من أثرٍ على عقيدتهم في الكتاب المقدَّس. وهذا أمرٌ مثيرٌ للسخرية نوعًا ما؛ لأنَّ الإنجيليِّين هم من أعلى الناس صوتًا في إعلان السُّلطَة المُطلَقة للكتاب المقدَّس، فكان من الأَولى أن يكون هذا الإعلان نابعًا من فهمٍ واضحٍ لكيفيَّة تشكُّله أصلًا.

هذا الكتابُ إذن، يُناقشُ كيف يُمكن للفهم التاريخيِّ لعملية تشكيل قانون العهد الجديد أن يُؤثِّرَ في صياغة العقيدة الإنجيلية حول الكتاب المقدَّس.

إنَّ عنوانَ هذا الكتاب «نظرةٌ رفيعةٌ للكتابِ المقدَّس؟» (A High View of Scripture?) يحملُ شيئًا من التلاعُبِ بالكلمات. ففي جوهر الأمر، أنا أتساءلُ عمَّا إذا كانت النظرةُ الإنجيليةُ الشائعةُ للكتابِ المُقدَّسِ هي في الواقع نظرةٌ «رفيعةٌ» حقًّا، أو على الأقلِّ «رفيعةٌ» بما يكفي. وموقفي هو أنَّ النظرة الرفيعة إلى الكتابِ المقدَّسِ تقتضي بالضرورة فهمًا ودمجًا لعمليَّةِ تشكيلهِ وتكوينه.

يرى ن. ت. رايت (N. T. Wright) أنَّ معظم المقاربات الإنجيلية لسلطة الكتاب المقدَّس هي في الواقع ذاتُ نظرةٍ مُنخفِضة؛ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُعامَل وفقَ ما هو عليهِ فعلًا، بل يُحوَّل إلى شيءٍ آخر لا يمثِّله حقيقةً.

انظر: ن. ت. رايت (N. T. Wright)، «كيف يمكن للكتاب المقدَّس أن يكون ذا سُلطة؟» (“How Can the Bible Be Authoritative?”)، في مجلة فوكس إيفانجيليكا (Vox evangelica)، العدد 21 (1991)، الصفحات 7-32، وخاصةً الصفحات 11-14.

هذا يعني أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لم يسقط من السماءِ جاهزًا، بل كان ثمرةً لتطوُّراتٍ تاريخيَّةٍ ولاهوتيَّة.

وأنا أؤكِّدُ على سُلطةِ الكتابِ المقدَّسِ باعتباره وحيَ اللهِ للبشريَّةِ، وأؤكِّدُ أيضًا على أنَّه المصدرُ النهائيُّ لإيمانِ المؤمنينَ وحياتهم. ولا ينبغي أن يُفهَمَ أيُّ شيءٍ ممَّا أكتبهُ في هذا الكتابِ على أنَّه إنكارٌ لذلك.

وأنا مُدركٌ تمامًا أنَّ الدخولَ في عرضٍ ومناقشةٍ من هذا النوع قد يكونُ مُغامرةً محفوفةً بالمخاطر؛ ليس فقط بسبب الآراءِ المُتباينةِ والمُختلفةِ التي تسودُ في هذا الموضوع، بل أيضًا بسبب الحماسِ والتعصُّبِ الشديدِ الذي يتمسَّكُ بهِ البعضُ بآرائهم.

وقد وصف أحدُ النُّقاد عملَ جون جولدينجاي (John Goldingay) حول طبيعةِ الكتابِ المقدَّسِ بأنَّه مكتوبٌ من وجهة نظرِ «الإنجيليةِ التي تعتقدُ أنَّه ليس لديها ما تخشاهُ، بل لديها الكثيرُ لتكسبَهُ من الدراسات النقديَّة، كما أنَّها لا تُبدي تعاطُفًا كبيرًا مع وجهةِ النظرِ القائلةِ بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ الموحى به يجبُ بالضرورةِ أن يكونَ معصومًا من الخطأ».

المصدر: ف. واتسون (F. Watson)، «مُراجعات» (“Reviews“)، في مجلة «مُراجعات في الدين واللاهوت» (Reviews in Religion and Theology)، العدد 3 (1995)، ص 30.

1. الإنجيليون والتقليدية والكتاب المقدَّس

الوحدة والتنوُّع في الفكر الإنجيلي

من غير الدقيق إذن أن نَصِفَ الإنجيلية (Evangelicalism) بأنَّها حركةٌ مُحافِظة (conservative movement).

راجع في هذا الشأن: ر. ك. بيركينشو (R. K. Burkinshaw)، «حُجَّاجٌ في أرض اللوتس: البروتستانتية المُحافِظة في كولومبيا البريطانية، 1917–1981» (Pilgrims in Lotus Land: Conservative Protestantism in British Columbia, 1917–1981)، (مونتريال: دار نشر جامعة ماكجيل-كوينز [McGill-Queens University Press]، 1995)، الصفحات 10–11، و15–17.

وكذلك ب. ل. جونثر (B. L. Guenther)، «التدريب للخدمة: حركة مدارس الكتاب المقدَّس في غرب كندا، 1909–1960» (أطروحة دكتوراه، جامعة ماكجيل [McGill University]، 2001)، صفحة 15.

الصفة «مُحافِظ» (conservative) في اللغة الإنجليزية الحالية تُشير إلى من يُعارض التغيير الجذريَّ ويتجنَّبه، أما الصفة المُقابلة «راديكالي» (radical) فتُشيرُ إلى من يتبنَّى وجهات نظرٍ متطرِّفةٍ أو منفتحةٍ على الإصلاحات الجذريَّة.

كلمة «إنجيلي» (evangelical) مرتبطةٌ بشكلٍ وثيقٍ بمصطلح (euangelion) أي «البشارة» أو «الإنجيل»، وهي الرسالة التي كانت محور كرازة الكنيسة الأولى. وكان محتوى هذه الرسالة إعلانًا عن حياة يسوع المسيح وموته وقيامته، وسيادته كنتيجةٍ لذلك، وحضور الروح القدس في الكنيسة كعلامةٍ لرضا الله عن شعبه، والمجيء الثاني ليسوع كمُخلِّصٍ وديَّان، وغفران الخطايا، وضمان الخلاص.[4] وهذه الأمور تُشكِّل القاعدة الأساسية للمسيحية ذاتها.

انظر: س. هـ. دود (C. H. Dodd)، «الكرازة الرسولية وتطوُّراتها» (The Apostolic Preaching and Its Developments)، (لندن: هودر وستوتون [Hodder & Stoughton]، 1936)، الصفحات 1–73.

تيَّاراتُ التَّلاقي في الإنجيليَّة

المجموعة الإنجيلية

التركيز الأساسي

الرموز والمؤسسات

1. الإنجيلية الأصولية

(Fundamentalist evangelicalism)

الانفصال الشخصي والكنسي؛ التمسك الحرفي بالكتاب المقدس (Biblicism)       

جامعة بوب جونز (Bob Jones University)، المجلس الأمريكي للكنائس المسيحية (American Council of Christian Churches)، صحيفة “سيف الرب” (Sword of the Lord)

2. الإنجيلية التدبيرية

(Dispensational evangelicalism)

التفسير التدبيري؛ عقيدة الاختطاف قبل الضيقة (pretribulationalism) والملك الألفي (premillenarianism)

معهد دالاس اللاهوتي (Dallas Theological Seminary)، معهد مودي للكتاب المقدس (Moody Bible Institute)، مجلة مودي الشهرية (Moody Monthly)، دار نشر مودي (Moody Press)

3. الإنجيلية المحافظة

(Conservative evangelicalism)

التبشير التعاوني؛ تشمل جميع المجموعات الإنجيلية؛ قاعدة لاهوتية واسعة        

كلية ويتون (Wheaton College)، كلية ترينيتي اللاهوتية (Trinity Seminary)، كلية جوردون-كونويل (Gordon-Conwell Seminary)، مجلة المسيحية اليوم (Christianity Today)، بيلي جراهام (Billy Graham)، دار زوندرفان (Zondervan Corporation)، الرابطة الوطنية للإنجيليين (National Association of Evangelicals)

4. الإنجيلية غير الطائفية

(Nondenominational evangelicalism)

وحدة الكنيسة؛ استعادة المسيحية كما كانت في العهد الجديد       

كلية ميليجان (Milligan College)

5. الإنجيلية المصلحة (الكالفينية)

(Reformed evangelicalism)

الكالفينية (بنكهة تطهيرية Puritan)؛ لاهوت العهد وتفسيره      

كلية كالفن ومعهدها اللاهوتي (Calvin College and Seminary)، معهد ويستمنستر (Westminster Seminary)، معهد العهد (Covenant Seminary)، المعهد الإصلاحي (Reformed Seminary)، فرانسيس شيفر (Francis Schaeffer)

6. الإنجيلية الأنابابتستية

(Anabaptist evangelicalism)

التلمذة؛ الفقر؛ حركة السلام؛ السلامية (pacifism)

كلية جوشن (Goshen College)، زمالة ريبا بليس (Reba Place Fellowship)، جون هوارد يودر (John Howard Yoder)

7. الإنجيلية الويسلية

(Wesleyan evangelicalism)

الأرمينيانية (Arminianism)؛ التقديس (sanctification)         

كلية ومعهد أسبري (Asbury College and Seminary)، كلية سياتل باسيفيك (Seattle Pacific College)

8. الإنجيلية القداسية (حركة القداسة)

(Holiness evangelicalism)

العمل الثاني للنعمة (Second work of grace)      

كلية لي (Lee College)، كنيسة الناصري (Nazarene Church)

9. الإنجيلية الخمسينية

(Pentecostal evangelicalism)

موهبة التكلم بالألسنة (Gift of Tongues)     

كنيسة الله (Church of God)، جمعية الله (Assembly of God)

10. الإنجيلية الكاريزماتية

(Charismatic evangelicalism)

مواهب الروح القدس (Gifts of the Holy Spirit)      

جامعة أورال روبرتس (Oral Roberts University)، مدرسة ميلوديلاند للاهوت (Melodyland School of Theology)

11. الإنجيلية السوداء

(Black evangelicalism)

الوعي الأسود (Black consciousness)        

الرابطة الوطنية للإنجيليين السود (National Association of Black Evangelicals)

12. الإنجيلية التقدمية

(Progressive evangelicalism)

الانفتاح تجاه الدراسات النقدية والعلاقات المسكونية (ecumenical)   

معهد فولر اللاهوتي (Fuller Seminary)

13. الإنجيلية الراديكالية

(Radical evangelicalism)

الوعي الأخلاقي والاجتماعي والسياسي   

مجلة سوجورنرز (Sojourners)، مجلة الجانب الآخر (The Other Side)، مجلة ويتنبرج دور (Wittenburg Door)

14. الإنجيلية التقليدية (الرئيسية)

(Mainline evangelicalism)

الوعي التاريخي الممتد على الأقل إلى عصر الإصلاح (Reformation) 

حركات داخل الطوائف الكبرى: الميثودية (Methodist)، اللوثرية (Lutheran)، المشيخية (Presbyterian)، الأسقفية (Episcopal)، المعمدانية (Baptist)

التنوُّعُ والمحاورُ الضابطةُ

الإنجيليَّةُ (Evangelicalism) حركةٌ بروتستانتيَّةٌ (Protestant movement)، وعلى هذا الأساس فهي ترجعُ بتأثيرها الأساسيِّ إلى حركة الإصلاح (Reformation) في القرن السَّادس عشر. ويعودُ استخدامُ مُصطلح «بروتستانتي» كتسمية إلى تاريخ 25 أبريل 1529.

لكن مع ذلك، فإنَّ تسمية «بروتستانتي» قد استُخدمت لاحقًا بشكلٍ تاريخيٍّ خاطئٍ لتشمل جميع الحركات التي انفصلت عن الكاثوليك الرومان (Roman Catholics) نتيجةً لأطروحات مارتن لوثر الخمس والتسعين (Ninety-Five Theses) عام 1517.

وهذا أمرٌ مؤسفٌ؛ لأنَّ المعنى الأساسيَّ للكلمة اللاتينيَّة protestare يُشيرُ إلى «الشخص الذي يسعى لتقديم شهادة» أو «إعلانٍ علنيّ». ومن ثمَّ، فإنَّ البروتستانت تاريخيًّا هم أولئك الذين سَعوا إلى تأكيد المبادئ الأساسيَّة لإيمانهم بشكلٍ إيجابيٍّ، بدلًا من التعبير عنها بشكلٍ سلبيٍّ، أي من خلال ذكر ما لا يؤمنون به فقط.

انظر في هذا الشأن: د. هـ. ويليامز (D. H. Williams)، «استعادة التَّقليد وتجديد الإنجيليَّة: دليل للبروتستانت المُتشكِّكين» (Retrieving the Tradition and Renewing Evangelicalism: A Primer for Suspicious Protestants)، (غراند رابيدز: إيردمانز [Eerdmans]، 1999)، الصفحات 173-174.

إذا كانت الإنجيليَّةُ في جوهرها تُمثِّل العقيدة المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة التاريخيَّة (Historic Christian Orthodoxy)، فإنَّ توضيحًا لهذا الأمر يُصبح ضروريًّا.

وقد طُرحت أسئلةٌ مهمَّةٌ حول سُلطة الكتاب المقدَّس؛ وأهمُّ هذه الأسئلة: هل الكتاب المقدَّس هو بالفعل وحي الله؟

القانون والإطار اللاهوتي

لعلَّ القارئ يتساءل عن علاقة هذه الجولة القصيرة حول الإنجيلية والتقليدية بعملية تشكيل قانون العهد الجديد.

في الواقع، لا نجد هذه الأرضية اللاهوتية الضيقة بشكلٍ أوضح من العقيدة الإنجيلية حول الكتاب المقدَّس. فالعنصر الذي يغيب غالبًا عن أغلب الدراسات الإنجيلية حول الكتاب المقدَّس هو التقديم الموثوق لكيفية تكوين هذا الكتاب ذاته، والذي يُنظر إليه كسلطة نهائية ومطلقة.

ما يلي هو محاولة لتتبُّع جزءٍ صغيرٍ من المسيرة التاريخية التي أدَّت إلى وصولنا إلى الكتاب المقدَّس بوصفه مجموعةً من النصوص ذات السُّلطة. ومن خلال ذلك، آمل أن أوقظنا من سُباتنا التقليدي، وأدعو الإنجيليين إلى التفكير في بعض القضايا المهمة—بعض الحقائق الواضحة وآثارها—فيما يخص الكتاب المقدَّس الذي نعتبره الركيزة الأساسية للإيمان المسيحي والحياة المسيحية.

إنَّ التعمُّق في التاريخ المهمِّ لكيفية جمع النصوص التي تمثِّل المصادر الأولية لدينا هو مسألةٌ جوهريةٌ بالنسبة لمن يؤكِّدون على أنَّ الكتاب المقدَّس سلطة نهائية. وإذا كنَّا نؤمن فعلًا بهذه المكانة للكتاب المقدَّس، فإن من الواجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار كيفية تشكيله داخل حياة الكنيسة.

إنَّ آباء الكنيسة الأوائل لم يتركوا لنا عقيدةً رسميَّةً واضحةً ومكتملة حول الكتاب المقدَّس. وفي هذا السياق، يقول ريتشارد مولر (Richard Muller):

«إنَّ عقيدة الكتاب المقدَّس لم تكن موضعًا (locus) مستقلًّا، أو مسألةً (quaestio) قائمةً بذاتها داخل النظام اللاهوتي، حتى النصف الثاني من القرن السادس عشر».

انظر: ر. أ. مولر (R. A. Muller)، «العقائد الإصلاحية في فترة ما بعد الإصلاح: نشأة وتطوُّر الأرثوذكسية الإصلاحية (حوالي 1520 – حوالي 1725)»، المجلد 2: الكتاب المقدَّس (Post-Reformation Reformed Dogmatics: The Rise and Development of Reformed Orthodoxy, ca. 1520–ca. 1725, vol. 2, Holy Scripture)، (غراند رابيدز: بيكر أكاديمي [Baker Academic]، 2003)، ص23.

إنَّ المكانةَ الرفيعةَ للكتابِ المقدَّس بوصفه المحورَ الأساسيَّ للاهوت هي في الواقع تطوُّرٌ ظهر بعد حركة الإصلاح. ولمزيدٍ من التفاصيل حول هذه النقطة، انظر:

د. هـ. ويليامز (D. H. Williams)، «الكتاب المقدَّس، والتقليد، والكنيسة: في عصر الإصلاح وما بعده» (“Scripture, Tradition, and the Church: Reformation and Post-Reformation“)، ضمن كتاب «الكنيسة الحرة والكنيسة الأولى: تجسير الفجوة التاريخية واللاهوتية» (The Free Church and the Early Church: Bridging the Historical and Theological Divide)، تحرير د. هـ. ويليامز (غراند رابيدز: إيردمانز [Eerdmans]، 2002)، الصفحات 101–126.

2. تقديمٌ لعملية تشكيل قانون العهد الجديد

كيف وصل إلينا العهدُ الجديد؟ هذا هو السؤالُ الأساسيُّ الذي يشغلُ الباحثينَ في مجالِ دراسةِ قانون العهد الجديد (New Testament canon). في هذا المجال، يُشيرُ مُصطلحُ «قانون» (canon) إلى مجموعةٍ محدودةٍ من الكتابات التي تؤدِّي دورَ مجموعةٍ ذات سُلطةٍ في المسيحيَّة. وهي مجموعةٌ محدودةٌ بمعنى أنَّه لا يُمكنُ أن يُضافَ إليها شيءٌ، أو يُحذَفَ منها شيءٌ.

وكلمةُ «قانون» (canon) تعني قاعدةً، أو مِعيارًا، أو مِقياسًا ثابتًا تُقاسُ عليه الأشياء. وعند تطبيقِ هذا المصطلح على مجموعةٍ من النصوص مثل العهد الجديد، يُصبحُ إشارةً إلى أنَّ هذه المجموعة تحظى بوضعية المعيار أو المقياس.

تشكيل القانون: النظرة الإنجيلية التقليدية

عادةً، لم يُعطِ الإنجيليُّون اهتمامًا كبيرًا لمسألةِ تشكيل العهد الجديد، أو الآثار المُحتملة لذلك على عقيدتهم حول الكتاب المقدَّس. فأغلبُ النظرات الإنجيلية لتاريخ القانون -هذا إذا تمَّ النظرُ فيها أصلًا- تفترضُ وجودَ قانونٍ للعهد الجديد منذ البداية الأولى للمسيحيَّة ذاتها، أو على الأقلِّ منذ اللحظة التي تمَّ فيها إكمالُ كتابة أوَّل وثيقةٍ من وثائق العهد الجديد.

والكثيرونَ يفترضونَ أنَّه بمُجرَّد توافر أي وثيقةٍ للعهد الجديد، كانت تُفرزُ مباشرةً وبوعيٍ تامٍّ بعيدًا عن أيِّ وثائق أخرى غير قانونية، وتُضافُ إلى مجموعةٍ مُتناميةٍ تُشكِّل قانون العهد الجديد. وفي ظلِّ هذا الفهم، فإنَّ إغلاق قانون العهد الجديد حدث بمُجرَّد استلام آخر وثيقةٍ من قِبَلِ الرُّسل وإضافتها إلى المجموعة، مما أنتج العهد الجديد الذي نعرفه اليوم، والذي يضمُّ سبعةً وعشرين سفرًا.

لكنَّ هذا التصوُّر لعملية تشكيل قانون العهد الجديد وإغلاقه لا يُبالي كثيرًا بالتفاصيل التاريخية. ومن هنا، فإنَّنا بحاجةٍ إلى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة المهمَّة في هذا المجال.

عندما يتعلق الأمر بالمسائل الكتابية واللاهوتية، عادةً ما يستشهد الإنجيليون بـ بنيامين ب. وارفيلد (Benjamin B. Warfield). ففي مقالاته المؤثِّرة حول الوحي (inspiration) وعصمة الكتاب المقدَّس (inerrancy)، يُضمِّن وارفيلد ملحقًا حول قانونية العهد الجديد، يذكرُ فيه أنَّ الكنائس كانت تستقبل قانونًا متناميًا (increasing canon) وليس قانونًا مُغلَقًا (closed canon).

المصدر: ب. ب. وارفيلد (B. B. Warfield)، «قانون العهد الجديد: كيف ومتى تشكَّل؟» (“The Canon of the New Testament: How and When Formed?”)، ضمن أعمال بنيامين ب. وارفيلد، المجلد 1: الوحي والإلهام (The Works of Benjamin B. Warfield, vol. 1, Revelation and Inspiration)، تحرير إ. د. وارفيلد (E. D. Warfield)، و. ب. أرمسترونغ (W. P. Armstrong)، س. و. هودج (C. W. Hodge)، (غراند رابيدز: بيكر بوكس [Baker Books]، 2003)، ص451–456.

هكذا، فبحسب تصوُّر وارفيلد، فإنه مع كتابة كل وثيقة من وثائق العهد الجديد، كان المسيحيون الأوائل:

«يستقبلون كل سفر جديد من الدائرة الرسولية، باعتباره “كتابًا مقدَّسًا” مساويًا للأسفار القديمة (أي أسفار العهد القديم)، ثم كانوا يضيفونها واحدًا تلو الآخر إلى المجموعة القديمة باعتبارها نصوصًا مقدَّسة إضافية، حتى أصبح عدد هذه النصوص الجديدة كافيًا لتُشكِّل قسمًا آخر من الأسفار المقدَّسة».

وبناءً على هذا الفهم، يرى وارفيلد أن قانون العهد الجديد اكتملَ:

«عندما تسلَّمت الكنيسة آخر سفرٍ ذي سُلطة من يد الرسل، وهو سفر رؤيا يوحنا، حوالي سنة 98 ميلادية» (المصدر السابق، الصفحات 453-454).

وللإنصاف، يُدرك وارفيلد أن مدى القانون كان يختلف من كنيسةٍ إلى أخرى، وأن الكنيسة لم تقبل القانون بكامله بشكلٍ عامٍّ إلا في مرحلة لاحقة، لكنَّ وارفيلد لا يُحدِّد لنا متى حدث ذلك، أو متى تلقَّت الكنيسة القانون بشكلٍ شاملٍ، باستثناء قوله:

«منذ زمن إيريناوس (حوالي سنة 180 ميلادية) وما بعده، كان لدى الكنيسة عمومًا القانون الكامل كما نمتلكه اليوم» (المصدر السابق، الصفحات 454-455).

إنه من الطبيعي جدًّا أن ننظر إلى الأمور من وجهة نظر القرن الحادي والعشرين، وأن نعتبر العهد الجديد كأنه بالفعل «مكتمل، ومُحدَّد، ومعروف، ومعترفٌ به». فنحن نتصوَّر أن الكتاب المقدَّس موجودٌ دائمًا بهذه الصورة الواضحة، ومنفصل تمامًا عن النصوص الأخرى.

المصدر: جيمس بار (J. Barr)، «الكتاب المقدَّس: القانون، والسُّلطة، والنقد» (Holy Scripture: Canon, Authority, and Criticism)، (فيلادلفيا: وستمنستر [Westminster]، 1983)، ص2.

ثلاث نظريات رئيسية

يسعى مؤرخو قانون العهد الجديد إلى الإجابة عن السؤال المركزي التالي: كيف ولماذا قبلت الكنيسةُ ككتابٍ مُقدَّسٍ ذي سُلطةٍ عهدًا جديدًا لا يزيد ولا يقل عن سبعة وعشرين سفرًا، ووضعته بجانب الأسفار العبرية أو اليونانية، التي أُعيدت تسميتها بـ «العهد القديم» (Old Testament)؟ في الواقع، كانت هناك ثلاث إجابات أساسية على هذا السؤال، وهي:

1.   العهد الجديد تكوَّن بشكلٍ تلقائيٍّ وعفويٍّ (spontaneous occurrence).

2.   العهد الجديد تشكَّل خلال القرن الثاني الميلادي.

3.   العهد الجديد تشكَّل خلال القرن الرابع الميلادي.

نظرية تكوُّن قانون العهد الجديد بشكلٍ تلقائي

يرى الباحث زان (Zahn) أنَّ هناك بالفعل قانونًا للعهد الجديد قد ظهر مع نهاية القرن الأول الميلادي. وقد توصَّل زان إلى هذا الاستنتاج استنادًا إلى فحصه الشامل لاقتباسات آباء الكنيسة من أسفار العهد الجديد، على أساس أنَّ الاقتباس من سفرٍ ما يُعتبر دليلًا على قانونيته (canonicity). ومع أن زان لم يُجادل بأنَّ قانون العهد الجديد -المكوَّن من سبعة وعشرين سفرًا كما نعرفه اليوم- كان موجودًا بشكلٍ نهائي مع دخول الكنيسة القرن الثاني، إلا أنه أكَّد وجود مجموعةٍ جوهريةٍ من الكتابات كانت الكنيسة الأولى تعتمد عليها بشكلٍ أساسي. وهذه المجموعة لم تُفرض فرضًا على الكنيسة، بل ظهرت بصورة تلقائية وعفوية من داخل حياة الكنيسة نفسها.

لكن الباحث هارناك (Harnack) أظهر أن الأدلة التي قدَّمها زان لم تكن متعلقة تمامًا بالقضية الجوهرية، لأنه لم يُميِّز بشكلٍ كافٍ بين الأمور التالية:

«(أ) استخدام كتابٍ ما، (ب) الاقتباس منه كمرجعية، (ج) اعتباره نصًّا “مُقدَّسًا”، و(د) منحه مكانًا في قانون رسميٍّ محدود».

المصدر: بارتون (Barton)، «الكتابات المقدَّسة» (Holy Writings)، ص4.

قانونٌ تكوَّن في القرن الثاني الميلادي

غالبًا ما تُذكر رسالة برنابا (Barnabas) باعتبارها أوَّل نصٍّ أرثوذكسيٍّ (orthodox writing) يقتبسُ من إحدى وثائق العهد الجديد ويعتبرها «كتابًا مقدَّسًا» (Scripture).

تقول الرسالة: «وتأمَّلوا أيضًا في هذا، يا إخوتي، عندما ترون أنه بعد أن حدثت معجزاتٌ وعجائبُ عظيمةٌ كهذه في إسرائيل، تُرِكُوا أخيرًا؛ فلنحذر نحن أيضًا لئلَّا نُوجَد -كما هو مكتوبٌ- أنَّ “كثيرين يُدعَون، وقليلين يُنتخبون”». [رسالة برنابا 4: 14، المرجع: (LCL 1:353)]

هنا، يُقتبَس من إنجيل متَّى (Matthew 22:14) ويُعتبَر «كتابًا مقدَّسًا» (كما هو مكتوب). وبالنسبة لهارناك (Harnack)، هذا يعني أنَّ قانونية هذا النص قد ثبتت؛ لأنَّه وُضع على نفس مستوى نصوص العهد القديم. فالاقتباسُ من النص على أنه «كتاب مقدَّس» (Scripture) يُثبِتُ قانونيَّتَه.

ووفقًا لهارناك، فإنَّ الدافع الأساسي نحو الاختيار الواعي والمقصود لنصوص العهد الجديد كان الحاجة إلى مواجهة الهرطقة (heresy)، وتحديدًا ضرورة التصدِّي لقانون ماركيون (Marcion’s canon).

راجع أيضًا: أدولف فون هارناك (A. von Harnack)، «ماركيون: إنجيل الإله الغريب» (Marcion: The Gospel of the Alien God)، ترجمة ج. إ. ستيلي (J. E. Steely)، ل. د. بيرما (L. D. Bierma)، (دورهام: لابيرينث [Labyrinth]، 1990)، مترجم من النسخة الألمانية الأصلية (Marcion: Das Evangelium vom fremden Gott)، الطبعة الثانية، (ليبتسيغ: ج. س. هنريكس [J. C. Hinrichs]، 1924). وهذه المسألة ستُناقَش بمزيدٍ من التفصيل في الفصل الرابع (أدناه).

بعبارة أخرى، يُعتقَد أنَّ ماركيون أجبر الكنيسة على اتِّخاذ قرارٍ واضح بشأن النصوص التي يجبُ إدراجها في قانون العهد الجديد. وهناك باحثون آخرون أخذوا أطروحة هارناك الأساسية حول الحاجة لمواجهة الهرطقة وقاموا بتطويرها لتشمل أيضًا المونتانية (Montanism) والغنوصية (Gnosticism)، ولكنَّ النقطة الرئيسية التي يؤكِّدون عليها هي أنَّ تشكيل قانون العهد الجديد تمَّ انطلاقًا من الحاجة الملحَّة لمواجهة الهرطقة.

للمزيد حول هذه الرؤية، انظر: هانز فون كامبنهاوزن (H. F. von Campenhausen)، «تشكيل الكتاب المقدَّس المسيحي» (The Formation of the Christian Bible)، ترجمة ج. أ. بيكر (J. A. Baker)، (لندن: آدم وتشارلز بلاك [Adam & Charles Black]، 1972). (الأصل الألماني نُشر عام 1968).

ر. م. جرانت (R. M. Grant)، «تشكيل العهد الجديد» (The Formation of the New Testament)، (لندن: مكتبة جامعة هاتشينسون [Hutchinson University Library]، 1965).

كتاب مُقدَّس (Scripture) لا يعني بالضرورة قانوني (Canon)

يرى سوندبرج (Sundberg) أنَّه: «يجبُ علينا أن نُعيد النظر في فهمنا لمكانة العهد القديم في الكنيسة الأولى، تحديدًا في نقطةٍ تُعتبَر حاسمةً لفهم تاريخ قانون العهد الجديد».

المصدر: سوندبرج، «نحو تاريخٍ مُنقَّح» (“Towards a Revised History“)، ص453.

الاستنتاج الذي يصل إليه سوندبرج هو أنَّ الكنيسة المسيحية الأولى لم تتلقَّ «قانونًا» (Canon) مُغلقًا للعهد القديم، بل من الأفضل القول إنَّ الكنيسة استلمت «نصوصًا مقدَّسة» (Scripture) كانت في طريقها إلى أن تُصبح قانونًا مُحدَّدًا في اليهودية.

بحسب سوندبرج، فإنَّ الأدب الديني الذي تلقَّته الكنيسة من اليهودية كان عبارة عن مجموعات من الأدب الديني التي كانت مُتداولة بحرِّية في اليهودية قبل عام 70م، وهي كالآتي:

·       مجموعة مغلقة من الشريعة (Law).

·       مجموعة مغلقة من الأنبياء (Prophets).

·       مجموعة ثالثة مفتوحة وغير محددة من النصوص، ضمَّت كتابات صارت تُعرَف لاحقًا باسم «الكتابات» (Writings)، بالإضافة إلى الكتب التي أطلق عليها البروتستانت لاحقًا «الأبوكريفا» (Apocrypha) و«السوديبجرافا» (Pseudepigrapha)، وكتب أخرى لا نعرف سوى أسمائها، أو لم تعد موجودة.

ولم تبدأ الكنيسة في تعريف محتوى «العهد القديم» الخاص بها إلا في القرن الثالث الميلادي.

ويؤكِّد سوندبرج أيضًا أنَّ القانون اليهودي لم يُغلَق نهائيًا إلا حوالي عام 90م، وأنَّ الحاجة لتعريف مجموعة «الكتابات» (Writings) لم تظهر بوضوح إلا بعد عام 70م.

بالنسبة لسوندبرج، يجب النظر إلى مصطلح «نصوص مقدَّسة» (Scripture) على أنه يشير إلى كتابات تُعتبَر ذات سُلطة دينية بشكلٍ ما، أما مصطلح «قانون» (Canon)، فيجب أن يُفهم على أنه مجموعة مُحدَّدة ومُغلقة من النصوص، تُعتبر ذات سُلطة حصريَّة مُطلَقة، وتتميَّز بهذه السُّلطة عن أي كتبٍ أخرى.

«ومن الواضح أنَّ الأدب الذي تلقَّته الكنيسة من اليهودية عُومل بصفته «نصوصًا مقدَّسة» (Scripture) ذات سُلطة داخل الكنيسة. لكن من الواضح أيضًا أنَّ هذا الأدب اليهودي الذي تلقَّته المسيحية لم يكن «مجموعة مُغلقة» (Closed Collection)، وبالتالي لم يكن قانونًا (Canon). لذا، بما أنه اقتُبس كمرجع له سُلطة، فمن الصحيح تسميته «نصوصًا مقدَّسة» (Scripture)، ولكن بما أنه لم يكن مجموعة مغلقة ومحددة بوضوح، فليس من الصحيح تسميته «قانونًا» (Canon).»

يقتبسُ برنابا (Barnabas) من جميع الأسفار الخمسة للتوراة (Pentateuch)، وكذلك من المزامير (Psalms)، والأمثال (Proverbs)، وإشعياء (Isaiah)، وإرميا (Jeremiah)، وحزقيال (Ezekiel)، ودانيال (Daniel)، وزكريا (Zechariah). لكنَّ أحد الجوانب المثيرة للاهتمام في «رسالة برنابا» هو استخدامُ كاتبها للأدب الذي يُطلق عليه البروتستانت «الأبوكريفا» (Apocrypha) و«السوديبجرافا» (Pseudepigrapha)، وتحديدًا استخدامه لسفر أخنوخ الأول (1 Enoch)، وعزرا الثاني (2 Esdras)، وباروخ الثاني (2 Baruch).

ففي رسالة برنابا (4: 3) نجد إعادة صياغة (Paraphrase) لسفر أخنوخ الأول (إصحاح 89)، ويُنسب النصُّ لأخنوخ بعبارةٍ واضحة:

«الذي كُتب عنه، كما يقول أخنوخ…»

(قارن: 1 أخنوخ 89: 61–64؛ 90: 17)

وفي موضعٍ لاحقٍ من الرسالة، نجد اقتباسًا مباشرًا من نفس المقطع في سفر أخنوخ الأول، مع صيغة تقديمية تقول:

«لأنَّ الكتاب المقدَّس (Scripture) يقول…»

(رسالة برنابا 16: 5، قارن: 1 أخنوخ 89: 65–67)

في هذا السياق يستخدم برنابا سفر أخنوخ الأول باعتباره نبوءة عن الأزمنة الأخيرة، ويُشير إليه بوضوح باعتباره «كتابًا مقدَّسًا».

أمَّا الفصل 11 من رسالة برنابا، فيحتوي على مجموعة اقتباسات من أنبياء مختلفين مثل إرميا، وإشعياء، والمزامير، وحزقيال. لكن قبل الاقتباس مباشرةً من سفر حزقيال (في الآية 10)، نجد اقتباسًا من الكتاب السوديبجرافي «باروخ الثاني» (2 باروخ 61: 7)، مع صيغة تقديمية واضحة:

«ومرَّة أخرى يقول نبيٌّ آخر…»

والواضح هنا أنَّ الكاتب يعتبر «باروخ الثاني» نبيًّا في نفس مستوى إرميا، وإشعياء، والمزامير، وحزقيال.

وفي (برنابا 12: 1)، هناك دمج (Conflation) لمقطعين من سفر «عزرا الثاني» الأبوكريفي (2 عزرا 4: 33، و5: 5)، وذلك مع صيغة تقديمية تقول:

«وبالمثل أيضًا، يصف الصليب في نبيٍّ آخر، إذ يقول…»

وهكذا، بالإضافة إلى أخنوخ الأول وباروخ الثاني، اعتبر الكاتب سفر عزرا الثاني أيضًا «نبيًّا».

قانونٌ أوسع للعهد القديم؟

ما الذي يمكن أن نستنتجه من هذا؟

إنَّ الاستنتاج الواضح هو أنَّ كاتب «رسالة برنابا» كان يرى أنَّ «النصوص المقدَّسة» (Scripture) تُمثِّل فئةً أوسع من قانون العهد القديم الذي نمتلكه حاليًا. وإذا قبلنا هذا الاستنتاج، فلدينا خياران:

1.   إما أن نقول إنَّ قانون العهد القديم عند برنابا كان يضمُّ أسفار أخنوخ الأول (1 Enoch)، وباروخ الثاني (2 Baruch)، وعزرا الثاني (2 Esdras).

2.   أو أن نقول إن برنابا لم يكن يمتلك قانونًا مغلقًا للعهد القديم.

المشكلة هنا هي أنه إذا أردنا استخدام اقتباس برنابا من إنجيل متَّى باعتباره دليلًا على قانونيَّة إنجيل متى لمُجرَّد أنه اقتبسه باعتباره «كتابًا مقدَّسًا»، فيجب علينا حينئذٍ الاعتراف أيضًا بقانونيَّة الأسفار الثلاثة الأخرى: أخنوخ الأول، وباروخ الثاني، وعزرا الثاني.

وفي الواقع، من الواضح أن «رسالة برنابا» بالفعل رفعت من مكانة إنجيل متَّى إلى مستوى «الكتاب المقدَّس» (Scripture). ولكن في الوقت نفسه، رفع الكاتب إنجيل متَّى إلى نفس مستوى الأسفار أخنوخ الأول، وباروخ الثاني، وعزرا الثاني.

وبالتالي، إذا استخدمنا تمييز سوندبرج (Sundberg) بين مفهوم «النصوص المقدَّسة» (Scripture) و«القانون» (Canon)، لا يُمكننا أن نَدَّعي «قانونية» وثيقة من وثائق العهد الجديد لمجرَّد أنها اقتُبست بنفس صيغة اقتباس وثيقة من العهد القديم، إلا إذا كُنَّا مستعدين لقبول قانونٍ أكبر للعهد القديم في كتابات آباء الكنيسة. ويعود ذلك إلى أنَّ الكنيسة المسيحية لم تستلم من اليهودية قانونًا مغلقًا، بل نصوصًا مقدسة (Scripture) كانت في طريقها نحو تشكيل قانونٍ محدد.

إذا قَبِلنا بأنَّ قانون العهد القديم تمَّ تحديده بعد فترة طويلة من التطوُّر التاريخي، فهذا قد يُهيِّئنا للتفكير في أنَّ شيئًا مشابهًا قد حدث مع قانون العهد الجديد أيضًا. بمعنى آخر، إذا لم تَرِث الكنيسة المسيحية فكرة وجود قائمة محدَّدة من النصوص ذات السُّلطة من اليهودية، فلا يوجد سبب واضح يدفعنا للاعتقاد بأنَّ المسيحيين قد فكَّروا في هذا الأمر في وقت مبكِّر فيما يتعلق بكتاباتهم المسيحية الخاصَّة.

بالنسبة لسوندبرج، فإن مفهوم «القانونية» (Canonicity) يتطلَّب بالضرورة وجود نصوص تم استبعادها بشكلٍ واعٍ ومقصود، وكذلك يتطلَّب أن تُثبت المجموعة الناتجة عن هذا الاستبعاد الواعي والمقصود مكانة رسميَّة واضحة. لكننا لا نستطيع إثبات أن هذا الأمر قد حصل في القرن الثاني الميلادي.

ويجدرُ هنا الإشارة إلى القائمة الوحيدة المحتملة التي تعود إلى القرن الثاني الميلادي وهي: «الوثيقة الموراتورية» (Muratorian Fragment). كثيرون يعتبرون هذه الوثيقة دليلًا على وجود وعيٍ مبكِّر بفكرة القانون منذ القرن الثاني، ممَّا يُعارض أطروحة سوندبرج. وهذه الوثيقة قد حظيت باهتمام كبير مؤخرًا، وستتم مناقشتها بالتفصيل في الفصل الرابع.

إشكالية قانون العهد الجديد

إذا كان مصطلح «قانوني» (canonical) يعني، كما يؤكِّد زان (Zahn) وهارناك (Harnack)، كتابات تعمل بوصفها ذات سُلطة، فسيظهر القانون في وقتٍ مُبكِّر جدًّا، في أواخر القرن الأول أو على الأكثر في نهاية القرن الثاني. أمَّا إذا كان مصطلح «قانوني» يعني حصريًا قائمة مغلقة ومُحدَّدة من الكتابات، كما يرى سوندبرج (Sundberg)، فالقانون سيظهر متأخرًا بشكل واضح، في القرن الرابع الميلادي.

وعليه، فإنَّ زان (Zahn) على حقٍّ في قوله إنَّ أسفار العهد الجديد كانت تمتلك سُلطة معتبرة في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني، وهارناك (Harnack) مُحقٌّ أيضًا في أن الكنيسة أضافت بشكل انتقائي ومقصود أسفارًا لهذه المجموعة خلال القرنين الثاني والثالث، وكذلك سوندبرج (Sundberg) مُحقٌّ في قوله إنه لم تظهر قرارات رسمية تحدِّد بالضبط حدود القانون إلا في القرن الرابع وما بعده.

ومن ثَمَّ، فإنه من المستبعد أن يكون لدى المسيحيين في القرن الأول توقُّعٌ بأنَّ كتب العهد الجديد ستُشكِّل يومًا ما كتابًا واحدًا ثابتًا ومُحدَّدًا. بل حتى في نهاية القرن الثاني، وهي الفترة التي يعتبرها الكثيرون حاسمة في تحديد القانون، كانت الكنيسة لا تزال منفتحة على استقبال كتبٍ أخرى وإضافتها إلى «القانون».

إن الصورة التي تظهر لنا واضحة بشكلٍ مُفاجئ. فمنذ عصر الآباء الرسوليين (Apostolic Fathers) فصاعدًا، كانت الأناجيل الإزائية (Synoptic Gospels) – وخاصة إنجيل متَّى – وإنجيل يوحنا (Fourth Gospel)، والرسائل البولسية الكبرى (Major Pauline Epistles)، تُقتَبس كثيرًا بشكل أكبر مما يمكن توقُّعه لو افترضنا أن جميع أسفار العهد الجديد الموجودة لدينا اليوم كانت بنفس القدر من «القانونية» أو الأهمية. وبالمقابل، فإن بقية أسفار العهد الجديد (ومن ضمنها أعمال الرسل Acts) كانت أقل أهمية بشكل واضح. وهناك فئة ثالثة، هي الكتب التي نادرًا ما تمَّ الاقتباس منها، وتضمُّ أغلب الكتب التي اعتُبرت لاحقًا في القرارات الكنسية بأنها غير قانونية؛ ففي الفترات المبكرة للغاية لم تُقتبس هذه الكتب حتى بنفس كثرة اقتباس كتب الفئة الثانية.

المصدر: بارتون (Barton)، «الكتابات المقدَّسة» (Holy Writings)، ص17.

وفقًا لهذا المبدأ، يمكن تمييز ثلاث مراحل في عملية تشكيل قانون العهد الجديد.

المرحلة الأولى: بدأ جوهرُ أسفار العهد الجديد الحالية يُعامل كمصدرٍ رئيسي للمسيحيين. هذه المرحلة اكتملت مبكرًا جدًّا، بالتأكيد قبل نهاية القرن الأول.

وفي هذه المرحلة، سيكون من غير المناسب القول إن «القانون» (canon) كان محدَّدًا بشكل نهائي، كما سيكون من غير المناسب القول إنه لم يكن هناك نصوصٌ مسيحية «مقدَّسة» (Scripture) غير العهد القديم. [على الرغم من أن هذه الوثائق كانت تُقتبس بطريقة ذات سُلطة، إلا أنها نادرًا ما سُمّيت صراحةً «نصوصًا مقدَّسة» قبل عصر إيريناوس (Irenaeus).]

المرحلة الثانية: في القرنين الثاني والثالث حدث نوع من المساواة. الأسفار التي كانت في المستوى الثاني بدأت تُقتبس بشكل أكبر، وبدأت مكانة النصوص المقدَّسة للعهد الجديد تقترب من مكانة العهد القديم. لكن في هذه المرحلة، لا يزال من الضروري تأكيد عدم وجود تمييز واضح بين كتب «داخل العهد الجديد» وكتب «خارج العهد الجديد».

في هذه المرحلة، توقَّف الجوهر الأساسي للعهد الجديد عن النمو، لكنَّ أحدًا لم يعتبر بعدُ أن النصوص المقدَّسة أصبحت تشكِّل مجموعة مغلقة ونهائية. ومن ثمَّ، لم يكن هناك تمييز واضح وبسيط بين كتب «قانونية» وأخرى «غير قانونية».

المرحلة الثالثة: في القرن الرابع ظهرت قرارات رسمية حاسمة بشأن القانون. ولكن مع ذلك، هناك مفارقة. فرسالة أثناسيوس الاحتفالية رقم 39 (Festal Letter 39) عام 367م تُعتبر أوَّل وثيقة تُدرج بوضوح أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين الحالية باعتبارها «قانونية» (canonical).

انظر: أثناسيوس السكندري، الرسالة الاحتفالية 39. الترجمة متوفرة في (NPNF 2 4:551-52)، وفي أغلب الكتب المتخصصة بتاريخ قانون العهد الجديد.

ومع ذلك، حتى في هذه الرسالة، لا يزال يظهر تمييزٌ ثلاثيٌ شبيه بما وُجد في المرحلة الثانية. فإلى جانب الأسفار «القانونية» (التي تُقتبس كثيرًا) والأسفار «المرفوضة» (التي تُقتبس نادرًا)، هناك أسفار مثل «راعي هرماس» (Shepherd of Hermas)، و «الديداخي» (Didache)، بالإضافة إلى كتب أبوكريفية مثل «حكمة سليمان» (Wisdom of Solomon)، والتي وُصفت بأنها «نافعة للتعليم المسيحي» (catechism).

ويجب التنبيه إلى أن قائمة أثناسيوس لم تصبح المعيار في زمانه مباشرةً. إضافةً إلى ذلك، فمن المفارقات اللافتة أن الإنجيليين يستخدمون قائمة أثناسيوس للعهد الجديد لدعم آرائهم بشأن القانونية، بينما يميلون إلى تجاهل قائمته للعهد القديم التي تحتوي على أسفار أبوكريفية. فإذا كان أثناسيوس ذا سُلطة في تحديد قائمة العهد الجديد، فلماذا لا يكون كذلك في تحديد قائمة العهد القديم؟

وفقًا لهذا الفهم، يمكننا تصوُّر وجود مجموعةٍ ذات سُلطة من النصوص المسيحية منذ القرن الأول، لكن حتى القرن الخامس الميلادي لا يمكننا الزعم بأنَّ هذه المجموعة كانت مغلقة بشكل نهائي. ولهذا الأمر تداعيات مباشرة على الحُجَّة التي تقول إن الكنيسة الأولى كانت تعتمد على «الكتاب المقدَّس وحده» في تكوين عقيدتها؛ لأنه في الواقع لا يمكن الحديث بصورة صحيحة عن «كتاب مقدَّس» (Bible) بوصفه كتابًا مغلقًا ومحدَّدًا في القرون الأولى للكنيسة.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بدقَّة بين مفهوم «النصوص المقدَّسة» (Scripture) ومفهوم «القانون» (Canon).

معايير القانونية

يُطلِق مؤرخو القانون عادةً على عملية التقييم التأمُّلي هذه اسم «معايير القانونية»، وهي الشروط أو المعايير التي يجب على الوثيقة أن تستوفيها ليتم إدراجها في القانون (canon). لكنَّ بعض الباحثين يُجادلون بأنه لا ينبغي لنا الحديث أصلًا عن معايير واضحة للقانونية. وهذه هي وجهة نظر كيرت ألاند (Kurt Aland)، إذ يقول إننا في تاريخ القانون:

«لا يمكننا الحديث إلا عن مبدأٍ وحيدٍ هو عدم وجود مبادئ».

المصدر: كيرت ألاند (K. Aland)، «إشكالية قانون العهد الجديد» (The Problem of the New Testament Canon)، (أكسفورد: أ. ر. موبراي [A. R. Mowbray]، 1962)، الصفحات 14-15.

كما أنه لا يوجد اتفاقٌ كاملٌ بين مؤرخي القانون حول ماهية هذه المعايير بالتحديد، أو حول الطريقة الدقيقة التي كانت تعمل بها.

لهذا، فإنَّ الحديث عن «معايير القانونية» لا يعني وجود قائمةٍ صريحة وواضحة اعتمدت عليها الكنيسة الأولى، وتم على أساسها فرز كل وثيقة ووضعها في القانون بعد التأكُّد من توافر كل معيار بشكل صارم. فالتفكير في المعايير بهذه الطريقة يُمثِّل سوء فهم لها. بل إنَّ معايير القانونية هي في الواقع إطارٌ استرجاعيٌّ (retrospective scheme) نحاول من خلاله أن نفهم سبب اعتبار وثائق مسيحية معيَّنة أكثر قيمةً من وثائق مسيحية أخرى.

وفي هذا السياق يقول ف. ف. بروس (F. F. Bruce):

«إنَّ المسيحيين الأوائل لم يُشغلوا أنفسهم بمعايير القانونية، ولو سمعوا هذا التعبير لما فهموه بسهولة».

المصدر: ف. ف. بروس، «قانون الكتاب المقدس» (The Canon of Scripture)، (داونرز جروف، إلينوي: إنترفارسيتي [InterVarsity]، 1988)، ص255.

هذه المعايير تم تطويرها من قِبل الباحثين من خلال دراسة كتابات آباء الكنيسة وطريقة استخدامهم للوثائق المختلفة.

قبل المضي قُدمًا في هذه المسألة، يجب الانتباه إلى نقطتين هامتين:

1.   من الصعب ترتيب هذه المعايير بحسب الأهمية، لأن الكنيسة الأولى لم تستخدمها بصورة منتظمة أو صارمة. بل كانت المعايير تعمل بشكلٍ متداخل ومتزامن، لا بشكل منفصل أو متسلسل.

2.   إنَّ بعض الكنائس والقادة أعطوا أوزانًا وأهميةً مختلفة لمعايير معينة، وهذا ما يُفسِّر تأخر بعض الوثائق في الحصول على القبول العام والشامل في الكنيسة.

وبشكل عام، فإن المعايير التي يشير إليها الباحثون عادةً باعتبارها كانت تعمل بالطريقة المذكورة أعلاه، هي:

·       الرسولية (Apostolicity)

·       الأرثوذكسية (Orthodoxy)

·       الكاثوليكية والانتشار الواسع (Catholicity and Widespread Use)

الرسولية

إنَّ معيار «الرسولية» لا يعني بالضرورة أن يكون الكاتب أحد الرُّسُل بشكل مباشر. ومن الأمور المثيرة للاهتمام في هذا السياق أنَّ الأناجيل الأربعة التي قُبلت لاحقًا ككتبٍ قانونية (Canonical Gospels) هي في الحقيقة وثائق مجهولة المؤلف، في حين أن الأناجيل الأخرى التي انتشرت في القرن الثاني كانت تدَّعي بوضوح أن مؤلفيها كانوا من الرسل أو من شهود عيان للمسيح.

راجع هذه الأناجيل الأخرى في:

و. شنيملشر (W. Schneemelcher)، «الأبوكريفا الخاصة بالعهد الجديد، المجلد الأول: الأناجيل والكتابات ذات الصلة»

(The New Testament Apocrypha, vol. 1, Gospels and Related Writings)، ترجمة ر. ماك. ويلسون (R. McL. Wilson)، الطبعة الثانية، (لويزفيل: وستمنستر جون نوكس [Westminster John Knox]، 1992).

بالنسبة لإيريناوس (Irenaeus)، كان المعيار يتمثل في ارتباطٍ واضحٍ للوثيقة بالرُّسُل أو العصر الرسولي.

بالتأكيد، إنَّ وثيقة يُعتقد أنها كُتبت بواسطة أحد الرسل كانت ستحظى بقبولٍ سريعٍ من قِبَل الكنيسة، وهذا ما حدث غالبًا مع إنجيل متَّى ورسائل بولس. لكن وثائق أخرى حظيت بقبول واسع بسبب ارتباطها المباشر بالرسل. وهكذا، فإنَّ التقليد الذي يربط بين مرقس وبطرس، وبين لوقا وبولس، عزَّز قبول الكنيسة لهذين السفرين.

ومع ذلك، عانت بعض الوثائق من صعوبة في الحصول على القبول الواسع في الكنيسة، وأشهر مثالين هما رسالة العبرانيين (Hebrews) وسفر رؤيا يوحنا (Apocalypse of John).

فرسالة العبرانيين لم يُذكر اسمها صراحة كمصدرٍ مقتبسٍ منه لدى آباء الكنيسة إلا عند أوريجانوس السكندري (Origen of Alexandria)، وكان ذلك قرب نهاية حياته.

(توفي أوريجانوس سنة 254م، وما نعرفه عن تصريحاته حول العبرانيين يأتي من اقتباسات أوسابيوس القيصري في «التاريخ الكنسي» 6.25.11–14. كما يُعتقد أن رسالة كليمندس الأولى [حوالي 96م] والفقرات 17.1، 36.2–5، وكذلك التلمود [حوالي 135م] قد اقتبست منها دون أن تسميها بوضوح.)

ويحفظ لنا أوسابيوس في كتابه «التاريخ الكنسي» (6.25.11–14) رأي أوريجانوس بأن أسلوب العبرانيين ليس أسلوب بولس، ولا يعتقد أنه من تأليفه. ويذكر أوريجانوس أن البعض ينسب الرسالة لكليمندس الروماني (Clement of Rome)، وآخرين إلى لوقا (Luke). لكنه لم يرفض الرسالة بسبب أنها ليست مكتوبة من قِبل رسول، بل يقول:

«لو أبديتُ رأيي، لقلت إنَّ الأفكار الواردة فيها هي أفكار الرسول، لكنَّ الأسلوب والصياغة لشخصٍ آخر تذكَّر تعليم الرسول ودوَّن على مهلٍ ما قاله معلِّمه. ولهذا، إذا كانت أي كنيسة ترى أن هذه الرسالة من تأليف بولس، فلتُمدح على ذلك أيضًا. فليس من غير سبب أن رجال الأزمنة القديمة قد سلَّموها إلينا على أنها رسالة بولس. لكن الله وحده يعلم من كتب هذه الرسالة بالفعل.»

من تعليقات أوريجانوس يتضح أنَّ البعض قَبِلَ العبرانيين كرسالة بولسية. وعلى الرغم من أنه يعتقد أن من يقبلونها بهذه الصفة مخطئون، إلا أنه لم يرفضها على هذا الأساس، بل قبلها لأنها «رسولية في محتواها التعليمي».

ومن هنا، فإن معيار «الرسولية» قد يشمل أربعة جوانب وفقًا لجيمبل (Gamble):

1.   أن يكون المؤلف رسولًا، سواء أكان ذلك حقيقيًا أم مفترضًا.

2.   أن يكون المؤلف تلميذًا أو أتباعًا لأحد الرسل.

3.   أن تكون الوثيقة من فترة قريبة من العصر الرسولي.

4.   أن تتفق الوثيقة في تعليمها مع التعليم الرسولي.

(راجع Gamble، كتاب «قانون العهد الجديد» [New Testament Canon]، ص68.)

لكنَّ معيار الرسولية لم يكن المعيار الوحيد الذي اعتمدته الكنيسة بشكل منفرد، في الواقع، لم تُقبل أي وثيقة من وثائق العهد الجديد اعتمادًا على هذا المعيار وحده، بل كانت المعايير تُستخدم بشكل متداخل.

الأرثوذكسية

«الأرثوذكسية» تعني أن يكون محتوى الكتاب منسجمًا ومتوافقًا مع إيمان الكنيسة وتعاليمها، أي «الإيمان الرسولي» (apostolic faith). ولتقييم هذا الانسجام، كان يجب أن يكون لدى الكنيسة معيارٌ واضحٌ ومُحدَّدٌ تُقاس به هذه الوثائق. ومن هنا، لا يمكن الحديث عن معيار «الأرثوذكسية» في الكنيسة الأولى دون الإشارة إلى مفهوم «قانون الإيمان» (Rule of Faith).

في العديد من الكتابات المسيحية التي تمَّ إدراجها لاحقًا في قانون العهد الجديد، نجد دعوة صريحة للمؤمنين وتمسُّكًا واضحًا بالإيمان الذي تسلَّمته الكنيسة. وثمَّة تسلسل فكري واضح:

يسوع المسيح → الرسل → الكنيسة → الحفاظ على التعليم الصحيح.

كان «قانون الإيمان» في الكنيسة الأولى معيارًا تُقاس عليه جميع التعاليم. ويصفه هانسون (R. P. C. Hanson) بأنه:

«رسمٌ توضيحيٌّ (Graph) لكيفية تفسير الكنيسة للكتاب المقدس في القرنين الثاني والثالث.»

المصدر: هانسون، «التقليد في الكنيسة الأولى» (Tradition in the Early Church)، (لندن: SCM، 1962)، ص127.

بمعنى أن الكتابات المسيحية التي تمَّ قبولها لاحقًا في قانون العهد الجديد كانت هي نفسها خاضعةً للاختبار وفقًا لقانون الإيمان هذا.

من الأمثلة البارزة في هذا السياق ما حدث مع سيرابيون (Serapion)، الذي حصل على نسخة من «إنجيل بطرس» (Gospel of Peter)، واكتشف أن الوثيقة كانت دوكيتية (Docetic)، أي تُعلِّم بأن المسيح لم يكن له طبيعة إنسانية حقيقية، ومن ثمَّ كانت هذه الوثيقة تتعارض مع «الإيمان الصحيح» (true faith).

المشكلة عند سيرابيون مع الكنيسة التي استخدمت هذا الإنجيل لم تكن ببساطة أنها استخدمت نصًا خارج «القانون» (Canon)، بل لأن أعضاء تلك الكنيسة فشلوا في تمييز مدى توافق الوثيقة مع الأرثوذكسية أو مخالفتها لها بشكل صحيح. وهذه هي الطريقة التي كان يعمل بها معيار «الأرثوذكسية».

الكاثوليكية والانتشار الواسع

هذا المعيار يُركِّز في الأساس على قبول الكنيسة ككلّ واستخدامها للوثيقة بشكل واسع.

بعض مؤرخي القانون يفصلون بين هذين المعيارين («الكاثوليكية» و«الانتشار الواسع») مثل بروس (F. F. Bruce) وجيمبل (Gamble)، في حين يدمجهما آخرون معًا، مثل مكدونالد (McDonald)، ومتزجر (Metzger)، وباتزيا (Patzia). وفي ما يلي، سيكون واضحًا أن العلاقة الوثيقة بينهما تتيح لنا الحديث عنهما تحت عنوان واحد.

وقد أوضح القديس أوغسطينوس (354-430م) هذا المعيار أفضل توضيح حين كتب قائلًا:

«لذلك سيعتمدون في تعاملهم مع الأسفار القانونية على هذا المعيار: سيُفضِّلون تلك الأسفار التي قبلتها جميع الكنائس الكاثوليكية (العامة) على تلك التي لا تقبلها بعض الكنائس؛ ومن بين تلك الأسفار التي لا تقبلها جميع الكنائس، سيُفضِّلون تلك التي قبلتها الأغلبية، وخاصة الكنائس الكبرى، على تلك التي قبلتها كنائس أقل أو ذات سلطة أقل. ولكن إذا حدث – وهو أمر مستبعد جدًا – أن اكتشفوا أن أغلبية الكنائس تقبل سفرًا معينًا، بينما الكنائس الكبرى تقبل سفرًا آخر، فأنا أرى في هذه الحالة أن يُقبل كلا السفرين بنفس السلطة.»

المصدر: أوغسطينوس، «التعليم المسيحي» (On Christian Doctrine)، الكتاب 2، الفصل 8، فقرة 12.

الترجمة الإنجليزية: إ. هيل (E. Hill)، Teaching Christianity: De Doctrina Christiana (Hyde Park, NY: New City, 1996), p.134.

يمكن تلخيص فهم أوغسطينوس لهذا المعيار كالتالي:

1.   الانتشار الواسع لوثيقة معينة بين الكنائس كان عاملًا مؤثرًا جدًا في قبولها.

2.   كانت هناك كنائس محددة تحظى بأهمية خاصة في تحديد قيمة الوثيقة، مثل روما وأنطاكية والإسكندرية وأورشليم والقسطنطينية، وكان رأيها يُمنح أهميةً أكبر من الكنائس الأخرى.

3.   الوثيقة المقبولة من الجميع لها أفضلية على الوثيقة المقبولة جزئيًا فقط.

4.   إذا كانت الوثيقة غير مقبولة من الجميع، فيُفضَّل قبول الوثيقة التي تحظى بقبول أكبر عدد من الكنائس، مع إعطاء وزن أكبر للكنائس الأكثر أهمية.

5.   إذا حدث خلاف بين الأغلبية وبين الكنائس الكبرى (وهي حالة استبعدها أوغسطينوس)، فإنه يقترح قبول الوثيقتين معًا.

بعبارة أخرى، يعتمد هذا المعيار بشكل أساسي على ممارسات الكنائس وقبولها العملي للوثائق.

(راجع: Gamble, New Testament Canon, p.70.)

المشكلة التي تظهر في هذا المعيار عادةً هي «مشكلة الخصوصية» (particularity)، وتعني أن معظم الوثائق التي أُدرجت في قانون العهد الجديد كُتبت لجماعات أو لمواقف محددة وخاصة.

وقد واجهت الكنيسة الأولى هذه المشكلة خاصةً مع رسائل بولس.

راجع في ذلك: ن. أ. دال (N. A. Dahl)، “خصوصية الرسائل البولسية في الكنيسة القديمة”

The Particularity of the Pauline Epistles in the Ancient Church,” Novum Testamentum 7 [1962]: 261–71.

وكانت إحدى الحلول الممكنة لهذه المشكلة هي تجميع عشر رسائل لبولس موجَّهة إلى سبع كنائس، إذ كان الرقم “سبعة” يرمز في الكنيسة القديمة إلى الكمال والشمول.

ومن الاعتراضات الشائعة على هذا المعيار أنه، من الناحية العملية، يجعل الكنيسة فوق القانون، ويجعلها المصدر الحقيقي لسلطة القانون.

لكن من الناحية الواقعية، كان حكم الجماعة التي تستخدم هذه الوثائق فعليًا حاسمًا في قبول الوثيقة على نطاق واسع. فلو لم تكن الوثيقة مُستخدمة بشكل واسع، فمن المحتمل أنها لم تكن رسولية ولا أرثوذكسية. وبهذا المعنى، لم يكن القبول مبنيًا على مرسوم رسمي، بل كانت الكنيسة تعمل بوصفها واقعًا مقدسًا يعتمد في ممارسته اليومية على الوثائق التي أثبتت التجربة العملية أنها مفيدة وذات سُلطة لإيمانها وحياتها.

الوحي والقانونية

في عام 1957، كتب ر. ليرد هاريس (R. Laird Harris) كتابه «الوحي وقانونية الكتاب المقدَّس» (Inspiration and Canonicity of the Bible)، وادَّعى فيه أنَّ:

«اختبار القانونية (canonicity) هو الوحي (inspiration). فالكنيسة الأولى وضعت في قانونها، ونحن قبلنا، تلك الكتب التي اعتبرتها موحى بها، ولا شيء آخر غيرها.»

(Harris, Inspiration and Canonicity, 200.)

بعبارة أخرى، وفقًا لهاريس – وعلى خلاف قضية «معايير القانونية» المذكورة سابقًا – فإنَّ المعيار الوحيد لقانونية العهد الجديد هو «الوحي».

لكنَّ السؤال المهم هنا ليس: «هل الكتاب المقدس موحى به؟»، بل هو:

هل اعتقد الآباء أنَّ الوحي هو خاصية حصرية فقط بالكتب القانونية دون غيرها؟

أو ربما يمكن صياغة السؤال بطريقة أفضل:

هل كانت الكنيسة الأولى تعتبر فقط الوثائق التي دخلت في قانون العهد الجديد وحدها موحى بها؟

الإجابة المختصرة هي: لا.

فقد اعتبرت الكنيسة الأولى أنَّ وثائق أخرى غير قانونية كانت موحى بها أيضًا. بل لم يقتصر مفهوم الوحي لديهم على الوثائق فقط، إذ اعتبروا أنَّ هناك جوانب أخرى من حياة الكنيسة موحى بها أيضًا، مثل الأساقفة، والرهبان، ومفسري الكتاب المقدَّس، والشهداء، والمجامع، ومختلف المواهب النبوية.

راجع:

Kalin, “Argument from Inspiration,” 1; W. J. Abraham, Canon and Criterion in Early Christian Theology, 27–56; Williams, Evangelicals and Tradition, 47–84.

من ناحية، يمكن القول إنَّ «الوحي» كان بالفعل معيارًا للقانونية؛ لأنَّ كل وثيقة اعتبرتها الكنيسة الأولى أرثوذكسية كانت تلقائيًا تُعتبر موحى بها. لكن هذه ليست الصورة الكاملة. ومن ناحية أخرى، ليس صحيحًا أن نقول إنَّ الوحي كان معيارًا حاسمًا وحصريًا للقانونية إذا كنا نعني بذلك أنَّ الوحي كان خاصًا بالوثائق التي أصبحت لاحقًا جزءًا من قانون العهد الجديد دون غيرها.

وقد قادت أبحاث كالين (Kalin) إلى الاستنتاج أن الآباء بالفعل اعتبروا الوثائق التي أُدرجت لاحقًا في القانون موحى بها، لكن لم يكن هذا الوحي هو ما يميّز هذه الوثائق عن بقية الكتابات والخُطب المسيحية الأخرى.

وهذا يعني أنَّ ما جعل هذه الوثائق فريدة لم يكن هو الوحي في حد ذاته، وإنما كانت هناك أسباب عملية أخرى لقبول الكنيسة لبعض الوثائق ورفضها لأخرى، كما تم توضيحه سابقًا في فقرة «معايير القانونية».

لو كانت وجهة نظر كُتَّاب مثل هاريس صحيحة، وهي أنَّ كل شيء داخل القانون موحى به، وكل شيء خارجه غير موحى به، لكُنَّا توقَّعنا أن نجد توثيقًا واضحًا لهذا الأمر لدى قادة الكنيسة الأولى:

«لو كانت الكتب المقدَّسة [أي القانون] هي الكتابات الوحيدة التي اعتبرها الآباء موحى بها، لكُنَّا توقَّعنا منهم التصريح بذلك، ولو مرة واحدة على الأقل.»

(Kalin, “The Inspired Community,” 544.)

وفي السياق ذاته، أظهرت الدراسات أنَّ الآباء – رغم أنهم استخدموا مفهوم الوحي مرارًا للوثائق التي دخلت في قانون العهد الجديد – فإنهم لم يستخدموا مفهوم «غير موحى به» (non-inspired) تقريبًا أبدًا لتمييز الكتب القانونية عن الكتب الأخرى. بعبارة أخرى، لم يكن التمييز بين قانوني/غير قانوني مرادفًا للتمييز بين موحى به/غير موحى به.

راجع:

K. Stendahl, “The Apocalypse of John and the Epistles of Paul in the Muratorian Fragment,” in Current Issues of New Testament Interpretation, 243–54.

هذا يعني أنه في المرات النادرة التي صرَّح فيها أحد الآباء بأن وثيقة ما «ليست موحى بها»، لم يكن يقصد أن الوثيقة ليست قانونية، بل قصد أن الوثيقة كانت «هرطقية» (heretical)، وأنها تقع خارج دائرة إيمان الكنيسة، وبالتالي خارج نطاق عمل الروح القدس.

الكتب غير القانونية والوحي

الادِّعاء بأنَّ الكنيسة الأولى أدخلت في قانون العهد الجديد فقط الكتب التي اعتبرتها موحىً بها يواجِهُ مشكلةً إضافية، وهي أنَّ هناك إشارات واضحة في كتابات آباء الكنيسة إلى كتبٍ غير قانونية (Noncanonical books) واعتبارها موحاةً أيضًا. ويمكن عرضُ العديد من الأمثلة، لكنني سأكتفي هنا بذكر القليل منها:

حوالي عام 96م، كتب كليمندس الروماني (Clement of Rome) رسالةً إلى كنيسة كورنثوس، وصلتنا تحت عنوان «رسالة كليمندس الأولى» (1Clement). وفي تلك الرسالة يُشير كليمندس بوضوح إلى أنَّ بولس كتب: «بوحي حقيقي.» (1Clement 47.3 [LCL 1:90–91])

ومن المثير للاهتمام أنه يستخدم هنا التعبير اليوناني (πνευματικῶς – pneumatikōs)، الذي يُترجَم «بوحي»، وهو ما يعني أن رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس -بحسب كليمندس- كانت موحاةً من الروح القدس.

لكن ينبغي فهم هذه الإشارة لوحي كتابات بولس في سياق الرسالة كلها، إذ يقول كليمندس لاحقًا في نفس الرسالة ما يلي:

«لأنكم ستمنحوننا الفرح والسرور إن أطعتم ما كتبناه إليكم بالروح القدس (through the Holy Spirit)، واقتلعتم من بينكم شهوة الغيرة الشريرة وفقًا لتوسُّلنا إليكم من أجل السلام والوفاق الذي طلبناه منكم في هذه الرسالة.» (1Clement 63.2 [LCL 1:119])

هنا يدَّعي كليمندس بشكل واضح أن رسالته هو (أي رسالة كليمندس الأولى) كُتبت «بالروح القدس»، وهو ادِّعاء مماثل لما قاله عن رسالة بولس. بل إنه في (1Clement 59.1) يصف محتوى رسالته بأنه «كلمات قالها المسيح من خلالنا».

مثال آخر من الآباء الرسوليين هو إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch) (حوالي 35-107م)، ففي رسائله السبع يشير عدة مرات إلى مجموعة من العقائد التي كانت شائعة ومعروفة، ويحثُّ المؤمنين على دراسة وحفظ وتنفيذ وصايا المسيح، والعيش وفق مبادئ محددة، وتجنُّب التعاليم الغريبة.

ومن بين الرسائل السبع لإغناطيوس هناك عشر إشارات من هذا النوع: إلى أهل أفسس (9.2؛ 15.2؛ 16.2؛ 17.2)، إلى أهل مغنيسية (10.1)، إلى أهل رومية (8.2)، إلى أهل فيلادلفيا (3.3؛ 6.1؛ 8.2)، إلى أهل سميرنا (4.1).

لكن هذه الإشارات تترك لنا سؤالًا مفتوحًا: أين يمكن العثور على هذه التعاليم؟

أحد الإشارات الهامة لمصدر هذه التعاليم هو استناد إغناطيوس المتكرر إلى قادة الكنيسة، إذ يؤكِّد إغناطيوس أن التعليم المسيحي الصحيح سيبقى نقيًا عبر هذه القيادة الكنسية. فيقول مثلًا في رسالته إلى مغنيسية (Magnesians 3) إن الخضوع للأسقف هو خضوع لله نفسه. ويقول أيضًا في رسالته إلى أهل ترالس (Trallians 2.1) إنه يجب على المؤمنين أن يخضعوا للأسقف كما يخضعون ليسوع المسيح ذاته.

وهذا يدل على أنَّ الكنيسة الأولى كانت ترى الوحي في كتابات وخطب وأشخاص خارج نطاق الوثائق التي أُدرجت لاحقًا في قانون العهد الجديد.

في الفصل السادس من نفس الرسالة، يؤكِّد إغناطيوس أنَّ الأسقف يقوم مقام الله (in the place of God)، وأنَّ الشيوخ (presbyters) يقومون مقام مجلس الرسل، ويُضيف أنهم يرأسون الجماعات ويُقدِّمون أنفسهم نماذجَ وتعاليمَ حيَّة للمؤمنين.

وبذلك، فإنه رغم استناد إغناطيوس إلى تقليد شفهي معين (oral tradition)، إلا أنه من الواضح أنه يرى أنَّ هذا التقليد محفوظٌ ومحميٌ من خلال قيادة الكنيسة، وهي مسألة أساسية في فهمه للعقيدة المسيحية.

ورغم تردد إغناطيوس في إصدار أوامر كأنه رسول، إلا أنه يقول في رسالته إلى أهل روما (To the Romans 8.3): «أنا لا أكتبُ إليكم وفقًا للجسد، بل وفقًا لفكر الله (κατὰ γνώμην Θεοῦ – gnōmēn theou).»

وهذا ادِّعاءٌ له دلالة واضحة في سياق ما ناقشناه سابقًا. فرغم أنَّ إغناطيوس يميّز بين نفسه كأسقف وبين الرسل، إلا أنه ما يزال يدَّعي بشكل صريح وجود «فكر الله» فيما يكتبه. وهكذا، فإنه رغم تواضعه في بعض المواضع، إلا أنه ما يزال يتوقَّع من قرَّائه أن يقبلوا كتاباته على أنها ذات سلطة إلهية.

هذا الادِّعاء يظهر بشكل أوضح في رسالته إلى أهل فيلادلفيا (Philadelphians 7.1–2):

«صرختُ بصوتٍ عالٍ حين كنتُ معكم – بصوتِ الله نفسه – قائلًا: “اهتمُّوا بالأسقف والشيوخ والشمامسة.” لكنَّ البعض اشتبه فيَّ أنني قلتُ هذا لأني كنت أعرف مسبقًا بوجود انقسام بين بعض الأشخاص. لكن الذي أنا مقيَّد به (أي الله) هو شاهدٌ لي أنني لم أعرف ذلك من أي إنسان، بل الروح القدس هو الذي كان يتكلَّم ويقول: “لا تفعلوا شيئًا دون الأسقف، احفظوا أجسادكم هيكلًا لله، أحبُّوا الوحدة، اهربوا من الانقسامات، كونوا متمثِّلين بيسوع المسيح كما كان هو أيضًا متمثِّلًا بالآب.”»

هذا الادِّعاء من إغناطيوس هو بطريقة ما ادِّعاءٌ صريح بوحي الروح القدس، لكن النقطة الأساسية هنا هي أن نفس الروح الذي عمل في الأنبياء والرسل يعمل أيضًا في الأسقف والشيوخ والشمامسة الذين ينتمي إليهم إغناطيوس.

كليمندس الإسكندري (Clement of Alexandria) (حوالي 150–215م) معروفٌ بتأكيده على أهمية الفلسفة اليونانية بالنسبة للاهوت المسيحي. وفي كتابه «الحثُّ على اليونانيين» (Exhortation to the Greeks 6) يقول كليمندس إن بعض الفلاسفة اليونانيين حين أعلنوا أنَّ «الإله الحقيقي الوحيد هو الله»، إنما كتبوا ذلك بوحي من الله (ἐπιπνοία θεοῦ – epipnoia theou anagegrammena).

(راجع: Clement of Alexandria, Exhortation to the Greeks 6, ANF 2:192).

كما يؤكِّد كليمندس فكرة مشابهة في كتابه «المتفرقات» (Stromata 6.17.157) حين يقول:

«إنَّ أفكار الأشخاص الفضلاء تأتي بواسطة وحي إلهي» (κατ’ ἐπιπνοίαν θείαν – kat’ epipnoian theian).

(Clement of Alexandria, Stromata 6.17.157, ANF 2:517).

هذه الأمثلة توضِّح بجلاء أنَّ مفهوم «الوحي» في الكنيسة الأولى كان واسعًا جدًا، ولم يكن محصورًا فقط في الوثائق التي دخلت لاحقًا في قانون العهد الجديد.

يواصل يوسابيوس (Eusebius) شرحه لطريقة اختيار فابيانوس (Fabianus) لمنصب الأسقف، فيقول إنَّ الكثيرين في البداية فكَّروا في «رجالٍ مشهورين وذوي مكانةٍ عالية»، ولم يكن أحدٌ يفكِّر في فابيانوس. لكن فجأة:

«نزلت حمامةٌ من السماء واستقرَّت على رأسه، شبيهةً بنزول الروح القدس على المخلِّص في شكل حمامة. وعندئذٍ، كل الشعب – كأنهم مدفوعون بروحٍ إلهية واحدة – هتفوا بحماسٍ وبصوتٍ واحدٍ بأنه مستحقٌ لهذا المنصب، ودون تأخير أخذوه وأجلسوه على كرسي الأسقفية.» (Eusebius, Ecclesiastical History 6.29.3–4, NPNF 2 1:275)

وفي موضعٍ آخر، يدَّعي يوسابيوس لنفسه:

«معونة الوحي من الكلمة السماوية» (ἐμπνεῖτο λόγος – empneitō logos).

(Eusebius, Life of Constantine 1.11.1–2, NPNF 2 1:485)

ويذكر أيضًا في نفس الكتاب أن الإمبراطور قسطنطين (Constantine) عندما بدأ بناء كنيسة عند قبر المسيح قام بذلك:

«بإرشاد الروح الإلهي» (πνεύματι… κατόχῳ θείῳ – pneumati katochos theiō).

(Eusebius, Life of Constantine 3.26.6, NPNF 2 1:527)

هذه الأمثلة القليلة من الآباء تُظهر أن استخدام مفهوم «الوحي» (inspiration) في كتابات الكنيسة الأولى كان أوسع بكثير من الادعاء بأن الوثائق التي دخلت قانون العهد الجديد وحدها هي التي اعتُبرت موحاةً. فبحسب هذه الأمثلة، من الواضح أنَّ الآباء فهموا عمل الروح القدس وإرشاده ووحيه بمعنىً أوسع وأكثر شمولًا.

في هذا السياق، عادةً ما يستشهد البعض برسالة تيموثاوس الثانية (2 تيموثاوس 3: 16)، التي تقول: «كُلُّ الكتابِ هو مُوحىً به من الله (θεόπνευστος – theopneustos)، ونافعٌ للتعليم والتوبيخ والتقويم والتأديب في البر.»

ومع أن تحليلًا تفصيليًا لهذه الآية سيأتي في الفصل السادس (لاحقًا)، إلا أنه من المهم هنا التعليق باختصار على معنى كلمة (theopneustos)، والتي تُترجَم عادةً بـ «موحىً به من الله» أو «نفَس الله». فالحجة الأساسية التي يستخدمها البعض هي أنَّ هذه الكلمة اليونانية (theopneustos) مخصصةٌ فقط للوثائق القانونية، وهذا هو ما يمنح هذه الوثائق سلطتها الفريدة. لكنَّ هذه الحجة تعتمد بالطبع على افتراض أنَّ آباء الكنيسة الأولى قبلوا هذا الفهم واستخدموا هذه الكلمة حصرًا للوثائق القانونية، ما يعني أنهم كانوا سيتجنَّبون استخدامها لأي كتابات أخرى.

لكنَّ مراجعة كتابات آباء الكنيسة تُناقض هذه الحجة.

فعلى سبيل المثال، يقول غريغوريوس النيسي (Gregory of Nyssa) (حوالي 330–395م) عن شرح أخيه باسيليوس (Basil) حول الأيام الستة الأولى من الخلق بأنه:

«شرحٌ موحىً به (θεόπνευστον – theopneuston)، لا يقلُّ روعةً عن الكلمات التي كتبها موسى بنفسه.»

(Gregory of Nyssa, Apologia in Hexaemeron, PG 44:61)

هذا المثال وغيره يُبيِّن أنَّ الكنيسة الأولى لم تقصر مفهوم «الوحي الإلهي» على الوثائق التي دخلت قانون العهد الجديد فقط، بل طبَّقت هذا المفهوم بشكلٍ أوسع بكثير.

في القرن الخامس الميلادي، أصدر المجمع المسكوني في أفسس (Council of Ephesus, 431) رسالةً مجمعيةً (synodical epistle) وصفت فيها قرار المجمع بإدانة نسطوريوس (Nestorius) بأنه:

«قرارهم الموحى به» (αὐτῶν θεοπνεύστου κρίσεως – autōn theopneustou kriseōs).

(المصدر: Edward Schwartz, ed., Acta conciliorum oecumenicorum, 1.1.2:70)

وهذا يُظهر أنَّ على الأقل بعض المسيحيين في العصور الأولى رأوا أنه من المناسب استخدام وصف «موحىً به» (theopneustos) لوثائق غير قانونية، مثل تعليق أو رسالة مجمعية أو حتى نقش على قبر.

إذن، من الواضح أنه رغم أن الوثائق التي دخلت لاحقًا في قانون العهد الجديد قد اعتُبرت بالفعل موحاةً، فإنَّ هذا لم يكن سببًا كافيًا في حد ذاته لقبولها وإدراجها في القانون؛ لأن مفهوم «الوحي» لم يكن حصرًا على الوثائق القانونية فقط.

مُلخَّص

في هذا السياق، من المهم فهم أن المسيحية الأولى كانت تمتلك مجموعة واسعة ومرنة من الكتابات التي اعتبرتها الكنيسة ذات سلطة روحية وتعليمية. ولا شك أن من بين هذه المجموعة الواسعة برزت وثائق معينة وأخذت مكانة خاصة في حياة الكنيسة، لكن صعودها إلى تلك المكانة لم يكن دائمًا فوريًا أو غامضًا كما قد يُعتقد أحيانًا. أنا هنا لا أنفي عناية الله الإلهية (Providence) في هذه العملية، لكنني أقول إن هناك أسبابًا عملية وواقعية دفعت الكنيسة لتقدير بعض الوثائق أكثر من غيرها، ومن خلال هذه العملية الواقعية في طريق تشكُّل القانون، قاد الله شعبه برعاية روحه القدوس.

وفي حين أنه من المقبول أن نتحدث عن «مجموعة أساسية» من الكتابات المسيحية ذات السلطة في القرن الثاني الميلادي، إلا أنه ليس من الصحيح (أو على الأقل من المُضلِّل) أن نتحدث عن «عهد جديد» ككتاب مُحدَّد في القرن الثاني.

3. القانون واللاهوت الكنسي (Ecclesiology)

عندما قمتُ بشرح الفكرة العامة لهذا الكتاب للناس، كنت أؤكد دائمًا على ضرورة وضع عملية تشكيل قانون العهد الجديد في سياقها الصحيح وبيئتها الأصلية. بعبارة أخرى، كنت أؤكد على مركزية «الكنيسة» في تشكيل قانون العهد الجديد.

لكن ردود الفعل الفاترة نوعًا ما التي تلقَّيتُها على هذا الطرح أشارت لي أن هذا المفهوم عن العهد الجديد قد يبدو غريبًا بعض الشيء على كثير من الإنجيليين؛ إذ إنَّ الأغلبية لم تفكر بجدية في العلاقة الوثيقة بين العهد الجديد والكنيسة.

وبعبارة أخرى، نظرًا لفشل الإنجيليين في التفاعل مع تراثهم اللاهوتي الخاص، وفي فهم أهمية دور الكنيسة في ذلك التراث، فإنهم لم يدركوا أيضًا أهمية الكنيسة ذاتها في تكوين القانون.

ولكي نفهم بشكل صحيح تاريخ تشكيل قانون العهد الجديد، فإن على الإنجيليين إعادة النظر في الدور التأسيسي الذي لعبته الكنيسة في هذه العملية.

لذلك يجب أن نحذر من الافتراض الضمني بأن الكنيسة الأولى كانت تفكر بشكل واعٍ وصريح في «مجموعة مكتوبة مغلقة» (closed written collection) من الكتابات المسيحية—وهذا هو تعريف مصطلح «القانون» (canon) عند تطبيقه على النصوص.

بمعنى آخر، العديد من الدراسات التي تناولت عقيدة الكتاب المقدس افترضت أن همَّ الكنيسة الأكبر كان تشكيل «مجموعة مكتوبة مغلقة» (قانون للعهد الجديد) لكي يكون لديها قاعدة صلبة تحكم بها إيمانها وحياتها. لكن هذا في الواقع سوء فهم للإرث القانوني الذي ورثته الكنيسة؛ إذ لا يمكنك الحصول على «قانون» من دون وجود الكنيسة نفسها.

هل يدعم التاريخ وجهة النظر الإنجيلية؟

بشكل موجز، إنَّ المفهوم المعروف بـ «الوحي اللفظي الكامل» (Verbal Plenary Inspiration) يعني أن كلمات الكتاب المقدس نفسها («لفظي») قد تمَّ اختيارها مباشرةً من قِبَل الروح القدس، وبالتالي فإن الكتاب المقدس موحى به بشكل «كامل» (plenarius باللاتينية = كامل) في جميع أجزائه.

ويُطرح عادةً نوعان من الأدلة لدعم هذه العقيدة:

1.   الأدلة التفسيرية (Exegetical Evidence)، التي تقول إن العقيدة التي اعتنقتها الكنيسة وعلَّمتها هي نفس العقيدة التي اعتنقها وعلَّمها كُتَّاب الكتاب المقدس أنفسهم.

2.   الأدلة التاريخية والفلسفية والداخلية والخارجية (Historical, Philosophical, Internal and External Evidence)، التي تدل على أنَّ كتّاب الكتاب المقدس موثوق بهم كمرشدين في الأمور الكتابية.

كما يُعبِّر عن ذلك ب. ب. وارفيلد (B. B. Warfield) في مقاله «المشكلة الحقيقية للوحي» (The Real Problem of Inspiration):

«هناك مجموعة كبيرة من الأدلة، الداخلية والخارجية، الموضوعية والذاتية، التاريخية والفلسفية، الإنسانية والإلهية، تُثبت أن كُتَّاب الكتاب المقدس جديرون بالثقة كمرشدين لنا في الأمور الكتابية.»

(Warfield, Works of Benjamin B. Warfield, 1:174)

التقليد المسيحي المركزي

إنَّ أغلب المعالجات الإنجيلية تفترض تلقائيًا أنَّ أي إشارة في كتابات الآباء إلى «الوحي» (inspiration) أو «الحق» (truth)، تعني بالضرورة إيمانهم بمفهوم الوحي اللفظي الكامل (Verbal Plenary Inspiration) والعصمة (Inerrancy)، على الرغم من أنَّ معظم الباحثين يُقرُّون بأن الآباء لم يقدموا فعلًا عقيدة مُفصَّلة حول الكتاب المقدس.

كذلك، حين يقتبس أحد الآباء مقطعًا باعتباره «كتابًا مقدَّسًا» (Scripture)، أو حين يستخدم عبارات تقديمية مثل «مكتوب» أو «يقول النبي»، فإنَّ معظم الباحثين الإنجيليين يفترضون مباشرةً وتلقائيًا أن هذه الإشارات تشير إلى قانون مغلق مكوَّن من ستة وستين سفرًا، كما هو معروف حاليًا عند البروتستانت.

لكن ما نحتاج لإدراكه هو أنَّ آباء الكنيسة اقتبسوا بالفعل نطاقًا واسعًا من الأدب باعتباره «كتابًا مقدسًا». فمن المؤكد أن الآباء اقتبسوا من الوثائق التي نعرفها اليوم بأنها قانونية «ككتاب مقدَّس» واعتبروها ذات سلطة، لكنَّ هذا وحده لا يُثبت قانونيتها بشكل حصري.

في الحقيقة، اعتبر الآباء وثائق كثيرة أخرى كـ «نصوص مقدسة»، والتي يُطلق عليها البروتستانت اليوم تسمية «غير قانونية». لكن عندما بدأت فكرة «قانون مغلق مكتوب» (Closed Canon) تظهر في الكنيسة، تراجع تدريجيًا اعتبار هذه الكتب «نصوصًا مقدسة».

ويبدو أن هناك انتقائية واضحة في استخدام الأدلة من قِبل الكُتَّاب الإنجيليين حين يتجاهلون اقتباسات آباء الكنيسة من كتابات غير قانونية «ككتب مقدسة» أو بصيغٍ مشابهة تمنحها سلطةً إلهية. وهذه الممارسة استمرت بالفعل خلال العصر الآبائي، وهي واضحة لأي قارئ لكتابات الآباء. بل إن هناك حالات اقتبس فيها الآباء مصادر غير معروفة لنا اليوم، وأشاروا إليها باعتبارها ذات سلطة.

وهكذا، فإنَّ الادعاء بأنَّ الآباء اعتبروا فقط الوثائق القانونية المعروفة لنا اليوم ككتب مقدسة هو ادعاء غير دقيق تاريخيًا.

على سبيل المثال، في رسالة كليمندس الأولى (1Clement 46.2)، يقتبس كليمندس من مصدر مجهول مستخدمًا صيغة تقديمية واضحة: «لأنه مكتوب…» (“For it is written…”).

كذلك الأمر مع كبريانوس (Cyprian)، أسقف قرطاج (Carthage)، الذي عاصر اضطهاد الإمبراطورين ديسيوس (Decius) وفاليريان (Valerian)، واستشهد عام 258م. في تلك الفترة، كان المسيحيون يُجلُّون الشهداء بشكل خاص، معتبرين الموت من أجل المسيح أسمى درجات الاتحاد معه. وكتب كبريانوس رسالة إلى فورتوناتوس (Fortunatus) عام 257م أثناء اضطهاد فاليريان، وهي عبارة عن مجموعة من النصوص تشجع المسيحيين على الاستشهاد، يقول فيها:

«لقد جمعتُ من الكتب المقدسة (the sacred Scriptures) بعض النصائح التي تُعِدُّ وتقوِّي نفوس الإخوة… حتى يمكنني، بقدر ما تسمح قواي المحدودة، وبمعونة الوحي الإلهي، أن أقدِّم بعض الأسلحة والدفاعات من وصايا الرب لأولئك الإخوة الذين على وشك خوض المعركة.» (Cyprian of Carthage, Ad Fortunatus, Preface 1 [ANF 5:496])

هدف كبريانوس الواضح هنا هو أن يجمع لفورتوناتوس «من الكتب المقدسة» نصوصًا تشجِّع المسيحيين المضطهدين الذين يواجهون احتمال الاستشهاد.

وأثناء قيامه بهذه المهمة، اقتبس كبريانوس أو أشار إلى العديد من الوثائق التي نعرفها الآن بأنها «قانونية»، ومنها:

·       أسفار العهد القديم: الخروج، التثنية، صموئيل الأول، الملوك الأول، أخبار الأيام الأول، المزامير، إشعياء، إرميا، حزقيال.

·       أسفار العهد الجديد: متى، مرقس، لوقا، يوحنا، رومية، كورنثوس الأولى والثانية، تيموثاوس الثانية، بطرس الأولى، يوحنا الأولى، سفر الرؤيا.

لذلك ليس من المفاجئ أن نجده يقتبس من سفر الخروج ويصفه بـ «الكتاب المقدس» (Holy Scripture): (Cyprian, To Fortunatus 10 [ANF 5:501])

أو قوله إن الرب في سفر الرؤيا «يُوجِّه وصاياه الإلهية والسماوية للكنائس السبع وملائكتها»: (Cyprian, To Fortunatus 11 [ANF 5:503])

وهذا يبدو أنه يؤيد الفكرة الشائعة التي تقول إنَّ ما اقتبسه الآباء كـ «كتاب مقدس» (Scripture) هو بالضرورة جزء من القانون، لأننا اليوم نعرف هذه الوثائق ضمن قانون مُحدَّد.

لكن كما ذُكر سابقًا، المشكلة هنا هي أن الآباء اقتبسوا أيضًا وثائق أخرى غير قانونية كـ «كتاب مقدَّس»، وهذا يشير إلى أن مفهوم «الكتاب المقدس» (Scripture) لم يكن محددًا بشكل حصري للوثائق التي نعرفها اليوم بأنها قانونية.

ولكن عندما ننظر إلى اقتباسات كبريانوس وإشاراته الأخرى في هذه الرسالة ككل، فإنَّ هذا الاستنتاج يصبح موضع شكّ. ينبغي أن نتذكَّر هنا الهدف الواضح الذي صرَّح به كبريانوس نفسه، وهو أنه يريد استخدام «الكتب المقدسة» (Sacred Scriptures)، و«وصايا الرب»، و«القراءات الإلهية» (divine readings). وباتباع هذه المنهجية، اقتبس كبريانوس أيضًا من الأسفار الآتية التي تُعدُّ اليوم غير قانونية لدى البروتستانت:

· حكمة سليمان (Wisdom of Solomon)

· بيل والتنين (Bel and the Dragon)

· طوبيا (Tobit)

· المكابيين الثاني (2Maccabees)

· يشوع بن سيراخ (Sirach أو Ecclesiasticus)

راجع: (Cyprian, To Fortunatus 1; 9; 11–12 [ANF 5:498, 501, 503–505])

واقتبس كبريانوس من هذه الأسفار بنفس مستوى السُّلطة والاحترام الذي اقتبس به من الأسفار التي نعرفها الآن بأنها قانونية.

ففي أحد أقسام الرسالة مثلًا، اقتبس كبريانوس من سفر «بيل والتنين» مُستخدمًا مقدمة تمهيدية: «ويقول دانيال، المكرَّس لله والمملوء من الروح القدس…»

(Cyprian, To Fortunatus 11 [ANF 5:503])

وبعد هذه المقدمة والاقتباس مباشرةً، يواصل كبريانوس ليقدِّم اقتباسًا من سفر طوبيا، واصفًا إياه بأنه: «يُعلن بطريقة سامية كلًا من القوة الإلهية والعظمة الإلهية.»

وفي موضع آخر من الرسالة، يقول كبريانوس: «يُبيّن ويُعلن الروح القدس على لسان سليمان قائلًا…»

ثم يقتبس من سفر «حكمة سليمان». (Cyprian, To Fortunatus 12 [ANF 5:505])

النقطة المهمة هنا هي أن كبريانوس كانت لديه رؤية واسعة وشاملة جدًا لمفهوم «الكتب المقدسة» (Scripture)، وهي رؤية أوسع من الكتب التي نعرفها اليوم بأنها قانونية. وهذا بالطبع له تأثير على مفهومه لمعنى الوحي (Inspiration). وليس كبريانوس حالةً استثنائية بين آباء الكنيسة الأولى.

لذلك، فإن مجرد اقتباس أحد آباء الكنيسة لنصٍّ ما بوصفه «كتابًا مقدسًا»، لا يعني بالضرورة أنه يشير إلى «قانون مغلق». وبالنظر إلى حقيقة أن الآباء اقتبسوا أدبًا غير قانوني أيضًا ككتب مقدسة، فإن افتراض وجود قانون مغلق في ذلك الوقت يصبح افتراضًا هشًّا جدًا. وحتى بوليكاربوس (Polycarp)، أحد الآباء الرسوليين، اقتبس من رسالة كليمندس الأولى (1Clement 5.4) كوثيقة ذات سُلطة إلهية.

راجع: (Polycarp, To the Philippians 9.2).

وعليه، فإن تصوير بعض الباحثين الإنجيليين للآباء على أنهم كانوا يؤمنون بمفهوم صارم عن «الوحي اللفظي الكامل» (Verbal Plenary Inspiration) و«عصمة الكتاب المقدس» (Inerrancy)، رغم أنهم كانوا يقتبسون بانتظامٍ من أدب غير قانوني بوصفه «كتابًا مقدسًا»، ورغم أن مجموعاتهم من الكتب المقدسة كانت تختلف فيما بينها، هو تصويرٌ غير دقيق تاريخيًا.

الآباء والكتاب المقدس

عند الحديث عن «الآباء والكتاب المقدس»، فإننا من الناحية التاريخية نرتكب خطأً زمنيًا (anachronistic)، لأن آباء الكنيسة في القرون الأربعة الأولى لم يكن لديهم كتاب مقدس موحَّد مشترك يعتمدون عليه جميعًا. في الواقع، فكرة وجود «كتاب مقدس» (Bible) بالمفهوم المعاصر هي وصفٌ لاحق لم يكن الآباء الأوائل أنفسهم على دراية به أو يفكِّرون فيه. نعم، لقد استخدموا نصوصًا مقدَّسة (Scripture) واعتمدوا عليها بوصفها ذات سلطة، لكن الادعاء بأن إشاراتهم إلى هذه النصوص هي بالضرورة مرادفة لقانون مغلق يحتوي على ستة وستين سفرًا هو إسقاط تاريخي غير دقيق.

هذا الخطأ التاريخي يُشوِّه استدعاء آباء الكنيسة بوصفهم أسلافًا لاهوتيين لفكرة «الوحي اللفظي الكامل» (Verbal Plenary Inspiration) للكتاب المقدس. في الحقيقة، إذا أردنا استخدام إشارات الآباء إلى «النصوص المقدَّسة» كدفاع عن مفهوم الوحي اللفظي الكامل، فإن هذا سيجبرنا على تبنِّي قانون أوسع مما يؤمن به البروتستانت حاليًا.

قد يبدو هذا التمييز بين «النصوص المقدسة» (Scripture) و«القانون» (Canon) مسألة دقيقة للبعض، لكنها في الواقع قضية تأسيسية مهمة جدًا يجب أن ينتبه لها كل من يحاول الحديث عن رؤية الآباء للكتاب المقدس. في الفكر الإنجيلي، يعتمد استدعاء الآباء على افتراضين رئيسيين، لكنهما في الواقع يشوِّهان هذا الاستدعاء:

· الافتراض الأول: أن «الكتاب المقدس» كان دائمًا موجودًا بشكل واضح ومحدَّد.

· الافتراض الثاني: أن الآباء استندوا إليه فقط في الأمور الإيمانية والعقائدية.

من جانب آخر، فإن الادِّعاء الشائع بأن قانون العهد الجديد ظهر كاستجابة لثلاث هرطقات كبرى في القرن الثاني (ماركيون، المونتانية، الغنوصية) أصبح اليوم موضع شكٍ كبير. ففي الفصل الرابع من هذا الكتاب، سأوضِّح أن الحُجَّة التقليدية بأن الكنيسة أغلقت قانون العهد الجديد كجواب مباشر لماركيون والمونتانية والغنوصية هي حُجَّة تفتقر إلى الأدلة التاريخية.

بل في الواقع، لا يوجد دليل تاريخي يشير إلى أن آباء القرن الثاني كانوا يفكرون أساسًا في فكرة «قانون مغلق للعهد الجديد».

وأخيرًا، ينبغي التأكيد على أن تاريخ قانون العهد الجديد لا يقتصر فقط على تحديد مجموعة معيَّنة من الكتابات لتشكيل القانون المعروف لنا اليوم، بل يهتم أيضًا بالطريقة التي استُخدمت بها النصوص المسيحية بوصفها وثائق ذات سلطة إلهية في سياق عصرها.

قضايا القانون تتعلق بالكنيسة

إنَّ هذا الموضوع يحمل أهميةً كبيرةً بالنسبة لي؛ فبوصفي إنجيليًا، تَعلَّمتُ وما زلتُ أؤمن بأنَّ الكتاب المقدَّس هو مركزي وأساسي في الحياة المسيحية.

لكن سرعان ما توصَّلتُ إلى إدراك أنَّ الكتاب المقدس قد نشأ في حضن الكنيسة؛ فالكنيسة كانت موجودة قبل الكتاب المقدَّس. هذا ما قصده جون هنري نيومان (John Henry Newman) في كتابه الشهير «مقالة حول تطوُّر العقيدة المسيحية» (An Essay on the Development of Christian Doctrine)، حين قال:

«هناك حقيقة واحدة مؤكَّدة؛ وهي أنه مهما كانت الأمور التي تُعلِّمنا إياها أو تتجاهلها أو تُبالغ فيها أو تقلِّل منها أو تقولها أو تنفيها كتب التاريخ، فإنَّ المسيحية التاريخية ليست هي البروتستانتية. إذا كانت هناك حقيقة مؤكدة وآمنة، فهي هذه.»

J. H. Newman, An Essay on the Development of Christian Doctrine, 6th ed., 1989 [1878], p. 7

وفي عبارة أخرى شهيرة في نفس الكتاب يقول نيومان: «إنَّ التعمُّق في التاريخ يؤدي بالإنسان إلى التوقُّف عن أن يكون بروتستانتيًا.» (المرجع السابق، ص8)

لقد دفع التاريخ اللاهوتي جون هنري نيومان إلى ترك البروتستانتية والانتقال إلى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. لكنني شخصيًا، من خلال دراستي التاريخية هذه، توصلتُ إلى تقدير أعمق لدور الكنيسة، مع بقائي ضمن التقليد البروتستانتي.

وهنا أتفق مع ويليامز (Williams، في كتابه Evangelicals and Tradition، ص10-11) في قوله إنه ليس من الضروري أن نفترض أن البروتستانتية بالضرورة مقطوعة عن التاريخ، وبالتالي غير قادرة على الاستفادة منه أو التواصل معه. في الواقع، الإصلاح الأول للكنيسة (Reformation) لم يكن هدفه الأصلي الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، بل كان يهدف إلى إصلاحها من الداخل، انطلاقًا من إرثها اللاهوتي الغني. وبهذا يمكن للبروتستانتية أيضًا أن تدَّعي ارتباطًا بهذا التاريخ المسيحي الواسع.

في الواقع، إنَّ إصرار الفكر الإنجيلي على مبدأ «الكتاب المقدس وحده» (Sola Scriptura) يعود، في جزء كبير منه، إلى نوع من الريبة أو حتى الرفض العميق للكنيسة في العصور الآبائية، باعتبارها -بطريقة أو بأخرى- كنيسة أُصيبت بالفساد والانحراف.

ينتج عن ذلك نوعٌ من الثنائية (Dualism) بين التاريخ المؤسَّسي للكنيسة وتاريخ «المؤمن الحقيقي».[Williams, Retrieving the Tradition, 115]

فبسبب الاعتقاد بأنَّ الكنيسة المؤسَّسية لا يمكن الوثوق بها، أصبح هناك حاجة للبحث عن مصدر مستقل وموثوق، وبهذا أصبح «الكتاب المقدس» هو الدليل الوحيد الذي لم يتأثَّر بتقاليد الكنيسة التي يُنظر إليها باعتبارها مُفسَدة.

لكنَّ عملية تشكيل قانون العهد الجديد تطرح إشكالية كبرى لهذه النظرة «الاسترجاعية» (Restitutionist) للتاريخ المسيحي. فمعايير القانونية التي ناقشناها سابقًا تُظهر لنا بوضوح أن الكتاب المقدس لم ينشأ إلا في رحم الكنيسة، وأنَّ قادة الكنيسة المؤسسية نفسها كان لهم دور جوهري وأساسي في تشكيل قانون العهد الجديد. بعبارة أخرى، الكتاب المقدس، الذي يُعتبر الدليل الوحيد الموثوق للمسيحي بحسب النظرة البروتستانتية الاسترجاعية، تم تشكيله داخل الكنيسة ذاتها التي يرى الاسترجاعيون أنها كانت فاسدة. هذه الحقيقة يجب أن تتحدى أي دعوة مبنية على رفض الكنيسة مقابل قبول الكتاب المقدس، ويجب أن تدفعنا لإعادة النظر في فهمنا للكنيسة، لاهوتيًا وتاريخيًا.

المعضلة التي تخلقها عملية تشكيل قانون العهد الجديد في وجه الفكر الاسترجاعي عبَّر عنها فريدريك نوريس (Frederick Norris) بوضوح:

«إنَّ أول قائمة لأسفار العهد الجديد السبعة والعشرين ظهرت عام 367م، واستمرَّت الاختلافات اللافتة حتى العصور الوسطى… وفي أواخر القرن الرابع الميلادي، عندما أعدَّ أثناسيوس (Athanasius) قائمته لكتب العهد الجديد، كانت الكثير من ملامح الكنيسة التي يراها الإنجيليون -وخاصة بروتستانت الكنائس الحرة- موضع شك وانتقاد، قد أصبحت قائمة بالفعل. فهل من المنطقي القول إنَّ الكنيسة في القرن الرابع اتخذت قرارات جيدة جدًا فيما يتعلق بالكتاب المقدس، لكنها اتخذت في الوقت نفسه قرارات سيئة فيما يتعلق بكل شيء آخر تقريبًا؟»

F. W. Norris, “The Canon of Scripture in the Church,” in D. H. Williams, ed., The Free Church and the Early Church, Eerdmans, 2002, p. 15

وهكذا، فإنَّ القبول بقانون الكتاب المقدس يضع المؤمن فعليًا في حالة قبول ضمني للقرارات التي اتُخذت في عصر الآباء (Patristic Age)؛ لأنَّ عملية تشكيل قانون العهد الجديد كانت جزءًا لا يتجزأ من الكنيسة في ذلك العصر.

قوانين الكنيسة

بشكل عام، يُشير مصطلح «قانون» (Canon) إلى أي معيار أو مقياس تُقاس به الأمور. ورغم أننا استخدمنا هذا المصطلح هنا بشكل رئيسي للإشارة إلى قائمة من النصوص، فإن استخدامه الأصلي لم يكن مرتبطًا بالنصوص المكتوبة إطلاقًا، وكان هذا الحال أيضًا في المسيحية المبكرة.

توجد دراسة ممتازة لتاريخ استخدام مصطلح «قانون» في كتاب بروس متزجر (Canon of the New Testament, pp. 289–93). هذا التقديم الموجز يعتمد على ما كتبه متزجر.

في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، كان مصطلح «قانون» عند إيريناوس (Irenaeus) يشير إلى «قانون الإيمان» (Rule of Faith)، أي محتوى الإيمان المسيحي الأساسي، وقد استخدم آباء آخرون المصطلح بهذا المعنى أيضًا. مثلًا:

· كليمندس الروماني، (1Clement 7.2)

· كليمندس الإسكندري، (Stromata 4.15.98؛ 6.15.124)

· هيجيسيبوس (Hegesippus)، كما ورد عند يوسابيوس القيصري، (Ecclesiastical History 3.23.7)

· بوليكراتس (Polycrates) أسقف أفسس، كما ورد عند يوسابيوس، (Ecclesiastical History 5.29.6)

وبذلك، نلاحظ التطوُّر الطبيعي لمفهوم «القانون»، ليشمل لاحقًا «قائمةً رسميةً» من النصوص المسيحية المقدَّسة، جنبًا إلى جنب مع «قوانين» كنسية أخرى. لكن كما تعلَّمنا سابقًا، فإن هذا التطور كان تدريجيًا، ولم يصبح واضحًا بصورة صريحة إلا في منتصف القرن الرابع مع أثناسيوس (Athanasius).

حوالي عام 434م، كتب فينسنت الليريني (Vincent of Lérins) (توفي قبل 450م) وثيقة شهيرة اسمها «Commonitory»، ومعناها تقريبًا «مساعدة الذاكرة». لا نعرف الكثير عن حياة فينسنت سوى أنه أصبح راهبًا في جزيرة ليرينس (Lérins). وتُعرف هذه الوثيقة بشكل كبير بسبب احتوائها على ما يُسمى «القانون الفنسنتي» (Vincentian Canon)، وهو معيار (قانون) يهدف إلى التمييز بين الإيمان الصحيح وبين الهرطقة.

يُعبِّر فينسنت عن القانون الفنسنتي بقوله الشهير: «يجب أن نحرص في الكنيسة الكاثوليكية كل الحرص على أن نتمسَّك بالإيمان الذي تمَّ الإيمان به في كل مكان، وفي كل زمان، ومن قِبل الجميع.» (Vincent of Lérins, Commonitory 2.6)

أُدرك جيدًا الصعوبات في تطبيق هذا القانون عبر التاريخ الكنسي، وهذا الموضوع هام جدًا في مناقشة تطوُّر العقيدة، لكنه خارج نطاق مناقشتنا هنا. هدفي من الاستشهاد بفينسنت هو إظهار أن أحد آباء الكنيسة في عصر قانونٍ مُغلق للعهد الجديد ظل يُشدِّد على ضرورة التفسير الصحيح للكتاب المقدس، أي أنه لم يعتمد على «الكتاب المقدس وحده» (Bible alone).

وليس من المصادفة أن طريقة فينسنت في التمييز تستند بشكل كبير إلى إيريناوس (130–200م تقريبًا) وترتليان (160–225م تقريبًا)، وإلى الأهمية التي أعطياها لـ «قانون الإيمان». لكنَّ حالة قانون العهد الجديد قد تغيَّرت بوضوح من أيام إيريناوس وترتليان إلى أيام فينسنت، لدرجة أن فينسنت استطاع القول صراحةً:

«إنَّ قانون الكتاب المقدس أصبح كاملًا.» (Vincent of Lérins, Commonitory 2.5)

قرب بداية رسالته، وبعد أن أوضح الغرض من كتابته، يقول فينسنت الليريني:

«لكن هنا قد يسأل أحدهم قائلًا: “إذا كان قانون الكتاب المقدس قد اكتمل، وكان كافيًا بذاته في كل شيء، بل وأكثر من كافٍ، فما الحاجة لإضافة سلطة تفسير الكنيسة إليه؟” الإجابة هي كالآتي: بسبب عمق الكتاب المقدس، لا يفهمه الجميع بنفس الطريقة أو بالمعنى ذاته؛ بل يفهمه شخص بطريقة، وشخص آخر بطريقة مختلفة، بحيث يبدو أنه قابل لعدد من التفسيرات يساوي عدد المفسِّرين أنفسهم. ولذلك كان من الضروري، بسبب تعقيد الأخطاء وتنوُّعها الشديد، أن تُوضع قاعدة صحيحة لفهم الأنبياء والرسل تتوافق مع معيار التفسير الكنسي والكاثوليكي.» (Vincent of Lérins, Commonitory 2.5 [NPNF 2 11:132])

هنا نرى بوضوح أنَّ فينسنت، رغم تأكيده على أهمية الكتاب المقدس وسلطته كقانون نهائي، لم يستخدم الحُجة التي تقول إنه يجب الاعتماد فقط على الكتاب المقدس وحده.

مرةً أخرى، هذا لا يقلل من أهمية الكتاب المقدس والقانون، لكنه يُظهِر بوضوح أنَّ الاعتماد على «الكتاب المقدس وحده» لم يكن كافيًا للتمييز بين الحق والباطل، لأنَّ الأرضية المشتركة بين المختلفين كانت دائمًا هي الكتاب المقدس نفسه. وقد أدرك آباء الكنيسة أن التفسير الصحيح للكتاب المقدس يحتاج إلى معيارٍ أو مقياسٍ خارجي، يمكّن المؤمنين من التمييز بين التفسيرات الصحيحة والخاطئة.

بما أنَّ النصوص الكتابية يمكن التلاعب بها بسهولة، فإن المؤمنين يحتاجون إلى مُرشد أو معيار واضح يساعدهم على التمييز بين التفسير الصحيح والتفسير الخاطئ. ولهذا، يؤكد فينسنت أنَّ الإيمان يعتمد على سلطتين: سلطة الشريعة الإلهية (أي الكتاب المقدس) وسلطة تقليد الكنيسة.

(انظر: Vincent of Lérins, Commonitory 2.4)

ويوضِّح فينسنت أنَّ الهراطقة اعتادوا الاستناد إلى الكتاب المقدس، فيقول:

«اقرأ كتابات بولس الساموساطي، وبريسيليان، وأونوميوس، ويوفينيان، وغيرهم من هذه الآفات، وستجد مجموعةً لا نهاية لها من الاقتباسات تبدو منطقية ظاهريًا من العهد الجديد أو القديم.» (Ibid. 25.64)

ويتَّهم فينسنت الهراطقة بأنهم يختبئون وراء النصوص الكتابية، ويشبِّه الأمر بوضع العسل على دواءٍ مُرّ، حتى يشربه الشخص دون أن يشعر بمذاقه المرّ:

«إنهم يختبئون خلف لغة الكتاب المقدس، ويدهنون كأس الدواء المر بالعسل، لكي يشربه الغافل دون خوفٍ أو نفور.» (Ibid. 25.65)

بمعنى آخر، هم يدَّعون فقط تمسُّكهم بسلطة الكتاب المقدس، بينما الحقيقة أنهم يُحرِّفونه أو يسيئون استخدامه.

في قسمٍ مُلفتٍ بشكلٍ خاص، يسأل فينسنت: لماذا يجب أن يتخلَّى عن الإيمان القديم للكنيسة الجامعة (الكاثوليكية) لصالح ابتداعات الهراطقة؟ فيجيبه الهرطوقي قائلًا: «لأنه مكتوب»، ثم يبدأ في تقديم الأدلة من كلام الأنبياء والرسل.[Vincent of Lérins, Commonitory 26.69]

لكن ماذا على المسيحي أن يفعل في مثل هذه الحالات؟ الإجابة التي يقدِّمها فينسنت هي أن على المسيحيين أن يسلكوا الطريق الذي أوصى به القديسون والعلماء من آباء الكنيسة، وأن يُفسِّروا الكتاب المقدس:

«وفقًا لتقاليد الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية)، وبما يتوافق مع قواعد التعليم الكاثوليكي، مع الأخذ بمعايير الشمولية (Universality)، والقدم (Antiquity)، والإجماع (Consent). وإذا حصل في أي وقت أن عارض الجزءُ الكلَّ، أو عارض الجديدُ القديمَ، أو خالف رأي فرد أو قلة في ضلال، إجماعَ الجميع أو الغالبية العظمى من الكاثوليك، فعليهم عندئذٍ أن يفضِّلوا سلامة الكل على فساد الجزء، وأن يفضِّلوا تديُّن القدماء على تجديفات المحدثين؛ وداخل القدم نفسه، عليهم أن يفضِّلوا أولًا قرارات المجامع المسكونية الجامعة، إن وُجدت، أو إن لم توجد، فعليهم أن يتَّبعوا ما يليه في الأفضلية، وهو الإجماع التوافقي لعدد كبير من العلماء والمعلمين الكبار. وإذا تمَّت مراعاة هذه القاعدة بإخلاص وعناية وحرص، فسيكون من السهل اكتشاف الأخطاء السامة للهراطقة عند ظهورها.»

(Vincent of Lérins, Commonitory 27.70 [NPNF 2 11:152])

يعلِّق ويليامز (Williams) في كتابه (Evangelicals and Tradition, 50n7) أنَّ علامة اقتراب نهاية عصر الآباء هي ازدياد إحالاتهم إلى أسلافهم بدلًا من الحاضر كمصدر للسلطة الدينية. واعتُبر أوغسطينوس (Augustine، توفي عام 430) بمثابة نقطة تحوُّل أو حلقة وصل بين العصر الآبائي والعصور الوسطى، ويمكن اعتبار استشهاد فينسنت هنا مثالًا واضحًا على اللجوء إلى الماضي بدلًا من الحاضر.

هنا نرى بوضوح حُجَّةً تؤيد سلطة التقليد (Tradition)، مع اللجوء إلى «القوانين الكنسية» (Ecclesial Canons) التي وُضعت في الكنيسة لحماية التعليم الصحيح.

إنَّ قانون الكتاب المقدس (Canon of Scripture) لم يكن يهدف أبدًا إلى استبدال هذه القوانين الكنسية، بل كان دوره أن يجسِّد التقليد القانوني (Canonical Tradition) للكنيسة ويحفظه.

وقبل أن تكون هناك نصوص كتابية أصلًا، كان هناك إيمان. ولم تكن الكنيسة الأولى ترى أن تحديد حدود «قانون الكتب المقدسة» هو المهمة الأساسية للمسيحية الوليدة. بل كان هدفها الأساسي أولًا هو تحديد مضمون الإيمان الصحيح، وقد فعلت ذلك مستخدمةً وسائل أخرى غير الكتاب المقدس. (راجع: Norris, “Canon of Scripture,” 21)

في سياق عرضه للتراث القانوني الغني للكنيسة الأولى، حدَّد ويليام أبراهام (William Abraham) ستة أنواع من القوانين الكنسية (Canonical Traditions)، بالإضافة إلى الكتاب المقدس (Scripture) وقانون الإيمان (Rule of Faith) وقوانين الإيمان العقائدية (Creeds)، وهي كالآتي:

· ممارسات واختبارات وطقوس مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعمودية والإفخارستيا (العشاء الرباني).

· التقاليد الليتورجية (العبادة الطقسية).

· التقاليد الأيقونية (الصور والرموز المقدَّسة).

· القوانين واللوائح الكنسية (Ecclesiastical Regulations).

· القادة والمعلِّمون المُعترَف بهم في الكنيسة.

· البنية التنظيمية الداخلية وترتيب المجتمع الكنسي.

[Abraham, Canon and Criteria, 37]

كل عنصر من هذه العناصر في التقليد القانوني للكنيسة له دوره الخاص ضمن الإطار العام، وعملية قانونية (Canonization) الكتب المقدسة جرت في سياق هذا التراث القانوني الشامل.

وبالتالي، فإن إهمال أو تجاهل التراث القانوني للكنيسة ككل يحمل مخاطرة كبيرة تؤدي في النهاية إلى تفكيك الكنيسة، لأن التراث القانوني يُمثِّل القلب النابض للإكليسيولوجيا (علم الكنيسة).

أما ترتليان (Tertullian)، فهو لم يعرف شيئًا عن قانون مغلق للكتاب المقدس، بل إنه كان يميِّز بوضوح بين «النصوص المقدَّسة» (Scripture) و«قانون الإيمان» (Rule of Faith).

يقول ترتليان: «لذلك، فإن استدلالنا لا ينبغي أن يكون على أساس النصوص المقدَّسة، كما لا ينبغي أن نقبل النقاش في الأمور التي يكون النصر فيها مستحيلًا، أو غير مؤكد، أو غير واضح بشكل كافٍ… فالتسلسل الطبيعي للأمور يتطلَّب منَّا أن نطرح أولًا السؤال الأساسي التالي، وهو السؤال الوحيد الذي يجب علينا مناقشته الآن: “عند مَن يوجد ذلك الإيمان ذاته الذي تنتمي إليه الكتب المقدَّسة؟ ومن أين، وعبر مَن، ومتى، وإلى مَن تم تسليم ذلك القانون (الإيمان) الذي يجعل الناس مسيحيين؟” فحيثما يظهر بوضوح وجود قانون الإيمان المسيحي الحقيقي، ستكون هناك أيضًا الكتب المقدَّسة الحقيقية وتفسيرها، وكل التقاليد المسيحية.»

(Tertullian, Prescription against Heretics 19)

كل القوانين الكنسية، بما فيها قانون الكتب المقدسة، نشأت وتطوَّرت في قلب حياة الكنيسة. قد يكون من الصعب أحيانًا تحديد الكيفية الدقيقة التي ظهرت بها هذه القوانين، لكن من الواضح تمامًا أن هذه القوانين كانت مرتبطةً ارتباطًا جوهريًا بهوية الكنيسة نفسها.

إنَّ وضع الكتاب المقدَّس في إطار التقليد القانوني للكنيسة لا يُلغي أو يقلِّل من سُلطته في الكنيسة الأولى. ولكنه يضع الكتاب المقدس في سياقه الصحيح داخل حياة الكنيسة. لقد رأى آباء الكنيسة أنَّ النصوص المقدَّسة هي المعيار الأساسي (Normative)، واستندوا إليها باستمرار في جميع كتاباتهم. وباعتبارها المصدر الرئيسي للمسيحية، قدَّمت النصوص المقدَّسة الإطار المرجعي الذي من خلاله فهم الآباء إعلان الله في المسيح. بهذا المعنى، كانت الكتابات المقدَّسة تُمثِّل سلطة معيارية—بحيث يجب أن يكون كل شيء قائمًا عليها. الإنجيليون كانوا على صواب في تأكيدهم على هذه النقطة، لكن القصة لا تنتهي هنا. فكما أن مشاركة الإنجيل لا تكون كاملة أو كافية دون حقيقة القيامة، فإن سلطة الكتاب المقدَّس في الكنيسة الأولى تُصبح غير كاملة أو كافية إذا اقتُطعت من سياق الجماعة المؤمنة ووُضعت تحت تصرُّف الفرد وذوقه الخاص.

الكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة

الكتاب المقدَّس نشأ داخل الكنيسة وانتقل عبرها؛ ولهذا فإن الكتاب المقدَّس هو في الأساس كتاب الكنيسة. ومن أجل ذلك، رفض ترتليان مناقشة النصوص المقدسة مع الهرطوقي، لأنَّ الهرطوقي ليس له الحق في الاستناد إلى الكتاب المقدَّس؛ فهو ليس كتابه، وكان يُفسِّره خارج موطنه الحقيقي، أي الكنيسة.

هذا الأمر يهمنا اليوم بشكل مباشر؛ لأنه عندما نقبل الكتاب المقدس كسلطة مُلزمة، علينا أيضًا أن نقبل العملية والوسائل التي من خلالها وصل إلينا. فنحن نتحرك داخل الإطار الذي حدَّدته الكنيسة الجامعة (Universal Church) في الاعتراف بالقانون (Canon). لذلك، حتى على هذا المستوى الأساسي، نجد أنفسنا مُوجَّهين إلى أهمية الكنيسة.

يقول القديس أغسطينوس (Augustine of Hippo، 354-430):

«أنا نفسي لم أكن لأؤمن بالإنجيل لو لم تحرِّكني سلطة الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية).»

Augustine, Against the Epistle of Manichaeus Called Fundamental, 5 [NPNF 1 4:131]

كذلك يقول هيلاري أسقف بواتييه (Hilary of Poitiers):

«أولئك الذين يقفون خارج الكنيسة لا يستطيعون الوصول إلى أي فهم حقيقي للخطاب الإلهي.» (Hilary of Poitiers, On Matthew, 13.1)

بهذا، فإن استعادة هذه الرؤية التاريخية تؤكد بوضوح أن الكتاب المقدس هو كتابٌ وُلد ونما داخل الكنيسة، ولا يمكن فهمه بصورة سليمة خارج جماعة الإيمان التي هي الكنيسة.

هذه الكلمات التي كتبها هيلاري أسقف بواتييه (Hilary of Poitiers، حوالي 315–367) تتوافق بشكل واضح مع ما كتبه ترتليان وأغسطينوس. ومع ذلك، لأن الباباوات والأساقفة في تاريخ الكنيسة المسيحية أساؤوا استخدام سلطتهم ومكانتهم في كثير من الأحيان، فقد رفض معظم الإنجيليين الفكرة ذاتها بوجود «تفسير مميَّز» أو «تفسير مُفضَّل» (privileged interpretation).

يُشير الباحث د. س. ياغو (D. S. Yeago) إلى أن هذا الاعتقاد الإنجيلي مبني على تصوُّر خاطئ، وهو أن البروتستانتية مدينةٌ لحركة الإصلاح البروتستانتي في «تحرير» الكتاب المقدس من التأثير المُفسد للتفسيرات الخاصة أو المميزة التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية. لكن في الحقيقة، لم يكن المُصلحون يرفضون فكرة «التفسير الخاص» ذاتها، وإنما كانوا يرفضون تفسيرًا معينًا يرونه مناقضًا للتفسير الآبائي التقليدي للإنجيل.

للمزيد حول هذه النقطة، انظر:

Allert, “What Are We Trying to Conserve?”

Williams, Evangelicals and Tradition, 72–78.

مُلخَّص

لقد قدَّمتُ في هذا السياق حُجَّة تقول إنَّ الإطار الصحيح الذي يجب من خلاله فهم تكوين قانون العهد الجديد هو جماعة الإيمان (الكنيسة). فالكتاب المقدس بالفعل هو «كتاب الكنيسة»، وذلك بسبب العلاقة الوثيقة بينهما. هذه كانت الطريقة التي قاد بها الله كنيسته من أجل إيصال إعلانه إليها. ونحن نستخف جدًا بأهمية هذه الطريقة في التدبير الإلهي إذا حاولنا فصل الكتاب المقدس عن الكنيسة، باعتباره المصدر الوحيد الذي يستخدمه الروح القدس لرعاية وإرشاد شعبه.

من خلال وضع عملية تكوين قانون العهد الجديد ضمن هذا التراث القانوني الأوسع، يمكننا أن نرى بوضوح مركزية الكتاب المقدس بوصفه المصدر النهائي. لكن في الوقت نفسه، علينا أن نفهم أن هذا المصدر النهائي لم يكن يقف معزولًا أو مستقلًا عن التراث القانوني الأوسع للكنيسة.

4. قانون مُغلق في القرن الثاني الميلادي؟

يبدو أن لدى الإنجيليين ميلًا طبيعيًا إلى فكرة أن قانون العهد الجديد كان مغلقًا في القرن الثاني الميلادي؛ وذلك بسبب افتراض أساسي لديهم، وهو أن المسيحيين على مدار تاريخهم كانت لديهم «كتابٌ مقدَّس» (Bible) يمكنهم الرجوع إليه والاعتماد عليه وحده دون مصادر أخرى. هذا الافتراض الأساسي بأن المسيحية امتلكت دائمًا كتابًا مقدسًا، هو الذي يُوجِّه عمليًا جميع البحوث الإنجيلية حول نشأة قانون العهد الجديد.

وانطلاقًا من هذا الافتراض، يصبح من الطبيعي جدًا أن يستنتجوا أن إغلاق قانون العهد الجديد لا بد أنه قد حدث بعد فترة قصيرة جدًا من عصر الرسل. لكن، كما رأينا سابقًا، فإن الرأي القائل بأن القرن الثاني الميلادي شهد وجود قانون مغلق للعهد الجديد هو رأيٌ يصعب جدًا إثباته تاريخيًا.

سأقوم هنا بمراجعة بعض الأدلة الأكثر أهمية التي تُستخدم لدعم فكرة وجود قانون مغلق للعهد الجديد في القرن الثاني الميلادي.

الماركيونية (Marcionism)

العلاقة بين ماركيون (Marcion) وقانون العهد الجديد معروفة إلى حدٍّ ما. بين عامي 140 و145م، انتقل ماركيون—وهو ابن مالك سفن ثري—من مدينة سينوب (Sinope) في آسيا الصغرى إلى روما. (المعلومات الدقيقة والتواريخ تبقى غامضة إلى حدٍ ما؛ لأنها مستقاة من مصادر معادية لماركيون).

بعد وصوله إلى روما، تبرَّع ماركيون بمبلغٍ مالي كبير للكنيسة. لكن سرعان ما اتَّضح من خلال تعاليمه أنه يحمل أفكارًا مخالفة لتعاليم الكنيسة في روما. وبسبب الخلافات التي نشبت بينه وبين الكنيسة، أعادت الكنيسة إليه تبرُّعه، فانفصل ماركيون مع مجموعة كبيرة من أتباعه عن الكنيسة الرومانية. وهذا شكَّل مصدر قلقٍ كبير للكنيسة هناك.

علَّم ماركيون بوجود تناقض جوهري بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد.

وكانت كلمة «تناقض» (Antithesis) هي عنوان كتابه الرئيسي، الذي لم يَعُد موجودًا، لكن يمكن العثور على أجزاء منه في كتاب هارناك (Harnack, Marcion).

بحسب ماركيون، كان إله العهد القديم (إله اليهود) إلهًا أقل منزلة، وهو إله العدالة (Justice)، بينما إله العهد الجديد (الإله المسيحي) هو الإله الأعلى، إله الخير (Goodness). ووفقًا لماركيون، فإن إله العهد القديم وإله العهد الجديد كانا في صراع وتناقض لا يمكن حله. وهذا ما دفعه إلى رفض الأسفار اليهودية المقدَّسة (العهد القديم)؛ لأنها كانت تتحدَّث عن إله العدالة (اليهودي).

يسوع المسيح، الذي يُمثل الحدث الجوهري والشخصية المحورية للعهد الجديد وكتابات المسيحيين، كان بالنسبة لماركيون رسول الإله الأعلى (إله الخير). لكن رفض ماركيون لإله اليهود دفعه أيضًا لرفض التفسير الرسولي ليسوع باعتباره المسيَّا المُرسَل من إله اليهود. لذلك، استنتج ماركيون أن كُتَّاب هذه النصوص المسيحية قد قاموا بتحريف كلمات يسوع من أجل جعله يبدو كأنه المسيح اليهودي.

وبالتالي، آمن ماركيون أن الكاتب المسيحي الوحيد الذي فهم المعنى الحقيقي ليسوع كرسول الإله الأعلى هو بولس (Paul). ولهذا السبب، قبل ماركيون قانونًا خاصًا به، يحتوي على:

عشر رسائل لبولس، أسماها «الرسول» (The Apostle)، وهي:

· غلاطية (Galatians)

· كورنثوس الأولى والثانية (1 & 2 Corinthians)

· رومية (Romans)

· تسالونيكي الأولى والثانية (1 & 2 Thessalonians)

· أفسس (Ephesians)

· كولوسي (Colossians)

· فيلبي (Philippians)

· فيلمون (Philemon)

· إنجيل واحد هو إنجيل لوقا (Luke)، وذلك على الأرجح بسبب الاعتقاد التقليدي بأن لوقا كان تلميذًا لبولس، وبالتالي يمكن الوثوق به.

كل هذه الوثائق كانت تتطلَّب إزالة المقاطع التي اعتبرها ماركيون «تهويدية» (Judaizing)، والتي رأى أنها أُضيفت بشكل مُضلِّل إلى النص من قِبل رسل كاذبين.

يمكن الاطلاع على أمثلة عن هذه التعديلات في كتاب متزجر (Metzger, Canon of the New Testament, 93).

تكمن أهمية ماركيون هنا في أنه جمع «الإنجيل» (لوقا) مع «الرسول» (بولس)، في مجموعة تُوصف عادةً بأنها «أول قانون مسيحي» (First Christian Canon). (وقد ضم ماركيون أيضًا كتابه «التناقض» (Antithesis)، كدليل لتفسير هذه الوثائق.)

منذ عصر هارناك (Harnack)، أصبح من الشائع القول بأن قانون العهد الجديد نشأ كرد فعل ضد قانون ماركيون (Anti-Marcionite Creation). ويرى هارناك وآخرون أن قانون العهد الجديد قد تشكَّل في مواجهة مباشرة مع قانون ماركيون.

Campenhausen, Formation of the Christian Bible, 148–160؛ Hoffmann, Marcion.

لذلك، رأى بعض الباحثين أن ماركيون هو أول من ابتكر وطور فكرة «مجموعة كتابات مسيحية قانونية ذات سلطة»، وأن الكنيسة لم تُشكِّل قانونها الخاص إلا كرد فعل أو كمحاكاة لقانون ماركيون. وبهذا المنظور، فكأن ماركيون أجبر الكنيسة عمليًا على أن تؤسس «قانونًا مضادًا» (Counter Canon).

Gamble, New Testament Canon, 60.

غالبية الباحثين متفقون حول الأسبقية الزمنية لقانون ماركيون—فهو بالفعل أول قانون كتابي مسيحي—ولكن هذه الأسبقية يجب أن تُميَّز عن سؤال آخر، وهو مدى تأثير قانون ماركيون على الكنيسة.[Ibid., 59–62]

في الواقع، لا توجد أدلة تشير إلى أن تثبيت ماركيون لقانونه قد أدَّى إلى جهد مباشر وموحَّد في الكنيسة لإنتاج قانون مضاد. بل على العكس من ذلك، بقيت مجموعة الكتابات التي اعتبرتها الكنيسة ذات قيمة مفتوحة وغير مستقرة لفترة طويلة جدًا بعد ظهور قانون ماركيون.

من أفضل الأمثلة على هذه الحالة من السيولة وعدم الاستقرار:

· سفر الرؤيا في الكنائس الشرقية (Apocalypse of John in the East).

· الرسالة إلى العبرانيين في الكنائس الغربية (Hebrews in the West).

راجع حول ذلك:

Gamble, New Testament Canon, 23–56؛ McDonald, Formation of the Christian Biblical Canon, 246–249.

لهذا السبب، فقد تم تعديل هذه الرؤية لاحقًا ليُنظر إلى ماركيون على أنه صاحب تأثير متواضع على تطور قانون العهد الجديد، وليس على أنه صاحب تأثير حاسم أو محوري. القضية أصبحت مسألة توازن، بحيث لا نميل إلى المبالغة في تقييم دور ماركيون أو التقليل من شأنه. وبهذا، يرى بعض الباحثين أن ماركيون ربما عجَّل فقط من قيام الكنيسة بما كانت ستقوم به في كل الأحوال، وهو تحديد قائمة نصوصها الرسمية.

راجع على سبيل المثال:

E. C. Blackman, Marcion and His Influence (London: SPCK, 1948), 39.

F. V. Filson, Which Books Belong in the Bible? (Philadelphia: Westminster, 1957), 12.

بعبارة أخرى، ربما كان ماركيون ذا تأثير، ولكن المبالغة في تصوير تأثيره باعتباره «حاسمًا» أو «محدِّدًا» تُعطيه أكثر من حقه بكثير.

غالبًا ما يُصوَّر ماركيون على أنه «رفض» بعض الأناجيل وبعض رسائل بولس، لكن في الواقع لا توجد أدلة مباشرة على أنه كان يعرف أصلًا هذه النصوص التي يُفترض أنه رفضها. لذا، يبدو من الأدق القول إنه قَبِل وعدَّل النصوص التي كانت معروفة لديه، وليس أنه «رفض» نصوصًا أخرى لم تكن بالضرورة متاحةً له.

ويُضيف جيوفري هانيمان (Geoffrey Hahneman) أن التغييرات التي أجراها ماركيون على إنجيل لوقا ورسائل بولس لم تكن تختلف في طبيعتها كثيرًا عن التغييرات التي قام بها بعض مؤلفي العهد الجديد أنفسهم عندما استخدموا مصادر سابقة في نصوصهم. وبالتالي، فإن عمل ماركيون «لم يكن إجراءً جذريًا أو متطرفًا».

G. M. Hahneman, The Muratorian Fragment and the Development of the Canon, 91

على سبيل المثال، فإن متى ولوقا قاما بتوسيع ومراجعة وتعديل مصدرهما الأساسي (إنجيل مرقس)، كما أن إنجيل يوحنا استخدم أيضًا مواد سابقة، وقام بتوظيفها لاهوتيًا.

أولًا، من المحتمل أن ماركيون لم يكن معنيًا بشكل رئيسي بتجميع «قائمة كتب مسيحية»، بقدر ما كان معنيًا باستبعاد نصوص لا يُقرُّها. وفي الواقع، عملية الاختيار والاستبعاد التي مارسها ماركيون تشير ضمنيًا إلى وجود مجموعة من النصوص المسيحية التي كانت معروفة ومُعترفًا بها بالفعل من الكنيسة؛ وإلا فلم يكن لماركيون حاجة لأن يصرَّ على رفضها.

مثل هذه المحاولة لتحديد مجموعة مغلقة من النصوص لم تصبح أمرًا سائدًا في الكنيسة إلا في قوائم القرنين الرابع والخامس الميلاديين.

ولو أن ماركيون قد أجبر الكنيسة على تكوين قانونها للعهد الجديد، لكان من المتوقع أن نلاحظ استخدامًا متزايدًا وأكثر وعيًا بنصوص العهد الجديد بعد ماركيون، باعتبار أن الكنيسة بدأت تدرك أن لديها مجموعة محددة من النصوص تختلف عن نصوص العهد القديم. لكن الأدلة التاريخية لا تؤيد هذا الافتراض.

كما أوضحنا سابقًا، فإن الكنيسة لم تواجه قانون ماركيون بـ «قانون خاص بها»، بل ركزت جهودها بشكل أساسي على استخدام نصوص العهدين القديم والجديد معًا بشكل متوازن ومتساوٍ. ومن خلال القيام بذلك، أكدت الكنيسة في الواقع ضد ماركيون أن نصوص العهد القديم هي بالفعل «نصوص مسيحية».

الغنوصيّة (Gnosticism)

يُستخدم مصطلح «الغنوصيّة» للدلالة على عدد من النُّظم الفكرية التي تستمدّ منها أُسسها.

وقد أبدت الدراسات الحديثة شيئًا من التردّد في استخدام فئة «الغنوصي» عند الحديث عن المذاهب والمعلمين المتعدّدين، ويرجع ذلك في الأساس إلى أنّ المصادر الآبائية لم تستعمل مصطلح «الغنوصيّة» على الإطلاق.

انظر في ذلك: مايكل أ. ويليامز (Michael A. Williams)، إعادة التفكير في الغنوصيّة: حجّة لتفكيك فئة مشبوهة (Rethinking “Gnosticism”: An Argument for Dismantling a Dubious Category)، برنستون، نيوجيرسي: منشورات جامعة برنستون، 1996، ص 7–53.

فيم بيركنز (Pheme Perkins)، «الغنوصيّة والكتاب المقدّس المسيحي» ضمن: ماكدونالد وساندرز (McDonald and Sanders)، نقاش حول قانون الكتاب المقدّس (The Canon Debate)، ص 355–371.

وبما أنّ هذا الكتاب يتناول قضيّة «قانون الأسفار المقدّسة»، فلن أخوض في هذا النقاش، وسأُبقي على استخدام المصطلحات: «غنوصي» (صفة)، «غنوصيّون» (اسم)، و«الغنوصيّة» للإشارة إلى الجماعات والأشخاص المتعدّدين المشار إليهم أعلاه.

الأنظمة الغنوصيّة ذات طابع ثنائي في فلسفتها، إذ ترى أنّ الروح خير والمادة شر. وكانت الأرواح تُعتبر سجينة داخل الأجساد المادية، وكان يُطلب الخلاص (أي: الهروب من الجسد المادي) من خلال معرفة خاصّة تُدعى «غنوسيس» (gnōsis)، وهي كلمة يونانية تعني «المعرفة».

وقد بدأت الغنوصيّة تؤثّر في المسيحيّة منذ القرن الأوّل، كما يمكن ملاحظته في بعض كتابات العهد الجديد

[انظر مثلًا: كولوسي ٢:٨، ١٨؛ تيموثاوس الأولى ٦:٢٠؛ تيموثاوس الثانية ٣:٧؛ تيطس ١:١٦]،

لكنّ الصدام الحقيقي بين هذه الأنظمة والكنيسة لم يحدث إلا في القرن الثاني.

وفي عام 1945، تمّ اكتشاف منجم من الأدبيات الغنوصيّة في منطقة نجع حمّادي بمصر، ويُعدّ هذا الاكتشاف من أبرز الاكتشافات في القرن العشرين.

فحتى ذلك الحين، كانت المعلومات المتوفّرة لدينا عن الغنوصيّين تأتي فقط من أشدّ خصومهم، ومن بينهم: إيريناوس أسقف ليون (Irenaeus of Lyons)، وترتليانوس القرطاجي (Tertullian of Carthage)، وهيبوليتوس الروماني (Hippolytus of Rome)، وغيرهم من آباء الكنيسة.

وبما أنّ الغرض هنا ليس مناقشة الأنظمة الغنوصيّة بالتفصيل، فسأكتفي بذكر خمس خصائص رئيسة لها:

1.   بما أنّ المادة شريرة، فقد نُسب الخلق إلى «الصانع الأدنى» (demiurge)، وهو إله خاضع ناتج عن انبثاق من «الملء» (Pleroma).

2.   رفض الغنوصيّون العهد القديم رفضًا قاطعًا.

3.   ميّز الغنوصيّون بين يسوع الإنسان الناصري والمخلّص السماوي، ومن هذا التصوّر نشأ النظام الغنوصي المعروف بـ «الدوكيتيّة» (Docetism) – المشتقّ من الكلمة اليونانية dokeō بمعنى «يبدو» – والذي ادّعى أنّ المخلّص لم يكن إنسانًا حقيقيًا، بل بدا كذلك فقط.

4.   كان الخلاص الكامل حكرًا على الغنوصيّين أنفسهم، أي النخبة الروحيّة، في حين يمكن لمن لم يمتلك «الغنوسيس» (gnōsis) ولكن كان لديه إيمان، أن ينال درجة أدنى من الخلاص.

5.   ادّعى الغنوصيّون أنّهم تلقّوا «أناجيل سرّية» من الرُّسُل أنفسهم.

المصدر: لي ماكدونالد (Lee McDonald)، تكوين قانون الكتاب المقدّس المسيحي (Formation of the Christian Biblical Canon)، ص 177.

ورغم أنّ الكنيسة كانت – وبحق – بحاجة إلى تمييز كتاباتها المقدّسة عن كتابات الغنوصيّين، فإنّه من الصعب تصوّر كيف يمكن لمجرد عمليّة التحديد والتمييز أن تُحقّق النتيجة المطلوبة في مواجهة الغنوصيّة.

فالغنوصيّون لم يقتصروا على استخدام وثائقهم الخاصّة، بل استخدموا أيضًا الوثائق المعروفة لدينا اليوم بـ «الأسفار القانونيّة».

وهذا يعني أنّ الكنيسة، لكي تُميّز بين الأدبيّات الغنوصيّة وأدبيّاتها الخاصة، كانت تواجه احتمالًا مؤلمًا بالتخلّي عن وثائق كانت تستعملها وتقدّرها في حياتها التعبّدية والليتورجيّة.

وهذا هو بالضبط الإشكال الذي واجهته الكنيسة مع إنجيل يوحنّا.

[انظر: بروس (Bruce)، قانون الكتاب المقدّس (Canon of Scripture)، ص 128–129.]

فهذا الإنجيل كان أبطأ الأناجيل الأربعة في نيل القبول داخل الكنيسة، وكان السبب في ذلك أنّ الغنوصيّين استخدموه لتأييد تعاليمهم.

ويُشير هيبوليتوس الروماني (Hippolytus of Rome) إلى أنّ الغنوصي باسيليدس (Basilides) – نحو سنة 130 م – هو أوّل من اقتبس من إنجيل يوحنّا (Refutation 7.22؛ 7.27).

كما أنّ أقدم شرح معروف لإنجيل يوحنّا كتبه الغنوصي هيراكليون (Heracleon) نحو سنة 180 م، وقد اقتبس منه أوريجانوس (Origen) في شرحه على إنجيل يوحنّا.

ويؤكّد الأب الكنسي المناهض للغنوصيّة إيريناوس (Irenaeus) – نحو 130 إلى 200 م – هذا الأمر حين قال: «وأما الباقون، المنتفخون باسم المعرفة الكاذبة، فإنّهم يعترفون بالكتب المقدّسة، لكنّهم يحرّفون تفسيراتها.»

[إيريناوس، ضدّ الهرطقات (Against Heresies)، 3.12.12]

وبالتالي، يمكننا أن نُدرك أنّ مجرّد تكوين قانون للعهد الجديد لم يكن كافيًا وحده لكبح موجة الغنوصيّة، ببساطة لأنّ الغنوصيّين كانوا يستخدمون كثيرًا من الوثائق نفسها التي كانت الكنيسة تستخدمها.

وفوق ذلك، فإنّ مجرّد الاعتراف بالأسفار بوصفها موحى بها لا يضمن تفسيرها بشكل سليم، ولهذا فإنّ القانون لم يكن كافيًا لضبط هذه التفسيرات المنحرفة.

المونتانيّة (Montanism)

لقد خضع فهمنا للحركة المسيحية المبكّرة المعروفة باسم «المونتانيّة» لشيءٍ من المراجعة في الدراسات الحديثة.

من أفضل الملخّصات التي تُعبّر عن هذا التوجّه ما جاء في:

دبليو. تابيرني (W. Tabbernee)، «هل يتفضل المعزّي الحقيقي بالكلام؟ الصراع الكاثوليكي-المونتاني حول علم الروح» («‘Will the Real Paraclete Please Speak Forth!’ The Catholic-Montanist Conflict over Pneumatology»)، ضمن: مجيئات الروح: مدخل إلى الدراسة المعاصرة لعلم الروح (Advents of the Spirit: An Introduction to the Current Study of Pneumatology)، تحرير: د. إل. دابني (D. L. Dabney) و ب. إي. هاينزه (B. E. Heinze)، ميلووكي: منشورات جامعة ماركيت (Marquette University Press)، 2001، ص 97–118.

وهناك دراسة أكثر تخصّصًا لكن لا تقلّ فائدة:

تابيرني، «رؤيا 21 و”أورشليم الجديدة” المونتانيّة» («Revelation 21 and the Montanist ‘New Jerusalem’»)، المراجعة الأسترالية للكتاب المقدّس (Australia Biblical Review)، المجلد 37 (1989): ص 52–60.

تنطلق هذه المراجعة من الرغبة في دراسة الحركة من وجهة نظر المونتانيّين أنفسهم، لا من خلال أعين خصومهم الكاثوليك في الكنيسة الأولى.

غير أن هذه المقاربة تُواجه معضلة أساسية، وهي أنّ المونتانيّة أثارت ردود فعل قوية في أوساط الكنيسة الأولى، مما أدّى إلى محاولات لإسكات أتباعها، ونتج عن ذلك ضياع أغلب تراثهم الأدبي، فلم يبقَ لدينا سوى القليل جدًا من كتاباتهم.

وعلى الرغم من الاتهامات بالهرطقة التي وُجّهت إلى الأشكال المتأخّرة من المونتانيّة، فإنّه من الواضح أنّ المونتانيّة لم تكن هرطقة بالمعنى ذاته الذي انطبقت به هذه الصفة على «الماركيونيّة» (Marcionism) و«الغنوصيّة» (Gnosticism).

انظر على سبيل المثال:

تابيرني، «المعزّي الحقيقي» («‘Real Paraclete’»)؛

د. إف. رايت (D. F. Wright)، «لماذا أُدين المونتانيّون؟» («Why Were the Montanists Condemned?»)، ثيمليوس (Themelios)، المجلد 2 (1976): ص 15–22.

كانت المونتانيّة تُطلق على نفسها اسم «النبوة الجديدة» («New Prophecy»)، ويضع معظم الباحثين بدايتها في حدود سنة 170م، حين بدأ رجل يُدعى مونتانوس (Montanus) في التنبؤ.

وقد ذكر أوسابيوس القيصري (Eusebius) ذلك في كتابه تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History) 5.19.2.

أما خصوم الحركة فكانوا يسمّونها «الهرطقة الفريجية» («Phrygian heresy») [انظر مثلًا: تاريخ الكنيسة، 2.25.6].

وقد بدأ إطلاق اسم «المونتانيّين» («Montanists») على أتباعها رسميًا في القرن الرابع، كما يظهر في كتابات كيرلس الأورشليمي (Cyril of Jerusalem) في المحاضرات التعليمية (Catechetical Lectures 16.8).

كان الاعتقاد العام لدى المونتانيّين هو أنّ الروح القدس قد انسكب من جديد على الكنيسة، حاملاً معه نبوءة جديدة ذات سلطان.

وكان للنساء دور بارز في قيادة هذه الحركة، لا سيّما في مراحلها المتأخّرة، حيث وقعت صدامات متكرّرة مع الكاثوليك حول قضايا من قبيل: طبيعة النبوّة، وصلاحيات السلطان الكنسي، وتفسير «النصوص المسيحية».

انظر: كلير تريفيت (C. Trevett)، المونتانيّة: النوع الاجتماعي، والسلطة، والنبوّة الجديدة (Montanism: Gender, Authority and the New Prophecy)، كامبريدج، المملكة المتحدة: منشورات جامعة كامبريدج (Cambridge University Press)، 1996، ص 2–3.

اتّخذت الحركة طابعًا رؤيويًّا واضحًا، وقدّمت تفسيرًا خاصًّا لسفر الرؤيا.

وكان هذا «الروح» منسجمًا مع التقاليد الرؤيوية لسفر رؤيا يوحنّا، والذي نشأ بدوره في منطقة آسيا الصغرى.

والواقع أنّ صعود المونتانيّة ونجاحها يصعب تفسيره دون الإقرار باستمرار حضور النبوّة وموضعها العاطفي في بعض الدوائر المسيحيّة. [انظر: تريفيت، المونتانيّة، ص 86]

كان كل من كاتب سفر الرؤيا وأنبياء المونتانيّة يتحدّثون باسمهم الخاص، ويصرّون على أنّ أوامرهم وإعلاناتهم تفرض الطاعة.

وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن السلطة التي يتحدثون بها نابعة من المسيح ذاته، أو أنها صوت الروح القدس.

انظر: هانز فون كامبنهاوزن (Campenhausen)، تكوين الكتاب المقدّس المسيحي (The Formation of the Christian Bible)، ص 221–223.

لكنّ أهمية حركة الروح القدس في هذا العصر الجديد، بحسب المونتانيّين، لم تكن مرتبطة بكتابات محدّدة، بل بـ «المعزّي الجديد» («New Paraclete»)، ولهذا بدا الأمر للكنيسة وكأنه تهديد مباشر للوحي الأصلي الموجود في «الكتاب المقدّس».

وقد كان لا بدّ للكنيسة أن تواجه هذا التوجّه، فزعمَت أنّ زمن الوحي قد بلغ نهايته في سياق تاريخ الخلاص.

وبحسب ما يجادل به فون كامبنهاوزن، فإن الكنيسة ردّت على هذا الأمر بالشروع في تثبيت قائمة من الأسفار التي رُبِط بها الوحي وضُبِط من خلالها.

والقضية هنا ليست أنّ قانون العهد الجديد قد أُغلِق تمامًا في تلك المرحلة، بل أنّ مفهوم «المجموعة المغلقة» من الأسفار – أي «القانون» («canon») – بدأ يُنظر إليه على أنّه الردّ اللازم والسياج الواقي ضد المونتانيّة.

ومع ذلك، هناك سببان للتشكيك في التصوّر القائل بأنّ المونتانيّة قد أُحبطت بشكل فعّال من خلال تحديد ما هو «داخل» وما هو «خارج» قانون العهد الجديد.

أوّلًا: لو صحّ هذا التصوّر، لَتَوَقَّعنا ظهورًا واسعًا لقوائم تُقيّد عدد الكتب القانونيّة فور ظهور التحدّي المونتاني.

لكن هذا ببساطة لم يحدث.

فالقائمة الوحيدة التي قد تُعدّ معاصرة أو قريبة من صعود المونتانيّة هي «القطعة الموراتوريّة» («Muratorian Fragment»)، والتي يرجّح بعض الباحثين تأريخها إلى أواخر القرن الثاني.

وسيتم مناقشتها في قسم مستقل لاحقًا.

ثانيًا: لم يكن المونتانيّون يرفضون معيارية «الكتاب المقدّس» بوصفه مصدرًا ذا سلطان.

بل استخدموه باعتباره موحًى به. ولذلك، فإنّ مواجهتهم من خلال مجموعة مغلقة من الأسفار ما كانت لتحدث فرقًا حاسمًا.

كما أنّ الكنيسة كانت تستخدم لغة «الإلهام» (inspiration) بحرية، وكانت ترى أنّ للروح القدس دورًا لا يقتصر على إنتاج الأسفار، بل يشمل أيضًا تفسيرها، بل ويمتد ليشمل حياة الكنيسة كلها، بما في ذلك القيادة والمجامع الكنسية.

وقد أقرّ هيبوليتوس (Hippolytus) بأنّ المونتانيّين أنتجوا «عددًا لا يُحصى من الكتب»

[انظر: هيبوليتوس، دحض جميع الهرطقات (Refutation of All Heresies)، 8.12]،

لكن لم يتفاعل أيٌّ من آباء الكنيسة مع محتوى تلك الكتب أو ناقشها من حيث مضمونها.

القطعة الموراتوريّة (The Muratorian Fragment)

بين عامي 1738 و1740، اكتشف لودوفيكو أنطونيو موراتوري (Lodovico Antonio Muratori) وحرّر مخطوطة تعود إلى القرن السابع أو الثامن.

تحتوي هذه المخطوطة على مجموعة متنوّعة من الشذرات اللاتينية المأخوذة من كتابات بعض شخصيات القرن الرابع، وتتضمّن مقاطع من أوشريوس (Eucherius)، وأمبروز (Ambrose)، وترجمات من يوحنا الذهبي الفم (Chrysostom)، إلى جانب بعض الشروح الموجزة لقانون الإيمان الكاثوليكي.

انظر: ب. إف. ويستكوت (B. F. Westcott)، نظرة عامة على تاريخ قانون العهد الجديد (A General Survey of the History of the Canon of the New Testament)، الطبعة الخامسة، كامبريدج، المملكة المتحدة: ماكميلان (Macmillan)، 1881، ص 522.

تتضمّن هذه المخطوطة أيضًا ما يُعرف عادة باسم «القطعة الموراتوريّة» أو «قانون موراتوري» (Muratorian Fragment or Canon).

وهذه القطعة، التي تتكوّن من خمسٍ وثمانين سطرًا، هي عبارة عن قائمة بأسفار العهد الجديد، غير أنّ السطور الافتتاحية والختامية منها مفقودة.

وهناك اتفاق عام على أنّ اللغة الأصلية للنص كانت اليونانية، ثم تُرجمت لاحقًا إلى اللاتينية بلغة ضعيفة.

ويظهر محتوى القطعة على النحو التالي:

… وكان حاضرًا في كل ذلك، ولذلك أدرجها [في روايته].

السطر 2: الإنجيل الثالث هو بحسب لوقا.

3: لوقا، الطبيب المعروف، بعد صعود المسيح،

4–5: حين أخذه بولس معه كمتحمّس للشريعة،

6: ألّف الإنجيل باسمه، وفقًا للرأي العام.

ومع ذلك، فإنّه لم

7: يرَ الربّ بالجسد؛ ولذلك، وبحسب ما أمكنه التحقّق من الوقائع،

8: بدأ يسرد القصة من ولادة يوحنّا.

9: الإنجيل الرابع هو إنجيل يوحنّا، أحد التلاميذ.

10: لأجل تلاميذه وزملائه من الأساقفة الذين كانوا يحثّونه على الكتابة،

11: قال: «صوموا معي من اليوم لثلاثة أيّام، وما

12: يُعلَن لكلّ واحد منّا

13: فلنُخبِر به بعضنا بعضًا». في الليلة نفسها، أُعلِن

14: لأندراوس، أحد الرسل،

15–16: بأنّ يوحنّا هو من ينبغي أن يكتب كلّ شيء باسمه، بينما يقوم الآخرون بمراجعته.

وهكذا، رغم أنّ

17: عناصر متعدّدة قد تُعلَّم في الأسفار الإنجيلية الفردية،

18: فإنّ هذا لا يُغيّر شيئًا من إيمان المؤمنين، لأنّه بالروح الواحد السيّد،

20: أُعلِن كلّ شيء في جميع الأناجيل: عن

21: الولادة، وعن الآلام، وعن القيامة،

22: وعن حياته مع التلاميذ،

23: وعن مجيئه المزدوج؛

24: الأوّل في التواضع، حين رُفِض، وقد تمّ ذلك،

25: والثاني في المجد والسلطان الملوكي،

26: وهو لا يزال في المستقبل.

27: فما العجب إذن، إن كان يوحنّا بهذه الاستمرارية

28: يذكر هذه الأمور في رسائله أيضًا،

29: قائلًا عن نفسه: «ما رأيناه بأعيننا،

30: وسمعناه بآذاننا، ولمسته أيدينا،

31: هذا كتبناه لكم»؟

32: فهو بهذا يُقرّ أنّه ليس فقط شاهد عيان وسامع،

33: بل كاتبٌ أيضًا لجميع أعمال الربّ العجيبة، بحسب ترتيبها.

34: ثم إنّ أعمال جميع الرسل

35: كُتِبت في سفرٍ واحد، لأنّ «ثيوفيلوس العزيز»

36: جَمَع الأحداث التي جرت بحضوره—

37: كما يتبيّن بوضوح من كونه أغفل استشهاد بطرس

38: وكذلك خروج بولس من المدينة [روما]

39: عندما سافر إلى إسبانيا.

40–41: أما رسائل بولس، فهي تُوضّح بنفسها لمن يرغب في الفهم، ما هي، ومن أين، ولماذا أُرسِلت.

42: أوّلًا إلى أهل كورنثوس، محذّرًا من انقساماتهم الهرطوقيّة؛

43: ثم إلى أهل غلاطية، ضدّ الختان؛

44–46: ثم إلى أهل رومية كتب بإسهاب، شارحًا ترتيب الكتب المقدّسة، وأنّ المسيح هو جوهرها.

47: ويجب علينا مناقشة هذه الرسائل واحدة تلو الأخرى، لأنّ الرسول المبارك

48: بولس نفسه، على مثال

49–50: سلفه يوحنّا، كتب بالاسم إلى سبع كنائس على الترتيب التالي: إلى كورنثوس

51: أولًا، ثم أفسس، ثم فيلبي،

52: ثم كولوسي، ثم غلاطية،

53: ثم تسالونيكي، ثم رومية

54–55: سابعًا.

56–57: صحيح أنّه كتب مرةً أخرى إلى كورنثوس وتسالونيكي للموعظة،

لكن من الواضح أنّ هناك كنيسة واحدة منتشرة في أرجاء الأرض كلّها.

58: لأنّ يوحنّا أيضًا، في سفر الرؤيا، وإن كتب إلى سبع كنائس،

59–60: فهو مع ذلك يتكلّم إلى الجميع.

وقد كتب بولس أيضًا بدافع المحبّة رسالة إلى فليمون، وأخرى إلى تيطس، ورسالتين إلى تيموثاوس؛ وهذه تُعتبر مقدّسة

62–63: في نظر الكنيسة الجامعة لتنظيم الانضباط الكنسي.

64–65: وهناك أيضًا رسالة إلى اللودكيين وأخرى إلى الإسكندريّين، مزوّرتان باسم بولس لدعم هرطقة ماركيون،

66: والعديد من الرسائل الأخرى

67: التي لا يمكن قبولها في الكنيسة الجامعة،

لأنّه لا يليق أن يُخلط السمّ بالعسل.

68: كذلك تُعدّ رسالة يهوذا، ورسالتان من الرسائل المنسوبة إلى يوحنّا، مقبولة في الكنيسة؛

70: وأيضًا كتاب الحكمة، المكتوب من قبل أصدقاء سليمان تكريمًا له.

71: ولا نقبل من الرؤى سوى رؤيا يوحنّا وبطرس،

72: وإن كان بعضنا لا يرضى بقراءة الأخيرة في الكنيسة.

73–74: أمّا هرماس فقد كتب كتاب «الراعي» (The Shepherd) حديثًا، في زمننا،

في مدينة روما،

75–76: بينما كان أخوه بيوس يشغل كرسي الأسقفية في كنيسة روما.

77–80: ولذلك، ينبغي قراءته، لكن لا يجوز قراءته علنًا على الناس في الكنيسة لا بين الأنبياء، الذين اكتمل عددهم، ولا بين الرسل، لأنّه كُتب بعد زمانهم.

81–85: ونحن لا نقبل بشيء مما كتبه أرسينوس، أو فالنتينوس، أو ميلتيادس،

الذين ألّفوا كذلك سفر مزامير جديدًا لماركيون،

إلى جانب باسيليدس، مؤسّس «القطافريجيّين» (Cataphrygians) في آسيا.

الترجمة عن: بروس ميتزجر (Bruce Metzger)، قانون العهد الجديد (The Canon of the New Testament), ص 305–307.

الأقواس المربّعة تضمّ توسعات تفسيرية في الترجمة.

الأرقام العلوية تُمثّل ترقيم الأسطر الأصلية.

للنص اللاتيني الأصلي ومحاولة ترميمه، انظر:

دي. جيه. ثيرون (D. J. Theron)، أدلّة التقليد: مختارات مصدرية لدراسة تاريخ الكنيسة الأولى، المقدمة وقانون العهد الجديد (Evidence of Tradition: Selected Source Material for the Study of the History of the Early Church, Introduction and Canon of the New Testament)، لندن: بووز آند بووز (Bowes & Bowes)، 1957، ص 106–113.

تبدأ القطعة بجملة مبتورة، يليها مباشرةً إشارة إلى إنجيل لوقا بوصفه الإنجيل الثالث. وقد أدّى هذا إلى اتفاق عام على أنّ إنجيلي متّى ومرقس سبقا إنجيل لوقا.

ثم يُذكر إنجيل يوحنّا، ويليه الحديث عن «أعمال جميع الرسل» بحسب لوقا.

ثم تأتي رسائل بولس وفق ترتيب الكنائس السبع، يليها ذكر الأفراد الثلاثة الذين كتب إليهم:

إلى كورنثوس، وأفسس، وفيلبي، وكولوسي، وغلاطية، وتسالونيكي، ورومية؛ ثم إلى فليمون، وتيطس، وتيموثاوس.

عقب ذكر الرسائل الموجّهة إلى الكنائس السبع مباشرة، يُجري كاتب القطعة مقارنة بين يوحنّا ككاتب سفر الرؤيا، وكونه هو أيضًا كتب إلى سبع كنائس.

ثم تُذكر رسالة يهوذا، ورسالتان غير مُرقّمتين من رسائل يوحنّا،

ثم يُتبع ذلك برفض عدد من الوثائق، من ضمنها تلك التي نُسبت زورًا إلى بولس لدعم هرطقة ماركيون.

وتتضمّن القائمة المقبولة أيضًا:

حكمة سليمان (Wisdom of Solomon)، وسفر رؤيا يوحنّا (Apocalypse of John)، وسفر رؤيا بطرس (Apocalypse of Peter)، مع الإقرار بأنّ بعضًا من المسيحيين لا يرغب في قراءة الأخير في الكنيسة.

نحو نهاية القطعة، نجد دعوة مطوّلة نسبيًا لاستبعاد كتاب الراعي لهرماس (The Shepherd of Hermas).

وتُختَتم القائمة برفض تام لوثائق من أرسينوس (Arsinous)، وفالنتينوس (Valentinus)، وميلتيادس (Miltiades)، وباسيليدس (Basilides)، إذ يقول كاتب القطعة: «نحن لا نقبل بأي شيء مما لديهم».

ويُجمع الدارسون على أنّ القطعة الموراتوريّة تعود إلى أواخر القرن الثاني الميلادي (حوالي 180–200م)، ومن منشأ غربي (روما).

وبناء على ذلك، اعتبرها كثيرون مصدرًا مبكّرًا جدًّا يؤكّد وجود قانون للعهد الجديد في القرن الثاني.

لكن ألبرت سي. سوندبرغ الابن (Albert C. Sundberg Jr.) طعن في هذا التصوّر، واقترح أنّ القطعة هي في الحقيقة قائمة تعود إلى القرن الرابع، ومن منشأ شرقي.

انظر: ج. إم. هانيمان (G. M. Hahneman)، «القطعة الموراتوريّة وأصول قانون العهد الجديد» («The Muratorian Fragment and the Origins of the New Testament Canon»)، ضمن: ماكدونالد وساندرز (McDonald and Sanders)، نقاش حول قانون الكتاب المقدّس (The Canon Debate)، ص 407.

وللرجوع إلى حجج سوندبرغ، انظر:

سوندبرغ، «نحو إعادة كتابة تاريخ قانون العهد الجديد» («Towards a Revised History of the New Testament Canon»)،

وسوندبرغ، «قانون موراتوري: قائمة من القرن الرابع» («Canon Muratori: A Fourth Century List»)، مراجعة هارفارد اللاهوتية (Harvard Theological Review)، 66 (1973): ص 1–41.

يدور الجدل بشأن القطعة الموراتوريّة حول مسألة أساسية:

هل هي قائمة من القرن الثاني؟ أم من القرن الرابع؟

الذين يرجّحون تأريخها إلى القرن الثاني يزعمون أنّ القطعة تُمثّل فعلًا صريحًا قامت به الكنيسة في ذلك القرن للسعي نحو إغلاق قانون العهد الجديد.

أما الذين يؤرخونها إلى القرن الرابع، فيتحفّظون على فكرة أنّ القرن الثاني شهد هذا النوع من الأعمال الرسمية؛ فمثل هذه القوائم لم تبدأ بالظهور إلا في القرن الرابع.

ومع ذلك، فإنّ التأمّل في هذه الإشكالات يؤكّد ما قاله إفريت فيرغسون (Everett Ferguson) بأنّه «مهما كان تاريخ القطعة، فإنّ مراجعة كبرى لفهمنا لتاريخ القانون لا تبدو ضروريّة».

انظر: إفريت فيرغسون، «قانون موراتوري: التاريخ والمنشأ» («Canon Muratori: Date and Provenance»)، ضمن: ستوديا باترستيكا (Studia Patristica)، مجلد 17، رقم 2، تحرير: إليزابيث ليفينغستون (Elizabeth Livingstone)، إلمسفورد، نيويورك: بيرغامون (Pergamon)، 1982، ص 677.

ويتّفق الطرفان على الأدلة الأساسيّة التالية:

بحلول نهاية القرن الثاني، كانت الأناجيل الأربعة، ورسائل بولس، ورسالة بطرس الأولى، ورسالة يوحنّا الأولى، مستخدمة على نطاق واسع داخل الكنيسة، وقد اكتسبت صفة السلطان المعترف به في أغلب الأوساط.

استخدام وسُلطة الكتابات الأخرى ظلّ متغيّرًا خلال القرون الثاني والثالث والرابع.

القوائم التي تُحدِّد بدقّة نطاق الكتابات السلطويّة تعود في معظمها إلى القرنين الرابع والخامس.

انظر: هاري جامبل (Harry Gamble)، «قانون العهد الجديد» («New Testament Canon»)، ص 271.

لكن، كما يلاحظ بروس ميتزجر (Bruce Metzger)، فإنّ «نبرة هذا النصّ كلّه ليست نبرة تشريع، بل أقرب إلى بيان تفسيري لحالة من الأمور قد ترسّخت إلى حدّ ما».

انظر: ميتزجر، قانون العهد الجديد (The Canon of the New Testament), ص 200.

انظر أيضًا: إفريت فيرغسون، مراجعة لكتاب القطعة الموراتوريّة وتطوّر القانون (The Muratorian Fragment and the Development of the Canon) تأليف: ج. إم. هانيمان، مجلة الدراسات اللاهوتية (Journal of Theological Studies)، المجلد 44 (1993): ص 693.

الذين يقبلون بتأريخ يعود إلى القرن الثاني يُقِرّون بأنّ القطعة الموراتوريّة لم تكن الكلمة الأخيرة لدى الكنيسة، وذلك لأنّ عددًا من الأسفار التي أُدرِجت لاحقًا في قانون العهد الجديد لم تُذكر في هذه القائمة. [مثل: الرسالة إلى العبرانيين (Hebrews)، وبطرس الأولى والثانية (1 and 2 Peter)، ويوحنّا الثالثة (3 John)، ويعقوب (James).]

علاوة على ذلك، فقد ورد ذكر بعض الأسفار التي لم تُقبَل لاحقًا في القانون الكنسي، بشكل إيجابي داخل القطعة، مثل رؤيا بطرس (Apocalypse of Peter) وحكمة سليمان (Wisdom of Solomon).

أما الذين يتبنّون الرأي القائل بأنّ القطعة تعود إلى القرن الرابع، فهم يتأثّرون بشدّة بالتمييز المهم الذي وضعه ألبرت سوندبرغ (Albert Sundberg) بين مصطلحي «الكتاب المقدّس» (Scripture) و«القانون» (Canon).

ويعني هذا أنهم يتحفّظون في وصف أي كتاب في القرن الثاني بأنه «قانوني»، لأنّ النصوص التي لا تزال مفتوحة (غير مغلقة) لا يمكن اعتبارها «قانونًا» بالمعنى الدقيق للكلمة.

نظرة على الأناجيل

غالبًا ما يُقال إنّ أناجيل متّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنّا كانت قد أصبحت «قانونيّة» بحلول الوقت الذي ألّف فيه إيريناوس (Irenaeus) كتابه ضدّ الهرطقات (Against Heresies) حوالي سنة 180م.

وفي السياق نفسه، يرى ر. ليرد هاريس (R. Laird Harris) أنّ أهمية المدافع المسيحي في القرن الثاني يوستينوس الشهيد (Justin Martyr) (نحو 100–165م) تكمن في أنّه يشير إلى «مجموعة محدّدة جيدًا من الكتب المقدّسة [أي الأناجيل]».

[ويُضيف لاحقًا أنّ الأناجيل الأربعة تُشكّل بوضوح مجموعة ضابطة ومرجعية بالنسبة ليوستينوس. انظر: هاريس، الوحي والقانونية (Inspiration and Canonicity)، ص 213.]

كما يزعم ألكسندر سوتر (Alexander Souter) أنّ وجود توليفة إنجيلية قام بتأليفها رجل يُدعى تاتيان (Tatian)، تُعرف باسم الرباعية (Diatessaron) – نحو سنة 170م – يُثبِت قانونية الأناجيل الأربعة.

انظر: أ. سوتر (A. Souter)، نصّ العهد الجديد وقانونه (The Text and Canon of the New Testament)، تحقيق: سي. إس. سي. ويليامز (C. S. C. Williams)، لندن: دكوورث (Duckworth)، 1960، ص 155.

المشكلة في هذه الادعاءات الثلاثة أنّها تخلط بين المعرفة بالأناجيل، بل واستخدامها، وبين وجود محاولة واعية لجمعها ضمن مجموعة واحدة.

فمجرّد استخدام شخصٍ للأناجيل الأربعة لا يعني بالضرورة أنّها كانت جزءًا من مجموعة رباعية مغلقة ومُحدّدة؛ لأنّ الاستخدام لا يُساوي بالضرورة وجود تجميع مقصود وواعي.

انظر: ك. إل. كارول (K. L. Carroll)، «تكوين الإنجيل الرباعي» («The Creation of the Fourfold Gospel»)، نشرة مكتبة جون رايلاندز (Bulletin of the John Rylands Library)، المجلد 37 (1954–1955): ص 68.

جي. إن. ستانتون (G. N. Stanton)، «الإنجيل الرباعي» («The Fourfold Gospel»)، دراسات العهد الجديد (New Testament Studies)، المجلد 43 (1997): ص 329.

الأناجيل لدى آباء الكنيسة الرسوليين

يشير مصطلح «آباء الكنيسة الرسوليّون» («Apostolic Fathers») إلى مجموعة محدودة من النصوص المسيحية المبكّرة تعود إلى القرنين الأوّل والثاني الميلاديين.

وقد كُتبت هذه النصوص بأقلام قادة من الكنيسة الأولى، ولم تكن تتداول في الأصل بوصفها مجموعة واحدة متكاملة.

وقد أُطلِق هذا الاسم «آباء الكنيسة الرسوليّون» على هذه المجموعة من قِبَل العالِم الآبائي في القرن السابع عشر جان بابتيست كوتلييه (J. B. Cotelier)، في عمله الموسوعي ذي المجلّدين الذي تناول هذه النصوص.

ومنذ كوتلييه، أصبح المفهوم السائد حول هذه النصوص أنّ كلّ واحد منها نُسِب إلى كاتب مسيحي مبكّر كان قد تعرّف على أحد رسل القرن الأوّل، أو على الأقل قد تلقّى التعليم على يد أحد تلاميذ المسيح.

تتكوّن المجموعة عادةً من المؤلفين والوثائق التالية:

·       كليمندس الروماني (Clement of Rome

·       إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch

·       الراعي لهرماس (Shepherd of Hermas

·       بوليكاربوس السُميرني (Polycarp of Smyrna

·       بابياس من هيرابوليس (Papias of Hierapolis

·       رسالة برنابا (Epistle of Barnabas

·       الرسالة إلى ديوغنيتوس (Epistle to Diognetus

·       الرسالة الثانية لكليمندس (2 Clement) أو «كليمندس المزيّف» (Pseudo-Clement

·       وكتاب التعليم أو ديداخي (Didache) المعروف أيضًا بـ «تعليم الرسل الاثني عشر» (Teaching of the Twelve Apostles).

أولًا، من المسلّم به أنّ «الأسفار المقدّسة» التي كانت تتمتّع بالسلطان لدى آباء الكنيسة الرسوليّين هي «الكتب العبرانية» بترجمتها اليونانية، أي السبعينية (LXX).

فهم يقتبسون منها ويشيرون إليها بهذا الوصف.

وعندما يظهر أنّ أحد الآباء يستخدم إنجيلاً من الأناجيل المعروفة لدينا اليوم كـ «قانونيّة» كمصدر لأقوال يسوع، فلا نجد أي دلالة صريحة على أنّه كان يضع تلك الوثيقة على نفس مستوى الأسفار المقدّسة مثل السبعينية.

فما كان يهمّهم بالدرجة الأولى هو أنّ يسوع قال هذا الكلام، لا أين وُجد هذا الكلام.

كليمندس الأول (First Clement)

عندما يُشير كليمندس في رسالته الأولى إلى نصوص نعرفها اليوم بوصفها جزءًا من قانون العهد الجديد، فإنّه لا يستخدم عبارات تُوحي بأنّها سجلّات مكتوبة، كما هو الحال في إشاراته إلى أسفار السبعينية.

بل يدعو قرّاءه إلى «تذكّر كلمات الربّ يسوع المسيح»

[1 كليمندس 46:7 (Loeb Classical Library 1:89)]

و «تذكّر كلمات يسوع»

[المصدر نفسه، 13:1 (LCL 1:31)].

وفي رسالة كليمندس، تتمتّع أقوال يسوع بنفس مستوى السلطان الذي تتمتّع به أقوال الأنبياء.

[انظر: بروس (Bruce)، قانون الكتاب المقدّس (Canon of Scripture)، ص 121.]

ومن المرجّح أنّ كليمندس كان على دراية بإنجيلي متّى ولوقا، لكن حقيقة أنّه يتجنّب الإشارات الصيغية الرسمية إليها بوصفها «أسفارًا مقدّسة» – إن كان يقتبس منها فعلًا – تكشف عن أمر مهم: السلطان عند كليمندس يكمن في أقوال يسوع نفسها، لا بالضرورة في الوثائق المكتوبة التي تحتوي على هذه الأقوال.

وعليه، فإنّ كليمندس، بدلًا من أن يستدعي سلطة وثيقة من العهد الجديد، يستدعي سلطة التقليد الشفوي الذي يتلقّى سلطته العليا من العهد القديم.

وبالنظر إلى هذا التركيز على كلام يسوع نفسه، لا على مصدره، يصبح من الصعب تصوّر وجود قانون مغلق للعهد الجديد لدى كليمندس في تلك المرحلة المبكّرة.

إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)

في رسالته إلى أهل فيلادلفيا (To the Philadelphians)، يُظهر إغناطيوس إيمانه بأنّ البشارة (الإنجيل) قد أُنبئ بها مسبقًا، وأنّها ظاهرة في «الكتب العبرانيّة» (أي العهد القديم).

[انظر: إلى أهل فيلادلفيا، فصول 5–9.]

وقد تحقّقت هذه البشارة في شخص يسوع المسيح. وبسبب إنجيل يسوع، فإنّ الشريعة اليهودية القديمة قد أُكمِلَت وتجاوزها العهد الجديد.

[انظر: إلى أهل ماغنيسيا (To the Magnesians) 8.2.]

ويورد إغناطيوس مقطعًا حظي باهتمام كبير:

«لكنّي أطلب منكم ألّا تفعلوا شيئًا بدافع التحزّب، بل بحسب تعليم المسيح. لقد سمعتُ بعض الرجال يقولون: “إن لم أجده في السجلات في الإنجيل، فلست أؤمن به.” وعندما قلت لهم إنّه في الكتاب المقدّس، أجابوني: “هذه بالضبط هي المسألة.” أمّا بالنسبة لي، فالسجلات هي يسوع المسيح، والسجلّ غير المنتهك هو صليبه، وموته، وقيامته، والإيمان الذي به؛ بهذا أطلب أن أُبرَّر بصلواتكم.»

[إلى أهل فيلادلفيا 8.2، (Loeb Classical Library 1:247).]

اللافت هنا أنّ إغناطيوس، رغم وضعه السلطان في «الكتب المقدّسة» العبرانيّة، لا يُسند السلطان نفسه إلى الوثائق التي نعرفها اليوم كأناجيل قانونية.

فالسلطة الأساسيّة عنده كانت في الكرازة الرسوليّة بالمسيح، وليس في نصوص مكتوبة محدّدة.

ويبدو من الواضح أنّه لم يكن يُفرّق كثيرًا بين ما إذا كانت الكرازة شفهية أو مكتوبة.

وفي هذا السياق، لا نجد في كتاباته أي اقتباس من الأناجيل يُشير إلى أنّه اعتبرها «كتبًا مقدّسة» بسلطان موحى به.

فمركز السلطة عنده هو في الكرازة الرسولية بالإنجيل، وفي أسفار العهد القديم.

ولا توجد أي إشارة تدلّ على أنّ إغناطيوس كان ينظر إلى أيّ وثيقة من العهد الجديد بوصفها ذات سلطة مساوية لوثائق العهد القديم.

بوليكاربوس السُميرني (Polycarp of Smyrna)

يُولي بوليكاربوس هو الآخر السلطان الأكبر لوصايا الربّ وتعاليم يسوع.

ففي الفصل الثاني من رسالته إلى أهل فيلبي (Epistle to the Philippians)، نراه يجمع بين العبارة الافتتاحية: «تذكّروا ما علّمنا به الربّ حين قال…» وبين عناصر مأخوذة من إنجيل متّى 7:1–2 وإنجيل لوقا 6:36–38.

ومن اللافت أنّ هذه الاقتباسات تتضمّن أيضًا عناصر لا تظهر في أيّ من الأناجيل القانونية.

ثم يتبع ذلك باقتباس من تطويبتين من متّى 5:3، 10.

والنقطة المحورية هنا أنّ بوليكاربوس ينسب هذه الأقوال إلى يسوع، لا إلى «الكتاب المقدّس».

كما أن الجمع بين عناصر من أناجيل قانونية وعناصر أخرى من مصادر غير قانونية (سواء كانت مكتوبة أو شفهية) يُشير إلى وجود هيئة تعاليم تُشبه ما نعرفه في «عظة الجبل».

وسلطان هذه الأقوال لا يستمدّ وجوده من الشكل الذي وصلت فيه إلى بوليكاربوس، بل من كونها أقوالًا صادرة عن الربّ.

وعليه، فإنّ السلطان لم يكن بالضرورة في أيّ وثيقة مكتوبة، بل في كلمات يسوع، سواء وردت شفهًا أو كتابةً.

ولم يُشر بوليكاربوس في أيّ موضع إلى الأناجيل القانونية بوصفها «كتبًا مقدّسة».

هل وُجدت مجموعة أناجيل؟

ما كان مهمًّا لدى آباء الكنيسة الرسوليّين لم يكن ظهور أقوال يسوع في الأناجيل القانونية، بل كون هذه الأقوال كانت متاحة لهم من خلال تقليد رسولي موثوق.

فالأناجيل كانت تُجسّد هذا التقليد، لكنها لم تكن وحدها المعبّرة عنه.

ولذلك، فإنّ وصف الأناجيل بأنها «قانونية» لمجرد أنّ آباء الكنيسة كانوا على دراية بها واستخدموها، يُعدّ سابقًا لأوانه بعض الشيء.

ففي كتاباتهم لا نجد أي فعل مقصود لجمع الأناجيل، ولا أي إشارة إلى أنّهم كانوا يرون فيها مجموعة محدّدة ومغلقة.

يوستينوس الشهيد (Justin Martyr)

يُعدّ يوستينوس الشهيد مصدرًا مهمًا لحالة الأناجيل في القرن الثاني، بسبب إشاراته المتكرّرة إلى ما يُسميه «مذكّرات الرسل» («Memoirs of the Apostles»).

وفي كتاباته الباقية، يُشير يوستينوس إلى هذه «المذكّرات» أو «مذكّرات الرسل» ما مجموعه خمس عشرة مرة.

انظر: الدفاع الأول (1 Apology) 65.3؛ 67.3، الحوار مع تريفو (Dialogue with Trypho) 100.4؛ 101.3؛ 102.5؛ 103.6، 8؛ 104.1؛ 105.1، 5، 6؛ 106.1، 3، 4؛ 107.1.

لتحليل مفصّل حول هذا الموضوع، انظر: سي. دي. أليرت (C. D. Allert)، الرؤيا، والحق، والقانون، والتفسير: دراسات في حوار يوستينوس الشهيد مع تريفو (Revelation, Truth, Canon and Interpretation: Studies in Justin Martyr’s Dialogue with Trypho)، ملحقات فيجيليا كريستيانا (Vigiliae Christianae Supplements)، 64، لايدن: بريل (Brill)، 2002، ص 187–220.

هذه «المذكّرات» هي وثائق كُتبت على يد الرسل أو تلاميذهم.

ومع ذلك، فإنّ يوستينوس يورد أيضًا معلومات عن حياة المسيح، وأقوالًا للرب، وتفاصيل عن يوحنّا المعمدان، دون أن يذكر مصدرًا لها.

وعندما نُفحص هذه المواد غير المنسوبة، نجد أنّ معظمها يمكن العثور عليه في الأناجيل الإزائية (السينوبتيكية).

وهذا يُشير بقوّة إلى أنّ «مذكّرات الرسل» التي يتحدث عنها يوستينوس هي على الأرجح الأناجيل الإزائية، أو شكل من أشكالها.

لكنّ الكلمات الثلاث الأخيرة هنا «في شكلٍ ما» (in some form) تكتسب أهمية خاصّة،

وذلك لأنّ استشهادات يوستينوس بالنصوص غير العهد القديم تتضمّن كثيرًا من القراءات المختلفة، وغالبًا ما تكون نُسَخًا منسجمة مع نصوص أخرى، أي تحتوي على صياغات توفيقيّة (harmonized).

لمزيد من الأمثلة على هذا الميل التوفيقي عند يوستينوس، انظر: أليرت، الرؤيا، والحق…، ص 197–200.

كمثال على ذلك، عندما يسرد يوستينوس حدث ولادة يسوع، يقول:

«ولكن عندما وُلِد الطفل في بيت لحم، ولم يكن لدى يوسف مكان للإقامة في القرية، قضوا الليلة في مغارة قريبة من القرية. وبينما كانوا هناك، وضعت مريم المسيح ووضعته في مزود، وهناك وجده المجوس القادمون من بلاد العرب.»

[الحوار مع تريفو (Dialogue with Trypho) 78.5]

هذا المقطع يصف أحداثًا تتطابق في الغالب مع ما ورد في متّى 2:1–23 ولوقا 2:7.

لكن هناك أدلّة واضحة على وجود توافق أو توليف (harmonization)، حيث تُذكر حادثة وضع الطفل في المزود – وهي خاصّة بلوقا – إلى جانب تفاصيل أخرى لا تظهر إلا في متّى.

كما أن هناك فرقين مهمّين بين رواية يوستينوس وإنجيلي متّى ولوقا:

يذكر يوستينوس أن الطفل وُلِد في «مغارة»، بينما يقول متّى إنّ المجوس وجدوا الطفل في «بيت».

يُشير يوستينوس (في هذا الموضع ومواضع أخرى [راجع: المصدر نفسه، 77.4؛ 78.1، 2، 5، 7؛ 88.1]) إلى أن المجوس جاؤوا من «بلاد العرب»، بينما لا تذكر الأناجيل القانونية هذه المعلومة إطلاقًا.

وقد دفع هذا العديد من الباحثين إلى الاستنتاج بأنّ يوستينوس استخدم نسخة توفيقيّة من الأناجيل الإزائية – أي إنجيل موحّد ما بعد الأناجيل السينوبتيكية، وربما متأثّر أيضًا بمصادر أخرى خارج الأناجيل القانونية.

انظر: أ. ج. بيلينتزوني (A. J. Bellinzoni)، أقوال يسوع في كتابات يوستينوس الشهيد (The Sayings of Jesus in the Writings of Justin Martyr)، ملحقات نوڤوم تستامنتوم (Novum Testamentum Supplements)، 17، لايدن: بريل (Brill)، 1967.

إي. إف. أوزبورن (E. F. Osborn)، يوستينوس الشهيد (Justin Martyr)، دراسات في اللاهوت التاريخي (Beiträge zur historischen Theologie)، تحرير غيرهارد إبلينغ، توبنغن: موهر زيبك (Mohr Siebeck)، 1973، ص 120–138.

دبليو. ساندي (W. Sanday)، الأناجيل في القرن الثاني (The Gospels in the Second Century)، لندن: ماكميلان (Macmillan)، 1876، ص 136–138.

الرباعية لتاتيان: قانون إنجيل رباعي؟

يمثّل تاتيان (Tatian)، تلميذ يوستينوس الشهيد (Justin Martyr)، نموذجًا مهمًّا لفهم وضع الأناجيل في القرن الثاني، بفضل عمله المعروف باسم الرباعية (Diatessaron).

لتحليل تفصيلي لهذه المسألة، انظر:

سي. دي. أليرت (C. D. Allert)، «حالة قانون العهد الجديد في القرن الثاني: وضع رباعية تاتيان في سياقها» (The State of the New Testament Canon in the Second Century: Putting Tatian’s Diatessaron in Perspective)، نشرة أبحاث الكتاب المقدس (Bulletin for Biblical Research)، المجلد 9 (1999): ص 1–18.

تُطلق كلمة Diatessaron على توليفة منسّقة للأناجيل الأربعة أعدّها تاتيان حوالي سنة 170م.

وقد سبق أن رأينا أنّ تقليد التوليف بين الأناجيل يسبق تاتيان، إذ استخدم أستاذه يوستينوس توليفة مشابهة.

وعلاوة على توليفة يوستينوس، هناك أدلة قوية على وجود ثلاث توليفات إنجيليّة أخرى سابقة لتاتيان.

انظر: دبليو. إل. بيترسن (W. L. Petersen)، «من يوستينوس إلى بيبس: تاريخ تقليد الأناجيل الموحّدة» (From Justin to Pepys: The History of the Harmonized Gospel Tradition)، ستوديا باترستيكا (Studia Patristica)، المجلد 30 (1997): ص 73.

أولًا، من الواضح أنّ الأناجيل القانونية نفسها، من الناحية الصارمة، هي نوع من التوليف لمصادر أقدم.

فلا يهمّ كثيرًا أيّ الأناجيل كُتب أولًا وأيّها اقتبس من الآخر؛ إذ إنّ جميع فرضيات أولوية الأناجيل تتضمّن بشكلٍ ما توليفًا لمواد سابقة.

ثانيًا، يذكر أوسابيوس (Eusebius) رجلًا يُدعى أمنيوس السكندري (Ammonius of Alexandria)، نعرف عنه القليل،

لكنّ بعض الباحثين يرونه معاصرًا لأوريجانوس (Origen) (نحو 185–نحو 254م)، وإن صحّ ذلك، فقد كان معاصرًا لتاتيان أيضًا.

ويذكر أوسابيوس أنّ أمنيوس أنشأ رباعية إنجيلية، وضع فيها إلى جانب مقاطع من متّى روايات موازية من أناجيل أخرى. [أوسابيوس، الرسالة إلى كربيانوس (Epistle to Carpianus) 1]

ثالثًا، وفقًا للقدّيس جيروم (Jerome)، ألّف ثاوفيلس الأنطاكي (Theophilus of Antioch) في أواخر القرن الثاني توليفة إنجيلية أيضًا. [جيروم، الرسالة إلى أغلازيوس (Epistle to Aglasius) 6]

إن وجود هذه التوليفات، وقَبول الكنيسة لها، يُظهر الكثير عن نظرة الكنيسة إلى الأناجيل في ذلك الوقت.

وكانت رباعية تاتيان تُعدّ الإنجيل السلطوي المُعتَمَد في الكنيسة السريانية حتى القرن الخامس.

وقد تراجعت مكانتها لاحقًا بسبب انجراف تاتيان نحو بعض مظاهر الهرطقة، وليس لأنّ المسيحيين وجدوا خللًا لاهوتيًا أو تقنيًا في التوليفة نفسها.

بل يصعب العثور على أيّ دلالة على ميول «هرطوقية» داخل الرباعية نفسها.

وقد ذكر عددٌ من آباء الكنيسة تاتيان وجماعته المعروفة بـ «الإنكراتيين» (Encratites)، ومنهم:

إيريناوس (Irenaeus)، ضدّ الهرطقات (Against Heresies) 1.28.1؛ 3.23.8، هيبوليتوس (Hippolytus)، دحض كل الهرطقات (Refutation of All Heresies) 8.9؛ 10.14، كليمان الإسكندري (Clement of Alexandria)، الستروماتا (Stromata) 13، وأوسابيوس (Eusebius)، تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History) 4.28–4.29.

ومن معتقدات الإنكراتيين: اعتبار الزواج نوعًا من الزنا، والامتناع عن أكل اللحم، وإنكار خلاص آدم، ورفض شرب الخمر.

ولا نملك أي نسخة مباشرة من الرباعية، ولهذا يجب إعادة بناء النص من خلال عدد من الشواهد.

انظر: بروس م. ميتزجر (B. M. Metzger)، النسخ المبكّرة للعهد الجديد: أصلها، انتقالها، وحدودها (The Early Versions of the New Testament: Their Origin, Transmission, and Limitations)، أوكسفورد: كلارندون (Clarendon)، 1977.

دبليو. إل. بيترسن، «رباعية تاتيان» (Tatian’s Diatessaron)، ضمن: هيلموت كوستر (Helmut Koester)، أناجيل مسيحية قديمة (Ancient Christian Gospels)، ص 408–419.

وقد استُخدم مصطلح diatessaron («من خلال الأربعة») أول مرة على توليفة تاتيان على يد أوسابيوس في القرن الرابع. [أوسابيوس، تاريخ الكنيسة 4.39.6]

ونظرًا للشهادات الواسعة على الرباعية في الشرق والغرب، جرى الادّعاء كثيرًا بأنّ هذا العنوان كان الاسم الذي أطلقه تاتيان بنفسه على عمله.

لكن لا يوجد أي دليل حقيقي يُثبت أنّ «رباعية» كان هو الاسم الذي اختاره تاتيان.

انظر: آر. بي. هانسون (R. P. Hanson)، التقليد في الكنيسة الأولى (Tradition in the Early Church)، ص 230.

فبما أنّ أول ذِكر لهذا الاسم ورد في القرن الرابع على يد أوسابيوس، فلا يمكن الجزم بأنّ الاسم يُمثّل وصفًا دقيقًا لطبيعة العمل نفسه.

بل يُحتمل أن أوسابيوس لم يرَ الوثيقة أصلًا، وبالتالي لم يكن يملك معرفة مباشرة بها.

[انظر: ج. إم. هانيمان (G. M. Hahneman)، القطعة الموراتوريّة (Muratorian Fragment), ص 98.]

وقد ساهمت ترجمة روفينوس (Rufinus) اللاتينية في ترسيخ هذا الفهم الخاطئ، إذ ترجم «Diatessaron» إلى unum ex quattuor («واحد من الأربعة»).

كذلك ينبغي النظر إلى فيكتور من كابوا (Victor of Capua)، الذي كان أسقفًا بين عامي 541–554م، والذي اكتشف مخطوطة لتوليفة إنجيلية بلا عنوان ولا اسم مؤلف.

وقد خلص إلى أنّ هذا العمل هو عمل تاتيان، لكنه لم يُسمِّه Diatessaron، بل Diapente («من خلال الخمسة»).

أما أفرام السرياني (Ephraem the Syrian) (نحو 306–373م) فقد ألّف شرحًا على الرباعية، لكنه دعاها إنجيل المختلط (بالسريانية: Euangelion da Mehallete).

وفي الترجمة السريانية لتاريخ الكنيسة لأوسابيوس التي تعود إلى القرن الرابع، شعر المترجم بالحاجة إلى شرح عنوان Diatessaron بقوله: «وهذا هو (الإنجيل) المختلط، وهو نفسه الموجود بين أيدي كثيرين إلى هذا اليوم.»

انظر: دبليو. رايت (W. Wright) ون. ماكلين (N. McLean)، محرران، تاريخ الكنيسة لأوسابيوس بالسريانية (The Ecclesiastical History of Eusebius in Syriac)، كامبريدج، المملكة المتحدة: منشورات جامعة كامبريدج، 1898، ص 423.

من الصعب قبول احتمال أن يكون تاتيان (Tatian) قد أطلق بنفسه اسم الرباعية (Diatessaron) على عمله في حدود سنة 170م، ثم لا يظهر هذا الاسم في أيّ مؤلَّف قبل كتاب تاريخ الكنيسة لأوسابيوس (Eusebius’s Ecclesiastical History)، أو أن يتلاشى استخدامه بعد ذلك.

وعناوين التوليفات المنسوبة إلى تاتيان قد تُشير أيضًا إلى عدد المصادر التي استُخدمت في إعدادها. وفي الحقيقة، لا يوجد إجماع بين الباحثين على عدد المصادر التي اعتمد عليها تاتيان.

انظر: جي. إتش. تشارلزوورث (J. H. Charlesworth)، «اعتماد تاتيان على التقاليد الأبوكريفية» (Tatian’s Dependence upon Apocryphal Traditions)، مجلة هيثروب (Heythrop Journal)، المجلد 15 (1974): ص 5–6.

ومع أنّه لا شكّ في أنّ المصادر الأساسية للـ Diatessaron كانت الأناجيل الأربعة: متّى، مرقس، لوقا، ويوحنّا، إلّا أنّ هناك مؤشّرات على وجود مصادر إضافيّة إلى جانبها.

فمثلًا، لا تتضمّن الروايات السينوبتيكية (متّى، مرقس، لوقا) لحادثة معمودية يسوع على يد يوحنّا المعمدان ذكرًا لـ «نور عظيم أشرق» بعد المعمودية، بينما نَجد هذا التفصيل في عدد من الشواهد على الرباعية.

وهذا النص يظهر في:

شرح أفرام السرياني (Ephraem’s Commentary

إشوداد المروزي (Ishodad of Merv

توليفة بيبيسيان الإنجيلية (Pepysian Harmony)، المعروفة أيضًا بإنجيل المجدلية (Magdalene Gospel

القصيدة اللاتينية فيتا ريتميكا (Vita rhythmica

ومخطوطتين لاتينيّتين قديمتين: ita (القرن 4م) وitg1 (القرن 8–9م).

للمزيد حول هذا الاختلاف النصي في رواية «النور الساطع»، راجع تعليق متّى 3:15 في:

بروس م. ميتزجر (B. M. Metzger)، تعليق نصي على العهد الجديد اليوناني (A Textual Commentary on the Greek New Testament)، الطبعة الثانية، شتوتغارت: جمعيات الكتاب المقدس المتحدة (United Bible Societies)، 1994، ص 8–9.

ونحن نعلم أن هذا التقليد نفسه مذكور لدى يوستينوس الشهيد

[الحوار مع تريفو 88.3 (Dialogue with Trypho)]

ولدى أبيفانيوس

[باناريون (Panarion) 30.13].

وقد ذكر أبيفانيوس أن هذا النص وُجد في إنجيل الأبيونيّين (Gospel of the Ebionites)، الذي فُقِد لاحقًا.

لذا، من المحتمل أن قراءة يوستينوس هذه جاءت من إنجيل الأبيونيين، والذي استخدمه تاتيان – إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر – عند تجميع الرباعية،

أو أنّ كُلًا من تاتيان وإنجيل الأبيونيين كانا يعتمدان على توليفة يوستينوس نفسها.

انظر: دبليو. إل. بيترسن (W. L. Petersen)، «رباعية تاتيان» (Tatian’s Diatessaron)، ضمن: كوستر (Koester)، أناجيل مسيحية قديمة (Ancient Christian Gospels)، ص 422–423.

لا شكّ في أن الرباعية تؤكد بوضوح سُلطة الأناجيل الأربعة؛ فلماذا تكون هذه الأناجيل الأربعة هي التي تُشكّل غالبية محتوى العمل إن لم تكن تتمتع بسلطة خاصة؟ بل يمكن القول إنّ هذا هو أول عمل أدبي معروف يعترف علنًا بسُلطة الأناجيل الأربعة.

ومع ذلك، من الخطأ الافتراض أنّ استخدام تاتيان لهذه الأناجيل الأربعة يعني بالضرورة أنّها كانت «قانونية» (Canonical) في عصره.

فكما أشار كثير من الباحثين، استخدم تاتيان هذه الأناجيل الأربعة بنفس الطريقة التي استخدم بها كتّاب الأناجيل مصادرهم: باعتبارها مادة مرجعية موثوقة، لكن دون أن يكون ذلك دالًّا على وجود قانون مغلق أو مفهوم قانوني بالمعنى الدقيق للكلمة.

إيرينايوس أسقف ليون (Irenaeus of Lyons)

يُقدَّم إيرينايوس غالبًا بوصفه تتويجًا لمرحلة في تطوّر قانون العهد الجديد في القرن الثاني.

وهذا لأسباب وجيهة، إذ نرى في إيرينايوس، ولأول مرة، أبًا كنسيًا يقتبس ويُشير إلى وثائق من العهد الجديد أكثر من وثائق العهد القديم.

ولا ينبغي أن نُغفل أهمية هذا؛

فإيرينايوس مهم هنا بسبب الحُجّة التي يستخدمها في الكتاب الثالث من مؤلفه «ضدّ الهرطقات» (Against Heresies) (حوالي سنة 180م) في الدفاع عن حصرية الأناجيل الأربعة التي نعرفها بأنها قانونية.

ويستحق هذا المقطع المهم أن يُنقل بالكامل:

«لا يمكن أن يكون عدد الأناجيل أكثر أو أقلّ مما هو عليه. لأنّه، بما أنّ هناك أربع مناطق من العالم الذي نعيش فيه، وأربع رياح رئيسية، بينما الكنيسة منتشرة في كلّ أنحاء العالم، و«عمود وأساس» الكنيسة هو الإنجيل وروح الحياة؛ فمن المناسب أن يكون لها أربعة أعمدة، تنفث الخلود من كلّ جانب، وتحيي الناس من جديد. ومن هذا يتّضح أنّ الكلمة، صانع الجميع، الجالس على الكروبيم، والمحتوي على كلّ الأشياء، الذي تجلّى للبشر، قد أعطانا الإنجيل في أربعة أوجه، لكنها موحّدة بروح واحد. كما يقول داود أيضًا، عندما يتوسل ظهوره: «يا من تجلس بين الكروبيم، أشرق». فالكروبيم أيضًا كانوا رباعيّي الوجوه، ووجوههم كانت صورًا لتدبير ابن الله. فإنّ [كما تقول الكتابة] «المخلوق الحيّ الأول كان مثل أسد»، رمزًا لفعاليته، وقيادته، وسلطانه المَلكي؛ الثاني [كان] «مثل عجل»، مشيرًا إلى [نظامه] الذبائحي والكهنوتي؛ أمّا «الثالث فكان له، كما يبدو، وجه إنسان»، —وهو وصف واضح لمجيئه كإنسان؛ «والرابع كان مثل نسر طائر»، مشيرًا إلى عطية الروح المُحلّق بجناحيه فوق الكنيسة. ولهذا فإنّ الأناجيل تتوافق مع هذه الأمور، التي يجلس المسيح يسوع في وسطها… فالمخلوقات الحيّة رباعية الشكل، والإنجيل كذلك رباعي، كما هو أيضًا المسار الذي تبعه الرب. ولهذا السبب، أُعطيت للجنس البشري أربعة عهود رئيسية: الأول، قبل الطوفان، في عهد آدم؛ الثاني، بعد الطوفان، في عهد نوح؛ الثالث، إعطاء الشريعة، في عهد موسى؛ الرابع، ذاك الذي يُجدّد الإنسان، ويُلخّص كلّ شيء في ذاته بواسطة الإنجيل… وبما أنّ الأمور هكذا، فإنّ كلّ من يُدمّر شكل الإنجيل هو باطل، وجاهل، ووقح أيضًا؛ أعني، أولئك الذين يصوّرون أوجه الإنجيل على أنّها أكثر عددًا مما سبق، أو، على العكس، أقلّ.»

إيرينايوس، «ضدّ الهرطقات» (Against Heresies) 3.11.8–9 (ANF 1:428).

هذا هو أول طرح صريح لحصرية أربعة أناجيل فقط: «الإنجيل الرباعي» (the fourfold Gospel).

ولا يشك أي من الاتجاهين في أن إيرينايوس يدافع عن حصرية الأناجيل الأربعة المعروفة لدينا بوصفها قانونية:

فهناك اتفاق على هذه النقطة الأساسية، ولا تكمن المشكلة هنا.

بل إن الإشكال يكمن في مدى انسجام تعليقات إيرينايوس مع سياقه في القرن الثاني.

هل كان إيرينايوس يمثّل الرأي المقبول والسائد، أم أنه كان يحاول إقناع الآخرين من خلال تقديم هذا البرهان الرمزي؟

وهذا أمر يجب تذكّره، لأن المسألة هنا لا تتعلق بسلطان هذه الوثائق، بل تتعلق بقانونيّتها (canonicity).

حتى لو قَبِلنا الحُجّة بأن إيرينايوس يعبّر عن حالة مقبولة أو معترف بها، فعلينا أن ندرك أن هذا القبول لم يكن شاملًا أو كونيًّا.

يمكننا الإقرار بأنه في العقود الأخيرة من القرن الثاني، كان هناك قبول واسع للأناجيل الأربعة.

لكن حتى في تلك المرحلة، ينبغي أن نتذكّر أن إنجيل يوحنا كان الإنجيل الأساسي المستخدم في آسيا الصغرى، في حين أن «رباعية» تاتيان (Tatian’s «Diatessaron») ظلّت الإنجيل السلطوي في سوريا حتى القرن الخامس.

[ماكدونالد، «سلامة قانون الكتاب المقدس» (Integrity of the Biblical Canon)، ص 117.]

الكتاب المقدّس وقاعدة الإيمان لدى إيريناوس

فيما يتعلّق باقتباسات الأناجيل لدى إيريناوس (Irenaeus)، قام كلٌّ من غراهام ستانتون (Graham Stanton) وأنيت يوشيكو ريد (Annette Yoshiko Reed) بدراسة أنماط الاقتباس في كتاباته، ووجدا أن اقتباساته للأناجيل المكتوبة ليست جميعها على المستوى نفسه من حيث الدقّة والنوعيّة.

راجع: غراهام ستانتون (Graham Stanton)، «الإنجيل الرباعي» (Fourfold Gospel)؛ أنيت يوشيكو ريد (Annette Yoshiko Reed)، «ΕΥΑΓΓΕΛΙΟΝ: الشفهيّة، والنصّيّة، والحقيقة المسيحية في ضدّ الهرطقات لإيريناوس» (“ΕΥΑΓΓΕΛΙΟΝ: Orality, Textuality, and the Christian Truth in Irenaeus’ Adversus haereses“)، فيجيليا كريستيانا (Vigiliae Christianae) 65 (2002): الصفحات 11–46.

ففي بعض الأحيان يقتبس النصوص بعناية، بينما يقتبسها في أحيان أخرى بلا دقّة تُذكر. فعلى سبيل المثال، يشير ستانتون إلى اقتباس إيريناوس لإنجيل متى 11: 27، الذي يرد بثلاث صِيغ مختلفة في كتاب ضدّ الهرطقات (Against Heresies) في الأقسام 4.6.1، 4.6.3، و4.6.7.

وفي مواضع أخرى، يقوم بدمج فقرات من إنجيلين أو أكثر بطريقة حرّة. كما يورد أقوالًا منسوبة إلى الرب مأخوذة من مصادر شفهية ومكتوبة معًا، مستخدمًا الصيغة التمهيدية: «قال الرب».

[ستانتون، «الإنجيل الرباعي» (Fourfold Gospel)، ص 321.]

وإذا ما أُخذ ذلك في ضوء المقطع الذي يدافع فيه إيريناوس عن حصرية الأناجيل القانونية الأربعة، فإن هذا يخفف من حدّة أيّ ادّعاء مطلق بشأن قانونيتها. وبعبارة أخرى، يدعونا ذلك إلى التأمّل في تصوّر إيريناوس لمفهوم “القانونية” (canonicity).

ويُجمع على نطاق واسع على أنّ استخدام مصطلح «قانون» (canon) في القرن الثاني يجب أن يُفرَّق عن استخدامه في القرن الرابع.

[ريد، «ΕΥΑΓΓΕΛΙΟΝ»، ص 13.]

لم يُستخدم مصطلح «قانون» (canon) للإشارة إلى الكتابات إلّا في القرن الرابع. ويُلاحظ هذا التحوّل لأول مرة في القرن الرابع مع أثناسيوس الإسكندري (Athanasius of Alexandria). فبعد عام 350 بوقت قصير، يشير أثناسيوس في قرارات مجمع نيقية 18 (Decrees of the Synod of Nicaea) إلى كتاب راعي هرماس (Shepherd of Hermas) على أنّه لا ينتمي إلى القانون (μὴ ὢν τοῦ κανόνος).

وفي سنة 363، أعلن مجمع لاودكية (Council of Laodicea) في القانون 59 (Canon 59) أنّه لا يجوز قراءة سوى الكتب القانونية (τὰ κανονικά) في الكنيسة، بخلاف الكتب غير القانونية (τὰ ἀκανονιστά). وقد أُعطيَت أهمية خاصة إلى الرسالة الفصحية التاسعة والثلاثين لأثناسيوس (Festal Letter 39) الصادرة عام 367، لأنها تتضمّن تحديدًا دقيقًا للسبعة والعشرين سفرًا التي نُعدّها اليوم قانونية.

ويجب وضع استخدام إيريناوس (Irenaeus) لقاعدة الإيمان (Rule of Faith) في سياقه الخاص بالقرن الثاني، إذ لم يكن مصطلح «قانون» يُشير آنذاك إلى كتاب أو إلى مجموعة مغلقة من الكتابات كما أصبح يُفهم لاحقًا.

إنّ عدم وجود صيغة موحّدة تُعبّر عن قاعدة الإيمان لدى كتّاب المسيحية الأوائل يُشير إلى أنّها لم تكن صيغة ثابتة أو عقيدة شاملة جامعة.

جي. دبليو. إتش. لامب (G. W. H. Lampe)، «اللاهوت المسيحي في العصر الآبائي» (“Christian Theology in the Patristic Period“)، ضمن كتاب تاريخ العقيدة المسيحية (A History of Christian Doctrine)، تحرير إتش. كانليف-جونز (H. Cunliffe-Jones) بالتعاون مع بي. دروِري (B. Drewery) (إدنبرة: تي أند تي كلارك [T&T Clark]، 1978)، ص 42.

بل وحتى حين يُعبّر الكاتب نفسه عن قاعدة الإيمان في الموضع نفسه، فإنه لا يفعل ذلك بالصورة ذاتها تمامًا.

الأناجيل في القرن الثاني — خلاصة

لا شكّ في أنّ الأناجيل التي نعرفها اليوم بوصفها قانونية كانت تتمتّع بسلطة في القرن الثاني. لكن هذه الأناجيل لم تكن المصدر الحصري للإيمان والتعليم في الكنيسة الأولى.

أدلّة من رسائل بولس

أقدم الكتابات المسيحية الباقية هي رسائل بولس (Paul). وهناك إجماع واسع على أنّ مجموعة (أو مجموعات) من رسائل بولس كانت متداولة بحلول نهاية القرن الأول. لكن تحديد محتوى هذه المجموعة بدقّة أمر صعب، نظرًا لعدم وضوح الاقتباسات والتلميحات في تلك الفترة. ويمكن تلمّس الدافع إلى جمع رسائل بولس حتى لديه نفسه، إذ يحثّ أهل كولوسي على تبادل الرسائل التي كتبها مع كنيسة لاودكية. [كولوسي 4: 16.]

ويشير كاتب رسالة بطرس الثانية 3: 15–16 إلى أنّ بولس كتب «في جميع رسائله». ورغم أنّ هذا لا يُعدّ إشارة صريحة إلى مجموعة محدّدة المعالم، إلا أنّه من المرجّح أن الحديث هنا يدور على الأقل حول رسالتين، ممّا يدلّ على نوع من التجميع أو الجمع. لكننا لا نُخبَر عن ماهية الوثائق التي ضمّتها تلك المجموعة.

يشير بعض آباء الكنيسة الرسوليين أو يلمّحون إلى بعض من رسائل بولس. فمثلًا، يشجّع كليمنضس الروماني (Clement of Rome) (حوالي 96 م) قرّاءه في كورنثوس قائلًا: «تناولوا رسالة بولس الرسول المبارك».

[كليمنضس، الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 47.1 (1 Clement 47.1)، سلسلة Loeb، المجلد 1، ص 89.]

ومن المرجّح أن هذه إشارة إلى الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس. وإلى جانب ذلك، تُظهر الرسالة الأولى لكليمنضس معرفة برسائل رومية، وغلاطية، وفيلبي، وأفسس، ممّا يدلّ مرّة أخرى على وجود مجموعة غير ثابتة من رسائل بولس.

ويُظهر بعض آباء الكنيسة الرسوليين المتأخّرين معرفة أوسع برسائل بولس. فكلا من إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch) (حوالي 35–107 م) وبوليكربس السُّمناوي (Polycarp of Smyrna) (حوالي 69–155 م) يتضمّن كتاباهما إشارات وتلميحات إلى أغلب رسائل بولس. ومع ذلك، لا تتضمّن اقتباسات إغناطيوس أيّة إشارة إلى تسالونيكي الثانية، أو فليمون، أو الرسائل الرعوية (Pastoral Epistles).

ويُعدّ أوّل دليل صريح وواضح على وجود مجموعة بولسية ما نجده لدى مرقيون (Marcion) في منتصف القرن الثاني. فقد شمل قانون مرقيون نسخته المحرَّرة من إنجيل لوقا، ومجموعة تُعرَف بـ«الرسائل الرسولية» (Apostolikon) تتكوّن من عشرة أسفار: غلاطية، كورنثوس الأولى والثانية، رومية، تسالونيكي الأولى والثانية، أفسس، كولوسي، فيلبي، وفليمون. ويعتقد كثيرون أن مجموعة مرقيون البولسية تستند إلى مجموعة سابقة، ممّا يُشير إلى وجود جسم بولسي (Pauline corpus) أقدم من مرقيون.

راجع: ف. ف. بروس (F. F. Bruce)، قانون الكتاب المقدّس (The Canon of Scripture)، ص 131؛ هاري غامبل (Harry Gamble)، قانون العهد الجديد (The New Testament Canon)، ص 41.

وعلى الرغم من الاتفاق الواسع على وجود مجموعة من رسائل بولس في أوائل القرن الثاني، إلا أنّ استخدام هذه المجموعة ليس موثَّقًا بشكل واضح حتى أواخر القرن الثاني. فلا أحد من المدافعين المسيحيين (Apologists) في القرن الثاني يُظهر أثرًا لرسائل بولس، ولا أحد منهم يستند صراحة إلى فكره. ولهذا السبب، فإن استخدام مرقيون والغنوصيين (Gnostics) الكبير لبولس يبدو لافتًا. ويرى كثيرون أن هذا يُفسّر إلى حدّ كبير حالة “اللامبالاة النسبية” تجاه بولس من قِبل آباء الكنيسة في القرن الثاني.

راجع: هاري غامبل (Harry Gamble)، قانون العهد الجديد (The New Testament Canon)، ص 44.

هذا الفتور قد يكون نتيجة التوتّر الذي شعر به بعض الكُتّاب بين تقدير بولس (Paul) من جهة، وبين الاستعمال الذي قام به الكتّاب غير الأرثوذكسيين لأعماله من جهة أخرى. ومع ذلك، لا يُظهر أيّ كاتب مسيحي عداوة لبولس قد تكون ناتجة عن هذا التوتّر.

تُظهر رسائل بولس نفسها مشكلتين واضحتين تعبّر عن بعض الصعوبة في التعامل معها. الأولى تُعرف باسم «مشكلة الخصوصيّة» (problem of particularity).

را. نيلز دال (Krister Stendahl)، «خصوصية رسائل بولس» (“Particularity of the Pauline Epistles“)، ص 261–271.

فكتابة بولس لرسائله إلى جماعات محدّدة وفي ظروف خاصّة تطرح تساؤلًا حول مدى صلاحيّتها للكنيسة الجامعة. أما المسألة الثانية، فقد عبّر عنها كاتب رسالة بطرس الثانية، وهي صعوبة فهم رسائل بولس. وكلتا المشكلتين كان لهما أثر في طريقة تلقّي رسائل بولس في القرن الثاني.

والرأي الراجح، بالاستناد إلى شهادات الآباء، هو أنّه في مطلع القرن الثالث كانت هناك مجموعة من ثلاث عشرة أو أربع عشرة رسالة (إذا أُدرجت الرسالة إلى العبرانيين) لبولس معروفة ومتداولة.

را. آرثر باتزيا (Arthur Patzia)، تكوين العهد الجديد (The Making of the New Testament)، ص 87.

وقد أُضيف إلى هذه المجموعة أيضًا كتاب أعمال الرسل (Acts of the Apostles)، والرسالة الأولى لبطرس (1 Peter)، والرسالة الأولى ليوحنا (1 John)، وفي بعض المناطق رؤيا يوحنا (Apocalypse of John).

مجموعة رسائل بولس في القرن الثاني

ماذا يمكننا أن نستنتج حول مجموعة بولس في القرن الثاني؟ أولًا، ينبغي أن ندرك أن الأناجيل ومجموعة بولس كانت تتداول كلٌّ على حدة، ولم يكن هناك أيّ مسعى لدمجهما في ما يُعرف لاحقًا بـ«العهد الجديد». ثانيًا، مع أنّ هناك أدلّة على جمع رسائل بولس حتى في القرن الأول، فإنّه من الصعب تحديد محتوى هذه المجموعات بدقّة. ثالثًا، إنّ مجرّد وجود نشاط جمع هذه الرسائل يُظهر أنّ الكنيسة كانت تنظر إليها بعين التقدير.

وبحلول القرن الثالث، كانت هناك مجموعة شبه محدّدة من رسائل بولس. ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ لدينا في تلك المرحلة “قانونًا مكتوبًا” بالمعنى التقني، بل لدينا مجموعة من الأدبيات يُستشهد بها وتُستخدم بفائدة كبيرة، دون وجود قوائم صريحة تحدّد بدقّة محتوى هذه المجموعة. والاستثناء المحتمل هو القطعة الموراتوريّة (Muratorian Fragment)، لكن غياب أيّ قائمة مشابهة حتى القرن الرابع ينبغي أن يجعلنا نتحفّظ عند إصدار أحكام شاملة بالاستناد إلى هذا الدليل.

علاوة على ذلك، فإنّ قبول الرسالة إلى العبرانيين (Hebrews) في بعض المناطق، ورفضها في مناطق أخرى حتى القرن الرابع، يُظهر أنّ مسألة مجموعة بولس لم تكن قد حُسمت بعد.

وضع قانون العهد الجديد في القرن الثاني

من المرجّح أن تكوين مجموعة مغلقة من الكتابات المسيحية لم يكن في صدارة اهتمام الكنيسة في القرن الثاني.

لقد كانت الكتب المقدسة تُوفّر الأساس الذي انطلقت منه كلّ التأمّلات حول البشارة. ومع نموّ هذه الكتابات المسيحية وانتشارها جغرافيًا، بدأت تُعترف بها وتُستخدم وتُقدَّر ككتب مقدسة في الكنائس.

لكن ينبغي أن نُدرك أنّ هذا النمو والانتشار لم يكونا فوريَّين — كما رأينا.

لقد كانت الكتب المقدسة ذات سلطان، لكنها كانت تمارس هذا السلطان ضمن تقليد كنسي أوسع.

٥. قائمتان مهمّتان من القرن الرابع

في تاريخ تكوين قانون العهد الجديد، يُعدّ تحديد القوائم القانونية التي وضعتها الكنيسة الأولى أمرًا مهمًا للغاية.

والسبب في ذلك أنّ هذه القوائم تُعتبَر دليلًا على وجود رغبة واعية لدى قادة الكنيسة الأولى لتشكيل قانون للعهد الجديد وإغلاقه.

وكلّما كانت القائمة أقدم، كانت الشهادة على وعي قانوني مبكر أقوى.

ومن المعروف، مع ذلك، أنّ هذا النوع من القوائم ينتمي، في معظمه، إلى القرن الرابع.

والاستثناء المحتمل الوحيد هو القطعة الموراتوريّة (Muratorian Fragment)، التي تمّت مناقشتها في الصفحات 103–108.

من المناسب إذًا أن ندرك دلالة هذه الملاحظة التاريخية من خلال طرح سؤال بسيط:

إذا كانت الكنيسة الأولى، كما يرى بعضهم، قد قامت بوعي بتكوين قانون للعهد الجديد وإغلاقه في نهاية القرن الثاني،

فلماذا بدأ ظهور القوائم القانونية يتكاثر فقط في القرن الرابع؟

تاريخ الكنيسة لأوسابيوس القيصري

صَدرت النسخة النهائية من تاريخ الكنيسة لأوسابيوس (Eusebius of Caesarea) (حوالي 260–حوالي 340 م) خلال الربع الأول من القرن الرابع، وتوثّق تاريخ الكنيسة منذ عهد المسيح إلى اهتداء الإمبراطور قسطنطين سنة 313. ونظرًا لكون هذا العمل يُعدّ أول تاريخ كنسي فعلي بعد سفر أعمال الرسل، فإن قيمته في سياق تاريخ المسيحية واضحة.

1 وبما أننا نتناول هذا الموضوع، فمِن المناسب أن نُجمِل الكتابات العائدة إلى العهد الجديد التي سبق ذكرها.

فأولًا، لا بدّ من تقديم الرباعي المقدّس من الأناجيل؛ يليها أعمال الرسل.

2 وبعد ذلك تُحصى رسائل بولس؛ ثم تليها الرسالة الأولى ليوحنا، وكذلك رسالة بطرس، ويجب الحفاظ عليهما.

بعدهما تأتي رؤيا يوحنا، إذا بدا أنّ من الملائم إدراجها، وسنذكر الآراء المختلفة بشأنها في الوقت المناسب.

3 فهذه إذًا تُعدّ من الكتابات المقبولة.

أمّا من بين الكتابات المتنازَع عليها، والتي يقرّ بها كثيرون مع ذلك، فنجد: الرسالة المعروفة باسم يعقوب، ورسالة يهوذا، وكذلك الرسالة الثانية لبطرس، واللتين تُسمّيان الرسالتين الثانية والثالثة ليوحنا، سواء كانتا من كتابة الإنجيلي نفسه أم من شخص آخر يحمل الاسم ذاته.

4 وأمّا من بين الكتابات المرفوضة، فيُعدّ من ضمنها: أعمال بولس، وما يُسمّى الراعي، ورؤيا بطرس، وإلى جانب هذه: الرسالة المعروفة للبارنابا، وما يُسمّى تعليم الرسل؛

بالإضافة إلى، كما قلت، رؤيا يوحنا، إذا كان من الملائم ذلك، إذ إنّ بعضهم، كما ذكرتُ، يرفضها، فيما يصنّفها آخرون مع الكتب المقبولة.

5 وقد أدرج بعضهم أيضًا الإنجيل بحسب العبرانيين، وهو ما يلقى ترحيبًا خاصًا لدى العبرانيين الذين قبلوا المسيح.

6 ويمكن إدراج جميع هذه ضمن الكتابات المتنازَع عليها.

ومع ذلك، شعرنا بأن من الضروري تقديم قائمة بهذه أيضًا، مميّزين فيها بين الأعمال التي تُعدّ صحيحة وأصيلة ومقبولة بحسب التقليد الكنسي، وتلك الأخرى التي، وإن لم تكن قانونية بل موضع جدل، إلّا أنّها معروفة في الوقت ذاته لمعظم الكتّاب الكنسيين.

وشعرنا بضرورة تقديم هذه القائمة لكي يتسنّى لنا أن نُدرك كلًّا من هذه الأعمال وتلك التي يستشهد بها الهراطقة تحت اسم الرسل، بما يشمل مثلًا: إنجيل بطرس، وإنجيل توما، وإنجيل متّياس، أو أيّ كتب أخرى غيرها، وأعمال أندراوس، وأعمال يوحنا، وكتابات الرسل الآخرين، وهي التي لم يعتبرها أيّ من الكتّاب الكنسيين الجديرين بالذكر في مؤلفاتهم.

7 علاوة على ذلك، فإن طابع الأسلوب الأدبي فيها يتعارض مع النمط الرسولي، كما أنّ الأفكار والهدف من مضمونها يتناقضان تمامًا مع الأرثوذكسيّة الصحيحة، ممّا يُظهر بوضوح أنها مختلقات الهراطقة.

ولذلك، فلا ينبغي تصنيفها حتى ضمن الكتابات المرفوضة، بل يجب رفضها كلّها بوصفها سخيفة وتجديفية.

أوسابيوس القيصري (Eusebius of Caesarea)، تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History)، 3، 25، 1-7.

سلسلة آباء نيقية وما بعد نيقية (NPNF 2) المجلد 1، الصفحات 155–157.

ينبغي أن نكون على بيّنة من أن أوسابيوس (Eusebius) لا يُطلق على هذه القائمة اسم «قانون» (canon). كما أشار روبينز (G. A. Robbins) بدقّة، فإن أوسابيوس يُطلق على الكتابات المقبولة في الكنيسة على امتداد كتاب تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History) أوصافًا من قبيل «عهديّة» أو «مشمولة في العهد» (covenantal أو encovenanted)، لكنه لا يستخدم مصطلح «قانون».

راجع: جي. إيه. روبينز (G. A. Robbins)، «معجم أوسابيوس لمفهوم القانونية» (“Eusebius’ Lexicon of ‘Canonicity’”)، ستوديا باتريستيكا (Studia Patristica) 15 (1993): ص 135–136.

ولذا، فإن ترجمة العبارة اليونانية «غير مشمولة في العهد» (not encovenanted) إلى «غير قانونية» (not canonical) قد تكون مضلّلة إلى حدٍّ ما.

وإذا قرأنا هذا من منظور إنجيلي في القرن الحادي والعشرين، فقد يحمل مصطلح «قانون» دلالة لم تكن حاضرة في ذهن أوسابيوس نفسه. فهو لا يستخدم كلمة «قانون» للإشارة إلى قائمته من الوثائق. ولا يمكننا أن نجزم بسبب ذلك، لكن امتناعه هذا يجب أن يدفعنا إلى التريّث في قراءة وعي قانوني صريح لديه، كما لو أنّ هذه القائمة كانت تمثّل الغاية التي كانت الكنيسة تسعى إليها.

في الواقع، يستخدم أوسابيوس كلمة «قانون» عشر مرّات في تاريخ الكنيسة، ولا يستخدمها في أيّ من هذه المواضع للدلالة على قائمة انتقائية من الكتابات المسيحية.

[المصدر نفسه، ص 136–139.]

ففي إحدى هذه المرّات، يستخدم المصطلح للإشارة إلى جداول زمنيّة (chronikois kanosin) كان قد أعدّها في مؤلّفه السابق الزمنيات (Chronicle).

[أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، الكتاب 1، الفصل 1، العدد 6.]

وثلاث مرّات يستخدم فيها المصطلح للإشارة إلى «القوانين السينوبتيكية» و«قوانين الفصح» (synoptic and paschal canons).

[المصدر نفسه، 6، 22، 1؛ 7، 20، 1؛ 7، 32، 14.]

أما المرّات الستّ الباقية، فتشير إلى ما يُعرف بـ«قانون الإيمان» (Canon of Faith).

[المصدر نفسه، 4، 23، 4؛ 6، 13، 3؛ 6، 33، 1؛ 7، 30، 6.]

وهناك موضعان (5، 28، 13؛ 6، 25، 3) يُعدّان غامضين إلى حدٍّ ما، وقد جادل روبينز بشكل مقنع بأنّهما على الأرجح يشيران أيضًا إلى قانون الإيمان.

أما بخصوص المقطع نفسه، فهناك عدّة نقاط تتطلّب الانتباه. فالنصّ يُقسّم بعض الكتابات إلى ثلاث فئات:

·       المُتَّفق عليها Homologoumena: كتابات مقبولة أو معترف بها.

·       المُختلف عليها Antilegomena: كتابات مختلف عليها، ولكنها معروفة أو معترف بها من قِبل كثيرين.

·       الهرطوقية: كتابات مرفوضة بوصفها هرطوقية.

الكتابات المقبولة، أو المعترَف بها (Homologoumena)

من بين الكتابات المعترَف بها والمقبولة، يَعدّ أوسابيوس (Eusebius) الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، ورسائل بولس، والرسالة الأولى ليوحنا، والرسالة الأولى لبطرس، وسفر الرؤيا.

ولا يذكر أسماء رسائل بولس على وجه التحديد، لكن من شبه المؤكّد أنها تشمل: رومية، كورنثوس الأولى والثانية، غلاطية، أفسس، فيلبي، كولوسي، تسالونيكي الأولى والثانية، تيموثاوس الأولى والثانية، تيطس، وفليمون.

وكون أوسابيوس لا يرى حاجة إلى تعدادها، يدلّ على مكانة هذه المجموعة في مطلع القرن الرابع باعتبارها راسخة.

لكن تبقى مسألة مكانة الرسالة إلى العبرانيين (Hebrews) قائمة. فهذه الرسالة لا تُذكر باسمها ضمن أيّ من الفئات، ومع ذلك فهي وثيقة معروفة في الكنيسة.

ويمكننا أن نستنتج بقدر كبير من الاطمئنان أنّ العبرانيين مدرَجة ضمن رسائل بولس، استنادًا إلى ما قاله أوسابيوس في وقت سابق من الكتاب الثالث:

«إن رسائل بولس الأربع عشرة معروفة جيدًا وغير موضع نزاع.

وليس من الصواب التغاضي عن حقيقة أنّ بعضهم قد رفض الرسالة إلى العبرانيين، قائلين إن كنيسة رومية تشكّك فيها، على أساس أنها لم تُكتَب من قِبل بولس.

أما ما قيل بشأن هذه الرسالة من قِبل الذين سبقونا فسأنقله في الموضع المناسب.

وفيما يخصّ ما يُعرف بأعمال بولس، فإنني لم أجدها بين الكتابات غير المختلف عليها.»

أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 3، 3، 4–5 (NPNF 2، 1:134).

لقد كانت للرسالة إلى العبرانيين قصة فريدة في تاريخ الكنيسة الأولى.

ففي القرن الثاني، لم تُبدِ الكنيسة الغربية اهتمامًا يُذكَر بها. ويخبرنا أوسابيوس نفسه أن كليمنضس الروماني استخدم الرسالة،

لكن هذا النصّ لا يحتوي على اقتباسات صريحة منها.

[المصدر نفسه، 3، 38، 1؛ راجع أيضًا المواضع التي يُظهر فيها كليمنضس الأول اطّلاعًا ممكنًا على بعض مقاطع الرسالة إلى العبرانيين:

كليمنضس الأول 9 ~ العبرانيين 11: 5 (راجع تكوين 5: 24)

كليمنضس الأول 10 ~ العبرانيين 11: 17 (راجع تكوين 22: 1–10)

كليمنضس الأول 17 ~ العبرانيين 11: 37؛ 3: 2 (راجع العدد 12: 7)

كليمنضس الأول 21 ~ العبرانيين 13: 17 (راجع تسالونيكي الأولى 5: 12–15)

كليمنضس الأول 23 ~ العبرانيين 10: 37 (راجع حبقوق 2: 3)

كليمنضس الأول 43 ~ العبرانيين 3: 5 (راجع العدد 12: 7)

راجع: هـ. هانِمان (Hahneman)، القطعة الموراتورية (Muratorian Fragment)، ص 119.

ويذكر أوسابيوس أيضًا أن إيريناوس (Irenaeus) قد استشهد بها،

لكن الدليل، كما في حالة كليمنضس، غير قاطع.

[أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 5، 25؛ راجع أيضًا إيريناوس، ضد الهرطقات (Against Heresies) 2، 30، 9؛ 3، 6، 5؛ 4، 17، 1؛ 5، 32، 2.]

في الكنيسة الغربية، لم تُقبَل الرسالة إلى العبرانيين عمومًا حتى أواخر القرن الرابع.

فلم يكن هناك شك كبير حول هوية المؤلِّف فحسب، بل كانت هناك أيضًا قضايا لاهوتية ساهمت في تعميق هذا الشك.

وقد أشار هاري غامبل (Harry Gamble) في كتابه قانون العهد الجديد (New Testament Canon، ص 52) إلى أن هذه التحفّظات اللاهوتية «أثارت تساؤلات حول نسب الرسالة إلى بولس».

 

التعليم الظاهر في الرسالة إلى العبرانيين، والذي يُفهم منه أن الخطايا لا تُغفر بعد المعمودية،

كان يجذب المتشدّدين أخلاقيًا مثل ترتليان (Tertullian) وأتباع مونتانوس (Montanists).

[عبرانيين 6: 4–8؛ 10: 26–31؛ 12: 14–17.]

لكن هذا التوجّه لم يكن منسجمًا مع المفاهيم والممارسات التوبويّة (penitential) المتطوّرة في الكنيسة الغربية خلال القرنين الثاني والثالث.

لذلك، فقد سقطت العبرانيين في الغرب في دائرة الشكّ وعدم القَبول، حتى أواخر القرن الرابع.

أما في الشرق، فكان الوضع مختلفًا تمامًا، إذ تمّ قبولها في وقت مبكر نسبيًا.

ولذلك، فليس من المستغرَب أن يدرج أوسابيوس الرسالة إلى العبرانيين ضمن رسائل بولس، جاعلًا عددها أربع عشرة رسالة.

سفر رؤيا يوحنا (The Apocalypse of John) يتطلّب أيضًا بعض التعليق.

ولا ينبغي أن يُدهشنا أن إدراج رؤيا يوحنا استدعى توضيحًا، نظرًا لوضعها في الكنيسة الشرقية.

فمع أنها كُتبت في أواخر القرن الأول، فإن أول شاهد مباشر لها هو يوستينوس الشهيد (Justin Martyr) في منتصف القرن الثاني.

[يوستينوس، الحوار مع تريفو (Dialogue with Trypho)، 81.15.]

وبعد يوستينوس، يستشهد كلٌّ من إيريناوس (Irenaeus) وترتليان (Tertullian) بسفر الرؤيا على نطاق واسع، مما يدلّ على قبوله الواسع في الغرب بحلول نهاية القرن الثاني.

أما في الشرق، فالقصة مختلفة.

يُخبرنا أوسابيوس أن ميليتو السرديسي (Melito of Sardis) (توفّي نحو 190) كتب تفسيرًا للرؤيا، وأن ثيوفيلس الأنطاكي (Theophilus of Antioch) (أواخر القرن الثاني) اقتبس منها.

[أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 4، 24، 1.]

وباستثناء ذلك، لا يوجد من استعمل سفر الرؤيا في الشرق.

[أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 4، 26، 2 — وهذا التفسير غير محفوظ اليوم.]

يوجد وثيقتان تقدّمان لنا معلومات مثيرة حول رؤيا يوحنا، واحدة تخصّ الغرب، والأخرى الشرق.

في الغرب، لدينا ردود على غايوس (Points against Gaius) من تأليف هيبوليتوس الرومي (Hippolytus of Rome) (حوالي 170–حوالي 236).

المعلومات حول هاتين الوثيقتين مستندة إلى: هاري غامبل (Harry Gamble)، قانون العهد الجديد (New Testament Canon)، ص 51–52.

كتب هيبوليتوس هذا العمل ردًا على غايوس، أحد رجال الكنيسة في رومية،

الذي كان قد ألّف وثيقة بعنوان الحوار مع بروكلوس (Dialogue with Proclus) في مطلع القرن الثالث، سعى فيها إلى دحض تعليم المونتانيّ بروكلوس (Proclus).

احتوت وثيقة غايوس على نقد تاريخي وأدبي لكلٍّ من إنجيل يوحنا ورؤيا يوحنا.

وانطلاقًا من هذا النقد، خلص غايوس إلى أنّ كاتب الإنجيل لا يمكن أن يكون كاتب الرؤيا ذاته،

فأنكر بذلك أصالة الوثيقتين وسلطانهما.

وقد استُخدمت هذه الحُجّة من قبل غايوس لتقويض حجج المونتانيين الذين كانوا يستندون إلى هذين السفرين.

أما هيبوليتوس، فقد كتب ردود على غايوس لدحض انتقادات غايوس لهذه الكتب.

ونجاحه يبدو واضحًا من حقيقة أن إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا قُبِلا لاحقًا في الغرب.

لكن هذا الجدل يُشير إلى أنّ أيًّا من السفرين لم يكن راسخًا في الكنيسة الغربية في القرن الثالث لدرجة تمنع رفضه حتى من قبل كاتب أرثوذكسي مثل غايوس.

في الشرق، كتب ديونيسيوس الإسكندري (Dionysius of Alexandria) (توفّي نحو 264) عملًا بعنوان حول الوعود (On Promises) نحو منتصف القرن الثالث.

يورد أوسابيوس خلفيّات هذه الوثيقة ويقتبس منها، مع أنّها لم تَصِلنا، في تاريخ الكنيسة، 7، 24–25.

دافع ديونيسيوس عن القراءة الرمزية لسفر الرؤيا، وذلك ردًا على كتاب دحض المجازيين (Refutation of the Allegorists)، من تأليف نيبوس (Nepos) من مدينة أرسينوي (Arsinoe) الواقعة على الضفة الغربية للنيل جنوب غرب منف.

ويخبرنا أوسابيوس أن نيبوس حاول أن يُثبت رأيه الشخصي من خلال استخدام رؤيا يوحنا.

وقد فَهِم نيبوس السفر فَهمًا حرفيًا، وهو ما دعمه في تبنّيه لأفكار مِلينيّة (millennial).

سعى ديونيسيوس إلى نقض هذه القراءة، مفضّلًا التفسير المجازي للنص.

وقد شارك ديونيسيوس شكوك الغرب ذاتها بشأن نسبة السفر، لكنه لم يرفض قبوله على هذا الأساس.

وقد صرّح قائلًا:

«لكني لا أجرؤ على رفض هذا السفر، إذ إن كثيرًا من الإخوة يُجلّونه كثيرًا. وأعتقد أنه يتجاوز فهمي، وأنّ هناك معنًى أعمق وأعجب مختبئ في كلّ جزء منه. فعندما لا أفهم، أشكّ في أن يكون هناك مستوى أعمق من المعنى تحت الكلمات. لا أقيس النص بعقلي ولا أحكم عليه بفهمي، بل أُسلّم بالأمر للإيمان، وأعتبره أرفع من إدراكي. وأنا لا أرفض ما لا أفهمه، بل أتعجّب لأنني لا أفهمه.»

أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 7، 25، 4–5 (NPNF 2، 1:309).

وهكذا، فإن ديونيسيوس (Dionysius)، على الرغم من تساؤلاته حول نسبة السفر وصعوبته النصّية، ظلّ يقبل سفر الرؤيا (Revelation).

لكنّ عمله حول الوعود (On Promises) أدّى في نهاية المطاف إلى تقويض ما تبقّى من حضورٍ للرؤيا في الشرق، إذ إن الكتّاب الذين جاؤوا بعد ديونيسيوس عادةً ما رفضوا هذا السفر.

ولذلك، لا يُفاجئنا أن يشير أوسابيوس (Eusebius) إلى وجود آراء متباينة بشأن رؤيا يوحنا، وأنه يعتزم لاحقًا التوسّع في هذه الآراء، حول ما إذا كان ينبغي إدراج هذا السفر ضمن الكتابات المقبولة.

وثمّة سبب آخر محتمل لهذا التباين في الآراء حول رؤيا يوحنا، وهو تراجُع شعبية الفكر الألفي (millennialism) في القرن الرابع.

راجع الفصل المفيد الذي كتبه ج. ن. د. كيلي (J. N. D. Kelly) عن الإِسْكاتولوجيا في كتابه اللاهوت المسيحي المبكر (Early Christian Doctrines)، الطبعة المنقّحة (سان فرانسيسكو: هاربر [Harper]، 1978)، ص 439–489، وخاصة ص 479–485.

وفي هذا السياق، يرى بعضهم أن سفر الرؤيا يجب أن يُدرَج ضمن فئة الكتابات المرفوضة.

ولا يُمكن الجزم إلى أيّ من الرأيين يميل أوسابيوس، لكن هذا يُظهر بوضوح وجود مرونة في التعامل مع بعض النصوص — حتى في القرن الرابع — وهي نصوص أصبحت لاحقًا قانونية.

وبحسب حساب أوسابيوس، فإن عدد الأسفار المقبولة (Homologoumena) هو إما واحد وعشرون أو اثنان وعشرون، وذلك حسب الموقف من سفر الرؤيا.

الكتابات المختلف عليها، أو المتنازَع فيها (Antilegomena)

هذه الفئة الثانية شكّلت تحديًا لدارسي قانون الكتاب المقدّس.

(أستند هنا إلى إي. آر. كالين (E. R. Kalin)، «قانون العهد الجديد عند أوسابيوس» (“The New Testament Canon of Eusebius“)، ضمن: ماكدونالد وساندرز (McDonald and Sanders)، نقاش القانون (The Canon Debate)، ص 392–397.)

تكمُن الصعوبة في استخدام المصطلحين اليونانيين:

· Antilegomena (في 3، 25، 3) = «المختلف عليها» أو «المتنازَع عليها»

· Notha (في 3، 25، 4) = «المرفوضة» أو «المزوّرة»

يرى بعض الباحثين أنّ هذين المصطلحين مترادفان،

بينما يرى آخرون أنهما يُشيران إلى فئتين مختلفتين.

ولو صحّ القول بالفصل بينهما، فإن ذلك يعني تقسيم المقطع إلى أربع فئات:

· المعترف بها (Homologoumena)

· المختلف عليها (Antilegomena)

· المزوّرة (Notha)

· الهرطوقية (Heretical)

راجع: بروس متزجر (Bruce Metzger)، قانون العهد الجديد (Canon of the New Testament)، ص 205.

لكن، هل هناك ما يُبرّر هذا التقسيم؟

أم أن مصطلحي antilegomena وnotha مترادفان في جوهرهما؟

يرجّح كالين أن الكلمتين تعبّران عن المفهوم ذاته.

[كالين، «قانون أوسابيوس»، ص 394–397.]

السبب الأول هو ما يقوله أوسابيوس في 3، 25، 6 عند ختام هذه الفئة:

«ويمكن عدّ جميع هذه ضمن الكتب المختلف عليها.»

وهذا يدلّ على أن جميع الكتب المذكورة من رسالة يعقوب إلى الإنجيل بحسب العبرانيين

تندرج ضمن فئة واحدة، هي فئة الكتابات المختلف عليها.

السبب الثاني هو استخدام أوسابيوس لأداة الربط اليونانية kai («وأيضًا») في 3، 25، 4:

«ويجب أيضًا عدّ أعمال بولس ضمن الكتابات المرفوضة…»

والترجمات الإنجليزية عادةً ما تُهمل هذه الكلمة «أيضًا» (also)، لكنها تُشير إلى أنّ الكتابات الموصوفة بأنها notha قد تكون أيضًا مشمولة ضمن antilegomena.

السبب الثالث هو خلاصة أوسابيوس في 3، 31، 6، التي جاء فيها:

«لقد عرضنا في هذه الصفحات ما وصل إلينا من معرفة بشأن الرسل أنفسهم وعصرهم، وبشأن الكتابات المقدسة التي تركوها لنا [= المعترف بها]، وكذلك بشأن ما هو مختلف عليه، ولكن مع ذلك استُخدم علنًا من قِبل كثيرين في عدد كبير من الكنائس [= المختلف عليها/المرفوضة]، وبالإضافة إلى ذلك، ما هو مرفوض تمامًا ومناقض للأرثوذكسيّة الرسوليّة [= الكتابات الهرطوقية].» [NPNF 2، 1:163.]

في هذا المقطع — الذي يلخّص ما ورد في المقطع موضوع النقاش — يُقسّم أوسابيوس الكتابات إلى ثلاث فئات فقط، مما يدعم الرأي القائل إن antilegomena و notha ليستا فئتين منفصلتين، بل تعبّران عن فئة واحدة من الكتابات المتنازَع عليها.

وهكذا، في هذه الفئة الوسطى من الكتابات المختلف عليها (3، 25، 3–3، 25، 6)، يُدرج أوسابيوس (Eusebius) الكتب التالية:

رسالة يعقوب، ويهوذا، وبطرس الثانية، ويوحنا الثانية والثالثة، أعمال بولس، والراعي لهرماس، ورؤيا بطرس، ورسالة برنابا، وتعليم الرسل الاثني عشر (الديداخي).

وبعد هذا السرد، يُدلي أوسابيوس بتعليقه حول سفر الرؤيا (وقد تمّت مناقشته أعلاه)، ثم يُضيف تعليقًا حول الإنجيل بحسب العبرانيين.

ويُختَتم هذا القسم بالعبارة: «ويمكن عدّ جميع هذه ضمن الكتب المختلف عليها» (3، 25، 6). الكتابات المرفوضة (الهرطوقية)

من بين الكتابات المرفوضة أو الهرطوقية، يذكر أوسابيوس:

إنجيل بطرس، وإنجيل توما، وإنجيل متّياس، بالإضافة إلى أعمال أندراوس، وأعمال يوحنا، وأعمال الرسل الآخرين.

ومن الأعمال الأخرى المشهورة منذ القرن الثاني فصاعدًا:

أعمال بولس وثيكلَة، وأعمال بطرس، وأعمال توما.

كانت مسألة الأصالة مهمّة لأوسابيوس في هذا السياق.

فقد أشار إلى أنّ هذه الوثائق قد «استشهد بها الهراطقة تحت اسم الرسل»،

لكن لم يُستشهد بها من قِبل الكتّاب الكنسيّين.

وبعد أن فصّل في فئة antilegomena/notha، يقول أوسابيوس في 3، 25، 6 إنه سرد هذه الوثائق لكي يميّز: «ما يُعدّ بحسب التقليد الكنسيّ صحيحًا وأصيلًا ومقبولًا عمومًا، عن تلك التي، رغم كونها غير قانونية ومثار جدل، فإنها معروفة لمعظم الكتّاب الكنسيّين.»

التمييز هنا واضح بين فئة المعترف بها (homologoumena / endiathēkous) وفئة المختلف عليها (antilegomena / ouk endiathēkous)، وهما فئتان متقابلتان بوضوح في تصنيف أوسابيوس.

وبناءً عليه، يُطرَح السؤال:

لماذا يُعتبَر قانون أوسابيوس مشتمِلًا على الكتب المعترف بها مضافًا إليها «الأفضل» من الكتب المختلف عليها، مع أن هناك تباينًا ظاهرًا بين الفئتين في تصنيفه؟

راجع: إي. آر. كالين (E. R. Kalin)، «قانون أوسابيوس» (“Canon of Eusebius“)، ص 398.

هذا الالتباس يظهر مثلًا في الجدول الذي وضعه متزغر (Metzger) للمقطع الأوسابيوسي.

راجع: بروس متزجر (Bruce Metzger)، قانون العهد الجديد (Canon of the New Testament)، ص 205.

من المهم أيضًا الإشارة إلى استخدام أوسابيوس للفعل homologeō («يوافق» أو «يعترف» به) في السطر الثالث من المقطع.

فهو يستخدمه بصيغة المجهول، التي تعني عادة: «تمّت الموافقة عليه» أو «أُقِرّ بالإجماع».

والمقصود بـ«الإجماع» هنا هو تقليد الكنيسة.

وفي موضع لاحق من تاريخ الكنيسة (5، 8، 1)، يؤكّد أوسابيوس هذا المعنى:

«فبما أننا وعدنا، في بداية هذا العمل، بأن نورد — حين تدعو الحاجة — أقوال الشيوخ القدامى وكتّاب الكنيسة، التي أعلنوا فيها التقاليد التي وصلت إليهم بشأن الكتب القانونية…»

راجع: كالين، «قانون أوسابيوس»، ص 391.

هناك نتيجتان مهمّتان تنبثق من هذا النقاش السابق:

أولًا، علينا أن نُدرك أهمية الكنيسة في القائمة التي جمعها أوسابيوس.

بعبارة أدق، تمثّل قائمة أوسابيوس محطة بارزة في مسار تقنين الكتاب المقدّس، وهو المسار الذي أدّى فيه التقليد الكنسيّ دورًا جوهريًا.

لم يكن أوسابيوس، في هذا الموضع، يقدّم آراءه الشخصية بشأن وضع بعض الوثائق في الكنيسة.

ويبدو أن تردّده في اتخاذ موقف حاسم من سفر الرؤيا يُمثّل دليلًا جيدًا على ذلك.

أخلصُ إلى أن فئة الكتب المختلف عليها (antilegomena) لا ينبغي فصلها عن فئة الكتب المرفوضة (notha)، وأن هناك تمييزًا واضحًا بين هذه الفئة وفئة الكتب المعترف بها (homologoumena).

فالفئة الأخيرة وحدها هي التي تُعدّ «عهديّة» (encovenanted).

وهذا يُظهر أن أيّ قانون للعهد الجديد يمكن الحديث عنه في مطلع القرن الرابع لم يكن مكتملًا، ولا يمكن اعتباره قانونًا بالمعنى الذي نفهمه اليوم.

تكوّنت هذه المجموعة من واحد وعشرين أو اثنين وعشرين وثيقة، بحسب وضع سفر رؤيا يوحنا.

أما وضع بعض الوثائق التي نعدّها اليوم قانونية — مثل يعقوب، ويهوذا، وبطرس الثانية، ويوحنا الثانية والثالثة، والرؤيا — فكان لا يزال غير مستقر.

ولذا، ففي مطلع القرن الرابع، نجد بالفعل جسدًا من الكتابات المسيحية قد بلغ مكانة فريدة، لكن هذا الجسد لا يزال مفتوحًا على الإضافة.

ولا يوجد سبب واضح لماذا لم تكن الإضافة، مثلًا، تعليم الرسل (الديداخي)، بدلًا من أن تكون رسالة يعقوب.

الرسالة الفصحية 39 لأثناسيوس والقوائم اللاحقة

يخبرنا أثناسيوس (Athanasius) أن السببَين الرئيسين اللذين استوجبا عقد مجمع نيقية عام 325 كانا الجدل الأريوسي وتحديد موعد عيد الفصح.

انظر: أثناسيوس، الرسالة إلى أساقفة أفريقيا 2 (NPNF 2 4:490).

في نيقية، تمّ حسم جدلٍ يعود إلى زمن إيريناوس (Irenaeus).

للمزيد عن ما يُعرف بجدل القمر الرابع (Quartodeciman controversy)، يُنظر: يوسابيوس (Eusebius)، التاريخ الكنسي، الفصول 23–25.

لسنا هنا بحاجة للخوض في تفاصيل هذا الجدل، غير أنه نتيجةً لمقررات نيقية، أوكل إلى أساقفة الإسكندرية تحديد تاريخ عيد الفصح عبر رسالة فصحية، تفاديًا لأي جدل حول موعد الاحتفال به. وخلال خدمته الحافلة كأسقف على الإسكندرية (328–373)، كتب أثناسيوس خمسًا وأربعين رسالة فصحية من هذا النوع. وقد كان تحديد هذا التاريخ أمرًا مهمًا للكنيسة، إذ إن سائر الأعياد المسيحية كانت تُحسب بناءً عليه. ومن ثمّ، كان من الطبيعي أن تُستغلّ مناسبة هذه الرسائل لمعالجة قضايا أخرى تهمّ الأسقف.

وأشهر هذه الرسائل الفصحية الخمس والأربعين هي الرسالة التاسعة والثلاثون، التي كتبها أثناسيوس عام 367. وقد استغلّ أثناسيوس هذه المناسبة ليقدّم قائمة بالكتب التي «تندرج ضمن قانون الكتاب المقدس»، وأخرى «لا تندرج ضمنه»:

“ومرةً أخرى [بعد تعداد كتب العهد القديم] لا يثقل علينا أن نذكر كتب العهد الجديد. وهي الأناجيل الأربعة، بحسب متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا. ثم أعمال الرسل، والرسائل الجامعة (Catholic Epistles)، وهي سبع: رسالة يعقوب واحدة، ورسالتان لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا، وبعدها رسالة ليهوذا. بالإضافة إلى ذلك، هناك أربع عشرة رسالة لبولس، مرتّبة على النحو التالي: الأولى إلى أهل رومية؛ ثم اثنتان إلى أهل كورنثوس؛ وبعدهما إلى أهل غلاطية؛ ثم إلى أهل أفسس؛ ثم إلى أهل فيلبي؛ ثم إلى أهل كولوسي؛ وبعدها رسالتان إلى أهل تسالونيكي، ثم تلك إلى العبرانيين؛ ومجددًا، رسالتان إلى تيموثاوس؛ وواحدة إلى تيطس؛ وأخيرًا تلك إلى فليمون. وأيضًا، سفر رؤيا يوحنا. هذه هي ينابيع الخلاص، التي يمكن للظامئين أن يرووا عطشهم من كلماتها الحية. ففي هذه وحدها تُعلَن تعاليم التقوى. فلا يضفنّ أحدٌ شيئًا إليها، ولا ليُنقِص منها. فحول هذه الكتب وبّخ الربّ الصدوقيين قائلاً: ‘تضلّون إذ لا تعرفون الكتب.’ ووبّخ اليهود أيضًا بقوله: ‘فتّشوا الكتب، لأنّها هي التي تشهد لي.’

لكن، ومن باب الدقة، أضيف هذا أيضًا، إذ لا بد من توضيحه: هناك كتب أخرى غير داخلة في القانون، لكنها عُيّنت من قِبل الآباء لتُقرأ من الذين ينضمون حديثًا إلينا، والذين يرغبون بالتعلّم في كلمة التقوى. وهي: حكمة سليمان، وحكمة يشوع بن سيراخ، وأستير، ويهوذا، وطوبيا، وما يُسمّى بـ تعليم الرسل (Didache)، والراعي (The Shepherd). أما الكتب الأولى، يا إخوتي، فهي التي تندرج ضمن القانون؛ وأما الثانية فليست إلا للقراءة؛ وليس فيها ذكر لأي من الكتابات الأبوكريفية. فتلك الأخيرة هي من اختراع الهراطقة، يكتبونها متى شاءوا، ويمنحونها سلطةً ما، ويحددون لها زمنًا، لكي—وبتقديمها كأنها كتابات قديمة—يجدوا سبيلاً ليُضلّوا البسطاء.”

المصدر: NPNF 2 4:551–552.

النص اليوناني في: ثيرون (Theron)، شهادة التقليد (Evidence of Tradition)، ص 118.

تُعتبَر هذه القائمة التي تعود إلى أواخر القرن الرابع أول مناسبة يُعلَن فيها عن نطاق قانون العهد الجديد بوصفه يتكوّن تحديدًا من السبعة والعشرين سفرًا المقبولة اليوم كأسفار قانونية، دون التمييز بينها من حيث الدرجة أو المكانة. ويُنسب إلى أثناسيوس أنّه أوّل من استخدم مصطلح «قانون» (canon) للإشارة إلى مجموعة مغلقة من الكتابات.

ويرى بعض الباحثين أن أوريجانس الإسكندري هو أوّل من فعل ذلك، لكن—as يشرح بروس (Bruce) في كتابه قانون الكتاب المقدّس (The Canon of Scripture، ص 77)—فإنّ القسم الأكبر من كتابات أوريجانس (نحو 185 – نحو 254) وصلنا عبر ترجمات لاتينية، وهي بمعظمها من عمل روفينوس الأكوِيلي (Rufinus of Aquileia) (نحو 345–410). وبما أن روفينوس عمد إلى تكييف لغة أوريجانس بما يتوافق مع الأرثوذكسية والمصطلحات اللاهوتية في زمن لاحق، فمن المرجّح جدًا أن أوريجانس لم يستخدم كلمة «قانون» (canon) للإشارة إلى مجموعة مغلقة من الوثائق المسيحية.

نلاحظ هنا أن التقسيم الثلاثي الذي استخدمه يوسابيوس غير معتمد. بل إنّ أثناسيوس يكتفي بالتمييز بين ما هو «قانوني» و«غير قانوني». ومع ذلك، هناك نوع من الفئة الوسطى التي تشمل كتبًا «ليست مدرَجة في القانون» ولكنها «عُيّنت من قِبل الآباء لتُقرأ على الذين ينضمون إلينا حديثًا، والذين يرغبون في التعلُّم في كلمة التقوى».

كانت الليتورجيا تمثّل التجمع الرئيسي لشعب الله من أجل الاحتفال، والتذكُّر، والتجديد. وفي هذا السياق، كانت الأسفار المقدّسة تُتلى على الملأ. وللمزيد حول هذا الموضوع، انظر: سي. جونز، وجي. وينرايت، وإي. يارنولد (تحرير)، دراسة الليتورجيا (The Study of the Liturgy) (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 1978)؛ وبي. روسّو، باسيليوس القيصري (Basil of Caesarea) (بركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1994)، ص 127–131.

ومع ذلك، تبقى الأسفار السبعة والعشرون المدرَجة في قائمة الكتب القانونية هي «ينابيع الخلاص»، وفيها وحدها «تُعلَن عقيدة التقوى».

وفي عام 397، أي بعد ثلاثين عامًا فقط من رسالة العيد رقم 39 لأثناسيوس، وتحت تأثير أوغسطينوس الهِبُّي، توصّل مجمع قرطاج الثالث إلى استنتاج مشابه، وإن كان بترتيب مختلف:

«وقد بدا حسنًا ألا يُتلى في الكنيسة تحت اسم الكتابات الإلهية إلا ما هو من الكتابات القانونية (scripturas canonicas). وهذه هي الأسفار: [تليها قائمة بأسفار العهد القديم]

وأما العهد الجديد:

الأناجيل الأربعة؛

سفر أعمال الرسل الواحد؛

ثلاث عشرة رسالة لبولس الرسول؛

ومن تأليف بولس أيضًا: رسالة واحدة إلى العبرانيين؛

رسالتان لبطرس الرسول؛

ثلاث رسائل ليوحنا؛

رسالة واحدة ليعقوب؛

رسالة واحدة ليهوذا؛

رؤيا يوحنا – كتاب واحد.

ومع ذلك، فليُسمح بأن تُتلى روايات آلام الشهداء في مناسبات الاحتفال بذكراهم.»

القانون 47. الترجمة الإنجليزية للنص اللاتيني مأخوذة من: ثيرون، أدلّة التقليد (Evidence of Tradition)، ص 126–127.

صحيح أنّ المسيحية الغربية تبنّت قانونًا مغلقًا للعهد الجديد يتكوّن من سبعةٍ وعشرين سفرًا في وقت أبكر بكثير من الكنيسة الشرقية، لكن ينبغي أن نفهم أنّ مجمع قرطاج لم يكن سوى مجمع محلي غربي. فالمجامع، سواء كانت محلية أم إقليمية، كانت تميل إلى تثبيت وتأكيد الممارسات الكنسية القائمة أكثر من كونها تصدر قرارات ملزمة أو تمارس سلطة نافذة.

وهذا يعني أنّ مجمع قرطاج، بصفته مجمعًا محليًا في الغرب، يُحتمل أن يكون انعكاسًا لممارسات الكنيسة في قرطاج ومحيطها، لا أكثر، ولا يُفترض به أن يؤثّر بالضرورة على مناطق أخرى—even داخل الغرب نفسه.

وبما أن قرارات المجامع تعكس الممارسة الكنسية، فإنّ حقيقة عدم قيام أي مجمع مسكوني بتقنين حدود قانون الأسفار تُعَدّ ملاحظةً مهمّة.

كما أُشير سابقًا في هذا الفصل، فإنّ الكنيسة الشرقية تأخّرت كثيرًا في الوصول إلى مستوى الوحدة ذاته الذي بلغته الكنيسة الغربية. ومن المؤكّد أنّ رسالة العيد الصادرة عن أسقف الإسكندرية، أثناسيوس، والذي كان يتمتّع بمكانة رفيعة، كان لها تأثير واسع النطاق. غير أنّه ينبغي أن نتساءل عن مدى انتشار هذا التأثير فعليًا، لا سيّما عندما نعلم أنّ سفر رؤيا يوحنا—الذي قبله أثناسيوس ضمن القانون—غير مدرج في القائمة التي قدّمها معاصره غريغوريوس النزينزي (نحو 329–نحو 389). وقد اختتم غريغوريوس قائمته التي تضم ستة وعشرين سفرًا بالقول: «[في هذه] تجد كل شيء. وأما ما عداها، فليس من الكتب الصحيحة.»

غريغوريوس النزينزي، القصائد (Poems) 1.12.5–6. الترجمة عن: متزجر، قانون العهد الجديد (Canon of the New Testament)، ص 212.

ونحن نعلم أنّ غريغوريوس كان يعرف سفر الرؤيا ويقتبس منه، ومع ذلك اختار عدم إدراجه ضمن قائمته، التي تُعد معاصرة لقائمة أثناسيوس.

أما ديديموس الإسكندري (ديديموس الضرير؛ نحو 333–398)، الذي عيّنه أثناسيوس بنفسه رئيسًا للمدرسة التعليمية في الإسكندرية، فلم يقدّم قائمة محددة بأسفار العهد الجديد، رغم أنه عاش أكثر من خمسٍ وعشرين سنة بعد وفاة أثناسيوس. ويمكن تفسير هذا الصمت بأنّ قانون أثناسيوس حسم المسألة في مصر. غير أنّ ديديموس لا يذكر الرسالتين الثانية والثالثة ليوحنا، ويُشير إلى الأولى منها بعبارة «رسالة يوحنا»، مما قد يدلّ على أنه يقبل فقط الرسالة الأولى من بين الثلاث. كما يؤكّد أنّ رسالة بطرس الثانية هي رسالة مزيّفة، وإنْ كانت لا تزال تُقرأ في الكنيسة، لكنها ليست من القانون. وإضافة إلى ذلك، لا يزال يقتبس من عدد من آباء الكنيسة الرسوليين بوصفهم مصادر موثوقة.

انظر: ب. إيرمان، «قانون العهد الجديد عند ديديموس الضرير» (“The New Testament Canon of Didymus the Blind”)، فيجيليا كريستيانا (Vigiliae Christianae) 37 (1983): ص 1–21.

أسقف شرقي آخر عاش بعد أثناسيوس هو أمفيولوخيوس الأيقوني (Amphilochius of Iconium؛ توفي بعد 394)، وقد قدّم بدوره قائمة بأسفار العهد الجديد.

وردت هذه القائمة ضمن قصيدة عنوانها أبيات يامبية إلى سلوكس (Iambics for Seleucus)، وتُوجد في: غريغوريوس النزينزي، القصائد (Poems) 2.2.7–8. أنظر: متزجر، قانون العهد الجديد، ص 313–314.

في هذه القائمة، يشير أمفيولوخيوس إلى الإشكالات المرتبطة برسالة العبرانيين، والرسائل الجامعة، وسفر رؤيا يوحنا. وهو لا يعبّر بوضوح عن قبوله للرسائل الجامعة، بل يقول: «يقول البعض إنه يجب قبول سبع، فيما يقول آخرون إنه ينبغي قبول ثلاث فقط—واحدة ليعقوب، وواحدة لبطرس، وواحدة ليوحنا. وبعضهم يقبل ثلاثًا [من يوحنا]، وإلى جانب هذه، رسالتين لبطرس، ورسالة يهوذا كرسالة سابعة.»

ومن هذا النص يتضح أن أمفيولوخيوس يرفض رسالة بطرس الثانية، والرسالتين الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا. أمّا السفر الوحيد الذي يرفضه بوضوح، فهو رؤيا يوحنا، إذ يقول: «يقول معظم الناس إنها مزيّفة.»

وبذلك نجد أنّ كلاً من زميل أثناسيوس وأسقف في آسيا الصغرى يعبّران عن اختلافات في محتوى قانون العهد الجديد—even بعد رسالة أثناسيوس العيدية لسنة 367.

يخبرنا ويستكوت أن هناك ما لا يقل عن ست قوائم مختلفة للأسفار المقبولة في الشرق.

بي. إف. ويستكوت، الكتاب المقدس في الكنيسة: عرض شعبي لتكوين الأسفار المقدسة واستقبالها في الكنائس المسيحية (The Bible in the Church: A Popular Account of the Collection and Reception of the Holy Scriptures in the Christian Churches) (لندن: ماكميلان، 1901)، ص 227. ورد هذا المرجع في: نوريس، «قانون الأسفار»، ص 11.

وحتى اليوم، لا تتضمّن قراءات الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في ليتورجيتها أيّ نص من سفر الرؤيا.

تكوين قانون الأسفار المقدّسة

ينبغي أن نُدرك الكيفية التي تلقّينا بها هذا القانون الذي نعدّه اليوم مصدرًا موثوقًا للسلطة.

ومهما كانت زاوية النظر إلى تاريخ هذا القانون، يصعب القول بأن الكنيسة امتلكت قانونًا مغلقًا للعهد الجديد خلال القرون الأربعة الأولى من وجودها. وهذا يعني أنّ الاحتكام إلى «الكتاب المقدّس» بوصفه المصدر الوحيد لإيمان الكنيسة الأولى وحياتها هو أمر غير دقيق تاريخيًا، بل فيه إسقاط معاصر على سياق ماضٍ لم يعرف هذا التصوّر.

أما القول إنّ هذه الوثائق فرضت نفسها ضمن القانون بقوة وحيها الفريد، فلا يستند إلى سند تاريخي يُعتدّ به.

لن أُجامل في هذا الموضع، لأن أي دراسة جادّة لتكوين قانون العهد الجديد لا يمكن أن تتجاهل حقيقة أن الكنيسة كان لها دور كبير في هذا التكوين. فالكتاب المقدّس هو كتاب الكنيسة، وكما يُظهر العديد من آباء الكنيسة، فإن الكنيسة هي التي تتحمّل مسؤولية تفسيره تفسيرًا سليمًا، لأنها هي نفسها من قام بتكوينه.

ويجب النظر إلى الكتاب المقدّس بوصفه نتاجًا للجماعة، لأن تقاليد الجماعة هي التي توفّر السياق الذي وُلدت فيه الأسفار. وقد خضعت هذه التقاليد للتشكيل وإعادة التشكيل لتُستخدَم بأشكال مختلفة. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الأناجيل نفسها، فهي مجموعات من التقاليد الشفوية والمكتوبة صيغت لأغراض لاهوتية. وقد صيغ كل إنجيل بما يتلاءم مع الجماعة التي كُتب من أجلها.

فإذا كان الروح نفسه هو الذي يمنح الوحي للكتاب المقدّس، فلا يمكن تجاهل الجماعة، ومن ثمّ توقُّع فهم وحي الكتاب على نحوٍ صحيح.

٦. الوحي والعصمة

لقد ذهب كثيرون إلى القول بأن المعيار الوحيد لقانونية وثائق العهد الجديد هو كونها موحى بها، وأنه ما إن تعرّفت الكنيسة على هذا الوحي، حتى أصبح قانون العهد الجديد أمرًا محسومًا. لكن لم يكن هذا هو الدور الذي لعبه الوحي في الكنيسة الأولى. فلم يُنظر إلى الوحي على أنه سمة حصرية للوثائق التي أصبحت لاحقًا جزءًا من قانون العهد الجديد، بل كان يُنظر إلى الروح القدس على أنه حيّ وفعّال في جماعة المؤمنين كلها، ومن ثمّ فهو يُلهِم الجماعة بأسرها. وبالمنظور التاريخي، فقد كان للوحي في الكنيسة الأولى مفهوم واسع وشامل.

ومع ذلك، تبقى هناك مسألة مهمّة ينبغي طرحها في ما يتعلّق بالوحي: ماذا يقول الكتاب المقدّس نفسه عن الوحي؟

سأقوم هنا بدراسة بعض النصوص الكتابية المهمّة التي غالبًا ما تُستخدم في دعم عقيدة الوحي اللفظي الكامل (verbal plenary inspiration)، وهي الفكرة التي تقول إنّ الكتاب المقدّس موحى به بالكامل (من الكلمة اللاتينية plenus أي «كامل»)، حتى على مستوى اختيار الألفاظ وتراكيبها النحوية.

انظر، على سبيل المثال: إف. إتش. باراكمان، اللاهوت المسيحي العملي: دراسة العقائد العظمى للإيمان (Practical Christian Theology: Examining the Great Doctrines of the Faith)، الطبعة الرابعة (غراند رابيدز: كريغل، 2001)، ص 25.

وهنا تبرز أيضًا مسألة العصمة، إذ يرى أنصار هذا المفهوم من الوحي أن عقيدة عصمة الكتاب هي النتيجة المنطقية له.

وتسير سلسلة التفكير هنا على النحو التالي: بما أن الكتاب المقدّس هو كلمة الله عينها، وبما أن الله كامل، فإنّ كلمته خالية من الخطأ في كل ما تعلّمه.

ماذا يقول الكتاب المقدّس عن الوحي؟

الغاية من هذا القسم هي البحث في التعريف الكتابي للوحي، وطرح السؤال التالي: ماذا يقول الكتاب المقدّس عن وحيه هو نفسه؟

ثلاثة نصوص أساسية تُستشهد بها عادةً لتأكيد الوحي وشرحه، أو بشكل أدق: نصّان مباشران ونص يُمثّل مجموعة من النصوص الأخرى. هذه النصوص هي: ٢ تيموثاوس ٣: ١٥–١٧؛ ٢ بطرس ١: ١٩–٢١؛ ويوحنا ١٠: ٣٥ كمثال عن عدد من النصوص الأخرى.

٢ تيموثاوس ٣: ١٥–١٧

«وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلَاصِ بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ، وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّقْوِيمِ، وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ.»

تُعدّ هذه الآيات، بلا شك، النص الأساسي في أي نقاش حول موضوع الوحي، وذلك بسبب استخدام مصطلح ثيوبنستوس (theopneustos)—الذي تُرجم هنا بـ «موحًى به من الله».

ولا شكّ في أنّ مصطلح «موحًى به» يُنسَب إلى الكتاب. لكن تبقى هناك مسألة مهمّة: كيف يحدّد هذا المصطلح طبيعة الوحي؟

دي. فارو، كلمة الحق والجدالات حول الألفاظ (The Word of Truth and Disputes about Words) (وينونا لايك، إنديانا: كاربنتر بوكس، 1987)، ص 87.

سياق النُّصُوص

عند الإشارة إلى التعلّم منذ الطفولة (٣:١٥)، ينبغي أن نضع في الحسبان، إلى جانب بولس، جميع الذين علّموا تيموثاوس، بمن فيهم والدته وجدّته (١:٥). إذ إنّه منذ طفولته كان قد تعرّف إلى «الكتب المقدّسة»، التي اطّلع عليها من خلال أولئك المعلّمين أنفسهم.

وهذا أمر شائع، إذ كان الوالدان اليهوديان يبدآن تعليم أولادهما التوراة اعتبارًا من سنّ الخامسة وما بعد. انظر أدناه مناقشة حول تحديد المقصود بـ«الكتب المقدّسة» في هذا السياق.

وهكذا، نجد سببين يدعوان تيموثاوس إلى الثقة بالإنجيل: أولاً، شخصية الأشخاص الذين تعلّمه منهم، أي «شهود ثبتت موثوقيتهم»؛ وثانيًا، رسوخه في الكتب المقدّسة.

ج. إن. دي. كيلي، الرسائل الرعوية (The Pastoral Epistles)، سلسلة شروحات العهد الجديد لبلاك (لندن: آدم وتشارلز بلاك، 1963)، ص 201.

«الكتب المقدّسة» و«الكتاب»

تظهر عبارة «الكتب المقدّسة» (hiera grammata) في ٣:١٥ في هذا الموضع فقط في الكتاب المقدّس بأكمله.

وفي الرسائل الرعوية، هناك خمسٌ وسبعون كلمة أو صيغة تُعرَف بـ hapax legomena، أي أنها تظهر مرة واحدة فقط في وثيقة أو مجموعة نصوص.

ومن الواضح أنه يجب فهم هذه العبارة في ارتباطها بما يبدو استخدامًا مترادفًا في ٣:١٦ لكلمة «الكتاب» (graphē).

ويُشار إلى أن المراسيم الإمبراطورية—وخاصة في الشرق—كان يمكن أن تُسمّى hiera grammata. انظر: ج. دي. كوين، و دبليو. سي. واكر، الرسالتان الأولى والثانية إلى تيموثاوس: ترجمة جديدة مع ملاحظات وتعليق (The First and Second Letters to Timothy: A New Translation with Notes and Commentary)، سلسلة الشروحات النقدية لإيردمانز (غراند رابيدز: إيردمانز، 2000)، ص 759.

لكن السؤال هو: ماذا يُقصَد بهذين المصطلحين؟

تُقدّم الترجمة التفسيرية الكتاب المقدّس الحي (The Living Bible) نص ٢ تيموثاوس ٣:١٦ بهذه الصيغة: «الكتاب المقدّس كله أُعطي لنا بوحي من الله.» لكن بولس لم يكن بإمكانه أن يشير إلى «الكتاب المقدّس كله»، لأنه لم يكن قد تَشكَّل بعد. فالوثيقة نفسها (٢ تيموثاوس) التي تحتوي هذا النص لم تكن جزءًا من أي قانون عندما كتب بولس هذه الكلمات. وعليه، فإن هذه الصيغة التفسيرية تُعدّ مضلّلة، وقد تدفع القارئ إلى خطأ تاريخي عبر فهم النص على أنه يشير إلى قانون الكتاب المقدّس الكامل، بما فيه العهد الجديد.

يستنتج بعضهم أنّ المقصود هنا هو قانون العهد القديم، لكن—نظرًا لما تمّ عرضه في فصل سابق حول وضع قانون العهد القديم في القرن الأول—يَصعُب دعم هذا الرأي. فمن المرجّح أن الكنيسة المسيحية لم ترث قانونًا مغلقًا من الأسفار العبرية. وإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى أنّ آباء الكنيسة في القرون الأربعة الأولى اقتبسوا من وثائق غير قانونية بوصفها «كتابًا»، فإنّ لدينا مبررات كافية للتشكيك في فكرة أنّ المقصود هنا هو قانون العهد القديم—أسفار عبرية، نعم؛ قانون العهد القديم، لا.

لذا، فإنّ أفضل طريقة لفهم الإشارات إلى «الكتب المقدّسة» و«كل الكتاب» هي باعتبارها إشارات إلى المقاطع المناسبة من مجموعة الكتابات ذات السلطة الدينية التي كانت تُعرف في ذلك الزمن باسم «الكتاب». لا وجود هنا لفكرة مجموعة مغلقة—لا في ما يخص العهد القديم، ولا العهد الجديد، ولا كليهما.

«موحًى به من الله» (theopneustos)

من المعروف أن هذا هو الموضع الوحيد في كلّ من العهد الجديد والسبعينية الذي يرد فيه المصطلح الحاسم ثيوبنستوس (theopneustos).

ونواجه هنا صعوبة حين نحاول تحديد معنى هذا المصطلح. فإحدى القواعد الأساسية في دراسة الكتاب المقدّس هي أنّ تعريف أي مصطلح يجب أن يستند أولًا إلى كيفية استخدامه عند الكاتب نفسه.

وعليه، حين لا يظهر المصطلح سوى مرة واحدة في الكتاب المقدّس بأكمله، يصعب تعريفه استنادًا إلى الكتاب وحده، لأنّه لا توجد مواضع أخرى توضح لنا كيف استُخدم.

التحليل الاشتقاقي البسيط للكلمة theopneustos—بمعنى «موحًى به من الله» أو «مُتنفَّس من الله»—يُعدّ مناسبًا للترجمة. لكن الكلمة المركّبة لا تحمل بالضرورة المعنى الاشتقاقي معها.

فالخطأ الاشتقاقي (root fallacy) يفترض أن كلّ كلمة تحمل معنى نابعًا من بنيتها أو أجزائها المكوّنة لها. أي إنّ المعنى مشتقّ من أصل الكلمة.

وهذا النوع من الخطأ شائع في دراسات الكتاب المقدّس، ويظهر في الطريقة التي يُعرّف بها البعض مصطلح theopneustos. فعلى المستوى الاشتقاقي، يمكن تحليل الكلمة إلى: theos (الله) و pneō (ينفخ/يتنفس)، ومن هنا جاءت ترجمة «موحًى به من الله» في نسخة NIV. وقد استند كثيرون إلى هذا التحليل لتقديم تعريف للكلمة، مفاده أن الله «نفخ» الكتاب المقدّس حرفيًا، بما يوحي أنه نتاج مباشر لروحه.

انظر، على سبيل المثال: و. غرودِم، اللاهوت النظامي: مقدّمة للعقيدة المسيحية (Systematic Theology: An Introduction to Christian Doctrine) (غراند رابيدز: زوندرفان، 1994)، ص 127؛ هودجز، «آفاق جديدة في الكتاب»، ص 214؛ و. ليفيلد، تعليق تطبيق NIV: تيموثاوس الأولى والثانية (The NIV Application Commentary: 1 and 2 Timothy) (غراند رابيدز: زوندرفان، 1999)، ص 279.

لكن بناء تعريف لمصطلح theopneustos على أساس اشتقاقه لا يتعدّى كونه «تخمينًا متعلّمًا».

كارسن، أخطاء تفسيرية (Exegetical Fallacies)، ص 33.

والقول إننا نعرف معنى theopneustos، سواء فُهِم بالمعنى الفاعل (أي أن الكتاب يُلهِم) أو المفعول (أي أنه نُفخ به)، هو قول يتجاوز ما يقوله الكتاب نفسه.

في المعنى الفاعل، تعني الكلمة أنّ الكتاب له تأثير مُلهِم؛ أمّا في المعنى المفعول، فتعني أنه «نُفخ به» أو «أُوحي به». وفي بعض الحالات، تعكس الكلمة بالفعل المعاني الكامنة في مكوّناتها، مثل الفعل ekballō من ek و ballō، والذي يعني «أطرح» أو «أطرد». لكن تبقى النقطة الأساس أنّه لا يجوز افتراض أنّ الاشتقاق يكشف المعنى بالضرورة. فالمعنى يجب أن يُختبر من خلال الاستخدام.

نعم، الكتاب موحًى به لأن رسالة تيموثاوس الثانية تقول ذلك، لكن هذا التأكيد لا يُعدّ تعريفًا للوحي، لأن النص يفتقر إلى ذلك.

ولا يظهر مصطلح theopneustos مرّة واحدة فقط في الكتاب المقدّس كله؛ بل من المحتمل أيضًا أن يكون بولس قد صاغه خصيصًا لهذا السياق.

انظر: فارو (Farrow)، كلمة الحق (The Word of Truth)، ص 89؛ مارشال (Marshall)، الرسائل الرعوية (The Pastoral Epistles)، ص 793–794؛ كوين وواكر (Quinn and Wacker)، تيموثاوس (The First and Second Letters to Timothy)، ص 762–763.

كما أن الاستخدام اللاحق لهذا المصطلح في المسيحية لم يقتصر على الأسفار المقدّسة، بل شمل أيضًا شروحًا تفسيرية، ونقوش قبور، وقرارات مجامع كنسية.

أما عند فيلو، فيظهر تصوّره للوحي بوصفه يتجاوز إدراك الكاتب في عمله مَن هو وارث الأشياء الإلهية؟، حيث يقول: «فعندما يشرق نور الله، يغيب النور البشري… وهذا ما يحدث عادةً لرفاق الأنبياء. فالعقل ينسحب عند مجيء الروح الإلهي، ثم يعود العقل إلى طبيعته عند انصرافه. لا يمكن للفاني والخالد أن يتشاركا في المسكن نفسه. ولذلك، فإنّ انطفاء العقل والظلمة التي تحيط به تؤديان إلى النشوة والهيام الملهم.»

فيلو (Philo)، مَن هو الوارث؟ (Who Is the Heir?)، فقرتا 264–265.

وتكمن المشكلة في تبنّي الفهم نفسه للوحي كما عند فيلو في أنّه يروّج لنموذج الإملاء، وهو نموذج لا يتبنّاه معظم الإنجيليين.

تي. دي. لي (T. D. Lea)، و إتش. بي. غريفن الابن (H. P. Griffin Jr.)، تيموثاوس الأولى والثانية، تيطس (1, 2 Timothy, Titus)، التفسير الأمريكي الجديد (New American Commentary) (ناشفيل: برودمان [Broadman]، 1992)، ص 239.

ويشير لي وغريفن عن حق إلى أنّه «لا يوجد من الإنجيليين المعتبرين مَن يتمسّك بنظرية الإملاء في الوحي».

التركيز في هذا المقطع لا يقع على مصطلح theopneustos، بل على فائدة الكتاب المقدّس. وهذا ما ركّز عليه أيضًا الآباء الذين تعاملوا مع هذا النص.

ولجمع التصوّرات العامة للآباء بشأن هذا المقطع، انظر: بي. غورداي (P. Gorday)، كولوسي، تسالونيكي الأولى والثانية، تيموثاوس الأولى والثانية، تيطس، فيليمون (Colossians, 1–2 Thessalonians, 1–2 Timothy, Titus, Philemon)، تعليق الآباء المسيحيين على الكتاب المقدّس (Ancient Christian Commentary on Scripture) (داونرز غروف، إلينوي: إنترڤارسيتي [InterVarsity]، 2000)، ص 263–275.

نعم، يشير المقطع إلى أن سلطة الكتاب المقدّس نابعة من الله، وأنّه يساهم في خطة الخلاص؛ لكن التركيز الأساسي في المقطع هو على منفعة الكتاب المقدّس.

نظرية تفصيلية؟

تماشيًا مع حقيقة أن النص لا يقدّم تعريفًا لمصطلح theopneustos، يصعب أن نجد في المقطع نظرية تفصيلية حول الوحي. إذ لا يناقش النص العلاقة بين العنصر البشري والعنصر الإلهي في الأسفار المقدّسة. ثمة تأكيد واضح على وحي الكتاب، لكن النص لا يقدّم نظرية مفصّلة عمّا يعنيه الوحي أو ما يقتضيه بالضرورة.

٢ بطرس ١: ١٩–٢١

«وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا كَسِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ وَيَطْلُعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ، عَالِمِينَ هذَا أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.»

إحدى القضايا الأساسية التي يبرزها هذا النص هي مسألة المقصود بـ«النبوة». فالسياق المباشر يمنحنا تصورًا عن نوع النبوة المشار إليها هنا.

وبالنظر إلى السياق، فإن تركيز الكاتب هنا دقيق ومحدّد. إذ يبدو من غير الدقيق توسيع الدائرة لتشمل الكتاب المقدّس بأكمله. فالمقطع يتحدث عن النبوة، وليس عن عرض موسّع لنظرية وحي الكتاب بوجه عام.

وعندما يُفهَم هذا السياق، فإن محاولة تحويل المقطع إلى حُجّة لصالح عقيدة الوحي الكامل اللفظي (verbal plenary inspiration) تبدو متكلّفة. وإذا عدنا إلى النقاط الثلاث التي يرى وارفيلد (Warfield) أن هذا المقطع يؤكّدها، فربما نتّفق معه عليها: النبوة لا تعود في أصلها إلى مبادرة بشرية؛ مصدر النبوة هو الله؛ والأنبياء نطقوا بأمور من الله. لكن يبقى السؤال: ما علاقة هذا الكلام بوحي الكتاب المقدّس بالمعنى اللفظي الكامل؟

يوحنا ١٠: ٣٤–٣٥

«أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْكِتَابُ…»

تُعدّ هاتان الآيتان نموذجًا لمجموعة من النصوص التي يستشهد فيها يسوع بسلطان الأسفار المقدّسة.

ولا شك أن يسوع هنا يجادل اليهود استنادًا إلى نظرة مشتركة لسلطان الكتاب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا يقول النص عن الوحي؟

الاهتمام في النص ليس ببيان موقف لاهوتي عن الوحي، بل يسوع يستند إلى الاحترام المتبادل لسلطة الأسفار العبرية. أما لماذا تمتلك هذه الأسفار تلك السلطة، فليس موضع نقاش هنا.

ورغم الجدل حول وضع قانون الأسفار في زمن يسوع، فإن ثمة ملاحظة عامة ينبغي ذكرها: لا يشير هذا النص (ولا غيره من النصوص المماثلة) إلى وحي الكتاب المقدّس (ولا إلى الوحي عمومًا). بل إن الاستشهاد يكون دائمًا بسلطة النص.

لكن بما أن بعضهم يربط بين الوحي والسلطة، فإنهم يرون في استشهاد يسوع بسلطان الكتاب دليلاً ضمنيًا على الوحي، فيتحوّل كلّ حديث عن السلطة إلى حديث عن الوحي. غير أن هذا الربط يبدو، في سياقه، غير دقيق.

البيان الصادر عن شيكاغو حول عصمة الكتاب المقدّس والإنجيليّة

تمّت صياغة البيان الصادر عن شيكاغو حول عصمة الكتاب المقدّس (The Chicago Statement on Biblical Inerrancy) سنة 1978 على يد المجلس الدولي لعصمة الكتاب المقدّس (International Council on Biblical Inerrancy – ICBI).

لم يقصد واضعو هذا البيان أن يُمنح وزنًا عقائديًا (كصيغة إيمان ملزمة)، لكنه مع ذلك نال مكانة مرموقة في أوساط الإنجيليين.

راجع على سبيل المثال: هوجز (Hodges)، «آفاق جديدة في الكتاب المقدّس» (“New Dimensions in Scripture“)، ص 216–221. ففي عرضه للتعليم الإنجيلي حول العصمة، يقدّم هوجز توضيحًا للتعليم يكاد يتطابق مع ما ورد في بيان شيكاغو.

يَعرض البيان عصمة الكتاب المقدّس بوصفها نتيجة منطقية للوحي. وتَرِد أوّل صيغة تعريفية للعصمة في البندين 4 و5:

4. بما أن الكتاب المقدّس مُوحى به من الله بصورة كلية ولفظية، فهو خالٍ من الخطأ أو العيب في كل تعاليمه؛ سواء في ما يورده عن أعمال الله في الخلق، أو عن أحداث التاريخ البشري، أو عن أصوله الأدبية تحت إرشاد الله، كما هو أيضًا في شهادته لنعمة الله الخلاصية في حياة الأفراد.

5. إنّ سلطة الكتاب المقدّس تتعرّض بالضرورة للتقويض إذا تمّ بأي شكل من الأشكال الحدّ من هذه العصمة الإلهية الشاملة، أو تجاهلها، أو إخضاعها لمفاهيم عن الحقيقة تناقض مفهوم الكتاب نفسه؛ وإنّ مثل هذه التنازلات تُلحق ضررًا بالغًا بالفرد والكنيسة معًا.

كما يأتي البند 12 مؤكدًا هذا القناعة بعبارات صارمة:

«الكتاب المقدّس في كليّته معصوم، خالٍ من كل زيف أو غش أو خداع».

أما النفي الوارد في البند نفسه فيزيد الأمر توضيحًا:

«نحن نرفض حصر عصمة الكتاب المقدّس وعدم قابليته للخطأ في المواضيع الروحية أو الدينية أو الخلاصية دون غيرها، بحيث تُستثنى التصريحات الواردة في ميادين التاريخ والعلم. كما نرفض استخدام الفرضيات العلمية حول تاريخ الأرض كحجّة لإبطال تعليم الكتاب حول الخلق والطوفان».

وعلى أساس هذه البيانات التلخيصية وبنود التأكيد والنفي، يمكن للمرء أن يستنتج أنّ العصمة ـــ كما يُعرّفها البيان ـــ تعني أنّ كل ما يصرّح به الكتاب المقدّس هو حقّ مطلق وحرفي، سواء تعلّق الأمر بالدين، أو العلم، أو التاريخ، أو الجغرافيا، وما إلى ذلك.

لكن هذا التعريف يتعرّض لتأطير مهم في البند 13، إذ يقتضي على مفسّر الكتاب المقدّس أن يفسح المجال للنص الذي صِيغ في سياق ثقافي معيّن لأن يتكلّم من منطلق ذلك السياق، لا أن يُقرأ في فراغ من تصوّرات الفكر والثقافة المعاصرة.

ويقدّم الشرح المطوَّل للبيان (Exposition) مزيدًا من التوضيح لمعنى العصمة، بما يستحق الاقتباس المطوّل:

«نحن نؤكّد أنّ الكتاب المقدّس القانوني يجب دائمًا أن يُفسَّر على أساس أنّه معصوم وغير قابل للخطأ. غير أنّنا، في سَعينا لتحديد ما الذي يقصده الكاتب المُلهم من الله في كل مقطع، يجب أن نولي أقصى درجات الانتباه لطبيعة ما يعلنه، ولصفاته بوصفه إنتاجًا بشريًا. ففي الوحي، استخدم الله الثقافة والعادات السائدة في محيط كاتبه، وهو محيط يخضع لسيادة الله وعنايته، وأيّ افتراض بخلاف ذلك يُعدّ خطأ في التفسير».

إذًا، يجب التعامل مع التاريخ بوصفه تاريخًا، ومع الشعر بوصفه شعرًا، ومع المبالغة والاستعارة بوصفهما كذلك، وكذلك مع التعميم والتقريب بحسب ما هما عليه، وهكذا دواليك. كما ينبغي الانتباه إلى الفروقات بين الأعراف الأدبية في زمن الكتاب المقدّس وتلك السائدة في عصرنا؛ فعلى سبيل المثال، كانت الرواية غير الزمنية الدقيقة (nonchronological narration) والاستشهاد غير الحرفي من الأعراف المقبولة والمألوفة آنذاك، ولم تكن تُعدّ خرقًا لأيّ توقّع. لذلك، لا ينبغي اعتبارها أخطاء عندما نجدها لدى كتّاب الكتاب المقدّس.

وعندما لا تكون الدقّة التامة من نوع معيّن مطلوبة أو متوقعة، فإن عدم تحقيقها لا يُعدّ خطأ.

فالكتاب المقدّس معصوم ـــ لا بالمعنى الذي يساير معايير الدقة الحديثة المطلقة ـــ بل بمعنى أنّه يفي بمطالبه، ويبلغ درجة الحقيقة المحدّدة التي قصدها كتّابه.

وفي محاولته لإثبات أن كل رواية من الروايات الأربع في الأناجيل عن إنكار بطرس للمسيح هي «صحيحة»، لجأ ليندسل (Lindsell) إلى الأسلوب الإنجيلي الشائع المتمثل في التوفيق بين الروايات (harmonization).

تكمن الإشكالية في هذه النصوص حول عدد مرات صياح الديك قبل أن يُنكر بطرس يسوع ثلاث مرات.

ففي مرقس 30:14، يخبر يسوع بطرس بأنّه قبل أن يصيح الديك مرتين، سيكون قد أنكره ثلاث مرات.

أمّا في متى 34:26، ولوقا 34:22، ويوحنا 38:13، فيُقدَّم يسوع على أنه قال لبطرس إنه قبل أن يصيح الديك، سيكون قد أنكره ثلاث مرات.

وفي سرد الحدث نفسه، يورد مرقس 72:14 صياح الديك للمرة الثانية عند لحظة إدراك بطرس لثلاثية إنكاره، بينما يكتفي كل من متى 74:26، ولوقا 60:22، ويوحنا 27:18 بذكر صياح الديك، ما يوحي بأنه الصياح الأول.

وفي مسعاه لإثبات صحة كل الروايات، يقترح ليندسل أن ما حدث فعليًا لم يكن مجرد ثلاث إنكارات، بل ستّة إنكارات؛ ثلاث منها سبقت الصياح الأول (كما في متى ولوقا ويوحنا)، وثلاث أخرى قبل الصياح الثاني (كما في مرقس).

وبهذا، يزعم ليندسل أنّه أثبت «أمانة ودقّة الإنجيليين الأربعة جميعًا».

راجع: ليندسل (Lindsell)، المعركة من أجل الكتاب المقدّس (Battle for the Bible)، ص 174–176.

لكنّ ما يُظهره ليندسل في الواقع لا يُثبت دقة وصحة الأناجيل، بل يدلّ على أنّ أياًّ منها لا يقدّم رواية دقيقة عن عدد مرات الإنكار. فجميع الروايات الأربع تُجمع على أنّ الإنكارات كانت ثلاثًا فقط. لذا، يبدو أنه قد أثبت ضمنيًا أنّ أيًّا من هذه الأناجيل ليس معصومًا، لأن لا واحدًا منها يورد ما جرى فعليًا.

راجع: ب. ج. آختميير (P. J. Achtemeier)، الوحي والسلطان: طبيعة الكتاب المقدّس المسيحي ووظيفته (Inspiration and Authority: The Nature and Function of Christian Scripture)، بيبودي، ماساتشوستس: هندريكسن (Peabody, MA: Hendrickson)، 1999، ص 55.

الخداع المُتعمَّد

لكنّ الفهم الكتابي للخطأ لا يركّز على مسألة عدم تطابق التصريحات مع الوقائع الخارجية في العالم، بل على مفهوم الخداع المتعمّد (willful deception). وفقًا لهذا الفهم، يُعدّ زائفًا كل ما يتعمّد خداع القارئ أو تضليله.

بمعنى آخر، إذا لم يكن الكاتب يقصد خداع القارئ، فلا يزال بالإمكان الحفاظ على مفهوم العصمة. وبالتالي، يمكن التسليم بوجود «أخطاء» بحسب المعايير الحديثة داخل النص، ومع ذلك تبقى العصمة محفوظة.

ويشهد الكتاب المقدّس نفسه على وجود معايير متعددة للحقيقة، لا تختلف فقط بين كتّابه، بل تختلف أيضًا عن معايير الدقة والضبط الحديثة.

وتكثر الأمثلة على هذا التنوع: مثل الاستشهاد غير الدقيق، أو أرقام متفاوتة، أو تحديدات تقريبية لمواقع المدن، وغيرها. ومن غير المنطقي توقّع دقة علمية حديثة من كتّاب لم يكونوا يسعون أصلاً إلى تحقيقها.

الحقيقة بوصفها مُطابقة للواقع

فعلى سبيل المثال، عندما يُسأل أحدهم عن عمره، يمكنه أن يُجيب بإجابة دقيقة تصل إلى عدد الثواني التي عاشها، ولكن الامتناع عن ذلك لا يُعدّ كذبًا لمجرد أنه قدَّم تقديرًا تقريبيًا. وينطبق الأمر نفسه على التقديرات التقريبية في الكتاب المقدّس.

أما في ما يخصّ الظواهر الطبيعية، كذكر شروق الشمس أو غروبها، فالوضع مشابه. فالكتاب المقدّس ليس رسالة علمية، بل يستخدم لغة ظاهراتية (phenomenological language) لوصف ما يراه ويسمعه الكتّاب.

ونحن اليوم نفعل الشيء نفسه دون أن يُتهم أحدنا بالكذب أو الخطأ، فلماذا نحمّل كتّاب الكتاب المقدّس معيارًا مغايرًا حين يفعلون الأمر ذاته؟

حالة ر. هـ. جندري وإنجيل متى

في سنة 1982، نُشر تعليق روبرت هـ. جندري (Robert H. Gundry) على إنجيل متى، وقد ذهب فيه إلى أنّ «المقارنة مع الأناجيل الأخرى، ولا سيّما مرقس ولوقا، وفحص أسلوب متى ولاهوتِه، يُظهر أنّه غيّر ووسّع التقاليد التاريخية بشكل كبير، وأنه فعل ذلك عن قصد وبشكل متكرر».

راجع: ر. هـ. جندري (R. H. Gundry)، متى: تعليق على فنه الأدبي ولاهوتِه (Matthew: A Commentary on His Literary and Theological Art)، غراند رابيدز: إيردمانز (Grand Rapids: Eerdmans)، 1982، ص 639.

بعبارة أخرى، يعمد متى ـــ بحسب جندري ـــ إلى تزيين الحدث بما يتجاوز ما حصل فعليًا، وذلك لأغراض لاهوتية، إذ يمزج بين التاريخي وغير التاريخي لتوصيل نقطة لاهوتية.

ومن أبرز أمثلة هذا «التزيين» هو تفسير جندري لقصة المجوس في رواية الميلاد بحسب متى 1:2–12.

فمتى هو الإنجيلي الوحيد الذي يذكر النجم والمجوس الذين أتوا لزيارة يسوع. ووفقًا لجندري، فهذان العنصران لا أصل لهما تاريخيًا. فالمجوس ـــ الذين هم من الأمم ـــ يُستخدمون رمزيًا لتقديم فكرة لاهوتية؛ فهم يُمهّدون الطريق لـ «دخول تلاميذ من كل الأمم إلى دائرة الذين يعترفون بيسوع ملكًا على اليهود ويسجدون له بوصفه إلهًا».

وبالمثل، فإن النجم هو عنصر رمزي أيضًا.

ويُضيف جندري أنّ متى استبدل المجوس بالرعاة «لكي يُمهّد للنجم، الذي حلّ محلّ الملاك والجند السماوي» المذكورين في لوقا 8:2–15.

راجع: المرجع نفسه، ص 26–27.

أي أن متى، بالاستناد إلى إنجيل لوقا، يُعيد تشكيل الرواية بحسب غايته اللاهوتية. وفي سياق النجم، تتمثّل هذه الغاية في التأكيد على يسوع بوصفه نجم داود، أي المسيّا الملكي المنتظر.

يجادل الكاتب بأن هذا الأسلوب كان شائعًا في زمن متى، وأن قرّاء إنجيل متى كانوا ليفهموه ضمن هذا السياق. [المصدر نفسه، ص 628–629.] فلم يكن قصد متى أن تُفهَم جميع الأحداث التي يرويها على أنها تاريخية بالمعنى الحديث.

كان هدفه أن يروي قصة يسوع مع تعديلات وتزيينات تتلاءم مع احتياجات الكنيسة والعالم في الزمن الذي كُتب فيه الإنجيل. ومن الطبيعي أن نشعر بعدم الارتياح حين نعلم أنه حرّر مواده إلى حدّ قد يجعلها غير قابلة للتعرف عليها تاريخيًا. فلو استمرّت حرية التحرير بهذا الشكل، لأدّى ذلك إلى نمو الأناجيل المنحولة وتكاثر أنواع التخمينات المفتوحة. لكن تثبيت الأسفار التي جاءت من متى وزملائه في العهد الجديد ضمن قانون الأسفار (الكتاب المقدّس) يدلّ على كفاية الكتاب، ويمنع استمرار تحرير المواد بأسلوب موثوق أو سلطوي، ويجعل مهمة اللاهوت المسيحي بعد العصر الرسولي مهمة تفسيرية وتطبيقية، لا إبداعية.

ولا يتطلب الأمر أكثر من مقارنة بين إنجيل متى والإنجيلين الآخرين لاكتشاف أن متى، حتى عندما ينسج الرواية وفق تقليد متوارث، يبني على أنماط وتعاليم تعود إلى السيّد (يسوع).

إن عقيدة «الوحي اللفظي الكامل» (verbal plenary inspiration) تعني أن لأسلوب متى في التحرير سلطة كاملة، مهما بلغت الحريات التي أخذها، تمامًا كما أن إغلاق قانون الكتاب المقدّس حال دون تحرير موثوق لاحق للأسفار بعد العهد الجديد.

بمعنى آخر، لا ينبغي لنا أن نظن أن المواد المنسوبة إلى يسوع نفسه تحمل سلطة أعلى من تلك المنسوبة إلى متى. فرُوح المسيح هو مَن وجّه التحرير، حتى صارت نتائجه، إلى جانب المعطيات التاريخية، تكوّن كلمة الله. وهذه النظرة تمكّننا من أخذ ظواهر النص الكتابي على محمل الجدّ. أما أن نستهين بها، فذلك يُضعف سلطة الكتاب المقدّس دون قصد—حتى لو كان الهدف دعمها. [المصدر نفسه، ص 639–640.]

وليس من المستغرب أن روبِرت غَندري (Robert Gundry) تعرّض لنقد كبير بسبب هذا الرأي. فعندما نُشر شرحه لإنجيل متى، كان غندري عضوًا في “الجمعية اللاهوتية الإنجيلية” (ETS). وهذه الجمعية تطلب من أعضائها أن يوقّعوا سنويًا على بيان عقائدي لتجديد عضويتهم، وهو البيان العقائدي الذي تقوم عليه الجمعية. ومما جاء فيه: «الكتاب المقدس وحده، وفي مجمله، هو كلمة الله المكتوبة، وبالتالي هو معصوم في مخطوطاته الأصلية. الله هو ثالوث: الآب والابن والروح القدس، كل واحد منهم شخص غير مخلوق، واحد في الجوهر، متساوٍ في القدرة والمجد.»

أما نورمَن غايسلر (N. Geisler)، فرأى أن إنكار وقوع الأحداث التي يوردها متى في إنجيله هو، عمليًا، إنكار لصدق الكتاب المقدّس بكامله. ويخلُص غايسلر إلى القول: «كل منهج تفسيري أو لاهوتي تفضي نتائجه المنطقية إلى ما يتناقض مع، أو يزعزع الثقة في، صدق الكتاب المقدّس الكامل هو منهج غير أرثوذكسي.»

ن. غايسلر (N. Geisler)، «اللامنهجية المنهجية» (Methodological Unorthodoxy)، مجلة الجمعية اللاهوتية الإنجيلية 26 (1983): ص 94.

لكن، ماذا عن الأمثال التي تناقض بعضها بعضًا؟ مثلًا: «لا تُجِب الجاهل حسب حماقته» (أمثال 26: 4 أ)؛ و«أجب الجاهل حسب حماقته» (26: 5 أ). إن كانت هاتان الآيتان تبدوان متناقضتين، أفلا يُرجّح أن يفسّر غايسلر ذلك بطبيعة النص الأدبية؟

وماذا عن التفسيرات العلمية؟ لقد علّمنا الاكتشاف الكوبرنيكي أن ننكر أن الشمس تشرق «على الأرض» حرفيًا، ومع ذلك هكذا يصف كاتب سفر التكوين الحدث (تكوين 19: 23). ألن يتجاوز غايسلر المعنى الحرفي هنا بالقول إن العبارة ظاهرة وصفية (phenomenological

المسألة إذًا هي مسألة قصد الكاتب؛ لأن غايسلر لا يستطيع اتهام غندري بإنكار وقوع أحداث فعلية في إنجيل متى إلا بتجاهل السؤال عمّا إذا كان متى نفسه يقصد أن يروي أحداثًا فعلية بالفعل.

الإلهام، والعصمة، والسلطة القانونية

فيما يخص موضوع الإلهام (inspiration)، فإن معطيات الكتاب المقدّس تبدو، على نحو مفاجئ، غامضة في تقديم نظرية متكاملة عن الإلهام. فهي تؤكّد بلا شك أن الكتاب مُوحى به من الله، لكنّها لا تشرح كيفيّة عمل هذا الإلهام.

وكما رأينا، فإن آباء الكنيسة غالبًا ما أشاروا إلى وثائق غير قانونية (noncanonical) بوصفها «الكتاب المقدّس». ولو سلّمنا جدلًا بأن «الكتاب المقدّس» يعني بالضرورة «الأسفار القانونية» (canon)، لكان لزامًا علينا أن نعترف بقانون أوسع بكثير مما نعترف به اليوم. ولا أعرف أحدًا من الإنجيليين يتبنّى مثل هذا الرأي.

وإذا قلنا إن آباء الكنيسة كانوا مخطئين في إضفاء صفة الكتاب المقدّس على تلك الوثائق، أو أنهم كانوا ينتمون إلى كنيسة ما بعد الرسل (أي الكنيسة التي فسدَت)، فسنواجه إشكالًا آخر: كيف يمكن للكتاب المقدّس أن يظلّ كلمة الله الطاهرة غير الفاسدة، بينما تمّ تقنينه إلى حدّ كبير على يد قادة كنيسة يُفترَض أنها كنيسة فاسدة؟ كيف يكون هؤلاء القادة مصيبين في تحديد ما يدخل ضمن القانون، ولكنهم مخطئون في نسب صفة الكتاب المقدّس إلى كتب أخرى؟

إذا كنا نثق بهم في ما يخصّ القانون، فكيف نكفّ عن الوثوق بهم في مسألة الوثائق غير القانونية؟ إن اعتمادنا على الكتاب المقدّس كمرشد لإيماننا وحياتنا يفترض ضمنًا إيماننا بأن مَن جمعوا الأسفار ضمن القانون فعلوا ذلك بقيادة الروح القدس في الكنيسة.

أولًا، إذا لم يكن الكتاب المقدّس يمنحنا نظرية محدّدة عن الإلهام، فعلينا أن نتروّى قبل أن نعتبر العصمة (inerrancy) نتيجة منطقية للإلهام.

ثانيًا، يجب أن نعيد النظر في مسألة قانونية العهد الجديد، والحاجة إلى التمييز بين مفهومي «الكتاب المقدّس» و«القانون» (Scripture vs. Canon). فإذا لم يكن هناك نصّ كتابي يشير بوضوح إلى قانون مغلق، فكيف يمكننا أن نحصر العصمة فقط في تلك الأسفار التي نُطلق عليها اليوم صفة «قانونية»؟

بعبارة أخرى، إذا استخدمنا 2 تيموثاوس 3: 15–17 كدليل على إلهام وعصمة الكتاب المقدّس، فإننا نكون بذلك نقول بقانون أوسع من القانون الذي نُقرّ بسلطته اليوم، لأن قانون العهد القديم، في زمن كتابة الرسالة، لم يكن بعد قد استقرّ بشكل نهائي، ولم يكن هناك قانون للعهد الجديد أصلًا.

خاتمة

الآن، وبعد أن قيل كلّ شيء، أودّ أن أستعرض مجددًا الفكرة الأساسية والنتائج المترتبة على تكوين قانون العهد الجديد في ما يخص العقيدة الإنجيلية للكتاب المقدّس.

ما يقوله الكتاب المقدّس هو بالتأكيد أمر بالغ الأهمية، لكن فهمنا لما يقوله مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياق الذي نشأ فيه—أي الكنيسة—وبالطريقة التي تطوّر بها.

وبطريقة أخرى، يمكن القول إن للكنيسة كلمة في ما يقوله الكتاب، لأن الكتاب المقدّس هو كتاب الكنيسة. فلا يمكن لأي دراسة لتاريخ تكوين قانون العهد الجديد أن تغفل الدور المحوري الذي لعبته الكنيسة وقادتها في هذه العملية.

النتيجة الأساسية، سواء في الاستقبال القديم أو المعاصر لقانون الكتاب، هي أن هذا القانون هو المصدر الأساسي والجوهري الذي يجب أن يُقاس عليه كلّ تأمّل في إعلان الله. إنه قانوني بمعنى كونه «مقياسًا» (canon) للقياس. ومع ذلك، لم يكن ممكنًا له أن يعمل، في الكنيسة الأولى، كمقياس وحيد للنصوص. فطوال قرابة الأربعمئة سنة الأولى من وجود الكنيسة، لم يكن هناك قانون مغلق، وبالتالي لم يكن ممكنًا للكتاب المقدّس أن يكون المعيار الوحيد.

وهذا ما يجعل التمييز بين مصطلحي «الكتاب المقدّس» و«القانون» أمرًا في غاية الأهمية. فالفشل في التمييز بينهما يمكن أن يؤدي إلى تشويهات كبيرة في فهم العصر الآبائي وفهمه لطبيعة القانون.

ويجب أن نتذكّر أيضًا أنّه سواء قبل أن يُغلَق القانون أو بعده، فإن الحاجة إلى تفسير النصوص تفسيرًا سليمًا بقيت قائمة.

إن طبيعة البروتستانتية نفسها تقف ضدّ أي قرار مجمعي بإغلاق القانون. ولهذا السبب، وبدقّة أكاديمية، يمكن القول إن قانون الكتاب المقدّس لم يُغلَق رسميًا عند البروتستانت.

لكن إغلاق القانون لا يُلغي حقيقة أن التفسير الصحيح هو المفتاح الذي يجعل من الكتاب مصدرًا لإيمان الكنيسة وحياتها.

ولا يمكننا الهروب من هذه الحاجة، لأننا نعيش في سياقات معيّنة، تحت تأثيرات متعددة، ونأتي إلى النص بعدسات مختلفة. كل هذا يفرض الحاجة إلى معيار يُقاس عليه التفسير. [انظر: أوغسطينوس (Augustine)، في التعليم المسيحي (On Christian Doctrine)، الكتاب الثاني.]

وعلى الرغم من أننا نعيش اليوم في ظلّ قانون مغلق، فإن هذا القانون لا يحلّ، بمفرده، مشكلة التفسيرات المتباينة.

وأنا أؤمن بأن الله قد أعطانا، في الكتاب المقدّس، كل الحقائق اللازمة للخلاص، وأنه المرجع النهائي.

لكن الكتاب المقدّس ليس واضحًا من تلقاء ذاته. كما أن تشكيل العهد الجديد ككتاب مقدّس ضمن القانون هو إنجاز آبائي في الأساس.

اللجوء إلى الكتاب كمصدر للسلطة أمر جوهري، لكن لا يمكن فصله عن اللجوء إلى عدسة تفسير مناسبة. … وهذه العدسة التفسيرية كانت، عبر التاريخ، هي قواعد الكنيسة التفسيرية التي نشأ فيها الكتاب المقدّس.

ولكن، إذا أردنا أن نُعطي كلمة الله حقّها، ونقدّرها كما ينبغي، فلا بدّ من الوعي بالوسائط التي استخدمها الله لإيصالها إلينا—وفي مقدّمتها: الكنيسة.

المُلحق: آباء الكنيسة، والأسفار المقدسة، والوحي

فيما يلي عيّنة صغيرة من اقتباسات آباء الكنيسة من كتابات غير قانونية (غير معترف بها كجزء من الكتاب المقدس)، مع مقدمة تشير إلى سلطتها أو مكانتها باعتبارها نصوصًا مقدسة. تم ترتيب الأمثلة أبجديًا مع مجموعة آباء الكنيسة الرسوليين أولًا.

الآباء والكتاب المُقدَّس

الآباء الرسوليّون

رسالة برنابا (حوالي 130 م)

– 84.3 (ANF 1:138) ~ يقتبس من سفر أخنوخ الأول 89: 61-64؛ 90: 17 بالصيغة التقديمية «كما هو مكتوب، كما يقول أخنوخ». تشير المخطوطات اللاتينية لهذه الفقرة إلى «دانيال»؛ راجع دانيال 9: 24-27.

– 6.7 (ANF 1:140) ~ يقتبس من إشعياء 3: 9-10 (الترجمة السبعينية) وسفر الحكمة 2: 12 بالصيغة التقديمية «لأن النبي يتكلم ضد إسرائيل».

– 6.10 (ANF 1:140) ~ يقتبس نصًا غير موجود في الكتاب المقدس بصيغة تقديمية «لأن النبي يقول».

– 7.4 (ANF 1:141) ~ يقتبس نصًا غير موجود في الكتاب المقدس بصيغة تقديمية «ماذا يقول إذًا في النبي؟».

– 9.8 (ANF 1:142) ~ يقتبس نصًا غير موجود في الكتاب المقدس بصيغة تقديمية «لأن [الكتاب] يقول»، وربما هو مزيج من تكوين 14: 14 و27: 23.

– 12.1 (ANF 1:144) ~ يقتبس من سفر عزرا الثاني 4: 33؛ 5: 5 بصيغة تقديمية «بنفس الطريقة يشير إلى صليب المسيح في نبي آخر، إذ يقول».

– 16.5 (ANF 1:147) ~ يقتبس من سفر أخنوخ الأول 89: 56-67 بصيغة تقديمية «لأن الكتاب يقول».

كليمندس الأول (حوالي 96 م)

– 27.4-5 (ANF 1:12) ~ يقتبس من سفر الحكمة 12: 12 بصيغة تقديمية «لأن الكتاب يقول في موضع معين».

– 45.2 (ANF 1:17) ~ يحث أهل كورنثوس على «التفحص الدقيق للأسفار المقدسة، التي هي أقوال حقيقية من الروح القدس»، وهذا استشهاد مهم لأنه يقتبس من سفر الحكمة ومصدر آخر غير معروف باعتبارهما من الأسفار المقدسة في نفس الرسالة.

– 46.2 (ANF 1:17) ~ يقتبس نصًا غير موجود في الكتاب المقدس بصيغة تقديمية «كما هو مكتوب».

كليمندس الثاني (حوالي 150 م)

– 11.2 (ANF 7:520) ~ يقتبس نصًا غير موجود في الكتاب المقدس (موجود أيضًا في كليمندس الأول 23.3) بصيغة تقديمية «لأن الكلمة النبوية تقول أيضًا».

بوليكاربوس (توفي 155 م)

الرسالة إلى أهل فيلبي

– 9.2 (ANF 1:35) ~ يقتبس كليمندس الأول 5.5 باعتباره نصًا ذا سلطة، محصورًا بين فيلبي 2: 16 وتيموثاوس الثانية 4: 10.

استشهاد بوليكاربوس

– 16.2 (ANF 1:42) ~ يُقال عن بوليكاربوس: «لأن كل كلمة نطق بها بفمه قد تمّت وستتم».

أثناسيوس الإسكندري (حوالي 298-373 م)

الخطب ضد الآريوسيين

– المقالة 2.79 (NPNF 2 4:391) ~ يقتبس باعتبارها نصوصًا مقدسة كورنثوس الأولى 1: 21؛ سفر الحكمة 6: 24؛ أمثال 14: 16؛ جامعة 7: 10؛ 8: 1؛ سيراخ 1: 9-10.

الدفاع ضد الآريوسيين

– 3 (NPNF 2 4:101) ~ يقتبس أمثال 19: 5 وسفر الحكمة 1: 11 بالصيغة التقديمية «بلا خوف من كلمات الكتاب المقدس المقدسة».

– 11 (NPNF 2 4:106) ~ يقتبس طوبيا 12: 7 ومتى 7: 6 بالصيغة التقديمية «إذ كان ينبغي عليهم أن ينتبهوا لما هو مكتوب».

– 66 (NPNF 2 4:134) ~ يقتبس سيراخ 30: 4 بصيغة تقديمية «لأن الكتاب المقدس يقول في موضع ما».

حول رأي ديونيسيوس

– 9 (NPNF 2 4:179) ~ يشرح أثناسيوس أن ديونيسيوس تصرف وفقًا لما تعلمه من الرسل، وأنه دافع عن ألوهية الابن «من الأسفار المقدسة»، ثم يسرد أثناسيوس عددًا من المصطلحات الكتابية الممنوحة للابن، بما فيها «نَفَس»، مأخوذ من سفر الحكمة 7: 25.

تاريخ الآريوسيين

– 52 (NPNF 2 4:289) ~ يقتبس سيراخ 7: 5 بصيغة تقديمية «كما هو مكتوب».

مؤلف مجهول

ضد نوفاتيان (حوالي 254-256 م)

– 18 (ANF 5:663) ~ يقتبس سيراخ 2: 10-11 بصيغة تقديمية «لأن هكذا يقول [الله]».

باسيليوس القيصري (حوالي 329-379 م)

عن الروح القدس

– 66-67 (NPNF 2 8:40-43) ~ في هذا النص الجدلي يناقش باسيليوس سلطة التقاليد غير المكتوبة التي تمتلك نفس قوة التقليد المكتوب.

– 74 (NPNF 2 8:46-47) ~ يتحدث عن غريغوريوس الكبير، ويقول إن كلماته كانت بمستوى كلمات الرسل والأنبياء، لأنه «سار بالروح نفسها مثلهم». كما يقول إن تنبؤاته لا تقل عظمة عن تنبؤات الأنبياء العظماء، وإن أعداء الكنيسة لقبوه «موسى الثاني»، ويضرب مثلًا بالطقوس التي أضافها غريغوريوس للكنيسة، ومنها صيغة التسبيح «المحفوظة في الكنيسة بناء على سلطته في التقليد».

كليمندس الإسكندري (توفي حوالي 215 م)

«المُعلِّم» أو «المسيح المُربّي»

– 1.8 (ANF 2:225) ~ يقتبس سيراخ 21: 6 بصيغة تقديمية «الكتاب الذي يقول».

– 2.2 (ANF 2:246) ~ يقتبس سيراخ 31: 19 بصيغة تقديمية «لذلك فإن الكتاب المقدس، مُقدِّمًا تلخيصًا شاملاً، عبَّر عن كل شيء في كلمة واحدة».

– 2.3 (ANF 2:247) ~ يقتبس باروخ 3: 16-19 بصيغة تقديمية «وبامتياز، الكتاب الإلهي يخاطب المتفاخرين ومحبي ذواتهم قائلاً».

– 2.5 (ANF 2:250) ~ يسبق الاقتباس من سيراخ 21: 20 صيغة «يقول الكتاب».

– 2.8 (ANF 2:255) ~ يقتبس سيراخ 38: 1-2، 8 بصيغة تقديمية «يقول الكتاب».

– 2.8 (ANF 2:257) ~ يقتبس سيراخ 39: 26-27 بصيغة تقديمية «لذلك يقول الكتاب».

– 3.3 (ANF 2:275) ~ يسبق الاقتباس من سيراخ 25: 6 صيغة «يقول الكتاب».

– 3.3 (ANF 2:277) ~ يقتبس سيراخ 19: 29-30 بصيغة تقديمية «يقول الكتاب».

– 3.4 (ANF 2:278) ~ يقتبس سيراخ 11: 29 بصيغة تقديمية «من هنا يحث الكتاب بقوة»، ثم يتبعه مباشرة باقتباس سيراخ 9: 16 بصيغة «وفي موضع آخر».

– 3.11 (ANF 2:285) ~ يقتبس سيراخ 21: 21 بصيغة تقديمية «وفقًا للكتاب».

– 3.11 (ANF 2:288) ~ يسبق الاقتباس من سيراخ 26: 9 صيغة «يقول الكتاب».

«ستروماتا» (البُسُط)

– 1.28 (ANF 2:340) ~ يقتبس نصًا غير موجود في الكتاب المقدس بصيغة تقديمية «بحق إذن، الكتاب … يحثنا».

– 4.16 (ANF 2:428) ~ يقتبس سفر الحكمة 3: 2-4 و3: 5-8 بصيغة تقديمية «تقول الحكمة الإلهية عن الشهداء».

دساتير الرسل القديسين

– 1.1.1 (ANF 7:391) ~ يقتبس طوبيا 4: 16 بصيغة تقديمية «هنالك قانون واحد لله، بسيط، حقيقي، حي، وهو هذا».

– 4.2.11 (ANF 7:436) ~ يقتبس سيراخ 30: 11 بصيغة تقديمية «مُعلِّمًا إياهم الكتب المقدسة، التي هي مسيحية وإلهية، ويسلّمهم كل كتابة مقدسة».

– 8.4.44 (ANF 7:498) ~ يجمع أمثال 23: 29-30؛ سيراخ 31: 25-31؛ أفسس 5: 18؛ أمثال 26: 9 بصيغة تقديمية «لأن الكتاب لم يقل: لا تشرب خمرًا؛ بل ماذا يقول؟».

مجمع أفسس (431 م)

– رسالة مجمع أفسس إلى مجمع بامفيليا (NPNF 2 14:236) ~ يقتبس سيراخ 32: 19 بصيغة تقديمية «لأن الكتاب الموحى به إلهيًا يقول».

كبريانوس القرطاجي (200-258 م)

الرسائل

– 54.15 (ANF 5:345) ~ يقتبس سيراخ 16: 1-2 بصيغة تقديمية «كما قال الرب بواسطة النبي».

– 61.1 (ANF 5:357) ~ يقتبس سفر الحكمة 3: 11 بصيغة تقديمية «ومرة أخرى مكتوب».

– 64.2 (ANF 5:366) ~ يقتبس سيراخ 7: 29، 31 بصيغة تقديمية «وفوق ذلك فإن سليمان، المؤيد بالروح القدس، يشهد ويعلّم عن سلطة الكهنة وقوتهم قائلاً».

– 68.7 (ANF 5:374) ~ يقتبس سيراخ 28: 24 بصيغة تقديمية «مكتوب».

– 80.2 (ANF 5:407) ~ يقتبس سفر الحكمة 3: 4-8 بصيغة تقديمية «ومرة أخرى، حيث يتحدث الكتاب المقدس عن التعذيبات التي تكرّس شهداء الله، وتقدّسهم في محنة الألم نفسها».

الحث على الاستشهاد

– مقدمة 1 (ANF 5:496) ~ يصرّح بأنه في الرسالة سيجمع «من الكتب المقدسة بعض الحث على إعداد وتقوية عقول الإخوة»، وفي كامل الرسالة يشير إلى سفر الحكمة وسيراخ وبيل والتنين وطوبيا والمكابيين الثاني باعتبارها كتبًا مقدسة.

– 11 (ANF 5:503) ~ يقتبس بيل والتنين 5 بصيغة تقديمية «ودانيال، المكرّس لله والممتلئ من الروح القدس، يصيح قائلاً».

– 12 (ANF 5:505) ~ يقتبس سفر الحكمة 3: 4-8 بصيغة تقديمية «الروح القدس يُظهر ويتنبأ بواسطة سليمان قائلاً».

عن لباس العذارى

– 10 (ANF 5:432-33) ~ يقتبس سفر الحكمة 5: 8 بصيغة تقديمية «حيث يقول الكتاب المقدس».

عن الغيرة والحسد

– 4 (ANF 5:492) ~ يقتبس سفر الحكمة 2: 24 بصيغة تقديمية «كما هو مكتوب».

عن الصلاة الربانية

– 32 (ANF 5:456) ~ يقتبس طوبيا 20: 8 بصيغة تقديمية «وهكذا يعلّمنا الكتاب المقدس قائلاً».

عن الموت

– 9 (ANF 5:471) ~ يقتبس سيراخ 2: 1، 4-5 بصيغة تقديمية «الكتاب المقدس يعلّم وينذر قائلاً».

– 23 (ANF 5:474-75) ~ يقتبس سفر الحكمة 4: 11 بصيغة تقديمية «وفوق ذلك أيضًا، الروح القدس يعلّم بواسطة سليمان».

عن وحدة الكنيسة الكاثوليكية

– 17 (ANF 5:427) ~ يقتبس سيراخ 28: 24 بصيغة تقديمية «كما هو مكتوب».

ميثوديوس (توفي حوالي 311 م)

«وليمة العذارى العشر» (عن العِفَّة)

1.3 (ANF 6:312) ~ يقتبس سفر الحكمة 3: 16 بصيغة تقديمية: «ولكي لا تجدوا ملجأً خلف جدار آمن، مقدمين الكتاب الذي يقول».

2.6 (ANF 6:316) ~ يقتبس سفر الحكمة 4: 6 بصيغة تقديمية: «هو [الله] يقول».

«عن القيامة»

1.8 (ANF 6:365) ~ يقتبس سفر الحكمة 1: 14 بصيغة تقديمية: «لذلك أمر الله بالخلق بغرض وجوده واستمراره، كما يؤكد أيضًا سفر الحكمة قائلاً».

أوريجانوس (حوالي 185-254 م)

«في المبادئ الأولى» (De principiis)

2.8.3 (ANF 4:288) ~ يقتبس سيراخ 43: 20 بصيغة تقديمية: «إن ريح الشمال موصوفة في الكتاب المقدس بأنها باردة، كما ورد في سفر الحكمة».

2.9.1 (ANF 4:289) ~ يقتبس سفر الحكمة 11: 20 بصيغة: «بالإضافة إلى ذلك، كما يقول الكتاب المقدس».

3.1.14 (ANF 4:315) ~ يسبق الاقتباس من سفر الحكمة 7: 16 صيغة: «كما يصرح الكتاب المقدس».

«ضد كِلسُس» (Against Celsus)

3.72 (ANF 4:492) ~ يقتبس سفر الحكمة 7: 25-26 بصيغة تقديمية: «ورداً على ذلك نقول: إن الحكمة هي معرفة الأمور الإلهية والبشرية وأسبابها، أو كما يُعرِّفها كلمة الله».

7.12 (ANF 4:615) ~ يقتبس سيراخ 21: 18 مع بطرس الأولى 3: 15 بصيغة تقديمية: «ولكن عليه أن يعلم أن أولئك الذين يرغبون أن يعيشوا وفقًا لتعليم الكتاب المقدس يفهمون هذا القول».

«عظات على سفر العدد»

16.4 ~ يلاحظ أوريجانوس أنه على الرغم من أن النبي جاد أخبر داود أن الوباء سيستمر ثلاثة أيام، إلا أنه في الواقع استمر فقط من الفجر إلى الظهيرة (2 صموئيل 24: 15، الترجمة السبعينية). يؤكد أوريجانوس أن الله لم يقل «وباء لثلاثة أيام»، لأن «العبارة موجودة في كلمات الله وليس في أوامر الله، والأمور التي تُقال عن طريق نبي لا تؤخذ دائمًا كأنها قيلت من الله. وعلى الرغم من أن الله قال أشياء كثيرة من خلال موسى، إلا أن موسى أمر بأمور أخرى بسلطته الشخصية [يُعطى مثالاً هنا وثيقة الطلاق]… ويُبيّن بولس أيضًا أشياءً في رسائله، عندما يقول في بعض الأمور: «الرب يقول وليس أنا»، وفي أمور أخرى: «وأما هذه الأمور فأقولها أنا، لا الرب» (1 كورنثوس 7)».

«شرح إنجيل يوحنا»

1.5 (ANF 9:299) ~ «قد يعترض هنا أحدهم مستندًا إلى الفكرة التي طُرحت سابقًا بأن الثمار الأولى تأتي أخيرًا، وقد يقول إن أعمال الرسل ورسائلهم جاءت بعد الأناجيل، وهذا يدمِّر حجتنا بأن الإنجيل هو الثمار الأولى لكل الكتاب المقدس. وللرد على ذلك نقول: إنه اقتناع الأشخاص الحكماء في المسيح، الذين استفادوا من هذه الرسائل الموجودة، والذين يرون أنها مثبتة بشهادات مودعة في الناموس والأنبياء، أن الكتابات الرسولية يجب إعلان حكمتها وأنها جديرة بالتصديق، وأن لها سلطة عظيمة، لكنها ليست على المستوى نفسه مع عبارة «هكذا يقول الرب القدير» (2 كورنثوس 6: 18). تأمل في هذه النقطة كلمات القديس بولس. عندما يعلن أن «كل الكتاب موحى به من الله ونافع» (2 تيموثاوس 3: 16)، هل يشمل كتاباته هو أيضًا؟ أم لا يشمل مقولته «أقول أنا وليس الرب» (1 كورنثوس 7: 12)، و«هكذا أنا آمر في جميع الكنائس» (1 كورنثوس 7: 17)، و«ما احتملته في أنطاكية وإيقونية ولسترة» (2 تيموثاوس 3: 11)، وأشياء مشابهة يكتبها بسلطته الشخصية ولا تحمل تمامًا طابع الكلمات النابعة من الوحي الإلهي. علينا أيضًا أن نبيّن أن الكتاب القديم ليس إنجيلاً، لأنه لا يشير مباشرة إلى القادم، بل يتنبأ عنه ويعلن مجيئه في زمن مستقبلي. أما كل الكتاب الجديد فهو الإنجيل. فهو لا يقول فقط كما في بداية الإنجيل: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا 1: 29)، ولكنه يحتوي أيضًا على العديد من التمجيدات له، والكثير من تعاليمه، التي بسببها صار الإنجيل إنجيلاً. ثم إذا كان الله قد جعل في الكنيسة رسلاً وأنبياء ومبشرين ورعاة ومعلمين (أفسس 4: 11)، علينا أن نستفسر أولاً عن دور المبشر، ونرى أنه ليس فقط سرد كيف شفى المخلص رجلاً أعمى منذ مولده (يوحنا 9: 1)، أو أقام ميتًا قد أنتن (يوحنا 11: 39)، أو ذكر الأعمال العجيبة التي صنعها؛ وحين يتم تحديد دور المبشر بهذا الشكل، فلن نتردد في إيجاد الإنجيل في مثل هذا الحديث أيضًا، ليس فقط في السرد، بل أيضًا في النصوص التشجيعية التي تهدف إلى تقوية الإيمان برسالة يسوع؛ وبهذا سنصل إلى القول إن كل ما كتبه الرسل هو إنجيل. قد يعترض أحد على هذا التعريف الثاني بأن الرسائل لا تحمل عنوان «الإنجيل»، وأننا مخطئون في إطلاق اسم الإنجيل على كل العهد الجديد. لكننا نجيب على ذلك بأنه في الكتاب المقدس ليس من النادر عندما يُطلق الاسم نفسه على شخصين أو شيئين أو أكثر، فإن الاسم يُستخدم بطريقة خاصة مع أحد هؤلاء الأشخاص أو الأشياء. فمثلاً يقول المخلص: «لا تدعوا لكم معلمًا على الأرض» (متى 23: 8-9)، بينما يقول الرسول إن معلمين قد وُضعوا في الكنيسة (أفسس 4: 11). وبالتالي، فهؤلاء لن يكونوا معلمين بالمعنى الدقيق لقول الإنجيل. وبنفس الطريقة، لن يمتد الإنجيل في الرسائل إلى كل كلمة فيها، عندما تتم مقارنتها برواية أعمال يسوع وآلامه وأحاديثه. لا، الإنجيل هو الثمار الأولى لكل الكتاب المقدس، ولهذه الثمار الأولى نكرّس الثمار الأولى من جميع أفعالنا التي نأمل أن تتحقق كما نرغب».

فنسنت الليريني (حوالي 450 م) «التذكير»

21.51 (NPNF 2 11:146) ~ يقتبس أمثال 22: 28؛ سيراخ 8: 14؛ 10: 8 بصيغة تقديمية «حيث تصرخ الأقوال الإلهية عاليًا». وفي 2.5 يصرح فنسنت بأن قانون الكتاب المقدس قد تم إغلاقه.

الآباء والوحي

فيما يلي عينة صغيرة من الفهم الواسع لدى آباء الكنيسة لمفهوم الوحي. تم ترتيب الأمثلة أبجديًا.

كليمندس الإسكندري (توفي حوالي 215 م)

«الحث على الوثنيين»

– 6 (ANF 2:191) ~ يصرح بعض الفلاسفة (مثل أفلاطون) أن الإله الحقيقي الوحيد هو الله، وأن أقوال هؤلاء الفلاسفة «سُجِّلت بوحي من الله».

– 6.17 (ANF 2:517) ~ «إضافةً إلى ذلك، فإن أفكار الرجال الفاضلين تأتي من خلال وحي من الله».

كليمندس الروماني

رسالة كليمندس الأولى (حوالي 96 م)

– 47.3 (ANF 1:18) ~ يذكر أن بولس كتب «بوحي حقيقي»، ثم يصرّح في 63.2 أنه (مؤلف رسالة كليمندس الأولى) قد كتب رسالته بواسطة الروح القدس.

– 63.2 (LCL 1:119) ~ «لأنكم سوف تمنحوننا الفرح والسرور إن كنتم تطيعون الأمور التي كتبناها [في رسالة كليمندس الأولى] بالروح القدس».

مجمع أفسس (431 م)

الرسالة السينودية (Acta conciliorum oecumenicorum، ص 70، سطر 11) ~ تصف قرار المجمع بإدانة نسطوريوس بأنه «قرارهم المُلهم إلهيًا (ثيوبنيوستوس)».

كبريانوس القرطاجي (200-258 م)

«الحث على الاستشهاد»

– مقدمة 1 (ANF 5:496) ~ يوضح أنه يكتب هذه الرسالة «مسترشدًا بمساعدة الوحي الإلهي».

كيرلس السكيثوبولي (القرن السادس)

«حياة سابا»

– 16 ~ يصف مجموعة من الرهبان المنعزلين بالقول: «بنعمة الله، بلغ عدد جماعته سبعين شخصًا، جميعهم مُلهمون (ثيوبنيوستوس)، وجميعهم حاملون للمسيح».

يوسابيوس القيصري (حوالي 260-340 م)

«التاريخ الكنسي»

– 6.29.3 (NPNF 2 1:275) ~ يروي قصة اختيار أسقف جديد بوصف اختياره مُلهمًا: «حينئذ هتف جميع الشعب وكأنهم مدفوعون بروح إلهية واحدة بكل حماسة واتفاق، قائلين إنه [فابيانوس] مستحق، وعلى الفور أخذوه ووضعوه على الكرسي الأسقفي».

«خطبة في مدح قسطنطين»

– 11.3 (NPNF 2 1:595) ~ «أولئك الذين استُنيروا في المعرفة السماوية بقوة الروح الإلهي، يفهمون جيدًا السبب ويُعجبون ويباركونك بحقٍّ لهذا المشورة والقرار الذي ألهمته السماء نفسها. ومن جهة أخرى، فإن الجاهلين والعميان روحيًا ينظرون إلى هذه الأمور بسخرية واستهزاء، ويعتبرون من الغريب وغير اللائق أن يُضيّع أمير عظيم جهوده على قبور وآثار الموتى». هذا يُظهر أن نشاط الروح في إعطاء المعرفة لم يكن محصورًا على كُتّاب الكتب المقدسة أو في زمن الرسل فقط.

«حياة قسطنطين»

– 1.11.2 (NPNF 2 1:485) ~ يطالب يوسابيوس بالإلهام لكتابة «حياة قسطنطين»: «دعوني ألتمس عون الله، وليكن معي المساعدة المُلهمة للكلمة السماوية، بينما أبدأ تاريخه منذ أبكر فترات حياته».

– 3.26.6 (NPNF 2 1:527) ~ يذكر يوسابيوس أن قسطنطين قام ببناء كنيسة عند قبر المُخلّص «متحركًا تحت إرشاد الروح الإلهي».

– 3.48 (NPNF 2 1:532) ~ يزعم يوسابيوس أن قسطنطين «ممتلئًا بالحكمة الإلهية» كان عازمًا على تطهير القسطنطينية من الشر.

«خطبة قسطنطين إلى جماعة القديسين»

– 2 (NPNF 2 1:562) ~ يورد يوسابيوس عظة منسوبة لقسطنطين. والواعظ (إذا كان قسطنطين نفسه) لا يعتبر الإلهام محصورًا في الكتب المقدسة فقط: «ليكن معي الإلهام العظيم للآب وابنه بينما أتكلم عن هذه الأمور».

– 18 (NPNF 2 1:574) ~ بعد تعليقات سلبية عامة عن «السبيلا الإريثرية»، يُدخل الكاتب كلمات تبدأ بهذه العبارة: «وفي مناسبةٍ واحدة، بينما اندفعت إلى هيكل خرافتها الباطلة، أصبحت فعلاً ممتلئة بالإلهام من أعلى، وأعلنت في أبيات نبوية عن مقاصد الله المستقبلية، مشيرةً بوضوح إلى مجيء يسوع بواسطة الحروف الأولى من هذه الأبيات، مكونةً كلمات متقاطعة: يسوع المسيح، ابن الله، المخلّص، الصليب. والأبيات نفسها هي كما يلي».

– 26 (NPNF 2 1:580) ~ «عندما يمتدح الناس خدماتي التي يعود أصلها إلى الإلهام السماوي، ألا يؤكدون بوضوح حقيقة أن الله هو سبب الإنجازات التي قمت بها؟».

غريغوريوس النازينزي (حوالي 329-389 م)

«الخطابات»

– 21.33 (NPNF 2 7:279) ~ «هنا أيضًا ظهرت بوضوح شديد بساطة أثناسيوس وثبات إيمانه بالمسيح. فعندما كان جميع الباقين الذين تعاطفوا معنا منقسمين إلى ثلاثة أحزاب، وكان الكثيرون مترددين في تصورهم للابن وأكثر منهم في تصورهم للروح القدس (وهي نقطة كان يكفي فيها القليل من الخطأ للبقاء أرثوذكسيًا)، وكان القليلون جدًا صحيحين في كلا النقطتين، كان هو الأول والوحيد أو مع قلة قليلة جدًا، الذي تجرأ أن يعترف كتابةً، بكل وضوح، بوحدة اللاهوت وجوهر الأقانيم الثلاثة، وبالتالي حقق في أيام لاحقة، تحت تأثير الوحي، الإيمان نفسه فيما يتعلق بالروح القدس الذي مُنح في وقت سابق لمعظم الآباء فيما يخص الابن. هذا الاعتراف، هدية ملكية وفخمة حقًا، قدمه للإمبراطور، مقابلًا الابتكار غير المكتوب، بسرد مكتوب عن الإيمان الأرثوذكسي، لكي يُهزم إمبراطور بإمبراطور، وعقل بعقل، وكتابة بكتابة».

غريغوريوس النيصي (توفي حوالي 385 م)

«دفاع في ستة أيام الخلق» (Apologia in Hexaemeron)

PG 44:61–62 ~ يشير غريغوريوس إلى تعليق باسيليوس على الأيام الستة الأولى للخلق باعتباره «شرحًا مُلهَمًا (ثيوبنيوستون)، يُعجَب به بما لا يقل عن الكلمات التي كتبها موسى نفسه». ثم يضيف أن العلاقة بين عمل موسى عن الأيام الستة الأولى وعمل باسيليوس حول نفس الموضوع، يمكن القول إن الأخير يفوق الأول في الحجم والجمال والتعقيد والصياغة.

إيريناؤس (حوالي 115–202 م)

«ضد الهرطقات»

5.8.1 (ANF 1:533) ~ «لكننا نستقبل الآن جزءًا معينًا من روحه، يتجه نحو الكمال، ويُعدُّنا للخلود، بينما نعتاد شيئًا فشيئًا أن نستقبل الله ونحتمله».

حياة أبركيوس (المؤلف غير معروف)

«حياة أبركيوس» (القرن الرابع؛ نُقلت بواسطة سمعان ميتافراستس حوالي القرن العاشر)

76 ~ تصف شاهد القبر الذي كتبه أبركيوس (أواخر القرن الثاني الميلادي)، أسقف هيرابوليس، لنفسه باعتباره نقشًا مُلهَمًا (ثيوبنيوستون).

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading