﷽
خُلاصة كتاب: رؤية شرقية لقانون الكتاب المقدس
تأليف: يوئيل كالفسماكي و دانيال لوين
أفكار حول قانون العهد القديم
كتبه Joel Kalvesmaki
كلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحَى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبيخ، لِلتَّقْويمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلا، مُتَأَهبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. (٢تي ١٦:٣).
ما هي الكتب المقدَّسة التي أخذها القديس بولس في الاعتبار عندما كتب ما ورد أعلاه إلى القديس تيموثاوس؟
في رسالته إلى القديس تيموثاوس، لا يُشير القديس بولس إلى العهد الجديد. يجب أن يكون هذا واضحًا لأنّ الأسفار مثل أعمال الرسل والرؤيا لم تكتب بعد. حتى أن ما كتب كان لا يزال في عملية التداول في الكنائس المختلفة، بدءًا من تلك الموجودة في حوض بحر إيجه ومع ذلك، كما البروتستانت نريد عمومًا أن نجعل هذه الفقرة تشمل العهد الجديد لأنها واحدة من الآيات القلائل التي تدعم بشكل مباشر تعليمنا عن وحي الكتاب المقدس.
ولكن -والأكثر أهمية- أن القديسين بولس وتيموثاوس قد استخدما السبعينية، أي الترجمة اليونانية للعهد القديم والتي وضعت في القرن الثالث قبل الميلاد.
لكن الأمر الهام للغاية بالنسبة إلى السبعينية هو إيماننا بأن جوانب كثيرة من رسالة العهد الجديد لا يمكن إدراكها بشكل كافٍ بدون السبعينية.
تم الاعتراف بالسبعينية باعتبارها الترجمة اليونانية الرسمية للكتاب المقدس اليهودي وتمّ قراءتها في المجامع والكنائس في المجتمع الهيلليني. تعود معظم اقتباسات العهد القديم الواردة في العهد الجديد إلى السبعينية، وليس العبرية. كما يعتبر استخدام بولس للسبعينية من الأمور ذات الأهمية الخاصة، لأنَّه – كتلميذ عند غمالائيل – كانت لديه معرفة وافية بالاختلاف بين النصوص اليونانية والعبرية.
إنَّ معظم العلماء يشككون في التفاصيل الرائعة التي تطورت حول قصة الترجمة إلى السبعينية، لكن الحقائق التاريخية الرئيسية تم قبولها هذا الاقتباس – من مسيحي مجهول من القرن الثاني أو الثالث – لا يتعلّق فقط بالقصّة، بل يعكس الرأي العام للمسيحيين الأوائل حول هذا الموضوع.
هذه الأشياء، أيها الرجال اليونانيون، ليست خرافة، ولا نروي قصصًا خياليةً؛ لكننا نحن أنفسنا الذين كُنا في الإسكندرية رأينا بقايا الأسرة الصغيرة التي ما زالت محفوظة في المنارة. وبعد أن سمعنا هذه الأشياء من السُكان المحليين الذين أخذوها كجزء من تقاليد بلادهم، فإنّنا نخبركم الآن ما يمكن أن تتعلموه أيضًا من الآخرين، وخصوصًا من هؤلاء الرجال الحكماء والموقرين الذين كتبوا عن هذه الأشياء، مثل فيلو ويوسيفوس وآخرون كثيرون.
Pseudo-Justin, Hor. Greeks 13
عندما بدأت في قراءة السبعينيّة لأوّل مرة، فوجئت بعدة أمور. لقد لاحظت من خلال العمل على أسفار مو موسى الخمسة العديد من الاختلافات الهامة بين العبرية واليونانية. لعل لعنة الله لقايين هو. مثال على ذلك.
نفس الأمر بالنسبة للطوفان، إذ بحسب سلسلة الأنساب من آدم إلى نوح التي وردت في السبعينية، تقع حادثة الطوفان في عام 2242 من الخلق. لكن ترجماتنا الحديثة القائمة على النصّ العبري تُشير إلى عام ١٦٥٦. ينبع هذا الاختلاف من إشارة السبعينية إلى أن ولادة الأبناء الأولين لمختلف البطاركة حدثت في وقت لاحق من حياتهم عن تلك المذكورة في النص العبري.
تحتوي الفصول العشر الأخيرة من سفر الخروج وسفر إرميا بأكمله على عدد من المقاطع المختلفة حدث بها إما حذف للآيات أو إعادة صياغتها أو إعادة ترتيبها بالكامل. وتحتوي النسخة العبرية في بعض الأحيان على نصّ أكثر من السبعينية وأحيانًا العكس.
بعد أن اعتقدت أنّ النصّ كان في الأساس هو نفسه، شعرت بخيبة أمل كبيرة. على سبيل المثال، فإنّ كتاب برهان يتطلب قرار لـ جوش ماكدويل يدعو السبعينية “نسخة قريبة جدا” من النسخة المازوراتية. ما مدى قربها ؟ هل قام السيد ماكدويل حقا بقراءة السبعينية؟
على سبيل المثال، يقتبس عبرانيين ۱۰ : ٥ من مزمور ٦:٤٠ كنبوة مسيانية: لذلك عندما يأتي إلى العالم، يقول: “ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَم تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا”. وقد اقتبس المؤلف مباشرة من النسخة السبعينية لسفر المزامير. إنَّ نظرة سريعة لترجماتنا الحديثة ستؤكد أنَّ النص العبري يقول : “بذبيحة وتقدمة لم يُسر. أذني فتحت”.
في سفر أعمال الرسل ١٤:٧، يروي القديس إسطفانوس قصة شعب إسرائيل ويشير إلى الـ ٧٥ شخصا الذين سافروا من كنعان إلى مصر إبان هجرة عائلة يعقوب. ليس هذا ما ورد في الأصحاح الـ ٤٦ من سفر التكوين في كُتبنا المقدَّسة، حيث ذُكِر ٧٠ غريبا. إلا إن السبعينية تسرد ٧٥ شخصا، مؤكّدةً رواية القديس إسطفانوس، مع وجود اختلافات تتمثل في أحفاد يوسف الواردة في (تك ٢٠:٤٦-٢٢).
