القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: البط الذي تمنى أن يظل أسود (وسبعون أخريات)، تأليف الدكتور: مهاب السعيد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

البَطّ الذي تمنَّى أنْ يظَلّ أسود (وسبعون أخريات)

تأليف الدكتور: مهاب السَّعيد

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المقالات:

المُقدِّمة: لماذا يقرأ النَّاس؟! 5

أن ترى بخدك! 6

اعتباط الإنسان. 7

الإنسان في عيون الشمبانزي. 8

تتقلَّص مساحاتك الآمنة. 9

2، 4، 6. 9

سُلطة الشَّعر المُجعَّد. 12

البَطّ الذي تمَنَّى أن يظَلّ أسود! 14

مِن سخمت إلى دراكولا. 15

مئة على طاولة المفاوضات.. 16

وَحِيدٌ في كَوْنِكَ الخَاصّ! 17

حاويات الأقنعة على الرَّصيف.. 18

تُطبَّق الشُّرُوط والأحكام. 18

سفينة ثيسيوس.. 19

دوار الصُّورة الكبيرة 20

الرَّجل الذي لا يطير. 22

خمسون مليونًا في الكهرمان. 22

لطخة طين تعيش في مُستنقع. 23

مدفأة الشِّتاء. 24

سِعْر اللَّذَّة 24

جرام مُخّ عشريني.. 25

يانصيب الكلب المرحوم 26

الدَّاخِل. 27

تشريح الجميلات.. 28

بصمات الأقلام. 29

لحم وغضاريف.. 29

قطار ۹۷۷. 29

لأني أبوء بذنبي.. 29

الفراغ الكمومي الأزلي. 30

إلهة البوتاجاز! 31

ثيابي المُتَّسِخَة. 31

مُقايسة الزِّنا 31

لعنة الإنسان الجمهور. 33

قد أحسن. 33

هل هي نَبِيَّة؟. 34

بأي عملة قد تقبل؟. 35

آخر مؤمن على الأرض.. 36

مجاعة في الجامعة. 37

الآخر الوغد. 37

هلع ليلة الكُسُوف.. 38

مِن الجَيِّد أن تشعر بالاشمئزاز. 39

اندهاش ورقة شجر. 40

رميم. 40

لربما هو هناك الآن غضبان. 41

فوضى اليد الغريبة. 41

ظِلّ امتدادك المُزيَّف.. 43

الضُفدع المَيِّت على العرش الذَّهبي.. 44

دعوة للرَّكض المفتوح. 44

عوَّامات إنقاذ تلتصق بالأسنان. 45

ذكرني بشروري. 47

الرجل الأُمَّة. 47

الرُّوزنامة. 48

لِبْس السِّتَّات.. 48

الورق الأخضر50

الدَّرويش.. 51

عسى أن يشعر بالأناقة. 52

غابات المطاط.. 52

لـــو. 52

سعادة التَّفاصِيل. 53

الزَّواج مِن سمكة الرِّنجة. 53

بارافيليا 54

الإسلام يدعي.. 55

خُصٌّ مِن قَصَب.. 56

عاهة. 56

مُتحرِّش شرودنجر. 56

الطَّماطِم اليوم 57

عزيزي المواطن احذر من العاهرات.. 58

جلادستون. 59

 

 

 

المُقدِّمة: لماذا يقرأ النَّاس؟!

هذا طيف واسع من المخلوقات البشرية، طيف واسع من الاهتمامات والقدرات لنا أن نتوقع جميع الأسباب إذن!

يحيى بن مجاهد الزاهد: «سماع الإنسان قوما يتحدثون وهو لا يدري ما يقولون غمة عظيمة».

هناك سبب آخر، الرغبة في الأخذ من كل شيء،

يخبرنا أرسطو بسبب ثالث للقراءة. فحين سألوه كيف تحكم على إنسان؟ قال أسأله كم كتاباً يقرأ؟ وماذا يقرأ؟

بل ماذا عن الدواء؟ كان ابن تيمية ممن يقرؤون للتداوي! فلما مرض وأمره الطبيب بالراحة والكف عن القراءة، قال له: إني أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا سرّت وقويت الطبيعة دفعت المرض؟ فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة!

ما لي لذة ولا راحة في غير النظر والقراءة.

مثلما أنشد سلمان بن عبد الحميد بن الحموي يشرح لنا لماذا يقرأ هو فيقول:

وقائلة أنفقت في الكتب ما حوت… يمينك من مال فقلت دعيني

لعلي أرى فيها كتابا يدلني… لأخذ كتابي آمنًا بيميني

وهناك ابن المبارك الذي كان يقرأ ليجالس أحبابه، كما أجاب من سأله إن كان لا يستوحش من الناس بجلوسه في منزله بأن قال له كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟!

الذين يعرفون كيف يقرؤون هم من سيقودون الجنس البشري كما قال فولتير.

أوليس هكذا هو الإنسان الواحد حتى من داخله؟! كثير، وفريد، ومختلف؟

أطمع أن تجد هنا جميع أسبابك للقراءة،

أطمع أن أنجح في أن أجعل

ربما ستغير من طريقة تفكيرك في الحياة، أو ستجعلك تعايش الكون الواسع بنفس قد صارت أوسع من ذي قبل.

أن ترى بخدك!

الأعمى فاقد عصبه البصري لا يرى أي سواد هو في الحقيقة لا يرى شيئا، حتى السواد لا يراه. إنه وكأنك تحاول الرؤية من خلال خدّك أو إبهامك؟ هل ترى به لونًا أسود؟ هل ترى به شيئًا؟!

الأصم الذي ولد كذلك، بأي لغة يفكر في داخل عقله؟ هل فكرت في ذلك من قبل؟ سألوا الصُمّ عن ذلك فأجابوهم نفكر بأصواتنا الداخلية لم يكن ذلك كافيًا بالنسبة لنا، فأصواتنا الداخلية تتخذ دوما صورة لغتنا الأم، فكيف تكون لهم أصوات داخلية غير خاضعة لأي لغة؟! لا يمكننا أن نتخيل ذلك أيضًا!

مثل سورة النحل التي لم تتحدَّث عن نعمة البيوت الفاخرة ولكن تحدَّثت عن نعمة وُجُود معنى البُيُوت أصلاً، وقدرتها على منح الشعور بالطمأنينة والسكينة ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنَا﴾ [النحل: ٨٠].

مُجرَّد القدرة على التَّبيين والإيضاح وشرح مكنونات النفس للآخرين ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤].

الطَّيف الواسع المُتباين لمشاعرك البشرية البسيطة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]

معنى (الاقتناء) والتَّملُّك ذاته ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]

لا عجب إذن أن تنتهي سورة النجم بسؤال توبيخي من طراز خاص: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥]؟!

اعتباط الإنسان

معظم الأديان لديها تصور عن وقت حلول الروح في الإنسان الجديد في رحم المرأة، لكن من وجهة نظر لا دينية بحتة، ما هي اللحظة الفاصلة في حياة الإنسان؟! متى يمكن اعتباره شيئًا حيا؟

تبدو الإجابة سهلة لأول وهلة، يمكننا أن نفترض أنه يكون حيا بالتنفس معنى ذلك أنه طوال مكوثه داخل رحم المرأة يعتبر شيئًا آخر، … وعلى خلاف ما تظن هناك من يقول ذلك بالفعل ويدعي ضرورة السماح بالإجهاض إلى لحظة الولادة.

في النهاية سوف نفعل ما نجيد أن نفعله، نحدد فاصلا اعتباطيا تمامًا بين الحياة والموت ونتراضى به ونشرع قوانيننا على أساسه، كي نتجاهل حقيقة أننا في مذهبنا المادي لا نعرف فعلا ما الذي يحدد حدود ما هو إنسان بالفعل.

ماذا عن زواج المحارم؟ الفكرة ذاتها تصيب أي إنسان بالتقزز.

حسنا ماذا لو تزوج أخ عقيم بأخته؟ ماذا لو تزوج ابن بأمه التي بلغت سن اليأس ولم تعد تنجب؟ ماذا لو تزوج أخ مثلي بأخيه المثلي بعد إقرار زواج المثليين؟ هل توجد أي محكمة في العالم توافق على مثل هذا الزواج برغم عدم وجود ضرر من ذلك؟

وماذا عن أكل لحم البشر؟ لحظة، أنا لا أتحدث عن قتله، بل أكل جثته الطازجة بعد موته والاستفادة من اللحم لإطعام الدول الفقيرة،

ماذا عن الاغتصاب؟ بعض فقمات البحر تقوم بالاغتصاب بشكل طبيعي، وهناك أمثلة كثيرة من عالم الحيوان على الاغتصاب – ربما هي أكثر من أمثلة المثلية.

نعم.. نعم، بالطبع الاغتصاب يتعلق بحقوق إنسان آخر، بمعاشرة امرأة بدون رضاها لا يمكن السماح بذلك. لكن في الحقيقة نحن لا نملك أي فكرة موضوعية عن معنى كلمة حقوق، أو قيم، أو أخلاق، من المستحيل تأسيس أي شيء من هذا إلا على أساس ديني،

هناك دراسات كثيرة تحاول أن تثبت صحة اليوجينيا، هناك سلالات من البشر أذكى وأجمل من غيرها لأنها متطورة عنها فحسب، كلها دراسات تعتبر علمية بالمناسبة.

لو تعاملت مع الإنسان كما نتعامل مع الجماد، كمجرد شيء، فمن نخدع إذن؟ بالطبع نحن حينها لن نكون متساوين، … بدون وضع الله في المعادلة والذي خلقنا سواسية ويحاسبنا كذلك، فهل يمكننا حقا أن ندعي أن العنصرية فكرة بلهاء؟

لا إنسان، فقط طبيعة وذرات وعناصر وطاقة وإنتروبيا.

إذا لم يكن الله موجودًا فالإنسان غير موجود!

الإنسان في عيون الشمبانزي

هل الإنسان في خلقته مجرد قرد آخر؟

عالمة الأنثروبولوجي «جلينا إيزاك» … بالنسبة لها فالإنسان يتميز عن غيره بقدرته على اختيار الإيثار!

من وجهة النظر الإسلامية يمكنك أن ترى رؤية (مزدوجة) للإنسان فهو ذلك الكائن الذي كان بطبعه: ضَعِيفًا، هَلُوعًا، عَجُولًا، كَفُورًا، قَتُورًا، ظَلُومًا جَهُولًا، أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، وبرغم كل ذلك فهو خَصِيمٌ مُّبِينٌ. وهو أيضًا ذلك الكائن المُتوَّج المُكرَّم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِن الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرِ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٧٠].

الإنسان هو ذلك الكائن القادر على ارتكاب أبشع الجرائم أو القيام بأنبل التضحيات، ذلك الذي يأتي يوم القيامة فيكون خيرًا من الملائكة، أو أخس من الحيوانات، ذلك الذي أخبر عنه الله فقال: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَرَ﴾ [المدثر: ٣٧]

الإنسان ببساطة هو ذلك الكائن الذي بإمكانه أن يختار الطَّبيعة التي يُحبّها لنفسه!

تتقلَّص مساحاتك الآمنة

ستبقى الأشياء دائما بداخلك، تلك الأشياء المخجلة، التي تمنعك من القدرة على النظر طويلا في المرآة.

الثوب الذي دخلت به الدنيا كانت أصباغه أفتح من ذلك بكثير، والأفكار كانت أنقى.

في النهاية سيصير عدد من تقدر على أن تصارحهم بما فيك دون خوف عتاب ولا عدم فهم أقلّ، … من ترد على رسائلهم فور وُصُولها أقلّ مِمَّن يؤملون، … رجل جديد لم تعد تثق فيه لأنَّك سمعت القيل والقال.

هاك بعض ما يمكنك فعله حين تتقلص مساحاتك الآمنة..

أغلق الفيسبوك بعد أن تقرأ منشورًا جميلا قبل أن تصل إلى جوانب النيوزفيد الرديئة. أنه محادثتك مع حبيبك بدون أن تخبره بكل ما في نفسك، اترك بعض مشاعر الحب بداخلك ولا تطلعه عليها. أغلق الكتاب دائما عند أكثر أجزائه تشويقا حتى تعود إليه. … قُم من الجلسة اللذيذة قبل أن تمسخ،

حافظ على مسافات الحماس، احترس من فخ الشِّبع!

كل ما هو دائم شيء جميل، وليس بجميل كلّ ما هو إلى زوال.

في النهاية، ليس بإمكانك أن تهرب من دائرة الانتهاء، يُمكنك فقط أن تختار الطَّريقة التي بها تُحِبّ أن تفنى مِن حولك الأشياء!

2، 4، 6

في ١٩٦٦ قام عالم النفس الإدراكي البريطاني (بيتر كاثكارت واسون) بتجربة شهيرة جدًا غيرت من رؤيتنا للمنطق البشري بأكمله، سميت باسم (Wason selection task)، أو اختصارا بـ بطاقات واسون.

في هذه التجربة يقوم مصمم التجربة بعرض أربع بطاقات على المنضدة للأشخاص موضع التجربة، كل بطاقة عليها لون من جهة، ورقم من جهة والبطاقات معروضة كالتالي: بطاقة حمراء، بطاقة خضراء، بطاقة عليها رقم، وبطاقة عليها رقم ٣.

 بحسب علم النفس الإدراكي فسبب الإجابات الخطأ على هذه التجربة هو في ميل المتعرض للتجربة باختبار (صحة) نظرياته لا (خطئها)!

 والسبب أنه قد تم تضليلهم بافتراض افتراضاتهم الخاصة ثم محاولة إثبات صحتها!

أثبتت هذه التجارب أن البشر يفكرون عادة بما يعرف باسم (الجمع الاختياري للأدلة) Selective Collecting of Evidence، أو ما يعرف بالانحياز التَّأكيدي Confirmation Bias، وهناك اسم ألطف وأكثر ظرفًا لهذه الظاهرة وهو My side bias وتعني الانحياز للجانب الخاص بي!

ذكرني ذلك بالقصة المشهورة عن عالم الأحياء (أوجست وايزمان) الذي أراد إثبات خطأ النظرية اللاماركية في توارث الصفات المكتسبة والتي تفترض ببساطة أن الخلايا الجسدية المتعرضة لإصابة أو تغير من البيئة تمرر هذه الصفة للأجيال القادمة، كان (لامارك) يفترض أن هذا هو السبب وراء نشوء الأنواع المختلفة في شجرة الحياة قبل مجيء (داروين).

ما فعله (وايزمان) أنه أحضر ٦٨ فأرًا أبيض وقطع ذيولهم، وانتظر الجيل التالي منهم، وجدها كلها بذيول سليمة غير مقطوعة. هل هذا يثبت خطأ النظرية اللاماركية؟ للأسف لا! فالنظرية لم تفترض وقتًا معينًا لتوريث الصفة المكتسبة، بل افترضت إمكانية أن يحدث ذلك في أي جيل!

دعا (كارل بوبر) فيلسوف العلوم الأهم في القرن العشرين هذه الخاصية في النظريات الخاطئة بـ عدم القابلية للتخطئة. واعتبر أن شرط صحة أي نظرية علمية هو في الـ Falsifiability، أي تقديم النظرية لطريقة يمكن بها إثبات خطئها.

تجربة (وايزمان) ذكرتني بتلك المناظرة التي عُقدت بين رجلين أحدهما ملحد، والذي سُئل من مناظره: ما هو الدليل الذي لو حدث لك ستؤمن بوجود الله؟

قال الملحد، أن أدعو الله فأطلب منه أن ينزل نيزكاً على جاري بطريقة معينة وفي ساعة معينة وفي يوم معين ثم يحدث ذلك. فقال له المؤمن ولكن ما زال من الممكن أن يحدث ذلك مصادفة وليس إجابة لدعائك. فقال له: نعم، بالفعل من الممكن ذلك، أسحب ما قلته!

لا أذكر عدد من قابلتهم من الشباب الملحدين الذين تميزوا بهذه الخاصية في التفكير الثقة الشديدة من أنهم على صواب، والمشكلة الأكبر اعتبار وجود هذه الثقة لديهم دليلا على صحة ما يعتقدونه.

بالنسبة إليهم، فما معنى أن تكون الحقيقة الكاملة المطلقة التي تفسر الوجود بأكمله يتسرب إليه فيها بعض الشكوك والتفكير؟ هو يرى أن إمكانية الشك يعني خللا في نسيج اليقين الكامل، وثغرة في بناء الإيمان، وعيبا في الفكرة الدينية!

ولأن نظريته الخاصة بالإلحاد لم تقدم وسيلة يمكن تخطئتها بها، لذلك فهي عنده صحيحة دائمًا، والجمع الانتقائي للملاحظات المتفقة لن يتوقف سوف يجد دائمًا ما يدعم افتراضاته الخاصة التي وضعها، وسوف يتعمد عدم انتقاء أي ورقة خضراء يمكنه لو قلبها أن يرى خطأ فكرته واضحًا أمام عينيه!

بالنسبة للمؤمن فقد قدم لك كل إمكانيات تخطئته لو كنت تقدر على تخطئته!

وبالنِّسبة للمُلحد فالشيء الوحيد الذي سيؤكد أن نظريته خاطئة هو أن تريه الله جهرة، وما كان الله أن يرينا نفسه جهرة، إنه في غنّى كامل عن إيمان المتكبرين المغرمين عليه، هؤلاء المنقادين بأغلال حواسهم الأنفين من دلائل عظمة ربهم في الوجود.

هل يجعل ذلك الملحد في طمأنينة من إلحاده؟ نعم، بالتأكيد، ربما طمأنينته أكبر من طمأنينة بعض المؤمنين حتى إنها طمأنينة الغافل عن إمكانيات خطئه، المائل إلى جانبه المفضل، (المتأكد دائما – ليس لأنه على صواب، ولكن لأنه يختار الانحياز إلى ما يؤكد كلامه!

كطمأنينة هؤلاء الذين أخبرنا الله بهم: {الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَتِنَا غَافِلُونَ} [يونس: ۷]

سُلطة الشَّعر المُجعَّد

(الباروكة المُجعَّدة) أو Frizzy Wig Experiment هي تجربة نفسية شهيرة من تصميم عالم النفس الأمريكي Elliot Aronson. في هذه التجربة يقوم بإعداد مقابلات عمل لمجموعة من الرجال مع امرأة جذابة. المرأة لديها شعر مستعار مجعد قبيح الشكل، ترتديه لتصبح قبيحة إن أرادت مع بعض الـ Makeup اللازم. نصف المتقدمين يقابلون النسخة الجذابة منها، نصف المتقدمين الآخر يقابلون النسخة القبيحة ذات الـ (باروكة). ثم تعطي هؤلاء وهؤلاء تقييمات – إيجابية للبعض وسلبية للبعض.

الذين قابلوا المرأة الجميلة سجلوا أنهم شعروا بالسعادة حين تلقوا تقييمات إيجابية منها، والذين تلقوا تقييمات سلبية حرصوا على التسجيل معها مرة أخرى لإعادة المقابلة ومحاولة تغيير انطباعها عنهم، بينما الذين قابلوا المرأة القبيحة لم يبالوا فحسب بتقييمها، سواء كانت إيجابية أو سلبية.

لقد كانت نفس المرأة بذات الطباع، ولكن الشكل الخارجي لها غير من طريقة تلقي هؤلاء الرجال لأنفسهم بناء على كلمات يسيرة تتفوه بها من فمها!

في دراسة مسحية على مجموعة من الطلاب والطالبات الجامعيين تم سؤالهم عن الشيء الذي من المرجح أن يزيد من فرص رغبتك في موعد ثان في حالة مقابلتك لأحدهم بشكل مرتب Blind date.

ولكنهم رفضوا بشكل جماعي ملحوظ أن يكون للشكل الخارجي أي تأثير في ذلك. من وجهة نظرهم إنه لأمر سطحي أن تحكم على إنسان من خلال شكله الخارجي.

التوائم المتماثلة Identical Twins متطابقون شكلا وليس مُجرَّد تشابه، نتحدث عن نسبة تطابق قريبة من100% في المُحتوى الجيني، نتحدث عن شكل جسدي واحد، نبرة صوت واحدة، قامة واحدة، ووجه مُتطابق تمامًا.

أنا مُتزوِّج من ٨ سنوات وعلاقتي بزوجتي على ما يرام، ولكن توأم زوجتي مجنونة تماما، وهي واحدة من أسوأ البشر الذين عرفتهم في حياتي».

أعشق زوجتي، وأما توأمها فأتمنى لو استطعت إلقاءها تحت عجلات القطار.

أحيانًا أسأل نفسي إن كنت سأقع في غرام توأم زوجي لو كنت قابلته أولا، لكن الحقيقة أن لا فطباعنا مختلفة تمامًا.

لا أستطيع التفرقة بين زوجي وتوأمه حين نسير في الشارع، لكن حين نجلس سويًا وتتبين شخصية كل منهم أشعر أنه لا يوجد أي تشابه بينهما وأجده غير جذاب إطلاقا.

من الواضح أن العلاقات طويلة الأمد لدى البشر أعمق من مجرد انطباعات سريعة تتعلق بالشكل الخارجي.

 بالرغم من كل ما ندعيه، فالشكل الخارجي يجذبنا بالفعل، ويلوي أعناق قلوبنا ولو لفترة (مؤقتة).

ولكن مع اليوم والاثنين والشهر والذي يليه، يبدأ الإنسان منا في التحكم بمجريات الأمور ويأخذ دفة القيادة عن الطبيعة المادية الحيوانية فينا نبدأ في إدراك ما هو أعمق من تلك الظواهر، والتي لا تكون خادعة فقط، بل ومخدوعة أيضًا!

نُمحِّص إعجابنا المبدئي بالمزيد من التَّدقيق، … فحينها سوف نفطن إلى أن الشكل وحده لا يكفي للشعور بالامتلاء بالحب سوف تنظر إلى توأم شريك حياتنا المتماثل بكل نظرات الاغتراب.

الحُبّ هو السَّكينة والطَّمأنينة والرَّاحة في أحضان من تُحِبّ، وفيما يتعلَّق بدوام وصِحَّة العلاقة طويلة الأمد فالقشرة الخارجية سُرعان ما تفقد تميُّزها وسط المعايير الأبقى والأقدر على التَّأثير مِن الشَّعْر المُستعار المُزيَّف.

البَطّ الذي تمَنَّى أن يظَلّ أسود!

أذكر أنه في اللقاء الرباعي الذي عقده كريستوفر هيتشنز في بيته مع سام هاريس ودانيل دانيت وريتشارد دوكنز، والذين أطلق عليهم الفرسان الأربعة للإلحاد الجديد، تلك التسمية التي كانت محاكاة ساخرة لفكرة فرسان القيامة الأربعة في سفر رؤيا يوحنا. في هذا اللِّقاء تجادل (ريتشارد دوكنز) يوم داعية الإلحاد الأشهر مع (كريستوفر هيتشنز) الذي يعد أوقحهم وأعنفهم جميعا في فكرة: هل يتمنون انتهاء الدين من الوجود؟

كان هيتشتز يجادل أن: لا، هو لا يتمنى انتهاء الدين من العالم، لأنه بدون طرف الدين لن يكون لما يفعلونه معنى!

لاحظ أن الكتاب الأشهر لهيتشنز عنوانه: (الله ليس عظيمًا، كيف يُسمِّم الدِّين كلّ شيء تقريباً). أي إن الكاتب الذي كتب عن أن الدين هو الذي سمم كل شيء في العالم لا يتمنى نهايته لأنه يريد شيئًا يبقيه في دائرة الضوء.

لكن الواقع أن كلا منهم لم يسطع نجمه بشكله الحالي إلا بعد مرحلة معينة من حياته ارتبطت بالإلحاد وبمهاجمة الأديان، سام هاريس بعد كتاب (نهاية الإيمان) في ۲۰۰٤، دوكنز بعد (وهم الإله) في ٢٠٠٦، ودانيت بعد (كَسْر السِّحْر، الدِّين كظاهرة طبيعية) في نفس العام.

هناك (أ. ح.) الذي أفل نجمه الآن لحسن حظ المنطق والحس الجمالي العام. لم يكن يجيد فعل أي شيء تقريبا ولكنه أجاد إقناع المهتمين من أصحاب الأموال أنه مروج جيد للإلحاد في مصر مع مجموعته البائسة المُسمَّاة بالبَطّ الأسود،

كما هو حال مروجي الإلحاد لا يجيد أي منهم ما يتقاضى أجره ليعمله بالفعل.

في المشاجرة الأخيرة بين (أ. ح.) وبين زوجته السابقة الملحدة (ن. م.)، ذكرت طليقته أنه كان قد اتفق معها أثناء علاقتهما على خطف فتاة ملحدة قاصر تبلغ من العمر ١٦ عاما من أهلها لتعيش معهم في علاقة جنسية ثلاثية، وأنها لما هددته بنشر ذلك انزعج بشدة لأن هذا سيضايق فلان والذي هو الداعم الأساسي ماليًا له. ذكرت أيضًا عنه أنه أعد كتيبة إلكترونية لتعلق على منشوراته على فيسبوك بانزعاج أو بتأييد لما يكتبه، حتى يبدو أمام داعميه في الخارج أنه ما زال مؤثرًا في عقول الشباب، حتى لا يتوقف المال.

ولكن ما سيجيدون إخفاءه أن كل هذا لن يكون له معنى لو لم يكن هناك ما يمكن أن يُلحَدَ به!

يُمكنك أن تتأكَّد أنَّ المُستفيد الأكبر من هذه الأرواح الشريرة سوف يكون ذلك الذي يتقاضى مرتبه مقابل أن يطاردها.

مِن سخمت إلى دراكولا

هناك مصاص دماء دائمًا في ثقافة كل شعب كما علمنا الدكتور الراحل / أحمد خالد توفيق.

وبالطبع في النهاية هناك الشخصية الحقيقية (فلاد المخوزق) حاكم والاشيا الذي سموه مصاص الدماء لأنه كان،سفاحًا، فاستلهم منه (برام ستوكر) روايته الخالدة (دراكولا). والذي تسلل تراثه إلى عدد خرافي من الروايات والأفلام صانعا المزيد والمزيد من الأساطير المطوّرة.

وبرغم أنه غير موجود في الواقع إلا أن هذا لا يمنع من نسج الأساطير بهذا الإتقان الثري،

فما بالك بتلك الفكرة ناصعة البياض اللامعة في وجدان كل بشري الدال عليها كل منطق وكل استدلال عقلي نظر إلى الوجود فعلم أنه لا بد له من صانع؟!

لذلك فبحسب كتاب (نمو الدين) لـ جوزيف مكيب – الصادر في 1918، فإن رأي السير (مونير مونير ويليامز) بروفيسور اللغات السنسكريتية في جامعة أكسفورد وجماعة من الباحثين أن: «التوحيد متقدم على كل صور الشرك التي ظهرت لاحقًا، فالديانة الهندية مثلا بدأت بحسب نصوص في (الفيداس) بالتوحيد ثم تحللت إلى صور متعددة للشرك».

وجاء في مقال بعنوان (أصل الدين وتاريخه المبكر) في دورية (الإنسان البدائي) Primitive Man الصادرة عام ۱۹۲۹ عن معهد (جورج واشنطن) لدراسات الأعراق البشرية: «يظهر أن تاريخ الدين عبارة عن تحلل أو انحراف من صورة مبكرة خالصة ونقية من التوحيد».

حسنا، يا سيدي، من الواضح أنه ليس عليّ أن أفقد كل أسطورة في العالم كي أخلص إيماني من السخافات يكفيني أني لم أؤمن بأي خرافة، بأي تحريف بأي زيادات خيال إنسان واهم!

الله واحد! كل شيء يصرخ بذلك، نمط خلقه الموحد، اتساق الكون بإرادة قاهرة واحدة.

مئة على طاولة المفاوضات

تلقيت رسالة تقول: (تلح عليّ الرغبة في خلع الحجاب وأن الآية في القرآن لا يتضح فيها أنه فرض، هذا غير أن واحدة من زميلاتي خلعت الحجاب قريبا وشجعها الجميع، فالصراحة الظروف مناسبة جدًا لأخذ قرار الخلع، أريد شيئًا يمنعني من ذلك ولا أجد)!

ما الذي يمنع السائلة من خلع الحجاب؟ لوم من سيلوم سينتهي بعد أيام قليلة، وفرح من سيفرح بها على الأرجح سوف يدوم أطول. ويمكنها دوما أن تقول لذلك الجزء اللائم من وجدانها إن القرآن لم يكن واضحا في الأمر، هي تعلم أن الأمر ليس كذلك،

هل تعلم كم يكلف في زماننا هذا البقاء على الفطرة أو التمسك بالحياء؟! لم تعد الفطرة هي الطبيعة.

زمان المادة! زمان {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أوْ تَأتِينَا آيَة}، زمان التَّكذيب بما لم نُحِط بعلمه، والزَّهو بكُلّ ما أوتينا مِن عِلْم.

في زمان كهذا تقوم الفتاة بشيء ضد الطبيعة المادية التي تشكل شطر الإنسان تختار بكامل قواها العقلية أن تغطي جزءًا معتبرًا من جمالها، أن تصبر على أن تنحصر ملابسها في أقل من عشر الموضة العالمية، وأن تضع مقدارًا من الملابس أكبر مما يطيق جسدها في يوم الحر الشديد. تختار أن تتميز وتختلف عن الغالبية العظمى من نساء العالم واللاتي قربهن إليها كل قنوات الاتصال المفتوحة.

تختار أن تحارب وحدها، وبعلمها الذي قد يكون بسيطًا أمام كل تلك الأسئلة التي يطرحها عليها وجدانها قبل أن تطرحها الفضائيات، وفي كل مرة تتساءل عليها أن تفوز في تلك المناظرة المعقودة داخل عقلها، في أحد طرفيها تقف وحدها وفي الطرف المقابل يقف كل شيء آخر، وتكاد لا تجد على نفسها معها من معين نراها نحن هادئة وهي تدخل ذات المعركة داخل نفسها كل يوم، ومع كل يوم تصير أضعف، ويصبح جيش عدوها أكثر عددا وعتادًا، ثم تخرج في كل يوم منتصرة!

هناك مئة سبب للفتاة لكي تخلع عنها حجابها، وسبب واحد يمنعها! فكل احترامي لتلك التي لم تعبأ بالكثرة، وأدركت أنه برغم كونه سببًا واحدًا فهو السبب الوحيد المستحق لأن يوضع على طاولة المفاوضات!

