بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
دراسة في الرسالة إلى العبرانيين
سلسلة: دراسات في الكتاب المقدس
تأليف: الأب ألبير فانوا اليسوعي
طبعة: دار المشرق – بيروت
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الوثائق الأصلية]
فهرس الموضوعات:
كهنوت العهد القديم وكهنوت المسيح
٤. مسألة تحقُّق الكتاب المقدّس
٣. الإعلان الأول (١ / ٤) والقسم الأول (١ / ٤ ٥ / ١٨): اسم المسيح
٢. تعليم تقليدي في المسيح (عب ١ / ٥ ١٨ / ٢)
عظة إلى مسيحيين تائهين : هكذا يمكننا أن نعنون هذه الرسالة إلى العبرانيين ، فهي ليست رسالة، ولم تصدر عن بولس، ولم تُرسل إلى العبرانيين!
أول ما يفاجئنا لدى إقبالنا على قراءة هذا النص هو العنوان إلى العبرانيين . فإننا لا نعلم تماماً حتى اليوم ما هي الظروف التي حدث بأهل الكنيسة الأولى إلى إطلاق مثل هذه التسمية، علماً بأنها لا توافق كما يجب مضمون هذا النص.
فنحن أمام خلاصة للإيمان المسيحي، قائمة حول موضوع الكهنوت. عن كل ذلك، لا يساعدنا عنوان إلى العبرانيين على تكوين أية فكرة.
وعلينا أن نتنبه أيضاً إلى أن هذا العنوان لا يمتّ إلى العظة بصلة، بل زيد عليها دون أن يكون في النص ما يشير إليه.
١. هل هو بولس الرسول؟ كلا. يبدو لنا، من المقارنة بين رسائل بولس وهذه الرسالة، أن لكاتب العبرانيين شخصية مختلفة.
٢. هل من صلة فكرية بين الكاتب وبولس الرسول؟ نعم، هناك صلة فكرية وطيدة في أمور عامة.
٣. اقتراحات كثيرة لتحديد هوية الكاتب. نسب بعض الكتاب القدماء نص العبرانيين إلى لوقا الإنجيلي، أو إلى برنابا وهو مسيحي منذ إعلان البشارة (رسل ٤ / ٣٦)، ورفيق بولس (رسل ٩ / ۲۷ و ۱۱ / ۲۲ و ۳۰ ١٣ و ١٥ و ٧ / ٢)، أو إلى اكليمنضس الروماني (فل ٤ / ٩ ؟). كثير من النقاد دافعوا عن إمكانية نسبة العبرانيين إلى احدى هذه الشخصيات. أما برنابا، فقد حظي بتأييد واسع. ولكن، ليس هناك من إجماع على أحد. بعضهم أخيراً إلى أن تعليم العبرانيين يصدر عن مريم، أم يسوع. هذا يعني انه من الصعب أن تُحدد هوية كاتب العبرانيين.
فعلينا أن نقبل بعدم البتّ من هذا الأمر.
لا نعرف أيضاً تاريخ تأليف العظة الكهنوتية، ولا المكان الذي وضعت فيه ولا المكان الذي أرسلت إليه. فالآراء كثيرة في هذا الشأن. ألقيت العظة قبل السنة ٧٠ بضع سنوات، وهي السنة التي استولى فيها على أورشليم ودمّر فيها الهيكل، لأن الكاتب يتكلم على طقوس الهيكل كلامه على أمر ما زال اليهود يمارسونه ( عب ١٠/ ١ ٣ ). وهذه السنوات هي الزمن الذي استشهد فيه القديس بولس.
ففي الواقع، لا يذكر هذا النص إلى من يوجه الكلام. لا شك أنه يتحدث إلى مسيحيين (٤/٣)، إلى مسيحيين آمنوا من زمن بعيد (راجع ٥/ ١٢). لكن الكاتب لا يذكر في آية منطقته يعيشون، وإلى أية ثقافة ينتمون. انه لا يتحدث عن وضعهم قبل اهتدائهم، ولا يذكر ما هناك من فوارق بين اليهود والوثنيين، بل الأمر الوحيد الذي يهتم له هو دعوتهم المسيحية .