والأهم من ذلك، أنّ نبوءة إشعياء عن أنّ العذراء تحبل قد وردت بشكل جلي في النسخة السبعينية (إش ١٤:٧). حيث يستخدم النصّ العبري كلمة “امرأة” Marah بدلا من “عذراء” Parthenos. وفي مواجهاتهم المبكرة مع المسيحيين، اعترض اليهود بشدة على استخدام هذه الآية لدعم مسيانية المسيح. إذ ادعى اليهود أن إشعياء كان يتنبأ عن الملك حزقيا ولم يكن يعلم شيئًا عن ولادة معجزية من عذراء. وقالوا إن السبعينية قد تمّ العبث بها. ردَّ المسيحيون الأوائل قائلين بإنهم لم يكونوا هم، بل اليهود هُم مَن اقتطعوا مقاطعًا من النص العبري بدافع الحسد.
إذا تتبعنا اقتباسات العهد الجديد، ألا يمكن القول إنَّ السبعينية اعتبرت جديرة بالثقة بل وقد فضلها الرسل؟ لا يتعارض هذا مع شهادة الكنيسة الأولى في العالم الناطق باليونانية، والتي – كما يتضح جزئياً من الاقتباس البطريركي السابق – تعتبر السبعينية ترجمة سليمة وموحاة.
كمسيحي يؤمن بالكتاب المقدَّس، فإنّ مواجهة هذه المعضلة لم تكن بالأمر السهل. شعرت أنه بمحاولة الجهاد بصدق مع الأمور النصية، كنت أتساءل عن سلطة كلمة الله. وهذا ليس ما قصدته على الإطلاق. لقد أردت ببساطة أن أكون أمينا في إيماني المسيحي. وبمرور الوقت عندما جاهدت عبر بعض هذه الحقائق، أدركت أنني بحاجة إلى أن آتي إلى الكتاب المقدَّس خاضعا لشروطه الخاصة، وليس من خلال توقعاتي كغربي في القرن العشرين. هذه الرغبة في الأمانة أعانتني حينما سعيت بنهم في دراسة قانون العهد القديم.
تحتوي النسخ الأولى من النسخة اليونانية للكتاب المقدس الذي لدينا، مثل المخطوطة السكندرية Codex Alexandrinus والمخطوطة السينائية Codex Siniaticus التي تعود إلى القرنين الرابع والخامس)، على الأبوكريفا. ولا يتم وضعها في قسم منفصل في الجزء الخلفي من المخطوطة، بل تتخلل الأسفار وفقا للنوع الأدبي – حيث نجد الأسفار التاريخية مع أسفار الملوك وأخبار الأيام، والأسفار الحكمية مع الأمثال ونشيد الأنشاد لسليمان، وهكذا دواليك.
تم استخدام هذه الأسفار من قبل المجتمعات اليهودية الهيلينية وبعض الجماعات اليهودية الفلسطينية مثل الأسينيين. وقد حظيت الأبوكريفا بالتقدير وسط المجتمعات اليهودية المختلفة حتى ما يقرب من ثلاثين عاما بعد وفاة بولس عندما قام الفريسيون في مجمع جامنيا وناقشوا عددًا من القضايا من بينها القانون اليهودي. وعلى الرغم من أنّ تأثير هذا المجمع هو أمر محل جدال، إلّا إنّ الأمر الواضح هو أنه في أعقاب المجمع، رفض الفريسيون الأبوكريفا تماماً، ثمّ شرعوا بعد ذلك في السيطرة على اليهودية.
إنه لأمر غير مألوف أن معظم المسيحيين البروتستانت اليوم يتبنون قرارات مجمع جامنيا باعتبارها هي المحدّدة لقانونهم للكتاب المقدَّس. لم يكن أعضاء هذا المجمع مسيحيين على أي حال.
لقد ترعرعنا كبروتستانت ونحن نعرف أنه لا يوجد سوى ٣٩ سفرًا في العهد القديم. وأنها أسفار فريدة من نوعها ولا تشبه أي كتاب آخر.
صحيح أنَّه لا يوجد اقتباس مباشر في العهد الجديد من الأبوكريفا. ولكن قبل أن نستكمل بثقة، يجب أن نُدرك أن هناك تلميحات إلى الأبوكريفا واستخدامات لها.
صحيح أن كتبة هذه الأسفار لم يدعونها أسفارًا موحى بها. لكن ما هي الأسفار التي أعلن كتبة العهد الجديد أنّها أسفار موحى بها؟ يمكن أن تعمل الحبيبة في كلا الاتجاهين. هناك سبعة عشر سفرًا لم يقتبس منها العهد الجديد، مثل – على سبيل المثال لا الحصر – أسفار يشوع، القضاة، حزقيال، عزرا نحميا، وأخبار الأيام. هل هذه الأسفار إذا هي موضع شك؟
في الواقع، لا يدعو الكتاب المقدَّس أي سفر بشكل محدّد بأنه موحى به بخلاف ذلك المقطع الذي ننظر إليه في رسالة تيموثاوس الثانية. هل ينبغي لنا أن نأخذه في الاعتبار ؟
كان الغرض من المجمع المحلي، قبل ظهور المجامع المسكونية، هو الحكم في النزاعات الإقليمية، وليس وضع العقائد الأساسية للإيمان. إن صياغة قانون للكتاب المقدَّس لم يكن أبدا موضع نقاش.
إنَّ أوريجانوس في تعليقاته على إنجيلي القديس يوحنا والقديس متى قام بالاقتباس من أسفار يهوديت، الحكمة ابن سيراخ، بجانب دانيال وعزرا. كما أن آباء آخرون قبل أوريجانوس، مثل إكليمندس الروماني، بوليكاربوس، كليمنضس السكندري وإيرينيؤس قد اقتبسوا جميعا من الأبوكريفا.
إنَّه لمن الصعب العثور على أب لم يقتبس من الأبوكريفا كأسفار مقدسة.
في رسالتة الفصحية عام ٣٦٧، قام القديس أثناسيوس بسرد كتب العهد القديم آخذا في اعتباره تلك الأجزاء من الأبوكريفا المتعلقة بإرميا ودانيال، بينما استبعد سفر إستير بأكمله. كما أثنى على كتب الأبوكريفا الأخرى باعتبارها مناسبة لتعليم المسيحيين الجدد، على الرغم من أنَّه لا يُصنِّفها على أنَّها كتاب مُقدَّس.
