بسم الله الرحمن الرحيم
مقالات عن
آراء عُلماء النَّقد النَّصِّيّ للعهد الجديد
حول مُشكلة: إعادة تكوين النَّصّ الأصلي
بحث مُتعمِّق (Deep Research) باستخدام نموذج GPT-4.5 مِن OpenAI
مُقدِّمة: مُشكلة النَّصّ الأصلي
إمكانية استعادة النَّصّ الأصلي: آراء واتِّجاهات مُختلفة
1. الاتِّجاه النَّقدي الحديث (النَّصّ المُحرَّر أكاديميًا)
2. وِجهَة نَظَر المُتحفِّظين والنُّقاد (صُعُوبة الجزم بالنَّصّ الأصلي)
3. مدرسة النَّصّ التَّقليدي (نصّ الأغلبية/المُستَلَم)
جدول المُقارنة بين الآراء المُختلفة
آراء كورت ألاند وباربرا ألاند ولجنة نصّ Nestle-Aland/UBS
خلفية: النَّص النَّقدي الحديث ولجنة Nestle–Aland
هل يُمثِّل النَّصّ النَّقدِيّ الحديث النَّصّ الأصلي حرفيًا؟
تصريحات كورت ألاند وباربرا ألاند حول حُدُود استعادة الأصل
حُدُود المعرفة بإعادة بناء النَّصّ الأصلي
مُشكلة إعادة تكوين النَّصّ الأصلي في أشهر مراجع النَّقد النَّصِّيّ
قائمة المراجع المُعتمدة في البحث
كورت ألاند وباربرا ألاند (Kurt & Barbara Aland)
ليون فاجانيه (Leon Vaganay) وكريستيان-برنار أمفو (Christian-B. Amphoux)
فيليب كومفورت (Philip W. Comfort)
مايكل هولمز (Michael W. Holmes)
مُقدِّمة: مُشكلة النَّصّ الأصلي
يُواجه الباحثون في النَّقد النَّصِّيّ للعهد الجديد تحدِّيًا أساسيًا وهو غياب المخطوطات الأصلية (الأصُول) التي دوَّنها كُتّاب العهد الجديد أنفسهم. فجميع ما بين أيدينا اليوم هو نُسَخ مخطوطة انتُسخت عبر القُرُون، وأقدمها يعود للقرن الثَّاني أو الثالث الميلادي. خِلال عملِيَّة النَّسخ الطَّويلة هذه، ظهرت فُرُوق نصِّيَّة عديدة بين المخطوطات – بعضها طفيف لا يؤثِّر على المعنى، وبعضها أكثر أهمِّيَّة. لذا يبذل عُلماء النَّقد النَّصِّي جُهدًا في مُقارنة المخطوطات وتحليل القرائن بهدف إعادة تكوين النَّصّ الأصلي أو أقرب صورة مُمكنة له كما كُتب أوَّل مرَّة. وكما يُشير الباحث بارت إيرمان Bart Ehrman: “نحن لا نملك المخطوطات الأصلية، ولا حتى النُّسخ الأولى منها، ولا نُسخًا عن نُسخها. ما بحَوزتنا هي نُسخ كُتبت في وقتٍ مُتأخِّر – غالبًا بعد قُرُون – وجميع هذه النُّسخ تختلف عن بعضها البعض في آلاف المواضع“.
هذا الوصف يبرز أهمِّيَّة السُّؤال: هل استطاع العُلماء فعلاً استعادة نصّ العهد الجديد الأصلي، أم أنَّ الأمر لا يتعدَّى كونه أقرب صُورة مُمكنة لهذا الأصل؟ وفيما يلي، نستعرض آراء أبرز الباحثين الغربيين المُعاصرين في هذا المجال مدعومة باقتباسات من كتاباتهم الأكاديمية.
إمكانية استعادة النَّصّ الأصلي: آراء واتِّجاهات مُختلفة
1. الاتِّجاه النَّقدي الحديث (النَّصّ المُحرَّر أكاديميًا)
يتبنَّى غالبية عُلماء النَّقد النَّصِّيّ اليوم منهجية نقدية حديثة (تُسمَّى أحيانًا النَّصّ النَّقدي eclectic text) تقوم على وزن أقدم المخطوطات وأكثرها موثوقية وترجيح القراءات بناءً على الأدِلَّة الخارجية والدَّاخلية. نتج عن هذا المنهج نُصُوص نقدية قياسية (مثل نصّ Nestle-Aland أو UBS) يُنظر إليها على أنَّها أفضل مُحاولة لاستعادة صيغة النَّصّ الأصلي. لكن حتى هؤلاء العُلماء يتحفَّظون في الادِّعاء بأنَّ نصّهم هو النَّصّ الأصلي حرفيًا، ويُفضِّلون وصفه بأنَّه “النَّصّ الأوَّلي” – أي أقرب نصّ يُمكن الوُصُول إليه في ضوء الأدِلَّة المُتاحة.
يوضح العالم لاري هورتادو Larry Hurtado هذا المفهوم بقوله إنَّ النُّسخ النَّقدِيَّة الحديثة تهدف إلى تقريب النَّصّ الذي انبثقت منه جميع المخطوطات، وهو ما يُسمَّى بالنَّصّ الأوَّليّ، والذي يُفترض أنَّه تقريبي للنَّصّ الأصلي (أي نصّ المؤلِّف) وإن كان مدى التَّطابق محلّ نِقاش.
بمعنى آخر، مُعظم العُلماء المُعاصرين يرون النَّصّ المُعاد تكوينه على أنَّه أقرب صورة مُمكنة للنَّصّ الأصلي – صُورة قابلة للمُراجعة والتَّحسين كُلَّما توفَّرت مخطوطات أو أدِلَّة جديدة – دون الجزم المُطلق بأنَّه مُطابق 100% لكلمات المؤلِّف الأصلية. العالِم الألماني البارز كورت ألاند Kurt Aland (الذي شارك في إصدار النَّصّ النَّقدي) أشار إلى أنَّ النَّصّ الأصلي للعهد الجديد بات في مُعظمه مؤكَّدًا بفضل وفرة الشَّواهد، وأنَّ الاختلافات الجوهرية المُتبقِّية قليلة جدًا. وفي الطَّبعة الرَّابعة من كتاب «نصّ العهد الجديد: نقله وتحويره واسترجاعه» لبروس متزجر Bruce M. Metzger (منقح عام 2005 بمشاركة بارت إيرمان)، نجد تعبيرًا عن ثقة عالية لَدَى هؤلاء العُلماء بأنَّ منهجهم النَّقدي قد نجح إلى حَدٍّ كبيرٍ في استعادة النَّصّ الأصلي. إذ يُقرِّر متزجر وإيرمان معًا أنَّه بفضل وفرة المخطوطات “بوسعنا أن نكون على درجة عالية من الثِّقة بأنَّنا نستطيع إعادة بناء نصّ العهد الجديد الأصلي… فمُعظم الفُرُوق بين المخطوطات طفيفة ولا تُعيق قدرتنا على تكوين نصّ دقيق.“
ويُعلِّق إيرمان – وهو تلميذ متزجر – بأنَّه لو وُضع هو وأستاذه في غُرفة لمُناقشة الاختلافات النَّصِّيَّة المُحتملة “لتوصَّلنا إلى توافق في الغالبية العُظمى من المواضع، ولن يكون بيننا خلاف إلَّا في عشرين موضعًا أو أقل من بين آلاف المواضع“.
هذا يؤكِّد أنَّ حتى أكثر الباحثين نقدية (إيرمان) يُوافق كبار التَّقليديين (متزجر) على أنَّ النَّصّ النَّقدي الحديث يُمثِّل تقريبًا أمينًا جدًا للأصل، مع بقاء فُرُوق معدودة غير محسومة. الباحث دان ووالاس Dan Wallace – وهو مُتخصِّص مُعاصر في النَّقد النَّصِّيّ ومُدير مشروع المخطوطات اليونانية (CSNTM) – يُعبِّر عن إجماع الدَّارسين الحديثين بقوله: “إنَّ مُعظم عُلماء العهد الجديد يمضون قدمًا على أساس الاعتقاد بأنَّنا قد استعدنا في كلّ الجوانب الأساسية وفي أغلب الجُزئيات النَّصّ الأصلي“.
لكنَّه يُوضِّح في الوقت ذاته أنَّ هذا لا يعني اليقين المُطلق حرفيًا في كلّ كلمة، بل يبقى هُناك مجال لاحتمال الخطأ في بعض المواضع الصَّغيرة: “لا أحد يدَّعي أنَّنا مُتأكِّدون بنسبة 100% من كلّ حرف. ولكن هذا يختلف تمامًا عن الزَّعم بأنَّنا لا نملك سوى الشَّكّ؛ فالاحتمالات العِلْمِيَّة تدعم أنَّنا أعدنا بناء النَّصّ بشكلٍ صحيح في الغالب“.
