القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: صادق بكة، تأليف: وجدان العلي

خُلاصة كتاب:

صادق بكة

تأليف: وجدان العلي

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

قلمٌ دار على استحياء في فَلَك النُّور، يقبس بعض الضَّوء والسَّكينة من ذلك القلب الذي أقام الله حياته آية دالَّة على جلال صدقه وعظمة أخلاقه ﷺ

المُقدِّمة

الحمد لله الذي من علينا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

… ونصبت في ميدان الوجود حضارةً كانت هي الصورة الأمثل لما يمكن أن يبلغه الإنسان في هذا الوجود؛ علما وعملا وقيامًا بالقسط والعدل الذي يسع الناس جميعاً.

… وأردت أن يكون سيدنا أبو القاسم شاخصاً بنفسه وسنته وحياته في هذا الكتاب.

… وتسمو بقلوبنا إلى مطالعة نفسه الشريفة وشمائله وأخلاقه، التي تقوم وحدها دليلا على أنه كان أعظم البشر صلوات الله وسلامه عليه،

قبل البدء

ونبت في أرض جزيرة العرب نفوس لم يزل عالمنا إلى اليوم مدينا لهم بالفضل في تعريفه معنى «الإنسان»، ومعنى أن يقوم هذا الإنسان بحضارة كانت التجلي الأسمى للعمران بمعناه الجليل؛ إنسانًا وبنيانًا، و {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}!

هنالك

… بعيدا عن صخب مكة، وضجيجها، وغبارِ الوثنية الذي تناثر أصناما تحاصر البيت الحرام، حصارًا ناطقا بسلطان الشرك، وهيمنة الخرافة على الحق،

مرتفعاً جلس هنالك في عزلته، يطالع الأفق الذي يليق به، الليالي ذواتِ العدد، في غار حراء، وقد خلت نفسه من طلب شيء، إلا أن يكون عبدا للذي فطر السموات والأرض!

وهذا الفراغ الشريف في نفسه؛ برهان ناضر لا يخفت على صدقه وخلوص معدنه من ألواث الجاه وأثقال التطلع إلى الدنيا وزخارفها!

فما كان رسول الله ﷺ يطرق مكانًا أو يحل بمنزل، إلا وبين يديه نعت الناس له بالصدق والأمانة، يقولون: جاء الصادق جاء الأمين!

قد أنطقهم الله تعالى بنعت يجمع خَصْلَتَيْن هما عماد دعوة أي رسول، فمن كان صادقًا أمينًا، كان مُصَدِّقًا مأمونا في خبره وإرشاده!

رجفة الغار

ذلك المشهد الهائل بسطوته وجلاله، وهيبته الشاهقة في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لا يُبقي في النفس مكانًا تأوي إليه شبهة شك في أن ذلك هو رسول الله ﷺ، صدقا!

لقد خاف وأبان لزوجه عن هذا الخوف بيانًا عارياً من أصباغ التجمّل، بيان نفس أمينة: لقد خشيت على نفسي!

وتوارت عن ذاكرته الرؤى التي كان يراها فتأتي متحققة في ميدان الوجود كفلق الصباح لا كذب فيها، وكل ما كان من إرهاصات سبقت و صحبت مَقْدِمَه.. طُويَ كل هذا من نفسه، ولم يحضره قط حينها كأن لم يكن!

وهذا عجيب!

تلك خشية كبرى تنطق بفراغ نفسه من التطلع إلى هذه المنة العظمى!

الدعي يتلهف إلى الوهم يجعله حقيقةً؛ والكذب ينسج له رداء زائفا الصدق؛ والضلال يزخرفه ويزينه حتى لكأنه من شُعَبِ الهُدى!

وما تدبرت القرءان حتى وجدته يلح إلحاحا مستفيضا على تلك الحقيقة التي تجعل الإيمان بأن هذا الرجل نبي، والقرءان كلام الله؛ بداهة عقليةً لا يملك إنسان لها دفعاً!

هذا الإلحاح القرءاني الراسخ على أن الله هو الذي علمه، وأنه لم يكن ليعلم لولا أن الله علمه، وأن الله هو الذي تفضل عليه، وهو الذي منَّ عليه بالنبوة والكتاب، وأنه هو الذي يثبته، وأنه هو الذي يحفظه، وأنه هو الذي يؤيده بنصره، وأنه هو الذي جمع القلوب عليه، وهو الذي ألف بينها بميثاق الحب والإخاء:

{مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ..}

{مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ…}

{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ..}

{ومَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ..}

{وإن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ..}

{هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم..}

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ..}

{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائفَةٌ مِّنْهُم أَن يُضِلُّوكَ..}

{وَلَوْلَا أَن ثَبَّتَنَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرَكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا..}

{قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا..}

{قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكُ..}

{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ..} إلخ.

تلك الآيات التي لو ذهبت أسرد أمثالها هنا لطال الأمر جدا؛ لأن كل ما في القرءان ينطق بأنه كلام الرب تعالى، وكل ما في القرءان ينطق أن محمداً عبد الله ورسوله!

كلَّا والله!

كلَّا والله لا يُخزيك اللهُ أبدًا!

… ومن تكرار اسم الله وإظهاره؛ ما يدل على عناية الله تعالى بنبيه إذ اصطفى له هذه الزوجة الربانية التي تضع الحرف موضعه، وتوغل في قلب زوجها بالإيمان والحنان معا، والإيمان والحنان إذا اجتمعا في قلب الزوجة كانت مهادَ سكينة حيًّا في حياة زوجها!

ثم أبانت بعد هذا الإجمال الجميل فقالت:

إنك لتَصِلُ الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَقْري الضيف، وتَكسب المعدوم، وتُعين على نوائب الحقِّ!

… ما استطال على أحد، ولا عُرف بكبر، وما تقحم مظلمةً، ولا قارف ريبةً، ولم تلحقه نقيصة، وما أعان على أذى قطُّ، يوم كانت الاستطالة على الناس، والغارة عليهم في الليل، والاحتكام إلى السيف؛ مَحْمَدَةً تُكسب المرء فَخارًا في قومه، وتُبقي اسمه خالدًا في قوافي الشعراء وحكايات السُّمَّار في الأندية والمحافل!

بيان وَرَقَة!

هذا البيان الرحيم من أمنا خديجة، ينهض معها ليعرضا الأمر على ورقة بن نوفل، يستظهر الأدلة، ويستبين الأمر، شأن الصدق إذا قام في قلب صاحبه، فهو يحمله على الاستبانة وبحث جذور الأمر، حتى يطمئن إلى ثمرته في نفسه.

فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا (صغير السن)، ليتني أكون حيًّا إِذْ يُخْرِجُك قومك!

فقال رسول الله ﷺ: «أوَمُخْرِجيَّ هُم»؟!

قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإنْ يُدْرِكْني يومُك أنصُرْك نصرًا مُؤَزّراً.. ثم ما لبث ورقة أن مات.

هذا كل ما كان بينه وبين ورقة، ولم يكن منه إليه شيء سوى هذا السؤال الأليم: أومخرجي هم!

… لتموت معه أسطورة الذين يزعمون وجوداً بشرياً في رسالة محمد ﷺ، ويشيرون إلى ورقة!

فترة الصدق!

ويفتر الوحي!

كيف يكون شأنا بشريا ويفتر عنه الوحي، ويجد في قلبه ألم الحزن ولذع الوحشة، حتى لقد كان يصعد شواهق الجبال ليتردى منها أفيكون الأمر منه، وبتدبيره ومكره واختلاقه -وحاشاه- ويصعد فيلقي بنفسه من شاهق؟!

تنبيه: خبر التردي من الجبال لا يصح سندا، وهو هَدَر، ولكني أدرجته هنا حتى لا يتمسك به الطاعنون؛ فإنه دلالة صدق لا شيء فيه!

أيكون شأناً بشريا ويفتر الوحي من بعد أن استعلن بدعوته، وهو يرى ويسمع تطاول السفهاء وسخريتهم من ذلك، وهم يقولون: لقد قلى مُحمدًا ربُّه!

ولو عقلوا لكان في فتور الوحي مَقْنَعٌ لكل ذي عقل؛ أن الأمر ليس من محمد الله، ولا هو من قوله، ولو كان، وحاشاه، لدفع عن نفسه خوضَهم فيه بالأذى، ولنسج لنفسه درعا من الآيات – وليس بمستطيع – تردُّ عنه عادية سهامهم المشتعلة!

لم يكن منه إلا صمت العابد الصابر المهموم، حتى أضاءت نفسه بنور {وَالضُّحَى * وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}.

ناس الصحراء

يقول ﷺ عن تلك الأيام الأولى: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعتُ بصري، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض! فرعِبْتُ منه، فرجعت فقلت: زملوني!»

فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِرُ قُمْ فَأَنذِرَ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. فحمي الوحي وتتابع.

وما أَمْرُ أبي سفيان بين يدي هرقل وسؤالاته المشهورة؛ عنا ببعيد..

فقد قال ﷺ، وكان إذ ذاك مشركًا: «فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبا لكذبت عنه»!

ويوم جاءت هند رضي الله عنها مبايعة بعد الفتح قالت للنبي ﷺ وهو يأخذ العهد على النساء أن لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجُلِهِنَّ، فقالت بلهجة المستنكر الغضوب: أوَ تزني الحُرَّة؟!

ويعجبني هنا أن أتحفك بهذا النص الشريف لأحد أئمة ويعجبني العلم، وهو العلامة محمد البشير الإبراهيمي، وهو يتحدث عن هذه الأمة الشاعرة وما صنعته الصحراء فيهم وما صنعوه معها، فيقول:

فإن هذه الصحراء التي هي آية من آيات الله. في أرضه، أو هي باب الفلسفة من هذا الكتاب الأرضي لم يعمرها الله بأمة تشرّبت معانيها وتغلغلت في دقائقها، ولاءمت روحُها روحَها مثل الأمة العربية!

وسل التاريخ ينبئك، فهو لم يعرف أمةً خلعت عليها الصحراء فطرتها وأفرغت عليها إفراغاً سابعاً غير الأمة العربية.

ومن ههنا جاشت نفوس العرب وتفتقت قرائحهم عن روائع الفلسفة الوصفية للصحراء وأرضها وسمائها وليلها ونهارها وأغوارها وأنجادها وبراريها القاحلة وشجراتها ومعايشها وقيظها وصرّها وحيوانها ونباتها!

وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف النجوم، حتى قربتها تشبيهاتهم إلى الإدراك البشري، واعتبر ما قالوه في سهيل والجوزاء والسَّمَاكين؛ الأعزل والرامح، والثريا والخضيب والدَّبَرَان والنَّسْرَيْن الواقع والطائر، على كثرة النجوم وكثرة ما قالوه فيها، وإذا كانت النجوم لا تُحْصَى عدا، فقُلْ ذلك فيما قالته العرب فيها.

ومن بدائع تشبيهاتهم في النجوم أخذ المعري تلك المنازع الغريبة وتلك النظرات الفلسفية البعيدة الغور المنبتة في لزومياته، وهي باب على حِدَةٍ من فلسفته الكونية، وما نبع ذلك الزلال، ونبغ ذلك السِّحْرُ الحلال إلا مما تركه العرب من تشبيهاتهم لها وتخيلاتهم فيها.

وانظر أوصافهم البديعة لظلمة الليل وروعته وأثرها في نفوسهم وقارن ذلك بوصفهم للنجوم؛ ينكشف لك بعض السر من تلك النفوس وارتباطها بكونها وامتزاجها به، ولا أُبعد إذا قلتُ: إنه ليس للأمم مجتمعةً ما للعرب في هذا الباب.

وليس لأمة من الأمم ما لهم في وصف الحيوانات الضارية.

وإن أمم الحضارة على وفرة أدواتها لم تدرس الضواري إلا بعد أن دجنتها وفاتهم أن التدجين يذهب بكثير من الخصائص الطبيعية لها، فيفوت بذلك على الدارس كثير من النتائج، واعتبر ذلك بتدجيننا ـ ونحن بشر ـ كيف اغتال خصائصنا ومقوّماتنا، ومسخ معنوياتنا حتى أصبحنا أحط من بعض أنواع الحيوان!

أما العرب فخالطوا الضواري في أغيالها واقتحموا مآسِدَ خَفَّانَ والثَّرِيّة وتَرْج وغيرها، وذللت أرضها أقدامهم، ومنهم من عايش الضواري حتى ألفها وألفته وجمع بينهما عالم كعالم المثال عند الصوفية، فلطفت في السبع سَوْرَة السَّبُعِيَّة وشِرَّتُها وامتدت في العربي الميزة الحيوانية، وتقاربت الغرائز في الجو الحيواني الوسط، فصدق الوصف وحق التصوير. ولو لم يكن العربي أميًّا وكان ممن يدرس الأشياء على المناهج العلمية، لأتى العالم بالمعجزات.