صحيح أن الإصلاحيين عموما قد اشتركوا في القانون العبري، إلا إنهم على الرغم من ذلك لم يكونوا عدائيين تجاه الأبوكريفا إذ أدرجها لوثر في ترجمته للكتاب المقدس لكونها مفيدة للقراءة. فقد شملت الترجمة الأصلية لنسخة الملك على الأبوكريفا وتم إدراجها في المطبوعات اللاحقة حتى القرن التاسع عشر.
على الرغم من أن مجمع ترينت كان متأخرًا، إلَّا إنَّه لم يقم بأي تغيير في القانون، بل بالأولى عبّر عن استخدام الكتاب المقدَّس منذ زمن الرسل عامة، نحن لسنا في حاجة إلى توضيح الأمور غير الخلافية. حتى ذلك الحين لم تكن روما بحاجة إلى تحديد قانونها. ولم تشكك أي كنيسة في العالم، من أرمينيا إلى إثيوبيا وصولا إلى روما في الأبوكريفا. فقط البروتستانت، الذين فضَّلوا حكمتهم الخاصة على بقية المسيحية، حضوا على إعادة تحديد القانون.
هل العهد القديم هو ملك لليهود أم للمسيحيين؟ فسؤالنا لا يدور حول ما احتواه العهد القديم اليهودي بل المسيحي! من هي الجهات المختصة في هذا السؤال؟ إذا كُنَّا نحترم القرار اليهودي بشأن القانون، فهل يجب علينا إذا إعادة النظر في موقفنا من المسيح والسبت والناموس؟
أدرك الكاثوليك الاختلافات داخل العهد القديم، ليس فقط في الأبوكريفا، بل أيضًا في الأسفار التاريخية وأسفار الناموس والأنبياء. لا تزال الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تُدرك هذا التمييز من خلال دعوة أسفار الأبوكريفا بـ deuterocanonical (القانونية الثانية). يُميّز الكاثوليك الأبوكريفا ولكنهم لا يفصلونها إذ أنها تستوعب بشكل مثالي فكر العلماء الكاثوليك المذكورين أعلاه.
هناك مقاطع من الأبوكريفا يجدها العديد من البروتستانت مزعجة أو تحتوي على إشكاليات. ومع ذلك، إذا كنَّا، صادقين، فهذه الفقرات لها نظيراتها في العهد القديم.
فكر في الطريقة التي جعل يعقوب قطيعه يتوالد بها تك ٣٠: ٢٥-٤٣). ألا يبدو أنه استخدم سحرًا شعبيا ووسائل للتنقيب عن المياه؟ إذا لم يتم إدراج هذه القصة في القانون وكُنّا نقرأها اليوم لأوّل مرة ألم نكن لنتفاعل بنفس الشكل السلبي؟
يجد بعض البروتستانت أنهم، بعد قراءة هذه الأسفار، يعودون إلى الكتب المقدَّسة المألوفة ويكتشفون عمقا وصدقا جديدين. ويبدأ آخرون في إدراك أن قانون العهد القديم ليس قضية يُجزم فيها إما بأبيض أو بأسود.
ليس كل الكتاب المقدس متساوياً. قد تكون هذه الجملة بمثابة صدمة.
عندما كان الكتاب المقدَّس يُقرأ في العبادة اليهودية قبل المسيحية، كان الجمع يستجيب بشكل مختلف لمختلف أقسام العهد القديم. حيث احتلت الكتب التاريخية “المرتبة ” الأدنى، وفاقتها أهمية كتب المزامير والأنبياء. لكن عندما كان يُقرأ الناموس، كان يقف كلّ من في المعبد. فالناموس بالنسبة لهم كان هو جوهر الوحي الإلهي، ويسمو فوق كل الأسفار الأخرى. لقد حظي ناموس موسى بكل الاهتمام.
لقد كانت الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية أكثر إخلاصًا للعهد القديم الذي كان لدى الرسل. إذ يحتفظون بالسبعينية وتقوم عليها عمومًا جميع ترجماتهم للعهد القديم. وبدون الحاجة إلى دليل موضوعي على صحة هذه الترجمة، فقد تمسكوا ببساطة بما أعطاه الرسل. لم يكن أسلوبهم في الشريعة فلسفيا أو استدلاليًّا، بل كان روحيّا، واثقا من أنّ الله قد أسس وهو الآن يُراقب الكنيسة التي أسسها.
في الغرب، ضحكنا دائما على هذا النوع من الإيمان الطفولي، مفضلين ذلك الإيمان الذي هو أكثر واقعية وموضوعية.
قد نجد أنفسنا في المستقبل لا نطرح سؤال: “أية نسخة تبدو أفضل؟” بل نسأل: “آية نسخة تُقدّم أفضل تعبير عن المسيح؟”. وللإجابة على السؤال الأخير، انتظرت السبعينية طويلا.
يرسم قادتنا ومعلمونا صورة بسيطة وأصليّة لنقل الكتاب المقدَّس، كما لو كان القانون مرجعًا مُغلّفًا. وتدعي هذه الحجّة النموذجية أن: “هذا القانون صحيح لأنه واضح بذاته ومتسق فيما بينه وجميع الشهادات المبكرة المعتبرة تتفق معنا”. وعندما نبحث في سجل التاريخ، نكتشف أن هذا ليس هو الحال إذ أن هناك الكثير من “الاستثناءات” و “التحفظات ” ولذا لا تثبت هذه الحجة.
كما يقول يسوع: “تعرّف على ما هو أمامك، وما هو مَحفيٌّ عنك سيصبح سهلاً لك”. (إنجيل توما الأبوكريفي، ٥)
ماذا؟ لم يقل يسوع ذلك أبدًا! كيف علمت ذلك؟ من يُقرّر أنّ إنجيل توما لا ينبغي أن يكون في العهد الجديد؟
ظهور قانون العهد الجديد
كتبه Daniel F. Lieuwen
سنقوم في هذا البحث بتعقب تاريخ قانون العهد الجديد منذ زمن الكنيسة في العصر الرسولي حتى الآن. إنَّ الهدف من ذلك هو إظهار كيف نعرف أن الكنيسة قد حددت فقط وبشكل صحيح جميع الكتب التي تنتمي إلى الكتاب المقدَّس وأن نأخذ في الاعتبار الآثار المترتبة على عملية تحديد الأسفار.
لم تكن هناك كتب العهد الجديد عندما نشأت الكنيسة. وكانت نصوص العهد القديم وحدها تُستخدم ككتاب مُقدَّس.
وهكذا، ظلت الكنيسة حوالي عشرين عاما بدون أسفار العهد الجديد، إذ كان لديها فقط التعليم الشفهي للرسل. حتى بعد كتابة أي سفر، لم يكن السفر متاحًا على نطاق واسع حينها. فبعض الأسفار مثل رسالة بطرس الثانية تم قراءتها تقريبا في المنطقة المعنية بها فقط، وهو وضع قد استمر لفترة طويلة، مما أدى إلى رفضهم (المؤقت أو الدائم) للأسفار بسبب الشكوك حول أصولها الرسولية وبسبب ذلك، تم على سبيل المثال رفض رسالة بطرس الثانية لعدة قرون وما زال النسطوريون يرفضونها حتى يومنا هذا.
جاء سبعة وعشرون من هذه الأسفار في الوقت المناسب لتحصل على قانونية عالمية، لكن هناك كتب أخرى تمّ رفض ضمها إلى قانون العهد الجديد مثل كتاب الديداخي، الراعي لهرماس، رسالة برنابا، رسالة إكليمضس الأولى وإنجيل العبرانيين، برغم أنها كثيرًا ما احتفظت بسمعة جيدة باعتبارها كتب مسيحية مفيدة للقراءة.
على الرغم من أن أسفار العهد الجديد التي لدينا اليوم كتبت في القرن الأول، إلَّا إِنّ الأمر استغرق وقتا حتى يتم قبولها كأسفار ذات سلطة. في البداية، تم اعتبار حياة وأقوال السيد المسيح فقط لها نفس السلطة التي لنصوص العهد القديم. على سبيل المثال، لم يقبل هيجيسيبوس في النصف الأول من القرن الثاني سوى “الناموس والأنبياء والرب “كمعايير” يجب أن يتوافق معها أي إيمان صحيح.
كما أن الديداخي التي يبدو أنها قد كتبت في النصف الأول من القرن الثالث في شمال سوريا تنصُّ أيضًا على أن معايير الموثوقية هي “الكتب المقدَّسة وإنجيل الله ” (والتي يُشار إليها أيضًا باسم “الناموس، أسفار الملوك والأنبياء، والإنجيل”، وأيضًا باسم “الناموس، والنبي، والإنجيل”).
علاوة على ذلك، فإنّ “الإنجيل” الذي تحدثنا عنه كان غالبا الإنجيل الشفاهي وليس فقط الأناجيل الأربعة الموجودة في الكتاب المقدَّس الحالي. كما كان هناك أيضًا العديد من الأناجيل المزورة والتي كُتبت بين أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثالث. والتي يبدو أن بعضها كان يحافظ بدقة على بعض أقوال السيد المسيح وكانت تُستخدم منذ وقت طويل في الأوساط المسيحية.
والسبب في ذلك. هو. أن سُلطان كلمات المسيح جاءت من أن السيد المسيح تحدث بها وليس من الكلمات التي تظهر في النص المقدَّس بشكل مُحدد. نتيجة لذلك، تظهر أقوال من مصادر مزيفة والإنجيل الشفاهي جنبا إلى جنب مع مقتطفات من الأناجيل الأربعة لعهدنا الجديد الحالي. ) في الواقع، كان كثير من المسيحيين الأوائل يُفضّلون التقليد الشفاهي.
على سبيل المثال، قال بابياس في النصف الأوّل من القرن الثاني إنه قد استفسر من أتباع الرسل عما قاله الرسل وماذا كان أرسطو والقس يوحنا وتلاميذ الرب ما زالوا يقولون لأنني لم أكن أتخيل أن الأمور التي في الكتب ستساعدني بنفس قدر الكلام بصوت حي متواصل”. ومع ذلك، ذكر أناجيل القديس مرقص والقديس متى بالاسم.
كان القديس إيرينيوس أسقف ليون (حوالي ١٣٠ ٢٠٠ م) المحارب العظيم للهرطقات هو أحد آخر الكتبة الذين استخدموا الإنجيل الشفاهي كمصدر مستقل.
إلى جانب الأناجيل الشفاهية، كان الدياتيسرون يُعتبر بمثابة إنجيل بديل. وكان الدياتيسرون مزيج متناغم من الأناجيل الأربعة. كُتِب حوالي ١٥٠-١٦٠م على يد تاتيان. وقد انتشر على نطاق واسع في الكنائس الناطقة بالسريانية إذ يُعد هو نصها الأساسي في الأناجيل حتى استُبدِل بالبيشيتا في القرن الخامس.
شكل الدياتيسرون في حد ذاته نص العهد الجديد بالنسبة للكنائس السورية حتى أضيفت رسائل بولس الأربعة عشر في القرن الثالث.
وهكذا، نرى أنه لفترة طويلة من الزمن قبل العديد من المسيحيين (خاصة أولئك الذين في سوريا ومَن هُم من خلفية (يهودية الإنجيل فقط إلى جانب العهد القديم ككتاب مقدس.
كانت الرسائل معروفة ويتم تداولها بين الأرثوذكس والهراطقة كمجموعة واحدة منذ أوائل القرن الثاني. ربما احتوت هذه المجموعة على عشرة رسائل بولسية وهم، رومية، كورنثوس الأولى والثانية، غلاطية، أفسس فيلبي كولوسي، تسالونيكي الأولى والثانية وفليمون.
كان أول من حاول تحديد القانونية هو ماركيون المهرطق.
قبل ماركيون إنجيل لوقا فقط بجانب عشرة رسائل بولسية، والتي ربما اختارها استنادا إلى المجموعة القياسية المتداولة. ” شَعَر ماركيون أن القديس بولس. فقط هو مَن فهم المسيح – وقد كان متأكدا من أن التلاميذ قد أساءوا تماما فهم سيدهم. إن دافع ماركيون لقبول إنجيل القديس لوقا فقط لهو أمر معقد؛ أخذ ماركيون إشارة القديس بولس إلى “إنجيله” أو “الإنجيل” للإشارة إلى كتاب معين كان تحت تصرف القديس بولس ومن ثم شرع في العثور عليه.
يرى ماركيون أن إنجيل القديس متى، رغم أنه الإنجيل الأكثر شعبية، إلا أنه لم يكن ما قصده بولس إذ اعتبره “تهويديًا” جدا؛ وأن إنجيل القديس مرقس لم يستخدم على نطاق واسع. كما رأى أن إنجيل القديس يوحنا كان مزيجا من الأمور التي أحبها و وأُخرى لم تعجبه، كما كانت هناك تساؤلات حول زمن كتابته وأصالته. من منظور ماركيون، كان إنجيل القديس لوقا بمثابة أقل إنجيل به مشاكل. علاوة على ذلك، ارتباط القديس لوقا بالقديس بولس.
بالرغم من ذلك، لم يكن ماركيون مقتنعًا بقبول الكتب الأحد عشر في قانونه في الشكل الذي كانوا عليه. كان واثقا بأنهم قد تم دس أمور “تهويدية” بهم. لذا شرع في إعادة بناء نص أصلي غير مُحرّف وخالي من جميع التشوهات.
إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن ماركيون قد حذف فقط من النصوص التي تلقاها، ولم يُضِف إليها أبدًا.
كيف يمكننا أن نثق من أن جميع الكتب التي تنتمي إلى العهد الجديد فقط هي في الواقع في العهد الجديد من الأصل؟
صاغ ماركيون جزءًا من السؤال في محاولته لتحديد مجموعة الكتب الموثوقة. لقد كانت إجابته خاطئة للغاية، لكنه أجبر الكنيسة على النظر في مسألة الكتب التي ينبغي أن تُدرج في الأسفار القانونية لأن كُتب ماركيون كانت قليلة للغاية. لقد أغفلت قانونية ماركيون الكثير من الرسالة المسيحية.
بدأت مرحلة التوسع في قانون العهد الجديد كاستجابة لقانون ماركيون. فقد كانت الكتب الموجودة في قانونه في صورتها غير المشوَّهة هي جوهر القانون النهائي، وكان معظمها في الاختيارات الأولية لتحديد القانون النهائي. أصرت الكنيسة على الكتاب المقدَّس الكاثوليكي – ذاك الذي يشمل المسيحية اليهودية والوثنية والذي يعكس بإخلاص التعاليم الرسولية. لم يقبل ماركيون إلا جزءا صغيرًا من المسيحية الوثنية وأضاف إليها الكثير من عنده. إن سفر أعمال الرسل هام للغاية بالنسبة للعهد الجديد الجامع لأنه كرّم القديسين بطرس وبولس ويوحنا.
لم يكن القديس يوستين الشهيد (حوالي ١٠٠ – ١٦٥ م)، المدافع البارز في الكنيسة الأولى والخصم القوي للغنوصية بما في ذلك الماركونية، مستعدا لقبول قانونية ماركيون المنتقصة. لقد “نقل بحرية من الأناجيل القانونية الأربعة، وسفر أعمال الرسل، والرسائل البولسية بما في ذلك رسالة العبرانيين بالإضافة إلى رسالة بطرس الأولى.
أنتج القديس إيرينيؤس، الذي سبق ذكره فيما يتعلق بالإنجيل الشفاهي، أول قانونية جامعة معروفة. إذ كان أول من تبنّى فكرة ماركيون عن كتاب مقدس جديد.
لقد عرف الأناجيل القانونية الأربعة ككيان راسخ بالفعل وأيده باعتباره “مجموعة لا غنى عنها ومعترف بها ضد كل انحرافات الهراطقة.
وهكذا، في وقت ما في النصف الأخير من القرن الثاني، بدأ يُنظر إلى الأناجيل الأربعة للكنيسة كوحدة واحدة. قام إيرينيؤس بالدفاع عن الأناجيل الأربعة عن طريق السماح للهراطقة الذين أقروا بصحة إنجيلا واحدا فقط أن يدافعوا عن الإنجيل الذي التزموا به وبهذا دافع الأبيونيون عن إنجيل متى، والدوسيتيون عن إنجيل مرقص، والماركونيون عن إنجيل لوقا والفالنتينيون عن إنجيل يوحنا). كما رفض قبول أناجيل جديدة بحجة أن وجود أربعة أناجيل هو أمر ملائم من الناحية الرمزية. ودافع عن سفر أعمال الرسل مُشيرًا إلى أنه من غير المنطقي قبول إنجيل القديس لوقا ورفض سفر أعمال الرسل (كما فعل الماركونيون).
فيما لم تكن الرسائل البولسية بحاجة إلى دفاع إذ أنه حتى الهراطقة قد اعترفوا بموثوقيتها. قام إيرينئوس بالاقتباس من معظم الرسائل البولسية، ففي الواقع، استشهد بكل أسفار العهد الجديد باستثناء رسالة فليمون ورسالة يوحنا الثالثة. (آخذين في الاعتبار أن الرسالتين صغيرتان للغاية، فإن عدم اقتباسه منهما لا يُعبّر بأي حال من الأحوال عن رأيه في قانونيتهم). وبينما قد اقتبس من سفر الرؤيا وكتاب الراعي، إلا أنه لم يقتبس منهما باعتبارهما كتباً قانونية على الرغم من أنه قد اعتبرهما هامين.
استخدم القديس كليمنضس السكندري (١٥٠ – ٢١٥م تقريبا) قانونية مفتوحة. إذ بدا “غير مهتم حقا بالقانونية. فبالنسبة إليه، ما يهم. فقط هو الوحي”. استخدم القديس كليمنضس تلك الكتب التي لم تدخل ضمن القانونية النهائية للعهد الجديد بل كان لها شرعية محلية فقط، مثل كتاب برنابا كتاب الديداخي، رسالة كليمنضس الأولى رؤيا بطرس كتاب الراعي وإنجيل العبرانيين كما استخدم أيضًا إنجيل المصريين، عظة بطرس، تقاليد متى المعجزات والإنجيل الشفاهي.
كما كان القديس كليمنضس هو أول من تعامل مع الرسائل الرسولية غير البولسية – بخلاف رسالة بطرس الأولى – ككتاب مقدس، إذ قد قبل بجانب رسالة بطرس الأولى رسالتي يوحنا الأولى والثانية، ورسالة يهوذا ككتاب مقدس.
أما الكتب الرئيسية التي تمّ التنازع حولها بعد ذلك الوقت هي: الرؤيا، العبرانيين، فليمون والرسائل الجامعة (بطرس الأولى والثانية، يوحنا الأولى والثانية والثالثة، ويعقوب ويهوذا ). على سبيل المثال، احتوت الترجمة اللاتينية القديمة للعهد الجديد (۲۰۰م تقريباً) على القانونية الحالية باستثناء رسائل بطرس الثانية ويعقوب والعبرانيين.
كُتب القانون الموراتوري حوالي ۲۰۰م من قبل عالم لاهوت وحيد ونص على أن قانون العهد الجديد يتكون مما يلي: الأناجيل الأربعة (بداية الوثيقة مشوهة، لكنها تتحدث عن “الكتاب الثالث من الإنجيل: بحسب لوقا، وهو ما يعني ضمناً أنها قد احتوت على أناجيل القديس متى والقديس مرقس)، أعمال الرسل، رسائل بولس الثلاثة عشر رسالتان من يوحنا (ربما) الأولى والثانية)، يهوذا، والرؤيا – وكذلك رؤيا بطرس ” والتي لن يتحتم على الشعب قراءتها في الكنيسة” ولكنها “قد تُقرأ” بالإضافة إلى حكمة سليمان. ومع ذلك، فقد رفض هذا القانون كتاب الراعي للقراءة العامة في الكنيسة لأنه كتبه” هرماس مؤخرًا في روما في أيامنا عندما احتل أخوه بيوس كرسي الأسقف في مدينة روما”. (كان بيوس أسقف روما خلال جزء من حكم أنطونيوس بيوس والذي امتدت فترة حكمه من ۱۳۸ إلى ١٦١م). ومع كل هذا، فقد أعتبر كتاب الراعي جيدا للقراءة الخاصة. * ” والسبب في هذا الرفض يعود إلى أن زمن الكتاب كان بعد الحقبة الرسولية، وبالتالي لا يمكن اعتباره قانونيا. (إن التاريخ الذي يدعم هذا السبب مفتوح للنقاش، فالتواريخ المبكّرة مثل ٩٠م والمتأخرة حتى ١٥٧م جديرة بالتصديق.
اضطرت مرحلة الانتشار إلى الانتهاء بسبب بدعة المونتانوسية، وهي حركة آخروية طالبت اتباعها بالتشدد الأخلاقي والتقشف الصارم. وقد اعتقدت هذه البدعة أنه ينبغي للأنبياء الموحى لهم من الروح القدس قيادة الكنيسة وليس رجال الدين. ادعى المونتانيون أنهم يكملون عمل المسيح غير المكتمل، وأن رفض أنبيائهم الثلاثة يُعد تجديفًا على الروح القدس. وكما أجبر ماركيون الكنيسة على التفكير في الكتب التي يجب أن تكون في قانون الكتاب المقدَّس للعهد الجديد، أجبر المونتانيون الكنيسة على التفكير في ما ينبغي استبعاده من الأسفار القانونية.
تعرض سفر الرؤيا على وجه الخصوص للهجوم من قبل الكثيرين لأن المونتانية جعلت مادته الأخروية محل شك. هاجم غايوس من روما، وهو رجل دين في أوائل القرن الثالث إدراج إنجيل القديس يوحنا، ورسالة العبرانيين، والرؤيا لأسباب معادية للمونتانية (إذ نَسَبَ إنجيل القديس يوحنا وسفر الرؤيا إلى سيرينثوس، وهو مهرطق غنوصي كان معاصرا للقديس يوحنا).
إذ تم إسقاط كتاب الراعي من القانون الغربي، كما كانت رؤيا يوحنا ورؤيا بطرس محل اعتراض. أما في الشرق الأجزاء الناطقة باللغة اليونانية في العالم ومصر )، فقد كان هناك شبه رفض عالمي للسماح للكتابات الآخروية بالانضمام للقانون حتى بدأ التأثير الغربي في التأثير على المسيحيين الشرقيين في القرن الرابع. علاوة على ذلك، تم رفض رسالة العبرانيين في الغرب لأن المونتانيين قاموا باستخدامها لتبرير نظام توبتهم القاسي ولأن الغرب لم يكن متأكدا من ماهية كاتبها. لم يتم قبول رسالة العبرانيين في الغرب حتى القرن الرابع وتحت تأثير القديس أثناسيوس.
قام أوريجانوس ١٨٥) – ٢٥٤م تقريبًا، وهو أكثر المعلقين الإنجيليين تأثيرًا في القرون الثلاثة الأولى من المسيحية، بتصنيف الأسفار إلى ثلاث فئات: أسفار اعترفت بها جميع الكنائس، وأسفار محل نزاع قبلتها بعض الكنائس، والأسفار المزيفة. فالأسفار المعترف بها هي الأناجيل الأربعة أعمال الرسل رسائل بولس الرسول الثلاثة عشر، رسالة بطرس الأولى رسالة يوحنا الأولى، وسفر الرؤيا. أما الأسفار محل النزاع فهي رسالة بطرس الثانية، ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ورسالة يعقوب، ورسالة يهوذا. وربما قد أعتبر رسالة برنابا والديداخي والراعي كُتبًا قانونية أيضًا إذ قد استخدم لهم كلمة “كتاب مقدس” scripture.
قام أوريجانوس نفسه باعتبار رسالة العبرانيين رسالة قانونية … فإنّ موضوع الرسالة رائع، وهي مساوية إلى حدٍ بعيد لكتابات الرسول المعترف بها. سيقبل كل من قرأ للرسول بعناية هذه الحقيقة.
.. إذا سُئلت عن رأيي الشخصي، فسأقول الرسالة تعود للرسول، لكن العبارات والبناء يعودان لشخص تذكر تعاليم الرسول وكتب تفسيره الخاص لما قاله سيده. … أما معرفة من هو كاتب الرسالة فهو أمر يعلمه الله وحده. تقترح الروايات التي وصلت إلينا أن كاتب الرسالة قد يكون كليمنضس الذي أصبح أسقف روما، أو ربما لوقا الذي كتب الإنجيل وأعمال الرسل.
كانت وجهات نظر أوريجانوس مهمة في جعل رسالة العبرانيين مقبولة على نطاق واسع في جميع أنحاء الشرق، إذ تم قبولها باعتبارها رسالة بولسية وقانونية في مصر فقط. وبمرور الوقت، أدى القبول الشرقي إلى قبول الغرب لرسالة العبرانيين ككتاب مقدس.
كتب يوسابيوس في كتابه تاريخ الكنيسة” (٣٢٥م تقريباً) أن بولس هو مؤلف الأربعة عشر رسالة بشكل واضح وبدون أي مجال للشك، إلا أننا لا يجب علينا أن نغض الطرف عن حقيقة أن بعض السلطات قد رفضت رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين، مشيرًا إلى أن الكنيسة الرومانية رفضت كون بولس هو كاتب الرسالة.
رَفْض يوسابيوس القاطع لرسالة برنابا والديداخي وكتاب الراعي.
إذ يجب علينا بالطبع أن نضع أولا الأناجيل الأربعة المقدَّسة، يليها أعمال الرسل. ثمّ يذهب المكان التالي في القائمة إلى رسائل بولس وبعدها يجب أن نقبل الرسالة التي تُدعى رسالة يوحنا الأولى، وكذلك رسالة بطرس الأولى. وإذا كان هذا هو الأمر الصائب، فقد نضيف إليهم رؤيا يوحنا، والتي سأعرض البراهين الخاصة بها عندما يحين الوقت. تصنف هذه الكتب ككتب معترف بها. بينما تلك الكتب محل الخلاف، ومع ذلك مألوفة لدى معظمهم، تشمل الرسائل المعروفة باسم يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية، بجانب رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، واللتان ربما يحصان يوحنا الإنجيلي وربما شخص آخر يحمل نفس الاسم.
كما يجب وضع كتاب “أعمال” بولس وكتاب “الراعي” و “رؤيا بطرس” بين الأسفار المزيفة. وينضم إليهم أيضًا الرسالة المزعومة لبرنابا وكتاب تعليم الرسل [الديداخي] بجانب أيضًا رؤيا يوحنا، إذا كان هذا هو المكان المناسب لها لأنه كما قلت سابقا فإنّ البعض يرفضها، والبعض الآخر يُدرجها بين الكتب المعترف بها. علاوة على ذلك، فقد أضاف البعض كتاب إنجيل” العبرانيين للقائمة، وهو كتاب يناشد بشكل خاص أولئك العبرانيين الذين قبلوا المسيح. كلّ هذه الكتب يجب تصنيفها جميعا كأسفار محل خلاف.
كان الشكل النهائي للقانونية في متناول اليد تقريبا. قد يكون أمر الإمبراطور قسطنطين [بنسخ] خمسين نسخة من الكتاب المقدَّس مهما خلال هذه العملية.
قامت قوانين مجمع لاوديكيا (٣٦٣م تقريبا) بقبول جميع أسفار القانون النهائي ما عدا سفر الرؤيا. فالقائمة الأولى من الأسفار القانونية في العهد الجديد والتي تتطابق تماما مع تلك التي لدينا، والتي لا تحتوي على أسفار أكثر أو أقل، وُجدت في رسالة القديس أثناسيوس الفصحية عام ٣٦٧ والتي أقرت أن مرة أخرى، ليس من الممل أن نتحدث عن [كتب] العهد الجديد. هذه هي الأناجيل الأربعة، بحسب متى ومرقص ولوقا ويوحنا. ثم بعد ذلك، أعمال الرسل والرسائل التي تسمى (الجامعة وهي سبعة واحدة ليعقوب، واثنتان لبطرس، وثلاث ليوحنا وواحدة ليهوذا بالإضافة إلى ذلك، هناك أربعة عشر رسالة لبولس الرسول مكتوبة بهذا الترتيب أولا رسالة إلى رومية، ثم رسالتين إلى كورنثوس. ثم بعد ذلك، الرسائل إلى أهل غلاطية، وإلى أهل أفسس، وإلى أهل فيليبي وإلى أهل كولوسي. ثم رسالتان إلى أهل تسالونيكي ثمّ تلك التي إلى العبرانيين ثم رسالتان إلى تيموثاوس وأخرى لتيطس وأخيرًا الرسالة إلى فليمون. بالإضافة إلى رؤيا يوحنا.
بالإضافة إلى الكتب القانونية، يذكر أن الكتب الأخرى نافعة للتعليم، وأن هناك كتبا أخرى غير موجودة بالفعل في القانون … وهُم حكمة سليمان، وحكمة ابن سيراخ وإستير، ويهوديت، وطوبيا، و كتاب تعاليم الرسل الذي يُدعى [الديداخي]، وكتاب الراعي. ولكن الأسفار المذكورة أولا أيها الإخوة مدرجة في الأسفار القانونية، أما الأخيرة فهي [مجرد] للقراءة.
وربما كان تأثير القديس أثناسيوس أثناء إقامته في روما هرب إلى هناك عام ٣٣٩) هو ما ساعد في إقناع العديد من رجال الكنيسة الغربيين المؤثرين بقبول رسالة العبرانيين كرسالة قانونية حتى لو كانت ليست بالضرورة بولسية. كما استمرت مجموعة متنوعة من الآراء فيها يتعلق بكاتبها، إلا أنه تم قبولها في النهاية.
وباستثناء النساطرة الذين يقبلون خمسة أسفار أقل والإثيوبيون (الذين يقبلون المزيد من الأسفار)، استغرق القبول النهائي لهذه المجموعة المؤلفة من ٢٧ كتابا بعض الوقت من قبل الجميع خاصةً رسالة العبرانيين (لأن الكنيسة الرومانية لم تكن متأكدة من هوية كاتبها، وسفر الرؤيا (لأنه قد استخدامه بسهولة من قبل أولئك الذين لديهم تصوّرات آخروية)، ورسالة يهوذا (لأنه اقتبس عن كتاب مُلفّق لأخنوخ). وبينما كانت رسالة بطرس الثانية محل شك كبير في السابق ” إلّا أنها كانت في هذه المرحلة أقل إثارة للجدل في التيار المسيحي السائد. على سبيل المثال، قبل القديس كيرلس الأورشليمي (حوالي ١٥ (٣٨٦م والقديس غريغوري النزينزي (۳۲۹-۳۸۹م) جميع الكتب الـ ٢٧ باستثناء سفر الرؤيا. على الجانب الآخر، كتب البابا إنوسنت الأوّل في عام ٤٠٥ خطابًا يؤكد فيه على ٢٦ سفرًا قانونيًا مُستبعِدًا رسالة العبرانيين.