ويُشير ووالاس إلى أنَّ نسبة الاتِّفاق بين مُختلف المخطوطات ومع النَّصّ النَّقدي عالية جدًا (تُقدَّر بحوالي 97–99%)، وأنَّ المواضع التي يظلّ فيها الشَّكّ محدودة ولا تؤثِّر على رسالة النَّصّ الإجمالية أو أيّ عقيدة أساسية.
وفي الواقع، كثيرًا ما يُستشهد بعبارة شهيرة لمتزجر مفادها أنَّ الاختلافات النَّصِّيَّة لم تؤثِّر على أي عقيدة مسيحية جوهرية – وهو تصريح يؤكِّد اتِّفاق الباحثين على موثوقية النَّصّ المُحرَّر بالرّغم من عَدَم امتلاك “الأصل” اليقيني في كلّ تفصيل.
2. وجهة نظر المُتحفِّظين والنُّقاد (صُعُوبة الجزم بالنَّصّ الأصلي)
رغم ما سبق، يُنبِّه بعض العُلماء – خاصَّة في كتاباتهم المُوجَّهة للعامَّة – إلى صُعُوبة الجزم المُطلق بماهِيَّة النَّصّ الأصلي في كل المواضع. ويُعَد بارت إيرمان Bart Ehrman أبرز من قدَّم هذا المنظور النَّقدِيّ للقُرَّاء غير المُتخصِّصين. فهو يؤكِّد مرارًا أنَّ ضخامة عدد الاختلافات (مئات الآلاف) تعني أنَّنا لا نستطيع التَّيقُّن بنسبة 100% من النَّصّ في مواضع مُعيَّنة. يقول إيرمان: “لو اضطررت للتَّخمين، فأغلب الظَّنّ أنَّنا في مُعظم الحالات وصلنا إلى نصّ قريب جدًا مما كتبه المؤلِّف. ولكن الحقيقة المُرّة هي أنَّه ليس لدينا أي وسيلة لمعرفة ذلك على وجه اليقين“.
ويمضي شارحًا أنَّنا نتعامل مع النَّصّ كما لو كان هو نصّ مرقس أو بولس فعلاً، لكن هذا “افتراض وهمي صغير في أذهاننا… لكنَّه وهم غير ضار“– أي أنَّنا نتصرَّف وكأنَّ بين أيدينا كلمات الأصل، لغرض التَّفسير والدِّراسة، مع علمنا بأنَّها أفضل ما يُمكن تكوينه افتراضيًا. هذا الرَّأي المُتحفِّظ يُبرز التَّوتُّر بين الثِّقة العالية المبنية على الأدِلَّة وبين الاعتراف النَّظري بأنَّه لا يُمكن البرهنة بشكلٍ قاطعٍ على التَّطابُق التَّامّ مع الأصل المفقود.
ومن جهة أخرى، يُثير بعض الباحثين تساؤلات أعمق حول مفهوم “النَّصّ الأصلي” نفسه. فالعالِم ديفيد باركر D. C. Parker – في كتابه «النَّصّ الحَيّ للأناجيل» (Living Text of the Gospels) – يرى أنَّ نُصُوص الأناجيل كانت نُصُوصًا حَيَّة قابلة للتَّطوُّر مُنذ البداية، حيث أضاف النُّسَّاخ والقُرَّاء تعديلات خِلَال عملِيَّة التَّداول المُبكِّر. لذلك يُجادل بأنَّ “فكرة وُجُود نصّ إنجيل ثابت الشَّكل وموثوق ونهائي بصيغته الأدبية ينبغي التَّخلِّي عنها“.
بتعبير آخر، رُبَّما لم يكُن هُناك “نصّ أصلي واحد ثابت” لبعض أسفار العهد الجديد، بل رُبَّما صدرت في نُسخ مُتعدِّدة أو جَرَى تحريرها في مراحل مُبكِّرة قبل أن تستقِرّ. وإن صَحَّ ذلك، فإنَّ مُهِمَّة النَّاقد النَّصِّيّ تُصبح استرجاع أقدم شكل نصِّي مُمكن بدلاً مِن افتراض وُجُود نُسخة أصلية واحدة نهائية.
ويُشير إلدون إيب Eldon J. Epp (وهو من رُوَّاد نقد النَّصّ في العُقُود الأخيرة) إلى تعدُّد مدلولات مُصطلح “النَّصّ الأصليّ”؛ فقد يعني النَّصّ الذي خطّه المؤلِّف لأوَّل مرَّة، أو النَّصّ النِّهائيّ بعد التَّنقيح، أو حتى النَّصّ الأوَّليّ المنقول الذي أصبح أصل باقي النُّسَخ. لذا يُفضِّل كثير مِن الباحثين الحديثين استعمال مُصطلح “النَّصّ الأوَّليّ” بدلاً مِن “النَّصّ الأصليّ” تجنُّبًا للإيحاء بيقين غير مُتوفِّر عِلْمِيًّا.
مع ذلك، يجدر التَّنبيه إلى أنَّ حتى أصوات النُّقَّاد المُتحفِّظين لا تُنكر الإنجازات الكبيرة للنَّقد النَّصِّيّ. فبارت إيرمان نفسه – رغم تركيزه على عَدَم التَّيقُّن – يعترف بأنَّه ومنهج أستاذه متزجر في نهاية المطاف مُتوافقان في النَّتائج. ففي مُقابلة بمُلحق كتابه Misquoting Jesus، يؤكِّد إيرمان اتِّفاقه مع متزجر على أنَّ نِقاط الخلاف في قراءة النَّصّ قليلة نسبيًا، وأنَّ الموقف الذي طرحه في الكتاب “لا يتعارض مع رأي البروفيسور متزجر بأنَّ المُعتقدات المسيحية الأساسية لم تتأثَّر بالمُتغيِّرات النَّصِّيَّة في التَّقليد المخطوطاتي للعهد الجديد“.
أي أنَّ إيرمان، على الصَّعيد الأكاديمي، لا يُنكر أنَّ النَّصّ المُعاد تكوينه يُمثِّل بدرجة كبيرة مُحتوى الأصل، لكنَّه يرفض إعطاء انطباع باليقين المُطلق الذي قد يتصوَّره غير المُتخصِّصين.
3. مدرسة النَّصّ التَّقليدي (نصّ الأغلبية/المُستَلَم)
على الجانب الآخر مِن الطَّيف، هُناك اتِّجاه مُحافظ جدًا يذهب إلى أنَّ نصّ العهد الجديد الأصلي محفوظ كاملًا في غالبية المخطوطات التي صمدت عبر القُرُون، وبالتَّالي يُمكننا الوُثُوق بأنَّ لدينا النَّصّ الحقيقي دون حاجة لافتراض فقدان شيء. يُطلَق على هذا الاتِّجاه تسميات مُختلفة مثل “النَّصّ التَّقليدي” أو “نصّ الأغلبية” (Majority Text) أو “النَّصّ المُستلم” (Textus Receptus) في إشارة إلى اعتماد نصّ غالبية المخطوطات البيزنطية (التي سادت في القُرُون الوسطى) بوصفه الأقرب للأصل.
يرى أنصار هذا الاتِّجاه – وكثير منهم ينطلقون من إيمان ديني بحفظ الله لكلمته – أنَّ يد العناية الإلهية صانت النَّصّ عبر انتشار النُّسخ على نطاق واسع في كنيسة القُرُون الأولى. ويُعبِّر الباحث ويلبر بيكرنج Wilbur Pickering (وهو مُدافع بارز عن نصّ الأغلبية) عن هذا الموقف بقوله: “إنَّ مُعتقد حِفظ الله لنصّ العهد الجديد يقوم على تفسير الأدِلَّة الذي يعترف بأنَّ النَّصّ التَّقليدي ما هو إلَّا امتداد للأصُول (autographa)“.
بمعنى أنَّه يعتبر القراءات التَّقليدية استمرارًا مُباشرًا لكلمات الكُتَّاب الأصليين, وبالتَّالي فإنَّ تبنِّي أي نصّ آخر (كالنَّصّ النَّقدي الحديث المُعتمِد على مخطوطات أقلّ عددًا لكنَّها أقدم) يعني ضمنيًا إنكار حفظ الله للنَّصّ.
ويؤكِّد أصحاب مدرسة الأغلبية أنَّه على مدار حوالي 1900 عام ظلّ النَّصّ الأصلي مُتاحًا للمؤمنين في صورة نقِيَّة جدًا ضِمْن غالبية المخطوطات.
لذا فَهُم يدَّعون أنَّ إصداراتهم للنَّصّ اليوناني (مثل طبعة Hodges & Farstad 1982 أو Robinson & Pierpont) تُمثِّل فعليًا استعادة حرفية شِبْه تامَّة للنَّصّ الأصلي كما انتقل عبر الكنيسة. ومن النَّاحية التَّطبيقية، يتبنّى هؤلاء القراءات الموجودة في التَّقليد البيزنطي حتى لو خالفت أقدم المخطوطات من القرن الرَّابع.
ومن أمثلة ذلك إقرارهم أصالة خاتمة إنجيل مرقس الطَّويلة (مرقس 16: 9-20) وقِصَّة المرأة الزَّانية في إنجيل يوحنا (يوحنا 7: 53 – 8: 11)، بل وحتى عبارة الشُّهُود الثَّلاثة في رسالة يوحنا الأولى 5: 7 الشَّهيرة، لأنَّ هذه المقاطع توجد في المخطوطات “التَّقليدية” اللَّاحقة (وعند بعض الآباء) رغم غيابها عن أقدم الشَّواهد. في المُقابل، يراها عُلماء النَّقد الحديث إضافات لاحقة.
هذا التَّباين يعكس اختلاف منهجي جذري: فأنصار النَّصّ التَّقليدي يُقدِّمون كَمِّيَّة الشُّهُود واستمرارية الاستعمال الكنسي على قِدَم الشَّاهد وأوزان الاحتمالات الدَّاخلية التي يتبعها النَّقد الحديث.
جديرٌ بالذِّكر أنَّ مُعظم الأوساط الأكاديمية اليوم لا تؤيِّد منهج نصّ الأغلبية باعتباره المنهج الأفضل، إذ يرون أنَّه يتجاهل حقيقة أنَّ الأغلبية السَّاحقة من مخطوطاتنا مُتأخِّرة تاريخيًا (بعد القرن التاسع) وأنَّ الانتشار الواسع لا يُثبت بالضَّرورة الأصالة بل قد يكون نِتاج توحيد نصِّيّ لاحق. وقد أظهرت الدِّراسات أنَّ النَّصّ “الأكثري” في مخطوطات العُصُور الوسطى لا يُمثِّل بالضَّبط نصّ القُرُون الأولى في العديد من المواضع.
ومع ذلك، يظَلّ هذا الاتِّجاه موجودًا خُصُوصًا في الدَّوائر المُحافظة وبعض الكنائس البروتستانتية التي تُفضِّل اعتماد النَّصّ المُستَلَم (TR) أو ترجمة الملك جيمس المبنِيَّة عليه بوصفه النَّصّ “الموثوق الكامل”. هؤلاء يجزمون بأنَّ النَّصّ بين أيدينا هو الأصل عينُه من مُنطلَق عقائدي، ويرفضون فكرة وُجُود فجوة تجعلنا غير واثقين مِن كلمات الوحي. لكن من وِجْهَة نظر النَّقد العِلْمِيّ، هذا الجَزْم يُنظر إليه كإيمان أكثر منه نتيجة بحثية، إذ لا يُقدِّم أصحابه أدِلَّة علمِيَّة يُمكنها حسم الخِلاف لصالح قراءات الأغلبية في كلِّ حالةٍ.
وكما يُعلّق دان ووالاس، كثيرٌ مِن قراءات النَّصّ التَّقليدي تتطابق مع النَّصّ النَّقديّ الحديث بنسبة تُقارب 98%، والفُرُوق الباقية يُمكن مُناقشتها حالةً بحالة، وقد يقبل النَّقد الحديث أحيانًا قراءة “تقليدية” إذا أيَّدتها القرائن الدَّاخلية القوية.
أي أنَّ الخلاف في النَّتائج ليس كبيرًا بقدر الخلاف في المُنطلق المبدئي (اليقين العقائدي مُقابل التَّرجيح العِلْمِيّ).
مِن العرض السَّابق يتبيَّن أنَّ إعادة تكوين نصّ العهد الجديد الأصلي جهد علمي حقَّق نجاحًا هائلًا في نظر مُعظم العُلماء، لكنَّه مع ذلك يظلّ عملاً استقرائيًا احتماليًا. لقد تمكَّن الباحثون عبر جمع آلاف المخطوطات ومُقارنتها مِن الوُصُول إلى نصّ مُوحَّد يُطبَع اليوم وترجماته في مُتناول الجميع، وهذا النَّصّ يكاد يتطابق في الجوهر والمعنى مع ما كُتب أوَّلًا في القرن الأوَّل الميلادي. وكما قال العالِم المخضرم بروس متزجر، نحن اليوم في موقع مُريح يُتِيح لنا ثِقَة كبيرة بأنَّ نصّ العهد الجديد محفوظ في كافَّة تعاليمه الأساسية.
ومع ذلك، يعترف العُلماء بأنَّه لا يخلو الأمر مِن مواضع قليلة ما زالت غير محسومة بشكلٍ نهائيٍّ، مثل بضع آيات حيث تتعدَّد القراءات المُمكنة. إنَّ منهجية النَّقد النَّصِّيّ الحديثة تسمح باستمرار المُراجعة: أي تغيير النَّصّ النَّقدِيّ المطبوع إذا كشفت الأدِلَّة المُستقبلية قراءة أرجح. وهذا ما يعنيه القول بأنَّ النَّصّ المُعاد تكوينه هو “أقرب صورة مُمكنة” للأصل – صُورة “مُحتملة” تُقارِب الأصل للغاية لكن مع بقاء فرق بسيط بين اليقين العِلْمِيّ والإيمان المُطلق. أمَّا الادِّعاء بأنَّ النَّصّ الذي بين أيدينا هو حرفيًا نفس النَّصّ الذي كتبه البشيرون والرُّسُل دون أيّ اختلاف، فهو موقفٌ نادرٌ في الأوساط الأكاديمية اليوم، يقتصر على مَن يتبنَّى مُنطلقًا عقائديًا صارمًا بحفظ النَّصّ حرفيًا. فالبحث العلمي بطبيعته يتحرَّى الأدِلَّة ولا يقطع إلَّا بما تُتيحه تلك الأدِلَّة.
ومِن ثَمَّ، فإنَّ الإجماع الأكاديمي (بين النَّقديين المُتخصِّصين مِن مُختلف الاتِّجاهات اللَّاهوتية) يُمكن تلخيصه في الآتي: لقد تمكَّنا بدرجة عالية جدًا مِن الدِّقة مِن استعادة نصّ العهد الجديد، حتى لو ظلَّت هُناك بضعة مواضع خِلَافِيَّة، ودون ادِّعاء أنَّ لدينا “اليقين المُطلَق” الذي لا مجال لمزيد من البحث فيه.
وكما لخَّص العالم مايكل هولمز Michael W. Holmes: هدف النَّقد النَّصِّيّ هو “استخلاص أقدم نصّ يُمكن تحصيله، والذي يعكس في أغلب الظَّنّ الأصل الذي خرج من يد المؤلِّف”. هذا النص المُستخلص هو الذي بين أيدينا اليوم في النُّسَخ النَّقدية وترجماتها، وهو عمليًا النَّصّ الأصلي من حيث المضمون والدَّلالة، حتى لو بقي وصفه بأنَّه “النَّصّ الأصلي” بالمعنى الحرفي أمرًا يتجنَّبه العُلماء تدقيقًا واحتياطًا.
جدول المُقارنة بين الآراء المُختلفة
|
العالِم/الاتِّجاه |
الرُّؤية حول إمكانية استعادة النَّصّ الأصلي للعهد الجديد |
|
بروس متزجر (مدرسة النقد الحديث التقليدية) |
يرى أنه تم استرجاع النص الأصلي بدرجة وثوقية عالية جدًا بفضل وفرة المخطوطات والتحليل العلمي. يصرّح بأن معظم الاختلافات طفيفة ولا تؤثر، وأنه يمكننا الثقة بأن النص النقدي الحديث يعكس الأصل في كافة الأمور الجوهرية. |
|
بارت إيرمان (ناقد نصي معاصر) |
يؤكد أن الباحثين اقتربوا للغاية من النص الأصلي، لكنه يشدد على عدم إمكانية الجزم المطلق. يقول إننا على الأرجح نملك النص الصحيح في معظم المواضع، لكن “لا سبيل للمعرفة الأكيدة” في بعضها. ورغم تركيزه على وجود اختلافات كثيرة بين المخطوطات، فإنه يوافق أن الخلافات المؤثرة قليلة جدًا وأن النص المُجمع يعبر عن الأصل إلى حد كبير. |
|
دان ووالاس (نقدي محافظ حديث) |
يرى أن النص الأصلي استُعيد في معظمه الساحق، مع بقاء نسبة ضئيلة جدًا من الشك. يصرح بأن لدينا النص الأصلي في “كل الجوانب الأساسية وغالبية التفاصيل” وأن أي عدم يقين محصور في مواضع معدودة لا تمس الرسالة الكلية. يؤكد أيضًا أن لا عقيدة مسيحية تعتمد على قراءة نصية مشكوك فيها. |
|
ديفيد سي. باركر (منظر نصي حديث) |
يشكك في مفهوم النص الأصلي المفرد الثابت، معتبرًا أن نصوص العهد الجديد المبكرة كانت “حيّة” وقابلة للتغيير. يرى أن الهدف الواقعي هو استعادة “النص الأولي” الأقرب زمنًا للأصل، لأن فكرة النص النهائي المطابق تمامًا لما كتبه المؤلف قد لا تكون قابلة للتحقق إذا كان النص تطور في مراحله الأولى. |
|
مدرسة نص الأغلبية (التقليدية) |
تؤمن بأن النص الأصلي محفوظ بالكامل في غالبية المخطوطات التي تداولتها الكنيسة عبر القرون. وبالتالي فإن طبعات نص الأغلبية (أو النص المستلم) هي بحد ذاتها النص الأصلي أو متطابقة معه تقريبًا. ويلخّص بيكرنج هذا بقوله إن “النص التقليدي هو امتداد للأصول”، مؤكدًا عقيدة حفظ الله للنص. هذا الاتجاه يجزم أن الاختلافات النصية التي يقدمها النقد الحديث هي في الواقع أخطاء نسخية طارئة أو قراءات شاذة، بينما النص الصحيح هو ما وُجد في كل جيل محفوظًا في أغلب الشواهد. |
Bruce M. Metzger & Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration, 4th Edition, Oxford University Press, 2005.
Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why, HarperOne, 2005.
Daniel B. Wallace, “The Bart Ehrman Blog and the Reliability of the New Testament Text,” 2012 danielbwallace.com
D. C. Parker, The Living Text of the Gospels, Cambridge University Press, 1997.
Larry W. Hurtado, blog post: “What Is the Original Text of the Gospels?”, Nov 2017 larryhurtado.wordpress.com
Wilbur N. Pickering, The Identity of the New Testament Text, 1977.
بسم الله الرحمن الرحيم
آراء كورت ألاند وباربرا ألاند ولجنة نصّ Nestle-Aland/UBS
بحث مُتعمِّق (Deep Research) باستخدام نموذج GPT-4.5 مِن OpenAI
خلفية: النَّص النَّقدي الحديث ولجنة Nestle–Aland
يُشار إلى نصّ العهد الجديد النَّقدِيّ (Novum Testamentum Graece) باسم نصّ نستله–ألاند (Nestle-Aland)، وهو النَّصّ اليوناني المُعتمد في الدِّراسات الكتابِيَّة الحديثة. أعدَّ هذا النَّصّ فريقٌ علمي دولي، من أبرز أعضائه كورت ألاند (Kurt Aland) وزوجته باربرا ألاند (Barbara Aland)، إلى جانب عُلماء آخرين مثل بروس متزجر وماثيو بلاك وآلن ويكجرن وكارسون وكارلو مارتيني وغيرهم.
وقد نُشر هذا النَّصّ بالتَّعاون بين معهد الأبحاث النَّصِّيَّة للعهد الجديد في مونستر (ألمانيا) واتِّحاد جمعيَّات الكتاب المُقدَّس (United Bible Societies)، وهو الأساس لمُعظم التَّرجمات الحديثة. يجمع النَّصّ النَّقدي قراءات مخطوطات عديدة بهدف تحديد القراءة الأقرب قدر الإمكان لما كتبه المؤلِّفون الأصليُّون.
لكن السُّؤال المطروح هو: هل يَعْتَبِر مُحرِّرو هذا النَّصّ النَّقدِيّ الحديث أنَّ نصَّهم يُمثِّل حرفيًا “النَّصّ الأصليّ” للعهد الجديد، أم يرونه مُجرَّد أفضل ما يُمكن الوُصُول إليه حاليًا؟ فيما يلي نستعرض تصريحاتهم المُوثَّقة التي تُبيِّن موقفهم الرَّسميّ مِن هذه المسألة وحُدُود معرفتهم في استعادة الأصل.
هل يُمثِّل النَّصّ النَّقدِيّ الحديث النَّصّ الأصلي حرفيًا؟
يُقِرّ مُحرِّرو Nestle–Aland بأنَّ نصَّهم المُحرَّر ليس مُطابقًا بصورة مؤكَّدة للنَّصّ الأصلي، بل هو “نَصْ عَمَلِيّ” قابل للمُراجعة. في مُقدِّمة الطَّبعة النَّقدية للعهد الجديد (كما في Nestle-Aland الـ27 عام 1993 على سبيل المثال)، يُوضِّح المُحرِّرون أنَّ هدفهم توفير نظرة نقدية شاملة للتَّقليد النَّصِّيّ، مع التَّأكيد أنَّ النَّصّ المُقدَّم ليس نهائيًا ولا يدَّعون كونه مُماثلًا تمامًا لأصل الأسفار. يقول النَّصّ:
“Novum Testamentum Graece seeks to provide the reader with the critical appreciation of the whole textual tradition… It should naturally be understood that this text is a working text (in the sense of the century-long Nestle tradition); it is not to be considered as definitive, but as a stimulus to further efforts towards redefining and verifying the text of the New Testament.”
أي بمعنى: “ينبغي أن يُفهَم ضمناً أنَّ هذا النَّصّ هو نصّ عملي (وفق تقليد نستله الطَّويل عبر قرن مِن الزَّمن)؛ ولا ينبغي اعتباره نصاً نهائياً، بل حافزًا لمزيد مِن الجُهُود نحو إعادة تعريف وتحقُّق نصّ العهد الجديد.” هذا التَّصريح الواضح في المُقدِّمة يؤكِّد أنَّ اللَّجنة لا تعتبر نصَّها النَّقدِيّ نهائيًا أو مُطابقًا بشكلٍ يقينيّ للأصل، بل هو أفضل ما توصَّلت إليه الدِّراسات النَّقدية حتى الآن، وخاضع للمُراجعة والتَّحسين مع ظُهُور أدِلَّة جديدة أو تطوُّر منهجيات البحث.
مِن التَّصريحات المُهِمَّة أيضًا ما أورده عالِم النَّقد النَّصي ديفيد باركر (D. C. Parker) تعليقًا على منهج لجنة Nestle-Aland. يُشير باركر إلى أنَّ النَّصّ المُعتمد نتج عن تصويت أعضاء اللَّجنة على القراءات المُختلف عليها – أي اختيارهم ما رأوه أفضل قراءة مُتاحة – دون افتراض أنَّها بالضَّرورة الأصل عينه. يقول باركر:
“This text was agreed by a committee. When they disagreed on the best reading to print, they voted. Evidently, they agreed either by a majority or unanimously that their text was the best available. But it does not follow that they believed their text to be ‘original’. On the whole, the textual critics have always been reluctant to claim so much. Other users of the Greek New Testament accord them too much honour in treating the text as definitive.”
ويُفيد هذا الاقتباس أنَّ: “هذا النَّصّ تمَّ الاتِّفاق عليه من قِبل لجنة؛ فعندما يختلفون حول أفضل قراءة تُطبع، يلجؤون إلى التَّصويت. مِن الواضح أنَّهم اتَّفقوا – بالأغلبية أو بالإجماع – على أنَّ نصَّهم هو أفضل ما هو مُتاح. لكن لا يُستتبع ذلك أنَّهم اعتقدوا أنَّ نصهم ‘أصلي’. بصُورة عامَّة، كان نُقَّاد النَّصّ مُتحفِّظين دومًا عن ادِّعاء أكثر من ذلك. وإنَّ كثيرًا مِن مُستخدمي العهد الجديد اليوناني يُضفون على عَمَل اللَّجنة شرفًا مُبالغًا فيه باعتبار النَّصّ نهائيًا.“
وهكذا يُقِرّ الخُبراء أنفسهم بأنَّ اللَّجنة لم تفترض أنَّ النَّصّ الذي تبنَّته هو بالضَّرورة النَّصّ الذي كتبه مؤلِّفو العهد الجديد حرفيًا؛ بل هو أفضل تقدير مُمكن بناءً على القرائن المُتاحة.
وهذا ما عبَّر عنه مُحرِّرو Nestle-Aland أنفسهم في مواضع أخرى، إذ يُفضِّلون القول إنَّه “النَّصّ الأقرب المُمكن للأصل” وليس نُسخة مُطابقة 100% للأصُول المفقودة.
تصريحات كورت ألاند وباربرا ألاند حول حُدُود استعادة الأصل
إنَّ كورت ألاند وزملاءه الذين أشرفوا على هذه الطَّبعات النَّقدية واعون تمامًا لحُدُود عملهم. على سبيل المثال، يشرح ألاند وزوجته باربرا في كتابهما المرجعي عن النَّقد النَّصِّيّ أنَّ نصّ اللَّجنة هو نتيجة عمل جماعي قد ينطوي على حُلُول توفيقية أحيانًا، مما يعني ضمناً أنَّه ليس معصومًا أو مضمون المُطابقة للأصل في كلّ تفصيل. يقول ألاند وباربرا:
“A ‘committee text’ of this kind is occasionally regarded as problematical, and at times it may be so. In a number of instances it represents a compromise, for none of the editors can claim a perfect acceptance record of all recommendations offered.”
أي أنَّ “«نصّ اللَّجنة» كهذا يُعتبر أحيانًا إشكاليًا (وقد يكون كذلك في بعض الحالات). ففي عِدَّة مواضع يكون نتيجة حلّ وسط، إذ لا يستطيع أيٌّ من المُحرِّرين الادِّعاء بأنَّ جميع اقتراحاته قُبلت قبولاً تامًا.“
هذا الاعتراف من كورت وباربرا ألاند يؤكِّد أنَّ عملية تحرير النَّصّ النَّقدي تشمل مُداولات وتنازلات أحيانًا بين الخُبراء، وأنَّ لا أحد منهم يزعم بأنَّه استطاع بمُفرده تقديم النَّصّ اليوناني “المثالي” الذي يُطابق الأصل بكُلّ تأكيد، إنَّما هو نصّ مُجمَّع اتَّفقت عليه اللَّجنة بوصفه الأفضل والأقرب المُتاح. كذلك تجدر الإشارة إلى أنَّ مُحرِّري النَّصّ النَّقدي يتحاشون ادِّعاء أنَّ عملهم يُعتبر نِتاج وحي أو معصوم. فهم لا يقولون مثلاً إنَّ الله ألهمهم باستعادة الأصل المفقود، بل ينظرون إلى نصِّهم كعمل علمي بشري قابل للخطأ والتَّحسين.
وفي هذا السِّياق يؤكِّد ألاند وباربرا أنَّه لا علاقة لعَمَل اللَّجنة بـ “إلهام” إلهي خاصّ بالنُّقَّاد أو كون نصّهم مُوحى به، وأنَّ الهَدَف هو عِلْمِيّ بحت لاستقراء أقرب صيغة مُمكنة للأصل مِن خِلَال الأدِلَّة.
حُدُود المعرفة بإعادة بناء النَّصّ الأصليّ
يتبنَّى مُحرِّرو Nestle-Aland موقفًا واقعيًا مُتواضعًا تجاه مَدَى اليقين في استعادة النَّصّ الأصلي، ويُقرُّون بوُجُود حُدُود للمعرفة في هذا المجال. فَهُم أوَّلًا يُذكِّرون بأنَّ المخطوطات الأصلية نفسها مفقودة مُنذ زَمَنٍ بعيد، وبالتَّالي فإنَّ كلّ ما لدينا هو نُسخ تحتوي على اختلافات. لذا، لا يُمكن التَّحقُّق المُباشر من القراءة الأصلية وإنَّما يُستنتج أقرب احتمال بناءً على شواهد المخطوطات.
ثانيًا، وضع مُحرِّرو UBS/Nestle-Aland نظامًا لتقدير درجة الثِّقة في كلّ قراءة مُختارة في نصّ العهد الجديد. في طبعات UBS النَّقدِيَّة (التي تتطابق نصيًا مع Nestle-Aland وتختلف فقط في الشَّواهِد النَّصِّيَّة)، تُرفَق كلّ موضع خلافي بحرف يُشير إلى مُستوى التَّأكُّد مِن اختيار اللَّجنة:
الحرف {A} يعني أنَّ اللَّجنة على يقين شِبْه تامّ أنَّ القراءة المطبوعة هي الأصلية؛
الحرف {B} يدُلّ على أنَّ هُناك بعض الشَّكّ؛
الحرف {C} يُشير إلى شكٍّ كبيرٍ في كون النَّصّ المُختار هو الأصل أو أنَّ البديل قد يكون الأصوب؛
والحرف {D} يعني أنَّ هُناك درجة شَكّ عالية جدًا وأنَّ اللجنة غير واثقة أي القراءات هي الأصلية.
وقد جاء في مُقدِّمة اللَّجنة شرحٌ لهذا النَّظام:
“The letter A signifies that the text is virtually certain, while B indicates that there is some degree of doubt. The letter C means that there is a considerable degree of doubt whether the text or the apparatus contains the superior reading, while D shows that there is a very high degree of doubt…”
هذا يعني ضمنيًا أنَّه حتى بحسب رأي اللَّجنة نفسها، هُناك مواضع غير قليلة في العهد الجديد لا يُمكن الجزم 100% بقراءتها الأصلية. فوُجُود تصنيف “D” في بعض النُّصُوص دليل صريح على اعتراف العُلماء بأنَّ درجة الشَّكّ مُرتفعة هُناك وأنَّنا رُبَّما لا نمتلك اليقين المُطلق بخُصُوص كلمات الأصل في تلك المواضع. هذا يُمثِّل موقفًا رسميًا شفَّافًا من اللَّجنة حول حُدُود معرفتنا – فالنَّصّ النَّقدي هو أفضل ما يُمكن الوُصُول إليه حاليًا، ولكن مع هوامش للشَّكّ العِلْمِيّ ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار.
ثالثًا، تُواكِب اللَّجنة تطوُّر منهجيات النَّقد النَّصِّيّ بتعديل صِياغة الهدف مِن “استعادة النَّصّ الأصلي” إلى “إعادة بناء أقدم نصّ مُمكن”. في العُقُود الأخيرة ومع تبنِّي منهجيات جديدة (مثل منهج عِلْم الأنساب التَّجميعي Coherence-Based Genealogical Method المُستخدم في أجزاء من NA28)، أصبح المُصطلح المُفضَّل لَدَى العديد من نُقَّاد النَّصّ هو “النَّصّ الأوَّليّ” (Initial Text) بدلًا مِن “النَّصّ الأصلي”.
والمقصود بـ “النَّصّ الأوَّليّ” هو أقدم شكل نصِّيّ يُمكننا تتبُّعه وإعادة بنائه مِن خِلَال شواهد المخطوطات – والذي يُفترض أنَّه يقترب جدًا مِن نصّ المؤلِّف الأصلي وإن لم يكن مُطابقًا له حرفيًا بالضَّرورة. يُوضِّح معهد الأبحاث النَّصِّيَّة (في مونستر) – الذي أشرف على Nestle-Aland – هذا الهدف ببيان مُهمّته العِلْمِيَّة كما يلي:
“Their central task is to research the textual history of the New Testament and to reconstruct its Greek initial text on the basis of the entire manuscript tradition, the early translations and patristic citations. Foremost among the results of this research is the ongoing publication of the Editio Critica Maior. The Institute produces several more editions and a variety of tools for NT scholarship, including the concise editions known as the Nestle-Aland Novum Testamentum Graece and the UBS Greek New Testament.”
ومن هذه المُهِمَّة نرى أنَّهم يهدفون إلى “إعادة بناء النَّصّ اليوناني الأولي للعهد الجديد بالاستناد إلى كامل التَّقليد المخطوطي والتَّرجمات المُبكِّرة واقتباسات الآباء…“. وبالتَّالي فَهُم لا يُعلنون امتلاك “النَّصّ الأصليّ” نفسه بشكلٍ قاطعٍ، بل يسعون لاستنباط أقرب صُورة مُمكنة إليه عِلْمِيًا. ولمَّا كانت عَمَلِيَّة النَّقد النَّصِّيّ عملِيَّة مُستمِرَّة، يؤكِّد مُحرِّرو Nestle-Aland وUBS في كلّ إصدار جديد أنَّ النَّصّ قد تمَّت مُراجعته وتحسينه عن الإصدارات السَّابقة بفضل توفُّر مخطوطات أحدث أو دراسات أعمق، ومع ذلك يبقى “نصًّا عَمَلِيًّا” بحاجة رُبَّما لمزيد من التَّنقيح مُستقبلاً.
فعلى سبيل المثال، شهدت الطَّبعة الـ28 من Nestle-Aland تعديلات في نصّ الرَّسائل الجامعة بناءً على منهجيات جديدة، مما يدُلّ على هذا المبدأ التَّراكمي المفتوح.
يتَّضِح مِن جميع التَّصريحات أعلاه أنَّ كورت ألاند وباربرا ألاند وزملاءهما في اللَّجنة النَّقدية لا يدَّعون أنَّهم استعادوا النَّصّ الأصليّ للعهد الجديد بصورة يقينية تامَّة. بل يؤكِّدون أنَّ نصّ Nestle-Aland/UBS هو أقرب ما يُمكن الوُصُول إليه حاليًا للأصل استنادًا إلى الأدِلَّة والنَّقد العِلْمِيّ، ولكنَّه ليس نهائيًا أو معصومًا. إنَّهم يرونه “نصًّا عَمَلِيًّا” (Working Text) يستخدمه العُلماء كقاعدة للبحث والتَّرجمة، مع وعي بأنَّه قابل للمُراجعة كُلَّما ظهرت معلومات أو منهجيات جديدة.
ويُصرِّحون بشكلٍ واضحٍ بأنَّهم لا يعتبرون نصّهم مُعادلاً تمامًا لكلمات المؤلِّفين الأصليين، بل الأفضل والأرجح بينهم في ضوء البيانات المُتاحة.
هذا الموقف المُتَّزِن هو الموقف الرَّسمِيّ العِلْمِيّ الذي تتبنَّاه اللَّجنة في مُقدِّمات Nestle-Aland (مثل مُقدِّمة NA27 وNA28) ومُقدِّمة النُّسخة اليونانية UBS5، وفي كتابات ألاند وزملائه.
|
الجهة / العلماء |
هل يعتبرون النص النقدي هو النص الأصلي؟ |
طبيعة ادعائهم |
|
كورت ألاند وباربرا ألاند ولجنة NA/UBS |
لا – لا يدعون امتلاك النص الأصلي الكامل؛ بل يؤكدون وجود هامش شك. ينظرون إليه كنص نقدي أقرب ما يمكن للأصل تم التوصل إليه علميًا، ولكنه “نصّ عَمَلِيّ” غير نهائي قابل للمُراجعة والتَّحسين. |
يُستخدم كنقطة مرجعية ويُواصل العلماء فحصه مقابل الشواهد. |
بسم الله الرحمن الرحيم
مُشكلة إعادة تكوين النَّصّ الأصلي في أشهر مراجع النَّقد النَّصِّيّ
بحث مُتعمِّق (Deep Research) باستخدام نموذج GPT-4.5 مِن OpenAI
قائمة المراجع المُعتمدة في البحث
Metzger, Bruce M., and Bart D. Ehrman. The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration. 4th ed. Oxford University Press, 2005.
Aland, Kurt, and Barbara Aland. The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Editions and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism. 2nd ed. Translated by Erroll F. Rhodes. Grand Rapids: Eerdmans, 1989.
Vaganay, Léon, and Christian-Bernard Amphoux. An Introduction to New Testament Textual Criticism. Translated by Jenny Heimerdinger. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
Epp, Eldon Jay, and Gordon D. Fee, eds. New Testament Textual Criticism: Its Significance for Exegesis – Essays in Honour of Bruce M. Metzger. Oxford: Clarendon Press, 1981.
Epp, Eldon Jay. Perspectives on New Testament Textual Criticism: Collected Essays, 1962–2004. Supplements to Novum Testamentum, vol. 116. Leiden & Boston: Brill, 2005.
Ehrman, Bart D. Studies in the Textual Criticism of the New Testament. New Testament Tools and Studies, vol. 33. Leiden & Boston: Brill, 2006.
Parker, David C. The Living Text of the Gospels. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
Comfort, Philip Wesley. The Quest for the Original Text of the New Testament. Eugene, OR: Wipf and Stock Publishers, 1992.
Ehrman, Bart D., and Michael W. Holmes, eds. The Text of the New Testament in Contemporary Research: Essays on the Status Quaestionis. Studies and Documents, vol. 46. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1995.
Wachtel, Klaus, and Michael W. Holmes, eds. The Textual History of the Greek New Testament: Changing Views in Contemporary Research. Society of Biblical Literature Text-Critical Studies, vol. 8. Atlanta: Society of Biblical Literature, 2011.
يعتقد متزجر أنَّه بالرَّغم من ضياع الأصُول فإنَّ مُهِمَّة النَّقد النَّصِّيّ هي استعادة نصّ قريب جدًا من الأصل. فهو يُقِرُّ بأنَّ النُّسخ المُختلفة تحتوي على اختلافات، لكنَّه يرى أنَّ الناقد قادر في مُعظم الحالات على تحديد القراءة الصَّحيحة بناءً على الأدِلَّة المُتاحة.
بعبارة متزجر: “النَّاقِد النَّصِّيّ يسعى لتحديد أيُّ شكلٍ من النَّصّ ينبغي اعتباره أقرب ما يكون مطابقةً للأصل. في بعض الحالات تكون الأدِلَّة مُتعادلة بشكلٍ يُصَعِّب البَتّ بين قراءتين؛ وفي حالات أخرى يُمكن للنَّاقِد أن يصِل إلى قرارٍ قائمٍ على أسبابٍ تُرجِّح أفضلية إحدى القراءتين ورفض الأخرى“.
وهذا يعني أنَّ متزجر يرى النَّصّ المُستعاد تقريبيًّا ولكنَّه الأقرب مُمكنًا للأصل الضائع، مع اعترافه بوُجُود مواضع قليلة قد تبقى مُعلَّقة لِصُعُوبة الأدِلَّة فيها. بشكلٍ عامٍّ، موقف متزجر مُتفائل بإمكانية استعادة النَّصّ الأصلي أو على الأقل الوُصُول لأقرب صُورة مُمكنة له.
كورت ألاند وباربرا ألاند (Kurt & Barbara Aland)
يتبنَّى آلاند موقفًا حاسمًا بأنَّ النَّصّ الأصلي للعهد الجديد أمكن استعادته إلى حدٍّ بعيد في النَّصّ النَّقدِيّ الحديث. ففي دِفاع كورت ألاند عن الطَّبعة النَّقدية Nestle-Aland (نُسخة الـNA26) يؤكِّد أنَّ نتائج النَّقد النَّصِّيّ الحالية حقَّقت هدف استعادة النَّصّ الأصليّ تقريبًا.
يقول ألاند: “بعد مئة عام من وستكوت وهورت، يبدو أنَّ هدف إصدار نصّ العهد الجديد ‘باللغة اليونانية الأصلية’ قد تحقَّق… فالهدف المنشود قد بلغ الآن، وهو تقديم كتابات العهد الجديد بالشَّكل النَّصِّيّ الأقرب إلى ذلك الذي خرج مِن أيدي مؤلِّفيها أو مُحرِّريها في القرنَين الأوَّل والثَّاني للميلاد“
وهذا تصريحٌ واضحٌ بأنَّ آلاند يعتبر النَّصّ النَّقدِيّ الحديث بمثابة النَّصّ الأصلي أو ما يكاد؛ أي أنَّنا نملك النَّصّ في صورته الأصلية إلى حَدٍّ كبير، مع تنبيه وحيد هو إبقاء Aparatus النَّقدي للإشارة إلى أيّ بدائل مُحتملة!
خلاصة موقفهما أنَّ مُهِمَّة استعادة الأصل مُمكنة بل وقد أُنجزت فعليًا ضمن حُدُود الأدِلَّة المُتاحة.
ليون فاجانيه (Leon Vaganay) وكريستيان-برنار أمفو (Christian-B. Amphoux)
قدَّم فاجانيه (مع تلميذه أمفو) منهجًا مُختلفًا يميل إلى التَّركيز على تاريخ النَّصّ أكثر من سعيه لاستعادة الأصل. يتَّصِف أمفو – مُحرِّر الطَّبعة الفرنسية الثانية لكتاب فاجانيه – بنوع من اللَّا أدريّة تجاه إمكانية الوُصُول إلى النَّصّ الأصلي نفسه.
جاء في تقديم ج. ك. إليوت للترجمة الإنجليزية: “على عكس كثير من النُّقَّاد، أمفو غير جازم بإمكانية العُثُور على النَّصّ الأصلي. فهو لا يَتَّخِذ استعادة ألفاظ النُّسَخ الخَطِّيَّة الأولى هدفًا له؛ بل إنَّ اهتمامه الرَّئيسي مُنصَبٌّ على رسم خريطة تاريخ النَّصّ، ومُحاولة العودة إلى الأُصُول الكبرى (التَّقاليد النَّصِّيَّة الأساسية) وما وراءها إلى شكلٍ مُبكِّر من النَّصّ (ولكن ليس بالضَّرورة الشَّكل الأصلي نفسه)“.
وفقًا لهذا المنظور، يعتبر فاجانيه وأمفو أنَّ تتبُّع تطوُّر النَّصّ عبر التَّقاليد النَّصِّيَّة (كالنَّصّ الغربي والإسكندري… إلخ) أهمّ من افتراض إمكانية الوُصُول إلى لفظ مؤلِّف كلّ سفر يقينًا. بالتَّالي فموقفهما مُتحفِّظ للغاية: مُهمَّة النَّقد النَّصِّيّ هي إعادة بناء تاريخ انتقال النَّصّ أكثر من كونها استعادة حرفية للأصل الذي قد يكون بعيد المنال.
ينظر إلدون إيپ نظرة نقدية إلى مفهوم “النَّصّ الأصلي”، حيث يرى أنَّ هذا المُصطلح مُلتَبِس وينطوي على مُستويات مُتعدِّدة ينبغي تمييزها. يُشير إيپ إلى أنَّ الباحثين المُعاصرين باتوا أقلّ يقينًا بشأن إمكانية استعادة الأصل، حتى أنَّهم كثيرًا ما يضعون عبارة “النَّصّ الأصلي” بين علامتي اقتباس للدَّلالة على الشَّكّ في تحقيقه حرفيًا.
يقول إيپ: “في الثُلُث الأخير مِن القرن العشرين، وُضِعَ تعبير ‘النَّصّ الأصلي’ كثيرًا بين علامتي اقتباس، محذِّرًا مِن تفاؤل غير مُبرَّر“.
ويبيِّن إيپ في دراسته عن تعدُّدِيَّة معنى الأصل أنَّ “افتراض وجود قراءة أصلية واحدة يُمكن الاهتداء إليها” صار محَلّ تساؤل.
لذا يدعو إيپ إلى تحديد المقصود بـ”الأصل”: هل هو ما كتبه المؤلف أولًا، أم نُسخته المُنقَّحة، أم النَّصّ المُميَّز عند اعتماد قانون الكتاب المُقدَّس، أم غير ذلك من المراحل؟!
وخُلاصة موقف إيپ أنَّ المُهِمَّة التَّقليدية (استعادة النَّصّ كما خرج من يد المؤلِّف) أصبحت مُعقَّدة ورُبَّما غير قابلة للحَسْم المُطلق في ظِلّ وعينا بتعدُّد طبقات النَّصّ وتاريخ تشكيله، مما يجعل الحديث عن “نصّ أصلي” أمرًا يحتاج إلى تعريف دقيق ورُبَّما إلى استبداله بمفهوم النَّصّ الأوَّلي الأقدم الذي يُمكننا بُلُوغه بالأدِلَّة.
بارت د. إيرمان (Bart D. Ehrman)
يرى بارت إيرمان أنَّه لا يُمكن الجَزْم بأنَّ لدينا النَّصّ الأصليّ بالكامل، نظرًا لفقدان المخطوطات الأصلية وتفاوت نسخها اللَّاحقة. يُشدِّد إيرمان على حقيقة أنَّ لدينا فقط نسخًا مليئة بالاختلافات، مما يجعل النَّصّ الأصلي افتراضيًا أكثر منه يقينيًا.
يذكر إيرمان اكتشافه في دراسته المُبكِّرة أنَّه “ليس لدينا النُّصُوص ‘الأصلية’ للعهد الجديد (إذ كنّا نتحدث أيامها عن ‘الأصول’ ببساطة)، كما أنَّنا لا نملك نُسَخًا دقيقة تمامًا من تلك الأصول. وقد شكَّل لي ذلك مشكلةً وتحدّيًا“.
وفي موضع آخر يَصِف مَدَى صُعُوبة معرفة ما كتبه مؤلِّفو العهد الجديد بالضَّبط، إذ يقول: “مِن العَسِير معرفة ما الذي كتبه مؤلِّفو العهد الجديد في كثيرٍ مِن الحالات، لأنَّ كلّ النُّسَخ الباقية تختلف بعضها عن بعض، وأحيانًا بدرجة كبيرة“.
بناءً على ذلك، يؤكِّد إيرمان أنَّ النَّصّ الذي بين أيدينا نتاج عملية نقدية تقديرية؛ يُمكننا الاقتراب مِن الأصل، لكن لا يُمكننا التَّأكُّد المُطلق في جميع المواضع. ومع أنَّ إيرمان لا يُنكر أهمِّيَّة مُحاولة إعادة بناء نصّ المؤلِّف (فهي ضرورِيَّة لفَهْم المعنى)، إلَّا أنَّه يُشير إلى أنَّ هذا النَّصّ المُعاد بناءه يظَلّ افتراضياً. لذا يُظهر إيرمان موقفًا مُتحفِّظًا: لدينا نصّ تقريبي قائمٌ على أفضل ما وصلنا، لكنَّنا لا نستطيع الجَزْم بأنَّنا استعدنا كلّ كلمة كما كُتبت أوَّل مرَّة.
يُمثِّل باركر اتِّجاهاً أكثر جذريةً في التَّشكيك بفكرة النَّصّ الأصلي الأُحادِيّ، خُصُوصًا في الأناجيل. طرح باركر مفهوم “النَّصّ الحَيّ” للدلالة على أنَّ نُصُوص الأناجيل تطوَّرت عبر التَّداول الحُرّ في المُجتمع المسيحي المُبكِّر، مما يجعل البحث عن نصّ أصلي ثابت أمراً يتجاهل واقع انتقال النَّصّ transmission الدِّيناميكي.
يقول باركر صراحةً: “إنَّ مفهوم إنجيل ثابت الشَّكل وذو سُلطة ونهائيّ بوصفه قطعة أدبية هو مفهوم لا بدَّ مِن التَّخلِّي عنه“.
ويصف نصّ الأناجيل بأنَّه “نصّ حُرّ أو بالأحرى حَيّ” نَمَا وتطوَّر خِلال القُرُون الأولى، حيث واصل النُّسَّاخ والقُرَّاء إضافة الأقوال وتطوير الرِّوايات ضِمْن عملِيَّة النَّسخ. لذا يتساءل باركر “ما إذا كان السَّعي لاستعادة نصّ أصلي واحد يتوافق مع طبيعة تقليد مخطوطي حُرّ“.
وبرهن باركر عبر أمثلة مُطوَّلة أنَّ بعض أقوال المسيح ذات التَّعدُّد النَّصِّيّ (مثل أقوال الزَّواج والطَّلاق، ونصّ الصَّلاة الرَّبَّانِيَّة) لا يُمكن إرجاعها إلى عبارة أصلية واحدة يقينًا. فعن قول المسيح حول الطَّلاق، خَلُصَ باركر إلى أنَّ “استعادة قول أصلي واحد ليس مُمكنًا؛ بل ما لدينا هو مجموعة من إعادة الصِّياغات التَّفسيرية للتَّقليد“، إذ أعادتها الكنيسة المُبكِّرة بأشكال تلائم فهمهم.
بناءً على ذلك، يُركِّز باركر على دراسة جميع أشكال النَّصّ لفهم تاريخ التَّقليد وفكر الكنيسة، بدلًا من افتراض وُجُود نصّ أصلي نهائي يجب العُثُور عليه. موقفه إذن: مُهمَّة النَّقد النَّصِّيّ لا يجب أن تنحصر في هدف مُستحيل (أصل وحيد)، بل ينبغي دراسة نصّ العهد الجديد بوصفه مجموعة نُصُوص حيَّة مُتطوِّرة تحمل كلّها أهمِّيَّة في فهم الرِّسالة التَّاريخية.
فيليب كومفورت (Philip W. Comfort)
على النَّقيض من باركر وإيپ، يتَّخِذ فيليب كومفورت موقفًا تفاؤليًا واضحًا بأنَّ النَّصّ الأصلي للعهد الجديد مُمكن الاستعادة، بل ويعتقد أنَّنا اقتربنا جدًا منه عبر اكتشاف المخطوطات المُبكِّرة. يؤكِّد كومفورت أنَّ جُهُود كبار النُّقَّاد في القرن التَّاسِع عشر (مثل تشندورف ووستكوت وهورت) كانت تهدف تحديدًا إلى استرجاع الأصل، وأنَّ هذا “مسعى لا يزال مُجديًا وليس مُستحيلاً تمامًا” إذا اتُّبع منهجهم مع الاستفادة مِن أحدث المُكتشفات.
ينتقد كومفورت بعض الطَّبعات النَّقدِيَّة المُعاصرة (مثل NA26) لأنَّها – برأيه – لم تُولِ الشَّواهد المُبكِّرة الوزن الكافي، ما جعل نصَّها “أقلّ مِن تحقيق النَّصّ الأصلي” في بعض المواضع.
ويرى كومفورت أنَّ اتِّباع نهج يُعطي الأولوِيَّة للمخطوطات الأقدم سيقود إلى نصّ أقرب ما يكون للأصل.
يقول: “أعتقد أنَّه يُمكن استعادة النَّصّ الأصلي، وأعتقد أنَّ NA26/UBS3 قريبة جدًا منه…“.
ويُصرِّح أيضًا: “وجهة نظري أنَّ أيّ قراءة يؤيِّدها بردية مُبكِّرة (مع شُهُود مُبكِّرين آخرين) هي شهادة مُعتبرة على النَّصّ الأصلي“.
ويذهب كومفورت إلى حَدِّ القول بأنَّ بعض المخطوطات القديمة بحدّ ذاتها قد تكون نسخًا دقيقة جدًا مِن الأصل، خاصَّة تِلْك المُنتَجَة في البيئة السَّكندرية ذات الضَّبط العالي. بناءً على ذلك، فإنَّ كومفورت يعتقد أنَّنا عمليًا نملك النَّصّ الأصلي في معظمه، وأنَّ الاختلافات المُتبقِّية محدودة ويُمكن حسمها بالتَّركيز على أقدم الشَّواهد. فهو يدعو إلى “السَّير أبعد على خُطَى النُّقَّاد الأوائل” للوُصُول إلى الأصل، مُعتبرًا ذلك هدفًا قريب المنال إذا استخدمت البرديات المُكتشفة حديثًا كما ينبغي.
مايكل هولمز (Michael W. Holmes)
يُمثِّل مايكل هولمز صوتًا في التَّيَّار المُعاصر الدَّاعي إلى إعادة تقييم هدف النَّقد النَّصِّيّ وتوضيح مُصطلحاته. شارك هولمز في تحرير أعمال حديثة كثيرة تُناقش وضعية المجال الرَّاهنة، وهو واعٍ للتَّغيير الحاصل في النَّظرة إلى “النَّصّ الأصلي”.
يُشير هولمز إلى أنَّ عملِيَّة إعداد نصّ نقدي لم يَعُد بديهيًا اعتبارها “استعادة للأصل” بالمفهوم القديم. ففي مُقدِّمة أحد المؤلَّفات التي حرَّرها مع فاختل، يرُدّ: “إنَّ مفهوم تحرير أو إعادة إنشاء النَّصّ الأصلي لم يعد أمرًا مفروغًا منه. فما هو الوضع الذي يُمكن إسناده إلى نصٍ في طبعة نقدية؟ وهل يصحُّ تسميته إعادة بناء أو استعادة لنص لم يعد موجودًا، أم أنَّه ليس إلَّا إسقاطًا لأفكارنا على المادَّة التي حفظتها عملية النَّقل إلينا؟“.
هذا التَّساؤل يعكس توجُّه هولمز إلى أنَّ النَّصّ النَّقدي هو افتراض علمي لأقدم شكل نصِّي مُمكن، ولا ينبغي تلقائيًا اعتباره مُطابقًا للأصل بشكلٍ يقيني. لذلك تبنَّى هولمز وغيره اصطلاح “النَّصّ الأوَّلي” (Initial Text) للإشارة إلى أقدم نصّ يُمكننا بُلُوغه عبر المنهج النَّقدي.
ويدعو إلى التَّمييز بين هذا النَّصّ الأوَّلي وبين النَّصّ الأصلي للمؤلِّف، الذي قد لا يتسنى لنا معرفته في بعض الحالات إذا كان المؤلِّف نقَّح كتابه أو وُجِدت نُسخ وسيطة مفقودة.
يُمكن القول إنَّ موقف هولمز مُعتدل: فمع اعترافه بضرورة إعادة بناء النَّصّ وأهمِّيَّتها لفهم المعنى، إلَّا أنَّه يُشدِّد على عَدَم الجزم بأنَّ النَّصّ المُحرَّر هو تمامًا ما كتبه المؤلِّف؛ بل هو أقرب ما يُمكننا الوُصُول إليه علميًا، وهو نصّ أوَّليّ لبداية التَّقليد المخطوطي، قد يُطابق الأصل أو يُقاربه على أفضل تقدير.
كلاوس فاختل، بوصفه أحد مُحرِّري مشروع “نستله ألاند/المعهد الألماني (ECM)” الحديث، يتَّفِق مع هولمز في أنَّ مفهوم النَّصّ الأصلي يجب التَّعامُل معه بحذرٍ واستبداله عَمَلِيًّا بمفهوم النَّصّ الأوَّلي. يُوضِّح فاختل في مُقدِّمة كتاب حرَّره مع هولمز أنَّ اعتبار النَّصّ النَّقدِيّ المُعاصر بمثابة “استعادة للأصل” لم يَعُد مُسلَّمة لَدَى الباحثين. ويسأل: “هل مِن المُبرَّر أن نُسمِّي النَّصّ النَّقدي إعادة بناء لنصّ لم يَعُد موجودًا، أم ليس ذلك سِوَى إسقاط تصوُّراتنا على ما حفظته لنا عملية انتقال النَّصّ؟“. وفي ضوء هذه المُناقشات المُعاصرة، يرى فاختل أنَّه من المناسب “استخدام مُصطلحات أكثر تمييزًا ووُضُوحًا” في وصف غاية النَّقد النَّصِّيّ.
وقد ظهر بالفعل مُصطلح “النَّصّ الأوَّلي” لوصف الشَّكل النَّصِّيّ الذي يسعى مُحرِّرو الـECM إلى إعادة بنائه – أي الشَّكل الذي بدأت منه عملِيَّة انتقال المخطوطات التي بين أيدينا.
ويُمثِّل هذا النَّصّ الأوَّليّ أقدم حالة نصِّيَّة يُمكننا بُلُوغها مِن خِلال تتبُّع علاقات المخطوطات (باستخدام منهج التَّرابُط genealogical coherence مثلًا) دون افتراض أنَّه بالضَّرورة مُطابق حرفيًا لما كتبه المؤلِّف. بكلمات أخرى، فاختل يقِرُّ بأنَّ الفجوة بين أقدم نصّ يُمكن استنباطه وما كتبه المؤلِّف فعليًا قد تظل موجودة، خُصُوصًا إن كان النَّصّ قد خضع لمُراجعات أو تطوُّرات في مراحله الأولى. وعليه، موقف فاختل هو أنَّ هدف النَّقد النَّصِّيّ عِلْمِيًّا هو إعادة بناء النَّصّ الأولي لسلسلة النَّقل – وهذا أقصى ما يُمكن الوُصُول إليه – دون ادِّعاء اليقين المُطلق باستعادة كلّ تفاصيل النَّصّ الأصلي كما صدر عن المؤلِّف. إنَّه توجُّه يغلب عليه التَّحفُّظ العِلْمِيّ: نعم، يُمكننا تقريب النَّصّ إلى أصله قدر الإمكان، لكن تسميته نصًا أصليًا بمعنى الكلمة يتطلَّب حذرًا وتواضعًا أمام تعقيدات تاريخ النَّصّ.
|
العالِم |
رؤية إمكانية استعادة النَّصّ الأصلي (باختصار) |
|
بروس متزجر |
متفائل بإمكانية استعادة نصّ تقريبي للأصل إلى حدٍّ كبير، مع بقاء هوامش شكّ قليلة. |
|
كورت وباربرا ألاند |
يعتبران أنَّنا بلغنا عمليًا النَّصّ الأصلي؛ النَّص النَّقدي الحديث يُحقِّق الهدف المنشود لاستعادة الأصل. |
|
ليون فاجانيه/أمفو |
مُتشكِّكان في إمكانية استعادة الأصل حرفيًا؛ يُركِّزان على إعادة بناء تاريخ النَّصّ والوُصُول لصيغ مُبكِّرة (غير أصلية بالضَّرورة). |
|
إلدون إيپ |
يرى المُهِمَّة صعبة للغاية ورُبَّما غير مُمكنة عِلْمِيًّا في بعض الحالات؛ يدعو لإعادة تعريف “الأصل” والتَّحلِّي بحذر (وضع “النَّصّ الأصلي” بين اقتباس). |
|
بارت إيرمان |
مُتحفِّظ بشِدَّة؛ يؤكِّد فقدان الأصُول واختلاف النُّسَخ، ما يعني أنَّ النَّصّ المُستعاد افتراضي تقريبي وليس يقينيًا. |
|
ديفيد باركر |
يُشكِّك في وُجُود نصّ أصلي واحد ثابت خُصُوصًا في الأناجيل؛ يعتبر النَّصّ تقليدًا حيًّا مُتطوِّرًا، لِذا ينبغي التَّخلِّي عن فكرة الأصل الثَّابِت. |
|
فيليب كومفورت |
شديد التَّفاؤل بإمكانية استعادة الأصل؛ يعتقد أنَّ النَّصّ الأصلي غير بعيد المنال بل تمّ الاقتراب منه جدًا عبر المخطوطات المُبكِّرة. |
|
مايكل هولمز |
يدعو لمنهج أكثر حذرًا؛ الهدف إعادة بناء النَّصّ الأوَّلي الأقدم قدر الإمكان بدل ادِّعاء امتلاك الأصل نفسه. |
|
كلاوس فاختل |
مُماثل لهولمز؛ يؤكِّد أنَّ النَّصّ النَّقدي يُمثِّل أقرب نصّ يُمكن بُلُوغه (النَّصّ الأوَّلي)، مع الإقرار بأنَّ الفجوة مع الأصل رُبَّما تبقى. |
الحمد لله رب العالمين