أيتها السائلة العزيزة، ليس لدي الكثير مما أقوله لك لأنني لم أدخل نفس اختبارك، ربما الله يعلم أني لم أكن لأنجح لو كنت مكانك. لا أعلم، لا أثق في كثير من الأشياء مؤخرًا، هاك واحدة من تلك الأشياء القليلة التي ما زلت على ثقة تامة بها: الله يعلم منك صبرك.. الله لن ينساها لك!

وَحِيدٌ في كَوْنِكَ الخَاصّ!

في غالب الأحيان لا تكون أهمّ شخص في المكان الذي تجلس فيه، … وعلى كل حال وبشكل عام جدا، فأنت كومبارس المسرح الذي لا يكاد يظهر من خلف الكواليس ولكنه يظن نفسه بطلا للمسرحية.

ولكنك لست كذلك في رأسك!

العالم يبدو لك هامشا على محور أفكارك، ويكون العالم حقيقيا فقط بالقدر الذي تودعه فيه من فيض مشاعرك الخاصة، وحين تتوقف عن الشعور – بالنوم أو الموت – فالعالم يتوقف بالنسبة إليك، حركاته الدائرة لا تعني لك شيئًا. … أنت لا تعيش في الدنيا مع الآخرين، أنت تسمح للآخرين بالعيش على حاشية دنياك الخاصَّة.

سوف ترهقك هذه المفارقة دائمًا الأمور لا تبدو بنفس النظرة الضيقة التي كنت تحسبها، هي في حقيقتها أوسع مما كان في ذهنك المحدود بالكيلوجرام والثلث من خلاياك العصبية الخاصة. … مواقفك المحرجة التي تعرضت لها في حياتك تقض مضجعك أنت فقط بالليل، بينما قد نسيها الجميع، وخطاياك لن تطارد أحدًا سواك في الدنيا أو في الآخرة.

ستصيبك الدهشة من ذلك فقط إلى أن تلاحظ أن هذا هو المفترض أن يحدث في كون خلقه الله يحيا فيه الجميع ليحاسب كل واحد منهم على كونه هو!

حاويات الأقنعة على الرَّصيف

الدنيا محطة قطار أكبر من أن تبدو كذلك، لا يوجد فيها إلا ركض ولهاث وندم على أمتعة كان يمكن لها أن تكون أخف.

وكان النبي ﷺ دائمًا ما يدعونا إلى أن نكون في الدنيا كعابري السَّبيل.

تُطبَّق الشُّرُوط والأحكام

المادَّة تُحوِّل الإنسان إلى صُورة مُشوَّهة من ذاته!

كلّ مَن يتحدَّث عن الرُّوح دعاك إلى الزُّهد، … كلّ الأفكار الرُّوحية -الدِّيني منها واللا ديني- حرصت على الزُّهد. إنَّها طريقة الإنسان للشُّعُور بذاته في عالَم المادَّة. الشُّعُور بأنَّه ليس مادَّة!

في الإسلام يذم الله هؤلاء الذين يحبون العاجلة! يعنف القرآن من يحبون اكتناز الذهب والفضة، يمدح النبي ذلك الذي أعطاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق! يدعوك الله دومًا ألا تكون طبيعيًا، أن تتعالى على الجمادات البراقة، أن تعتبر نفسك فوق المادة.

الدين عمومًا في مجمله هو تدريب طويل على الزهد في الدنيا، محاولة للارتقاء على المادة وأغلب الناس لا يفهمون ذلك ولو فهموا لا يفعلون، لأن الطبيعي أن تكون طبيعيا، بينما الإنسان الكامل هو من نجح في الخروج من الطبيعانية التي تصبغ كل شيء آخر من حوله!

سفينة ثيسيوس

في تجربة فريدة من نوعها في ۲۰۱۰ قام فريق تابع لمختبر متخصصة العلوم الإدراكية في الأكاديمية الأمريكية للعلوم (لورا شولز) بإظهار صندوق زجاجي شفاف لأطفال رضع (عمرهم ۱۵ شهرًا تقريبا)، يحوي كرات زرقاء كثيرة وكرات صفراء قليلة، الكرات الزرقاء تصدر صوتا عند الضغط عليها، والكرات الصفراء لا تفعل.

كانت الكرات الزرقاء في الصندوق كثيرة لدرجة تسمح بالتقاطها عشوائيا باحتمالية كبيرة، كانت المساعدة الخاصة بها تسحب كرة زرقاء من الصندوق وتضغط عليها أمام الطفل فتصدر صوتا، ثم تفعل ذلك في كرة زرقاء أخرى، ثم أخرى، ثم تخرج للطفل كرة صفراء وتعطيها له. ضغط ۸۰٪ من الأطفال على الكرة الصفراء حينها لأنهم توقعوا أن كل الكرات في الصندوق تصدر صوتًا عند الضغط عليها.

أعادوا التجربة هذه المرة فالصندوق يحوي كرات صفراء كثيرة وكرات زرقاء قليلة، (تختار) المساعدة كرة زرقاء فتضغط عليها فتحدث صوتًا ثم كرة زرقاء أخرى ثم أخرى، ثم تخرج كرة صفراء للطفل وتعطيها له. هذه المرة فـ ٣٣٪ فقط من الأطفال من ضغطوا على الكرة، إذ افترض معظم الأطفال أن نسبة الكرات الزرقاء القليلة في الصندوق غير كافية لتعميم صفتها على باقي كرات الصندوق!

نعم، كان الأطفال الذين تعلموا السير بالكاد يطبقون قواعد الإحصاء الخاصة بالعشوائية والاحتمالية ومتوسط القيم والانحراف المعياري قبل حتى أن يتعلموا الكلام يملكون المبادئ العقلية الضرورية التي تخبرهم متى يفترضون أن القاعدة عامة ومتى يفترضون أنها شذوذ!

هُناك مُعضلة فلسفية شهيرة طرحها الفيلسوف اليوناني (بلوتارخ) منذ ألفي عام تعرف باسم (سفينة ثيسيوس)، حيث (ثيسيوس) ذهب لقتل وحش المينوتور، وأثناء عودته تم إصلاح سفينته فاستبدلت جميع ألواحها بألواح خشبية جديدة هنا يسألنا (بلوتارخ)، لو تم استبدال لوح من السفينة لقلنا إن السفينة كما هي، ولو تم استبدال اثنين لقلنا ذلك أيضًا. ولكن لو تم استبدال ألواح السفينة بالكامل فهل ستظل هي هي سفينة ثيسيوس؟!

ثم أضاف (توماس هوبز) للمعضلة بعدًا جديدًا، افترض أننا استخدمنا كل ألواح السفينة القديمة لعمل سفينة جديدة، هل ستصبح السفينة الجديدة هي ثيسيوس؟!

ثم اخترت أن تقنع نفسك أنه من الأيسر لك أن تؤمن بالفوضى الكونية لمجرد أنك وجدت حلقة مفقودة في النظام، أن تقنع بعبثية الحياة لأنك عجزت عن تفسير بعض أهدافها، أن تتبنى عدمية القيم لأنك تضايقت من بعض الشرور، أن تقفز إلى محيط الخواء والوهم لأنك تشككت في بعض حبات رمل الساحل أمام بنائك المتكامل شاهق الارتفاع؟!

الأناقة المُقدَّسة

من أكثر ما أحبه في القرآن كأسلوب إنشائي بلاغي أنه أنيق!

بداية من أسماء السور بالكلمة المفردة الموحدة القوية المتصلة بفكرة محورية أو متفردة في السورة.

ثم في النهاية خواتم السور التي عادة ما تكون أجمل ما فيها، تتفاجأ فيها أن ما كان يبدو عشوائيا لم يكن كذلك،

ثم هناك أناقة التفرد كل سورة لها طابع خاص بالتأكيد مذاق سورة يوسف غير سورة النساء غير محمد غير النحل. لا يمكنك أن تخطئ ذلك المزيج الحريف المميز لكل خلطة في كل سورة منه!

كل هذه الأناقة مع كون القرآن نزل مفرقا وقليلة هي سوره التي نزلت جملة واحدة وإعادة الترتيب كانت متأخرة عن نزول آياته، ومع ذلك تموضعت کل آياته بكل هذا البناء الهندسي اللطيف.

وكونه في النهاية تجربة خاصة بك أنت، يجيب عن كل سؤال لك قبل أن تسأله ويتجول في خاطرك حين يجول بك خاطرك بعيدا عنه؟

دوار الصُّورة الكبيرة

بعدما طلق (جيف بيزوس) زوجته في عام ۲۰۱۹ خسر ربع ثروته لها، ومع د ع ذلك احتفظ بلقب أغنى رجل في العالم برصيد ١١٥ مليار دولار تقريبًا! لا أذكر الرقم فعلا ولكنه كان قريبًا من هذا، هل هو ١١٤؟ هل ١١٧؟ ربما! لا أعلم. هل يختلف الأمر بالنسبة لك؟ بالقطع لا. هو مئة و (شوية) بالنسبة لنا، لكن الحقيقة أننا نتحدث عن اختلافات ببضعة مليارات من الدولارات، يمكنها شراء كل سيارة تسير في مدينتك ويتبقى مبلغ كاف لشراء كل منزل أيضًا!

كم مات في الحرب العالمية الثانية؟ في ذاكرتي أن العدد كان ٤٤ مليونا من البشر. جوجلتها الآن وفي ذهني أني سأحصل على رقم محدد، فوجدت أن المُبَجِّل جوجل لا يعرف بالظبط، ويخبرني أن الرقم ما بين ٥٠ و ٧٠ مليونًا، لأنه لا أحد يعرف بالظبط لا نسمع هذا فلا نندهش، هناك هامش يبلغ ۲۰ ٢٠ مليونا لا يدهشنا لأنها مجرد إحصائية تخيل لو مات جميع سكان قارة أستراليا فجأة هذا هو حجم الرقم (الهامشي) الذي نتحدث عنه.

لو كان من وصف جامع للزمان الذي نعيشه فهو زمان الأعداد الكبيرة!

النموّ الأُسي سمة مميزة للمعرفة البشرية، كل المعرفة التي قدمها الإنسان حتى عام ۱۹۰۰ تضاعفت في ١٩٥٠، ثم تضاعفت مرة أخرى في ١٩٦٠، وتتضاعف كل سبع أو ثمان سنوات. ويذكر العالم الأمريكي (جاليوس روبرت أوبنهايمر) أن التقدم التكنولوجي الذي حدث في آخر ٤٠ عامًا يفوق التقدم الذي حدث في آخر ٤٠ قرنًا،

مُجدَّداً.. ماذا تعني الأرقام الصغيرة حقا حين نتحدث عن الملايين المليارات، التريليونات من الأشياء؟ ماذا يعني الواحد والعشرة والمئة؟ مجرد هامش إحصائي يمكن إغفاله حرفيًا دون أن تتأثر أي معادلة دون أن تخطئ في أي منطق.

إحصائيا، أنت لا شيء في هذا الكون الفسيح.

جزء أصيل من حبك للإله وتعلقك به ينبع من كون الله هو الضمانة الوحيدة لتفردك ذلك الإله الذي أحصانا وعدنا عدا، الذي سيكلمه كل واحد منا بشخصه ليس بيننا وبينه ترجمان، الذي يحدثنا أنه لن يضيع عمل عامل منا، ويخاطبنا بصيغة المفرد المحببة التي اشتقنا إليها في كل هذا العقل الجمعي المنصهر، فيقول: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئنَةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: ۲۷، ۲۸].

علاقتك الخاصة بالله هي ضمانتك الوحيدة للتحلي بالأناقة الروحية التي يحتاج إليها كل من يشتاق إلى أن يكون شيئًا خاصًّا!

الرَّجل الذي لا يطير

حرفيًا يمكن بالتلاعب ببعض القيم الرياضية الخاصة بفسيولوجيا ومكونات العين، أن تنتج عينا تستطيع أن ترى ذبابة تطير على بعد كيلومترات أمامك.

هل كان هذا ظلم من الله ألا يفعل لنا ذلك؟ سؤال يستحق الاهتمام!

نتقبَّل ألَّا نستطيع الطيران لأنه ليس من المفترض أن نطير، لكننا نجد صعوبة في تقبل أن نجد رجلا أعرج، نقول: لماذا جعله الله يعرج؟ من المفترض له أن يتحرك بسهولة مثلنا.

أو تعلم ماذا؟ لم يكن أحد منا سيتساءل عن موقع رحمة الله من عرجة الرجل لو كُنَّا جميعاً نعرج!

في الحقيقة، لا يشكل علينا أن الله يحرم أحدًا، ما يشكل علينا حقًا هو أنه أعطى ما حرم ذلك الرجل منه لآخرين!

كان يعلم الله ذلك منا حين أجابنا وذكر وقرَّر وكرَّر: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣].

خمسون مليونًا في الكهرمان

هل فكرت من قبل فيما يخبروننا به عن أعمار الديناصورات أو الحفريات المحفوظة في الكهرمان في متاحف التاريخ الطبيعي؟

الكهرمان هو مادة صمغية متحجرة من إفراز الغابات الصنوبرية المُنقرضة من قديم الزَّمان، أحيانًا تحبس هذه المادَّة الصمغية حشرة ما،

وفي النهاية لا يوجد ما يضمن بشكل نهائي العمر الدقيق لأي حشرة منها، ولكن الأرقام التقديرية تشير إلى الملايين!

يأخذنا ذلك إلى ما هو أبعد أقدم حياة معروفة على وجه الأرض يُقدر عمرها بـ ٣.٥ مليار سنة من جديد نحن نتحدث عن رقم لا يمكن تخيله. عمر الأرض ٤٠٥ مليار سنة، الصخور التي تراها في الجبال والمياه التي تراها في المحيطات كانت هنا منذ حوالي ٤ مليار سنة، لو ضغطنا هذه المدة من الآن وحتى لحظة تكون الأرض في ٢٤ ساعة، فالبشر ظهروا على هذا الكوكب في آخر دقيقة من اليوم كله. وتم اختراع الكتابة في آخر ٤ ثوان فقط!

هل ما زلت قادرًا على أن ترى الله بنفس النظرة السطحية الغبية إياها؟ ألا تتخيل عظمته أو تأخذك الجلالة لقدره وقدمه؟

هل ما زلت تتمحور حول ذاتك وتدور في فلك رغباتك بعد أن عرفت أنك – منطقيًا، بيولوجيا، حسابيًا أقل من أن تكون شيئًا مذكورًا؟

لطخة طين تعيش في مُستنقع

وربما يأخذ طريق الله ولكنه كان يجهل أنه لم يصل بعد، ولن يصل أبدا، فيبدأ في الظن بأنه قد صار تابعًا لفئة ما فئة الصالحين ربما حينها كيف يتسامح مع ضعفه وأخطائه التي لم تتوقف أبدا يوم أخذ قرار الرغبة في الوصول؟ … يقع في الإحباط حين يفطن إلى أن طريق الاهتداء الذي سلكه وجده مليئا بأنواع جديدة من الضلالات!

اختبر من نفسه أسوأ أنواع المشاعر تلك التي نحرص على إخفائها جيدا، تلك التي لن نسامح أنفسنا إن تسربت إلى الناس.

من يقدر على أن يخرج كل أفكاره السوداء للعالم دونما وجل هو رجل أفكاره ليست بهذا السواد.