وليس لأمةٍ من الأمم ما للعرب في وصف الحشرات والزواحف والإلمام بطبائعها ووجوه تصرفاتها وسعيها في معائشها وتناسلها ودراسة ما بينها من امتزاج وتنافر؛ وصف عن عيان ودراسة في الجو الطبيعي.

وإذا أردت أن تفهم بعض السر في خصيصة العرب في الوصف، فاعلم أنّ الصحراء لبستهم ولبسوها، حتى أصبحت حياتهم جزءاً منها فأورثتهم ملكة التأمل، ولو سميناها ملكة الحواس لكان هذا هو الصحيح، ومنها جاءتهم دقة الحس ولطافة الشعور وصدق التصوير، ولا نشترط على التاريخ أن يأتينا بأمةٍ أُمَّيَّةٍ من أُمَمِه يطاول بها أمة العرب في هذا الباب، بل نتنازل وندعوه لأن يأتينا بأمة من أمم الحضارة تستطيع أن تقف بجانب العرب في هذا الميدان!

من رسالة الضب في الأعمال الكاملة.

أما البيان وأما الشعر وأما الحرف يتهادى من فم أحدهم يدع المعنى ماثلًا يتوهج بالحياة، مضيئًا ينبض بالنور، كاملا كأنما صب فيه صاحبه روحه كلها وما فيها من عبقرية الوصف وجمال البيان ونفاذ الشعور؛ فهذا كاد يكون خالصاً لهم من بين الأمم، سبقا وإمامةً وبراعةً لا ينتهي جمالها، وعبقريةً يُبلس أمامها كل ذي بيان!

ناسُ السَّماء

حمل النبي ﷺ نور الوحي في صحراء مكةَ يصحبه خُلُقَانِ لا يتخلفان عنه:

تعظيم الحق: الذي يحمله فلا يلتوي في بيانه، ولا يتلعثم في تبليغه، ولا يداهن في اعتقاده.

الرحمة التامة: فلا يجلس قط عن استنقاذ النفوس من جاحمة النار، ويحتمل في سبيل فكاكهم من عذاب الله قيظَ الأذى ومرارة الخوض فيه بالكذب ممن كانوا بالأمس لا يذكرونه إلا بالصادق الأمين!

وكل من عرف النبي ﷺ، وعاينه ناجيا من شراك الكذب والتضليل التي نصبتها قريش بين الناس وبين دعوته؛ آمن به إيمانًا أسرع من البرق وأسلس من الماء!

فإنَّ شمائله وصفاته وحدها شاهدة على نبوته، ثم إنهم لأهل بيانٍ، فما هو إلا أن يطرق القرءان قلب الواحد منهم حتى يلج إلى بوابة الإيمان وإن كان عريقا في كفره من قبل!

وإنهم ليعلمون أن الذي يتلوه ويبلغه عن الله تعالى؛ كلام مفارق لسمت كلام البشر نثرا وشعرًا ورجزا وقصيدا، شهد بذلك عليهم سمعهم ونطقت به أفئدتهم، ووجد أحيانًا سبيله إلى ألسنتهم التي أقرت فقالت بيانا عجبا في نعت القرءان المجيد!

ودونك هذه القصة الفريدة وفيها ما يُغني عن غيرها:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزلت على النبي ﷺ سورة غافر قرأها النبي ﷺ في المسجد، فسمعها الوليد ثم انطلق إلى مجلس بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد كلاماً آنفًا، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إنّ أسفله لمُغْدِق، وإن أعلاه لمُونِق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يُعلَى. ثم انصرف.

فقالت قريش: لقد صبأ الوليد والله لئن صبأ الوليد لتصبأنَّ قريش كلها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه.

… قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك كاره له!

قال: وماذا أقول فيه؟! والله إنه ليس من كلام الإنس ولا من كلام الجن!

فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه!

… قالوا: نقول كاهن.

قال: والله ما هو بكاهن؛ فقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سَجْعِه.

قالوا: فنقول مجنون!

قال: والله ما هو بمجنون؛ فقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.

قالوا: فنقول شاعر!

قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهَزَجَه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بشاعر.

قالوا: فنقول ساحر.

قال: والله ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرَهم، فما هو بنَفْثِه ولا عُقَدِه.

قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟

قال: والله إن لقوله حلاوةً، وإن عليه طلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لمثمر، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر؛ فما يقول سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.

فلقد حاولوا حجب الناس عنه بالكذب، وحجبه عن الناس بالأذى، وصرفه عن الحق بالرهبة والرغبة، وحجب المؤمنين به عن الحق بالتعذيب والنفي والحصار!

فما نالوا من وراء هذا كله إلا الفشل، فما ارتد أحدٌ أصحاب النبي ﷺ سُخطة لدينه، وما نفعتهم كلمات السوء ودعايا التضليل، وما وجدوا بابا يصلهم إلى النبي ﷺ ليساوموه فيداهنهم!

ربيع الوحي

… والنبي ﷺ على صراط الصبر يهمس سرًّا بدعوته أربع سنوات،

ثم جاء الأمر الإلهي صريحاً في الإعلان بالنذارة: {وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}!

وكان أمرًا كبيرًا على نفس النبي ﷺ!

إن في نفسه من الرحمة بالناس ما يكسوه غما كاويا عند إعراضهم عن الوحي خشية تعرضهم لعقاب الله الأليم!

فإن القلب الذي صنعه الله تعالى ليسع العالمين برحمته؛ هو هو الذي يحتاج إلى صبر شاهق يسع آلام هذه الرحمة وجراحاتها عندما يُعْرِضُ الناس عن جمال النور إلى جحيم النار!

فنهض بالصدق نهضة البعث في بيداء ماتت فيها الهداية، وجمع قومه ثانيةً فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً

ما كذبتكم، ولو غررتُ الناسَ ما غَررتُكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة!

والله لتموتُنَّ كما تنامون، ولتُبْعَثُنَّ كما تستيقظون، ولتُحَاسَبُنَّ بما تعملون، ولتُجْزَونَ بالإحسان إحسانًا وبالسوء سوءاً، وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا!

وإنكم لأول من أُنْذِر، ومَثَلِي ومَثَلُكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي، أن يسبقوه فجعل يهتف: يا صباحاه!

فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك ومُرَافَدَتَك، وأَقْبَلَنَا لنُصْحِك، وأشدَّ تصديقنا لحديثك!

وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم، غير أني والله أسرعُهم إلى ما تحبُّ، فامض لِما أُمِرْتَ به، فو الله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أني لا أجد نفسي تطوع إلى فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.

وروى الشيخان والبلاذري عن ابن عباس، والشيخان عن هريرة، ومسلم عن قبيصة ابن المخارق، أن رسول الله لما أنزل عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام على الصفا فعلا أعلاها حجرا ثم نادى: يا صباحاه!

فقالوا من هذا؟

وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج يُرْسِلُ رسولًا لينظر ما هو.

فجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول الله ﷺ: إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تُغِيرَ عليكم أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا يشهدون على أنفسهم شهادة الحق في نعته بالصدق الخالص: ما جربنا عليك كذبا.

فهو يستنطقهم بما يكون حجّته عليهم إن عصوه وأطاعوا أهواءهم!

إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد!

فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟

فنزلت: {تَبَتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} إلى آخرها.

ملكوت الرحمات

وعلى ما كان من الأذى والسعير الذي لحقه وأصحابه؛ ما انتصر لنفسه قط، وما ضَعُفَ عن حَمل بشارة النور مهما أوقدوا حوله من نار الأذى والتضييق الذي تفننوا فيه بكل ما تحمله عبقرية الشر من عداء وعنت!

هل أتى عليك يوم كان أشدّ عليك من يوم أحد؟

فقال ﷺ: لقد لقيت من قومك!… وهي كلمة تدل على صنوف شتى الأذى كالذي يقول لك: لقد رأيت من الأهوال ما رأيت!

ثم قال ﷺ: وكان أشدَّ ما لقيت منهم يومُ العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبدِ يالِيلَ بنِ عبد كُلَالٍ، فلم يُجبني إلى ما أردتُ أحد!

ثم شرع النبي ﷺ يقول كلاما ينبض بالهم وكأن كل حرف منه قد اكتوى ألما وأذى، فقال:

فانطلقت على وجهي وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب!

ثم قال ﷺ: فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني وقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك.. وقد بعث إليك مَلَك الجبال لتَأْمُرَه بما شئت فيهم!

فناداني مَلَكُ الجبال فسلّم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا مَلَكُ الجبال، قد بعثني الله عزَّ وجلَّ لتأمرني بما شئتَ: إن شئتَ أَن أُطْبَقَ عليهم الأَخْشَبَيْن!

فقال النبي ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا.

إنه حديث عهد بأذى المشركين، فليس عفوه عنهم عفو المتكئ على أريكته، يقول ما يقول وهو ناعم في ظلال النعمة!

… وما عوتب على شيء مثل معاتبة ربه إياه على ما يعتمل في صدره من الآلام التي تكاد تعصف بنفسه ويموت منها كمدا أنهم لا يؤمنون:

{فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ}..

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِم إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}..

{فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ}..

{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ}..

{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ}..

في آيات كثيرة تواسيه وتمسح عن قلبه آلام صد المشركين عن الهدى وإصرارهم على النار!

كان الوحي وحده مهيمنا، فخلت مكة من صليل سيف، فلو شارك السيف في البدء الأول لجعله من يحب الثرثرة مجال اشتباه أن يكون من أسلم أسلم تحت بارقة السيف، وما أسلم من أسلم إلا بضياء الوحي ونور حامله وحسب!

لقد شهدت مكة غيابين لكل من:

السيف مع قوة الباعث إليه من أذى المشركين…

والمغنم الدنيوي!

وبقيت بوابة الوحي سبيلا واحدا للإيمان بالنبي ﷺ.

فقال أنيس: إن لي حاجةً بمكة فاكفني، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث عليَّ، ثم جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيتُ رجلًا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله.

قلت: فما يقول الناس؟

قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر! وكان أُنيس أحد الشعراء.

قال أنيس: لقد سمعتُ قول الكَهَنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون!

ويروي ابن عباس رضي الله عنهما طرفًا آخر من قصة أبي ذر رضي الله عنه فيقول: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني.

فانطلق الآخر حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر!

فقال: ما شفيتني فيما أردتُ.

ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانَه، فقال له النبي ﷺ: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري».

فقال: والذي نفسي بيده لأَصْرُحَنَّ بها بين ظهرانيهم! فخرج أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه!

فأتى العباس فأكبَّ عليه فقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنَّ طريق تجاركم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه.

وقد كان الذين يتركون جذور الوثنية التي نبتوا فيها، وينخلعون من ميراث الآباء والأجداد الشركي، يعلمون أنَّ مدَّ اليد إلى النبي ﷺ ببيعة الإسلام تعني مفارقة الراحة، ومواجهة الكيد العسر الذي أهونه الافتراء والكذب، وأشده التعذيب، وأعلاه القتل والتهجير ومفارقة الأهل والدار والخروج من المال، والهرب من الرصد، وذهاب السكينة.. وما زاد ذلك قلوبهم إلا بريقًا وضياء!

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ – يعني بيعة العقبة الثالثة ـ قال العباس بن عُبادة بن نَضْلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف:

«يا معشر الخزرج، هل تدرون علامَ تُبايعون هذا الرجل؟»

قالوا: نعم.

قال: «إنكم تبايعونه على حَرْبِ الأحمر والأسود من الناس، فإن كُنتُم تريدون أنكم إذا نَهِكَتْ أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلٌ؛ أسلمتموه، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة!

وإن كنتم تريدون أنكم وافون له بما عاهدتموه على نَهْكَةِ الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة»!

قالوا: «فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله؟»

قال: «الجنة».

قالوا: ابسط يدك. فبسط يده، فبايعوه.

والآيات المكية عامرة بتلك القواعد الإيمانية التي تقيم القلب في مشهد الآخرة، حتى إذا جاءت الدنيا من بعد جاءت لتلامس الجبلة الإنسانية، لا معدن الإيمان وجذره لتزيفه!

PAGE_SEPARATOR

قام رسول الله ﷺ خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار! ألم آتكم

ضُلَّالًا فهداكم الله – تعالى -، وعالةً فأغناكم الله، وأعداء فألَّف بين قلوبكم؟

قالوا: بلى يا رسول الله، الله ورسوله أمنُّ وأفضلُ.

ثم قال ﷺ: والله لو شئتم لقلتم فصَدَقْتُم وصدقتم، جئتَنا طريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فأمنَّاك، ومخذولا فنصرناك، ومُكَذَّبًا فصدَّقناك» فقالوا: المنّ لله تعالى ورسوله!

أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، تحوزونه إلى بيوتكم؟! فو الله لمَنْ تنقلبون به خير مما ينقلبون به!

فو الذي نفسي بيده لو أنّ النّاس سلكوا شِعبًا وسلكتِ الأنصار شِعبًا لسلكتُ شعب الأنصار.