من الواضح أن الأمر قد استغرق بعض الوقت للحصول على قبول عالمي بين الأرثوذكس لرسالة العبرانيين في الغرب وسفر الرؤيا في الشرق.
ربما كان مجمع هيبو الغربي (۳۹۳م) هو أوّل مجمع يحدد حدود القانون، وقد وافق على ۲۷ سفرًا قانونيا، مما سمح بقراءتها دون غيرها في الكنيسة تحت مسمّى الكتابات القانونية.
كما قبل البعض قوانين أكبر أيضًا. إذ قبل القديس إبيفانيوس من سلاميس (حوالي ٣١٥-٤١٥م) جميع الكتب السبعة والعشرين لكنه قبل أيضا كتب الحكمة لكل من سليمان و بن سيراخ احتوت المخطوطة السينائية في أواخر القرن الرابع على رسالة برنابا وكتاب الراعي ” في نهايتها، ولكن مع عدم وجود إشارة إلى كونها أسفار أقل من حيث القيمة”. كما لم ترسم مخطوطة الإسكندرية في أوائل القرن الخامس ” أي خط فاصل بين رسالتي كليمنضس الأولى والثانية” وبين بقية العهد الجديد.
يبدو أن القديس جيروم حوالي (٣٤٢ – ٤٢٠م – الذي ترجم النسخة اللاتينية للإنجيل وواحد من أعظم علماء الكنيسة المبكرة – يعتقد أن رسالة برنابا وكتاب الراعي كانا جديرين بالانضمام إلى القانون]. ومع ذلك، فقد أدرك أنهم لم يكونوا ضمن القانون الذي تم قبوله، ولم يعتقد أن لدى أي شخص سلطة إضافتهم. كما أشار إلى أن الكثيرين ما زالوا يرفضون رسالة يهوذا بسبب اقتباسه من أخنوخ.
احتوى قانون الكنائس الناطقة باللغة السريانية في القرن الثالث على الدياتيسرون ورسائل بولس الأربعة عشر. وفي أوائل القرن الخامس أصبحت البيشيتا هي النص للكنائس الناطقة باللغة السريانية إذ استبدلت الدياتيسرون بالأناجيل الأربعة. وقد احتوت على ۲۲ سفرًا من العهد الجديد الذي لدينا باستثناء رسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة ورسالة يهوذا وسفر الرؤيا.
لا تزال الكنيسة النسطورية تستخدم هذا القانون الذي يحتوي على ۲۲ سفرا.
إنَّ أطول قانون للكتاب المقدَّس ينتمي إلى الكنيسة الإثيوبية، إذ يحتوي العهد القديم لديهم على الأسفار السبعينية وكتاب اليوبيلات وسفر أخنوخ الإثيوبي وسفر عزرا الرابع وبقية كلمات باروخ وكتاب صعود إشعياء وغيرها من الكتب. أما العهد الجديد فيضم كتاب الراعي وبعض الكتب الأخرى. كما تحتوي بعض مخطوطات العهد الجديد الإثيوبي على رسالة يوسابيوس إلى كاربيانوس بجانب أيضًا القوانين اليوسابية التي كتبها يوسابيوس أسقف قيصرية حوالي ۲٦٠ – ۳٤۰ م).
وهكذا، نرى أن إنتاج الشكل النهائي من قانون العهد الجديد قد استغرق زمنا طويلا. واستغرق الأمر وقتا أطول للحصول على اتفاق شبه عالمي. ومع ذلك، ما زالت توجد كنائس قديمة لم تقبل أسفارًا معينة أو قبلت أسفارًا أكثر من ٢٧ حتى يومنا هذا.
لم يكن القانون في شكله الحالي حقيقة بديهية، بل نتيجة صراع طويل الأمد – لقد جنينا ثمار جهود رجال آخرین.
لقد كان هناك عددًا من المبادئ المستخدمة في تشكيل القانون، ومنها السلطة الرسولية (التي تتطلب أن يكون السفر قد كتبه أحد الرسل، أو شخص على علاقة بالرسل، مثل القديس مرقس والقديس لوقا، أو من قبل أحد أفراد عائلة الرب والتي تُعد مبدأ حاسم في تحديد القانونية. والنتيجة الطبيعية كانت أن ينتمي السفر إلى العصر الرسولي. كما يُعد الاستخدام الليتورجي المنتظم للسفر مبدا هاما – ويجب أن يكون السفر مقبولا على نطاق واسع لفترة طويلة وفي العديد من الأماكن.
يؤكد كلا من البروتستانت والأرثوذكس أن الكتاب المقدَّس هو الفيصل في كل شيء في الكنيسة.
إن نقطة الخلاف ليست إذا في دور الكتاب المقدَّس، بل في الطريقة الصحيحة لتفسير الكتاب المقدس.
يجب على معظم المؤمنين الأرثوذكس والبروتستانت أن يعترفوا بأن شهود يهوه يدرسون الكتاب المقدس بعناية أكبر منهم، حتى أن شهود يهوه ربما يحترمونه أكثر.
إنّ قراءة دقيقة للتاريخ تخبرنا أن الكنيسة كانت موجودة لحوالي عشرين عاماً بدون أسفار العهد الجديد؛ قبل حوالي ١٥٠ عاما من أن تصبح معظم كتب قانون العهد الجديد معروفة ومقبولة من قبل بعض رجال الكنيسة المهمين، ثمّ قبلوا بعض الكتب الإضافية ولم يعرفوا أو ربما عرفوا ورفضوا بعض من السبعة وعشرين سفرا؛
من الواضح أنه كان بإمكان الناس أن يكونوا مسيحيين مع وجود شيء أقل من الوضوح التام بشأن محتويات العهد الجديد.
صانت الكنيسة تعليم المسيح ورسله وحافظت عليه، إذ لم تحافظ فقط على الكلمات الموجودة على صفحات الكتاب المقدس، بل أيضًا على المجموعة الصحيحة من الافتراضات، وعلى التقليد الأصيل المطلوب لتفسير الكتاب المقدس بشكل صحيح. يُمكن تفسير الكتاب المقدَّس بشكل صحيح فقط في إطار الكنيسة.
الحمد لله رب العالمين