حين جهل كل ذلك من نفسه نسي أن الله هو الذي أحب أن يخلق إنسانًا ضعيفا أمام نفسه، وفوّت على نفسه تلك الفرصة الذهبية في أن يكون إنسانا خجولا، يقوم بالفظاعات طوال الوقت فيقوم متعثرا ويكمل طريقه مترنحا ويموت وهو على الاتجاه الصحيح.

كان هشًا يأبى أن يكون كذلك! ولأنه كان يفعل كل ذلك لم يعلم أن هشاشته كانت تحتاج إلى رأفة، وأن الرؤوف لا يكسر عوداً ضعيفًا كان يبحث عن جابره.

مدفأة الشِّتاء

ببساطة توجد صورتان من الحب الرومانسي!

الصورة الأولى يمكن تسميتها بالحب العذري. لماذا هو حب عذري؟ لأنه لم يُختبر بعد!

أتدري ما أكثر ما يُميِّز النَّار المُشتعلة؟ أنَّها حتمًا سوف تنطفئ أو تخبو! قد يطول الوقت أو يقصر، ولكنَّها لم تُخلق للأبد!

الصورة الثانية من الحُبّ … هو الحُبّ النَّاضِج. هذا هو نوع الحُبّ الذي تجده لدى أصحاب الزَّواج النَّاجح.

هذا هو نوع الحب الذي يجعلك ترى عيوب حبيبك كاملة، فقط أنت لا تبالي بها بالنسبة إليك هي أشبه بتضاريس ترسم ملامح وجهه، وتعرجات دقيقة تميزه عن غيره.

هذا هو نوع الحب الذي لا يمنحك شرودًا ولا سهادًا، وكأنه أمر كنت تحتاجه فلما نلته هدأت روحك القلقة. … نوع الحب الذي يجعلك على طبيعتك تماماً أمام حبيبك، تشعر بالارتياح ربما أكثر من اللازم، وتجعلك في شعور دائم أنك قد انصهرت مع غيرك وصرتما شيئًا واحدا.

من جديد، هل هذا النوع من الحب جيد أم سيئ؟ هو ببساطة الصورة النهائية للنار المشتعلة لو خبت ولم تنطفئ. … يجعلك تستمر في ملاحقة بقية أهداف حياتك وقد وفيت بحاجتك دون قلق ولا تلفّت ولا عطش.

سِعْر اللَّذَّة

ولكن ما القيمة فعلا حتى نستطيع التعارف على المقدار المناسب منها في مُقابل النقود؟

الاقتصاديون الكلاسيكيون يتحدثون عن الزمن الذي تم صنع السلعة فيه، أي إنك تدفع الخمسين جنيهًا في مقابل الزمن الذي تم فيه إنتاج الدجاجة. بينما علم الاقتصاد الحديث يتحدث عن مقياس آخر للقيمة.. اللذة الإنسانية!

وكانت الثورة الحقيقية في علم الاقتصاد هي تلك التي قادها وليام جيفونز) مع (ليون والراس) و (كارل مينغر) في وضع نظرية تربط بين القيمة والمنفعة. وعليها قامت أسس الاقتصاد الحديث كما نعرفه اليوم.

باختصار طرحوا تصورًا للقيمة من وجهة نظر الشخص الذي ينفق النقود لا منتج السلع.

طُلِبَ من الناس أن يفكروا بعقلهم ليبحثوا عن رقم يرون أنه مساو لشعور نقص السعادة الذي نالهم جراء الكارثة البيئية!

لو أرادوا تقييم السعر الواجب دفعه من ميزانية الدولة لإنشاء الحدائق العامة مثلا يدرسون زيادة السعر الذي يستعد الناس لدفعه مقابل منزل في حي يحتوي على حديقة جميلة، ليصلوا في النهاية إلى رقم محدود، هو رقم قيمة الجمال نفسه عند البشر!

سيبقى الإنسان، بقراراته التي يتخذها تجاه الأشياء، ومقدار اللذة التي يشعر بها تجاه هذا وذاك، هو المقياس الوحيد للسعر، للقيمة للمال.. هو الميزان الذي يزن كل المقاييس من حولنا.

المصلحون في كل زمان ومكان كانوا يقولون لنا المال لا يساوي السعادة، لا تلتفتوا للمادة، أنتم من يصنع الفارق، أنتم من تجعلون للمادة قيمة! فكنا ننظر لهم بازدراء ونعتبرها مثالية حمقاء. بينما كان الاقتصاديون يسترقون السمع لذلك، يفهمونه، ويستخدمونه بعد ذلك في بناء العصر الحديث.

جرام مُخّ عشريني

شعرت بالرعب حين أدركت أني رجل عجوز لم يبلغ الثلاثين بعد!

رباه أشعر بالصُّعُوبة، الحياة تزداد صُعُوبة، الأحلام تتعقَّد، كنت يا رب أحلم بالزواج وتكوين أسرة طيبة، لم تكن لدي فكرة أني سأنجب طفلة وأبدأ في التوتر هل سأستطيع تزويجها وإغناءها بعد عشرين سنة من الآن كما فعل معي والداي؟

كنت أحلم بعمل كريم، لم أكن أفهم أنه لا يوجد عمل كريم كل الأعمال تأخذ منك شيئًا، لا يمكنك أن تحصل على مال وفراغ وصحة،

ليس من المفترض أن يكون أجمل ما في اليوم أنَّه ينتهي!

كل شيء سينتهي، وكلّ النِّهايات تفضي إلى الموت.

حين حكم على الحياة بالإنتروبيا، جعلنا جزءًا منها، جزءًا من كل شيء يرحل من كل شيء ينقص، من كل شيء يخسر مع كل زمن جديد!

رباه ما أجمل سورة العصر، حين أقسمت لنا بمرور الزمان أننا في خسر!

ثم استثنيت!

يا رب اجعلنا فيمن استثنيت.

يانصيب الكلب المرحوم

هناك ثلاثة مُستويات لمدى عمق اتضاح رحمة الله من خلال حديث المرأة التي غفر الله لها لما سقت الكلب،

تخيَّلي أنَّ الله الذي أمرك بالحجاب وأمرك بغضّ البَصَر وأمر كلا منكما بأن يحذر من ترقيق صوته ونحنحاته أمام الآخر – كل هذا مخافة أن يقترب أحدكما خطوة واحدة نحو مجرد احتمالية الوقوع في الزنا، ثم تخيل أن هذا الخطر الأكبر، تلك الفاحشة التي وضع الله حولها كل هذه الأسوجة والمساحات الشاسعة، لا تقوم بها هذه المرأة فحسب، بل تمتهنها، تعتاد عليها حتى تصبح لديها ليست مجرد إلف، ولكن طريقة للحياة.

وبرغم ذلك كان عملا صغيرًا جدًا ذلك الذي تطلبه الأمر كي تصل إليها رحمة الله!

تخفض معاييرها الخاصة لتلائم ليس قدرها الحقيقي ولكن ضعفنا نحن!

وكأن الله يُفسِّر لنا بهذه القِصَّة قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]

بل جعله الله هدفًا عالميًا من جميع خلق الله المختارين أصحاب الإرادة أن يرحموه فيرحمهم الله!

أي رحمة تلك التي تفيض من جلال الله حتى تجعل هالة الحماية تحيط بذلك الكلب؟

المستوى الثالث هو أعمقها جميعًا، أن تدرك أن الله غفر لهذه المرأة على هذا الفعل بالذات لأنها كانت تحاول أن تتشبه بصفة من صفاته يحب لنا أن نقلدها. … أن سبب غفران الله الحقيقي لها أنه حدث في روعها شيء لا يفوته الله لأحد بهذه السهولة، حين نظر إلى قلبها فوجد فيه صفته الحبيبة.

غفر أرحم الراحمين لامرأة بغي بكلب سقته، لأنه كان يريد أن يغفر لها، لأنه كان رؤوفًا بهذا الكلب، لأنه أحب رحمتها حين سقته!

الدَّاخِل

ماذا ستفعل لو تمَّ وضعك في غُرفة لمُدّة رُبع ساعة … لا يوجد بها إلَّا أفكارك الخاصَّة و … وزِرّ صغير يمكنك أن تضغط عليه لتصيب نفسك بصاعقة كهربائية مؤلمة خفيفة؟!

في تجربة أمريكية تمت بالفعل اختار %٢٥ من النساء و٦٧٪ من الرجال الزر الكهربائي وهذا يعني أمرين أولا نفهم السبب الذي من أجله تعيش النساء في الغالب أطول من الرجال، وثانيًا: أن البشر سوف يقومون بأي شيء حقًا يحميهم من الانسحاب إلى الداخل.

وكتب (مارك هوكينز) كتابا سماه (قوة الملل: لماذا الملل ضروري لصنع معنى للحياة)!

السوشيال ميديا والهواتف الذكية وألعاب الكمبيوتر وعروض الشاشة وقصص الخيال سوف تروج إلى قيام الساعة أو إلى ابتكار وسائل أفضل وأنجح لإشغال إنسان قد يضحي بأي شيء في سبيل الهرب من ذلك (الداخل)!

الكثير من الألم يحدث حين تنسحب إلى الداخل،

كان النبي ﷺ يخبرنا أن الله لما خلق آدم صار إبليس يطوف من حوله، بنظرة احتقار وغضب وإعجاب وحسد وانبهار بذلك المخلوق الجديد، ولكنه ما إن رآه «أجوف» حتى علم أنه «خُلق خلقا لا يتمالك».

الإنسان الأجوف لا يتمالك. لأنه في داخله جوف، في داخله فراغ مؤلم فراغ ليس بخال ولكنه مليء بالنقص والعوز والحاجة!

نحن هنا أمام مفارقة جديدة من تلك المفارقات المحببة للنفس المؤمنة حين تجد الكمال الذي شعرت بوجوده في الدنيا فقط من شعورها بالحاجة إليه.. تجده في الله فقط. فنحن أزواج والله واحد، ونحن فقراء والله غني ونحن جوف والله صمد!

الصمد … هو الذي انتهى سؤدده في شأنه لأنه هو الذي يصمد إليه كل شيء آخر.

الإنسان بداخله جوع إلى الصمد

تشريح الجميلات

تشريحيا لا يمكنك التفرقة بسهولة بين الوعاء الجسدي لامرأة عجوز وآخر لشابة. لا يمكنك أن تفرق كذلك في عضلات وأربطة الوجه بين أجمل وأقبح فتاتين سارتا على الأرض.

أنت لا تنظر لها وأنت احتجبي ولا تسمحي له بأن ينظر إليك، ولا تجتمعا وحدكما في مكان مغلق ولا تحادثها إلا من وراء حجاب، ولا تشتم حتى عطرها!

بصمات الأقلام

كل أديب له جانب يبرع فيه ويميزه وفي الغالب لا ينتج جيدًا في غيره، كل أديب له مملكته الخاصة التي يصول فيها ويجول، ولربما يصاب بضمور الحركة في مملكة غيره.

جوانب إعجاز القرآن وأدلة صدق مصدره الإلهي كثيرة ومتنوعة، لا يُمكن اختزالها في كتاب أو اثنين، فضلا عن مقالات قصيرة هنا أو هناك.

لحم وغضاريف

حين ترى الكثير من الموت تستطيع بسهولة أن تتصالح مع حقيقته.

الموت يعلمك أن الإنسان ليس جسده!

قطار ۹۷۷

سوف تدعي الحضارة البشرية الحديثة أنها قد توصلت بالفعل إلى قيمة الإنسان، ولكنها سوف تقوم بـ (تشييئه) دائمًا من دون خجل، وسوف نحرص على أن نتغنى بقيمة المرأة المساوية للرجال ونسب الأديان بحماس وفي آخر اليوم سوف نحولها إلى سلعة مطبوعة على أغلفة مجلات الرجال المفضلة.

حين نتحول إلى مجموعة من الأشياء سوف تلاحظ أن بعض الأشياء أجمل من بعض أذكى من بعض أكثر أناقة من بعض، لن تصبح الأشياء متساوية أبدا، من نخدع؟

ولكن الحقيقة التي لا تعترف بها إلا الأديان أننا لسنا بأشياء، نحن لسنا مادة وهذا هو المبدأ الوحيد الذي نستمد به قيمتنا، هو الضمانة الوحيدة التي تسمح لنا بأن نسب العنصرية بصدق.

لأني أبوء بذنبي

أنت السميع في كون من الصمم، أنت الرؤوف في عالم القسوة والألم.

لا يخفى عليك عيبي، وانسحاقي تحت ذنبي، وقلة ذكري وصلاتي، وسوء خشوع صلواتي.

خلقتني خطاء لأنك تحب أن تعفو عني.

لكم تعلم أني كثيرًا ما استطعت.

فأعوذ بك يا رب من شر ما صنعت.

شرور ذنوبي التي أحاطت بي، من يخلصني منها غيرك؟

من يجيرني من ذنوبي التي حرمتني أن تكون الصلاة قرة عيني، أمرتني أن تصبح الدنيا أكبر همي،

فأبوء يا ربي بذنبي.

والله لقد كان ذنبي أنا.

لم يجبرني القدر عليه، لم يدفعني الشيطان إليه، ما ورثته عن آبائي، ما أمرني به بارئي.

نعم يا رب لقد كنت بهذا السوء، كنت بهذه الوقاحة،

اغفر لي يا رب فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

والصالحون مني لو عرفوا يتقززون والطالحون بي لو سمعوا يستهزئون، وأنا نفسي لا أقدر على أن أسامح نفسي وكيف وقد رأيت منها ما رأيت؟ يا رب لا يغفر الذنوب إلا أنت.

الفراغ الكمومي الأزلي

لا أطيق طريقة التفكير السطحية حين يتعلق الأمر بأخطر قرار في حياة الإنسان!

وجربت أن أناقشه بهدوء، فتبين أنه للأسف لا يعرف حتى الفرق بين فيزياء الكم والفيزياء الكلاسيكية، وبرغم ذلك أصر أنه لم يعد هناك إله فبالتالي لا حاجة للدخول لامتحان الثانوية.

الصراحة كل من جرب ذلك يعلم مقدار الإرهاق النفسي والذهني الذي تلاقيه كي تضطر أن تتناقش مع أحدهم في مسألة يسبق علمك فيها علمه بعدة عشرات من الكتب، لا عن تعال ولكن عن واقع، يبدو الأمر صعبًا ومنهكًا للغاية ولولا شفقتي على هؤلاء ما استطعت أن أتجاوز خمس دقائق من الكلام.

لذلك اندهش من الله!

الأجمل أن الله لا يبالي بمن يكفر به إنه مستغن عنهم تماما، وهو يخبرهم متعاليًا دائمًا أن آمنوا به أو لا تؤمنوا.

إلهة البوتاجاز!

كانت النظرة إلى جسم الإنسان مُختزلة إلى حد كبير في شتى الحضارات ولمدة آلاف السنين حتى أرسطو العبقري كانت نظرته لجسم الإنسان أنه (خلطة مضبوطة) من مجموعة من السوائل وهي الافتراضات التي لم يبتعد عنها كثيرًا عمالقة الطب في زمانهم من أمثال أبقراط وجالينوس.

وفي منطقة (مقدمة الجبهة) نجد أعقد وأنضج ما في جسم الإنسان كله، تلك المنطقة المسؤولة عن التفكير والتخطيط والحكمة وربما الشعور بالذات والكينونة أيضًا. وهي من الأجزاء التي يتميز بها الإنسان بيولوجيا عن أي كائن حي آخر.

العالم الفيزيائي (ميتشيو كاكو) يرى أن الدماغ البشري هو أعقد شيء تعرفنا عليه في الكون كله،

ثيابي المُتَّسِخَة

يا رب أشعر بالحرج، فأنا أعلم أنك رأيت روحي المتسخة.

لو كان بإمكاني أن أدعي أن اختباراتك لي كانت عسيرة إلى هذا الحد، لو كان بإمكاني أن ألقي باللوم على أي شيء آخر سواي.

سامحني يا رب لأنك تعلم أنك لو فعلت كل هذا فإني على الأرجح سوف أعود إليك بعد أعوام قليلة بثوبي الجديد وقد اتسخ أيضًا وأنظر للأرض في خجل وأقول لك: أرجوك تجاوز عن ثيابي المتسخة.

مُقايسة الزِّنا

هل الزِّنا قبيح؟ الحقيقة، هذا سؤال مثير للاهتمام، كون الزنا في الأساس مثله مثل أي ممارسة جنسية، قائم على حاسة تذوق الجمال نفسه واستطعامه!

إلى أين تتجه حياتنا إن أمضيناها في التنقل بين شريك حياة وآخر؟

والسؤال الأعقد ماذا لو كان بيننا طفل الآن؟

ما الزواج إذن؟ في فلسفته البسيطة هو مجرد عقد في أبسط صور العقود، مؤلّف من كلمة بين شخصين كلمة بسيطة تعني الوعد بتحمل مسؤولية العلاقة الكاملة وثقلها.

في الغرب فالخمر مسموح بها قانونا، لكن من غير القانوني أن يقود السكران، ولكن هذا الذي قد وصل إلى السكر في البارات كيف يمكن أن يُعاقب على قرار اتخذه بالقيادة وهو في حالة وعي مضطرب لا يجيد الحكم على الأمور بسبب شيء سمحوا له بشربه في البداية؟!

وبالمناسبة فهناك بعض الدعاوى التي تقترح أن معاشرة امرأة جنسيًا في حال سُكرها يدخل أخلاقيا تحت بند الاغتصاب لأنها مُسممة كيميائيا، حيث لا يمكن قبول الموافقة Consent التي أبدتها في حالة وعيها المضطرب تماماً كما لا يمكن قبول موافقة البنت القاصر لنفس السبب.

لماذا إن صح التعبير (يضايقنا) الإله بكل هذه القيود لو كانت لا تضرنا في شيء؟! مع قلق وجودي يلوح في الأفق، وماذا لو كان الدين خاطئا؟ هل أضيع حياتي من أجل وهم؟

ولكن الحقيقة أن لا، لم يجعل الله دواءه في أمر حرمه على الناس، بل يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وهو يعلم أن الخمر والميسر فيهما نفع للناس، ولكنه يذكرنا بأنه حرمهما لأن إثمهما أكبر من نفعهما.

الخمر قبيحة، والزنا قبيح، حتى لو كانت في حالتك المخصوصة لن تصبح كذلك، لأنك لست المجتمع ككل، وأنت لست مقياسا للبشر كافة،

 وحين تحب التمتع بجمال أحدها فلن تتمكن – مهما بالغت في الحذر – من الضمانة ألا

بقليل من التأمل تعرف أن الدين لم يمنع عنك إلا ما هو خبيث بالفعل، وكل هو طيب قد أحله الله لك، لا داعي لقلقك الوجودي، أنت لا تضيع حياتك، أنت تعيشها بشكلها الصحيح الكامل بجمال خالص غير مصطنع، غير مشوب بالزيف.

لعنة الإنسان الجمهور

ورُوي عن عيسى عليه السَّلام: «طوبى لمن كان قيله تذكرًا وصمته تفكرًا»،

وقال الحسن البصري: «تفكُّر ساعة خير من قِيَام ليلة»،

ويقول سفيان بن عيينة: «الفكرة نور يدخل إلى قلبك»،

بينما ينصحنا عمر بن الخطاب : «خُذُوا حظّكم مِن العُزلة».

هواتفنا المحمولة ومحطاتنا الفضائية و (سوشيالاتنا) الكثيرة وولعنا السائد الحالي بالحديث والاجتماعيات والتواصل لن يسمحوا لنا بأن نحصل على خمس دقائق بانفراد مع هذا الكائن الذي يقبع في آخر الجمجمة، آخر مرة سمعنا فيها صوت أنفسنا وهي (تُفكِّر) كان منذ زمن طويل!

في سورة سبأ، يخاطب الله الإنسان الجمهور، فيقول: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَرُواْ مَا بِصَاحِبَكُم مِّن جِنَّةً إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ وبَيْنَ يَدَى عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: ٤٦].

أي دعوني أنصحكم بنصيحة، تفكَّروا في أمر هذا الدين بتجرُّد و … بانفراد!

تجرّد من سلطة ثقافة جمهورك، ومن ضغط واقعك المتلاعب، ومن إغراء هواك المتماثل. فقط قم لله وحدك، ثم تفكر!

قد أحسن

حين تخلعين حجابك، فبالله عليكي أخبري نفسك أنك فقط أحببت خلع حجابك، … أخبري نفسك أنه اختبار آخر سقطت فيه أن إيمانك أضعف من مراقبة الحياة الآخرة، أن الكثير من حب الله وخوفه كان قد تساقط منك دون أن تلاحظي أن هذا ذنب آخر يضاف إلى القائمة الحزينة التي سوف نلقى بها ذلك الرب العزيز الرحيم.

وحين تتوقف عن الصلاة، فبالله عليك أخبر نفسك أنك أكسل من أن تحافظ على وفائك مع ولي النعم،

ذكروا أنفسكم بمدى غرابة العلاقة غير المتساوية بين سوء طوية أنفسنا وبين جمال الله، حين ندرك أن السبب الأكبر لأن نعصي الله هو علمنا بقدرته غير المحدودة على المغفرة لا يوجد من يجرؤ على أن يعصي بسهولة إلها لا يغفر مزيج فريد مخيف من الاغترار والانخداع والارتكان ومقابلة الإحسان بالإساءة لا يقدر عليه إلا الإنسان!

ليس لأن الحجاب غير واجب، أو أن الصلاة لا تفيد، أو أن الدين غير صحيح، أو أن الله غير عادل!

أخبروا أنفسكم أنَّ الله يحب أن يرى على وجه عبده العاصي دمعة حزن لا ابتسامة نصر زائفة.

هل هي نَبِيَّة؟

عن حب لمريم العذراء، حين خطت بأصابعها الوليدة عتبة الدنيا فوجدت الله يتقبلها بقبوله الحسن وينبتها بنباته الحسن ويجعل عباده المحسنين يتساهمون ويتنافسون ويختصمون أيهم يكفل،مريم، ثم لا يختار الله لها إلا أحسنهم جميعًا، زكريا النبي الذي سوف يتعلم من مريم أصول حسن الظن بالله. عن حب الله لمريم التي أحسنت الظن بالله.

عن حبه لها لما أراد لها أن تعلم بذلك فأرسل ملائكته ينادونها، يبشرونها، يسعدونها. أرسل ملائكته يعلمونها كم يحب الله مريم.

عن حبه لها لما سجل في القرآن أنها تمنت الموت، لم تكن كلمات توجعاتها هيئة عنده فيُهمل ذكرها أو يُجمل عن حبه لها لما فجر من تحتها نهرًا لتشرب، وأسقط من فوقها رطبا لتأكل، ثم يأمرها بألا تكتفي بالأكل والشرب يا مريم، بل عليك أن تقرّي عينًا، عليك أن تفرحي. عن حب الله لمريم لما كان يكره لها أن تحزن بشيء.

عن حب الله لمريم لما أفردها بوصف صدّيقة، لما أفرد ذكرها مع الأنبياء حتى أصاب علماء التفسير بالحيرة بشأنها: ترى هل هي نبية؟ ولكنها ليست نبية، الله يحبها فحسب.

عن حب الله لمريم لما عادى اليهود، مقت اليهود، تبرأ من اليهود، وذكر أسباب ذلك، فكان مما قاله إن ذلك لأجل أنهم قالوا على مريم بهتانا عظيمًا.

بأي عملة قد تقبل؟

أتقلب بين نعمة لك يا ربي وأخرى، حينها كنت أسأل نفسي، كيف سأقدر على أن أدفع مقابل كل هذا؟ وبأي عملة قد تقبل؟!

أشعر أني مدين حتى نخاع روحي، وديوني تثقلني يا ربي وتكسرني

أشعر أني مكبل بإحسانك بقيود من حرير، لم تؤلم يدي قط أشعر أني محبوس في زنزانة منتك، وهي ألطف لي من حريتي! أشعر أني مقهور بثقل عبء فضلك على كاهلي، وهو قهر ألذ من جميل دنياي لو اجتمع!

وأحاول أن أشكرك بلساني فيعجز بياني عن حاجتي، وحين أقول سوف أشكر ربي بقلبي وهو يعلم، أجد أن شكري لك بقلبي يحتاج إلى شكر!

أعرض بضائعي على الناس وأنت فقط من يعلم مقدار ما خلطت في بضاعتي المغشوشة. أتحدث باسمك على منابر الوعظ وأنت تعلم كم ينبغي علي أن أخرس وحين أسرق من قبس نور وحيك زيا أتجمل به فأنت لا تنخدع بالأزياء. أنت تعلم من حالي ما يكفي كي أخاف لقياك!

حين ألقاك فلا تجد لي فضل عمل، ولا كبير ورع، ولكن تجدني صادقًا حين أقسم لك أني ما نسيت فضلك عليَّ يومًا.

آخر مؤمن على الأرض

قال أحدُ المُلحدين: «الناس تترك الإسلام جدًّا، الإلحاد ينتشر في العالم بشدة، سيأتي عليكم وقت لن يكون فيه مؤمن واحد.»

هل يُفترض لي أن أهلع أو أجن خوفًا حين (يصدمني) بهذه الأخبار (المُفزعة)!

المشكلة أنك حين تدعو إلى الله، ولأنك متحمس، يظن الطرف الآخر أنه بالغ الأهمية المتبرجة حين تدعوها إلى الاحتشام والحجاب تعتبر أنها بطريقة ما قد أثارت اهتمامك، وربما فتنتك بجمالها كذلك!

في بلاد الغرب يكسب أنصار التصميم الذكي في البيولوجيا والفيزياء أراضي جديدة باستمرار،

ماذا لو كان الإسلام يحتضر، والإلحاد يسود؟

ماذا لو كنتُ أنا آخر مؤمن على ظهر الأرض؟!

يا صاحبي، أنت قد (تظُنّ) أنَّ هذا اليوم قد يأتي، ولكني أنا (مُتيقِّن) أنَّه سوف يأتي بالفعل! فالنبي ﷺ أخبرنا أنه لن تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله!

يا صاحبي، نحن لم ندّع أبدًا أنَّ نهاية البشرية هي نهاية سعيدة، بل بدأ الإسلام غريبًا ثُمَّ يعود غريبًا كما بدأ، وتقوم السَّاعة على شِرَار النَّاس.

يا صاحبي، أنت تجد في الدنيا أن أكثر الناس ليسوا صادقين، والصدق حق. أكثر الناس ليسوا أوفياء، والغدر عيب. فلم تتعجب حين لا نفتر بكثرتكم المزعومة؟ إنما أكثر الناس في ضلال، أكثر الناس حمقى!

يا صاحبي ليس لنا إلا أن نشفق عليكم، نحزن عليكم، نهرع إليكم بالنصيحة، ثم من بعدها لو عاندتم فلن نسهر الليالي نفكر فيكم كما تظن، بل لا تنشغل إلا بأنفسنا ويطمئننا قول الله حينها: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: ١٠٥].

يا صاحبي، حين تجتمع يوم القيامة بكل علمائك وممثليك ومثقفيك وفلاسفتك وأذكيائك الكثيرين، فأرجو ألا تنسى أني ذكرتك يومًا بقول الله -تعالى-: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُم فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].

مجاعة في الجامعة

ماذا تخبرنا نظرات محطات القطار؟ هل من الممكن أننا في بحثنا عن الحب نستمتع بأكبر عدد ممكن من الفرص السانحة منها والضائعة؟!

أنت خسيس حقًا لو تعمدت أن تدخل الفتاة معك في علاقة مشاعر متبادلة بينما أنت تعلم أنها في أسفل القائمة عندك،

أنت نظيف حقًا لو قررت أن كل هذا البحث المحموم لا يليق بك لأنك وجدت أن مشاعرك أكثر احترامًا من أن تدخل إلى قائمة أحدهم، ومشاعر غيرك أهم من أن تكون رقما في معادلاتك.

الآخر الوغد

يبدو أن جميع الناس تؤيد كاتب المنشور أن من آداب الهاتف عدم الاتصال مرتين متتاليتين إلا للضرورة، فمن أين يأتي المزعجون إذن؟!

سأخبركم باللغز.

عن نفسي، عندما أسير في الشارع فإن أصحاب السيارات جميعهم أوغاد لا يتركون لك الفرصة للسير برغم أنك أولى منهم بالطريق، وعندما أركب سيارتي فإن كل السائرين همج لا يعرفون معنى النظام ويزاحمونك باستمرار.

حين يعلق أحدهم باستظراف هازئا من منشور لي فهو سخيف، وحين أمزح مع أحدهم معلقًا على منشور له فلا تعجبه مزحتي فهو متعجرف.

نخطئ أكثر مما نظن ونظلم أكثر مما نتخيل.

هلع ليلة الكُسُوف

كان صديقي يسخر من المتدينين الذين يهرعون إلى الصلاة عند الكسوف أو الخسوف كان يقول: هذه ليست معجزة، وليست حتى آية يخوف الله بها عباده كما قال نبيكم هذه ليست شيئًا. إنما هي ظاهرة فلكية مشروحة كل ما هنالك أن تصادف مرور القمر بين الشمس والأرض أو الأرض بين الشمس والقمر. لا يوجد ما هو غريب أو معجز أو مخيف في ذلك.

لم أشأ أن أخبره أن قطر كرة الشمس أكبر من قطر كرة القمر بـ ٤٠٠ ضعف تمامًا، وأنها مع ذلك تبدو لنا في حجم القمر لأن المسافة التي تفصلها عنا أكبر من المسافة التي تفصل القمر عنا بـ ٤٠٠ ضعف تماما أيضًا! وأنه لولا هذه (المصادفة) العجيبة لما كان هناك أي كسوف.

لم أخبره أن هذا الضبط في الواقع عجيب وأن هذه المفارقة بالفعل معجزة وأن هذا الإحكام في الحقيقة مقصود وأن كل هذا مخيف بحق وأن هذه بالفعل آية يخوف الله بها عباده.

يف أن نلاحظ كيف أن الحياة لا تستمر بغياب نور الشمس ولا تؤلف بغياب نور القمر. أن نلاحظ أن الأمور المعتادة التي نجدها في الحياة مثل ضوء الشمس قد نحرم منها لأسباب بسيطة مثل أن يحول جرم سماوي بيننا وبينه.

إنه كما قال الله: {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص: 71]؟!

مخيف أن نفهم كيف أننا نعيش على قطعة من الصخر تدور في فضاء سرمدي، وتدور معها وحولها قطع أخرى من الصخور والغازات والنيران المشتعلة، لا يوجد ما يضمن ألا يرتطم مسكننا الأرضي بشيء منهم، لا يوجد ما يمنع ألا نفنى تماما في لحظة يختل فيها توازن هذه الحركة الدورانية، لا يوجد من يستطيع توقع مصيرنا إذا انتهت لعبة الكراسي الموسيقية بينها إنه كما قال الله: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسَقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدِ مُنِيبٍ} [سبأ: ٩].

كيف أن من أتقن كل هذا الخلق لا يمكن أن تكون من صفاته الغفلة أو الجهل أو النسيان. فتخاف من أفعالنا نحن إذ إن هذا إله يجب ألا يُعصى بطمأنينة، أو أن يُجهل بأمن وفي ذلك قول الله – تعالى -: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ۸۸].

مِن الجَيِّد أن تشعر بالاشمئزاز

كنت من قبل تفكر في كلمات من نصحك وأنت صغير بأن تحرص على علاقات جيدة بالله حتى يتيسر لك كل شيء في الدنيا، فصرت الآن تسأل نفسك بصوت حرصت على إنكار أنه قد خرج منك بعد ذلك: فيمَ سيضرني ذلك حقا؟ كل شيء يسير على ما يرام. مشاريعي لا تزال قائمة إنجازاتي لا تزال تتوالى علاقاتي على أكمل وجه، وحين تسير الأمور على غير ما يرام، فلأن الأمور السيئة تحدث دائما.

سوف يكون عليك أن تنتظر حتى تختبر مرارة الجفاف.

سوف يكون عليك أن تنتظر حتى تشعر بالغربة وسط الزحام وبالوحدة بين أحبابك، وبالعجز رغم أدواتك، وبالتيه أسفل بيتك، وبالقهر داخل مملكتك، وبالأسى العميق الغامض يوم احتفالك بنجاح جديد.

سوف يكون عليك أن تنتظر حتى تفطن إلى أن الله هو الركيزة الوحيدة لضمان أن تكون للحقيقة حقيقة، لضمان ألا يتمدد الفراغ ليطول بواطن الأشياء، لتفسير جمال الجميل، وحسن الحسان، ومعنى الألم، وسبب المشقة، وغاية البلاء.

سوف يكون عليك أن تنتظر حتى تفطن إلى أنك بدون الله مادة، بدونه أنت جماد، بدونه أنت لغز، وتعيش في لغز، ومن حولك لا يفسرون الألغاز،

إذا كنت غارقا في مستنقع ملوث فمن الجيد أن تشعر بالاشمئزاز!

أحيانًا من الأصلح لنفسك ألا تتصالح معها، ألا تطبع العلاقات مع أفعالها، ألا تشعرها بأنك على ما يرام.

أطل النظر إلى الأرض وفكر في أفعالك الخفية واشعر ببعض الدونية!

اندهاش ورقة شجر

أول ما سمحوا لي بحمل ابنتي على ذراعي تسربت إلى ذهني فكرة واحدة يجب علي أن أحمي هذا الشيء الهش.

شعرت أني يجب أن أحميها كذلك من تلك الطفلة الحمقاء التي ستضايقها بهمزها، أو ذلك الوغد السمج الذي سيعبث بقلبها. تبا، أشعر من الآن بالغضب منهم بالفعل!

تمنيت لو أستطيع إطلاق قدر من الحنان يكفي للإحاطة بالجهات الستة لهذه الطفلة النائمة ليحميها من جميع الأخطار الصغيرة والكبيرة،

شعرت بحب غير مشروط، بحنان جارف لم أجربه من قبل،

هل هذا هو ما حملته لي يا أبي ولم تقل قط؟ هل هذا هو ما شعرت به يا أمي وحاولت شرحه لنا ولكنا لم نكن نصفي؟ هل هذا هو ما كان يختبئ صامتًا خلف قلوبكما مع كل فعل سلطوي أو نظرة حازمة أو ثورة غضب عارمة؟

هل هذه هي قطرة الرحمة التي أغرقتنا بها يا ربي حين جعلت بيننا في الدنيا جزءًا من رحمتك وادخرت عندك تسعة وتسعين ليوم القيامة؟

رميم

قد تقول له: يا رب أنا ذليل أنا مكبَّل أنا محبوس بالذنب منحوس أنا مكبوس بالوهم متعوس. أنا المدسوس بين الصالحين متخفيا، أنا المنكوس في الظلمات مترديا. يا رب أنا الكذاب، أنا المسرف المرتاب،

فماذا سوف تفعل في يا رب؟

لا تُبال، فهنا، وفي هذا المحراب العظيم، لا يأتي الله برجل ليُناجِيَه، وهو يريد أن يُجافيه.

لربما هو هناك الآن غضبان

ننسى الله ببساطة في كل لحظات النعيم، نذكره فقط في الشدة، … سوف نحرص دائمًا على أن ننسى الله في كل مرة نشبع فيها، ولكننا لا ننسى أن نسأله في غضب عن سبب تأخر وجبة الطعام حين نجوع!

يرزقنا الله بالنعم في لحظات العصيان، فتتقوى بها على المعصية. ثم لا نقول يا رب عذرا.

يسترنا الله في الذنب فنصبح أكثر اطمئنانا في المرة القادمة يحسّن الله سيرتنا وسط الناس فنستمع إلى مدحهم ونزداد غرورًا.

هل تعلمون ما المخيف في الأمر؟

أن الله حين صبر على هذه الوقاحة منا كل هذه السنين البائدة، حين كان يستقبل منا القبيح بجميله وذنبنا بستره، لا يعني كل ذلك بالضرورة أنه قد عفا عنا أو سامح هو فقط حليم. لربما هو لم يسامحنا على ذلك قط!

لربما هو هناك الآن غضبان علينا تفصلنا عنه سنوات معدودة ثم نقبل عليه!

فوضى اليد الغريبة

هل تثق في يدك اليسرى أنها ليست تحت سيطرة عدو خارجي قد حل فيها كشبح احتلها ويوجهها لمصالحه؟! مرضى (متلازمة اليد الغريبة) لا يثقون في ذلك أبدا!

أول وصف تاريخي لهذا المرض كان من الطبيبة الألمانية (كورت جولدشتاين) في ۱۹۰۸ حيث سجّلت حالة مريضة تعاني من الشعور بأن هناك من يتحكم في يدها اليسرى،

نال الدكتور (روجر سبيري) جائزة نوبل في ۱۹۸۱ لاكتشافه أن نصفي المخ غير متطابقين ويختلفان في الوظائف … لاحظ الدكتور سبيري أنه عندما يقوم بفصل الاتصال العصبي بين نصفي كرة المخ يدخل المريض في متلازمة اليد الغريبة تلك.

ولكن الأيسر هو المخوّل بإصدار القرارت النهائية في حالات الاختلاف. ويسيطر المخ الأيسر على الأيمن عن طريق قناة عصبية تدعى الجسم الثفتي (Corpus Callosum) في حالة إصابة هذا الجسم أو قطعه جراحيًا وهو ما يقوم به الأطباء في بعض حالات الصرع الشديد – يفقد النصف الأيسر من المخ السيطرة على النصف الأيمن. ويُطلق على هذه الحالة اسم المخ المنشطر Split Brain ولأن النصف الأيمن يتحكم في حركات الجانب الأيسر من الجسم، فإنه يستقل باليد اليسرى مثلا لحسابه عن إرادة صاحب الجسد نفسه.

هل يمكن توجيه الأسئلة لهذين الدماغين بشكل مستقل بحيث لا يعرف كل منهما السؤال الذي وصل للدماغ الآخر؟! نعم.

فنصف مجالك البصري ككل يذهب للأيمن، والنصف الآخر يذهب للأيسر، فيمكن باستخدام نظارات خاصة توجيه رسالة بصرية سرية لكل نصف منهما، وهذه هي التجربة التي قام بها دكتور (مايكل جازانيجا) حيث سأل الدماغ الأيسر للمريض: ماذا تريد أن تصبح بعد التخرج؟ فأجاب: رسام. ولما سأل الدماغ الأيمن لنفس المريض رسم بحروف السكرابل كلمة متسابق سيارات لاحظ أن الدماغ الأيمن لا يملك السيطرة على اللسان، فأجاب حينها بطريقته الخاصة.

هل يمكن أن يكون هذا هو سر الطموح الإنساني والحركة الدائمة وعدم القدرة على السكون كحال أي شيء تحركه قوتان متساويتان في القوة ومتضادتان في الاتجاه؟

الإنسان ذلك الكائن المضطرب الذي يتعلم في كل يوم أن ليس من اضطرابه فكاك ذلك الكائن الناقص الذي تبرهن له التجارب أن ليس لنقصه اكتمال، ذلك الكائن المتحير الذي يتردد بين رغبتي وعيين يختلفان في الهدف ويتفقان في الاحتياج!

الإنسان، ذلك المسكين!

ظِلّ امتدادك المُزيَّف

جاءتني رسالة مؤلمة، تقول صاحبة الرسالة أنها تفاجأت بأن ابنتها ذات الأربعة عشر ربيعًا لها صور عارية على الإنترنت، وأن هذه الصور انتشرت وسط دائرة معارفها وأصدقائها بما جعل سمعة الفتاة في الحضيض، … حيث إنه فصل (بويز و جيرلز) على حد تعبير صاحبة الرسالة.

الفضائح ليست نهاية حياة الإنسان والله لما خلقنا خلق لنا جهاز النسيان الرائع الذي يعيننا على تجاوز كل الآلام التي خلقها معنا في هذه الحياة. كما أن الله يقبل التوبة من العبد، فإن لم يقبلها البشر فتبا لهم في كل وقت وحين.

أنا متعاطف معهم بالفعل كإنسان، ولا أسمح لنفسي باتخاذ المهم كوسيلة لتوجيه آرائي في الحياة،

ذكرتني تلك الرسالة برسالة أخرى عن رجل سافرت ابنته إلى الولايات المتحدة في منحة علمية لمدة عام، وبعد أن انقضى العام رفضت العودة إلى بلدها، لأنها ألحدت هناك وتزوجت.

حين توافقين / تشجعين / تهتمين بأن تلبس ابنتك ملابس مثيرة، فربما أنت تفعلين ذلك لدواعي الموضة أو التحضّر المدني أو المظاهر الاجتماعية، أو ربما لأجل جذب أكبر عدد ممكن من المتقدمين للزواج لفرزهم وانتقاء الأفضل كما يفعل مربي الماشية. ولكن لربما أنت تفعلين ذلك في الحقيقة لأن ابنتك هي امتداد لك بطريقة أو بأخرى، لربما أنت تفعلين ذلك لأنك تستمتعين بأن تلبس ابنتك ملابس مثيرة كما لو كنت أنت من يفعل.

ربما لظروف ما كانت لنا حدود لم نحبها، فصرنا نقول سوف أرسم لأولادي حدودًا أبعد من ذلك بقليل، سوف أمنحهم الحياة التي كنت أتمناها لنفسي،

والآن (جيس وات)، هم لن يتوقفوا عند الحدود التي رسمتها لهم في خيالك، لأنهم ببساطة ليسوا أنت ولأنهم لم يكونوا يوما كذلك!

الضُفدع المَيِّت على العرش الذَّهبي

كان المنشور يقول: (لو وضعت ضفدعا على عرش ذهبي سوف يتركه ويقفز في المستنقع). ثم يختم المنشور بالطبع بعض الناس تحن إلى أصولها مهما أحسنت إليها!

إذن لقد كان الضفدع على حق، لأنه لو لم يقفز في المستنقع سوف يموت بأناقة بلهاء على ظهر العرش الذهبي.

أمتعض من هؤلاء الذين يطلقون رأيهم فيما يجب أن يفعله الآخرون بشجاعة وثقة كاملة، من دون أن يضعوا في اعتبارهم الظروف الكاملة لهؤلاء الآخرين.

أنا فقط أدعوك إلى أن تقلل من تقديرك الشخصي لحجم قدرتك وكفاءتك في إدارة حياة المحيطين بك،

دعوة للرَّكض المفتوح

طلبت منهم تأجيل العمل لبعد صلاة الجمعة على الأقل حتى يتسنى لنا النوم في يوم الإجازة الوحيد، فرد علي العامل: «يكفي ما نمته، وقد حان الوقت للاستيقاظ»!

في النهاية، ما هي السلطة؟ هي الضمان بأن كل شخص عنده شخص أعلى منه يخاف منه وينزجر بزجره،

حتى أعتى وأعته مجرمي التاريخ من أصحاب السلطة المطلقة مثل ستالين أو كاليجولا أو كيم جونغ أون، كل هؤلاء لديهم من يخافون منه، ربما كان ولاء قادة جيوشهم أو حرسهم الشخصي والذين قتلوا كاليجولا بالفعل في النهاية،

لماذا أشار الله بعد ذكره إهلاك قوم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد إلى أنه لم يخش عاقبة ذلك؟ {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا الله} [الشمس: ١٤، ١٥]. من ذا الذي جرؤ أن يتصور أن الله قد يخاف عاقبة أفعاله؟ أم أنه مجرد تذكير لنا بسلطة الله المطلقة وبأن الله لن يسائله أحد ولن يراجعه مراجع؟

إن تحريم الله الظلم على نفسه هو الضمان الوحيد الذي حمانا من ذلك. لو أراد الله أن يظلم فلم يكن سيمنعه أحد، ولكنه سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ثم يؤت بعد ذلك من لدنه أجرًا عظيمًا.

وجه الله دعوة واضحة حقيقية للجميع للفرار منه! دعانا لأن نولي هاربين ونجري تجاه آخر بقعة لا يقدر علينا فيها {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا} [الرحمن: ۳۳].

وهل نقدر أن نصل إلى مكان خارج عن سلطات الإله؟

كيف نأمن على أنفسنا من ذلك الذي لو أراد أن يعذب جميع خلقه لما استطاع أحد أن يمنعه؟ {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: ١٧]؟!

كيف لا نخاف عاقبة أفعالنا مِمَّن لا يخاف مِن أحدٍ عاقبة أفعاله؟!

علينا أن نخاف من الله!

لأنَّ الأمر مُخيف بالفعل!

ماذا لو كان يحرص على أن يخبرك بأنه غفور بعد أن يحكي لك عن بطشه؟ ماذا لو كان يؤكد لك أنه ودود قبل أن يذكرك بمجده؟ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤-١٦]!

عوَّامات إنقاذ تلتصق بالأسنان

مَن أخبرك أن حياتنا تتوقف فقط على محاولات إنقاذك؟ ولو لم ترد أن تساعد نفسك فسوف تضطر للغرق للأسف، هذا سوف يحزننا بشدة

لا حول ولا قوة إلا بالله وسلامنا لسيادة المستشار.

فالفكرة يا سيدي أن بحر الشبهات الذي تصر على أن تدخله لأنك مطلع أو لديك نية طيبة فعلا في المعرفة أو حتى (باحث عن الحقيقة) مثل الذين يتسلقون الجبال بحثًا عن رهبان الحكمة في أفلام (الأنمي) أو أيا يكن، فتستأذنك فقط أن تتأكد أولاً من قدرتك على السباحة.

يعني يكون لديك أي خلفية عن العقيدة التي تعتنقها أصلا وعن كلام علماء الدين في تأويل وتفسير الآيات والأحاديث المشكلة، وعن السبب الذي يجعلك صاحب هذه العقيدة بذاتها دون غيرها، هذا غير بعض مبادئ أساسية في العقل والمنطق والفلسفة سوف تحتاجها كي تفهم اللغة التي يتم الحديث بها فتستطيع أن تحدد من الذي يخدعك منهم. ويا حبذا لو خلفية لا بأس بها في أساسيات العلوم الطبيعية بما أنها الملصق الجميل الذي يغلفون به عبوات الطعام المفيدة ويغلقون بها صفائح الزبالة أيضًا، فمن المهم أن تعرف أكثر عن هذا الملصق وحدوده ويا ترى تحته توجد حلوى أم بعض سمك الفسيخ.

وأما لو خضت البحر دون تعلم السباحة، أو كنتَ تظن أنك تقدر عليها وتبين العكس، فهذا خطأ من الوارد أن يحدث من أي واحد منا، والمفترض الصراحة تكون لدينا فرق إنقاذ على أعلى مستوى.. ندوات وصالونات ثقافية وفيديوهات تعليمية بمونتاج رائع شبيه بأفلام هوليود حتى لا تصاب بالملل أثناء المشاهدة، وأفلام وثائقية شيقة، ومدارس فلسفية تتشاجر بأناقة في المجلات الثقافية، وتقريب للتراث القديم في صور جديدة براقة لامعة تليق بكل متخصصين الكيمياء الحيوية، ومناظرات ومؤتمرات علمية وثقافية و (ترابيزات بلياردو وبنج).

أنا أريد فيديو دقيقتين أسمعه أثناء التهامي لشطيرة العشاء ينهي كل شيء ويجيب عن لغز الوجود وفلسفة العلوم ومآلات الحيرة الإنسانية وتوقعات الفانتازي في الدوري الإنجليزي.

ذكرني بشروري

ذكرني بالوردات التي قطفتها من الحديقة أتأمل فيها جمال صنعك وتساءلت عن الجمال الكامن في الإمكان، وبالعبرات التي مسحتها عن وجهي سريعًا في المحاضرة حين عرّفوني على كمال رحمتك في خلق الإنسان، وبملمس حصير المسجد الخشن على جبهتي حين تساءلت إن كانت أعواد الحصير سوف تشهد لي يوم القيامة أني قد ذقت حلاوة الكلام معك. ذكرني يا رب بكل تلك الكلمات التي أجريتها على لساني يوم تكلمت معك.

ذكرني بارتجافات قلبي عند آثامي الأولى، بانتحاباتي في الأسحار الأولى بابتساماتي وقت الأحزان الأولى بنظراتي إلى السماء عندما تعلمت القليل عن قدرتك. ذكرني يا رب بتلك الهمسات التي سبحت بها حين أبهرتني قدرتك.

ذكرني يا رب بجذوري، ذكرني بنبتتي وبذوري. ذكرني بما كان به حبوري، بما كان منه نفوري. ذكرني بخفة روحي وبانتظامة حضوري. ذكرني بشروري.

ذكرني يا رب بنفسي التي قد ضاعت مني في شروري.

الرجل الأُمَّة

قيل إن إبراهيم لما شبّ وتكلم، قال لأمه من ربي؟ فقالت: أنا. قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك. قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت!

هي من المرويات الضعيفة، ولكنها على كل حال تبدو كشيء يمكن لإبراهيم أن يفعله في طفولته!

أذوب حبا لسيدنا إبراهيم،

خلّد الله في القرآن ذكر نظرته إلى السماء لما كان يبحث عن ربه، … أم ترى أن الله هو من خلق كل هذه الأشياء الجميلة ثم احتجب عنا بنوره لأنه أجمل من أن نراه في هذه الدنيا القبيحة؟

أذوب حبا لإبراهيم لما أتذكر أنه البطل المجهول الذي أطلق علينا نحن اسمنا المميز ثم اختفى في الظلال، لما كان يبني البيت فيقول هو وابنه: {رَبَّنَا وَاَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ} [البقرة: ۱۲۸]، فاستجاب الله له -كالعادة- وأمرنا أن نتذكر بطلنا المجهول: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: ٧٨].

فيقول لهم بأعلى الأصوات وأوضحها: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: ٢٦].

وقف إبراهيم على صخرة لينة ليبني البيت الحرام فأمر الله أمة الإسلام بتعظيم أثر قدميه وأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

هو ذلك المناظر البارع الذي أحرج الجبار الأبله الذي كان يظن أنه يحيي ويميت هو ذلك الفتى اليافع الشجاع المندفع بالحق لما حطّم أصنام مدينته أملا في أن يفيقوا من غفلتهم. هو ذلك الباحث عن طمأنينة الإيمان الكاملة وعين اليقين الناظرة لما طلب من ربه أن يريه إحياءه للموتى. هو ذلك الخائف من ظلمات نفسه، المقدّر لزلات ضعفه المعترف بوجود هواه، لما دعا الله خائفًا أن يجنبه أن يعبد الأصنام. وهو ذلك المضياف الكريم الذي لما جاءه أضياف أغراب عنه ذبح لهم عجلا سمينًا بأكمله، ثم شواه وطيب لهم الطعام.

الرُّوزنامة

الحياة هبة من الله ونعمة من لدنه حتى وإن كرهناها، مرحبًا بك معنا أيتها الصغيرة الحمقاء.

أراك يا صغيرة تصبحين غير صغيرة. أراك تتعرفين على ثمرات الحياة المحرّمة على لذة الإثم، على حسرة الخطيئة، على خبث الطوية التي فاجأتك بعد أن ظننت أنك من القديسات أراك فهمت أنه لا وجود للقديسات. أراك تتغيرين.

لِبْس السِّتَّات

ماذا حدث للبنات؟! بتلاشي الكثير من مظاهر الحياء

وصار هناك نوع جديد من تقسيم الناس الشخص الـ (كول) الذي لا يهتم بموضوع الحجاب، والشخص الـ (ريتاردد) الذي ما زال يتكلم عن لبس الستات!

بحيث الذي يتكلم في هذه المسألة وقح و (هايف) في نفس الوقت.

ولكن الفكرة أننا -وحسب عقيدتك الخاصَّة- (تطوَّرنا) من هذه المرحلة – مما يقرب من ٢٠٠ ألف عام، يعني نحن الآن نعود في سلم التطور للوراء! ونعكس ما قامت به الطبيعة بالانتخاب الطبيعي، وقد قامت به لسبب وجيه بالتأكيد!

الحجاب في فلسفته الأساسية رفض للطريقة (الطبيعانية) التي تسير بها الأمور حين تحكمها الغرائز والموارد المتاحة!

في مجتمع متخبط مثل مجتمعنا لا يستطيع أن ينفتح ولا يريد أن يتدين يصبح منحنى العلاقة بين (الرغبة) و (الوصول) غريب الشكل الرغبة كأشد ما يكون، والوصول لم يعد أيسر من ذي قبل. وفي ظل الظروف الاقتصادية الأشد صعوبة أصبح الشباب لا يستطيع أن يتزوج، أو أصبح الزواج بالنسبة إليه هو أن يدفع كل مدخراته فيما يشبه عملية شراء لبطيخة، لا يعرف عنها شيئًا قبل الزواج، ولن يستطيع تكرار فرصته من جديد فبالتالي لم يعد حتى يرغب في الزواج.

ولا أذكر عدد من راسلني من البنات ليبحثن عن استشارة مفادها: (أريد خلع الحجاب كي أتزوج، زميلاتي المتبرجات يحصلن على فرص أكبر)، في حين وصلني عدد آخر من الرسائل لبنات خلعن حجابهن لهذا السبب تحديدا.

هنا نلاحظ أن هذه الطائفة من البنات يلمنك على شيء يقمن به هن باستمرار يعيبون على المجتمع أن يقوم بتشييء المرأة Objectification والتعامل معهن كسلعة، بينما هم الممارس الأول والأكبر له في المجتمع فعلا.

والفلسفة الإسلامية ببساطة لو تم تأملها بإنصاف فيما يتعلق بحجاب المرأة هو كسر هذه الحلقة المريضة، لا المرأة سلعة يجب أن تعرض نفسها، ولا الرجل الذي اجتذبته بهذه الطريقة سيكون رجلًا وفيًا على كل حال، وبالنسبة لزوج تم اجتذابه بطريقة (الفاترينة) فالعرض بعد الزواج سوف يستمر في الشوارع بطبيعة الحال!

جزء كبير آخر من أسباب الرغبة في التبرج هو الاحتياج إلى (الإحساس بالجمال من خلال الاستمتاع بإعجاب الناس بك). … وهي بالمُناسبة غريزة طبيعية عند الأنثى ومتفهمة، تكلم عن مثلها الله عزَّ وجلَّ لمَّا قال: {أَوَمَن يُنَشَؤُا فِي الْحِلْيَةِ} [الزخرف: ۱۸]. ولكن كما هو الحال مع أي غريزة، ما هو الوقت والمكان المناسبان لصرفها فيه؟ ومن الشخص المستحق لذلك؟

وحين ينظر شاب بإعجاب إلى ملابسك الضيقة أو المكشوفة – هل إعجابه كان بروحك؟ بشخصك؟ بأفكارك؟ بعقلك الجميل؟ برؤيتك للعالم وأفكارك الفلسفية؟ أم أنك تعرفين أن إعجابه فقط بكل تلك الأشياء التي تقع بالنسبة له في نطاق يجعلك مجرد وسيلة لاستمتاعه متجاهلا أي شيء آخر فيك.

الله يريد لك القيمة بعيدًا عن التَّسلِيع والرُّخص!

الورق الأخضر

أول شيء رأيته للـ (خ. كـ.) أعلمني أن هذا الشاب يدعي (السآلة) فقط كي يشتهر،

خذ عندك مثالا (أ. ص.)، هو شاب متحمس يصنع مقاطعه المرئية العلمية منذ كان في الثانوية، مؤخرًا نشر إعلانًا عن كورسه الجديد عن الأسماء الحسنى وعلاقتها بـ (علم السيطرة على الأرض)، واصفا نفسه في مقدمة الكورس بأنه -حرفيًا- الشاب الذي أنار الأرض كلها فكرًا وعلمًا في سن الخامسة والعشرين. … أمين لديه غالبًا بعض الأمور النفسية التي تحتاج إلى استشارة مختص ولكن من جديد نلاحظ أن كل شيء يمكن تفسيره في نطاق رغبة المال الضيقة.

لكن يمكننا فقط أن نلاحظ ببساطة أن الشهرة والظرافة وجنون العظمة والتعالم هي رغبات وليدة ومسكينة بالمقارنة بالوحش الأكبر: الرغبة البشرية للأوراق الخضراء والذهب الأصفر وكل ما يلمع وكل ما يُجمع وكل ما يُكال. الرغبات البشرية في كثير من الأحيان يمكن فك رموزها وتبسيط تعقيدها إلى رغبة بسيطة وهي البحث عن المال. فنحن كما قال الله، نحب المال حقا حبًا جمًا.

لذلك كان في نظري من أجمل وأقوى عبارات القرآن تلك العبارة التي قالها مؤمن آل ياسين لقومه: {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْئلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ} [يس: ٢١]

الأنبياء الذين تكبدوا عناء دعوتهم لم ينالوا من أجل ذلك مالا أو رفاهية، مات النبي موسى في تيه الصحراء، ومات النبي محمد ودرعه مرهونة، وكاد النبي أيوب أن يموت من الجوع، عليهم جميعًا الصلاة والسلام.

الدَّرويش

ذهب إلى عجوز يتأمل على إحدى القمم، وقال له يا سيدي ما الحكمة من هذه الحياة؟ فأخرج الحكيم صحيفة مهترئة من (الأفيستا)، وأخرج بتؤدة نظارته السميكة وقال: «الزرادشتية تقول لك لو سعيت إلى نشر السلام على الأرض فقد حققت حكمتك من الحياة». دمعت عين الفتى وقال في نفسه: صدق من قال اطلبوا العلم ولو في الصين.

ثم ذهب إلى كاهن هندوسي في معبده وقال له يا سيدي ما الحكمة من هذه الحياة؟ انقطع الكاهن عن تأمله ونظر في صحف البهاغافادا وقال له: «يا بني الهندوس يؤمنون أن الحكمة من الحياة هي أن تصفو بروحك وتتوحد مع الروح العليا لهذه الكون». ابتسم وقال: فعلا الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

ثم ذهب إلى راهب بوذي في أحد الأديرة المُتجمِّدة في التِّبت، وقال له يا سيدي ما الحكمة من هذه الحياة؟ فقطع الراهب تأمله وفتح صفحات السَّلَّات الثلاث وقال: «له يخبرنا (بوذا) أنَّ الحكمة من الحياة هو تخليصها من المعاناة المُتأصِّلة في وُجُودها بالطَّريق الثُّماني النَّبيل». تأثَّر الشَّابّ وقال بالفعل ما أحكم الأصمعي حين سُئل: بم نلت ما نلت؟ قال: «بكثرة سؤالي وتلقُّفي الحكمة الشرود»!

ثم ذهب إلى راهب أرثوذكسي في أحد أديرة اليونان فقال له: يا سيدي ما الحكمة من الحياة؟ فتح القس عينيه ونظر له وكأنه تفاجأ ثم فتح الكتاب المقدس وقال: «يا بني، نحن نؤمن أن الحكمة من الحياة هي أن تتقبل حب يسوع لك ليحررك من خطاياك». تأثَّر الفتى وقال في نفسه: حقا كما قال فولتير قد أختلف معك ولكني سأموت دفاعًا عن حقك في قول وجهة نظرك.

ثم ذهب الفتى إلى شيخ مسلم في أحد المساجد، فقال له: يا سيدي ما الحكمة مِن هذه الحياة؟ ابتسم الشيخ وفتح القرآن وقال: «يا بني….» قاطعه الفتى: يا إلهي! ما هذا؟ هل سوف تتكلم معي بالقرآن؟ إذا كنت أصلا أنا أشك فيه يا درويش يا مُرتكب المُغالطات المنطقية يا (مُهزّأ)!

عسى أن يشعر بالأناقة

كيف يتحمل أن تعجبه نفس الفتاة التي تعجب الجميع؟ كيف يتحمل أن يحمل بداخله نفس الشهوات ونفس الرغبات الجائعة ويكون مجرد واحد آخر من الحالمين بنفس الأحلام البشرية المعادة؟ يحتاج إلى أن يشعر أنه أهم من ذلك.

غابات المطاط

كان لي صديق وأنا طفل وكنت أحبه، وكان بقية أصحابي لا يشاركونني الرأي ويرون أنه من غير اللائق أن نلعب معه، لأنه ابن البواب ظللت متعجبا من كلامهم، ليس لأني متواضع، ولكن لأني لم أفهم ما المشكلة في مهنة البواب؟!

لا يكتفي البشر بوضع الأوراق اللاصقة على الفقراء، فهم يحبون وضعها على كل من لا يصطبغ بألوان مقاييسهم الخاصة.

كيف تجرؤ على أن تحقر من ذاتك بناء على مقاييس مجموعة من البشر

لـــو

الندم أشد العذابات التي ابتكرها العقل البشري إيلاما التساؤل المستمر عمّا إذا كنت أخذت الاختيار الصحيح، إن كنت تزوجت من الشخص المناسب، أو دخلت مجال الدراسة الأفضل، أو امتهنت المهنة التي تليق بك.

وبرغم أن الندم يبدو لنا وكأنه ذكي وحكيم ويجيد التفكير والحسابات، إلا أنه ليس كذلك على الإطلاق.

الخطيئة الكبرى التي يقع فيها النادم أنه يفترض أن هناك مسارا آخر كان من الممكن أن تسير فيه الأحداث، بينما الحقيقة ستكون قدرتنا على التغيير – إن نجحنا بالعودة فعلا محدودة، لأننا سوف نغير مسار الأحداث الذي انتهى بنا إلى تلك اللحظة الحكيمة التي فطنا فيها أننا نحتاج إلى التغيير!

سعادة التَّفاصِيل

يسعدني أن تتشبث بي زوجتي في أوقات الخصام حين تخاف من صوت يفزعها. يسعدني أن أشعر أنني أرقد في قاع محيط وجدانها لا تقدر أمواج الغضب أن تخرجني منه بسهولة. يسعدني أن أجدها تخاصمني بوعيها وتطمئن إلي بلا وعيها.

يسعدني أن أشعر بتوزيع الله لأرزاق مشاعرنا وحالاتنا حين يسأله من في السماوات والأرض فيكون كل يوم في شأن.

يسعدني ما تفعله القهوة في انضباط مزاجي وتركيزي وحماسي للعمل. يسعدني أن أفكر في رأفة الله بحال البشر حين خلق نبات البن. يسعدني أن أطمئن أن ضعفي الإنساني يعلمه ذلك الإله القيوم.

يسعدني أن أشعر بأن الله جميل، أجمل بكثير مما نظن.

يسعدني أن أشعر بجمال الأشياء من حولي، ليس لأني أراها كذلك، ولكن لأنها جميلة بالفعل..!

الزَّواج مِن سمكة الرِّنجة

بالنظر إلى أمثال البريطانيين عن الحب يتبين لنا أنهم أخذوا الصدمة على مهل ففي القرن الرابع عشر ظهر المثل [الحب أعمى]، وهو ما يصلح كملاحظة مبدئية. ثم في أوائل القرن السادس عشر ظهر المثل الشعبي [لا يمكن للمرء أن يحب وأن يكون حكيمًا في الوقت نفسه]. ثم في منتصف نفس القرن ظهر المثل [تزوج في عجلة واندم على مهل]!

بينما العرب كانوا أسبق منهم جميعًا بالمثل العربي: [حُبُّكَ الشَّيءَ يعمي ويصم]، وهو أثر مروي بطريق ضعيف عن النبي ﷺ.

وسبب اشتهار الحب بصفة العمى أننا حين نقع في الحب لا نرى حينها عيوب المحبوب، ولا نرى أحدًا آخر – والذي قد يكون أكفأ وأنسب غير المحبوب.

طبقًا لحسابات بعض البيولوجيين لا يمكن أن يستمر ذلك النوع من الحب الرومانسي بعد الوصال أكثر من عامين! … لا أشتري ذلك بضمير مطمئن على كل حال!

يقولون إنه وبعد أن تنتهي هذه المدة يعود التفكير النقدي المميز لكامل طاقته، يمكنك حينها أن تبصر عيوب محبوبك كاملة بدون عتامة كيوبيد إياها التي كانت تقبع فوق مجال الإبصار!

أتى الإسلام بحل طريف للغاية لهذه المعضلة: حاول أن تختار وأنت في كامل قدرتك البصرية وكامل تفكيرك السليم غض بصرك، لا تختلط مع الجنس الآخر بما فوق الحاجة، لا تسمح بعلاقات الزمالة أن تتطور إلى صداقة ولا للمحادثات الضرورية أن تخرج عن الحد، لا توقع نفسك في العمى، لا تفتح مخزونك العاطفي الفياض الذي خلقت به لأي أحد، تأكد أولا أنه هو الشخص السليم بينما أنت محتفظ بعينيك، بعيدا عن كيوبيد الأحمق.

بارافيليا

بعد الكثير من البحث كانت آخر دراسات مجلة Nature في ۲۰۱۹ تقول باختصار: احم لم نجد شيئا.

لم يثبت علميا أبدًا أن المثلية الجنسية Homosexuality لها سبب جيني، وهي انحراف نفسي سلوكي، وتعتبر جزءًا من قائمة طويلة من الأمراض النفسية التي تتعلق بالانحراف الجنسي Sexual Perversion.

حسنًا، المفاجأة أن قائمة البارافيليا تشمل الكثير والغريب من الانحرافات الجنسية الأخرى، وجميعها بسبب مرض ما، ليس عن رغبة صاحبه.

مثل حب ممارسة الجنس مع الأطفال Pedophilia، ومع الموتى Necrophilia، ومع الحيوانات Zoophilia، ومع شخص يبكي أو يتألم Dacryphilia، ومع كبار السن والعواجيز Gerontophilia، ومع أشياء غير حية Sexual fetishism، ومع شخص نائم أو فاقد الوعي Somnophilia، ومع شخص مشوّه Teratophilia، ومع الأشجار Dendrophilia، ومع السيارات والآلات الميكانيكية Mechnophilia، ومع الأقدام Podophilia، ومع الأنوف Nasophilia، ومع الأشياء القذرة أو المتسخة Mysophilia ومع المعاقين عن الحركة Abasophilia، ومع ذوي الأطراف المبتورة Acrotomophilia، وحب التحرش بشخص لا يوافق على ملامستك له Frotteurism، وحب الإيذاء الجسدي لمن تمارس الجنس معهم Sadism، وحب تلقي الأذى من شخص يمارس الجنس معك Masochism وحب الاغتصاب Bistophilia، وربما أكل أجزاء من المغتصب كذلك Anthropophagolagnia، وحب الاختناق أثناء ممارسة الجنس Asphyxiophilia، وحب ممارسة الجنس على المسرح أو أمام الناس Autagonistophilia، وحب القتل أثناء ممارسة الجنس Erotophonophilia، وحب إظهار الأعضاء الجنسية لشخص لا يوافق على ذلك Exhibitionism، وحب شرب الدماء أثناء الجنس Hematolagnia، وحب تعذيب الحيوانات للوصول للنشوة الجنسية Zoosadism!

قل لي إذن ما ذنب الشخص الذي لا يصل لنشوته الجنسية إلا بالاغتصاب أو التحرش أو الأطفال أو الجثث؟!

الإسلام يدعي

فلسفة الإسلام في التعامل مع الأديان من قبله مثيرة للعجب، فهو يصر على إظهار وتأكيد وترسيخ كامل الانتماء لأصحاب الرسالات من قبله والذين اتبعوهم بحق مع إصرار مقابل في الاتجاه مساو في القوة للتبرؤ والتملص والتنصل من أتباع نفس الأنبياء الذين اتبعوهم على باطل وشوهوا طريقتهم وأساؤوا إلى سمعتهم بعد ذلك.

عقيدة الإسلام ما هي إلا امتداد زمني متصل لعقيدة آدم حين خلقه الله جلَّ جلاله بيديه.

الأمر أكبر حتى من ذلك؛ فالإسلام يقدم نفسه على أنه دين الحيوانات والطير والجماد من مخلوقات الله الذي له أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها.

تلك القوة والثقة التي تترسخ في عقيدة المسلمين بالنظر إلى دينهم ليس فقط بكونه الدين الصحيح الوحيد الموجود الآن على ظهر الأرض ولكن بكونه الدين الصحيح الوحيد الذي وُجد يومًا على ظهر الأرض منذ خلقها الله جلَّ جلاله.

خُصٌّ مِن قَصَب

وصل بهم الأمر لدرجة أن فكروا في الجنة فوجدوا أنها (مش أدّ كده)!

بغض النظر عن أن الجنة فيها كل ما تشتهيه الأنفس وزيادة، وأنه لا يوجد في الجنة من سيشعر بالضيق أو الحزن أو الغيرة أو الملل، وأنه لا يوجد فيها مما كان موجودًا في الدنيا – اللهم إلا تشابه الأسماء،

اعذرني، ولكن… أليس من المفترض أن تفرح حينها؟! ألا يكون هناك بعث ولا سؤال عن كل ما فعلته في حياتك. من أين أتيت بكل هذا التفاؤل فيما يخص طريقة حسابك؟!

عاهة

أريد أن أخبركم – وبدون سبب واضح – أن الكثير من ملحدي العرب عبارة عن عاهات فكرية!

هناك مجموعة من الأفكار والأحوال لا يصلح تسميتها باسم لطيف في النهاية، فكان الاختيار ما بين العاهة ولفظ آخر أقل منه أدبا.

مُتحرِّش شرودنجر

عاقبوا المُتحرِّش مُجتمعيًا قدر ما تستطيعون، ولكن يجب عليكم أن تقروا أن عدم اعترافكم بالقيم المجتمعية الضابطة للحياء سيجعل المتحرش يظهر وكأنه فقط يُعاقب على سوء حظه!

حين ترخي حبل الحريات الجنسية إلى آخره، ماذا يمكن أن يفعل ذلك في الشباب الذين لم يعتادوا – ولو للحظة – على ممارسة الفضيلة؟! هل لنا أن نتوقع أن يربي ذلك لدينا مجتمعًا من أصحاب اللباقة ودماثة الخلق الكافية للتوقف عند الحدود الواهية التي رسمها له المجتمع المتحرر؟!

ربما لهذا نجد أن أكثر الدول تحررًا هي أكثر الدول في نسبة الاغتصاب والتحرش الجنسي،

في النهاية، فالنتيجة واحدة، سوف تدرك في مرحلة ما أنه مهما كثرت محاولات التطبيع مع النفس فلا بد من المواجهة في النهاية، ومهما كانت نفسك عزيزة عليك أن تمنعها من شيء تشتهيه، فمن اللازم عليك أن تضطر إلى منعها فعلا في يوم من الأيام.

وقتها لن ينجح غير من تدرب على المقاومة!

مجاهدة النفس والصبر عن المعصية ومقاومة الهوى وكل هذه الكلمات المعقدة التي نسمعها في خطب الجمعة ونتخيل أنها ليست لنا نحن ولن نحتاجها.

في الحقيقة كلنا فعلا – عاجلا أو آجلا – سوف نكون في أمس الحاجة إليها.

الدين هو أكثر وسيلة فعالة في تحويل بوصلتك من الطِّين للسَّماء،

الطَّماطِم اليوم

مطلوب سكرتيرة حسنة المظهر تعمل موظفة استقبال في مركز طبي عدد ساعات العمل ۸ والمرتب ۱۲۰۰ و يشترط أيضًا اللباقة وحسن الاستقبال..

مطلوب منك كفتاة باحثة عن لقمة العيش أن تعملي بالطاقة القصوى للعمل، ٨ ساعات في اليوم، ٦ أيام في الأسبوع، مقابل…. ٤٠ جنيها في اليوم!

تقول لي: هذه شروط مجحفة، لن يجد من تقبل. لكنه في الحقيقة سوف يجد العرض والطلب يضمنان له أن يجد، ومع الوقت فأرباب الأعمال قد يخفضون في الأرقام المعروضة إلى أن يصلوا مطلوب عامل يهب نفسه لي عبدا مملوكًا مقابل لقمة عيشه وألا أدعه يموت (في الحقيقة لا أجد كبير فرق بين الإعلانين، حينها سوف يجد أيضًا، وسوف يتقدم هؤلاء في صف ويقابلهم الـ HR ليحدد إن كانت الشركة ستسمح بشرائهم مجانًا أم لا.

المشكلة أن كل واحد من أرباب الأعمال هؤلاء لن ينظر إلى نفسه كمستغل أو كظالم بالنسبة إليه طالما هذا هو (سعر السوق) فليس عليه حرج.

نتعامل مع أحلام البشر وحيواتهم وساعات أيامهم وعرق جبينهم كما نتعامل تمامًا مع الطماطم، اليوم سعرها ثماني جنيهات، من الحماقة إذن أن تشتريها بتسعة!

عزيزي المواطن احذر من العاهرات

في منتصف العام (۲۰۱۹) وجدنا صورة على فيسبوك مثل التي حكينا عنها في بداية المقال مجموعة من الناس بدون لحية يمسكون بواحد آخر له لحية، ومكتوب تحتها كلمات لحث المواطنين على سرعة الإبلاغ عن الإرهابيين!

نسيت أن أقول إن هذه الصورة كانت على الصفحة الرسمية لدار الإفتاء المصرية!

سيكون أمرًا طبيعيا تماما أن تتعايش مع فكرة وجود أماكن في مصر لا يجوز لك أن تدخلها، على سبيل المثال وعلى المستوى الشخصي لم أتمكن من حضور حفل زفاف أختي لأنه قد تم منعي أنا وزوجتي عند البوابة، بينما شرح لنا حارس الأمن أن دخول المنتقبات والملتحين إلى المكان ممنوع!

يبقى ذلك ألطف كثيرًا من ذلك النادي في القاهرة الذي صور أحدهم لافتة معلقة على بوابته تقول: (ممنوع دخول الملتحين والمنتقبات والحيوانات)!

أتى أحد كبار السن الطيبين ونظر لي شذرا قائلا: «خفف من لحيتك، حتى لا يظن أحد أنك إرهابي».

تخيَّل لو ذهبتُ أنا لتلك الفتاة هُناك الخارجة معي من ذات عربة قطار المترو وقلت لها بعد أن أنظر لها شذرا: «أتمنى لو كانت تنورتك أطول من ذلك حتى لا يظن أحد أنك …»

نجهز بطاقاتنا الشخصية أثناء اقترابنا من أحد الكمائن في المواصلات ونقرأ ما تيسر من القرآن على سبيل الاستغاثة.

إنَّ الإرهابيين الذين ينفذون أحد مهامهم التدميرية أو يحاولون تفجير فرح أختي يعرفون أن أجهزة الأمن ومعهم قطاع عريض من المجتمع سوف يبحثون عن اللحية، الأمر بسيط، سوف يحلقونها بسهولة قبل التحرك بالفعل ليتماهوا وسط الجميع!

جلادستون

يقول المُلحد: «انظر كم مليون إنسان على دين غير ذلك الذي وُلدتَ عليه؟ هل معقول كل هؤلاء خطأ وأنت فقط على صواب؟!»

جلادستون: نعرفه في العربية باسم محظوظ، ابن عم بطوط في قصص مجلات ميكي.

لكن الحقيقة الاعتماد في الإلحاد على هذه الفكرة بمجردها أمر في منتهى السذاجة.

وسبب السذاجة أن كل خيارات اللادينية هي اختيارات في النهاية وسواء قلت إلحاد أو لا أدرية أو ربوبية أو شيئية أو إله غير شخصي…. إلخ.

فأنت في النهاية اخترت اختيارًا ما أيضًا، وفصله عن الأديان ظلم وانحياز غير مبرر، في النهاية يمكن النظر لجميع الأديان على أنها أفكار أو عقائد مثلها مثل أفكار اللادينية بالظبط.

فما دامت هناك حقيقة مطلقة في مكان ما فقانون الاحتمالات ليس في صالحك حين تقول إن الحقيقة المطلقة في الإلحاد مثلا – مثلما تمامًا لم يكن في صالحي حين أقول إنها في الإسلام.

في النهاية هناك اختيار ما، وهذا الاختيار هناك فئة ما أيضًا محظوظة أنها ولدت عليه، هذا كله لا يمكن إنكاره..

خروجك من هذه الفكرة الصائبة لمجرد أنك لا تصدق أنك قد تكون ولدت عليها – غباء. وثباتك على فكرتك الخاصة لمجرد أنك متأكد أنك ولدت على ما هو صواب – ضيق أفق.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading