بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
القديس يوستينوس الشهيد
الدفاع عن المسيحيين والحوار مع تريفون
أقدم النصوص المسيحية، سلسلة النصوص الليتورجية
تعريب / الأب جورج نَصُّور
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الوثائق الأصلية]
فهرس الموضوعات:
اعتراض: ما مصير الناس الذين عاشوا قبل المسيح؟
الخاتمة: دعوة الحكّام إلى العدالة
يجب الرجوع إلى الأنبياء لمعرفة الحق
يَرْفُضُ الْيَهُودُ عِبَادَةَ الْمَسِيحِ
الإله الذي كشف عن ذاته لإبراهيم يختلف عن الله الأب
المتكلّم مع موسى يتميّز عن الأب
الألفيَّة في أشعيا وسفر الرؤيا
الخاتمة: وداع يوستينوس إلى تريفون
في أوائل القرن الثاني ولد القديس يوستينوس في فلا فيا نيابولس (نابلس الحالية) في فلسطين، من أسرة وثنية منحدرة من أصل روماني، وتربى في الديانة الوثنية.
وقد تتلمذ على أفلاطوني كان وصل حديثاً إلى نابلس.
فكرّس حياته للدفاع عن المسيحية وتعليم مبادئها. لعله وجد نور الحق حوالي سنة ١٣٠ ، لأننا سنجده بين ١٣٢-١٣٥ في أفسس يجادل اليهودي تريفون؛ وسيكون هذا الجدال سبباً في تأليف كتابه المشهور الحوار مع تريفون عام ١٥٥. ثم جاء إلى روما حيث استوطن وأسس مدرسة لتعليم العقيدة المسيحية.
ومن روما، على الأرجح، كتب دفاعه الأول إلى الإمبراطور أنطونينوس البار حوالي سنة ١٥٢. وفي مطلع عهد الإمبراطور مرقس-أوريليوس (١٦١-١٨٠) كتب دفاعه الثاني للقيصر.
إنَّ جُنّ الشَّرِّ الذين ظهروا قديماً على الأرض، انتهكوا أعراض النساء، وأفسدوا الغلمان، وألقوا الرُّعب في قُلُوب الناس.
ففي فزعهم لم يتمكن هؤلاء من تقدير هذه الوقائع بحسب العقل، بل استحوذ عليهم الخوف؛ وإذ لم يميزوا خبث الشياطين سموهم آلهة وأعطوا لكل واحد منهم الاسم الذي اختاره.
أما سقراط الذي بحث هذه الأشياء على ضوء العقل والحق، فحاول أن ينير أذهان الناس وأن يصرفهم عن عبادة الشياطين. ولكن الشياطين أدانوه بواسطة الأشرار الأئمة كملحد وكافر، بحجة أنه كان يُدخل آلهة جديدة.
٦- إنهم يدعوننا ملحدين. أجل، إننا نقر بذلك.
إننا ملحدون بهؤلاء الآلهة المزعومين، ولكننا نؤمن بالإله الحقيقي، أب العدالة والحكمة والفضائل الأخرى، الذي لا يخالطه شر.
ومعه نُبجِّل ونعبد ونكرم بالرُّوح والحق الابن الآتي من لدنه، الذي أعطانا هذه التَّعاليم،
وجيش الملائكة الآخرين الصالحين الذين يُواكبونه ويشبهونه، والرُّوح النبوي.
ها هي العقيدة التي تعلَّمناها والتي نُبلِّغها إلى مَن يُريد أن يتعلَّم.
سوف تُلاقون شرّ عملكم، وهذا ما يعلنه لكم الكلمة، أقوى وأعدل أمير بعد الله الذي ولده.
(…) كل ذلك قد تنبَّأ به مُعلِّمنا، ابن الله ورسوله،
أب وسيد كلّ شيء، يسوع المسيح، الذي منه نستمد اسم مسيحيين.
١٣- أي إنسان عاقل لا يوافق على أنَّنا لسنا بكفرة؟ إنَّنا نعبد خالق هذا الكون.
(…) وسنبين لكم أيضًا أننا نعبد بحق ذلك الذي علمنا هذه الأشياء، وَلَدُ لِيعلمنا إياها، يسوع المسيح الذي صُلب في عهد بيلاطس البنطي، والي اليهودية، في عهد القيصر طيباريوس، الذي نرى فيه ابن الله الحق ونضعه في المنزلة الثانية، وفي الثالثة الروح النبوي.
يا للجنون على حد ما يقال لنا أن تنزلوا في المنزلة الثانية بعد الله الثابت، الأزلي، خالق كل الأشياء، رجلًا مصلوبًا!
هذا سر لا تفهمونه. سنشرحه لكم، فتفضلوا اتبعونا.
لأننا حالما آمنا بالكلمة تركنا عبادتهم لكي نتحد بواسطة الابن بالآب غير المولود.
(…) واليوم -بعد مجيء المسيح- نعيش معًا، ونُصلِّي لأجل أعدائنا، ونحاول اكتساب مضطهدينا الظَّالمين، حتى يتسنَّى للذين يتبعون تعاليم المسيح السَّامية أن يأمَّلوا في مثل ثوابنا من الله سيد العالم.
٢١- عندما نقول إنَّ الكلمة المولود الأوَّل من الله، سيِّدنا يسوع المسيح، قد وُلد بدون عمل جسدي، وإنَّه صُلِبَ ومات، وصعد إلى السَّماء بعد أن قام من بين الأموات، نحن لا نُسلِّم بشيءٍ أكثر غرابة مِن تلك الكائنات التي تُسمُّونها أبناء زفس [زيوس].
إنَّكم لا تجهلون ما ينسبه أجدر كتابكم إلى زفس مِن أبناء.
فهرمس، سيِّد العالم، هو كلمته ومُفسِّره.
٢٢- إنَّ ابن الله الذي ندعوه يسوع إن لم يكن إلَّا إنسانًا عاديًا يستحقّ بحكمته أن يُدعى ابن الله. لأنَّ جميع الكُتَّاب يعطون لله لقب أبي البشر والآلهة.
فإذا قُلنا عن كلمة الله إنَّه وُلِدَ مِن الله بطريقةٍ خاصَّةٍ -خلافًا للنَّاموس العادي- فتلك تسمية يُشارك فيها هرماس الذي تدعونه كلمة الله ورسوله.
رُبَّما يعترض البعض علينا أنَّه صُلِبَ؛ ولكنَّه يُشبه في ذلك أبناء زفس الذين عددتهم أعلاه والذين تألَّموا كما تدَّعُون. ويُحكى أنَّهم لاقوا أصناف الموت المُتنوِّعة.
(…) نقول إنَّه وُلِدَ مِن عذراء، وفي هذا يشترك مع برسيوسكم. كان يشفي العرج والمخلّعين والمرضى مُنذ مولدهم، وكان يُقيم الموتى. وفي هذا أيضاً يُشبه الأعاجيب التي تحكونها عن أسكليبيوس.
٢٣- إليكم ما نريد أن نبرهن عنه:
هذه التَّعاليم التي تسلَّمناها من المسيح ومِن الأنبياء الذين سبقوه، هي وحدها الحقَّة، وهي أقدم مِن جميع كُتَّابكم. وإذا طلبنا منكم أن تقبلوها فذلك لا لكونها مُشابهة (لأساطيركم) بل لأنَّها حقَّة. يسوع المسيح وحده هو ابن الله الحقيقي، كلمته، مولوده البكر وقدرته. وقد صار إنساناً بإرادته لكي يمنحنا عقيدة من شأنها أن تُجدِّد الجنس البشري وتُحِييه.
وقبل أن يظهر إنساناً بين البشر -وتحت إيحاء الجِنّ الذين تكلّمت عنهم- استسبقه البعض، وبواسطة الشُّعراء، فقدَّموا أساطير مُلفَّقة وكأنَّها حقائق واقعية. كما أنَّهم أثاروا ضدّنا افتراءات مُهِينة وكافرة لا بُرهان عليها ولا شاهد. هذا ما نريد أن نُبيِّنه لكم.
(…) مع أنَّنا نقرأ، كما أعلنه الأنبياء، أنَّ يسوع مسيحنا يجب أن يأتي ويُولَد من عذراء، ويُصبِح إنساناً كاملاً، ويُشفِي كلّ مَرَض وكلّ سَقَم، ويُقِيم الموتى.
وأنَّه سيُضطهد ويُصلَب ويموت ويَنهَض ويصعد إلى السَّماء.
وسَيُعْتَرف به ابناً لله، وسيُرسِل مَن يُبشِّرون بهذه الأُمُور في العالم أجمع.
٣٢- يقول موسى أول الأنبياء ما نصه:
لا يزول صولجان من يهوذا ومشترع من صُلْبِهِ حتى يأتي مَن حُفِظَ له (هذا الصَّولجان) وسيكون مُنتَظَر الشُّعُوب. يربط بالجفنة جحشه… ويغسل بدم العنب رداءه . [تك 49: 10-11.]
(…) إنَّ الصَّولجان لَن يخرج من يهوذا إلى أن يجيء الذي كان المُلْك محفوظاً له.
ويهوذا هو جَدّ اليهود، وهُم يُسمُّون بهذا الاسم نِسْبةً إليه.
وبعد مجيء السَّيِّد، ملكتم على اليهود واستوليتم على جميع تُخُومهم.
وسيكون مُنتظر الشُّعُوب ، هذه العبارة تعني أنَّ جميع الأمم ينتظرون مجيئه الثاني.
(…) فالقدرة الأولى بعد الله أب وسَيِّد جميع الخلائق-
هي الابن، كلمته، الذي أخذ جسدًا وصار إنسانًا، كما سنتحدث عنه فيما بعد،
وقد بشر نبي آخر بالشيء نفسه ولكن بعبارات مختلفة:
ويخرج نجم من أصل يعقوب. وتنمي زهرة من جذر يسّي، وترجى الأمم ذراعه . [إش 11: 1، 10.]
هذا النجم الساطع الذي أشرق، وهذه الزهرة التي نمت على جذر يسّى، هو المسيح.
لقد وُلِد بقدرة الله من عذراء، من نسل يعقوب أبي اليهود الذي كان جد اليهود كما رأينا؛
٣٣- اسمعوا الآن كيف يبشر أشعيا بتعبير دقيق إنه سيولد من عذراء، إنه يقول:
ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه الله معنا . [إش 7: 14.]