أنتم الشِّعار والنّاس دِثار، الأنصار كرشي وعيبتي، ولولا أنها الهجرة لكنت امراً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار!

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله حظا وقسما.

فبكى النبي الله ﷺ معهم، ورَضِيَ عنهم، فكانوا بالذي قال أشدَّ اغتباطا وأفضل عندهم من كل مال!

اصطفاء

تحتشد الغنائم بين يديه حتى تكون كالكومة فلا يقوم حتى يفرقها في أيدي المسلمين، ولا يصيب منها من شيء!

إن النظر إلى أخلاقه لا ينبغي أن يكون نظرًا، مجردًا للخلق ذاته، ولكن للخلق في نفسه هو ﷺ.

فإذا قيل إنه كريم، زاهد، حيي، رحيم، متواضع؛ فإن تلك الخصال الشريفة تكتسب في شخصه حضوراً آخر يفارق نسق حضور ذلك الخلق في الناس، وتلك دقيقةٌ هامة جدا لابد من الانتباه إليها عند النظر في شخص النبي ﷺ.

هذا صفوان بن أمية الجُمحي، أقبل على النبي ﷺ ما حمله على الخروج إلا ابتغاء الغنائم.. يقول:

ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله – تعالى – شيئا هو أحب إلي منه. وفي صحيح مسلم أنه ﷺ أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة!

وكان صفوان طاف مع رسول الله – ﷺ – يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مملوء إبلا ممّا أفاء الله به على رسوله – ﷺ – فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال رسول الله ﷺ: «أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟» قال: نعم. قال: «هو لك بما فيه» فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله ﷺ ما طابت بهذا نفسُ أحدٍ قط إلا نبي!

ولقد يصف بعض الناس بعضاً بالتواضع، غير أن لهذا الخلق فلكًا علويًّا في نفس النبي ﷺ:

لقد كان ﷺ يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويكون في مهنة أهله!

وكان يقوم فيحمل التراب مع أصحابه في بناء المسجد وشق الخندق، ويجلس حيث ينتهي به المجلس لا يتمايز عنهم بثياب أو هيئة!

… أنا مثلكم أحمل التراب، وأحفر الخندق، وأضع الحجر على بطني، وأُطْعِمُ دابتي، وأحلب شاتي، وأرقع ثوبي وأرقع ثوبي وأخْصِفُ نعلي، وأداعب الصغار، وأمشي في الأسواق، وتأخذ الجارية بيدي فلا أردها، وأنام على الحصير!

إن الأمر هنا يتجاوز سقف التواضع إلى آفاق أخرى لا تنتهي من الجلال، أن يجلس بيننا أعظم الخلق، ولا نرتاع أنه هنا بجوارنا!

هذا جذع كان يخطب عليه في الناس، ففارقه إلى منبر صُنِعَ له – ولم يطلبه – فلما كان يوم خطبته وقف رسول الله ﷺ في الناس خطيباً من على منبره، وإذا صوتُ حنين وبكاء يملأ فضاء المسجد النبوي، فتناثرت الأعين بحثًا عن الصوت الذي كان حزينا أليماً لاهبًا كأنما هو خوار ثور، أو حنين ناقة، أو صياح صبي ملتاع!

وإذا هو الجذع…!

إن من اللافت للنظر حقا أنك ما ترى النبي ﷺ قط ـ في حياته كلها – دعا أحدًا من أصحابه إلى مشاهدة معجزة أو معاينة آية يجريها الله تعالى على يديه، إلا أن يكون ذلك مع المشركين والمعاندين..

لم يكن عبثًا أن يكون هذا الحديث حديثاً متواترا مقطوعاً، وهو كافٍ وحده للدلالة على أنَّ محمداً هو رسول الله ﷺ.

فلقد تلقَّته قلوب الصحابة رضي الله عنهم، وانطلقت به ألسنتهم، وشاع في الناس وعبر التاريخ ومساحات الزمن آيةً ناطقة بنبوة النبي، لا لحنين الجذع وسماع صوته وحسب، بل لفعله هو وسلوكه معه ﷺ، وهو أعظم آيةً من حنين الجذع.

كما أني أرى أن مقتضي هذه الشمائل الشريفة أن يكون حظه من النساء أكبر من حظ بقية أمته؛ لأن من أعظم المرايا الكاشفة عن أخلاق الرجل؛ أهل بيته، وقد قال ذلك: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

ولسن كُلُّهن نمطًا واحدًا من الصفات، ولو قصر نفسه على واحدة لقيل لو كان معه غيرها لما وسعتهم نفسه إحسانًا وصبرا!

وما كان منه إلا الشمائل المعجزة والأخلاق التي جعلت زوجاً من زوجاته تقول ـ والزوجة أعلم الناس بسر زوجها، وأخبَرُهم بدخيلة نفسه ـ: «كان خلقه القرءان»!

… فيتتبع مواضع طعامها وشرابها ليشرب منها، ويُلطف لها الخطاب، فيقول: إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةٌ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَي قُلْتِ لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَالله يَا رَسُولَ الله، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ»..

ويكون قافلا من غَزَاةٍ، وقد صحبته أمنا الصديقة فيأمر الجيش أن يتقدموا ليفسح للصديقة مجالا للمؤانسة واللطف، فيدعوها إلى مسابقته، فيسابقها فتسبقه، تنزلا منه وفضلا ﷺ، وإيناسًا لقلبها بالفرحة الطاهرة والبسمة المضيئة تشرح صدرها، وتغمره بالسعادة!

ثم تمر قوافل الأيام ويعيد النبي الكرة داعيا إياها للمسابقة، وقد بدنت، ونسيت ما كان، والنسيان هاهنا لتتابع الإحسان؛ فكل شأنه معها حب ورحمة، وإنما يذكر الإنسان الأمر إذا كان فريدا يقع في الفرط والندرة، ولكنَّ إحسانه كان سماء لا ينتهي أمدها في عيون الناظرين! فتقول: فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: «هَذِهِ بِتِلْكَ»!

ويأتي الحبشة إلى مسجد النبي ﷺ، فتحب الصديقة أن تنظر إلى لعبهم بالحراب، ولا يكون إطلالها على هذا المشهد الطريف، إلا وهي مسندة رأسها على كتف النبي ﷺ، ما بين أذنه وعاتقه، وهي تطيل الوقوف لا استزادة من النظر، بل إظهارا لمكانتها عند النبي ﷺ، فتقول أمنا: «فقال رسول الله: «حَسْبُك»، فقلت يا رسول الله لا تعجل، فقام لي، ثم قال: «حَسْبُكِ»، فقلتُ: لا تعْجَل يا رسول الله. قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي، ومكاني منه».