إنه عنوان غير مناسب، لأنه لا يتماشى مع مضمون النص، الذي يدعو المؤمنين إلى تعميق إيمانهم بالمسيح وإلى اكتشاف حوافز جديدة للحياة المسيحية. فالأفضل أن نقول إلى مسيحيين من أن نقول إلى العبرانيين .
كثيراً ما نقول وما نكتب: الرسالة إلى العبرانيين ، مع أنها ليست في الواقع رسالة، بل عظة، أضيف في خاتمتها بضعة أسطر، حين أرسلت إلى جماعة مسيحية بعيدة.
أسلوب هذه الآيات أسلوب بسيط، في حين أن سائر العظة وضعت وفقاً لأساليب البلاغة في ذلك الزمن.
إن إضافة بضع آيات للتحية في خاتمة النص لا تكفي لتغيير أسلوب النص الأدبي. فالرسالة الى العبرانيين ليست برسالة، لأنها تستخدم أسلوب العظة من بدايتها إلى نهايتها (١/١ و ٢/٣ ٢١)، أي، بتعبير آخر، لأن فنها الأدبي هو العظة. وهي، في العهد الجديد، النص الوحيد الذي هو عظة بكامله.
وضعت الرسالة إلى العبرانيين في آخر رسائل القديس بولس، لأن تقليد الكنائس الشرقية نسبها إلى القديس بولس، علماً بأن فيها وجوه شبه برسائل القديس بولس. ولكن يحسن بنا أن نقول إن لها أصلاً بولسياً بعيداً. وهذا ما فعله أوريجانوس في القرن الثالث. فالقديس بولس ليس كاتب الرسالة إلى العبرانيين ، أو العظة إلى العبرانيين ، لأن شخصية الكاتب، وهي تظهر من خلال المفردات والأسلوب والمضمون، تختلف كل الاختلاف عن شخصية بولس.
استناداً إلى ما سبق، لا بد من تغيير اسم الرسالة إلى العبرانيين ، لأن هذا العنوان يوقعنا في التِباس دائم. فمن المستحسن أن نسميها عظة في كهنوت المسيح أو عظة كهنوتية ،
ليس من السهل أن يطلب أحد الناس تغيير اسمه المسجل رسمياً، وهذا شأن الرسالة إلى العبرانيين ، فهي حملت هذا الاسم طوال عشرين قرناً. فـ الرسالة إلى العبرانيين تبقى التسمية الرسمية لهذه العظة الكهنوتية، وليس ما نبتغيه إلا تفسير هذا العنوان، لأنه لا يشير إلى مضمون النص، وهو كتسمية لا معنى لها.
ويجب إذاً أن تصبح الرسالة إلى العبرانيين مجرد اسم علم متفق عليه للدلالة على أحد نصوص العهد الجديد، دون إشارة إلى مضمونه وإلى فنه الأدبي.
و العبرانيين في نظرنا هي اسم أحد أسفار العهد الجديد، وهو ليس برسالة، ولم يُرسل الى عبرانيين، بل هو عظة لمسيحيّي القرن الأول.
كهنوت العهد القديم وكهنوت المسيح
الجديد في العبرانيين هو أنها النص الوحيد الذي يأتي فيه الكلام على كهنوت المسيح بوجه واضح. فالقديس بولس لا يتطرق إلى مثل هذا الموضوع، كما ذكرنا، ولا يتكلم أبداً على الكاهن وعلى عظيم الكهنة وعلى الكهنوت .
إن مثل هذا التباين القائم بين العبرانيين والقديس بولس لأمر يحمل على التعجب والتساؤل. فكيف يقول لنا كاتب العبرانيين إن هذا التعليم في كهنوت المسيح هو رأس الكلام، في حين أن لا وجود له عند القديس بولس والإنجيليين؟ وكيف يمكننا أن نفسر إهمال مثل هذا التعليم في بداية البشارة والتوسع فيه بعد ذلك؟
ليس للشعب ما يلزم من القداسة لكي يقترب من الله. ولو حاول الاقتراب منه لمات (خر ١٩/ ١٢ و ٣٣/ ٣). ولذلك، فصل أحد الأسباط وكرس لخدمة الله. وفي داخل هذا السبط، فصلت عائلة وكرست تكريساً خاصاً. ومن هذه العائلة أخذ الكاهن، وكان مكلفاً بتأمين العلاقات الصالحة ما بين الشعب والله. كان الكاهن يفصل من العالم الأرضي بواسطة تكريس يدخله في عالم القدسيات.
ولقاء الإنسان بالله مرتبط أيضاً بشروط أخرى. فهو لا يلتقي الله في أي مكان، بل في مكان مقدس. في هذه الحال أيضاً، تبدو المسألة مسألة انفصال، لأن المكان المقدس هو مجال خاص بالطقوس، ولا يسمح للشعب أن يقترب منه. وعلى الكاهن، إذا أراد الدخول إلى المكان المقدس، أن يمارس طقوساً معينة، وأهمها الذبيحة .
لماذا يجب على الكاهن أن يقترب بالذبائح؟ لأنه لا يستطيع على الإطلاق أن يعبر هو بنفسه إلى العالم الإلهي. فبالرغم من تكريسه، لا يزال إنسانا أرضياً. فعليه اذاً أن يختار كائناً حياً قادراً على مثل هذا العبور. والطقوس تفرض عليه تقريب الحيوانات التي لا عيب فيها.
هذا ما توصلت إليه الطقوس القديمة في ميدان الوساطة.
بعد هذه الحركة التصاعدية، القائمة على انفصالات متعاقبة، يتوقع الإنسان حركة تنازلية تحمل معها الرضا الإلهي وعطاياه. فإن نالت الذبيحة رضا الله، كانت الضحية مقبولة. فيدخل الكاهن الذي قربها في صلة بالله وتستجاب صلواته.
آ) لم يرد في الأناجيل أن يسوع هو كاهن:
طرح معاصرو يسوع أسئلة كثيرة حول شخصيته، وأدلوا بأجوبة مختلفة، منها له ومنها عليه. قيل فيه إنه نبي ، و أن فيه روحاً شريراً ، و أن المسيح مضلّل . وجدير بالذكر انه لم يُطلق عليه لقب كاهن ، وليس في ذلك ما يفاجئنا، لأن يسوع لم يكن كاهناً بحسب الشريعة اليهودية،
ب) لم يَدَّع يسوع القيام بنشاط كهنوتي:
لم يَدَّع يسوع على الإطلاق القيام بوظيفة كاهن يهودي، ولم يكن نشاطه نشاطاً كهنوتياً، بحسب معنى الكلمة القديم، بل كان نشاطه امتداداً لنشاط الأنبياء الذين كانوا يعلنون كلمة الله ويبنون بتدخل الله القريب في العالم.
لقد قاوم الأنبياء تلك الشكليات وطالبوا بطاعة صحيحة لله في الحياة الواقعية، ولا سيما في الحياة الاجتماعية والسياسية. وسار يسوع في خطى تقليد الأنبياء على وجه واضح.
ج) أليس موت يسوع ذبيحة وتقدمة كهنوتية؟
نعترف أولاً بأن موت يسوع لم يكن ذبيحة بحسب المفهوم القديم لهذه الكلمة، علماً بأن هذه الكلمة كانت تتضمن معنى طقسياً. لم تكن الذبيحة، بحسب المفهوم القديم، قائمة على قتل الضحية، ولا على عذابها، بل على طقوس قربان تقام في مكان مقدس. وفي الواقع، تم موت المسيح في مكان غير مقدس، ولم يكن لموته من صلة باحتفال طقسي، بل كان موته على عكس ذلك تماماً، أي إعدام شخص حكم عليه بالموت. فما بين إعدام شخص حكم عليه بالموت والقيام بذبيحة طقسية، كان اليهود، وبالتالي المسيحيون الأولون، يرون تعارضاً كبيراً. كانت طقوس الذبيحة تجعل منها عملاً رسمياً وتقديمياً وتمجيدياً، يقرب من الله ويلتمس منه البركات. أما موت الشخص الذي حكم عليه بالموت، فكان يبدو على عكس ذلك، يبدو أسوأ العقابات، لا بل لعنة ، وهي على طرفي نقيض من البركة . كان المحكوم عليه بالموت يفصل عن شعب الله (عد ١٥ / ٣٠) فيصبح ملعوناً ومصدر لعنة (تث ٢١ / ٢٣ وغل ٣ / ١٣).
إنها تفسر لنا لماذا لم تفكر الكنيسة، في السنين الأولى للبشارة، في إطلاق لقب كاهن و عظيم كهنة على المسيح. لا عجب في ذلك، فإنه لم يكن في شخص المسيح وفي تعليمه وموته ما يتناسب مع تصور الكهنوت في ذلك الزمان.
٤. مسألة تحقُّق الكتاب المقدّس
لكن العبرانيين ، بإدخالها موضوع الكهنوت وكهنوت المسيح في الإيمان المسيحي، أدخلت تغييراً ملحوظاً في العهد الجديد.
تفتح العبرانيين مجالاً واسعاً لمن يرغب في التحليل الأدبي، لأن كاتبها سيد في فن الكتابة. فلقد برع في تأليف هذا النص، مستخدماً الأساليب التي ورثها من تربيته اليهودية واليونانية.
لا يشير الكاتب، في مستهل كلامه، إلى مضمون عظته ولا إلى سياق أقسامها،
٣. الإعلان الأول (١ / ٤) والقسم الأول (١ / ٤ ٥ / ١٨): اسم المسيح
إن قرأنا هذه الجملة، وهي جملة ترسم لنا مسيرة تدخل الله في تاريخ البشر (١ / ١ ٤)، وجدنا أن الكاتب يتوقف بشكل مفاجئ، في آخرها، على المقارنة بين المسيح والملائكة (١ / ٤). وهذه المقارنة تشير إلى أهمية الاسم الذي ناله المسيح في نهاية عمله الخلاصي. فقد ورث المسيح اسماً أفضل من اسم الملائكة (١ / ٤). بذلك يدل الكاتب على الموضوع الذي سيعالجه في القسم الأول. فمنذ الجملة التالية (١ / ٥)، نلاحظ انه أخذ يقدم الدليل على ما قال، مستشهداً بفقرات من الكتاب المقدس، تشهد على أن اسم الابن قد وهب للمسيح، لا للملائكة.
ويمكننا أن نضع، بدل عبارة الاسم الذي ورثه المسيح ، هذه العبارة: المجد الذي ناله المسيح .
٢. تعليم تقليدي في المسيح (عب ١ / ٥ ١٨ / ٢)
فإلى المسيح القائم من الموت يوجه الله كلام مزم ٢، المستشهد به في عب ١ / ٥: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك .
حجب مجد يسوع في حياته الأرضية، فـ جعل ابن الله في القوة بقيامته من بين الأموات (روم ١ / ٤ وراجع رسل ١٣ / ٣٣).
كان ملكيصادق رمزاً إلى تلك المكانة، فمثَّل ابن الله (7/ 3). وفي الواقع، ما ورد في مز 110 ينطبق على الابن الذي جُعل كاملاً بآلامه (7/ 28 وراجع 2/ 10 و 5/ 8-9) ورُفع إلى أعلى السموات (7/ 26).
واذا أراد الكاتب أن يصف مجد المسيح، استشهد بالعهد القديم (عب ٥ / ١ ١٤).
إذ إنها تتحدث عن المسيح وعن صلته بالآب، وعن جلوسه عن يمين الآب في السماء، وعن سلطانه على العالم. والنصوص المستشهد بها هنا يرتبط معظمها بالمسيحية الملكية، وفقاً للتقليد المسيحي القديم.
وفيه تحققت المواعد المسيحية بشكل لا يتصوره العقل، لأنه في الوقت نفسه خالق السماء والأرض.
وله الحق، لا في ألقاب ابن و بِكْر و ربّ فقط، بل باسم الإله أيضاً.
أما الآفاق الجديدة التي يفتحها الكاتب، فلا تأتي إلا بالخاتمة، في جملة ٢/ ١٧، حيث يطلق على المسيح لقب عظيم الكهنة . قد تُفاجأ بهذا التعليم الجديد، لكننا نُخطئ إن اعتقادنا بأنه يُدخل انفصالاً في التعليم اللاهوتي الذي باشره الكاتب. علينا، بالعكس، أن نلاحظ أن هذا التعليم الجديد هو امتداد لما سبق (٢/ ٥ – ١٦).
الحمد لله رب العالمين