(…) إن قدرة الله حلّت على العذراء وظلّلتها وجعلتها تحبل بدون أن تفقد بكارتها.
(…) هذا ما تعلّمناه من الذين نقلوا إلينا سيرة مخلصنا يسوع المسيح،
(…) وهذا الروح الذي حلّ على العذراء وظلّلها، جعلها تحبل، ليس بمجامعة جسدية بل بالقدرة (الإلهية).
٤٣- لا يتخيَّل أحدٌ مما قيل بأنَّنا نعتقد أنَّ تحقيق ما سيحدث يعود إلى القدر المُحتَّم.
على هذا الاعتراض نجيب هكذا: سيؤدِّب كلّ واحد حسب أعماله ويعاقب أو يكافأ.
لقد تعلَّمنا هذه العقيدة من الأنبياء ونعتبرها حقَّة.
إن لم يكن هكذا، إذا كان كلُّ شيءٍ فِعْلَ القَدَرِ، لم يعد هناك حرية.
إذا كان القَدَرُ يحتّم على هذا أن يكون صالحًا وذاك شريراً، فهذا لا يستحق اللوم وذاك الثناء.
إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يختار بإرادته الحرة أن يبتعد عن الشرِّ أو يعمل الخير، فلم يعد مسؤولاً مطلقاً عن أعماله، ولكن إليكم ما يبرهن على أن الإنسان يعمل الخير والشر بحرّيته:
(…) يعلم الله سلفًا ما سيفعل الناس؛ وكما أنه حدد أن يكافئ كل واحد حسب أعماله، وأن يعاقب بالعدل الإساءات الموجهة إليه،
٤٥- إن الله أبا العالم رفع يسوع المسيح إلى السماء بعد قيامته،
اعتراض: ما مصير الناس الذين عاشوا قبل المسيح؟
٦٤- ربّما يسعى البعض باستدلال خاطئ إلى هدم قيمة عقيدتنا.
نقول إنّ المسيح وُلد منذ مئة وخمسين سنة على عهد كيرينيوس الوالي، وإنّه عَلِم في عهد بيلاطس البنطي العقيدة التي نُسبها إليه.
فيعترض البعض على أن الناس الذين عاشوا قبله غير مذنبين.
إننا نسرع بالجواب على هذه الصعوبة:
إن المسيح هو مولود الله البكر، كلمته، وفيه يشترك جميع البشر.
هذا ما تعلّمناه وهذا ما أعلناه.
فالذين عاشوا بحسب الكلمة هم مسيحيّون وإن حُسِبوا كفرة، كسقراط عند اليونان وهيراقليط وأمثالهم،
(…) والآن لماذا وُلد المسيح -بقدرة الكلمة وبحسب إرادة الله أب الخليقة وسيدها- إنساناً من عذراء، ودُعي يسوع؟ لماذا صُلِبَ ومات وقام وصعد إلى السماء؟
(…) أن الفرق بين مخترعي الأساطير التي تسرد سيرة المزعومين أبناء زفس، هو أننا نبرهن عما نقول: كيف كنا آمنا أن مصلوبًا هو ابن الله الأزلي، وأنه سيدين جميع الجنس البشري،
٤٥- إن الذين يعلمون الشباب أساطير الشعراء، لا يأتون ببراهين تثبت حكاياتهم.
وسنظهر أنها اختراعات شيطانية ليضللوا البشر ويغشوهم.
وإذ كانوا يعلمون من الأنبياء أن المسيح سيأتي، وأن الكفرة سيعاقبون في النار، فقد اختلقوا أبناء كثيرين لرفس على أمل أن يدخلوا في ذهن البشر، سيرة المسيح من أنها أسطورة شبيهة بأساطير الشعراء.
٥٥- ولكنهم في تقليدهم لم ينسبوا أبداً عذاب الصليب إلى أحد من مزعومي أبناء زفس.
(…) إذا كان جلادونا يؤمنون بأن كل شيء يفنى بعد الموت، وأنَّ الأموات يفقدون كل شعور، فهم يخدموننا عندما يحرروننا من آلام هذه الأرض واحتياجاتها.
٥٩- لقد اقتبس أفلاطون نظريته من معلِّمينا، أعني من تعاليم الأنبياء، عندما علم أن الله صنع المادة الخاوية ليكون منها العالم.
ولكي تتأكدوا من ذلك، استمعوا إلى أقوال موسى. -أول الأنبياء وأقدم جميع كتاب اليونانيين، كما سبق وقلنا- فالروح النبوي يعلن على لسانه كيف ومن أية عناصر صنع الله العالم في البدء:
في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الرب يرف على وجه المياه. وقال الرب: ليكن نور فكان نور . [تك ١: ١-٣.]
أخرج كلمة الله العالم إذن من هذه المادَّة التي يتحدَّث عنها موسى؛ ومنه تعلم أفلاطون وتلاميذه، ونحن معهم.
٦٠- في كتابه الـ تيمه يبحث أفلاطون بحسب المبادئ الطبيعية عما هو ابن الله،
(…) وقال: إنَّ بعد الله المبدأ الأوَّل، القُوَّة الثانية كانت مطبوعة على شكل X في العالم.
وإذا كان قد سمَّى القُوَّة الثالثة، فذلك كما سبق وقلنا، لأنَّه قرأ في موسى أنَّ روح الله كان يرفّ على وجه المياه.
إنه يعطي المرتبة الثانية لكلمة الله الذي يظهره مطبوعًا على شكل X في العالم، والمرتبة الثالثة للروح الذي كان يرف على المياه،
(…) ثم نذهب بهم إلى مكان فيه ماء، وهنا بالطريقة نفسها التي تجددنا بها نحن، يتجددون هم بدورهم، باسم الله الآب سيد جميع الخلائق، ويسوع المسيح مخلصنا، والروح القدس، فيطهرون في الماء،
لأن المسيح قال: ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا وُلِدَ ثانية . [يو 3: 5.]
(…) هذا الاستحمام يُدعى استنارةً، لأن الذين يتلقون هذه العقيدة يمتلئ روحهم نورًا.
ويغتسل المستنير أيضًا باسم يسوع المسيح الذي صُلب على عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي تَنَبّأ في الأنبياء عن حياة يسوع بأسرها.
(…) الابن هو كلمة الله، كما قلنا. ويُدعى أيضاً ملاكاً ورسولاً، لأنه يُبشِّر بكُلّ ما يجب معرفته، وقد أُرسِلَ ليشرح كل ما أُعْلِنَ.
(…) إنَّ ما قُلناه كان ليُبيِّن أن يسوع المسيح هو ابن الله ورسوله، الذي كان قبلاً كلمة، ثُمَّ تجلَّى تارةً بشكل نارٍ وطُوراً بصورة غير جسدية، وأخيراً بإرادة الأب صار إنساناً ليُخلص الجنس البشري، وقبل أن يتحمل الآلام المبرحة التي أوحاها الشياطين لليهود في غضبهم.
(…) ولا يدرون أنَّ أبا العالم له ابن، هو الكلمة، بكرُ الله وإله.
ظهر أوَّلاً في شكل نار ثُمَّ في صورة غير جسدية، لموسى ولسائر الأنبياء.
أراد أن يُخلِي ذاته ويتألّم حتى ينتصر على الموت بموته وقيامته.
(…) وعند انتهاء الصلوات نتبادل قبلة السلام.
ثم يُقدم للذي يترأس اجتماع الإخوة، خبزٌ وكأس ماءٍ وخمرٍ ممزوجة.
فيأخذها ويشكر ويمجد أبا العالم باسم الابن والروح القدس؛ ثم يقوم بصلاة شكر مسهبة لأجل جميع الخيرات التي نلناها منه.
(…) ويُسرد لنا الرسل في مذكّراتهم التي نسمّيها الأناجيل الوصيّة التي أمرهم بها يسوع: أخذ خبزًا، وبعد ما شكر قال لهم: اصنعوا هذا لذكري: هذا هو جسدي . وكذلك أخذ الكأس، وبعد ما شكر قال لهم: هذا هو دمي ، [1 كور 11: 23-26.] وأعطاهما لهم فقط.
قلّد الشياطين الأشرار هذه الخدمة في أسرار ميترا: ففي حفلات قبول أتباعهم، كان يُقَدَّمُ خمر وكوب ماء، فيلفظون بعض العبارات عليها، أنتم تعرفونها أو بإمكانكم معرفتها.
(…) وفي كل تقادمنا نبارك خالق الكون بابنه يسوع المسيح وبالروح القدس.
وفي اليوم الذي يسمى يوم الشمس، جميع سكان المدن والقرى يجتمعون في مكان واحد، ونقرأ علينا مذكرات الرسل (الأناجيل) وأسفار الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت بذلك.
(…) إنّا نجتمع جميعًا يوم الشمس لأنه اليوم الأول الذي أخرج الله فيه المادّة من الظلمات وخلق العالم.
وفي اليوم نفسه قام يسوع المسيح مُخلصًا من بين الأموات، وصُلِبَ عشية اليوم الذي سبق يوم ساتورنس، وظهر لرسله وتلاميذه في اليوم الذي تبعه، أي يوم الشمس، وعلّمهم هذه العقيدة التي قدّمناها لكم لتتفحصوها.
الخاتمة: دعوة الحكّام إلى العدالة
٦٨- فخذوها بعين الاعتبار إذا بدت لكم موافقة للعقل والحقّ، ولا تعتبروها انتباهكم إذا بدت لكم تافهة.
(…) ولكنّي أستحلفك بهرقل، إذا لم تكن سوى حجة للافتراء، فَأمُرْ بإجراء تحقيق في هذا التصرف الأثيم، واعمل على أن يتخذ العدل مجراه.
(…) إنَّ عقيدتنا تُعلِّمنا أنَّ الله لم يخلق العالم بدون هدف، بل لأجل الجنس البشري.
إنه يُحِبُّ الذين يسعون إلى الاقتداء بصفاته، كما سبق وقلنا، ويبغض الذين يعملون الشرَّ بالقول أو بالفعل؛
(…) سأجيب على هذه المشكلة: خلق الله العالم بأسره، وأخضع للإنسان كل ما على الأرض؛ وبحسب ناموس الله، حتى كواكب السماء التي خلقها أكيدًا للإنسان، يجب أن تساهم في نمو ثمار الأرض وتبديل الفصول.