وقد كان ممكنا أن يقف إلى جوارها، دون أن يجعل من كتفه الكريم موئلا لرأسها تستند عليه وتطل على المشهد من خلاله، وقد كان ممكنًا أيضا أن لا يقف معها حتى تنتهي ـ وقد أطالت ـ بل كان مقبولا أن يقف قليلا ثم ينصرف لشأنه، وقد حُمِّل ما حُمِّلَ من أعباء الدعوة وأمر الأمة!

لكن هذا الإمكان كُلَّه منفي في حق الصديقة، ففي إفساحه الوقت لها شاهد حبّ لا يتلعثم وفي إطالة الوقوف، شاهد آخر، وفي هيئة الوقوف، شاهِدٌ ثالث، وفي احتماله إطالة الوقوف شاهد رابع، وفي رعايته لحداثة سنها، وصبره الودود، ولطفه الحاني شاهد وشاهد فهو موقف زاخر بشواهد الفضل التي لا تنتهي على أنه كان مثالاً فذا بين العالمين في معاملته أزواجه ﷺ.

لقد أوت إليه الأرملة (أمنا خديجة وأمنا أم سلمة وأمنا زينب بنت خزيمة وأمنا سودة، والمُطَلَّقَة (أمنا حفصة وأمنا زینب بنت جحش)، والمهاجرة الفارة بدينها (أم حبيبة) والمنكسرة بذَهَابِ سُلطان أهلها (أمنا صفية وأمنا جويرية)، والسُّرّية السيدة مارية، ولم يكن له زوج بكر غير (أمنا الصديقة) رضي الله عنهن جميعا؛ فوجَدْنَ كلَّهنَّ عنده أمان السكينة، وجلال الرحمة، وشرفَ الصحبة، وجمال العشرة، وروعة الاحتمال والصبر والإحسان.

مع أن بيوتاته كانت تسرد الصوم عن الدنيا فليس يُوقد فيها نار الشهر والشهرين، وما فيها إلا الماء والتمر، زهدا لا فقدا!

السيف!

لقد لقي أصحابه من العَنَتِ والتعذيب ما يجعل دعوتهم إلى السيف تسيل منه مكة وشعابها بالدم؛ أحبَّ شيء وأقربه إلى نفوسهم العزيزة المتألمة!

ولكنَّ هذا لم يكن منه في تربيته إياهم.

ومن عَلِمَ نفس العربي وما جُبِلت عليه من الأنفة، وما في أطوائها من رفض الضيم ومصادمته؛ علم أن هذا الصبر الذي رباهم عليه النبي ﷺ، صبر لا تطيقه إلا قلوب تطهَّرَتْ بالوحي.

وما كان للسيف أن تحمله يدٌ غير موصولةٍ بقلب مُصَفَّى من غدرات الجاهلية وسوادها، حتى إذا حملته فلحراسة الحق، وحطم الأسوار التي تحول بين الناس ونوره، ومتى أطلت الجاهلية بكلمةٍ أو حرفٍ أو شعار؛ نفاه النبي ﷺ ووضعه تحت قدمه.

هذا سعد بن عبادة يعطيه النبي رايته، فهو أمام الكتيبة، فلما مر سعد براية رسول الله – ﷺ – نادي أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة! اليوم أذلَّ الله قريشا!

فقال رسول الله ﷺ كذب سعد يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم يعظم الله فيه الكعبة، اليوم يوم تكسى فيه الكعبة، اليوم يوم أعزّ الله فيه قُرَيْشا!

ويوم أخطأ حبيبه وابن حبيبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما فقتل من قال لا إله إلا الله في ميدان المعركة!

غضب النبي ﷺ غضبًا عظيما عرف في وجهه ومنطقه، وجعل يهدر بالغضب فيقول: «مَنْ لكَ بلا إله إلا الله يوم القيامة»؟!

فقال أسامة له: يا رسول الله، إنما قالها مخافة السلاح!

فما التفت النبي الله لقوله ولا اعتذر عنه، بل قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ مَن لكَ بلا إله إلا الله يوم القيامة»؟!

قال أسامة: فما زال يقولها حتى وددت أني لم أُسلم إلا يومئذ!

لقد كان يحاصر النبي ﷺ الجاهلية في عقائدها، وتسللها إلى النفوس والقلوب والأرواح، وما جعل للسيف موضعاً فيه ثأر أو انتقام أو نُعْرَةٌ جاهليةٌ، بل ينحاز دوما إلى الرحمة…

وتلك حرب، يسقط فيها أول ما يسقط أخلاق الناس، وتغيب في دوامة صليل السيوف وفورة الدم كلُّ قاعدة أخلاقية، غير أن الذي أعاد السيف إلى هذا العالم جنديا في ظلال الحق، لا حكمًا يسعى بين الناس بالباطل؛ هو محمد رسول الله ﷺ.

فلم يكن لمن أفحش في طغيانه، وتعرض لأعراض المسلمين، وزاده الحلم عتوا وجبرونًا إلا أن يكون عبرةً، أمثال سلام بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وعبدالله بن خَطل، وأبي جهل، وسائر من تعدى كفره إلى الاستهزاء والاعتداء والأذى والتشهير، والخيانة التي بها ذهاب الحياة؛ فلا يقتن المسلمون فيشتبه عندهم الحلم بالخنوع، والصبر بالذلة!

ولربما كان في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لكم} ما يتسع به المعنى فيتجاوز كراهة النفوس القتال لما فيه من ذهاب الروح أو ألم الجسد، ليكون تعبيرًا عما في نفس النبي ﷺ من حبّ هداية الناس، وكراهة أن يحملوه على حربهم، وفي حياته شواهد هذا المستفيضة.

لكنه يدع من ورائه في كل موقف آيةً باقيةً تشهد له بالرسالة والصدق، ﷺ…

وضرب المثل الناطق بشفقته الرحيمة بالناس فقال:

«مَثَلِي ومَثَلُكُم كَمَثَلِ رجل أوقد نارا، فجعل الفراش والجَنَادِبُ يقعن فيها»، قال: وهو يَذُبُهُنَّ عنها»، قال: «وأنا آخِذُ بِحُجَزِكُم عن النار، وأنتم تَفَلَّتُون من يدي»

وإذا حاد السيف عن صراط الرحمة، ولو باسم الدين، قام فرده ببيان لا يشتبه، ولو كان الفاعلُ أحد قادة الإسلام الكبار كخالد بن الوليد رضي الله عنه.

فقد بعثه النبي ﷺ إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام، فما أحسنوا يقولون أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فقام خالد فيهم وأسرا، فقدموا على النبي ﷺ فقال أمام العالم، يُسمع التاريخ، ويبقيها ميثاقاً صادقًا في ميدان الحياة: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد!

إن أي فلسفةٍ دفاعية تدافع عن فعل خالد كانت ستكون هدما لقواعد الحقيقة التي أرساها محمدٌ ﷺ!

ويدهشني كثيراً موقفه الله من موت أحد كبار أعداء الإسلام، رأس المنافقين؛ عبد الله بن أبي ابن سلول!

فإن في إعراضه عنه مع اتساع صحيفته بسواد أعماله؛ دليلًا حيَّا على أنه أبعد الناس عن إغراءات السيف وطموحات المستكبرين في الأرض!

هذا رجلٌ رفَعَ الوحي عنه حُجُبَ السَّتْرِ، فكان سِرُّه وما يخافت به في مجالسه من السب والاستهزاء والمكر والغدر؛ كل ذلك كان علانيةً عند رسول الله ﷺ بخبر الوحي!

يعلم أنه قال: ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذل..

وعلم أنه خاض في عرض زوجه الصديقة بنت الصديق؛ أحب الناس إليه!

وعلم أنه كان يميل إلى يهود ويحالفهم ضده!

فصبر ما لا يصبره أحد، حتى ابن عبد الله بن أبي!

فعن أبي هريرة، قال: مر رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي ابن سلول وهو في ظل أجَمَةٍ، فقال: قد غَبَّرَ علينا ابن أبي كبشة!

فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: والذي أكرمك، والذي أنزل عليك الكتاب، لئن شئتَ لَآتِيَنَّكَ برأسه!

فقال رسول الله: لا، ولكن بر أباكَ، وأَحْسِنْ صُحْبَتَه!

ويوم أنْ كلَّمه بعض الصحابة في قتل هذا الداء المجسّد، في مثل ابن أبي، أو نَبْع الخوارج الذي قال له: اعدل؛ فإنك لم تعدل!

فما كان يجيب ذلك إلا إجابته التي بقيت على ناصية التاريخ عنوانًا على جلالة قدره:

لا.. لا يتحدث الناسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يقتُلُ أصحابه!

لقد كانت العرب تقتل من أجل نظرة عابرة، أو ناقة شاردة، وتثور الحروب بينهم سنين عدداً في الشأن الذي يكون أهون وأقل من هذا كله! فكيف بالعِرْض؟!

وكان يسعه أن يجعل أصحابه في جنازته مُعَزِّين مُصَلِّين، وكان هذا فوق الإحسان!

بل أرسل قميصه الخاص ليكون كفن عدوه اللدود! وتقدم الصفوف ليُصَلِّي عليه!

هذا شيء غريب جدا.. لكنه من محمد رسول الله عظيم جدًّا جدًّا!

هذا صاحبه الفاروق يحكي المشهد الباذخ!

لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول، جاء ابنه إلى النبي – فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أُكَفِّنّه فيه، وصَلَّ عليه، واستغفر له!

فأعطاه رسول الله ﷺ قمیصه، وقال: إذا فرغتم فآذِنُونِي فَآذَنَه، فلما أراد أن يصلي عليه وثَبتُ إليه، حتى قمتُ في صدره، فقلتُ: يا رسول الله! أتصلي على عدو الله عبد الله بن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟! أُعَدِّدُ عليه قوله!

قال: ورسول الله ﷺ يتبسم! حتى إذا أكثرتُ عليه قال: أَخِّر عني يا عمر!

فقلت: يا رسول الله! أتصلي عليه وهو منافق؟! وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟! فقال: «إنما خَيَّرني الله، فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةَ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}، فقال: سأزيده على سبعين!

بي صمت غارق في البكاء بين يدي هذا الموقف الذي يبس منه الحرف في يدي، فما أحسن الكتابة والبيان، فأي بيان هنا شاحب متهالك لا قيمة له!

… فيعدد عليه الفاروق له قوارص ذلك المجرم، فيتبسم النبي ﷺ!

لا أستطيع مفارقة هذه المفردة في هذا السياق.. «يتبسم»!

هذه المفردة هنا تكتسب معنى آخر غير الابتسام وهو جمال تلك النفس واشتمالها على رحمة لا تنزعج من العفو، ولا تضيق بالصفح، وتُقبِلُ عليه بغير تكلف، وإنما هي الرحمة في تجليها الأجمل!

حتى من أهدر دمه كابن أبي السَّرْح، عفا عنه استجابةً لشفاعة صاحبه وحبيبه عثمان رضي الله عنه.. فإن ابن أبي السرح لما علم أن الرسول ﷺ أهدر دمه اختبأ عند عثمان بن عفان الله، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة؛ جاء به عثمان حتى أوقفه على النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! بايع عبد الله!

فرفع رسول الله ﷺ – رأسه فنظر إليه ثلاثا، كُلَّ ذلك يأبى، ثم بايعه بعد ثلاث!

ثم لما مضى التفت إلى أصحابه ليجدد فيهم عَقْدَ الطاعة لا شهوة القتل، فقال:

«أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله»؟!

فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك؟ هلا أومات إلينا بعينك؟

فقال كلمة النبوة في جلالها الكبير، وصدقها العظيم وأمانتها السامقة: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين»!

عن عبدِ الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، قال: كنا مع رسولِ الله – ﷺ – في سَفَرٍ، فانطلق لحاجتِه، فرأينا حُمَّرةً معها فَرْخَانِ، فأخذنا فرخَيها، فجاءتِ الحُمَّرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: «من فَجَعَ هذهِ بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها»!

بل في نملة لا يلتفت إليها أحد!

يقول عبدالله ورأى قرية نمل قد حَرَقْناها، فقال: «من حرق هذه؟» قلنا: نحنُ، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذَّب بالنار إلا رَبُّ النار»!

ويأتيه السائل ليسأل: مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةٌ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبيل الله عزَّ وجلَّ.

أفلو كان من زعماء الحرب، وسماسرة الدم والكذب، أليس سيكون حريصاً على الاستكثار من الجند، لا يبالي بنية الواحد منهم ولا غايته،

إن سيفًا في يد هذه الرحمة أمان للبشرية من طوفان الدماء التي سالت بالسلاح الذي كفر بالإنسان قبل كفره بالله، فتناثرت جثث الملايين في العالم الذي صارت الأبجدية فيه القنبلة والرصاصة والصاروخ وأفران الغاز!

اقتراب

كان دفتر حياة ذلك النبي مفتوحا للكل، ليس فيه سطر مخبوء، أو سرّ غائب عن كل من طالع سيرته ﷺ …

فهو الإنسان الوحيد في تاريخ البشرية الذي لا يملك سرا، وهو مع ذلك يسبق كل البشر عظمةً وسموا حتى عند عقلاء الذين لم يسلموا!

زوجاته وهن أخص الناس به، وأهل بيته وهم الذين يطالعونه في جميع حالاته، وأعداؤه الذين يرقبون منه هفوة أو حرفًا… كل هؤلاء ما طالعوا منه أو فيه شيئًا فيه نقيصة يعتذر عنها، أو نقصا يخجل منه!

وكان من أعظم ما فيه أنه لا يصوغ الناس صياغة القالب الذي يطبعهم طبعة واحدة تمسح الفروق التي بين الأشخاص في صفاتهم وقدراتهم وطبقاتهم النفسية.

يستثمر أحسن ما يُحسنه الإنسان ليكون فردا صالحا، ولا يأمره بمفارقة شيء سوى الشيء الذي لا يكون به إنسانًا.

لقد جاءهم بدين لا يعزلهم عن الحياة ليكونوا رهبانا متباعدين عن كسب الحلال وفعل الحلال وطلب الحلال.

يعيش بينهم، ولا يحاصرهم بالتكاليف، ولا يرصد خطوات حياتهم ويضيق عليهم أنفاسهم…

عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ، فعطس رجل من القوم فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القومُ بأبصارهم، فقلتُ: واثُكلَ أُمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟!

قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفتُ أنهم يُصَمتوني.

فلما رأيتُهم يُسكتوني سكتُ، فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي وأمي ـ ما ضربني ولا كَهَرني ولا سبني، ثم قال: «إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».

ويبول الأعرابي في مسجده.. فانظر ماذا فعل:

عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي – ﷺ – فقال: «دعوه! لا تزرموه، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ – بدلو من ماءٍ فَصَبَّ عليه!

فماذا عن شهادة الخادم الذي اقترب منه في سره وعلانيته عشر سنوات؟

عن أنس، قال: خدمتُ النبي ﷺ عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام. ليس كل أمري كما يشتهي صَاحِبي أن أكون عليه، ما قال لي فيها أن قط، وما قال لي: لِمَ فعلت هذا؟ ألا فعلت هذا!

يقول أبو هريرة رضي الله عنه: خطبنا رسول الله ﷺ: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا.

فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟

فسکت حتى قالها ثلاثا!

فقال بلسان المرحمة لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم! ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء ـ فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا!

أرأيت رجلًا عمل الذنوب كُلّها ولم يُشرك بالله شيئًا، ومع ذلك لم يترك حاجَةً ولا داجَةً إلا اقتطعها بيمينه، فهل لذلك من توبة؟!

قال: «هل أسلمت»؟

قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله.

فقال: «نعم ليفعل الخيرات، ويترك الشرك، يجعلهن خيرات كلهن.

قال: وغدراتي وفجراتي؟

قال: «نعم؛ فإن الله أكبر»

فمضى الرجل وقد طفئ الخوف في نفسه وانهمر مطر الأمل على قلبه القاحل ونفسه المستوحشة، وانطلق يكبر، فما زال يكبر حتى تواری!

يأتي عمرو بن العاص، ويهم بمد يده بالإسلام ثم يقبضها ويقول: لا أبايعك يا رسول الله حتى تغفر لي ما تقدم من ذنبي..

قال: فقال لي رسول الله ﷺ: (يا عمرو! أما علمت أن الهجرةَ تَجُبُّ ما قبلها من الذنوب، يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يجُبُّ ما كان قبله من الذنوب»؟!

والإنسان العظيم لا تكون عظمته في عزلته عن الناس؛ لأن الحياة ومن فيها مجال حقيقي لاختبار حقيقة تلك العظمة.

خاتمة خاصة

لقد كان من أجل شواهد صدق هذا الإنسان ما تراه في حياته من بوارق الحب وخفقات الشوق لله تبارك وتعالى.

ويتنزل عليه الوحي مخبرا بمغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلا يركن إلى الدعة، ولا يجلس على بساط الخمول، ويقوم الليل طويلا طويلًا على قدم الشوق والحب حتى ينال الوصَبُ من جسده فتتشقق قدماه.. فيقال له، فيقول بلسان المحب: أفلا أكون عبداً شكورا!

أفلا ترى كيف يداوي حزنه بالسجود وكيف يمسح الآلام بالتسبيح، فيقول: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين.

أليس هذا كله بالله عليك ناطقا بالحب العظيم الذي سكن قلبه الشريف ﷺ؟!

والله لا يُسلَّى بهذا إلا قلبٌ أحب ربه حبًّا ملك عليه كُلَّ ذرَّاته!

قلب يرى الحياة كلها نصبًا والراحة في سجدة الوصال، فينادي صاحبه بلالا نداء الحب: أرحنا بها يا بلال!

انظر إليه يأتيه سبطه سيدنا الحسن طفلا صغيرا فيصعد ظهر جده، فيتركه ويطيل السجود ويطيل.. حتى يظن الصحابة به شيئا..

فيعلل ذلك بقوله: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعْجِله!

والناس يديرون هذا الحديث في فلك الرحمة وصدقوا.. ولكن قَصَّرُوا..

فالمحب يتعلل بكل سببٍ مُوصل إلى ربه! قد وجد في اعتلاء حفيده ظهره سببا لزيادة النجوى والسقيا من كوثر السجود!

إنه ليحب الصلاة ويحب المناجاة ويحب الذكر! حتى إن الحصى ليُسَبِّح في يده الشريفة ﷺ!

إن في مذهب الحب بيانًا لا يتلعثم، وحرفًا لا يكذب أن هذا العبد الله حقا ورحمته إلى خلقه صدقًا، نطق بذلك نبي كل شيء فيه: خلقه وكلامه وسمته وشمائله وصفاته ومواقفه وهديه وسمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكم هي البشرية حين حسبت أنها تكون بغير هديك، وتحيى بغير نورك!

أي عبد أنت؟! أأنت سيدي تنشر دينك بالسيف؟! وتجبر أحدا على الإسلام؟! ويُلتَمسُ الخير في غير شريعتك؟! فإن لم تكن أنتَ الإنسانَ فمَن؟! وإن لم يكن دينك الحق فماذا؟! وإن لم تكن شريعتك العدل فأين؟!

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading