بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب
النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن الكريم
تأليف الشيخ العلَّامة / محمد عبد الله دراز
اعتنى به الشيخ / عمرو الشرقاوي
فهرس الموضوعات
مُقدِّمة الإصدار الثَّاني للكتاب
المُقدِّمة الأولى: التَّعريف بالمؤلِّف
مفتاح الشَّخصِيَّة: مُصاحبة الوحي
المُقدِّمة الثَّانية: تدعيمُ مقاصدِ كتاب «النَّبأ العظيم»
القِسْم الأوَّل: الحُجَج الخارجِيَّة
الحُجَّة الأولى: إقرار محمد ﷺ أنَّ القرآن ليس من عنده
الحُجَّة الثالثة: أُمِّيَّة النبي ﷺ
الحُجَّة الرَّابعة: ظاهرة الوحي دليل على أنَّ القُرآن من عند الله
القِسْم الثَّاني: الحُجَج الدَّاخلِيَّة (البحث في القرآن نفسه)
الحُجَّة الثَّانية: جديد لُغة القرآن
الحُجَّة الثَّالثة: النِّظام الصَّوتي والجمال التَّركيبي
الحُجَّة الرَّابعة: الخصائص البيانية للقرآن الكريم
المُقدِّمة الثَّالثة: موقف المُسلمين من القرآن، وسلامة النَّصّ القرآني من التَّحريف
أوَّلا: موقف المُعتزلة من حُجِّيَّة القرآن وقطعية ثُبُوته
ثانيًا: موقف الأشاعرة من حُجِّيَّة القرآن وقطعية ثُبُوته
ثالثًا: موقف الرَّافضة من القرآن الكريم
مُبرِّرات الإيمان بسلامة النَّصّ القرآني
الحُجَّة الأولى: العناية بالقرآن في عهد النبي ﷺ، وعهد الصَّحابة
الحُجَّة الثَّانية: تَلَقِّي القرآن بالمُشافهة
الحُجة الثَّالثة: عَدَم وُجُود فجوة تاريخية في مسار القرآن
مِن أوجه عناية الأُمَّة بالقرآن الكريم
المُقدِّمة الرَّابعة: مدخلٌ إلى القرآن الكريم
الباب الأوَّل: حقائق تاريخية أوَّلِيَّة
الفَصْل الأوَّل: حياة الرَّسول ﷺ قبل البِعْثَة
الفَصْل الثَّاني: كيف جُمِعَ نصّ التَّنزيل الحكيم؟
الباب الثَّاني: القرآن مِن خِلَال مظاهره الثَّلاثة: الدِّيني والخُلُقي والأدبي
الفَصْل الأوَّل: الحقّ أو العُنْصر الدِّيني
الفَصْل الثَّاني: الخير أو العُنْصر الأخلاقي في القرآن
الفّصْل الثَّالث: الجمال أو الجانب الأدبي
الباب الثَّالث: المصدر الحقيقي للقرآن
الفَصْل الأوَّل: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المَكِّيَّة
الفَصْل الثَّاني: البحث عن القرآن في الفترة المدنية
المُقدِّمة الخامسة: مُقدِّمة كتاب: «الظَّاهرة القرآنية»
مُقدِّمة المؤلِّف للطَّبعة الأولى
البحث الأول: في تحديد معنى القرآن، والفرق بينه وبين الحديث القدسي والنبوي
سِرّ تسمية القرآن: القرآن والكتاب
البحث الثَّاني: في بيان مصدر القرآن وإثبات أنَّه من عند الله بلفظه ومعناه
تعريف القرآن بنفسه وبالمُتكلِّم به
القرآن ليس إيحاءً ذاتِيًّا من نفس محمد ﷺ
المستقبل ودلالته على مصدرية القرآن
أمثلة من إخبار القرآن بالمستقبل
نشأة محمد ﷺ بين أُمَّة أُمِّيَّة جاهلية
لم يكن للنبي ﷺ مُعلِّم من غير أُمَّته
حديث القرآن عن عُلماء الدِّين في زمنه
كان أهل الكتاب أبخل الناس بعلمهم
رد القرآن على شُبهة وجود مُعلِّم للرسول
أنواع المجادلات التي حكاها القرآن عن الطاعنين فيه
أدِلَّة مُعاصرة على إمكان الوحي
كشف الشبهات حول الإعجاز القرآني
تضافر الأسباب الباعثة على مُعارضة القرآن
(هامّ جدًّا) إعلان القرآن ونشره بين العرب
سبيل إدراك إعجاز القرآن اللغوي
إدراك الإعجاز لمن يُميِّز بين مراتب الكلام
أحوال مَن دعاهم القرآن للتَّحدِّي
تفرُّد أسلوب القرآن ودلالته على المصدرية
الترتيب الصَّوتي للحروف القرآنية
(هام جدًّا) أسلوب القرآن لا يسمح بالتَّحريف
«القَصْد في اللَّفظ» و «الوفاء بحقّ المعنى»
«خِطاب العامَّة» و «خِطاب الخاصَّة»
«إقناع العقل» و «إمتاع العاطفة»
البيان في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]
تنجيم القرآن ودلالته على الإعجاز
مثال على الوحدة الموضوعية: سورة البقرة
السِّياسة الرَّشيدة في دراسة النَّسق القرآني
نظام عقد المعاني في سورة البقرة
المُقدِّمة في عشرين آية (1-20)
المقصد الأول في خمس آيات (٢١-٢٥)
المقصد الثاني في ثلاثة وعشرين ومائة آية (٤٠-١٦٢)
المقصد الثالث في ست ومائة آية (۱۷۸-۲۸۳)
مُقدِّمة الإصدار الثَّاني للكتاب
لقد ترك العلامة د. دراز رحمه الله كتبًا متنوّعة، غير أنَّ أشهرها هو «النبأ»، وظل الكتاب هو المعرِّف بدراز، ولا تزال الأجيال جيلا بعد جيل تعرف درازاً من خلال «النبأ»، وقد يكتفون به، وقد يلجون إلى عبقرية «دراز» من خلاله.
ولا نُبالغ لو قلنا: إن الكتاب مفخرة من مفاخر عصرنا في التأليف.
ولا شك أن لارتباط الكتاب بالقرآن المجيد المحفوظ، مع إخلاص صاحبه، فيما نحسب، أثر انتفاع الناس به، وبعد ذلك نقول:
أولا: إن لشخصية الرجل، وارتباطه الدائم بالقرآن الكريم أثر عظيم في كتابة كتابه، لقد كان الرجل يقرأ (ستة أجزاء من القرآن يوميًّا!)،
ثانيا: لقد كان للقرآن أثره البالغ في أسلوب الشيخ وكتابته،
وهكذا يمضي الشيخ في أسلوب من امتزج القرآن بقلبه وعقله،
المُقدِّمة الأولى: التَّعريف بالمؤلِّف
مقدمة في أهمية معرفة الأعلام:
قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣) عن سير التابعين وأئمة المسلمين: «وقد جمع الناس فضائلهم وعنوا بسيرهم وأخبارهم، فمن قرأ فضائلهم وفضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة بعد فضائل الصحابة والتابعين له وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وسعى في الاقتداء بهم، وسلك سبيلهم في علمهم وفي سمتهم وهديهم كان ذلك له عملا زاكيا نفعنا الله عزَّ وجلَّ بحبهم جميعهم». [جامع بيان العلم وفضله (2/ 1117).]
وقال ابن الصلاح (ت: ٦٤٣): «وقد روينا عن مسلم بن الحجاج صاحب (الصحيح) ◙ أنَّه قال: «… ولأنَّ العالِم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلًا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل». [طبقات الفقهاء الشافعية(1/ 75).]
وقال النووي (ت: ٦٧٦): «وهذا من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات التي ينبغي للمتفقه والفقيه ،معرفتها وتقبح به جهالتها، فإن شيوخه في العلم آباء في الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل [الإسناد ] والوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب مع أنه مأمور بالدعاء لهم، وبرهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم، وشكرهم». [تهذيب الأسماء واللغات (1/ 17-18).]
وقال ابن تيمية (ت: ۷۲۸): «والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة وحيث كان الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به.
فتارة يكون المعلوم محبوبًا يلتذ بعلمه ،وذكره كما يلتذ المؤمنون بمعرفة الله وذكره، بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين ولهذا يقال: “عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة”، بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير، والرغبة فيه والفرح به والسرور واللذة والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات». [الصفدية (2/ ٢٦٩).]
مفتاح الشَّخصِيَّة: مُصاحبة الوحي
ويكفينا لمعرفة ضخامة هذه الشخصية أن اسمه قد اقترن بالقرآن والإنسان يأخذ من أنوار القرآن المجيد بحسب اتصاله به.
فيقول عنه صديقه العلَّامة الكبير الشيخ محمد أبو زهرة (ت: ١٩٧٤): «ثم يذهبُ كلٌّ منَّا إلى مَضْجَعِه بعد أن يَؤُمَّنا في صلاةِ العشاء، ولكنه هو يستمر في صَلَواتِه، كان يَتَخفَّفُ من النوم، فكان نومه قليلا كنوم الأنبياء، ثم يقومُ الليلَ مُصلِّيًا متهجّدًا، أو قارئًا للقرآن، وكان له قد أخذ نفسَهُ بقراءةِ سُدُسِ القرآنِ في كلِّ يوم، وما كنتَ تراهُ إذا اخْتَلَى بنفسه إلا مُصَلِّيا، أو قارئًا للقرآن».
النَّشأةُ الأولى
ولد الشيخ عام (۱۸۹٤) في قرية (محلة دياي) التابعة لمحافظة (كفر الشيخ)، والتي تقع أقصى شمال (مصر) في (دلتا النيل).
تتلمذ لعدد من أعلام عصره، منهم الشيخ محمد عبده (ت: ۱۹۰۵)، … وقد أخذ الشيخ عن والده شغفه بكتاب الله، فأخذ عن والده ضرورة التِّلاوة لستة أجزاء منه كل يوم، وما ترك هذه العبادة يومًا من الأيام، … وتعلَّم الفرنسية، وأتقنها في ثلاث سنوات.
هُدْهُد قومه
إشارة إلى أن الشيخ لم يتأثر بالغرب في باطلهم، ولم يغتر بهم، بل ثبت ثبات المؤمن، كما ثبت هدهد سليمان وتحسر أنه وجد قومًا آتاهم الله ما آتاهم لكنهم يعبدون الشمس من دون الله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض!
سافر الشيخ إلى فرنسا عام (۱۹۳٦) مع البعثة التي اختيرت للسفر، ومكث هناك أزيد من عشر سنوات وتحصل على درجة الدكتوراة في رسالته الشهيرة «دستور الأخلاق في القرآن».
يقول الشيخ أبو زهرة (ت: ١٩٧٤): «… ولقد عاد [من فرنسا] بعد هذه الرحلة الطويلةِ الشاقَّةِ المُجْهِدَة، وتوقعنا أن نجد تغيرا مظهره أو مَلبسه أو عاداته، أو تدينه، كما رأينا في بعض مَنْ ذَهَبُوا وأقاموا بعض إقامته، ولكنَّا وَجَدناه كما تَرَكَنا خُلُقًا ودينا وإيمانًا، فأثبت بذلك سلامةً جوهره، لأن جيّد المعادن تجلوه التجارب وتصقله الحوادث من غير أن يفنى ويبلى. ولقد ازداد استمساكا بدينه، وتشددا فيه، فزاد بهاء ونورا وجلالا».
ويقول ختنه الدكتور السيد محمد بدوي: «… وكنا نجد عنده كرم الضيافة العربية ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شؤون الدين والعلم والسياسة.
وكان رحمه الله لا يضيق بما نثيره من آراء متطرفة أحيانًا، بل يفندها بروح العالِم المستنير، وفي سماحة ورحابة صدر، ولا يزال بنا حتى يقنعنا بوجهة نظره المستندة إلى البرهان العلمي والمنطقي».
يقول صهره د. السيد بدوي عن رسالته «دستور الأخلاق في القرآن الكريم»: «وقد استغرقت كتابة هذه الرسالة ما يقرب من ست سنوات.
… وأذكر أنه اضطر -أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا- لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأ تحت الأرض، كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله على ضوء شمعة أو مصباح خافت».
مشعل النُّور
كان الشيخ رحمه الله يُمثِّل الأزهر في العديد من المؤتمرات الدولية؛ … وكانت آخر المؤتمرات التي مثل فيها الأزهر مؤتمر الأديان العالمي في لاهور بباكستان عام (1958)، وكان بحثه الذي قدم حول: «موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها»، وكانت آخر محاضرة له؛ إذ لبى نداء ربه أثناء انعقاد المؤتمر وقبل أن يلقي كلمته بسكتة قلبية مفاجئة، وذلك في يناير (١٩٥٨)، وعاد جثمانه إلى مصر وشيعت جنازته بعد أن صلى عليه في (الجامع الأزهر)، قال عن الشيخ محمود شلتوت (ت: ١٩٦٣): «لقد مات مشعل النور الذي أطفأ مشاعل الجهل».
اللُّباب
من المهم أن ننبه القارئ غير المتمرس بأعمال دراز إلى أن لُباب فكره يوجد في أربعة كتب وهي «دستور الأخلاق في القرآن» و «الدين»، و «النبأ العظيم»، و «مدخل إلى القرآن الكريم».
المُقدِّمة الثَّانية: تدعيمُ مقاصدِ كتاب «النَّبأ العظيم»
المقصود بالقرآن في كلامنا هو: «كتاب الله، المنزل على محمد ﷺ، المحفوظ بين الدفتين، المنقول إلينا جيلاً بعد جيل، والمُتحدَّى بأقصر سورة منه».
ولقد جاء في القرآن ذاته تحديد مصدره، وأنه كلام الله جاء به محمد بن عبد الله ﷺ، وليس لمحمد ﷺ في القرآن سوى:
(۱) الوعي والحفظ، ثم (۲) الحكاية والتبليغ ثم (۳) البيان والتفسير، ثم (٤) التطبيق والتنفيذ.
القِسْم الأوَّل: الحُجَج الخارجِيَّة
الحُجَّة الأولى: إقرار محمد ﷺ أنَّ القرآن ليس من عنده
لقد أقر النبي ﷺ على نفسه أنَّ القرآن الذي جاء به ليس من كلامه، وإنما هو وحي من ربِّه إليه.
وحجيَّة هذا الإقرار: أنَّ القرآن حجّ العرب، وعجزوا أمامه، فالمصلحة أن ينسب محمد ﷺ القرآن له، لتروج زعامته، ويرتفع قدره عند هؤلاء القوم، ولم يفعل، وحاشاه أن يفعل!
وإنما لم يفعل؛ لأنَّه صادق أمين، ولم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله.
فإن قال قائل: إنَّه لم يفعل ذلك إلا ليستجلب مزيدًا من الأتباع بنسبة هذا الكلام للرب، ويستدعي لنفسه طاعة وسلطانا.
فنقول: هذا الكلام فاسد من جهتين:
الجهة الأولى:
أن محمدًا ﷺ قد صدر عنه الكلام الذي نسبه لنفسه، والكلام الذي نسبه لربه، وأوجب القرآن على الناس طاعة محمد ﷺ، وجعل طاعته من طاعة الله تعالى، فهلَّا جعل كل أقواله من كلام الله كما يقول هذا القائل.
الجهة الثانية:
أنَّ هذا الكلام مبني على افتراض باطل هو: أن يكون محمد ﷺ قد سوَّغ لنفسه أن يصل إلى مقصده، ولو بالكذب والتمويه.
وهذا باطل؛ لأن سيرة محمد ﷺ، وأحواله تأبى ذلك.
فإنَّ صفاته وشمائله قبل النبوة وبعدها، تأبى أن يكون كاذبًا، فقد كان أعداؤه قبل أصحابه يشهدون له بالصدق، والأمانة، ولم يقل أحد منهم قط: إنَّه كاذب.
الحُجَّة الثَّانية: في القرآن ما لا يُستنبط بالعقل ولا بالتَّفكير، وفيه ما لا يدرك بالوجدان ولا بالشعور
إنَّ في القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال للذكاء والاستنباط فيها.
1- الوقائع التاريخية لا مدخل للعقل والذكاء فيها.
… فالعلم بأحوال الأمم السابقة وما حصل لهم، وبمجمل ما جرى من حوادث في تلك الأزمان، بل وبمفصل ما جرى أيضًا مع ذكر لأرقام دقيقة = كل ذلك لا يمكن أن يكون من ذكاء محمد ﷺ، بل هو وحي أوحاه الله إليه.
٢- الحقائق الدينية الغيبية لا مدخل للعقل فيها.
إن القرآن قد فصل ذكر حدود الإيمان، ووصف الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، ووصف عوالم أخرى كالملائكة والجن،
3- أنباء المستقبل الجازمة ودلالتها على مصدرية القرآن.
ومن الغيوب التي أخبر بها والتي تكفي في صدقه وصدق ما جاء به، ما أخبر عنه القرآن في قوله: {يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغَتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ} [المائدة: ٦٧]، فأي ضمان هذا؟
وليس هذا فحسب، وإنما وقع هذا موقعه، فترك النبي ﷺ اتِّخاذ الحُرَّاس بعد هذه الآية، وثبتت هذه العصمة له في غير موطن. [انظر: صحيح البخاري: (٤١٣٦)، والترمذي: (٣٠٤٦).]
الحُجَّة الثالثة: أُمِّيَّة النبي ﷺ
في القرآن نفسه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
مما يؤكد تلك القضية أمور، منها:
1- اتخاذه كتابا للوحي من خاصة صحبه.
2- أنه لم يعرف موقع اسمه المكتوب في صُلح الحديبية.
3- الشُّهرة المُستفيضة بعدم معرفته للكتابة.
ولا يمكن لأحد أن يدَّعي أنَّ لمحمد ﷺ معلمًا من البشر.
فأما من ادعى أنه أخذ هذا العلم عن بحيرى الراهب أو ورقة بن نوفل فقد ابتعد عن الصواب وخالف الحق، فإن لقائه بحيرى الراهب أو ورقة بن نوفل لم يكن بمنأى عن الناس، فقد شاهده عمه أبو طالب، وزوجه خديجة، ولم يكن لقائه بهما إلا يسيرًا، فماذا حدثنا التاريخ عن هذا اللقاء، وما الذي يمكن أن يكون قد تحمله في هذه الدقائق؟!
أيكون هذا العلم أجمع؟!
ثم إن خصومه الألداء لم يستخدموا هذا السلاح، ولا شهروه في وجه محمد ﷺ، وقد كان هذا السلاح أقرب إليهم وأمضى من كل ما لجئوا إليه.
دعوى الأخذ عن اليهود والنصارى
لينظر قائل تلك المقالة إلى حديث القرآن عن أهل الكتاب وذكره لهم، وكيف يصور القرآن علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها الجرائم والمنكرات.
ولقد كان القرآن بمثابة الأستاذ الذي يصحح لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أغلاطهم، وينعي عليهم سوء حالهم.
وأما الراسخون في العلم من أهل الكتاب فقد آمنوا بالقرآن.
دعوى أهل الشرك بأن لمحمد معلمًا من البشر!
ما الذي منع الغلام نفسه من أن يتبوأ هذه المنزلة، أو يتولى بنفسه تلك القيادة؟
الحُجَّة الرَّابعة: ظاهرة الوحي دليل على أنَّ القُرآن من عند الله
إن ظاهرة الوحي حالة غير اختيارية وليست من الحالات المرضية التي قد ظاهرة الوحي دليل على أن تعرض لبعض الناس؛ لأنَّها مبعث نور لا ظلمة، فهي تمد صاحبها بعلم القرآن لا جهالة، بل يجيء معها من العلم والنور ما تخضع له العقول.
… وهي قوة عالمة، وهي قوة أعلى من قوته لأنها تحدث آثارًا في بدنه،
فماذا عسى أن تكون تلك القوة إن لم تكن قوة ملك كريم؟! وهذه حجة لمن يؤمن بالغيب.
القِسْم الثَّاني: الحُجَج الدَّاخلِيَّة (البحث في القرآن نفسه)
الحُجَّة الأولى: التَّحدِّي!
إن القرآن المجيد لم يستطع أحد من وقت نزوله إلى عصرنا أن يعارضه، التحدي بالقرآن وإن كبار علماء الأدب والبلاغة لم تزدهم معرفتهم بهذه العلوم إلا خضوعا للقرآن الكريم، وإيمانا بقدسيته، ومكانته.
وأي طعن يوجه للقرآن من جهة عربيته من طاعن متأخر عن أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهم، فاعلم أنه باطل في ذاته؛ إذ لو كان صحيحًا لما غفل عنه هؤلاء الأعداء، وهم أبصر الناس باللغة وأحرصهم على الطعن في القرآن.
وقد تحداهم القرآن وكرر عليهم التحدي في صور شتى:
فدعاهم أن يأتوا بمثله.
ثم أن يأتوا بعشر سور مثله.
ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله.
ثم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله.
وأباح لهم مع ذلك- أن يستعينوا بمن شاؤوا.
ذلك كله؛ استيأسوا من قدراتهم واستيقنوا عجزهم، فركبوا متن ومع الحتوف واستنطقوا السيوف بدل الحروف،
ولا يصح القول: إن العرب انصرفت هممهم عن معارضة القرآن لأمور:
1- لأنَّ الأسباب الباعثة على المعارضة كانت موفورة متضافرة، سيما مع استثارة حميتهم والدعوة التي تكررت لهذه المعارضة ولهي أهون عليهم مما قاموا به.
٢- أن العرب قعدوا حتى عن تجربة المعارضة، ولم يشرع منهم إلا أقلهم عددًا، وأسفههم رأيًا،
الحُجَّة الثَّانية: جديد لُغة القرآن
إنَّ لغة القرآن لتختلف عن لغة مُبلِّغ القرآن، وهو الرسول ﷺ، نحن نرى الأسلوب القرآني فنراه ضربًا وحده، ونرى الأسلوب النبوي، فنراه ضربًا وحده لا يجري مع القرآن في ميدان
الحُجَّة الثَّالثة: النِّظام الصَّوتي والجمال التَّركيبي
النِّظام الصَّوتي
إن للقرآن خاصية في تأليفه الصوتي في شكله وجوهره، إنَّ أول شيء حسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيما منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس به آنا بعد أن إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى،
الجمال التَّركيبي
ترى في القرآن كلامًا ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها،
الحُجَّة الرَّابعة: الخصائص البيانية للقرآن الكريم
1- القصد في اللفظ، والوفاء بالمعنى
كتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها = لم توجد.
2- الجمع بين خطاب العامَّة والخاصَّة
فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفي كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد.
3- إقناع العقل، وإمتاع العاطفة
في النفس الإنسانية قوتان قوة تفكير، وقوة وجدان، … وفي القرآن وفاء هاتين الحاجتين على التمام،
٤- الجمع بين البيان والإجمال
5- الوحدة الموضوعية
لا يُستراب أن القرآن نزل مفرقًا حسب الوقائع والدواعي، وأن ترتيبه إنما وقع بوحي من الله، … وكون هذا الانفصال الزماني، والاختلاف الذاتي يستتبعان تفكيك الكلام، وتقطيع أوصاله؛ إلا أنا نجد السورة من القرآن كالشيء الواحد لا انفصام بين قطعة وأخرى، ولا بين مفتتح وختام.
إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغانا من المعاني حشیت حشرًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي لو تدبرت- بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛
المُقدِّمة الثَّالثة: موقف المُسلمين من القرآن، وسلامة النَّصّ القرآني من التَّحريف
سنحاول أن نضع الحجج الكافية لمن كان له قلب على سلامة النص القرآني مما حصل لغيره من الكتب.
اعتمدنا في تدوين هذا المبحث بكامله على ثلاثة كتب رئيسة:
الدليل النقلي، للدكتور أحمد قوشتي: (٤٤-١٠٤)، ط. فكر.
الصراع بين الأخباريين والأصوليين داخل المذهب الشيعي والإثني عشري، للدكتور أحمد قوشتي: (٥٥-٦٦)، ط. مركز تكوين.
ويمكن الرجوع لمصادر أخرى، منها:
تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين، منقذ السقار، ط. مركز تكوين.
موثوقية نقل القرآن، عبد الله رمضان موسى، ط. مكتبة التوعية.
حكى أبو محمد بن حزم (ت: ٤٥٦)، وهو من المتثبتين في نقل الإجماع، ونسبته لأصحابه، الاتفاق على الأمرين السابقين [القرآن كلام الله، محفوظ من التَّحريف] من جميع الفرق المُنتمية إلى الإسلام؛ كأهل السُّنَّة، والمُعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والزيدية، فكلهم يوجب «الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلو عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غلاة الروافض هم كفار بذلك، مشركون عند جميع أهل الإسلام». [الإحكام في أصول الأحكام: (1/ ۹۱).]
فأما اهتمام أهل السنة بالقرآن وعنايتهم به، من زمان الصحابة رضوان الله عليهم = فمعلوم مشهور صنفت فيه المصنفات وقد اهتموا بالقرآن جمعاً، وإقراءً، وتفسيرًا، وعملا.
انظر:
المدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، د. حازم حيدر.
دليل الكتب المطبوعة في الدراسات القرآنية، معهد الإمام الشاطبي.
القرآن في حياة الصحب والآل، عمرو الشرقاوي.
وهذا من الأدلة المهمة على عدم تحريف القرآن الكريم، وعدم طروء تحريف في نص القرآن الكريم، وقبول الكافة لهذا النص وأنه لا يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية على تنازعها لمن أكبر الحجج على صحة النص المنزل الموجود معنا.
أوَّلا: موقف المُعتزلة من حُجِّيَّة القرآن وقطعية ثُبُوته
وقد سخر الجاحظ (ت: ۲٥٥) قلمه السيال وبيانه الرفيع في نصرة مذهب المعتزلة، … ففي حديثه عن القرآن وحجيته وعظيم منزلته ومكانته، يصفه بأنه «حُجَّة على المُلحد، وتبيان للمُوحِّد، وقائم بالحلال المنزل والحرام المفصل، وفاصل بين الحق والباطل، وحاكم يرجع إليه العالم والجاهل، وإمام تُقام به الفروض والنوافل، وسراج لا يخبو ضياؤه، ومصباح لا يخزن ذكاؤه، وشهاب لا يطفأ نوره ومعدن لا تنقطع كنوزه». [أمراء البيان: (2/ ٣٤٨).]
ويؤكد الحاكم الجشمي (ت: ٤٩٤) أن سلامة النص القرآني من النقص أو الزيادة أظهر من أن يُتصور الخلاف فيها، وقد صدَّر كتابه «التهذيب في التفسير» بخطبة منبئة عن مذهبه، فالله سُبحانه وتعالى «أنزل القرآن، وصانه عن التحريف والزيادة والنقصان، ونسخ به سائر الأديان».
وحذا الزمخشري (ت: ٥٣٨) حذو سابقيه؛ فعقد مقارنة بين حفظ الله للقرآن، وبين الكتب السماوية السابقة، التي لحقها أنواع من التغيير والتبديل، وأرجع السبب في ذلك إلى تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن، فكان «حافظه في كل وقت، من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فكان التحريف». [الكشَّاف: (2/ ٥٧٢).]
ثانيًا: موقف الأشاعرة من حُجِّيَّة القرآن وقطعية ثُبُوته
الباقلاني (ت: ٤٠٣) أفرد كتاباً لإثبات صحة نقل القرآن وقطعية ثبوته، وعنوانه يدل على مضمونه لأول وهلة؛ حيث أسماه «الانتصار لنقل القرآن» وعقد فيه فصولا مطولة لإثبات صحة المصحف العثماني، والرد على شبه الرافضة التي أثاروها حوله، واتهاماتهم للصحابة بالنقص والزيادة فيه، كما تعرض لما دار من خلاف حول الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن والقراءات التي قُرئ بها، وغير ذلك من الموضوعات المختلفة المتعلقة بنقل القرآن، وكيفية جمعه، وطريقة أدائه، منتهيًا إلى أن «جميع القرآن الذي أنزله الله تعالى، وأمر بإثباته، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو هذا الذي بين اللوحين الذي حواه مصحف عثمان ◙، ولم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلف عن السلف».
وقد نقل عنه ابن تيمية (ت: ۷۲۸) والزركشي (ت: ٧٩٤)، والسيوطي (ت: ۹۱۱)، وغيرهم.
ولأئمة الأشاعرة نصوص كثيرة في إثبات قطعية النص القرآني، وتكفير من ينكر شيئًا منها، ومن ذلك قول الحليمي (ت: ٤٠٣): «من أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه، أو تحريفه أو تبديله؛ فقد كذَّب الله خبره، وأجاز الوقوع فيه، وذلك كفر». [المنهاج في شعب الإيمان: (1/ ٣٢٠).]
ثالثًا: موقف الرَّافضة من القرآن الكريم
الاتجاه الشيعي الإمامي ينقسم من حيث المنهج إلى اتجاهين الاتجاه الأخباري، والاتجاه الأصولي:
فالأخبارية هم من يعتمد في استنباط الأحكام على الأخبار فقط، كما يعرفهم بذلك شيخ الأخباريين المتأخرين الإسترآبادي. [الفوائد المدنية، الإسترابادي: (٤٧، ٤٨، ۹۱).]
أي: إنّه اتجاه يعتمد على النقل فقط، ولا يرى للعقل مكانًا واعتبارًا.
والأصوليون هم الذين يلجؤون في مقام استنباط الأحكام إلى الأدلة الأربعة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ودليل العقل.
[الاتجاهين الإخباري، والأصولي] وقد ظهر التمايز بين هذين الاتجاهين مع بداية دخول علم الكلام على المذهب الشيعي على يد المفيد والطوسي في القرن الرابع، ومن بعدهما الشريف المرتضى والرضي، ومن أقدم النصوص التي تدل على وجود هذا الانقسام، ما قاله المفيد مناقشا شيخه الصدوق: «الذي ذكره الشيخ أبو جعفر رحمه الله في هذا الباب لا يتحصل، ومعانيه تختلف وتتناقض، والسبب في ذلك أنَّه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة، ولم يكن ممن يرى النظر، فيميز بين الحق منها والباطل ويعمل على ما يوجب الحجة، ومن عوّل في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه». [تصحيح اعتقادات الإمامية، المفيد: (٤٩).]
وله كتاب سمَّاه: «مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار»، وهي تسمية صريحة تدل على وجود هذا التيَّار فيهم من زمن متقدم.
ومن أصرح النصوص في ذكر هذا التَّقسيم وأقدمها، نص ابن المطهر الحلي (ت: ٧٢٦)، حيث يقول: «أما الإمامية؛ فالأخباريون منهم مع أن كثرة الشيعة في قديم الزمان ما كانت إلا منهم لم يقولوا في أصول الدين إلا على أخبار الآحاد المروية عن الأئمة، والأصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي كلله وغيره وافقوا على قبول خبر الواحد، ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه». [نهاية الوصول، الحلي: (٢٩٦).]
وقد ذكر بعض أهل المقالات هذا التقسيم في المذهب الشيعي: كالشهرستاني (ت: ٥٤٨)، وكلامه يُعتبر من أقدم النصوص في كتب المقالات التي تذكر أنّ الأخبارية فرقة قائمة ضمن الكيان الإمامي، يقول عنهم: «وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لما اختلفت الروايات عن أئمتهم، وتمادى الزمان اختارت كل فرقة منهم طريقة فصارت الإمامية بعضها معتزلة إما وعيدية، وإما تفضيلية وبعضها أخبارية، إما مشبهة، وإما سلفية، ومن ضل الطريق وتاه لم يبال الله به في أي وادٍ هلك». [الملل والنحل، الشهرستاني: (1/ ١٦٥).]
وبعد معرفة انقسام الشيعة الاثني عشرية إلى هذين الاتجاهين، فلك أن تعلم أن الشيعة انقسموا حول قضية وقوع التحريف في القرآن إلى اتجاهين أيضاً:
الاتجاه الأول: قول جل الأخباريين وعدد من علماء الأصوليين، وهم يرون وقوع التحريف في القرآن الكريم عياذاً بالله – سواء أكان تحريفا بالزيادة أو النقصان.
الاتجاه الثاني: قول جماهير الأصوليين، وهم يرون نفي وقوع التحريف، وسلامة القرآن من أي نوع من أنواع الزيادة أو النقصان.
وقد حاول بعض علماء الشيعة نفي هذا الاتهام ونقل الإجماع على سلامة النص القرآني من وقوع التحريف بالزيادة أو النقص، غير أن هذا ما لا يمكن أن يكون، لا سيما مع وجود الكتب التي تصرح بوجود التحريف.
ولكن هذا يثبت شناعة هذا القول مما دفع علماء الشيعة أنفسهم إلى إنكار هذا الأمر، والتشنيع على قائله وقد قال الشريف المرتضى: «إن العلم بصحة على مسألة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرًا ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد».
وحينما عدد مخالفي المعتزلة في القرآن، جعل من بينهم الإمامية الروافض. الذين جوزوا وقوع الزيادة والنقصان وزعموا أنه كان على عهد رسول الله ﷺ أضعاف ما هو موجود بيننا، وقد ألزمهم القاضي متابعة للجاحظ بصحة المصحف العثماني استنادًا إلى إقرار علي به، وعدم إنكاره عليه، كما وافق شيخه أبا علي الجبائي في استبعاد أن يكون قائل تلك المقالة مسلمًا؛ لأن الخطأ في الاجتهاد لا يصل بحال إلى هذه الهوة السحيقة من الطعن في القرآن، ونسبة التحريف إليه، فلا بد أن يكون مبتكرها ممن أكل الحقد على الإسلام قلبه فأنشأ هذا المذهب للطعن فيه تحت شعار التشيع، وحب أهل البيت.
مُبرِّرات الإيمان بسلامة النَّصّ القرآني
الحُجَّة الأولى: العناية بالقرآن في عهد النبي ﷺ، وعهد الصَّحابة
تمثلت العناية القصوى بالقرآن في عهد النبي ﷺ في حفظ القرآن في قلوب الراسخين في العلم من أصحاب النبي ﷺ، وتدوينهم له، وتلاوتهم له آناء الليل وأطراف النهار.
ولما دعت الحاجة – وهي كثرة قتل القراء في موقعة اليمامة – كان الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر ◙.
فأما مصحف أبي بكر فقد انتقل من أبي بكر لعمر بن الخطاب ◙، ومنه إلى بيت حفصة أم المؤمنين ▲.
ثم دعت الحاجة إلى جعل هذا المكتوب في مصاحف على صورة تسد باب اختلاف الذين لا يعلمون، فتم جمعه والعناية الفائقة به في عهد عثمان ◙.
وبعد ذلك حصلت عمليات تطوير خط المصحف الشريف، وظلت هذه المحاولات، وهذه الحياطة إلى زمان الطباعة، وانتشار المصاحف عبر الأقطار الإسلامية، وانتقالها إلى المسلمين جيلا بعد جيل.
الحُجَّة الثَّانية: تَلَقِّي القرآن بالمُشافهة
لقد كان القرآن محفوظا في الصدور كما هو مكتوب في الصحف، وكان الناس ولا يزالون يتلقون هذا القرآن عن أشياخهم، إلى أن يتصل السند بكبار أصحاب النبي ﷺ، وهؤلاء الصحابة أخذوه عن رسول الله ﷺ.
القرآن كان يُقرأ في محاريب المسلمين مرة بعد مرة أيتفق كل هؤلاء على التحريف، ولا نجد إنكارًا عليهم، سبحانك هذا بهتان عظيم!
الحُجة الثَّالثة: عَدَم وُجُود فجوة تاريخية في مسار القرآن
وهذا بخلاف التوراة التي انقطع سندها بعد موسى بستة قرون على الأقل، وتعددت نسخها واختلفت فيما بينها وبخلاف الإنجيل الذي ظل يتناقل شفهيا، وتعرض لكثير من التَّحريف حتى دوّن متأخرًا بعد أن ناله ما ناله من التحريف.
إنَّ المطلع على المخطوطات الموجودة للمصحف الشريف، والتي هي عتيقة، وترجع إلى العصور الأولى من نزول القرآن يعلم كيف أن الله تعالى قد أحاط القرآن بعناية خاصة، لئلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد.
وبعد؛ فإن أعظم دليل على عدم تحريف القرآن هو القرآن ذاته، فقد احتفظ القرآن بكل خصائصه التي كان عليها زمان النبوة، لقد ظل مؤثرًا في الأمة، ومعجزا على مر الدهور، لا يزال الناس يأخذون منه، وَيَرِدُونَه فلا تنفد عجائبه، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد.
مِن أوجه عناية الأُمَّة بالقرآن الكريم
١- فجانب التفسير والعناية به كان مثالاً مشرقا في هذه الأمة.
وتراجم الذين اعتنوا ببيان كتاب الله وشرحه التي اطلعنا عليها والتي بين أيدينا – تزيد على أكثر من ألفي عَلَم اعتنوا بخدمة القرآن الكريم من حيث بيان معانيه وأحكامه، وإلا فأعداد من لم نقف على تراجمهم من المفسرين أعلى من ذلك بكثير، ونتاج الأمة في هذا المجال لاحب وعظيم.
… وكان لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة محاولة يسيرة في إحصاء ما كتب حول كتاب الله الله شرحًا وتفسيرًا من صدر الإسلام إلى عام (١٤٢٤هـ)، فخرج هذا الجهد بإحصائية زادت على سبعة آلاف كتاب تناولت بیان کلام الله سبحانه وتعالى باللغة العربية فقط. [فهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم.]
… والتفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من السلف، ممن تصدى لبيان كلام الله كما يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢) أربعة:
التفسير الأول: تفسير عبد بن حميد الكَشِّي (ت: ٢٤٩)،
التفسير الثاني: تفسير «جامع البيان» لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠)،
التفسير الثالث: تفسير القرآن لمحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت: ۳۱۸)،
التفسير الرابع: تفسير ابن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧)،
يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢): «فهذه التفاسير الأربعة قل أن يَشِذَّ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوفِ على الصَّحابة، والمقطوع عن التابعين». [العجاب في بيان الأسباب، للحافظ ابن حجر العسقلاني: (1/ ۲۰۳).]
2- ومن العلماء من اهتم ببيان أحكام القرآن فاعتنى بشرح هذه الأحكام وتبيينها، سواء وفق ترتيب القرآن الكريم وتسلسله من سورة الفاتحة والبقرة وما تلاهما من سور، أو اعتنى ببيان هذه الأحكام بطريقة موضوعية؛
تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) من أشهر التفاسير وأكثرها سيرورة في القرن الماضي، وكان لأهل العلم أيام الخلافة العثمانية اعتناء عظيم بهذا التفسير، بل قيل: إن من الشروط المهمة لمن أراد أن يتولى منصب مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية أن يكون ملماً ومُطلعا وعارفًا بدقائق تفسير البيضاوي.
فهذا التفسير أقيمت عليه شروح و حواش وتعليقات وتعقيبات تربوا على الثلاثة آلاف حاشية،
تفسيران أيضًا من تفاسير القرآن الكريم كلاهما فسر القرآن الكريم بالحروف المهملة؛ بمعنى: أنه ليس فيهما مثلا حرف (ج)، ولا حرف (خ)، ولا حرف (غ)؛ أي: ليس فيهما حرف منقوط يذكر في أثناء التفسير، إنما فيهما حروف مهملة، مثل حرف الحاء، والعين والصاد ونحوها.
وهو أمر فيه غرابة، فأول هذين التفسيرين سواطع الإلهام لفيض الله بن مبارك الأكبر آبادي، (ت: ١٠٠٤)، وتفسيره مطبوع، وإن كان الرجل فيه انحرافا عقديًّا، لكنه نحا في تفسيره هذا المسلك.
والتفسير الثاني: لعالم من علماء دمشق المتأخرين وهو ابن حمزة الدمشقي: محمود بن محمد نَسِيب الحمزاوي (ت: ۱۳۰۵)، له كتاب اسمه (در الأسرار) طبع منه مجلد، فسر فيه القرآن بالحروف المهملة، إذ لم يذكر حروفًا منقوطة في تفسيره، ولم يُفد من تفسير الهندي شيئًا.
و تاريخ علم التفسير حافل طويل، وقد حاول السيوطي رحمه الله (ت: ٩١١) أن يذكر شيئًا من تاريخ التأليف في هذا الجانب وعناية الأمة به في مقدمة حاشيته على تفسير البيضاوي، التي سماها: «نواهد الأبكار وشوارد الأفكار»، والتي رصد في مقدمتها تاريخ التأليف في علم التفسير وعناية العلماء به.
4- ومن أهل العلم من صنف في بعض علوم القرآن بصورة مفردة؛ كفضائل القرآن، ومنهم من ألف في الناسخ والمنسوخ، ومنهم من ألف في فنون متعددة كثيرة مفرقة.
5- ومنهم من تكلم على مباحث علوم القرآن وأنواعه بشكل مجموع ومنحصر في مكان واحد، أمثال الحارث بن أسد المحاسبي (ت: ٢٤٣) رحمه الله في كتاب سماه: (فهم القرآن)،
ومن أوسع من كتب في أنواع علوم القرآن بشكل مجموع ومنضبط في واحد، أحد علماء مكة في القرن الثاني عشر، وهو ابن عقيلة المكي (ت: ١١٥٠)، الذي ألف كتابًا سماه الزيادة والإحسان جمع فيه نحو (١٥٤) نوعًا من أنواع علوم القرآن أصولها في كتاب السيوطي (ت: ۹۱۱) (الإتقان)، لكنه فرّع عليها، وعدَّد وزاد وهذب ونقح فيها.
6- ومن علماء هذه الأمة من اهتم بقراءات القرآن الكريم، وضبط أحكامها وقواعدها في كتب مفردة، وهو جانب عظيم من عناية الأمة في هذا المضمار، وعناية أهل العلم في هذا الجانب يصعب حصرها وتعسر الإحاطة بها، فهناك كتب عظيمة وكثيرة جدا في علم القراءة القراءات تجاوز عددها الآلاف.
ومن أجمع هذه الكتب، وأكثرها حشدًا لذكر قراءات القرآن الكريم كتاب (الكامل) لأبي القاسم يوسف بن جُبارة الهُذَليّ (ت: ٤٦٥) حوى القراءات العشر المشهورة، وأضاف إليها أربعين قراءة أخرى من قراءات الصحابة ومَن بعدهم.
ولا يُعلم أحد جمع في علم القراءات أكثر من الهذلي والطبري إلا ما حواه كتاب عيسى بن عبد العزيز الإسكندري من علماء القرن السابع (ت: ٦٢٩) الذي سماه: «الجامع الأكبر والبحر الأزخَر»، وهو فيما يعلم أكبر كتاب في القراءات، ضمنه (۷۰۰۰) رواية وطريق.
ومن مظاهر هذه العناية في هذا الجانب جهود الحافظ ابن الجزري ت: ۸۳۳) الله في علم القراءات، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى اصطفاه لضبط هذا العلم، وتأطيره بإطار معين بحيث أصبح هذا الإطار الذي حدده ابن الجزري (ت: ۸۳۳) معينًا ثريا يغرف منه كل من جاء بعده؛ … وقف على أهم كتب القراءات في زمنه فسَبَر ما يقارب (٥٧) كتابًا من كتب القراءات فمخضها، ودقق في أسانيدها واشترط شرطا عاليًا لم يشترطه أحد قبله ممن صنف في علم القراءة وهو أن يكون كل راعٍ عن الآخر في سند القراءة ثبت لقيُّه له وصحت معاصرته له، فضلًا أن يكون هذا الراوي عدلًا ثقةً فيما يقول ويروي باب علم القراءات.
فهذا شرط لم يلتزمه أحد قبل ابن الجزري (ت: ۸۳۳) رحمه الله، فجمع كتابا عظيمًا في القراءات هو كتاب النشر في القراءات العشر)، الذي ألفه في نحو عشرة أشهر في تركيا في مدينة بورصة سنة (۷۹۹) وغدا هذا المصنف أهم كتاب من كتب القراءات من التاريخ الذي ألفه فيه الإمام ابن الجزري إلى عصرنا الحاضر، فكل من اعتنى بعلوم القراءات لا بد أن يعود إلى هذا الكتاب وينتفع منه ويستفيد.
7- وهناك عنايات وفيرة ومتعددة للأمة في خدمة كتاب الله، فمن أهل العلم من اهتم بلغة القرآن واللهجات التي نزل بها ومنهم من اعتنى ببيان غريب ألفاظه، أو إعرابه، ومنهم من اعتنى بالشواهد الشعرية الخادمة له، ومنهم من اعتنى بالإعجاز إلى غير ذلك من صور الاهتمام والعناية.
8- ومن أهل الخير من اهتم بالعناية بالوقف للقرآن الكريم، وتسبيل ثمرة ما يوقفه من أرض أو عقار أو أسهم في شركات يعود ريع ما تُدره في طرق تعليم القرآن والنفقة على المتعلمين والقراء.
المُقدِّمة الرَّابعة: مدخلٌ إلى القرآن الكريم
الباب الأوَّل: حقائق تاريخية أوَّلِيَّة
الفَصْل الأوَّل: حياة الرَّسول ﷺ قبل البِعْثَة
نشأ النبي ﷺ يتيمًا في مكة، وتولى جده عبد المطلب رعايته، وبعد فقد جده تولى عمه الملقب بأبي طالب رعايته.
وقد شهد في الجاهلية عدة أحداث منها حلف الفضول، وترميم الكعبة، وكان يعرف حينها: بالصادق الأمين، وقد استحوذ على محبة كل من عاشره.
وكانت أول مظاهر بعثته ﷺ أنه كان لا يرى رؤيا إلا تحققت، ثم مال إلى الخلوة في غار حراء، ثم مر بعد ذلك بأول تجربة له مع الوحي.
عاد إلى بيته بعد مجيء الملك، وهو محموم بحمى باردة، وطلب من خديجة أن تغطيه بغطاء ثقيل يذهب خوفه.
وبعد أن أبدى مخاوفه لخديجة، هدأت روعه، وأخذته لابن عمها ورقة بن نوفل، وهو شيخ كبير له مطالعة كبيرة في علوم الكتب السماوية، وأدرك ورقة أن هذا نبي الزمان، وأخبره أنه إن أدركه يومه، لينصرنه نصرًا مؤزرا.
الفَصْل الثَّاني: كيف جُمِعَ نصّ التَّنزيل الحكيم؟
نزل القرآن كأجزاء متفرقة، تتباين أطوالها من سورة كاملة إلى آية واحدة، جمع القرآن وأحيانًا إلى جزء من الآية،
ولم يقتصر القرآن في تلك المرحلة على كونه مجموعة من الآيات تتلى وتقرأ، وإنما كان كتابًا مدونا بالمداد فقد كان للوحي كتبته، يكتبونه على أي شيء كان في متناول أيديهم، ولكن العهد النبوي مضى، ولم يكن هناك نسخة تامة من القرآن.
وحتى تتاح الفرصة لسور القرآن لكي يتم بناؤها التدرجي، كان ينبغي الانتظار إلى أن يكتمل الوحي كله لإخراج نسخة تامة، غير أن هذا لم يحل بين المؤمنين وبين المعرفة الشفوية لموضع كل آية جديدة من كل سورة على وجه التحديد، وفي كل مرحلة من مراحل نزول الوحي.
تم جمع القرآن كوحدة واحدة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق، ثم أعيد الجمع في عهد عثمان،
وحتى ابن مسعود أقر بصحة مصحف عثمان، مع مخالفته السياسية حينذاك، ويستحيل أن نعلل قبول الكافة لمصحف عثمان بأنه انقياد غير متبصر من جهتهم، وقد عد هذا الدليل أقوى دليل على أن النص القرآني على أحسن صورة من الكمال والمطابقة.
ونود التأكيد أن دور عثمان ◙ تلخص في نشر النص المقروء في زمان النبي ﷺ، وإنما ينسب المصحف له من جهة أنه الآمر بالجمع، لا من جهة أنه قد تدخل في النص.
وفي تلك المرحلة بقيت القراءات الشفوية كما هي، ولم يرد أن عثمان ألزم جماعة المسلمين كلها بقراءة بعينها دون أخرى.
وبعد ذلك تم إعدام المصاحف الفردية، لإنقاذ وحدة النص الديني، وتم هذا الفعل باستشارة الناس، واتخذ هذا الإجراء باتفاق جميع الصحابة.
الباب الثَّاني: القرآن مِن خِلَال مظاهره الثَّلاثة: الدِّيني والخُلُقي والأدبي
الفَصْل الأوَّل: الحقّ أو العُنْصر الدِّيني
لقد أوضح القرآن العقيدة بصورة لا يملك الإنسان معها أن يحيد عنه، لأنه يقدم الفكرة التي اتفق عليها سائر الرسل.
النظرية الدينية إن النظرية الدينية في القرآن تؤسس عبر شطرين:
الشطر الأول: لا شيء في الوجود يستحق العبادة والخضوع سوى الله الواحد القهار.
ركز القرآن على فكرة مهمة، وهي فكرة العودة إلى الوحدة الأولى، تلك الوحدة التي كانت تجمع الناس، وهي أن الإسلام دعوة عامة لكل الرسل، لا يختلف نبي عن نبي في شأنها.
الشطر الثاني: الإيمان بالحياة الأخروية.
لقد بنى القرآن الإيمان بهذه الحقيقة على أن الذي أنشأ الإنسان أول مرة قادر أن يعيده بعد مماته إن الذي يحول الأرض وهي جافة جرداء إلى أرض خصبة، قادر أن يعيد للإنسان حياته.
إن الآخرة أحد مستلزمات العدل الإلهي، والحكمة السامية،
الفَصْل الثَّاني: الخير أو العُنْصر الأخلاقي في القرآن
إن النفس الإنسانية لا تتغذى بالحقائق النظرية وحدها، هناك حاجة إلى القاعدة العملية القادرة على توجيه نشاطه في كل لحظة من حياته.
لقد ركز القرآن أن الدين عقيدة وقانون، أي: اعتقاد وطاعة.
وقد غرس الله في داخل كل منا بصيرة أخلاقية غريزية، واعتمد القرآن على غريزة الإنسان في معرفة العدل والظلم، والخير والشر.
وضع القرآن منهجًا كاملًا في التربية، واعتمد القرآن على أن الأخلاق دعت الرسل إليها، فقد حمل الرسل الأخلاق إلى الناس، وأدانوا النزعة المادية، وحب الدنيا، والفجور، والغش.
الفّصْل الثَّالث: الجمال أو الجانب الأدبي
عامة الناس يهتمون كثيرًا للشكل الخارجي، بعيدا عن متانة المحتوى، فالمحسوس لديها يسبق المعقول.
ولذلك فقد جاء القرآن نموذجًا لا يبارى في الأدب العربي، إنه المثل القرآن، الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبا بوجه عام، فلغته تأخذ بالقلوب، وتفحم بالحجة، وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.
1- لغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، إنها تجمع بين رقة الأولى، وجزالة الثانية.
٢- إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكا من النثر، وأقل نظماً من الشعر.
3- كلماته منتقاة، لا توصف بالغريب إلا نادرًا، تمتاز بالإيجاز العجيب والنقاء في التعبير.
٤- إنه أسلوب يجمع بين العقل والعاطفة على رغم ما بينهما من تباعد.
5- وهو في وحدة سوره وترتيبها وتناسق أجزائها آية وأي آية!
الباب الثَّالث: المصدر الحقيقي للقرآن
الفَصْل الأوَّل: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المَكِّيَّة
كانت الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت تتمثل في عدة طوائف، منهم الصابئين وهم طائفة وثنية ونحن نرى أن الوثنية التي كانت سائدة في الحجاز لا تقدم لنا تفسيرًا سليمًا عن مصدر القرآن الكريم.
ولو نظرنا للبيئة اليهودية والمسيحية، سنجد أنه من المتعذر أن تكون أصلا للقرآن، فإنه لم يلتق بعلماء اليهود والنصارى لوقت يسمح له بالأخذ عنهم.
أما لقاؤه ببحيرى الراهب فهي مقابلة عارضة،
وأما رحلاته للتجارة للشام فلا يمكن التعويل عليها، لأمور:
مشاغله التي كان ذاهبًا لها.
أنه مع قومه، ورفقائه.
أن اللغة الأجنبية مثَّلت حاجزًا مُهمًّا.
أن معارضيه لم يستخدموا هذه الحجة وهي أقرب لهم مما افتروه.
هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد، فحيثما اتجه وجد ضلالاً يحتاج إلى الهداية، وانحرافًا يتطلب التقويم، ولن يجد أبدًا نموذجا أخلاقيًا ودينيا يصلح لأن ينقله محمد أو ينبني عليه نظامه الإصلاحي.
أما الاتصال بالكتب المقدسة؛ فغير ممكن لأمور:
أنَّ محمدا ﷺ لم يكن يقرأ ويكتب وليس هناك ما يدل على أنه قرأ كتاباً قط.
أن الكتب السماوية في ذلك الوقت لم تكن مكتوبة بالعربية.
ولا يمكن أن يكون القرآن قد أخذ عن شعر بعض العرب،
العرب الذين هم أهل الفصاحة والمعرفة، لم يدَّع أحدٌ منهم أنَّ القرآن مسروق أو منحول من الشعر الموجود في ذلك العصر أيا كان قائله.
ولا يمكن أن يكون القرآن ثمار التأملات الشخصية للنبي ﷺ،
الفَصْل الثَّاني: البحث عن القرآن في الفترة المدنية
القرآن في الفترة في هذه الفترة حصل اتصال مع طائفة منظمة دينيا، وهم اليهود، والسؤال الذي يمكن طرحه هل يمكن أن يكون القرآن قد أخذ عن هؤلاء اليهود شيئًا؟!
تكلم المؤلف عن ادعاءات المستشرقين باختلاف التعاليم المكية عن المدنية في القرآن، وفي سياق الرد، نبه على عدة نقاط منها:
أن القصص القرآني لم يختلف بين القرآن المكي والمدني.
أن عدد الصلوات ظل ثابتًا في مكة والمدينة.
أن فكرة (الله) والحديث عنه لم يختلف في القرآن المكي عن المدني، وأن فكرة إله الحرب) القرآن المدني، لم تكن إلا تنفيذا لإنذار عام وصريح أعلن عنه، وتكرر ذكره قبل ذلك في مكة.
إن الناظر في القرآن يلمح موقفه الشديد من المجتمع اليهودي بصفة عامة،
إن القرآن يخبرنا عن علماء أهل الكتاب، وأنهم على قسمين:
١- الغالبية العظمى، والتي كانت تكن العداء الكبير للإسلام وأهله، وكان هؤلاء يسعون أشد السعي لإحراج محمد، وكانوا ينكرون النصوص الموجودة في كتبهم إمعانا في العداوة والبغضاء.
٢- وكان فريق منهم استمعوا للنبي ﷺ، وطابقوا صفاته بما كانوا يعرفونه من صفة النبي الخاتم، وهؤلاء سرعان ما انقادوا للحق، وأتوا إليه مذعنين، كعبد الله بن سلام وكان من أوسع اليهود علما.
وأخيرًا، فلا بد من التفريق بين الاقتباس والاتفاق، فلا شك أن القرآن يتفق مع الكتب السابقة في كثير من المبادئ والتعاليم؛ لأنَّ الكتب خرجت من مشكاة واحدة.
خاتمة
رغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين، والتاريخ، والأخلاق، والقانون، والكون.
لقد كان الوحي نقطة تحول في علم الرسول.
إن الرسول و كان يمتلك أخلاقًا حسنة في حياته قبل البعثة، شهد بها خصومه بل كان يُعرف بينهم بالصادق الأمين، ولم يكن هو نفسه يتوقع أن يكلف بدور المرسل من عند الله.
لكن حياته تحولت يوم نزل عليه الوحي، … ولم يكن النبي يصطنع الوحي، بل كان ينزل عليه بلا معرفة سابقة منه، بل ولا تهيؤ!
٢- وكان النبي ﷺ يقف من الوحي موقف التعظيم، ويخشى أشد الخشية أن ينسب لله تعالى ما لم يقله، {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: ١٥].
3- ولم يكن الوحي يعكس شخصية الرسول ﷺ،
يُمكننا التحقق من صحة الوحي بأمور، منها:
١- الاتفاق في جوهر تعاليمه مع ما قرره الأنبياء السابقون،
٢- الحقائق العلمية المتفقة تمام الاتفاق مع المشاهد الحسي، والواقع العلمي- المبثوثة في القرآن.
٣- الأخبار المستقبلية، والتي أخبر القرآن بتحققها، ووقعت كما أخبر.
إن منهج القرآن الكامل ينهض دليلا كافيًا على مصدره الرباني،
قال الدكتور دراز تحت عنوان حقائق علمية ولكن القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة لا يسوق الدروس من التعاليم الدينية والأحاديث الجارية وحدها؛ وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة لا بغرض دراستها وفهمها في ذاتها فحسب؛ وإنما لأنها تذكَّر بالخالق الحكيم القدير، ونلاحظ أن هذه الحقائق التي يقدمها تتفق تمامًا مع آخر ما توصل إليه العلم الحديث، ثم ذكر الله أمثلة لذلك.
المُقدِّمة الخامسة: مُقدِّمة كتاب: «الظَّاهرة القرآنية»
إنَّ المسألة هي في البحث عن المصدر الحقيقي للقرآن، وأن نعرف ما إذا كان يمكن أن يكون هذا الكتاب قد استخرج من علم أو إدراك من أرسل به، أو من معرفة بشرية على وجه العموم، أم أنه على العكس من ذلك، هنالك أسباب لا يمكن دفعها تحدونا للاعتقاد بمصدره العلوي الإلهي.
تلك هي المسألة التي جئتَ بدورك تلزم نفسك بالعمل على حلها، بإيجاد الأسس الثابتة والعقلية للإيمان بالمصدر الإلهي لهذا الكتاب، وتسليط الأضواء عليها.
وبالاعتراف الفوري بالعجز عن الإتيان بمثله وهو الوجه الأقرب منالاً لسائر البلغاء من البدو.
على أنه من الصحيح أيضًا أن هؤلاء المفسرين، وهم ينظرون في محتوى القرآن قد رأوا في اتساع وعمق المعرفة التي يحملها للإنسانية، دليلًا في ذاته على خصائصه التي تتجاوز طاقة البشر، وأن التعارض بين توجيه بعض الآيات، كآية {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخَشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: ۳۷] مثلاً، والمشاعر الشخصية للرسول ﷺ، الشهادة لا تُرَدُّ على استقلالية القرآن عن النبي ﷺ.
فإذا كان صحيحًا أن القرآن معجزة مستمرة، وإذا كانت ناحية أخرى لا تنحصر في عبارته فحسب بل في عالمي الطبيعة والنفس أيضًا كما يقول القرآن نفسه {سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ} [فصلت: 53].
فالقرآن لم يعلن فحسب بأن الإيمان لا يفرض من الخارج، ولكنه أدان بقوة كل اتباع أعمى يلقي بزمامه إلى سلطة لا تستند إلى العقل، وقد دعا دائما باستمرار إلى التأمل الفردي المنسحب من تأثير الوسط الخارجي والأفكار المسبقة، ومن كل فكرة مستقاة بعفوية دون تمحيص.
وبما أن فكرة تهدف لعمل واسع عظيم كالقرآن، لا يمكن التصور بأن تتحدد معالمها بين ليلة وضحاها ويقتضي لها الوقت الضروري والطبيعي لتحضيرها، فإن هؤلاء الكتاب قد التزموا جانب الافتراض، وافترضوا لهذا الاعتزال مدة تمتد عبر سنين عديدة.
وهكذا تحتم على محمد أن يختفي منذ زواجه في سن الخامسة والعشرين، ليفرغ إلى تأملاته ولا يعود للظهور إلا وهو يحمل رسالته ذات صباح.
وعلى الرغم من أنك جهدت في تفنيد ورفض فكرة الاعتكاف هذه، فإنك تبدو مع ذلك قد أفسحت المجال لوجود خلفية وسند مادي لها، أعني بذلك انطواء الرسول لمدة خمسة عشر عاما.
إن فرضية غياب كهذا، ليست فحسب مجانبة لا سند لها، بل إنَّها غير صحيحة على الإطلاق من الوجهة التاريخية.
فالمصادر الوثيقة جدا تحدد في الواقع تاريخ هذا الاعتكاف بالضبط بشهر قبل نزول القرآن، كما تحدد بدقة أكثر أن هذا الشهر تخللته عودة إلى منزله مرات عدة كليما يتزود، وقد سبقت هذا الشهر أيضًا رؤى واضحة كان يراها الرسول في منامه ثم ما يلبث أن يجدها حقيقة كفلق الصبح.
لقد حدثت هذه الإرهاصات جميعها في الأربعين من عمره، أي في عام هبوط الوحي.
والقرآن الكريم في قوله تعالى: {قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: ١٦] إنما يستخرج بالضبط، حجة من استمرار إقامة الرسول بين قومه فترة واسعة وكافية، ليدرك الناس جميعًا ميزاته واهتماماته، وعجزه الشخصي عن القيام بوضع آیات القرآن.
وإذا كنا لا نملك تفاصيل أكبر حول أعماله اليومية قبل البعثة، فمرد ذلك بدون شك، إلى أنه فيما عدا المسلمة البارزة لعظيم أخلاقه، لا نجد في تلك الفترة من الزمن أمرًا منفصلا عن مألوف وسطه يمكن التحدث عنه.
فسكوت سائر رجال السيرة عن التفصيلات الإضافية في هذا الخصوص، نقطة نسجلها كما لاحظت بحق، لصالح التراث الإسلامي الذي تحلى دائما بأمانة تاريخية متشددة إلى أقصى حد حين عزف عن كل توسيع أو تقليص، للمعطيات الثابتة التي يجدها في متناوله، سواء كانت هذه المعطيات لصالح قضيته أو في غير صالحها.
نصّ كتاب: النَّبأ العظيم
مُقدِّمة المؤلِّف للطَّبعة الأولى
الصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن ووصيته القرآن، وميراثه القرآن القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». [رواه البخاري عن عثمان بن عفان: (٥٠٢٧).]
اللهم كما أعطيتنا حظًّا من وراثة هذا الذكر الحكيم، فيسرت علينا حفظه وتذكره، وحبَّبت إلينا تلاوته وتدبره، نسألك أن تجعلنا من خيار وارثيه الذين هم بهدايته مستمسكون، والذين هم على حراسته قائمون، والذين هم تحت رايته يوم القيامة يبعثون، في جندِ إمامنا الأعظم، ورسولنا الأكرم محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه.
أما بعد:
فهذه بحوث في القرآن الكريم، قدَّمتها بين يدي دروس التفسير لطلبة كلية أصول الدين بالجامع الأزهر المعمور، أردتُ بها أن أنعتَ كتاب الله بحليته وخصائصه، وأن أرفع النقاب عن جانب من الحقائق المتصلة به، وأن أرسم الخطة التي ينبغي سلوكها في دراسته.
البحث الأول: في تحديد معنى القرآن، والفرق بينه وبين الحديث القدسي والنبوي
معنى القرآن في اللغة
القرآن في الأصل مصدر على وزن فُعلان بالضم، كالغفران والشكران والتكلان، تقول: قرأته قرءًا، وقراءةً وقرآنًا بمعنى واحد، أي: تلوته تلاوة، وقد جاء استعمال القرآن بهذا المعنى المصدري في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القِيَامَةِ: ۱۷].
ثم صار علمًا شخصيًّا لذلك الكتاب الكريم، وهذا هو الاستعمال الأغلب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ﴾ [الإسراء: ١٩].
يُطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع الكتاب، وعلى كل قطعة منه، فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن تقول: إنه يقرأ القرآن {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤].
عَلَم الشَّخص هو: «اللفظ الذي يدل على تعيين مسماه تعيينا مطلقًا»، فإنك إذا قلت: القرآن، فإن السامع لا يفهم من كلامك إلا الكتاب الكريم المجموع بين الدفتين المُفتتح بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس.
ويقابل عَلَم الشَّخص (عَلَم الجِنْس)، وهو: «الاسم الذي لا يدل على فرد بعينه، بل يدل على جنس بأكمله»، كأسامة لجنس الأسود، وثعالة لجنس الثعالب، ونحو ذلك.
ويسمى -أيضًا- الكتاب، ومنه قوله تعالى: {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: ١-٢].
سِرّ تسمية القرآن: القرآن والكتاب
روعي في تسميته قرآنا كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابا كونه مدونا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه.
هذا بيان لوجه الصلة فيهما بين المعنى المنقول عنه والمعنى المنقول إليه، وهو مبني على ما اشتهر من استعمال القراءة في خصوص التلاوة وهي ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في النطق، واستعمال الكتابة في خصوص الرسم، وهو ضم بعضها إلى بعض في الخط، فإذا رجعنا إلى أصلهما الأصيل في اللغة وجدنا مادتي ك ت ب و ق ر أ تدوران على معنى الجمع والضم مطلقا.
لقب «الكتاب» يعني أنَّ هذا الكلام قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حشدت فيه كتائب الحكم والأحكام، فإذا قلت: الكتاب أو القرآن، كنت كأنما قلت (الكلام الجامع للعلوم) أو (العلوم المجموعة في كتاب).
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكَّر إحداهما الأخرى،
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَبِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي بما طلب إليهم حفظه.
والسر في هذه التفرقة أنَّ سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت سر الفرق بين القرآن والكتب لا التأبيد،
تعريف القرآن
«القرآن هو كلام الله تعالى، المُنزَّل على محمد ﷺ، المُتعبَّد بتلاوته».
(الکلام) جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى (الله) تُميِّزه عن كلام مَن سواه من الإنس والجن والملائكة.
(المُنزَّل) مُخرِجٌ للكلام الإلهي الذي استأثر اللهُ به في نفسه، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلًا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: ١٠٩]، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ} [لقمان: 27].
وتُقيَّد المُنزَّل بكونه على (محمد) ﷺ لإخراج ما أنزل على الأنبياء من قبله، كالتوراة المُنزَّلة على موسى، والإنجيل المنزَّلِ على عيسى، والزَّبور المُنزَّل على داود، والصُّحُف المُنزَّلة على إبراهيم، عليهم الصَّلاة والسَّلام.
وقيد (المُتعبَّد بتلاوته) أي المأمور بقراءته في الصَّلاة وغيرها على وجه العبادة، لإخراج ما لم نؤمر بتلاوته من ذلك كالقراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، وكالأحاديث القدسية، وهي المُسندة إلى الله عزَّ وجلَّ إن قُلنا: إنَّها مُنزَّلة من عند الله بألفاظها.
وكذلك الحديث القدسي إن قلنا: «إنه مُنزَّل بمعناه فقط»، وهذا هو أظهر القولين فيه عندنا؛ لأنه لو كان منزلاً بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين مُنزَّلين من عند الله.
قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة (يقول الله تبارك وتعالى كذا)، لكنَّ القرائن التي ذكرناها آنفًا كافية في إفساح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه وهذا تأويل شائع في العربية.
فإنك تقول حينما تنثر بيتا من الشعر: (يقول الشاعر كذا) وتقول حينما تفسر آية من كتاب الله بكلام من عندك: يقول الله تعالى (كذا) وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى وفرعون وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم، وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الحروف والأصوات التي سمعها موسى عبرية، والتي ذكرها الله عنه في القرآن عربية، فلو لم يكن الكلام إلا مجرد الحروف والأصوات، لم يكن بين الكلام الذي سمعه موسى، والذي ذكره الله أنه سمعه قدر مشترك أصلا، بل كان يكون الإخبار بأنه هذه الأصوات التي لم يسمعها كذب، وكذلك سائر من حكى الله في القرآن أنه قال من الأمم المتقدمة الذين تكلموا بغير العربية، فإنما تكلموا بلغتهم، وقد حكى الله ذلك باللغة التي أنزل بها القرآن وهي العربية وكلام الله صدق، فلو كان قولهم: مجرد الحروف والأصوات، والحروف والأصوات التي قالوها ليست مثل هذه، لم تكن الحكاية عنهم مطلقا، بل كلامهم حروفًا، ومعاني، فحكى الله ذلك عنهم بلغة أخرى، والحروف تابعة للمعاني، والمعاني هي المقصود الأعظم، كما يترجم كلام سائر المخلوقين». [التسعينية: (2/ ٤٦٤-٤٦٥).]
خلاصة الأمر أن الكلام المحكي في القرآن على ضربين:
1- ما حكاه الله تعالى عن غير العرب من الكلام، فإنه محكي بمعناه دون لفظه، وكذلك ما حكاه الله عن العرب، لكن اختلفت حكايته من سورة لأخرى.
٢- أما ما حكي عن بعض العرب، واحتفت به القرائن كأن لم يكن إلا في موطن واحد- فالذي يظهر أنه محكي بلفظه ومعناه إذ لا معارض لهذا، ولا ينفي كون القرآن من كلام الله تعالى.
النبي ﷺ في تبليغه صادق مأمون، وفي اجتهاده فطن موفق، وروح القدس يؤيده فلا يقره على خطأ إن أخطأ في أمر من أمور الشريعة، فكان مرد الأمر في الحقيقة إلى الوحي في كلتا الحالتين، إما بالتعليم ابتداء، وإما بالإقرار أو النسخ انتهاء؛ ولذلك وجب أن نتلقى كل سنته بالقبول {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: ٣٦].
البحث الثَّاني: في بيان مصدر القرآن وإثبات أنَّه من عند الله بلفظه ومعناه
لقد علم الناس أجمعون علمًا لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أُمي ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ. هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأنَّ شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره، ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض.
تعريف القرآن بنفسه وبالمُتكلِّم به
نقرأ في هذا الكتاب ذاته أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول کريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مُطاع ثمَّ أمين: ذلكم هو جبريل ♠ تلقَّاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد ﷺ، فتلقنه محمد ﷺ منه كما يتلقَّن التلميذ عن أستاذه نصًّا من النُّصُوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا:
(۱) الوعي والحفظ.
ثم (۲) الحكاية والتبليغ.
ثم (۳) البيان والتفسير.
ثم (٤) التطبيق والتنفيذ.
وهكذا سماه القرآن حيث يقول: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَّ مِن رَبّى﴾ [الأعراف: ۲۰۳]، ويقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِلَهُ مِن تِلْقَآءي نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾ [يونس: ١٥]، وأمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني.
ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي: ﴿إِنَّا أَنزَلْناهُ قُرْءَانَا عَرَبِيَّا﴾ [يوسف: ٢]، ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦ا]، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمَعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأَنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القِيامَة: ١٦]، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ۱-۳].
اللهم إلا شيئًا واحدا قد يحيك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في (نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم ونفاذ أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه.
وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه.
أما إنه فاسد في ذاته؛ فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه والكلام المنسوب إلى الله تعالى؛ فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئًا، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه بزائدة فيها شيئًا، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتهما في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله ومعصيته من معصية الله، فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوَهِمُ.
وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنَّه مبني على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كلّ الإباء، فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة وأن سره وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق وصرامة الحق في جليل الشؤون وحقيرها، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها، كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا {قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: ١٦] وما بعدها.
هذا الحديث أخرجه البخاري: (٤٥٥٣)، ومسلم (۱۷۷۳) عن ابن عباس، وفيه: أنَّ هرقل قال لأبي سفيان: «فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت [أبو سفيان]: لا، ثم قال له: وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله».
حاجة النبي ﷺ إلى الوحي
لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالًا ومجالًا، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام ولا يجد في شأنها قرآنا يقرؤه على الناس.
حادثة الإفك
ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة ▲ وأبطأ الوحي وطال الأمر والناس يخوضون، … ومضى شهر بأكمله والكل يقولون: ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة، أما إنه بلغني كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله». [رواه البخاري: (٢٦٦١)، ومسلم: (۲۷۷۰).]
على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنًا براءتها، ومصدرًا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما.
فماذا كان يمنعه -لو أن أمر القرآن إليه- أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه، ويذب بها عن عرينه، وينسبها إلى الوحي السماوي لتنقطع ألسنة المتخرصين؟
آيات العِتاب
وأخرى كان يجيئه القولُ فيها على غير ما يحبه ويهواه، فيُخطِّئه في الرأي يراه، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد والعتاب القاسي، والنقد المُرّ، حتى في أقل الأشياء خطرًا:
{يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحرير: ١]
{وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ} [الأحزاب: ۳۷]
{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَنَبَيِّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَذِبِينَ} [التوبة: ٤٣]
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ} [التوبة: ١١٣]
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُوْنَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم} [الأنفال: ٦٧-٦٨]
{أَمَا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: 5-10]
إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أنَّ -ها هنا- ألبتة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: (لقد أسأت، ولكني عفوت عنك وأذنت لك).
وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثما اختار أقربهما إلى رحمة أهله، وهداية قومه، وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحًا، أو جاوزه خطأ ونسيانا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير هبه مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل.. أليس معذورًا ومأجورًا؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية.
هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟! أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟!
توفي عبد الله بن أبي كبيرُ المنافقين؛ فكفَّنه النبي ﷺ في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر ◙: أتصلي عليه وقد نهاك ربُّك؟ فقال ﷺ: (إنما خيرني ربي فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} وسأزيده على السبعين) وصلى عليه، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: ٨٠-٨٤]، فترك الصلاة عليهم. اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين وانظر ماذا ترى؟ [رواه البخاري: (٤٦٧٠)، ومسلم: (٢٤٠٠).]
وهكذا كلما درست مواقف الرسول ﷺ من القرآن في هذه المواطن أو غيرها تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة؛ وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض، بل تصدع بالبيان فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانا للخبيث والطيب أحبّ الناسُ أم كرهوا رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا؛ إذ لا تزيدها طاعة الطائعين، ولا تنقصها معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما، وشتان ما بین سید ومسود، وعابد و معبود.
توقف الرسول ﷺ في بيان القرآن
ولقد كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد.
قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلاما لا يفهم هو معناه، وتأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته؟ أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟
نزل قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} [البقرة: ٢٨٤]، فأزعجت الآية الصحابة إزعاجًا شديدًا، وداخل قلوبهم منها لم يدخلها من شيء آخر؛ لأنّهم فهموا منها أنهم سيحاسبون على كل شيء حتى حركات القلوب وخطراتها فقالوا: يا رسول الله، أنزلت علينا هذه الآية ولا نطيقها – فقال لهم النبي ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦]، إلى آخر السورة المذكورة، وهنالك علموا أنهم إنما يحاسبون على ما يطيقون من شأن القلوب، وهو ما كان من النيَّات المكسوبة والعزائم المستقرة لا من الخواطر والأماني الجارية على النفس بغير اختيار.
وموضع الشاهد منه: أنَّ النبي ﷺ لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر لبين لهم خطأهم ولأزال اشتباههم من فوره؛ لأنه لم يكن ليكتم عنهم هذا العلم وهم في أشد الحاجة إليه ولم يكن ليتركهم في هذا الهلع الذي كاد يخلع قلوبهم وهو بهم رءوف رحيم، ولكنه كان مثلهم ينتظر تأويلها.
ولأمر ما أخر الله عنهم هذا البيان، ولأمر ما وضع حرف التراخي في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: ١١٩].
تبرؤه مِن عِلْم الغَيْب
جلست جويريات يضربن بالدف في صبيحة عرس الربيع بنت معوذ الأنصارية، وجعلن يذكرن آباءهن من شهداء بدر حتى قالت جارية منهن: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، فقال ﷺ: «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين»، ومصداقه في كتاب الله تعالى: {قُل لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: ٥٠]، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْر} [الأعراف: ۱۸۸]. [رواه البخاري: (٤٠٠١).]
ظاهره كباطنه لا يخون أبداً
وكان عبد الله بن أبي السَّرح أحد النفر الذين استثناهم النبي ﷺ من الأمان يوم الفتح لفرط إيذائهم للمسلمين وصدّهم عن الإسلام، فلما جاء إلى النبي ﷺ لم يبايعه إلَّا بعد أن شفع له عثمان ◙ ثلاثاً، ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله»؟ فقالوا: «ما ندري ما في نفسك. ألَا أومأت إلينا بعينك»، فقال ﷺ: «إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين». [رواه أبو داود: (٤٣٥٩).]
دلالة المجموع أقوى
واعلم أنَّك مهما أزحت عن نفسك راحة اليقين، وأرخيت لها عنان الشكّ وتركتها تفترض أسوأ الفروض في الواقعة الواحدة والحادثة الفذة من هذه السيرة المكرمة، فإنك متى وقفت منها على مجموعة صالحة لا تملك أن تدفع هذا اليقين عن نفسك إلا بعد أن تتهم وجدانك وتشك في سلامة عقلك.
بل كان الناظر إليه إذا قويت فطنته وحسنت فراسته يرى أخلاقه العالية تلوح في محياه ولو لم يتكلم أو يعمل ومن هنا كان كثير ممن شرح للإسلام لا يسألونَ رسول الله على ما قال برهانًا، فمنهم العشير الذي عرفه بعظمة سيرته؛ ومنهم الغريب الذي عرفه بسيماه في وجهه.
قال عبد الله بن سلام ◙: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ! فجئت في النَّاس لأنظر إليه، فلما استثبت وجه رسول الله ﷺ عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذَّاب». [رواه الترمذي: (٢٤٨٥)، وقال: حسن صحيح.]
إن صاحب هذا الخلق العظيم وصاحب تلك المواقف المتواضعة بإزاء القرآن ما كان ينبغي لأحد أن يمتري في صدقه حينما أعلن عن نفسه أنه ليس هو واضع ذلك الكتاب، وأن منزلته منه منزلة المتعلم المستفيد، بل كانَ يجب أن نسجل من هذا الاعتراف البريء دليلا آخر على صراحته وتواضعه.
القرآن ليس إيحاءً ذاتِيًّا من نفس محمد ﷺ
فلينظر العاقل: هل كان هذا النبيُّ الأميُّ – صلوات الله عليه أهلا بمقتضى وسائله العلمية لأن تجيش نفسه بتلك المعاني القرآنية؟
هل كل ما في القرآن مما يستنبطه العقل والتفكير، ومما يدركه الوجدان والشعور؟ اللهم بالعقل، كلًا، ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال فيه للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقي والتعلم.
ماذا يقولون فيما قصه علينا القرآن من أنباء ما قد سبق، وما فصله من تلك الأنباء على وجهه الصحيح كما وقع؟ أيقولون: إن التاريخ يمكن وضعه أيضًا بإعمال الفكر ودقة الفراسة؟
{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: ٤٤]
{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: ١٠٢]
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص: ٤٤]
{وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَلَا تَخْطُهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: ٤٨]
{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا} [هود: ٤٩]
{وَنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَفِلِينَ} [يوسف: ٣].
إنما الشأن في تلك التفاصيل الدقيقة والكنوز المدفونة في بطون الكتب، فذلك هو العلم النفيس الذي لم تنله يد الأميين، ولم يكن يعرفه إلا القليل من الدارسين وإنك لتجد الصحيح المفيد من هذه الأخبار محررًا في القرآن.
وترى في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، وفي القرآن أنهم لبثوا في كهفهم {ثَلَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: ٢٥] وهذه السنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية، قاله الزجاج، يعني: بتكميل الكسر.
نعم؛ إنها لعجيبة حقًّا: رجلٌ أمي بين أظهر قوم أميين، يحضر مشاهدهم في غير الباطل والفجور ويعيش معيشتهم مشغولاً برزق نفسه وزوجه وأولاده، راعيًا بالأجر، أو تاجرًا بالأجر، لا صلة له بالعلم والعلماء؛ يقضي في هذا المستوى أكثر من أربعين سنة من عمره، ثم يطلع علينا فيما بين عشية وضحاها فيكلمنا بما لا عهد له به في سالف حياته، وبما لم يتحدث إلى أحد بحرف واحد منه قبل ذلك، ويبدي لنا من أخبار تلك القرون الأولى ما أخفاه أهل العلم في دفاترهم وقماطرهم. [القماطر: ما تصان به الكتب.]
وإن ملاحدة الجاهلية وهم أجلاف الأعراب في البادية كانوا في أصدق تعليلا لهذه الظاهرة وأقرب فهما لهذا السر من ملاحدة هذا العصر، إذ لم يقولوا كما قال هؤلاء: إنه استقى هذه الأخبار من وحي نفسه، بل قالوا: إنه لا بد أن تكون قد أُمليت عليه منذ يومئذ علوم جديدة، فدرس منها ما لم يكن قد درس وتعلم ما لم يكن يعلم {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} [الأنعام: ١٠٥]، {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: ٥].
نعجل لك الآن بمثالين من تلك المعاني نكتفي بذكرهما هنا عن إعادتهما بعد:
(أحدهما) قسم العقائد الدينية.
(والثاني) قسم النبوءات الغيبية.
فأما أمر الدين فإن غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه، معاونة الفطر السليمة له، هو أن يعلم أن فوق هذا العالم إلها قاهرًا دبره، وأنه لم يخلقه باطلاً، بل وضعه على مُقتضى الحكمة والعدالة، فلا بد أن يعيده كرة أخرى؛ لينال كل عامل جزاء عمله؛ إن خيرًا وإن شرًّا.
هذا هو كل ما يناله العقل الكامل من أمر الدين ولكن القرآن لا يقف في جانبه عند هذه المرحلة، بل نراه يشرح لنا حدود الإيمان مفصلة، ويصف لنا بدء الخلق ونهايته ويصف الجنة وأنواع نعيمها والنار وألوان عذابها، كأنهما رأي عين حتى إنه ليحصي عدة الأبواب، وعدة الملائكة الموكلة بتلك الأبواب، فعلى أي نظرية عقلية بنيت هذه المعلومات الحسابية، وتلك الأوصاف التحديدية؟
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِن أمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: ٥٢]
{مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [يس: ٦٩]
{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: ٣٧].
المستقبل ودلالته على مصدرية القرآن
وأما النبوءات الغيبية فهل تعرف كيف يحكم فيها ذو العقل الكامل؟ إنه يتخذ من تجاربه الماضية مصباحًا يكشف على ضوئه بضع خطوات من مجرى الحوادث المقبلة، جاعلا الشاهد من هذه مقياسًا للغائب من تلك، ثم يصدر فيها حكمه محاطا بكل تحفظ وحذر قائلا: (ذلك ما تقضي به طبيعة الحوادث لو سارت الأمور على طبيعتها ولم يقع ما ليس في الحسبان).
أما أن يبت الحكم بنا ويحدده تحديدًا حتى فيما لا تدل عليه مقدمة من المقدمات العلمية، ولا تلوح أمارة من الأمارات الظنية العادية، فذلك ما لا يفعله إلا أحد رجلين إما رجل مجازف لا يبالي أن يقول الناس فيه: صَدَقَ أو كَذَبَ، وذلك هو دأب جهلاء المتنبئين من العرافين والمنجمين، وإما رجل اتخذ عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، وتلك هي سنة الأنبياء والمرسلين، ولا ثالث لهما إلا رجلًا روى أخباره عن واحد منهما.
أمثلة من إخبار القرآن بالمستقبل
ولنسرد لك ها هنا بعض النبوءات القرآنية مع بيان شيء من ملابساتها التاريخية؛ لترى هل كانت مقدماتها القريبة أو البعيدة حاضرة فتكون تلك النبوءات جنس ما توحي به الفراسة والألمعية؟ وسنحصر الكلام في ثلاثة أنواع:
1- ما يتعلق بمستقبل الإسلام في نفسه، أو في شخص كتابه ورسوله.
2- ما يتصل بمستقبل المؤمنين.
3- ما يتصل بمستقبل الحزبين حزب الله، وحزب الشيطان.
(مثال النوع الأول) ما جاء في بيان أن هذا الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن قد ضمن الله حفظه وصيانته {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: ١٧]، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: ٢٤-٢٥]، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: ٩]، أتعلم متى وأين صدرت هذه البشارات المؤكدة، بل العهود الوثيقة؟
إنها آيات مكية من سور مكية،
وهل كان محمد ﷺ ممن تستخفه الآمال فيجري الخيال؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع في أن يكون نبيا يوحى إليه {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [القصص: 86]، ولا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظاً لديه {وَلَئن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} [الإسراء: ٨٦، ٨٧] وما بعدها.
ذلك بأنَّ الله {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: ۹]، [التوبة: ۳۳]، والله بالغ أمره، ومتم نوره، فظهر وسيبقى ظاهرًا لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله.
التَّحدِّي القرآني
(ومثال آخر) ما جاء في التحدي بهذا القرآن وتعجيز العالم كله عن الإتيان بمثله.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]
نوع السُّورة: مَكِّيَّة، نوع التَّحدِّي: تحدٍّ بمثل القرآن كاملًا.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: 33-34]
نوع السُّورة: مَكِّيَّة، نوع التَّحدِّي: تحدٍّ بالإتيان بحديث مثله.
|
وجه المقارنة |
التحدي بمثل القرآن |
التحدي بحديث مثله |
|
نِطاق التَّحدِّي |
شامل للقرآن كله: أسلوبًا، مضمونًا، تشريعًا |
أعم وأخفّ: مجرد كلام بليغ مماثل في الأثر |
|
الدَّرجة |
أعلى درجات التحدي |
درجة أقل من التحدي |
|
الغَرَض البياني |
إظهار الإعجاز الكامل للقرآن |
إظهار العجز عن مجرد المعارضة أو المقارنة |
|
رأي المُفسِّرين |
تحدٍّ بالإعجاز الشامل |
تحدٍّ بالإعجاز البلاغي والتأثيري |
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)﴾ [هود: 13-14]
نوع السُّورة: مَكِّيَّة، نوع التَّحدِّي: تحدٍّ بعشر سور مفترَيات.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)﴾ [يونس: 38-39]
نوع السُّورة: مكية، نوع التَّحدِّي: تحدٍّ بسورة واحدة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾ [البقرة: 23-24]
نوع السُّورة: مدنية، نوع التَّحدِّي: تحدٍّ بسورة واحدة.
إخبار النبي ﷺ بعصمته من الناس
(ومثال ثالث) تلك الآية التي يضمن الله بها لنبيه حماية شخصه والأمن على حياته حتى يُبلِّغ رسالات ربه: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المَائِدَة: ٦٧].
ولكن انظر مبلغ ثقة الرسول ﷺ بهذا الوعد الحق روى الترمذي والحاكم عن عائشة، وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ يُحرس بالليل فلما نزلت هذه الآية ترك الحرس وقال: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله». [رواه الترمذي: (٣٠٤٦).]
من ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، ورواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: كنا إذا أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ فلما كنَّا بذات الرِّقاع نزل نبي الله تحت شجرة وعلَّق سيفه فيها، فجاء رجل من المُشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال للنبي ﷺ: أتخافني؟ قال: «لا». قال: «فمن يمنعك مني؟»، قال: «الله يمنعني منك، ضع السيف»، فوضعه. [رواه البخاري: (۲۹۱۰)، ومسلم (٨٤٣).]
وحسبك أن تعلم أن هذا الأمن كان في الغزوة التي شرعت فيها صلاة الخوف!
وهكذا أمتع الله به أمته فلم يقبضه إليه حتى بلَّغ الرِّسالة وأدَّى الأمانة، وحتى أنزل عليه قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينا} [المساندة: ٣].
ما يتَّصِل بمُستقبل المؤمنين
(ومثالا ثالثًا) كان المشركون يجادلون المسلمين في مكة قبل الهجرة، يقولون لهم: إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل عليكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم؛ فنزلت الآية {الّمَ * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: ١-٤].
لقد كان الإخبار بهذا النصر وبأنه كائن في وقت معين إخبارًا بأمرين كل منهما خارج عن متناول الظنون ذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف يكفي من دلائله أنها غزيت في عقر دارها وهزمت في بلادها كما قال تعالى: {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}، فلم يكن أحد يظن أنها تقوم لها بعد ذلك قائمة، فضلاً عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر؛ ولذلك كذب به المشركين وتراهنوا على تكذيبه، على أن القرآن لم يكتف بهذين الوعدين، بل عززهما بثالث، حين يقول: {وَيَوْمَئذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ} إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه ها هنا نصر للمسلمين على المشركين، وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعدا عند الناس أشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم؟ لذلك أكده أعظم التأكيد بقوله: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: ٦].
ولقد صدق الله وعده، فتمت للروم الغلبة على الفرس، بإجماع المؤرخين أقل من تسع سنين، وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى، كما رواه الترمذي عن أبي سعيد، ورواه الطبري عن ابن عباس وغيره.
وتارة يعين نوع العذاب بأنه الهزيمة الحربية كما في قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. وهذا كما ترى من عجيب الأنباء في مكة، حيث لا مجال لأصل فكرة الحرب والتقاء الجموع، فضلا عن توقع فرارها وهزيمتها، حتى إن عمر الله لما نزلت هذه الآية جعل يقول: أي جمع هذا؟ قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقولها. رواه أبي حاتم وابن مردويه وعَجُزُه في الصحيحين.
بل اسمع قوله ﷺ عن نفسه فيما يرويه أحمد وابن ماجه: «إنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله فلن أكذب على الله». [رواه أحمد: (۱۳۹۵)، ومسلم: (٢٣٦١).]
وقوله: «إنَّما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيتُ له بحقِّ مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها» رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن. [رواه البخاري: (۷۱۸۱)، ومسلم: (۱۷۱۳).]
هل أخذ القرآن عن مُعلِّم؟
لا مناص إذا للباحث عن مصدر القرآن من توسيع دائرة بحثه، فإذ لم يظفر بمطلبه عند صاحب القرآن في ناحية عقله وفراسته وجب أن يلتمسه – وأن يظفر به حتمًا – في ناحية تعليمه ودراسته؛ لأنَّ المتكلم بكلام ما لا يعدو أن يكون قائلًا له أو ناقلا ولا ثالث لهما.
نعم. إنَّ صاحب هذا القرآن لم يكن ممن يرجع بنفسه إلى كتب العلم ودواوينه، لأنه باعتراف الخصوم كما ولد أمياً نشأ أميًّا وعاش أميا، فما كان يوما من الأيام يتلو كتابا في قرطاس ولا يخطه،بيمينه فلا بد له من معلم يكون قد أوقفه على هذه المعاني لا بطريق الكتابة والتدوين، بل بطريق الإملاء والتلقين. هذا هو حكم المنطق.
ستقول: فمن هو ذلك المعلم؟
نشأة محمد ﷺ بين أُمَّة أُمِّيَّة جاهلية
أما أن محمدًا ﷺ لم يكن له معلم من قومه الأميين فذلك ما لا شبهة فيه لأحد، ولا نحسب أحدًا في حاجة إلى الاستدلال عليه بأكثر من اسم (الأمية) الذي يشهد عليهم بأنهم كانوا خرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون من أمر الدين شيئًا، وكذلك اسم (الجاهلية) الذي كان أخص الألقاب بعصر العرب قبل الإسلام.
عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠] إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، رواه البخاري (4/ ١٨٤)، وهو برقم: (٣٥٢٤).
لم يكن للنبي ﷺ مُعلِّم من غير أُمَّته
وأما أنه لم يكن له معلّم من غيرهم فحسب الباحث فيه أن نحيله على التاريخ وندعه يقلب صفحات القديم منه والحديث، والإسلامي منه والعالمي، ثم نسأله: هل قرأ فيه سطرًا واحدًا؟ يقول: إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لقي قبل إعلان نبوته فلانًا من العلماء فجلس إليه يستمع من حديثه عن علوم الدين ومن قصصه عن الأولين والآخرين.
وأما الذين رآهم قبل فإنَّ أمر لقائه إياهم لم يكن سرا مستورًا، بل كان معه في كل مرة شاهد فكان عمه أبو طالب رفيقا له حين رأى راهب الشام وكانت زوجه خديجة رفيقة له حين لقي ورقة، فماذا سمعه هذان الرفيقان من علوم الأستاذين؟ … ولماذا لم يتخذ خصومه من هذه الحجة الواضحة سلاحًا قاطعا لحجته مع شدة سعيهم في هدم دعواه، والتجائهم لأوهن الشبهات في تكذيبه، وقد كان هذا السلاح أقرب إليهم، وكان وحده أمضى في إبطال أمره من كل ما لجأوا إليه من مهاترة ومكابرة.
على أن التاريخ لم يسكت، بل نبأنا بما كان من أمر الرجلين: فقد حدثنا عن راهب الشام أنه لما رأى هذا الغلام رأى فيه من سيما النبوة الأخيرة وحليتها في الكتب الماضية ما أنطقه بتبشير عمه قائلا: إن هذا الغلام سيكون له شأن عظيم.
وحدثنا عن ورقة أنه لما سمع ما قصه عليه النبي من صفة الوحي وجد فيها من خصائص الناموس الذي نزل على موسى ما جعله يعترف بنبوته ويتمنى أن يعيش حتى يكون من أنصاره.
حديث القرآن عن عُلماء الدِّين في زمنه
فانظر كيف صور القرآن عقيدة علماء الدين في زمنه، ولا سيما علماء النصارى، فقد كان طابع الشرك في ديانتهم لا يخفي على أحد، حتى إن الأميين فطنوا له فاتخذوا منه عزاءً لهم في شركهم {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمْ هُوَ} [الزخرف: ٥٧-٥٨]، بل اتخذوا منه حجة على أن التوحيد الذي دعاهم إليه القرآن بدع في الدين لم يسبق إليه فقالوا: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} [سورة ص: ٧] يعنون ملة النصرانية.
فهل ترى في هذا كله صورة أساتذة يتلقى عنهم صاحب القرآن علومه؟ أم بالعكس ترى منه معلمًا يصحح لهم أغلاطهم وينعى عليهم سوء حالهم.
لا ننكر أنه كان في أهل الكتاب قليل من العلماء الراسخين لكن الراسخون في العلم منهم آمنوا بالقرآن وبنبي القرآن: {قُلْ كَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ} [الرعد: ١٣]، فلو كانوا له معلمين لآمنوا بأنفسهم بدل أن يؤمنوا به.
كان أهل الكتاب أبخل الناس بعلمهم
لنستنطق القرآن الذي رضيه الملحدون حكما بيننا وبينهم، فإنه يكفينا مؤونة الجواب عن هذا السؤال، وها هو ذا يقول لنا: إنهم كانوا في سبيل الضن بكتبهم وعلومهم لا يتورَّعون عن مُنكر، فكانوا تارة {يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: ۷۹]، وتارة {يَلُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ} [النساء: ۷۸]، وتارة {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ} [المائدة: ١٣]، وتارة يبترون الكتب فيظهرون بعضها ويخفون بعضها {قُل مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: ٩١]، وتارة يحاجون بمحفوظهم فإذا قيل لهم: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [آل عمران: ٩٣] بهتوا؛ فلم يجيبوا، ورُبَّما جاءوا بها فقرؤوا ما قبل الشاهد وما بعده وستروا بكفهم مكان النَّصّ المُجادل فيه، كما وقع في قصة الرجم. [صحيح البُخاري (٤٥٥٦).]
فجاء القرآن يرميهم علنا باللبس والكتمان {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧١]، بل جاء كاشفًا لما ستروه مبينًا لما كتموه حاكمًا فيما اختلفوا فيه {يَا أَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُم كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ} [المائدة: ٥١]، {إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: ٧٦]، {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ فَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: ٦٣] وما بعدها.
رد القرآن على شُبهة وجود مُعلِّم للرسول
ونعود للمرة الثالثة فنقول لمن يزعم أن محمدا كان يعلمه بشر: قل لنا ما معلم للرسول اسم هذا المعلم ومن ذا الذي رآه وسمعه؟ وماذا سمع منه؟ ومتى كان ذلك؟ وأين كان؟
ألم يولد في حجورهم؟ ألم يكن يمشي بين أظهرهم يصبحهم ويمسيهم؟ ألم يكونوا يرونه بأعينهم في حله ورحيله؟ {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: ٦٩].
لقد وجدوا أنفسهم مضطرين أن يلتمسوا شخصًا يتحقق فيه شرطان:
أحدهما: أن يكون من سكان مكة نفسها لتروج عنهم دعوى أنه يلاقيه ويملي عليه بكرة وأصيلا.
وثانيهما: أن يكون من غير جلدتهم وملتهم ليمكن أن يقال: إن عنده علم ما لم يعلموا.
وقد التمسوا هذه الأوصاف فوجدوها، أتدري أين وجدوها؟… في حداد رومي!!
كان حدادًا منهمكا في مطرقته وسندانه، وأنه كان عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب إلا أماني، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها محمد ولا أحد من قومه، لكن ذلك كله لم يكن ليحول بينه وبين لقب الأستاذية الذي منحوه إياه على رغم أنف الحاسدين!
فيا ليت شعري لو كان هذا الغلام أن يكون مرجعا علميًّا كما أرادوا أن يصفوه فما الذي منعهم أن يأخذوا عنه كما أخذ صاحبهم؟ وبذلك كانوا يستريحون من عنائه ويداوونه من جنس دائه، بل ما منع ذلك الغلام أن يبدي للعالم صفحته فينال في التاريخ شرف الأستاذية.
كُلُّ شُبْهَةٍ تُقَامُ فِي وَجْهِ الحَقِّ الوَاضِحِ سَيُحِيلُهَا الحَقُّ حُجَّةً لِنَفْسِهِ يَضُمُّهَا إلى حُجَجِهِ وَبَيِّنَاتِهِ.
هَذَا العِلْمُ الجَدِيدُ [القرآن] وَلِيد تَعْلِيم جَدِيد!
أنواع المجادلات التي حكاها القرآن عن الطاعنين فيه
ومن تتبع أنواع المجادلات التي حكاها القرآن عن الطاعنين فيه رأى أن نسبتهم القرآن إلى تعليم البشر كانت هي أقل الكلمات دورانًا على ألسنتهم، وأن أكثرها ورودًا في جدلهم هي نسبته إلى نفس صاحبه، على اضطرابهم في تحديد تلك الحال النفسية التي صدر عنها القرآن أشعر هي، أم جنون، أم أضغاث أحلام..
فإن شئت أن تطلع على هذه الصورة المضحكة من البلبلة الجدلية فاقرأ وصفها في القرآن {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَنهُ بَلْ هُوَ شَاعِرُ} [الأنبياء: ٥] فهذه الجملة القصيرة تمثل لك بما فيها من توالي حروف الإضراب مقدار ما أصابهم من الحيرة والاضطراب في رأيهم، وتريك من خلالها صورة شاهد الزور إذا شعر بحرج موقفه: كيف يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وكيف تتفرق به السبل في تصحيح ما يحاوله من محال {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء: ٤٨]، [الفرقان: ٩].
ظاهرة الوحي العجيبة
وكلنا نعرف تلك الظاهرة العجيبة التي كانت تبدو على وجهه الكريم في كل حين ينزل عليه القرآن، وكان أمرها لا يخفي على أحد ممن ينظر إليه. فكانوا یرونه قد احمر وجهه فجأة وأخذته البُرَحاء حتى يتفصد جبينه عرفا، وثقل جسمه حتى يكاد يرض فخذه فخذ الجالس إلى جانبه وحتى لو كان راكبًا لبركت به راحلته وكانوا مع ذلك يسمعون عند وجهه أصواتاً مختلطة تشبه دوي النحل، ثم لا يلبث أن تُسرَّى عنه تلك الشدة فإذا هو يتلو قرآنًا جديدًا، وذكرًا محدثًا.
البرحاء: «الشدَّة والمشقة، وهو: شدة الكرب من ثقل الوحي»، تهذيب اللغة (5/ ٢٠)، لسان العرب: (2/ ٤١٠). «تفصد الشيء: سال»، مقاييس اللغة (4/ ٥٠٧).
هذه الأوصاف هي الأوصاف التي كانت تظهر على النبي ﷺ حين ينزل الوحي عليه، وقد وردت في أحاديث صحيحة، ومنها:
في حديث الإفك عن عائشة ▲: «حتى أنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيه ﷺ، فأخذه ما كان يأخذه من البُرْحاء عند الوحي، حتى إنَّه ليتحدَّر منه مثل الجُمَان من العرق، في اليوم الشَّات، من ثقل القول الذي أنزل عليه». [رواه البخاري: (٤٧٥٠)، ومسلم: (٢٧٧٠).]
وفي حديث زيد: «فأنزل الله على رسوله ﷺ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه». [رواه البخاري: (٤٥٩٢).]
وفي حديث عمر بن الخطاب، يقول: «كان النبي ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النَّحل»، رواه أحمد (۲۲۳)، والترمذي: (۳۱۷۳).
فلننظر الآن في هذه الظاهرة: هل كانت شيئًا متكلفًا مصنوعا وطريقة تحضيرية يستجمع بها الفكر والروية؟ أم كانت أمرًا لا دخل فيه للاختيار؟ وإذا كانت أمرًا غير اختياري فهل كان لها في داخل النفس منشأ من الأسباب الطبيعية العادية، كباعثة النوم، أو من الأسباب الطبيعية الشاذة كاختلال القوى العصبية؟ أم كانت انفعالاً بسبب خارجي منفصل عن قوى النفس؟
وإنَّ نظرةً واحدة نلقيها على عناصر هذه الظاهرة لتهدينا إلى أنها لا يمكن أن تكون صناعة وتكلفا، وبخاصة لو تأملت تلك الأصوات المختلطة التي كانت تسمع عند الوجه النبوي الشريف. وأيضًا لو كانت صناعة وتكلفا لكانت طوع يمينه فكان لا يشاء يوماً أن يأتي بقرآن جديد إلا جاء به من هذا الطريق الذي اعتاده في تحضيره.
وقد علمت أنه كثيرًا ما التمسه في أشد أوقات الحاجة إليه، وكان لا يظفر به إلا حين يشاء الله.
فهي إذاً حال غير اختيارية.
نعم إنهم لم يروها بأعينهم طالعة في رابعة النهار، ولم يسمعوا صوتها بآذانهم جَرْسًا مفهومًا وكلامًا يفقهه الناس؛ ولكنهم كانوا يرون قبسًا منها في الجبين، وكانوا يسمعون حسيسها حول الوجه الكريم، وإن في ذلك لهدى للمهتدين.
إذا قوة خارجية؛ لأنها لا تتصل بهذه النفس المحمدية إلا حينًا بعد حين، وهي لا محالة قوة عالمة؛ لأنها توحي إليه علمًا. وهي قوة أعلى من قوته؛ لأنها تحدث في نفسه وفي بدنه تلك الآثار العظيمة {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقَوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: ٥-٦].
ما للشيطان وخبر السماء وهي محفوظة من كل شيطان رجيم {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210].
فكيف تأتلف تلك الأرواح الخبيثة وذلك القلب النقي الطهور؟ أم كيف تأتلف تلك القوى الطائشة وهذا العقل الكامل الرصين؟ {هَلْ أَنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: ٢٢١-٢٢٣] وما بعدها.
فماذا عسى أن تكون هذه القوة إن لم تكن قوة ملك كريم؟
أدِلَّة مُعاصرة على إمكان الوحي
وإنَّ من أقرب هذه الآيات إلى متناول الجمهور آية الهاتف (التليفون).
فقد أصبح الرجلان يكون أحدهما في أقصى المشرق والآخر في أقصى الوحي المغرب، ثم يتخاطبان ويتراءيان، من حيث لا يرى الجالسون في مجلس التخاطب شيئًا، ولا يسمعون إلا أزيزا كدوي النحل الذي في صفة الوحي.
إنَّما سبيلنا أن ننصب الحُجَّة لجاهلها مِن طُلَّاب الحقّ، ونُوضِّح الطَّريق لسابلها من رُوَّاد اليقين.
إعجاز القرآن
ها نحن أولاء ندعو كل من يطلب الحق بإنصاف، أن ينظر معنا في القرآن من أي النواحي أحب: من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم وغيَّر به وجه التاريخ، أو من تلك النواحي مجتمعة؛ على أن يكون له الخيرة بعد ذلك أن ينظر إليه في حدود البيئة والعصر الذي ظهر فيه، أو يفترض أنه ظهر في أرقى الأوساط والعصور التاريخية. وسواء علينا أيضًا أن ينظر إلى شخصية الداعي الذي جاء به أو يلتمس شخصًا خياليا تجمعت فيه مرانات الأدباء، وسلطات الزعماء، ودراسات العلماء بكافة العلوم الإنسانية ثم نسأله هل يجد فيه إلا قوَّة شاذة تغلب كل مغالب وتتضاءل دونها قوة كل عالم، وكل زعيم وكل شاعر وكاتب، ثم تنقضي الأجيال والأحقاب ولا ينقضي ما فيه من عجائب،
القرآن مُعجزة لُغوية
كشف الشبهات حول الإعجاز القرآني
ومثل هذا دواؤه عندنا نُصح نتقدم به إليه أن يطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب، حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، ويستبين له طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك.
وأنا له زعيم بأن كل خطوة يخطوها في هذه السبيل ستزيده معرفة بقدره، وستحل عن نفسه عقدة من عقد الشك في أمره؛ إذ يرى هنالك أنه كلما ازداد بصيرة بأسرار اللغة، وإحسانًا في تصريف القول، وامتلاكا لناصية البيان؛ ازداد بقدر ذلك هضما لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكليته أمام أسلوب القرآن، وهذا قد يبدو لك عجيباً، أن يزداد شعور المرء بعجزه عن الصنعة بقدر ما تتكامل فيها قوته ويتسع بها علمه ولكن لا عجب فتلك سنة الله في آياته التي يصنعها بيديه لا يزيدك العلم بها والوقوف على أسرارها إلا إذعانا لعظمتها وثقة بالعجز عنها. ولا كذلك صناعات الخلق، فإن فضل العلم بها يمكنك منها ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها ومن هنا كان سحرة فرعون هم أول المؤمنين برب موسى وهارون.
فإن أبى المغرور إلا إصرارًا على غروره وكبر عليه أن يُقر بعجزه وقصوره، دعوناه إلى الميدان ليجرب نفسه ويروز قوته، وقلنا له: أخرج لنا أحسن ما عندك لننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.. غير أننا نعظه بواحدة أخرى: ألا يخرج على الناس ببضاعته حتى يطيل الروية ويحكم الموازنة، وحتى يستيقن الإحسان والإجادة؛ فإنه إن فعل ذلك كان أدنى أن يتدارك غلطه ويواري سوأته، وإلا فقد أساء المسكين إلى نفسه من حيث أراد الإحسان إليها.
الاستجابة للتَّحدِّي القرآني
فمنهم عاقل استحيا أن يتم تجربته، فحطم قلمه ومزق صحيفته.
يعزى شيء من ذلك لابن المقفع، ولأبي الطيب وللمعري، والظن بهؤلاء أنهم كانوا في غنّى بعقولهم وأذواقهم عن الشروع في هذه المحاولة، إلا أن يكون على حد: {وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلبِي} [البقرة: ٢٦٠].
ومنهم ماكر وجد الناس في زمنه أعقل من أن تروج فيهم سخافاته، فطوى صُحُفَه وأخفاها إلى حين.
من ذلك ما اشتهر عن تلك الكتب التي وضعها زعماء نحلتي (القاديانية) و(البهائية) لتكون دستورًا دينيا لهم كالقرآن، وقد لفقوها تلفيقا ركيكا من آيات قرآنية وكلمات عامية، وبدلوا فيها أصول الإسلام وفروعه، وادعوا فيها لأنفسهم النبوة أو الألوهية ولكن أتباعهم لم يجسروا أن يذيعوا تلك الكتب وشمس العلم طالعة، فأخفوها كما يخفي السِّنَّور سلحته – إلى أن يجيء وقت يفشو فيه الجهل بالعلوم والآداب، وتستعد فيه النفوس لقبول أمثالها، فلينتظروا آخر الدهر.
ومنهم طائش برز بها إلى الناس فكان سخرية للساخرين ومثلا للآخرين.
ذلك مثل مسيلمة الدجال، فقد زعم أنه يوحى إليه بكلام مثل القرآن وما صنع شيئًا إلا أنه كان يعمد إلى آي من القرآن فيسرق أكثر ألفاظها ويبدل بعضًا، كقوله: (إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر) أو يجيء على موازين الكلمات القرآنية بألفاظ سوقية ومعان سوقية، كقوله: (والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا)، وهكذا لم يستطع وهو عربي قح أن يحتفظ بأسلوب نفسه، بل نزل إلى حد الإسفاف … وإنما المعارضة أن تعمد إلى معنى من المعاني فتؤديه نفسه بأسلوب آخر يوازي الأصل في بلاغته أو يزيد.
ثم ارجع إلى التاريخ فاسأله: ما بال القرون الأولى؟ ينبئك التاريخ أن أحدًا لم يرفع رأسه أمام القرآن في عصر من أعصاره، وأن بضعة النفر الذين أنغضوا رؤوسهم إليه باءوا بالخزي والهوان وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان.
أجل، لقد سجّل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي،
فما قدر أحد منهم أن يُباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة أو تقديم واحدة وتأخير أخرى؛ ذلك على أنه لم يسد عليهم باب المعارضة بل فتحه على مصراعيه بل دعاهم إليه أفرادا أو جماعات، بل تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتی، متهكما بهم متنزلاً معهم إلى الأخف فالأخف: فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة؛ فقال: {لَئنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: ۸۸]، وقال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: ٢٤]، فانظر أي إلهاب وأي استفزاز لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد في قوله: {وَلَن تَفْعَلُوا} ثم هدَّدهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار،
انظر كيف تنزّل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة؛ بل حسبكم أن تأتوا بشيء فيه جنس المماثلة ومطلقها، ربما يكون مثلا على التقريب لا التحديد.
وهذا أقصى ما يمكن من التنزل، ولذا كان هو آخر صيغ التحدي نزولا، فلم يجئ التحدي بلفظ (من مثله) إلا في سورة البقرة المدنية، وسائر المراتب بلفظ (مثله) في السور التي نزلت قبل ذلك بمكة؛ فتأمل هذا الفرق فإنه طريف، واسأل الله أن يوفقنا وإياك لفهم أسرار كتابه، والانتفاع بهدايته وآدابه.
حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف واستنطقوا السيوف بدل الحروف وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان.
ثم مضت تلك القرون وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا أشدَّ عجزًا وأقل طمعا في هذا المطلب العزيز،
تضافر الأسباب الباعثة على مُعارضة القرآن
الأسباب الباعثة على المعارضة كانت موفورة متضافرة، وأي شيء أقوى في استثارة حمية خصمك من ذلك التقريع البليغ المتكرر الذي توجهه إليه معلنا فيه عجزه عن مضاهاة عملك؟ … فكيف لو كان الذي تتحداه مجبولا على الأنفة والحميَّة؟ وكيف لو كان العمل الذي تتحداه به هو صناعته التي بها يفاخر والتي هو فيها المدرب الماهر؟ وكيف لو كنت مع ذلك ترميه بسفاهة الرأي وضلال الطريق؟ وكيف لو كنت تبتغي من وراء هذه الحرب الجدلية هدم عقائده، ومحو عوائده وقطع الصلة بين ماضيه ومستقبله؟
كان أمر محمد ﷺ والقرآن هو شغلهم الشاغل، وهمهم الناصب، فلم يدعوا وسيلة من الوسائل لمقاومته باللطف أو بالعنف إلا استبطنوها وتذرَّعُوا بها.
هذا هو القول بالصَّرفة، الذي اشتهر عن النظام من المعتزلة وهو وإن كان اعترافا في الجملة بصحة الإعجاز إلا أنه لا يقول به إلا أعجمي أو شبهه ممن لم يذق للبلاغة طعما، ولذلك لم يتابعه عليه تلميذه الجاحظ ولا أحد من علماء العربية، وهو يعد خلاف ما عرفه العرب من أنفسهم كما سنبينه. [القول بالصرفة، د. عبد الرحمن الشهري، ط دار المنهاج.]
(هامّ جدًّا) إعلان القرآن ونشره بين العرب
لم يطق أشراف قريش أن يستعلن أبو بكر بقراءة القرآن في فناء داره إذ كانت تهوى إليه أفئدة من أبنائهم ونسائهم وعبيدهم يستمعون لقراءته، فخشي المشركون أن يفتتنوا وكان ابن الدَّغِنَّة قد أجار أبا بكر، فأمروه أن يسترد جواره منه إذا أصر على الإعلان بقراءته، وقد فعل.
الحديث رواه البخاري (٢٢٩٩)، (٣٩٠٥). ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيَتَقَصَّفُ عليه نساء المُشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المُشركين.
ثم لماذا كل هذا وهو قد دلهم على أن الطريق الوحيد لإسكاته هو يجيئوه بكلام مثل الذي جاءهم به؟ ألم يكن ذلك أقرب إليهم وأبقى عليهم لو كان أمره في يدهم؟ ولكنهم طرقوا الأبواب كلها إلا هذا الباب، وكان القتل والأسر والفقر والذل كل أولئك أهون عليهم من ركوب هذا الطريق الوعر الذي دلهم عليه، فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز؟!
لا ريب أن هذه الحملات كلها لم تكن موجهة إلى شخص النبي ﷺ وأصحابه، فقد كانوا من قبل تعطفهم عليهم أرحامهم، وتحببهم إليهم مكارم أخلاقهم، كما أنها لم تكن موجهة إلى القرآن في الصدور ولا في داخل البيوت؛ فقد قبلوا منهم أن يعبد كل امرئ ربه في بيته كيف يشاء، إنما كانت مصوبة إلى هدف واحد، ومقاومة لخطر واحد، هو إعلانهذا القرآن ونشره بين العرب.
وفي ذلك يقول النبي ﷺ حينما كان يعرض نفسه على الناس في الموقف: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإنَّ قُريشًا منعوني أن أُبَلِّغ كلام ربِّي»، رواه أبو داود والترمذي، فانظر قوله: «منعوني أن أُبَلِّغ»، ولم يقل: (منعوني أن أتلو).
عن جابر، قال: كان النبي ﷺ قد يعرض نفسه بالموقف، فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإنَّ قريشًا قد منعوني أن أُبَلِّغ كلام ربي». رواه أحمد (۱۵۱۹۲)، والترمذي: (٢٩٢٥).
فلا جرم كان الطَّريق الوحيد عندهم لمُقاومته هو الحيلولة بمُختلف الوسائل بين هذا القرآن وبين الناس مهما كلفهم ذلك من تضحية، وكذلك فعلوا، وكذلك مضت السُّنَّة فيمَن بعدهم مِن أعداء القرآن إلى يومنا هذا.
القُرآن ولُغة العرب
فإن قال: قد تبينت الآن أنَّ سكوتَ النَّاس عن معارضة القرآن كان عجزا، وأنَّهم وجدوا في طبيعة القرآن سرًّا من أسرار الإعجاز يسمو به عن قدرتهم، … فأي جديد في مفردات القرآن لم تعرفه العرب من موادها وأبنيتها؟ وأي جديد في تركيب القرآن لم تعرفه العرب من طرائقها ولم تأخذ به في مذاهبها، حتى نقول: إنه قد جاءهم بما فوق طاقتهم اللغوية؟
وأما بعد فهل ذهب عنك أن مثل صنعة البيان كمثل صنعة البنيان، فالمهندسون البناءون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامة.
ذلك أن اللغة فيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وفيها العبارة والإشارة والفحوى والإيماء، وفيها الخبر والإنشاء، وفيها الجمل الإسمية والفعلية وفيها النفي والإثبات، وفيها الحقيقة والمجاز، وفيها الإطناب والإيجاز، وفيها الذكر والحذف، وفيها الابتداء والعطف، وفيها التعريف والتنكير، وفيها التقديم والتأخير وهلم جرا..
الجديد في لغة القرآن
فالجديد في لغة القرآن أنّه في كل شأن يتناوله من شؤون القول يتخير له أشرف المواد، وأمسُّها رحما بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به،
سبيل إدراك إعجاز القرآن اللغوي
فإن أحببت أن تعرف للقرآن الكريم سبقه وبلوغه الغاية في هذا المضمار وأنت بعد لم تُرزق قوة الفصل بين درجات الكلام فاعلم أنّه لا سبيل لك إلى القضاء في هذا الشأن عن حس وخبرة، وإنما سبيلك أن تأخذ حكمه مسلمًا عن أهله وتقنع فيه بشهادة العارفين به،
شهادة الوليد بن المُغيرة
جاء الوليد بن المُغيرة إلى رسول الله ﷺ فلمَّا قرأ عليه القرآن كأنَّه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إنَّ قومك يَرونَ أَن يَجْمَعُوا لك مالاً، قال: لِمَ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ، فَإِنَّكَ أتيت محمدًا لِتَعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ، قال الوليد: قَد عَلِمَت قُريشٌ أَنِّي مِن أَكثَرِهَا مَالًا، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنَّك مُنكرٌ له وكاره، قال: وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر لا برَجَزِه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه مُشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلَى وإنه ليحطم ما تحته.. الحديث رواه الحاكم عن ابن عباس، وقال: صحيحٌ على شرط البخاري.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 11-25]
فانظر تصوير القرآن للجهد العنيف الذي بذله الرجل في إصدار حكمه الثاني، ومعنى هذا كله أنه كان يقاوم فطرته، ويستكره نفسه على مُخالفة وجدانه، وأنه كان في حيرة وضيق بما يقول.. وأخيرًا استطاع أن يقول ما قال نزولا على إرادة قومه.
إدراك الإعجاز لمن يُميِّز بين مراتب الكلام
وأَمَّا إن كنتَ قد أوتيت حظك من معرفة فروق الكلام والميز بين أساليبه فاقرأ ما شئت من خطب العرب وأشعارها وحكمها وأمثالها، ورسائلها ومحاوراتها، متتبعا في ذلك عصور الجاهلية والإسلام على اختلاف طبقاتها، ثم افتح صفحة من هذا الكتاب العزيز وانظر ماذا ترى؟
أسلوب عجب، ومنهج من الحديث فذٌّ مُبتكر،
حين نتحدى الناس بالقرآن لا نطالبهم أن يجيئونا بنفس صورته الكلامية، … وإنَّما نطلب كلاما أيا كان نمطه ومنهاجه على النحو الذي يحسنه المتكلم أيا كانت فطرته ومزاجه، بحيث إذا قيس مع القرآن بمقياس الفضيلة البيانية حاذاه أو قاربه في ذلك المقياس وإن كان على غير صورته الخاصة، فالأمر الذي ندعوهم إلى التماثل أو المقاربة فيه هذا القدر الذي فيه يتنافس البلغاء، وفيه يتماثلون أو يتقاربون،
أحوال مَن دعاهم القرآن للتَّحدِّي
هل – إذاً – المدعوين لمعارضة القرآن فيهم الأكفاء والأنداد لنبي القرآن في الفطرة والسليقة العربية أو من هم أكمل منه فيها، أو هبهم جميعا دونه في تلك المنزلة.
فأمَّا الأعلون فسيجيئون على وفق سليقتهم بقول أحسن من قوله.
وأما الأنداد فسيجيئون بشيء مثله.
وأمَّا الآخرون فلن يكبر عليهم أن يقاربوا ويجيئوا بشيء من مثله، وشيء من هذه المراتب الثلاث لو تم لكان كافيًا في رد الحجة وإبطال التحدي.
وكم رأينا من أناس كثيرة تتشابه قلوبهم وعقولهم وألسنتهم فتتوافق خواطرهم وعباراتهم حينًا، وتتقارب أحيانًا، حتى لقد يخيل إليك أنَّ الرُّوح الساري في القولين روح واحد، وأنَّ النفس ها هنا هو النفس هناك، وكذلك رأينا من الأدباء المتأخرين من يكتب بأسلوب ابن المقفع وعبد الحميد، ومن يكتب بأسلوب الهمذاني والخوارزمي، وهلم جرا.
فلو كان أسلوب القرآن من عمل صاحبه الإنسان لكان خليقا أن يجيء بشيء من مثله من كان أشبه بهذا الإنسان مزاجًا، وأقرب إليه هديًا وسمتا، وألصق به رحما، وأكثر عنه أخذًا وتعلمًا، أو لكان جديرًا بأصحابه الذين نزل القرآن بين أظهرهم فقرأوه واستظهروه؛ وتذوقوا معناه وتمثلوه، وترسموا خطواته واغترفوا من مناهله – أن يدنوا أسلوبهم شيئًا من أسلوبه على ما تقضي به غريزة التأسي،
تفرُّد أسلوب القرآن ودلالته على المصدرية
بل نقول: لو كان الأسلوب القرآني صورة لتلك الفطرة المحمدية لوجب على قياس ما أصلته من المقدمات أن ينطبع من هذه الصورة على سائر الكلام المحمدي ما انطبع منها على أسلوب القرآن؛ لأنَّ الفطرة الواحدة لا تكون فطرتين، والنفس الواحدة لا تكون نفسين ونحن نرى الأسلوب القرآني فنراه ضربًا وحده ونرى الأسلوب النبوي، فنراه ضربًا وحده لا يجري مع القرآن.
أمَّا الأسلوب القرآني فإنه يحمل طابعا لا يلتبس معه بغيره، ولا يجعل طامعا يطمع أن يحوم حول حماه؛ بل يدع الأعناق تشرئب إليه ثم يردها ناكسة الأذقان على الصدور.
الجمال الصوتي للقرآن
أول ما يلاقيك ويستدعى انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
دع القارئ المجوّد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلا بنفسه على هوى القرآن، … ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية، وقد جردت تجريدًا وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جرد هذا التجريد، وجود هذا التجويد.
ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعى من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر، وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر.
بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه أسباب بین وأوتاد وفواصل على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعرُوك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفي على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفي على العرب أنفسهم؟
المُقارنة بين القرآن والشِّعر
إنَّ أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيما منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزّعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس فيه أنا بعد آن،
الترتيب الصَّوتي للحروف القرآنية
فإذا ما اقتربت بأذنك قليلاً قليلاً، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها؛
ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كف أيديهم عنه، بل كان أجدر أن يغريهم به. ذلك أن الناس كما يقول الباقلاني [في كتابه: إعجاز القرآن]: إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلة.
وما أساليب الناس على اختلافِ طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة، ومسالك معبدة، تؤخذ بالتعلُّم، وتُرَاضُ الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع النَّاس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهم شرع في استحسان طريقته، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته؟
ولا ريب أن أول ما تلاقيك هذه المناعة فيما صوَّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجمله وآياته، من نظام له سمت وحده، وطابع خاص به، خرج فيه عن هيئة كل نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه.
(هام جدًّا) أسلوب القرآن لا يسمح بالتَّحريف
فلا جرم لم يجدوا له مثالاً يحاذونه به ولا سبيلا يسلكونه إلى تذليل نهجه، وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس من السابقين منهم أو اللاحقين من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين، لأفسد بذلك مزاجه في فَم كل قارئ ولجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع، وإذا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغل دخيل، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَبٌ عَزِيزٌ * لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدِ} [فصلت: ٤١].
الإعجاز العلمي
تكلَّم الشيخ عن الإعجاز العلمي في كتابه: «مدخل إلى القرآن الكريم»، وخُلاصة كلامه، أنَّ الشيخ دراز لا ينكر وجود حقائق علمية في القرآن، ولكنه يتحفظ عن المبالغة فيها والتعويل عليها بشدة إلا لغرض أنها تُذكَّر بالخالق، فنجده يقول: «القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة، لا يسوق الدروس من التعاليم الدينية والأحداث الجارية وحدها، وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة – لا بغرض دراستها وفهمها في ذاتها فحسب وإنما لأنَّها تذكر بالخالق الحكيم القدير»، ثم يقول: «دفع الحماس بعض المفسرين المحدثين إلى المبالغة في استخدام هذه الطريقة التوفيقية لصالح القرآن، بحيث أصبحت خطرًا على الإيمان ذاته؛ لأنها إما أن تقلل من الاعتماد على معنى النص باستنطاقه ما لا تحتمله ألفاظه وجمله، وإما أن تُعوّل أكثر مما يجب على آراء العلماء وحتى على افتراضاتهم المتناقضة أو التي يصعب التحقق من صحتها وبعد أن نستبعد هذه المبالغات عن البحث، نرى أن من مقتضيات الإيمان التي لا غنى عنها أن نضاهي الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن العلماء نتائج مع المنهجية البطيئة»، وانظر: منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية، السعود العريفي، ط. مركز تكوين. الإعجاز العلمي إلى أين؟ د. مساعد الطيار، ط. دار ابن الجوزي.
المعاني أروع من المباني
إذا نفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي، تجلى لك ما هو أبهى وأبهر ولقيك منه ما هو أروع وأبدع.
الألفاظ … هي أداة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلم إلى نفس المخاطب بها، … ولا شكَّ أنَّها هي أعظم الناحيتين أثرًا في الإعجاز اللغوي الذي نحن بصدده؛ إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان؛ أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام.
الفضيلة البيانية إنما تعتمد دقة التصوير وإجادة التعبير عن المعنى كما هو،
القرآن في قطعة قطعة منه
«القَصْد في اللَّفظ» و «الوفاء بحقّ المعنى»
الذي يعمد إلى ادخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلا أو كثيرًا، … وإما أن يذهب فيه إلى شيء من التفصيل، ولكنه إذ يأخذه الحذر من الإكثار والإسراف.
والذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره؛ وإبراز كل دقائقه بقدر ما يحيط به علمه وما يؤديه إليه إلهامه لا يجد له بدا أن مدًّا؛ لأنَّه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره، ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة، فإذا أعطى نفسه حظها من ذلك لا يلبث أن يباعد ما بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته فتحس بقوة نشاطك وباعثة إقبالك آخذتين في التضاؤل والاضمحلال.
ذلك على أن البلغاء مهما أوجفوا من ركابهم ومهما أجلبوا بخيلهم ورجلهم لا يبلغ الواحد منهم بعمله غاية أمله، وإنما يصل كما قلنا إلى كمال نسبي (بقدر ما يحيط به علمه، وما يؤديه إليه إلهامه في الحال).
وآية ذلك أنك تراه حين يتعقب كلام نفسه في الفَيْنَة بعد الفينة يجد فيه زائدا يمحوه، وناقصًا يثبته؛ ويجد فيه ما يهذب ويبدل، وما يقدم أو يؤخر، حتى يسلك سبيله إلى النفس سويا.
هذا حظ الكلام البليغ عند قائله، فما ظنك بناقديه ومنافسيه؟
ولئن ظفرت بأحد وفّق لتقريب تينك الغايتين إلى حد ما في جملة أو جملتين، فتربص به كيف يكون أمره بعد ذلك وانظر كيف يدركه الكلال والإعياء وفترة الطبع الإنساني فينحل من عقدة كلامه ما كان وثيقا،
سل العلماء بنقد الشعر والكلام هل رأيتم قصيدة أو رسالة كلها أو جلها معنى ناصعًا، ولفظا جامعًا، ونظمًا رائعًا؟!)، لقد أجمعت كلمتهم على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة،
ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدا، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجًا عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك ثم انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها: أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأية كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟ فكتاب الله تعالى كما يقول ابن عطية: (لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم توجد) بل هو كما وصفه الله {كتَابٌ أَحْكِمَتْ ءَايْاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: ١١].
«خِطاب العامَّة» و «خِطاب الخاصَّة»
وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك – إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى؛ … فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفي كلام بلطائف التعبير ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء ميسر لكل من أراد {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر} [القمر: ١٧ ].
«إقناع العقل» و «إمتاع العاطفة»
النفس الإنسانية قُوَّتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا.
وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير وكل امرئ حين يحس ويشعر فإنَّما هو شاعر صغير، فسل علماء النفس: هل رأيتم أحدًا تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟ … كلا، بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال، وكلما تسلطت واحدة منهن اضمحلت الأخرى وكاد ينمحي أثرها. فالذي ينهمك التفكير تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره، وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصدًا واحدا، وإلا لكانت مقبلة مدبرة معًا، وصدق الله: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4].
وأما أن أسلوبًا واحدا يتجه اتجاها واحدًا ويجمع في يديك هذين الطرفين معا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقا وأزهارا وأثمارًا معا، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.
ذلك الله رب العالمين، فهو الذي لا يشغله شأنٌ شأنٍ، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا بلسان وأن يمزج الحق والجمال معا يلتقيان ولا يبغيان وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائعًا للشاربين،
وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟
«البيان» و «الإجمال»
ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوها عدة كلها صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا،
هذا مثل صغير: اقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابِ﴾ [النقرة: الآية ٣١٢]. وانظر هل ترى كلامًا أبين من هذا في عقول الناس ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت في معناها: إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبتَ.
ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد أصبت.
ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر، ولا يحتسب، أصبت.
ولو قلت: إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت.
ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت.
فعلى الأوَّل: يكون الكلام تقريرًا لقاعدة الأرزاق في الدنيا، وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله بل تجري وفقا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين.
وعلى الثاني: يكون تنبيها على سعة خزائنه وبسطة يده جل شأنه.
وعلى الثالث: يكون تلويحًا للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسرا وفقرهم غنى من حيث لا يظنون.
وعلى الرابع والخامس: يكون وعدًا للصالحين إما بدخولهم الجنة بغير حساب، وإما بمضاعفة أجورهم أضعافا كثيرة لا يحصرها العد.
ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العاجب.
وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يسر له؛ بل ترى محيطا مترامي الأطراف لا تحده عقول الأفراد ولا الأجيال.
فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز {ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 91]، وسرُّ ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته، فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد.
ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل: آمنوا بما أنزل الله (على محمد)،
ذلك إلى ما في هذا الحذف من الإشارة إلى طابع الإسلام، وهو دين تفريق وخصومة، بل هو جامع ما فرَّقه الناس من الأديان، داع إلى الإيمان بالكتب كلها على سواء بما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين شيء من كتبه، كما لا نفرق بين أحد من رسله.
ثم انظر إلى التعبير عن القرآن بلفظ {بِمَا وَرَاءَهُ}، فإنَّ لهذه الكلمة وجها تعم به غير القرآن ووجها تخص به هذا العموم ذلك أنهم كما كفروا بالقرآن المنزل على محمد هل كفروا بالإنجيل المنزل على عيسى، وكلاهما وراء التوراة، أي جاء بعدها،
كان مُقتضى السِّياق أن يُقال: (مصدقًا لما أنزل عليهم) ولكنَّه لأمر ما نحى عن كتابهم ذلك اللقب القديم،
فانظر كيف أسعفنا بالاحتراس عن ذلك كله بقوله: {مِنْ قَبْلُ} فقطع بهذه الكلمة أطماعهم وثبت بها قلب حبيبه إذ كانت بمثابة وعده إياه بعصمته من الناس.
ثم انظر إلى النواحي التي أوثر فيها الإجمال على التفصيل، إعراضا عن كل زيادة لا تمس إليها حاجة البيان في الحال فقد قال: إن القرآن مصدق لما معهم، ولم يبين مدى هذا التصديق،… فليبحث علماء التشريع!
وقال: إنهم يقتلون أنبياء الله، فمن هم أولئك الأنبياء؟… ليبحث علماء التاريخ!
وقال: إن موسى جاءهم بالبينات، فكم هي؟ وما هي؟
وقال: إنه أخذ عليهم ميثاقهم فعلى أي شيء كان الميثاق؟
أما هنا فإنك تلمح وراء الكلام قوة أعلى من أن تنفعل بهذه الأغراض قوة تؤثر ولا تتأثر تصف لك الحقائق: خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر.
هذا الطابع من الكبرياء والعظمة تراه جليًّا من خلال هذا الأسلوب المقتصد في حجاجه أخذا وردا، المقتصد في وصفه مدحا وقدحا.
لله ما أعفّ هذه الخصومة، وما أعز هذا الجناب وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين وتالله إن هذا كلام لا يصدر عن نفس بشر.
الإيجاز في القرآن
قلنا: إن القرآن الكريم يستثمر دائمًا برفق أقل ما يمكن من اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني.
قسم علماء البلاغة الكلام إلى (مساو) و(موجز) و(مطلب)، وعرَّفوا المساواة بأنها أداء المعنى بلفظ على قدره والإيجاز بأنه أداء المعنى بلفظ ناقص عنه واف به، والإطناب بأنه أداء المعنى بلفظ زائد عنه لفائدة.
الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل مستورًا أو مكشوفا- بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن.
فإن عمي عليك وجه الحكمة في كلمة منه أو حرف فإيَّاك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظَّانُّون؛ ولكن قل قولا سديدًا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف، قل: (الله أعلم بأسرار كلامه ولا علم لنا إلا بتعليمه)، ثم إيَّاك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء تلك الأسرار قائلًا: أين أنا من فلان وفلان؟.. كلا، فربّ صغير مفضول قد فطن إلى ما لم يفطن له الكبير الفاضل.
فجِدَّ الطلب في وقل رب زدني علمًا فعسى الله أن يفتح لك بابًا من الفهم تكشف به شيئًا مما عمي على غيرك،
البيان في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]
لو قيل: (ليس مثله شيء) لكان ذلك نفيًا للمثل المكافئ، وهو المثل التام المماثلة فحسب؛ إذ إن هذا المعنى هو الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه، وإذا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها، وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء، أو للكواكب وقوى الطبيعة أو للجن والأوثان والكهان فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه، وشرك ما في خلقه أو أمره.. فكان هذا وضع الحرف في الكلام إقصاء للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها، كأنه قيل: ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلا لله، فضلا عن أن يكون مثلا له على الحقيقة،
فإذا زدت فيه كلمة فقلت: (مثل فلان لا يكذب ولا يبخل) لم تكن بذلك مشيرًا إلى شخص آخر يماثله مبرأ من تلك النقائص، بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي، وهو أن من يكون على مثل صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقص الموهوم.
على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الحكيمة قائلة: (مثله تعالى لا يكون له مثل)، تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه،
قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
ذلك أنه (لو) توجهت إرادة الإلهين إلى شيء واحد لتعذَّر عليهما إحداثه، لاستحالة صدور أثر واحد عن مؤثرين.
و (لو) توجهت إرادة أحدهما إلى شيء وإرادة الآخر إلى نقيضه لم يمكن إحداثهما، وإلا لاجتمع النقيضان.
و (لو) توجهت إرادة أحدهما إلى بعض الخلق والآخر إلى بعضه، إذًا لذهب كل إله بما خلق، ولكان هنا عالمان مختلفا النظام، فلا يلبث أن يطغى بعضهما على بعض حتى يتماحقا.
أما آية الشورى المذكورة فإنها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ينقض فرض التعدد من أساسه ويقرر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار. فكأننا بها تقول لنا: إن حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدد والاشتراك والتماثل في مفهومها، كلا، فإن الذي يقبل ذلك إنما هو الكمال الإضافي الناقص، أما الكمال التام المطلق الذي هو قوام معنى الإلهية، فإن حقیقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنينيَّة؛ … فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضتَ؛ إذ تجعل كل واحد منهما سابقا مسبوقا، ومُنشِئًا مُنشَأَ، ومستعليًا مستعلّى عليه أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيد فيهما؛ إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقًا ولا مستعليًا، فأنى يكون كل منهما إلها، وللإله المثل الأعلى؟!
القرآن في سُورة سُورة منه
«الكثرَة» و «الوَحدَة»
زينة تلك الثروة وجمالها، ذلك هو تناسق أوضاعها، وائتلاف عناصرها، وأخذ بعضها بحجز بعض، حتى إنها لتنتظم منها وحدة محكمة لا انفصام لها.
فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلم إلى النظر في السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز.
تنجيم القرآن ودلالته على الإعجاز
أو لست تعلم أن القرآن – في جُلِّ أمره ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة واحدة، بل كان يتنزل بها أحادًا مفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، وأن هذا الانفصال الزماني بينها؛ والاختلاف الذاتي بين دواعيها، كان بطبيعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يدع بينها منزعًا للتواصل والترابط؟
أما العرب الذين تحداهم القرآن بسورة منه فلقد علمت لو أنهم وجدوا في نظم سورة منها مطمعًا لطامع، بله مغمرًا لغامز، لكان لهم معه شأن غير شأنهم، وهم هم.
وأما البلغاء من بعدهم فما زلنا نسمعهم يضربون الأمثال في جودة السبك وإحكام السرد بهذا القرآن حين ينتقل من فن إلى فن.
النظم القرآني في سوره ومجموعه
اعمد إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد وما أكثرها في القرآن، فهي جمهرته – وتنقل بفكرتك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين كيف بُدِئَت؟ وكيف خُتِمَت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت؟ وكيف تلاقت أركانها وتعانقت؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها ووطئت أولاها لأخراها؟
وأنا لك زعيم بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به أكانت هذه السورة قد نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى.
أجل، إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغانًا المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي – لو تَدبَّرت – بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام والالتحام.
بل ليت شعري لو أن هذا الإنسان الغريب الذي جاء القرآن على لسانه كان قد أحصى ما سوف يلده الزمان من مفاجآت الحوادث المستقبلة صغيرة وكبيرة في مدى دهره، ثم قدر ما سوف تتطلبه تلك النوازل من تعاليم الفرقان، فما علمه بالنظام البياني الذي ستوضع عليه صيغة تلك التعاليم؟ ثم ما علمه أي هذه التعاليم سيكون قرينة لهذا الجزء أو ذاك؛ ليتأهب لتلك القرائن قبل ورودها فيودع في كل جزء ساعة نزوله عروة لائقة بقرينته المعينة، حتى إذا قدمت استمسكت بعروتها فازدوجت بقرينها ذلك الازدواج المحكم؟
أي تدبير محكم وأي تقدير مبرم وأي علم محيط لا يضل ولا ينسى، ولا يتردد ولا يتمكث؛ كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها، وهداها في إيَّان تشتتها إلى ما قدره لها، حتى صيغ منها ذلك العقد النظيم، وسرى بينها هذا المزاج العجيب؟
مثال على الوحدة الموضوعية: سورة البقرة
تلك هي سورة البقرة التي جمعت بضعًا وثمانين ومائتي آية، وحوت فيما وصل إلينا من أسباب نزولها نيفا وثمانين نجمًا، وكانت الفترات بين نجومها تسع سنين عددا.
ففيها ذكر تحويل القبلة وذكر صيام رمضان وذكر أول قتال وقع في الإسلام فنزل بسببه قوله تعالى: {يَسْئلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: ۲۱۷] وكل أولئك كان نزولهن في أوائل السنة الثانية من الهجرة. وفيها تلك الآية الخاتمة التي نزلت في آخر السنة العاشرة من الهجرة، وهي آخر آية نزلت من القرآن بإطلاق: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [الآية: ٢٨١]، وفيها ما ذلك.
وإنما نريد أن نعرض عليك السورة عرضًا واحدًا نرسم به خط سيرها إلى غايتها، ونبرز به وحدة نظامها المعنوي في جملتها، لكي ترى في ضوء هذا البيان كيف وقعت كل حلقة موقعها من تلك السلسلة العظمى.
السِّياسة الرَّشيدة في دراسة النَّسق القرآني
فقديما قال الأئمة: (إنَّ السورة مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد يتعلق آخره بأوله، وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة وإنَّه لا غنى لمتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية).
كأبي بكر النيسابوري وفخر الدين الرازي وأبي بكر بن العربي، وبرهان الدين البقاعي، وأبي إسحاق الشاطبي وغيرهم، أما النص المذكور هنا فمستنبط من كلمات للشاطبي في الموافقات، في المسألة الثالثة عشر من الكلام على الأدلة تفصيلا، وقد عرض فيها سورة (المؤمنون) عرضًا إجماليا.
الصلة بين الجزء والجزء لا تعنى اتحادهما أو تماثلهما أو تداخلهما أو ما إلى ذلك من الصلات الجنسية وحسب،
نظام عقد المعاني في سورة البقرة
اعلم أنَّ هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من مقدمة، وأربعة نظام عقد مقاصد، وخاتمة، على هذا الترتيب:
(المقدمة) في التعريف بشأن هذا القرآن، وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم، وإنما يعرض عنه من لا قلب له، أو من كان في قلبه مرض.
(المقصد الأول) في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام.
(المقصد الثاني) في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق.
(المقصد الثالث) في عرض شرائع هذا الدين تفصيلا.
(المقصد الرابع) ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم عن مخالفتها.
(الخاتمة) في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد وبيان ما يرجى لهم في أجلهم وعاجلهم.
المُقدِّمة في عشرين آية (1-20)
الأحرف المُقطَّعة
بدأت السورة الكريمة بثلاثة أحرف مقطعة لا عهد للعرب بتصدير مثلها في الإنشاء والإنشاد؛ وإنما عهدوها من القراء الكاتبين في بدء تعليمهم التهجي للناشئين (أ. ل. م).
تقديمها بين يدي الخطاب مع غرابة نظمها وموقعها من شأنه أن يوقظ الأسماع ويوجه القلوب لما يلي هذا الأسلوب الغريب.
الحديث عن القرآن
ما سيتلى عليه الآن هو خير كتاب أخرج للناس، وأنه ليس في الوجود ما يصلح أن يسمى كتاباً بالقياس إليه: {ذلك الْكِتَبُ} [البقرة: ٢].
فذلكم القرآن هو جماع هذه الفضائل الثلاث: فهو الحق المحض الذي لا باطل فيه، بل هو الحق اللائح الذي لا شبهة باطل فيه، ثم هو بعد ذلك الهدى المبين الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور: {لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى} [البقرة: ٢].
أثر القرآن
ينساق الحديث لبيان هذه الحقيقة العجيبة وهي انقسام الناس في إلى فئات ثلاث فئة تؤمن به، وأخرى كافرة وثالثة مترددة حائرة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
أصناف النَّاس
ولقد كان قصر الانتفاع بهداية القرآن على هذه الطائفة وحدها بعد وصف القرآن بأنه الحق الواضح الذي لا ريبة فيه – حَرِيَّا في بادئ الرأي أن يعد من المفارقات التي تثير في نفس السامع أشد العجب، إذ كيف تكون الحقائق القرآنية بهذه المرتبة من الوضوح ثم لا تنفذ إلى قلب كل من يسمعها؟!
وجب إذًا أن تقرر الحقيقة بصورة حاسمة لكل طماعية وتردد، مريحة للنفس من طلب ما لا سبيل إليه، وأن تبين مع ذلك الموانع الطبيعية من عموم هداية القرآن بأسلوب ينزه القرآن نفسه عن شائبة القصور ويرد النقص إلى قابلية القابل لا إلى فاعلية الفاعل وهل يغض من مهارة الطبيب أن يُعرض المريض عن تناول الدواء منه فيموت بجهله؟
المثلان في مطلع سورة البقرة
فالعهد بالناس أنهم إنما يختلفون في الأمور الغامضة لا في الحقائق البينة، فاختلاف هؤلاء في شأن القرآن على وضوحه يعد شاذًّا عن العادات الجارية محتاجًا إلى وصف تمثيلي يقربه من المشاهد المحس، حتى يطمئن القلب إلى إمكانه.
هذه الأمثال البليغة التي ضربت في المعرضين خاصَّة قد أبرزتهم أمام السامع في صورة محزنة تبعث في نفسه أقوى البواعث لنصحهم وتحذيرهم، حتى إنه لا يشفي صدره إلا أن يناديهم أو يسمع من يناديهم: أن افتحوا أعينكم أيها القوم وتعالوا إلى طريق النجاة. وهكذا استعدت النفس أتم استعداد لسماع هذا النداء {يأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: ۲۱] الآيات إلى آخر المقصد الأول.
المقصد الأول في خمس آيات (٢١-٢٥)
في هذه الآيات الخمس تسمع نداءً قويًّا موجهًا إلى العالم كله بثلاثة مطالب:
1- أن لا تعبدوا إلا الله ولا تشركوا به شيئًا.
٢- أن آمنوا بكتابه الذي نزله على عبده.
3- أن اتقوا أليم عذابه، وابتغوا جزيل ثوابه.
هذه المطالب الثلاثة هي الأركان الثلاثة للعقيدة الإسلامية، تراها قد بسطت مرتبة على ترتيبها الطبيعي من المبدأ إلى الواسطة، إلى الغاية.
وكذلك عادَ الكلام إلى المقصد الأول بأركانه الثلاثة، ولكن في ثوب جديد:
(أما في الركن الأول) فقد سمعته هناك يأمر بعبادة الله، وتسمعه هنا ينهى عن الكفر بالله.
وهناك ذكرهم بنعمة إيجادهم مجملة، وهنا يذكرهم بها مفصلة متممة، وهناك عرفهم بنعمة تسخير الأرض والسماء لهم، وهنا يعرفهم بذلك في شيء من التفصيل.
(وأما في الركن الثاني) فقد ذكر هناك نبوة هذا النبي الخاتم ﷺ وهنا يذكر نبوة ذلك النَّبي الأول آدم، لنعلم أن نبينا لم يكن بدءًا من الرسل، وأن أمر التشريع والنبوات أمر قديم يتصل بنشأة الإنسان.
(وأما في الركن الثالث) فقد رأيته هناك يصف الجنة والنار بما لهما من وصف رائع أو مروع، وتراه هنا يكتفي عن وصفهما بذكر اسمهما وتعيين أهلهما ناظما وضع الأجزية مع وضع التكاليف في سلك واحد، ومتخلصًا أحسن تخلص أحدهما إلى الآخر، بتقرير أن اتباع التكاليف أو عدم اتباعها هو مناط السعادة أو الشقاوة في العقبى.
المقصد الثاني في ثلاثة وعشرين ومائة آية (٤٠-١٦٢)
بحسبك أن تعلم أنَّ هذه السورة هي غُرَّة السور المدنية، وأن المدينة كان يسكنها أشد الناس عداوة للذين آمنوا وأكثرهم جدالًا في دينهم بما أوتوه من العلم قبلهم.
بداية الحديث عن اليهود
(بدأ) الكلام معهم بآية فذَّة (٤٠) هي على قلة كلماتها جامعة لأغراض الحديث كله: ففيها يناديهم بأحب أسمائهم وأشرف أنسابهم ويذكرهم بسابق نعمة الله عليهم إجمالا، ويبني على ذلك دعوتهم إلى الوفاء بعهدهم، ويرغبهم ويرهبهم.
(ثم) رجع إلى هذه الأغراض يفصلها على تدرج وبقدر معلوم فشرح العهد الذي طلب منهم الوفاء به، في ست آيات (٤١-٤٦)، وبين مقدار النعمة التي امتنَّ بها عليهم في آية (٤٧)، ومقدار المخافة التي خوفهم منها في آية أخرى (٤٨).
(وقد بدأ هذا الوصف) بتقسيمهم إلى فريقين علماء يحرفون كلام الله ويتواصون بكتمان ما عندهم من العلم لثلا يكون حجة عليهم. وجهلاء أميين هم أسارى الأماني والأوهام، وضحايا التضليل والتلبيس الذي يأتيه علماؤهم، فمن ذا الذي يطمع في صلاح أمة جاهلها مضلل مخدوع يأخذ باسم الدين ما ليس بدين، وعالمها مضلل خادع يكتب الكتاب بيده ويقول هذا من عند الله.
في قول (راعنا) كلمة ظاهرها الأدب، ولكنها في العربية لها معان أخرى حمقاء، وفي العبرانية كلمة شتم قريبة منها؛ فإن لفظ (رع) عند اليهود معناه شقي شرير، ولفظ (راع) معناه الشر والشقاوة فإذا أضيف إلى ضمير المتكلمين صار بلسانهم (راعينو) ومعناه في الخطاب أنت ضرنا ولعلهم والله أعلم كانوا يلوون ألسنتهم في النطق بها ليقربوها من الصيغة العربية سترا لنيتهم واكتفاء بالرمز المفهوم فيما بينهم.
فيأمر النبي ﷺ بادئ ذي بدء أن يجيب المتسائلين عن حكمة هذا التحويل جواب عزة وإباء، يرد الأمر فيه إلى من لا يسأل عما يفعل،
المقصد الثالث في ست ومائة آية (۱۷۸-۲۸۳)
بسط شرائع الإسلام
لقد تم إصلاح العقيدة التي هي روح الدين وجوهره؛ فليبدأ (تفصيل الشريعة) التي هي مظهر الدين وهيكله..
لقد ختمت آية البر كما رأيت بخصلة من خصال البر، ميزت في إعرابها تمييزا، فكان ذلك تنويها بشأنها أي تنويه تلك خلة الصبر، التي شعبتها الآية المذكورة إلى ثلاث شعب: الصبر في البأساء والصبر في الضراء، والصبر حين البأس.. فهل تعلم أنه الآن وقد بدأ دور التفصيل، ستكون هذه الخصلة بشعبها الثلاث، أول ما تُعنَى السورة بنشره من تلك الخصال، وأنها ستنشرها نشرا مرتبا ترتيبًا تصاعديًّا على عكس ترتيب الطي: الصبر حين البأس، ثم الصبر الضراء، ثم الصبر في البأساء.. وهل تعلم أن هذا النظام التصاعدي نفسه سيتبع في سائر الخصال الوفاء بالعهود والعقود.
ترى من علم محمدًا لو كان القرآن من عنده أنه سوف يستفتى يوما ما في تلك التفاصيل الدقيقة لأحكام الطلاق؟ ومن علمه أنه سيجد لهذا السؤال جوابًا،
يجيبنا الكتاب العزيز: لا رخصة في ترك الصلاة ولا في تأجيلها، لا في سلم ولا في حرب ولا في أمن ولا في خوف: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ۲۳۸] وإنَّما الرُّخصة عند الخوف في شيء واحد: في صفات الصلاة وهيأتها: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢٣٩].
لعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية (معجزات) ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آيه على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات!
الحمد لله رب العالمين