ووكل إلى الملائكة الذين وضعهم فوق البشر، ليخدموا الخلائق التي تحت السماء.
ولكن الملائكة تعدوا هذا الأمر، فضا جعوا النساء وأنجبوا أولاداً نسميهم الجن أو الشياطين.
ومع تعاقب الزمن استعبدوا الجنس البشري إما بالسحر أو بالخوف أو بالعذاب الذي أنزلوه بهم، وإما بطلب تقديم الذبائح والبخور والإراقات لهم، وكل ما كانوا يشتهونه بعدما أصبحوا عبيداً لأهوائهم.
٦- إن خالق الكون لا يُسمّى لأنه غير مولود.
لأن تلقي الاسم يفترض وجود شخص أقدم يعطي هذا الاسم.
فهذه الكلمات: أب، إله، خالق، رب وسيد ليست أسماء بل تسميات مأخوذة من فضائل الله وأفعاله.
وابنه -وهو الوحيد الذي يُدعى حقًّا ابناً، الكلمة الكائن معه، والمولود قبل الخلق، الذي بواسطته خلق ونظم كل شيء منذ البدء- هذا الابن يُدعى المسيح لأنه ممسوح، ولأن الله نظم كلّ شيء بواسطته.
وهذا الاسم ذاته له معنى سري، كما أن كلمة الله ليست اسماً بل هي تقدير تقريبي وطبيعي للإنسان تحديداً منه لشيء لا يمكن تفسيره؛ فيسوع هو اسم معناه إنسان ومخلص.
وقد سبق وقلنا إن المسيح صار إنساناً وولد بإرادة الله الأب لخلاص المؤمنين وهلاك الشياطين.
(…) فهذا الرأي غير معقول، وليس أيضاً بناموس القدر يعمل الإنسان ويتعذب: فكل إنسان يفعل الخير أو الشر بحرية تامة.
(…) هذا ما لم يدركه الرواقيون، فقالوا إن كل شيء يخضع للقدر المحتوم.
كلاً. في البدء خلق الله الملائكة والبشر أحراراً، ولذلك سيعاقبون في النار الأبدية على الشرّ الذي فعلوه.
(…) يأمرون بموجب العقل السليم بعمل هذا الشيء والابتعاد عن ذاك.
٩- قد يعترض علينا البعض مع الفلاسفة المزعومين بأن ما نقوله عن عقاب الأشرار في النار الأبدية، ما هو إلا مجرد كلام وتهويل، وأننا نريد أن ندفع الناس إلى الفضيلة بالخوف لا بحب الخير. أجيب بكلام موجز: إذا لم يكن هذا العقاب موجودًا، فلا وجود لله؛
(…) هذا ليس معناه أن عقيدة أفلاطون تتنافى مع عقيدة المسيح، ولكنها لا تشابهها في كل شيء، كما لا تشابهها عقائد الآخرين من رواقيين أو شعراء أو كتاب.
(…) لأننا بعبد الله، نعبد ونحب الكلمة المولود من الله الأزلي والفائق الوصف، الذي صار إنساناً لأجلنا حتى يشفينا من أسقامنا باشتراكه فيها.
(…) وكان قد قدم إلى بلدتنا رجل ذكي، أفلاطوني شهير، فأخذت أتردد عليه قدر استطاعتي، وابتدأت أتقدم.
وكنت كل يوم أتقدم في معرفة أشياء جديدة.
(…) وأفلاطون نفسه يوصي بالصمت والعزلة لمن يرغب في الوصول إلى الله. فذهبتُ إلى مكان غير بعيد عن البحر؛ وكنتُ قريبًا من ذلك المكان حيث ظننتُ أن ألتقي بنفسي لوحدي.
وإذا بشيخ جليل المحيا، عليه سمات الوداعة والوقار، يتبعني عن كثب.
(…) فقال: ومن هو ذاك الذي تسميه الله؟
– ما هو دائماً مماثل في حد ذاته ويمنح الكيان لسائر الخلائق، هذا هو الله.
هكذا أجبته، وكان يصغي إليّ بسرور.
فاستطرد وقال: كيف يمكن للفلاسفة أن تكون لهم فكرة صحيحة وكلمة حقة في الله، إذ إنهم لم يعرفوه ولم يروه ولم يسمعوه؟
أجبته: أتت، إنهم لا يستطيعون أن يروا الإلهي بعيون الجسد كما يرون سائر الخلائق الحية.
(…) أجبت: (…) يجب أن نعيش بحسب الشريعة ونتطهر بواسطة العدل وجميع الفضائل.
(…) أجبت: (…) لأنَّ كلَّ موجودٍ، ما عدا الله، هو فاسدٌ من طبيعتِه، فيُمكنه أن يَضمحلَّ ويَنعَدمَ.
الله وحده هو غير مولود ولا يعتريه فسادٌ، وهذا ما يجعلهُ أن يكونَ اللهَ.
أمَّا ما تبقَّى وجاءَ من بعده فهو مولودٌ وفاسدٌ. ولذلكَ تموتُ النفوسُ وتُعاقَبُ.
(…) مما يترتبُ عليهِ أن ما هو غير مولودٍ ليسَ متعددًا.
يجب الرجوع إلى الأنبياء لمعرفة الحق
٧- فسألته: إلى أي معلم يمكننا أن نلجأ وأين نجد العون إذا كان هؤلاء الرجال العظام لم يتوصلوا إلى الحقيقة؟
– لقد وجد رجال في قديم الزمن كانوا رجالاً عظماء وأقدم من كل هؤلاء المزعومين فلاسفة.
رجال سعداء عادلون وأعزاء لدى الله، كانوا يتكلمون بالروح القدس، ويعطون عن المستقبل نبوءات تحققت اليوم: إنهم يُدعَون أنبياء.
هم وحدهم رأوا الحق وأعلنوه للبشر بدون محاباة الناس وبلا خوف.
لم يطيعوا الرغبة في المجد، و لم يكونوا يقولون إلا ما سمعوا ورأوا وهم ممتلئون من الروح القدس.
وإن مؤلفاتهم باقية إلى اليوم؛ والذين يقرؤونها -إذا وثقوا بهم- يستطيعون أن يستفيدوا منها جداً من حيث المبادئ ومن حيث الغاية في كل ما يجب أن يعرفه الفيلسوف.
(…) لأنهم مجّدوا الله خالق الكون، الإله والآب، وبشروا بالمسيح ابنه الآتي من عنده.
٨- قال لي في هذه الأشياء وكثيراً غيرها لا مجال الآن لسردها ثم مضى وهو ينصحني بالتأمل فيها. ولم أصادفه في ما بعد. لكن ناراً اشتعلت بغتة في نفسي. فانشغفت حباً للأنبياء ولأولئك الرجال محبي المسيح. وكنت أُعيد إلى نفسي هذه الكلمات، واعترفت بأن هذه هي الفلسفة الأكيدة المفيدة.
هذه هي الكيفية وهذا هو السبب الذي من أجله أنا فيلسوف.
تريفون: (…) أما المسيح حتى ولو افترضنا أنه وُلِدَ وأنه يوجد في مكان ما فهو غير معروف.
إنه لا يعرف ذاته ولا قدرة له البتّة، ما دام إيليا لم يأتِ ليمسحه ويُظْهِرَهُ للجميع.
أما أنت فقد تقبّلت كلاماً لا أساس له، وخُلِقت مسيحاً لنفسك، ولأجله تهلك الآن بطيش .
٩ – قلتُ له: (…) أرجوك أن تسمح لي بأن أُبيِّنَ لك أننا لسنا على ضلال، ولن نتوقف عن الاعتراف بهذا الرجل، رغم اللوم الذي سيوجهه إلينا البشر، ورغم ظلم كل مستبد يقهرنا على جحده.
تريفون: (…) عندكم بالعكس في ما يُسمى بالإنجيل، وصايا عظيمة وعجيبة إلى حدّ لا يستطيع أحد أن يتبعها، على ما أظن؛ وقد اعتنيتُ بقراءتها.
(…) وأنكم في حياتكم لا تختلفون عن الأمم طالما لا تحافظون على الأعياد والسبوت، ولا تختتنون.
وأيضًا، بينما تضعون رجاءكم في رجل قد صُلب، ترجون في الوقت نفسه خيرًا من الله، دون أن تحافظوا على وصاياه.
(…) إنكم تحتقرون هذه الشريعة بلا تردد، ولا تنظرون إلى عواقبها.
إنكم تحاولون إقناعنا بأنكم تعرفون الله، في حين أنكم لا تفعلون شيئًا مما يفعله أولئك الذين يخشونه.
إذا استطعت أن تبرّر هذه النقاط وأن توضح كيف يمكنكم أن ترجوا شيئًا ما لم تحافظوا على الشريعة، فإننا سنستمع لك بطيبة خاطر، ثم نتابع بحثنا المشترك في النقاط الأخرى .
١١- أجبته: لن يكون إله آخر، يا تريغون، ولم يكن إله آخر منذ أجيال، غير الذي صنع هذا الكون ونظمه.
إننا لا نعتقد أن إلهنا يختلف عن إلهكم.
إنه هو نفسه ذاك الذي أخرج آباءكم من مصر “بيد قديرة وذراع مبسوطة”.
إننا لا نضع رجاءنا في إله سواه، لأن لا إله سواه، بل في الإله نفسه الذي تعبدونه “إله إبراهيم وإسحق
ويعقوب”.
إننا لا نضع رجاءنا في موسى أم في الشريعة، وإلا صرنا ملكم.
لقد قرأت بالعكس، يا تريغون، أن ستأتي شريعة أسمى وعهد أكمل.
ويجب أن يحافظ الآن على هذه الشريعة جميع الذين يتبعون ميراث الله.
إن شريعة حوريب شريعة قديمة، وهي شريعة لكم فقط، بينما هذه الشريعة هي لجميع الناس قاطبة.
(…) فنرى جليًّا ونحن مقتنعون أنه باسم المصلوب، يسوع المسيح، يترك الناس الأصنام وكلّ ظلم ويذهبون نحو الله، ويثابرون حتى الموت على إعلان تقواهم.
فإذا تأملوا في أعماله وفي القدرة التي كانت تتبعه، استطاع الجميع أن يدركوا أنه هو العهد الجديد والشريعة الجديدة ورجاء الذين في جميع الأمم ينتظرون خيرات الله.
نحن الذين قادهم المسيح المصلوب نحو الله، كما سنبيّنه كلّما تقدّمنا في المُجادلة .
٢١- ولسبب ظلمكم وجور آبائكم، ولكي يختمكم بعلامة، فَرْضٌ عليكم الله، كما سبق وقلت، أن تحفظوا السبت وباقي المراسيم.
(…) لأنهم لم يعملوا بأحكامي ورفضوا رسومي ودنسوا سبوتي، وكانت عيونهم وراء أصنام آبائهم.
فأعطيتهم رسوماً غير صالحة وأحكاماً لا يحيون بها؛ وجعلتهم بعطاياهم بإجازتهم في النار كل فاتح رحم”. [حز ١٩:٢٠-٢٦.]
(…) هل قربتم لي ذبائح وتقادم أربعين سنة في البريّة، يا آل إسرائيل؟ بل حملتم سكوتَ مُلْكِكُم وكَيوانَ كوكبَ إلهِكُم، ذينكَ التمثالين اللذين صنعتُموهما لكم.
(…) إذ قد وُلِدَ يَسوع المسيحُ ابنُ الله من مريم، العذراء من نسل إبراهيم.
(…) ونحن نتوسل دائماً إلى الله يسوع المسيح أن يحفظنا منهم، حتى بعدما نكون رجعنا إلى الله نصبح بواسطته لا لوم علينا.
إننا ندعوه “مؤيدًا ومُخلصنا”، والشياطين أنفسهم يرتعدون من عظمة اسمه.
واليوم أصبحوا مطرودين وخاضعين لاسم يسوع المسيح الذي صُلِبَ على عهد بيلاطس البنطيّ وإلى اليهودية. فَمِنَ الوَاضِحِ إِذَن أَنْ أَبَاهُ أَعطَاهُ سُلْطَانَا هكَذَا عَظِيمًا حَتَّى إِنَّ الشَّيَاطِينَ يَخْضَعُونَ لِاسْمِهِ ولِتَصميمِ آلامِهِ .
٣٢- توقفتُ (عن الكلام) فاستطردُ تريفون وقال:
هذه النصوص وما يشبهها تضطرنا إلى أن ننتظر ذاك الذي سيأتي مجيدًا وعظيمًا “كابن إنسان”، ويأخذ من القديم الأيام الملكوت الأبدي.
أما مسيحكم المزعوم فقد كان بدون كرامة ولا بهاء، حتى إنه سقط تحت آخر لعنة من شريعة الله، إذ قد “صُلب” .
أجبته: (…) إِذْ سَتَرَوْنَ بِهَا أَنَّ الْمَسِيحَ دُعِيَ “رَبًّا” بِالرُّوْحِ الْقُدُسِ النَّبَوِيِّ، وَأَنَّ الرَّبَّ آبُ كُلِّ شَيْءٍ رَفَعَهُ مِنَ الْأَرْضِ “لِيُجْلِسَهُ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أَعْدَائِهِ مُوَطِئًا لِقَدَمَيْهِ”.
(…) لأن المسيح أعلن لنا كملك وكاهن، كإله ورب، كملاك وإنسان، كقائد سام وحجر، كطفل بمولده. وكَرجل أوجاع أولاً ثم كصاعد إلى السماء، وآت في المجد متوجاً بالملك الأبدي.
(…) ولكنه واضح أيضًا أنه لم يحدث له شيء مما هو مكتوب في هذا المزمور.
فلم يعبده جميع الملوك، ولم يملك إلى أقاصي الأرض، ولم يقع أعداؤه أمامه معفرين وجوههم في التراب؛ بل بالعكس يجب القول، حسب ما هو مكتوب في سفر الملوك، إنه بسبب امرأة “تبع عشتاروت إلهة الصيدونيين“.
هذا ما لا تريد أن تفعله الأمم التي بواسطة يسوع المصلوب عرفت أن تعبد الله خالق الكون.
وإنها تتكبد كل أصناف العذاب والمعاملات السيئة، حتى الموت،
لكي لا تعبد الأصنام، ولا تأكل مما يقدم للأوثان من ذبائح .
(…) إنّنا نعلم أنّهم ملحدون، كفرة، ظالمون وأثمة.
وبدلاً من أن يكرموا يسوع، فإنهم لا يعترفون إلا باسمه فقط.
يدعون أنهم مسيحيّون، كما أن الوثنيين الذين يسجلون اسم الله على مصنوعات أيديهم، يشتركون في الطقوس الأثيمة الكافرة.
فالبعض منهم يسمّون مرقيونيّين، والبعض فالنتينيّين، وآخرون باسيليديّين، وآخرون ساتورنيليّين.
كلّ واحد يأخذ هذا الاسم أو ذاك بحسب مبتدع مذهبهم،
(…) أَمَّا الْآنَ فَاسْمَحْ لِي أَنْ أُذَكِّرَكَ أَوَّلًا بِهَذِهِ النُّبُوءَاتِ الَّتِي تَخْطُرُ بِبَالِي لِأُبَيِّنَ لَكُم أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَدْعُو الْمَسِيحَ إِلَهًا وَرَبَّ الْقُوَّاتِ، وَكَذَلِكَ يَعْقُوبَ، فِي حِينِ أَنَّ مُفَسِّرِيكُمْ، كَمَا يَعْلَنُ اللَّهُ ذَلِكَ، قَدْ ذَهَبَتْ بِهِمُ الْحَمَاقَةُ إِلَى حَدِّ الْادِّعَاءِ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْمَسِيحُ بَلْ سُلَيْمَانُ عِنْدَمَا أُدْخِلَتْ قُبَّةُ الشَّهَادَةِ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِي بَنَاهُ.
يَرْفُضُ الْيَهُودُ عِبَادَةَ الْمَسِيحِ
۳۸- أجَابَ تُرِيفُون: أَيُّهَا الصَّدِيقُ، كَانَ الْأَفْضَلُ لَنَا أَنْ نَتَّبِعَ نَصَائِحَ مُعَلِّمِينَا الَّذِينَ قَرَّرُوا بِأَلَّا نُخَالِطَ أَحَدًا مِنْكُمْ وَأَلَّا نَشْرَعَ فِي هَذِهِ الْمُجَادَلَةِ مَعَكَ.
لَا تَلْفِظُ إِلَّا بِالتَّجْدِيفِ ظَنًّا بِأَنَّكَ سَتَقْنَعُنَا بِأَنَّ هَذَا الْمَصْلُوبَ كَانَ مَعَ مُوسَى وَهَرُونَ، وَأَنَّهُ كَلَّمَهُمَا فِي عَمُودِ الْغَمَامِ؛ ثُمَّ صَارَ إِنْسَانًا وَصُلِبَ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَأَنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ جَدِيدٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّ عِبَادَتَهُ وَاجِبَةٌ .
أَجَبْتُ: إِنِّي أَعْلَمُ -كَمَا يُعْرِبُ عَنْ ذَلِكَ كَلِمَةُ اللَّهِ- بِأَنَّ هَذِهِ الْحِكْمَةَ الْعُظْمَى لِخَالِقِ الْكَوْنِ وَلِلَّهِ الْقَدِيرِ سَتَبْقَى مَخْفِيَّةً عَلَيْكُمْ.
لِذَلِكَ إِنِّي أَرَاهِفُ بِكُمْ وَأَضِعُ كُلَّ جَهْدِي لِأُفْهِمَكُمْ مُنَاقِضَاتِنَا.
وَسَأَكُونُ عَلَى الْأَقَلِّ بَرِيئًا فِي يَوْمِ الدِّينِ.
وَسَتَسْمَعُونَ أَقْوَالًا غَيْرَهَا سَتَظْهَرُ لَكُمْ أَكْثَرَ تَنَاقُضًا،
(…) تريفون: أعطنا الآن هذا البرهان على أن الذي صُلِبَ وصعد إلى السماء هو حقاً مسيحُ الله.
فالكتب المقدسة تعلن عن مسيح متألم عائد بمجد ليملك أبديًّا على جميع الأمم، بعد أن يكون أخضع كل مملكة تحت سلطانه، ونصوص الكتاب التي أوردتها تبرهن عن ذلك. ولكن بَيِّنْ لَنَا أن ذاك الرجل هو المسيح!
(…) والسبت والذبائح والأعياد منذ موسى، وقد تَبَيَّنَ أن هذه الرسوم جُعِلَتْ لسبب قساوة شعبكم، كذلك يجب أن تؤول، حسب إرادة الأب، بمجيء ذاك الذي وُلد من عذراء من نسل إبراهيم، من سبط يهوذا وداود، المسيح ابن الله.
(…) قال (أشعيا): “اسمعوا يا بيت داود: أقليل عندكم أن تُسئِموا الناس حتى تُسئِموا إلهي أيضاً؟
فلذلك يؤتيكم السَّيِّدُ نفسُهُ آيةً: ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل.
(…) لكنكم أنتم ومعلميكم زعمتم أنه لم يُقل في نبوَّة أشعيا: “ها إن العذراء تحبل” بل “ها إن الفتاة تحبل وتلد ابناً”، وأنكم تفسّرون النبوَّة كأنها تخصّ حرفياً الذي أصبح ملككم.
(…) مع كل الذين يعترفون بأن هذا المسيح هو ابن الله، الكائن قبل لُوسيفيرُس وقبل القمر، والذي قبل أن يصير جسداً ويولد من عذراء من ذُرّيّة داود.
٤٨- قال تريفون: لقد فهمنا كلّ فكرك في هذه المسألة، فما عليك إلا أن تعاود الموضوع ابتداءً من النقطة التي تركته فيها، وتابع حديثك.
يوجد هنا تناقض على ما أظنّ لا يمكن الاستدلال عليه البتة.
لأنه عندما نسمعك تقول إن هذا المسيح هو الله، وإنه كائن قبل الدهور، ثم إنه قبل أن يصير إنساناً وأن يولد، وإنه ليس إنساناً كسائر البشر، يبدو لي هذا الكلام ليس فقط متناقضاً بل ضرباً من ضروب الجنون .
فأجبتُ على هذا الاعتراض:
إنِّي أَعلم أنَّ كلامي يبدو متناقضًا لمن هم من مِلَّتكم، أنتم الذين لم يريدوا قطُّ لا أن يفهموا ولا أن يحافظوا على تعاليم الله، بل على تعاليم معلّميكم، كما يُعلِن ذلك الله نفسه.
إنما أصبح أكيدًا، يا تريفون، أن ذاك الرجل هو مسيح الله، حتى إذا كنتُ لم أستطع أن أُبرهن على أنه ابن الله خالق الأشياء كلها، ومع كونه كائنًا منذ الأزل فقد وُلد إنسانًا من العذراء.
وكما أنه مبين حقًا أنه مسيح الله، مهما كانت طبيعته، فإذا لم أبين أنه كائن أزلي، وأنه قيل بعد ذلك أن يولد إنسانًا متألِّمًا مثلنا في الجسد حسب إرادة الله، ففي هذه النقطة فقط يجوز القول بأني أغلط.
ولكني قد لا أخطئ إذا نكرت في أنه المسيح إذا اتّضح أنه وُلد رجلًا بين البشر، واتّضح أنه اختير ليكون المسيح.
لأنه يوجد، أيها الأصدقاء، أُناس يعترفون به مسيحًا، ويُقرّون أنه كان إنسانًا بين البشر.
إني لستُ من رأيهم؛ وكثيرون ممن يفكرون مثلي لا يقبلون هذا الرأي، لأن المسيح لم يأمرنا بطاعة تعاليم بشرية، بل بالتعاليم التي أعلنها الأنبياء الطوباويّون والتي علمنا إياها .
٤٩ – فاستطرد تريفون وقال: يبدو لي أن الذين يقولون إنه كان إنسانًا وإنه اختير لِيُمْسَحَ، وإنه كان المسيح الممسوح، فإنهم يؤكدون شيئًا معقولًا أكثر من أتباعكم الذين هم من رأيك.
نحن جميعًا ننتظر مسيحًا سيكون إنسانًا بين البشر.
وعندما يأتي إيليا فهو الذي سيمسحه.
وإذا كان واضحًا أن ذاك الرجل هو المسيح فاعلموا أنه ليس إلا إنسانًا بين البشر.
ولكن ما أن إيليا لم يأتِ فإني أرى أنه ليس المسيح .
50- تريفون: يظهر لي أنك تجادلت مع كثيرين من محاوريك في كل المواضيع التي نبحث فيها.
وهذا ما يجعلك مستعداً للجواب على شتّى الأسئلة.
فأجبني أولاً على هذا: كيف يمكنك أن تبيّن أن هناك إلهاً آخر إلى جانب الله الذي صنع الكون؟
وعندها تكون برهنت على أنه قبل أن يولد من العذراء .
٥٥- أجاب تريفون: سنتذكر كذلك هذا التفسير الذي تورده هنا عندما ستورد براهين أخرى رأيك ذاته.
ولكن عد الآن إلى موضوعنا وبيّن لنا أن الروح النبوي يعترف بأن هناك إلها آخر غير خالق الأشياء كلها، واحترس على كل حال من ذكر الشمس والقمر اللذين كتب عنهما أن “الله سمح للأمم بعبادتهما كإلهين”
الإله الذي كشف عن ذاته لإبراهيم يختلف عن الله الأب
٥٦- وعليه يقول موسى الطوباوي “وخادم الله الأمين”، إنه كان إلهاً ذلك الشخص الذي تراءى لإبراهيم بجوار بلوط ممرا، مع الملاكين اللذين أرسلهما للحكم على سدوم إله آخر ذاك الذي يبقى دائماً فوق أعلى السماوات ولم ير ذاته لأحد و لم يتكلم قط مباشرة، ذاك الذي نعترف به أباً وخالق الأشياء كلها.
وإليك ما يقول: “تتجلى له الرب في بلوط ممرا وهو جالس بباب الخباء عند احتداد النهار.
فرفع طرفه ونظر فإذا ثلاثة رجال وقوف أمامه.
(…) وعندما انتهت سألتهم إن كانوا فهموا ما أوردته.
فقالوا إنهم فهموه، ولكن الآيات الواردة لا تدل على أنه كان -أو أن الروح القدس قال إنه كان- هناك رب آخر غير خالق الأشياء كلها.
فأجبت: سأحاول أن أقنعكم بصحة ما أقول بما أنكم فهمتم الكتب المقدسة؛ يوجد، وقد قيل إنه يوجد، إله وربٌّ آخر تحت خالق الأشياء كلها؛ وإنه يُدعَى كذلك ملاكًا، لأنه يبشر الناس بكل ما يريد أن يبشرهم به خالق الأشياء كلها، الذي لا يسمو عليه إله آخر .
(…) فقلت: وهل كان هو أحد الثلاثة الذين -على حدّ قول الروح القدس النبوي- أظهروا أنفسهم لإبراهيم؟ .
تريفون: كلاّ! لقد أظهر الله نفسه إليه قبل أن يرى الثلاثة.
فضلاً عن ذلك، إن هؤلاء الثلاثة الذين يسميهم الكلمة رجالاً كانوا ملائكة،
هل فهمت إذن أن الذي قال وهو تحت البلوط إنه سيعود (لأنه كان يتوقع أنه من الضروري أن ينصح إبراهيم بالقيام بما كانت سارة تريده منه)، قد عاد كما هو مكتوب، وأنه إله كما تدل على ذلك الكلمات القائلة:
“قال الله لإبراهيم: لا يسوء في عينيك أمر الصبي وأمر أمتك؟” [تك ٢١: ٢١].
هكذا سألتهم.
فقال تريفون: بكل تأكيد! هذا لا يدلّ على أن الله هو غير الذي أظهر ذاته لإبراهيم، وهو نفسه الذي ظهر للأجداد الآخرين وللأنبياء؛ إن ما بينته لنا هو أننا لم نفهم جيداً أن الثلاثة الذين كانوا في الخيمة مع إبراهيم كانوا جميعهم ملائكة .
فأجبت: إذا لم أستطع أن أبرهن لكم بالكتب المقدسة أن أحد هؤلاء الثلاثة هو هذا الإله ويدعى في الوقت نفسه ملاكاً لأنه يبلغ، كما سبق وقلت، رسائل الله خالق الأشياء كلها إلى الذين يريد أن يبلغهم إياها يمكنكم أن تنظروا بحقٍّ أن الذي ظهر على هذه الأرض لإبراهيم بصورة إنسان مع الملاكين الآخرين، كان حقاً الله الكائن قبل خلق العالم، وهذا ما تعتقده أمتكم برمتها .
فقال: أكيداً، لأننا كنا نعتقد هكذا حتى الآن .
فقلت: أعود الآن إلى الكتب المقدسة، لمحاولة إقناعكم بأن الذي قيل عنه فيها إنه ظهر لإبراهيم ويعقوب وموسى وعني بأنه الله هو غير الله الذي صنع الأشياء كلها، وأعني بذلك العدد لا الفكر. لأني أؤكد بأنه لم يصنع شيئاً قط، ولم يقل إلا ما أراد صانع العالم الذي لا يسمو عليه إله آخر، أن يصنع أو يقول .
(…) أجبتُ: ليس فقط من أجل ما ذكرته، يجب أن نعترف بأنه، علاوة على ذلك الذي نعرف أنه صانع الأشياء كلها، هناك سيّدٌ آخر كشف عنه الروح القدس، وقد أُعلن عنه ليس فقط على لسان موسى، بل على لسان داود أيضًا.
فقد قال داود: “قال الرب لسيدي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك”(مز ١: ١٠٩).
وقد سبق أن أوردتُ ذلك، وإليكم نصًّا آخر:
“عرشك يا الله إلى الدهر والأبد، وصولجان ملكك صولجان استقامة، أحببت البر وأبغضت النفاق، لذلك مسحَك إلهك يا إله بدهن البهجة أفضل من شركائك”(مز ٤٤: ٧-٨).
فإذا قلتم إذن إن الروح القدس، باستثناء الأب أبي الأشياء كلها ومسيحه، كشف عن إله ثالث وسيد، فما هو جوابكم؟
(…) وعندما انتهيت أضفت: “والآن ألم تفهموا، أيها الأصدقاء، أن أحد الثلاثة الإله والسيد الذي يخدم ذاك الذي في السماء، هو سيّد الملاكين؟
(…) وهو سيّد إلى جانب السيد الذي في السماء أي صانع الأشياء كلها.
تِرِيفون: (…) ولذلك أوضح لنا في الحال كيف أن هذا الإله الذي رآه إبراهيم، خادم الله، صانع الأشياء كلها وُلِدَ من العذراء وصار كما قلت إنسانًا يحتمل ما نحتمل جميعًا من آلام وأوجاع .
(…) أنا: لقد كتب موسى أيضًا أن هذا الإله الذي أظهر ذاته للأجداد، والذي يدعى “الله”، إنه يدعى كذلك “ملاكًا وسيّدًا”، لكي تعلموا بذلك أنه خادم الآب، أبي الأشياء كلها.
(…) وبقي يعقوب وحده، فصارعه رجل إلى مطلع الفجر.
(…) قال: لا يكون اسمك يعقوب فيما بعد، بل إسرائيل، لأنك إذ راسلت عند الله، فعلى الناس أيضاً تستظهر.
(…) لأنه هناك تجلى له الله حين هرب من وجه أخيه.
(…) وظهر الله ليعقوب أيضاً في لوز،
(…) وقلت: هناك نصوص أخرى تروي كيف أن يعقوب عندما كان يهرب من أخيه عيسو، ظهر له ذاك الذي كان في آن واحد ملاكاً وإلها وسيدًا، وهو الذي ظهر لإبراهيم بصورة شخص، ما وتصارع مع يعقوب بصورة رجل.
(…) وإذا الرب واقف على السلم، فقال: “أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحق.
(…) فاستيقظ يعقوب من نومه وقال: إن الرب لفي هذا الموضع وأنا لم أعلم.
المتكلّم مع موسى يتميّز عن الأب
٥٩ – وبعدما ذكرتُ هذه النصوص قلتُ: اسمحوا لي أن أستشهد أيضا من سفر الخروج دليلا على أن هذا الملاك نفسه، وهذا الإله، وهذا السيّد، وهذا الشخص، وهذا الرجل الذي ظهر لإبراهيم ويعقوب هو ذاته الذي ظهر وتكلّم إلى موسى في لهيب نار من وسط العليقة .
ويتبع إلى: “… امض واجمع شيوخ إسرائيل، وقل لهم: الرب إله آبائكم تجلّى لي – إله إبراهيم وإسحق ويعقوب – وقال: إني قد افتقدتكم وما صُنع بكم في مصر…”.
وأضافت إلى ذلك: هل تُدركون، أيُّها الأصدقاء، أن هذا الملاك الذي يقول موسى إنه كلمه في لهيب نار هو ذاته الله الذي قال لموسى إنه إله إبراهيم وإسحق ويعقوب؟ .
٦٠- تريفون: ليس هذا ما نفهمه من الأقوال التي ذكرتها الآن، ولكن فقط إن الذي أظهر ذاته في لهيب نار كان ملاكًا، وإن الذي كان يكلم موسى كان إلها، بحيث أنه كان في هذه الرؤية ملاكًا وإلها، الاثنان في الوقت نفسه .
فقلت: حتى لو حدث ذلك، أيها الأصدقاء، أي حتى لو كان ملاكًا وإلهًا معًا في رؤية موسى، ووفقًا لما دلت عليه النصوص الوارد ذكرها، فإنه لم يكن خالق الكون هو الله الذي قال لموسى إنه إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، بل ذاك الذي برهنت لكم أنه أظهر ذاته لإبراهيم ويعقوب، ذاك الذي ينفذ إرادة خالق الكون، وهو الذي نفذ قراراته في القضاء على سدوم. وهكذا، حتى إذا كانت الأمور كما قلتم، أي حتى إذا كانا اثنين، ملاكًا وإلها، لما استطاع أحد مهما كان قليل الإدراك أن يقول بأن خالق الكون وأباه قد ترك كل الفضاء الذي فوق السماوات ليظهر في قرنة أرض .
كذلك هنا عندما يقول الكلمة إن “ملاكًا من عند الرب” ظهر لموسى،
ثم يعلن أنه “رب وإله”، فإنه يتكلم حقًا عن الشخص ذاته – كما في نصوص كثيرة أوردناها – الذي دل عليه، “فخادم الله الذي هو فوق العالم ولا يسمو عليه أحد”.
٦١- فقلت: “أيها الأصدقاء، سأعطيكم أيضًا شهادة أخرى من الكتب المقدسة:
بصفته مبدأ كائنًا قبل كل الخلائق، وُلِدَ الله من ذاته قوة شفوية سماها الروح القدس تارة “مجد الرب” أو حتى “أبنا”، وطورًا “حكمة، ملاكًا، إلها، ربًا، وكلمة”.
وأحيانًا هذه القوة تسمي ذاتها “رب الجنود”.
عندما ظهرت بصورة بشرية ليشوع بن نون.
إنها تحمل جميع الأسماء لأنها تنفذ إرادة الآب ولأنها وُلِدَت من الآب بالإرادة.
وهكذا نحن نرى بعض الأشياء بيننا:
فعندما نلفظ كلمة، نلد كلمة، ولكننا لا نجزئ ولا ننقص الكلمة الباطنية.
كذلك نرى نارًا تتولد من نار بدون أن ينتقص شيء من النار الموُلدة:
إنها تبقى على ما هي، والنار الجديدة التي اشتعلت تبقى بدون أن تُنقص شيئًا من النار الأولى التي أشعلتها.
وشاهدي على ذلك هو كلمة الحكمة الذي هو نفسه.
هذا الإله المولود من أب الكون: كلمة، حكمة، قوّة ومجد الذي ولده.
(…) إذا بدَّلتُم بالكلام الذي رويته، ربما تقولون ما يقوله معلّموكم:
“أو أن الله كلم ذاته بقوله “لنصنع” كما نفعل نحن عندما نشرع
(…) لذلك اسمحوا لي أيضاً بأن أنقل إليكم كلام موسى نفسه،
فهو يساعدنا لكي نعترف بلا شكّ أن الله يتحدث إلى شخص
متميز عدداً وبطريقة شفويّة. إليكم كلامه:
“وقال الله: هوذا آدم قد صار كواحد منّا يعرف الخير والشرّ”.
إذن عندما يقول “كواحد منا” فإنه يشير إلى عدد من أشخاص موجودين بعضهم مع بعض، أقله اثنين.
إني لا أوافق على ما تؤكده البدعة التي تسمونها “هرطقة”: فإما معلموها يحاولون أن يبرهنوا أن الله كان يتحدث إلى الملائكة، وإما أن الجسد البشري هو من صنع الملائكة.
هذا الابن الذي وُلِدَ حقاً من الأب قبل كل الخلائق، كان مع الأب، وكان الأب يتحدث معه.
وهذا ما أعلن عنه الكلمة على لسان سليمان:
فَنَفْسُ الذَّاتِ الَّتِي يُسَمِّيهَا سُلَيْمَانُ ‘حِكْمَةً’ هِيَ مَبْدَأٌ قَبْلَ كُلِّ الْخَلَائِقِ، وكان قد ولد من الله كابن. ولما تجلى إلى يشوع بن نون قال الشيء نفسه.
(…) ألا تُبيِّن لكم هذه الأقوال أن الله أبا الكون كان يجب أن يَلِدَه منذ القدم وبأحشاء بشرية؟
٦٤ – تريفون: أنتم الذين أصلاً من الأمم لا بأس أن تعترفوا به ربًّا ومسيحاً وإلهاً حسب ما تشير إليه الكتب المقدسة، وأن تُسمّوا مسيحيّين بسبب اسمه.
أما نحن الذين نعبد الله الذي صنع ذاك (الذي تعبدونه) فلسنا بحاجةٍ لا إلى أن نعترف به ولا إلى أن نعبده .
فأجبتُ على هذه الأقوال: (…) تتذكرون أنه (المسيح) كان يجب أن يتقدم من علوّ السماء، وأن يصعد إلى المكان نفسه، حتى تعترفوا به إلهاً جاء من العلاء، وأصبح إنساناً بين البشر،
(…) أما إذا كنت تظن أنك تستطيع أن ترمي الجدال في مأزق لكي تحرجني على القول بأن الكتب المقدسة تناقض بعضها البعض، فأنت مخطئ.
وهذا ما لا أتجراً أبداً على أن أفكر به أو أقوله.
وإذا ما اعترض أحد على نص من الكتاب بدا له متناقضاً، فكما أني مقتنع كل الاقتناع أن لا نص في الكتاب يناقض آخراً، أفضل أنا نفسي بأن أعترف أني لا أفهم المعنى، وللذين يفكرون أن هذه النصوص متناقضة، أجتهد بأن أقنعهم بأن يحتذوا حذوي.
٦٧-أجاب تريـفون: لم يقل الكتاب: “هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا…”
ولكن: “هوذا الفتاة تحبل وتلد…”، والتابع كما ذكرت، كل النبوءة ترجع إلى حزقيا، فقد برهن أنه حدث له ما هو مقول في هذه النبوءة.
على كل حال، في أساطير من يُسمّون باليونانيين، يُقال إن برسِيوس وُلد من دناييس التي كانت عذراء، بعدما من يُسمّى عندهم رفس انتشر عليها تحت شكل مطر من ذهب.
كان الواجب عليك أن تخجل من سرد الأشياء نفسها التي يقولونها،
أجاب تريفون: أنت بذاتك اعترفت أنه خُتن، وأنه مارس باقي الشرائع التي سنها موسى .
أجبت: لقد اعترفت بذلك وأعترف به الآن.
ولكن إذا كنت اعترفت بأنه أطاع في كل شيء، فليس معناه أن ذلك ما يبرره، ولكنه كان يحقق التصميم الذي أراده أبوه، خالق الكون والرب والإله؛
لأني أعترف أيضًا أنه احتمل الموت على الصليب، وصار إنسانًا وتألم كل ما تكبده من أهل ملته.
٦٨- تريِفون: هذا شيء غير معقول وشبه المستحيل أن تُشرع في سعيك على أن تثبت أن إلهاً احتمل أن يولد وأن يصبح بشراً .
أجبتُ: إذا اجتهدتُ في أن أقوم بهذا البرهان بتعاليم وبراهين بشرية، فيجب ألا تتحملوني.
ولكنّي أورد لكم نصوص الكتاب التي في هذا الموضوع، وأُكرّر بلا انقطاع أنها تعلم هذه العقيدة؛
(…) قُلْتُ: أَتَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ بِحَسَبِ الكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ يَجِبُ أَنْ نَعْبُدَ رَبًّا وَإِلَهًا غَيْرَ الَّذِي صَنَعَ هَذَا الكَوْنَ، إِلَهَا غَيْرَ الْمَسِيحِ الَّذِي بَيَّنَتْ لَكُمُ الْكُتُبُ أَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا؟ .
تَرِيفُونَ: كَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نُسَلِّمَ بِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ اعْتَرَضْنَا عَلَيْهِ بِشِدَّةٍ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ إِلَهًا غَيْرَ الْآبِ وَحْدَهُ؟ .
(..) ولن تتجرؤوا بعد ذلك أن تؤمنوا بمعلميكم عندما يجسرون ويؤكدون أن الترجمة التي قام بها السبعون شيخًا عند بطليمس ملك مصر، ليست حقة في بعض النقاط.
إذا كان في الكتب المقدسة شيء واضح وعبارات جلية، يدحض رأيهم الأحمق وكبرياءهم، فلديهم الجسارة على القول بأن النص ليس هكذا.
(…) إنهم أكدوا في تعليمهم أنه (النص) قيل في حزقيا، وسأبين في هذه النقطة، حسب وعدي، أنهم كذابون.
وعندما نورد لهم نصوص الكتب المقدسة التي تبين لنا بعبارات معينة أن المسيح المتألم، الخليق بالعبادة هو الإله، تلك النصوص التي سبق وأوردتها، يضطرون إلى الإقرار بأنها قيلت في المسيح، ولكنهم يتجاسرون على القول بأن يسوع هذا ليس المسيح، رغم أنهم يعترفون بأن إلهًا سيأتي ليتألم ويَملك ويُعبد.
أما عندما يحدث لي، يا تريفون، أن أستمع لرواية بيرسيوس من أنه ولد من عذراء، فأفهم أيضًا أن ذلك تزييف من حية الضلال .
۷۱- وإني لا أثق بمعلميكم الذين لا يعتبرون صحيحة الترجمة التي قام بها السبعون شيخًا لدى بطليموس ملك مصر؛ ويحاولون أن يقوموا بترجمة تخصهم.
فهناك نصوص كثيرة شطبوها كاملاً من الترجمة التي عملها الشيوخ لبطليموس.
إنها كانت تبين وتعلن واضحًا أن يسوع هذا الذي صلب، كان إلها وإنسانًا، وأنه علق على الصليب ومات؛ يجب أن تعلموا ذلك.
إني أعلم أن الذين من ملتكم هم ينكرون كل هذه النصوص، ولذلك فإني لا أهتم بأن أجادل فيها، بل سأجادل بالتي تعترفون بها.
فإن كل النصوص التي أوردتها، توافقون عليها، ما عدا الآية “هوذا العذراء تحبل…”، فإنكم تزعمون بالعكس أنه قيل: “هوذا الفتاة تحبل…”
وقد وعدت أن أبرهن على أن النبوءة تخص ليس جزئيًا كما علموكم، بل مسيحنا. والآن سأقوم بهذا البرهان .
قال تريفون: نفضل أن تسرد لنا أولاً بعض النصوص التي قلت عنها إنها حذفت تمامًا .
٧٢- قلتُ له: سأعمل بما يطيب لك.
فإذن من التفسير الذي أعطاه عزرا في شريعة الفصح، حذفوا هذا النص:
قال عزرا للشعب: “هذا الفصح هو مخلصنا وملجأنا.
فإذا فكرتم وأثارت هذه الفكرة قلبكم إننا سندلّه على الصليب، وبعد ذلك سنرجوه، فهذا المكان لن يكون فقرًا للأبد، يقول رب القوات؛ ولكن إذا لم تؤمنوا به ولم تستمعوا إلى رسالته، فستكونون هزء الأمم”.
ومن أقوال إرميا حذفوا هذا النص:
“وكنتُ أنا كحَمَلٍ أليفٍ يُساق إلى الذبح، ولم أعلم أنهم فكروا عليَّ أفكارًا أن لتُلقى خشبًا في طعامه، ولنقطعه من أرض الأحياء، ولا يُذكر اسمه من بعد” (إر ١٩:١١).
إن هذا المقطع المأخوذ من كلام إرميا، مكتوب إلى اليوم في بعض مخطوطات محفوظة في مجامع اليهود، لأنهم لم يحذفوه إلا من زمن قريب.
(…) ومن أقوال إرميا نفسه حذَفُوا هذا النص:
“إن الرب الإله، قدوس إسرائيل، ذكر أمواته الذين يرقدون في تراب القبر، فنزل إليهم ليعلن لهم بشرى خلاصهم”.
٧٣- من المزمور ٩٥، في أقوال داود، حَذَفُوا هذه العبارة الموجزة: “من أعلى الخشبة”.
فقد قيل: “نادو في الأم: الرب قد ملك من أعلى الخشبة!”
(…) فاستطرد تريفوْن: إذا كان رؤساء الشعب، كما تقول، حذقوا شيئًا من الكتب المقدسة، فالله يستطيع معرفته، ولكن يبدو ذلك غير قابل للتصديق .
قلت: نعم، ذلك يبدو غير قابل للتصديق؛ لأن هذا أمر أفظع من صنع عجل من ذهب، كما فعل أولئك الذين شبعوا من المنّ الذي جمعوه من على الأرض، أو تقديم أطفال للشياطين، أو قتل الأنبياء أنفسهم.
ويظهر لي أنكم لم تسمعوا بأنهم شوهوا الكتب المقدسة التي نحن بصددها.
(…) فذلك إشارة إلى أنه عمل غير بشري، بل هو فعل إرادة الله الآب وإله الأشياء كلها، الذي أوجده.
(…) وأذاع داود أنّه “سيولد من البطن قبل الشمس والقمر”(190)، حسب إرادة الآب؛ وبيّن أنّه كمسيح سيكون “إلهاً قوياً خليقاً بالعبادة”.
٧٩- وكانَ يبدو على وجهِ تْرِيفُونَ أنَّهُ كانَ منقسمًا بينَ الغضبِ واحترامهِ للكُتبِ المقدسةِ، فقالَ لي:
إنَّ كلامَ اللَّهِ مقدَّسٌ، لكنَّ تفسيراتِكَ تبدو مصطنعة، كما يبيِّنُ ذلكَ ما شرحتَّهُ الآن، وأكثرُ منْ ذلكَ إنها تجديف لأنَّكَ تقولُ إنَّ الملائكةَ عملوا الشرَّ وانفصلوا عنِ اللَّهِ .
فأجبتهُ بلهجةٍ لطيفة، غايةَ أنْ أحضرهُ لاستماعي:
(…) إنه يقول إن الملائكة الأشرار سكنوا ويسكنون حانيس في مصر. إليك أقواله:
“ويل للبنين العاقين، يقول الرب،
فإنهم يعقدون مشورة ليست مني، ويثوبون عهداً ليس من روحي ليزيدوا خطيئة على خطيئة؛
الذين ينطلقون هابطين إلى مصر ولم يسألوا فمي لكي يعودوا بمعاد فرعون ويعتصموا بظل مصر.
سيكون لكم معاد فرعون خزياً، والاعتصام بظل مصر عاراً.
قد ذهب رؤساؤه إلى صوعن، وبلغ ملائكته إلى حانيس،
(…) ويقول زكريا أيضا، كما ذكرت أنت نفسك، إن الشيطان كان واقفا بالقرب من يشوع الكاهن ليعترضه، وإن الرب قال: لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم” (زك ٣: ١- ٢).
ومكتوب في أيوب، كما قلت أنت نفسك، “أن دخل ملائكة الله ليمثلوا أمام الرب، ودخل الشيطان أيضا بينهم” (أي ١: ٦).
(…) أنا على رأيك بأنه لا يجب أن نتبع الناس أو تعاليم الناس، بل الله والتعاليم الصادرة عنه.
(…) من جهتي أنا والمسيحيين ذوي الإيمان القويم، مهما كان عددهـم، نعرف أن قيامة الجسد ستحدث مدة ألف سنة في أورشليم المتجددة المزينة الموسعة، كما يثبت ذلك الأنبياء حزقيال وأشعيا وغيرهما .
الألفيَّة في أشعيا وسفر الرؤيا
٨١- إليكم ما يقول أشعيا عن مدة الألف سنة هذه:
ها أنا ذا أخلق سماوات جديدة وأرضًا جديدة، فلا تذكر السالفة ولا تخطر على بال، بل تهللوا إلى الأبد بما أخلق.
(…) تدل على الألف سنة بطريقة سرية.
فقد قيل لآدم “إنه يوم يأكل من ثمر الشجرة يموت موتا”(تك ٢: ١٧؛ ٣: ٣).
نعرف أن هذا اليوم لم يصل بعد إلى الألف سنة.
نفهم كذلك أن هذه الكلمة: “يوم الرب هو كألف سنة”(مز ٨٩: ٤)
تعود إلى هذا المقطع.
ومن جهة أخرى، عندنا رجل يدعى يوحنا، أحد رسل المسيح، قد تنبأ في الرؤيا التي شاهدها أن الذين آمنوا بمسيحنا سيقضون ألف سنة في أورشليم، بعد ذلك تأتي القيامة العامة للجميع دون استثناء، ثم الدينونة.
(…) ولكن ما هي علامة، والتي يجب أن تصبح للجنس البشري سبب ثقة، هي أن بِكْرَ كُلَّ خليقة صار جسدًا حقًا وولد طفلاً من بطن عذراء.
ولهذا السبب -إذ كان يعرف الحدث بسابق علمه- تنبأ عنه بالروح النبوي، حتى إنه عندما تحقق استطعنا معرفة قدرة خالق الكون ومشيئته:
مثلما كُوِّنَتْ حَوَّاءُ مِنْ آدَمَ، وَمِثْلَمَا كُوِّنَتِ الْخَلَائِقُ الْحَيَّةُ فِي البدء بكلمة الله.
(…) هذا ما تفعله جميع النساء، ما عدا العواقر.
وحتى هؤلاء، فبإمكان الله متى شاء، أن يجعلها تنجب.
فأم صموئيل كانت عاقراً وأنجبت بإرادة الله، وكذلك امرأة إبراهيم الجدّ، والإصابات التي ولدت يوحنا المعمدان، وغيرها أيضاً…
ولذلك لا يجب أن تصدقوا أنه يستحيل على الله أن يفعل ما يشاء،
-كما قال ذلك أشعيا وداود وكلّ الكتب المقدسة والذي هو “رب القوات”، بمشيئة الآب الذي منحه إياها؛
(…) لأنَّ كلَّ شيطانٍ مُعزَّمٍ باسمِ ابنِ اللهِ “بكر كل خليقة” الذي وُلدَ من عذراء وصار إنساناً متألّماً، وصُلِبَ من شعبِكم على عهد بيلاطس البنطي، ومات وقام من بين الأموات وصعِدَ إلى السماء، يصبح مغلوباً ومقهوراً.
(…) هذا الذي قام من بين الأموات بمشيئة الآب، يسوع المسيح، إنَّ كلمة داود تبرهن عن ذلك أيضاً،
وتفاخر يعقوب نفسه أنه بعصاه قطع النهر.
وقيل إن سلماً ظهرت له، ويعلن الكتاب أن الله كان مستنداً إلى السلم.
وقد بينا من الكتب أن هذا الإله لم يكن الله الآب.
وكان يقول بأنه يسلم بأن هذا النص قيل في المسيح، لكنه زاد:
بما أنك تقول بأنه كان إلهاً أزليّاً، وأنه صار جسداً بمشيئة الله ليولد إنساناً من العذراء، فكيف يمكنك أن تبرهن أنه كان أزليّاً،
(…) حينئذ جاء يسوع إلى نهر الأردن حيث كان يوحنا يعمد. وفيما كان نازلاً في الماء أضرمت نار في الأردن. وفيما هو صاعد من الماء رفرف الروح القدس عليه مثل حمامة.
والذين كتبوا ذلك هم رسل هذا المسيح.
(…) وفي الوقت نفسه جاء صوت من السماوات، هذا الصوت كان سبق وتكلم على لسان داود الذي -كأنه باسم المسيح- أعلن ما سيقال له من قبل أبيه: “أنت ابني وأنا اليوم ولدتك”؟
فالآب أعلن أن ابنه وُلد لأجل البشر في الوقت الذي كان ينبغي للناس أن يعرفوا به .
٨٩- قال تريغون: (…)
ولكن مسألة معرفة هل كان ضروريًا أن يُحْتَقَر المسيح إلى حد الصلب، فيشك بذلك، لأن الشريعة تقول: “مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ”. وفي هذا الوقت لا أصدّق الأمر بسهولة.
إنه لأكيد أن الكتب المقدسة تبشر بمسيح متألم، ولكن ألاما تلعنها الشريعة! هذا ما تتمنى أن تبرهن عنه إن استطعت .
٩٠- قال: أعلِمْنا إذن من الكتب المقدَّسة لكي تقنعنا بدورنا.
إنَّنا نعلم أنَّه سيتألم وأنَّه سيساق كحمل.
أما أنَّه سيُصلب ويموت في هذه الدرجة من العار والاحتقار، بالموت الذي لعنته الشريعة، بيِّنه لنا لأنَّنا لا نستطيع أن نتصور ذلك .
٩٣- يضعُ الله في جميع البشر ما هو عادلٌ لكل زمان ومكان.
جميع الناس يعرفون أن الزنا شرٌ وكذلك البغاء والقتل وما يشابهها.
حتى ولو مارس الجميع هذه العادات، فلا يكفّون عن معرفة أنَّ ما يقومون به شرٌ،
(…) والحال إن أبا الكون أراد أن يأخذ ابنه مكان البشر من كل جنس ويحمل لعنات الجميع، وهو يعلم أنه سيقيمه بعد صلبه وموته، فلماذا تتكلمون عنه كأنه ملعون، ذاك الذي احتمل هذه الآلام بحسب إرادة الآب؟
(…) ثقبوا يديّ ورجليّ وأحصوا كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون فيّ.
(…) وبرهنت أن أحداث حياته قد أُعلنت بطريقة سرية، ليس فقط في بركة يوسف ويهوذا، بل في الأناجيل أيضاً مكتوب أنه قال: “لقد دفع إِليَّ أبي كل شيء”، وليس أحد يعرف الابن إلا الأب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن يريد الابن أن يكشف لهم”.
إنه كشف لنا إذن كل ما نفهمه بنعمته من الكتب المقدسة.
نعرف أنه “بكر الآب وبكر كل خليقة”، وابن الأجداد، إذ إنه بتجسده بواسطة عذراء من نسلهم؛ فقد احتمل أن يصير بشراً “لا منظر له ولا بهاء، رجل أوجاع”.
(…) ونراه أيضًا يُدعى “ابن الله” في مذكّرات رسله (الأناجيل)؛ فعندما ندعوه ابنًا، نُدرك أنه حقًا ابن؛ وأنه خرج من الأب قبل الخلائق كلها، بقدرة وإرادة أبيه.
وقد سُمّيَ أيضًا حكمةً، يومًا وفجرًا، سيفًا وصخرة وعصا، ويعقوب وإسرائيل؛ وهناك أسماء أخرى في أقوال الأنبياء.
ونفهم أخيرًا أنه صار إنسانًا من العذراء، بحيث أنه بالطريقة نفسها التي ابتدأت، زالت المعصية التي جلبتها الحيّة.
(…) ولمَّا تمَّ الزمان ليُحقِّقَ المسيحُ التصميمَ الذي حددته إرادَةُ الآبِ ليُصلَبَ، كان أرخيلاوس قد مات. فهيرودس إذن الذي خلف أرخيلاوس، تسلَّم السلطة التي آلت إليه.
(…) وكان صوتٌ يقول له: “أنتَ ابني، أنا اليومَ وَلَدْتُكَ”، كما هو مكتوب في مذكّرات الرُّسل- دنا إليه وجرّبه إلى حدّ أنّه قال له: “اسْجُدْ لي”.
(…) لأن في المذكّرات التي قلتُ إنّ الرسل وتلاميذهم كتبوها، مكتوبٌ أنّ عَرَقاً شبيهاً بقطراتِ دمٍ(٢٨٩) كان يتصبّب بينما كان يصلّي قائلاً: “إنْ أمكنْ فَلْتَجُزْ عنّي هذه الكأس”، لأن قلبه كان أكيداً مضطرباً وكذلك عظامه.
كان قلبه كشمع سائل يتسرّب إلى أحشائه، كان الابن الوحيد لأبي الكون.
كان حقًّا مولوده، الكلمة والقدرة.
وفي ما بعد صار إنساناً من العذراء، كما تعلمناه من المذكرات.
(…) قد قيل إنه غير اسم أحد رسله إلى “بطرس”، وهذا الحدث مدون في مذكراته.
(…) فالكرمة التي زرعها المسيح الإله والمخلّص، هي شعبه.
لن أجادل معكم في هذه الكلمة البسيطة، كما إني لم أسعَ في برهاني لما يخص المسيح أن أستنده إلى نصوص لا تعرفونها بها، وكنتُ قد تكلّمتُ عنها، أي بعض المقاطع من إرميا النبي وعزرا وداود.
لقد اكتفيتُ بالنصوص التي اعترفتم بها إلى الآن.
لو كان معلموكم فهموها فاعلموا أنهم كانوا حذفوها، كما فعلوا برواية موت أشعيا الذي نشرتموه بمنشار من خشب؛
الذي شبه يعقوب على الذي ظهر له، عملاً بإرادة الآب،
والذي بصفته بكر كلّ الخلائق كان إلها،
وهذا ما سيفعله أيضاً المسيح عندما صار إنساناً،
لأنه عندما صار إنساناً، كما سبق وقلت،
فإبليس، أي هذه القدرة التي تسمّى أيضاً حيّة وشيطاناً، اقترب منه ليجرّبه؛ وظنّاً منه أنه سيعبده، قاومه ليصرعه.
لكنه (المسيح) قضى عليه وصرعه، وأثبت عليه فساده، ذاك الذي، خلافاً للكتاب، أراد أن يُعبد كإله، وقد أصبح عدوّاً لإرادة الله، لأنه أجابه: “مكتوب: للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد.
وعندها انسحب الشيطان مصروعاً مخذولاً”.
أنَّ الذي تلقى الأمر من الآب والرب، وكان ينفذ إرادة الله، ذاك الذي ظهر لإبراهيم وإسحق ويعقوب ولسائر الأجداد، هو الذي تدعوه الكتب المقدسة الله .
(…) إن الآب الفائق الوصف ورب الكون لا يذهب إلى مكان، ولا يتنزه ولا ينام ولا ينهض، بل يبقى في مكانه حيثما وجد.
(…) فكيف إذن يتكلم هذا الإله أو يتجلى لأحد، أو يظهر في بقعة صغيرة من الأرض،
(…) ولكن فقط ذاك الذي بإرادة الآب هو أيضاً إله، لأنه ابنه وملاكه ومنفذ أوامره، ذاك الذي أراده أن يولد إنساناً من العذراء، والذي ظهر في القديم بشكل نار ليكلّم موسى في العليقة.
لأننا إذا لم نفهم الكتب المقدسة على هذه الطريقة، وجب القول بأن الآب ورب الكون، لم يكن في السماوات عندما قيل على لسان موسى: “وأنظر على سدوم كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء،
١٢٨- “المسيح هو رب وإله وابن الله، وقد ظهر بالقدرة أولاً، كإنسان وملاك، وفي مجد النار في العليقة.
(…) وإني لأعلم أن بعضًا يريدون أن يستولوا مسبقًا على هذه المقاطع، ويؤكدوا أن القدرة التي أتت من لَدُنْ أبي الكون لتتجلى لموسى وإبراهيم ويعقوب تُدعى “ملاكًا” عند مجيئها إلى البشر، لأنه بواسطتها يُبشّر الناسُ بأمور الله.
وتُدعى “مجدًا” لأنها تظهر أحيانًا بشكل غامض، وتدعى “إنسانًا” لأنها ليست أشكالاً بشرية أرادها الأب حتى تستطيع الظهور!
ويدعونه أيضًا “كلمة” لأنها (هذه القدرة) تحمل إلى البشر كلام الأب.
ويقولون إن هذه القدرة غير منظورة وغير منفصلة عن الأب، مثل ضوء الشمس الذي ينير الأرض، ولا يمكنه أن ينقسم أو ينفصل عن الشمس التي في السماء، وعندما تغرب الشمس يضمحل النور.
كذلك يستطيع الله، حسب زعمهم، أن يفجر قدرته متى يشاء، وأن يعيدها إليه من جديد، ويعلمون أنه بالطريقة نفسها أيضًا خُلق الملائكة.
ولقد بينا أن الملائكة موجودون وكائنات مستديمة، وأنهم لا ينحلون في الذات التي صنعتهم.
وهذه القدرة التي يسميها الكلمة النبوي الله (كما برهنا على ذلك بإسهاب) وملاكًا تتميز عن الله ليس فقط في الاسم مثل ضوء الشمس بل هي عددًا شيء متميز.
لقد بحثت عن ذلك موجزًا في ما سبق، وقلت إن هذه القدرة وُلِدت من الأب بقدرته وإرادته، ليس عن طريق التقسيم كأن جوهر الأب قد تجزأ على مثال الأشياء الأخرى التي تُقسم وتُقطع والتي لا تبقى على حالها بعد القطع.
وأخذت مثل النار التي تشعل نيرانًا أخرى:
فالنار التي تُستعمل لإشعال نيران أخرى لا تفقد شيئًا وتبقى هي هي“.
(…) فإن الكلمة النبوي يكشف أنهما اثنان عددًا:
الواحد على الأرض، وقيل إنه نزل ليرى نواح السدوميين؛ والثاني في السماء، الذي هو رب السيد الذي على الأرض، كأب وإله.
واستطردت بعد ذلك: افهموا أنتم الذين تسمعونني إذا أعربتم انتباهكم:
إن الكلمة يبين أن الأب ولد قبل جميع الخلائق، وأن المولود يتميز عدداً عن والده. أي إنسان يعترف بذلك .
أريد الآن أن أذكركم بواحدة منها بغية مساعدتكم على أن تفهموا أن يسوع هذا الذي نعترف به نحن أيضاً، هو المسيح ابن الله؛ وقد صُلب وقام وصعد إلى السماء، وسيأتي كدَيّان لجميع البشر، حتى إلى آدم نفسه .
الخاتمة: وداع يوستينوس إلى تريفون
أما أنا فكنتُ أصلِّي لأجلهم قائلاً:
إن أجمل صلاة أستطيع أن أقوم بها لأجلكم، أيها الأصدقاء، هي طلبي بأن تعترفوا أن السعادة تعطى لكل إنسان بهذه الطريقة، وأن تصلوا أنتم أيضا إلى الإيمان مثلنا بأن يسوع هو مسيح الله .
