مدونة التاعب

خلاصة كتاب: الأسطورة المسيحية للراهب بحيرا في النصوص العربية والسريانية (دراسة في أقدم مخطوطة عن الراهب بحيرا)، دراسة وتحقيق: وليد البعّاج

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

الأسطورة المسيحية للراهب بحيرا في النصوص العربية والسريانية

دراسة في أقدم مخطوطة عن الراهب بحيرا

دراسة وتحقيق: وليد البعّاج

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس

مُقدِّمة. 3

الفصل الأول التمهيدي: الجهل في معرفة الإسلام. 4

فهم الإسلام في القرون الوسطى…. 5

أسم العرب والمسلمين في الكتابات الغربية. 7

العرب في الثقافة الغربية. 8

النبي محمد والمسلمين في الكتابات الغربية. 9

الفصل الثاني: النبي محمد ومزاعم تعليمه عند الرهبان. 14

نبي الإسلام محمد أم نيقولاوس… 17

أسطورة نيقولاوس… 18

النص الكامل لخبر نيقولاوس… 19

الفصل الثالث: الراهب بحيرا وموطنه في بُصرى الشام وعلاقته بـ ايشوعياب الجدالي.. 21

بحيرا في التراث العربي.. 21

بصرى الشام موطن بحيرا . 21

المسيحية في بُصرى.. 21

المسلمون وبُصرى.. 22

مسجد مبرك الناقة. 22

دير الراهب بحيرا في بصرى.. 22

بُصرى أم دير القديسة كاثرين في سيناء. 23

خبر بحيرا في المصادر الإسلامية. 23

القصة في كتب السيرة. 23

القصة في كتاب تهذيبِ السّيرة لابنِ هشام: 23

بحيرا في المصادر المسيحية. 24

النص الذي ذكره الكندي في رسائله. 25

القيمة العلمية لهذه المراسلات والعهود. 25

الفصل الخامس: تحقيق ودراسة مفاصل المخطوطة القراءة المسيحية للقرآن. 25

كاتب الأسطورة مسلم متنصّر…. 25

من هو الواضح بن رجا 26

من هو ورقة بن نوفل.. 26

الدِّراسات السَّابقة. 26

النص العربي.. 30

النص العربي الثاني: الذي نشره القمص زكريا بطرس… 36

 


 

مُقدِّمة

وبرز منهج جديد في تأليف الكتب الجدلية والدفاعية، وهو أن يقوم الخصم بحشد ما لديه من حجج واتهامات للآخر، ويقوم بتصنيفها على شكل مناظرة متخيلة وسردية يختار مواضيعها ويحدد أشخاصها، ويبين كيف استطاع أن ينتصر فيها عليهم.

وبحسب تتبعي ودراستي إن هذا حال أغلب الكتب والرسائل المصنفة في الجدل والاحتجاج، فهي لا تخلو من أن تكون مؤلفة من طرف واحد حصرًا والطرف الآخر من محض الخيال،(1)

(1) راجع على سبيل المثال لا الحصر: كتاب الباكورة الشهية، وهو كتاب جدلي مفاده مجادلة بين علماء مسلمين ومسيحيين، ومن الواضح أن واضعه مسيحي، حيث انتصر للعقيدة المسيحية، وبقي كلا الطرفين من العلماء المسيحيين والمسلمين مجهولين.

وتعد أسطورة بحيرا الراهب من النوع الأول في فن التأليف، فقد عمد كاتب مسيحي، وهو راهب من سريان العراق، إلى تأليف قصة عن شخص أسمه بحيرا، مستفيدًا من معلومة إسلامية تقول إن النبي محمد ﷺ وهو بعمر الثانية عشر التقى براهب مسيحي يقطن أحد الأديرة من بصرى الشام فقام هذا الراهب بالإفصاح لعمه أبي طالب أن هذا الغلام سيكون له شأن عظيم، لما رآه فيه من علامات.

لم نجد في المدونات والسجلات المسيحية التي تثبت رسامة الكهنة والرهبان في منطقة بصرى أو غيرها أي ذكر لراهب أسمه بحيرا تمت رسامته أو تسجيله في سلك الرهبنة، في هذه البقعة المسيحية تحديدًا، أو في غيرها، وبقي الاسم مصدره الوحيد الروايات الإسلامية (الضعيفة)، فتم تبرير الأمر إلى أنه صفة لراهب أسمه سرجيس، وتفاعل مسيحيو الشرق سيما في بلاد الشام، مع هذا الخبر فأطلق اسم بحيرا على دير في منطقة بصرى.

وقويت فرضية اسم سرجيوس لوجود كنيسة قرب الدير في بصرى، وهي كنيسة مسيحية مشهورة لم تزل نحتفظ باسمها إنها كنيسة القديسين سيرجيوس وباخوس.

وكذلك كتاب أبو مرة يؤذن في الفاتيكان، وهو كتاب للدفاع عن المسيحية حسب قراءتي له قد كتبته جماعة مسيحية، اكثر من شخص، وقاموا بحشد الحجج ضد الإسلام ووضعوها في كتاب على أنه مناظرة بين مسلمين ومسيحيين انتهت بانتصار المسيحيين.

وكشفت الدراسات المتأخرة عن وجود أكثر من نسخة لمخطوطة مهمة تنسب للراهب بحيرا، وهذه النسخ كتبت باللغة العربية، والبعض منها باللغة السريانية، ولكنها تدور على نفس الفكرة والمضمون، من لقاء راهب مسيحي مع بحيرا المزعوم في أَخريات حياته، وقص له خبره مع النبي محمد ﷺ.

هذه المخطوطة بشهادة أهل التحقيق من يهود ومسيحيين، كتبت على عدة مراحل، فقد كتب قسم منها في القرن التاسع الميلادي، وأضيف لها قسم آخر في القرن العاشر الميلادي، ومن ثم تم تطويرها في القرن الثاني عشر الميلادي، لتظهر لاحقًا بهذه الصورة الحالية، وهي كتابة مسيحية ألفت لغرض الانتصار للمسيحية والدفاع عن عقيدة التثليث المسيحية.

نجد قسًا مسيحيًا، يُقيم الدنيا ولا يقعدها، ويروج لمخطوطةٍ مزيفة على أنها مخطوطة الراهب بحيرا التي تكشف زيف الدين الإسلامي وانه صنيعة الراهب بحيرا، وذهب إلى أكثر من ذلك وعقد حلقات تلفزيونية، يتحدى فيهما الأزهر أن يستطيع رد هذه الحقيقة التي قالت بها المخطوطة على حد زعمه.

وأخذت على نفسي أن أتولى تحقيق هذه المخطوطة ودراستها وبيان قيمتها العلمية، لتكون دراستنا لها أول دراسة إسلامية في تحقيق مخطوطة أسطورة بحيرا، بعد أن سبقتها دراسة يهودية، وأكثر من دراسة مسيحية، لنصوص باللغة السريانية فقط.

الفصل الأول التمهيدي: الجهل في معرفة الإسلام

وأصبحت أوروبا في القرون الوسطى تروّج لفكر مشوه عن الإسلام، استنادًا إلى ما وصلهم من كتابات مغلوطة عن الإسلام والنبي محمد ﷺ، أخذوها كمُسلّمات، وأعارت بيزنطة في بادئ أمرها انتباهًا ضئيلًا للتقليد القادم من سوريا أن راهب مسيحي هو الذي علّم محمدًا هذه المعرفة الدينية .

فقد امتثلوا لتحليلات يوحنا الدمشقي(1)، بأن محمدًا تلقى تعليما عند بعض الرهبان، مع ربطها برواية المسلمين حول إقناع ورقة بن نوفل لـ خديجة أن محمدا نبي.

فكثرت الآراء بعد ذلك حول من يكون معلم محمد برأيهم، منهم من قال راهب مسيحي مجهول(2)، ومنهم من قال من طائفة النساطرة(3)، وآخر قال آريوسي ومن ثم قال أحدهم أنه عرّاف يهودي(4)، والبعض قال إن محمد تتلمذ على جماعة من اليهود والمسيحيين(5)، والبعض قال إن محمدًا ما هو إلا شخصية الكاردينال الأنطاكي نيقولاوس(6)، ولكن الأشهر أن معلم النبي محمد هو بحيرا، إذ كان لها صداها في الأوساط المسيحية.

وتطور الحال في عصرنا الحالي فقالوا باستحالة أن يكون بحيرا راهب بصرى هو معلم محمد ﷺ لبعد المسافة فاستحسنوا شخصية ورقة بن نوفل(7).

ليتطور الحال وتأتي نظرية جديدة وهي نفي الإسلام المبكر، ولعل اشهر روادها اليوم الدكتور كريستوف لكسمبرغ(8).

(1) ذهب إلى هذا الرأي عدة مؤلفين، أشهرهم وأقدمهم المؤرخ تيوفان المعرّف (765 – 817م) وهو أسقف بيزنطي، كتب تاريخه سنة 813م، ويسمى اليوم تاريخ تيوفان. وقد تناولناه في ثنايا الكتاب.

(2) ذهب إلى هذا الرأي أكثر من مؤلف، ومنهم: بارثولوميوس الرهاوي، الذي يعود تاريخه إلى النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي، له كتاب قد وضعه ضد المسلمين في هذا الخصوص، أشرنا له في ثنايا هذا الكتاب.

(3) قال بهذا الرأي كذلك أكثر من واحد، وأشار له يوحنا الدمشقي في كتاباته، تجد التفاصيل في ثنايا الكتاب حين التطرق إلى ما كتبه يوحنا الدمشقي.

(4) ذكر ذلك المؤرخ رودريغو خيمينيث دي رادا، وهو رئيس أساقفة طليطلة، له كتاب اسمه تاريخ العرب وضعه في العام 1243م، ترجمناه في هذه الدراسة.

(5) المؤرخ السابق الذي أشرنا إلى ذكره.

(7) أخبرني الأب جوزف قزي، المعروف بالاسم المستعار بو موسى الحريري في حوار لي معه سنة 2017م، في ديره ومقر إقامته في لبنان دير سيدة النصر في منطقة غوسطة التابعة لقضاء كسروان، أن سبب وضعه لكتاب قس ونبي الذي أكد فيه أن معلم النبي محمد هو ورقة بن نوفل وليس بحيرا، لبعد المسافة بين الشام ويثرب. وقد تناولت فكرة الأب جوزف قزي في ثنايا الكتاب.

(8) كريستوف لكسمبرغ: هو أسم مستعار لعالم باللغات واللسانيات، لبناني الأصل، يعيش في ألمانيا، وهو بروفيسور في اللغات السامية، وعالم في فقه اللغة الألماني، اشتهر بكتابه قراءة آرامية وسريانية للقرآن الكريم أصبحت آراءه مصدر إلهام لكثير من الكتاب ضد الإسلام، وعلى ضوء أفكاره تأسس معهد إنارة في ألمانيا. وكريستوف لكسمبرغ، بعمر الثمانين حاليًا ولكنه باحث منقب ومجد، مسيحي العقيدة ومن عائلة نذرت نفسها لخدمة المسيحية. درست على يديه في لبنان في منطقة جونية، وخصص لي وقتًا في جامعة الكسليك (الروح القدس) لفترة غير قصيرة، ودونت آراءه وأفكاره في دراسة مخطوطة لا تزال عندي.

(1) Doukas, M., Decline and Fall of Byzantum to Ottomon Turks, Eng. Trans. H. J. Magoulias (Detroit 1975), p 231.

فهم الإسلام في القرون الوسطى

احتلال إسبانيا وصقلية من طرف العرب لفت الأنظار إليهم بشكل واسع.

فها هو المؤرخ البيزنطي دوقاس Ducas يتحسر على ضياع مدينته قائلًا: واحسرتاه! يا للكارثة! إن ما يحدث لهو أمر رهيب، ومريع. وآسفاه! ماذا حدث لنا؟ ماذا نشاهد الآن؟ التركي (الكافر) يقف على المذبح المقدس الذي يحتوي على الذخائر المقدسة للرسل والحواريين والشهداء، إنه لشيء مريع! أيتها الشمس، أين نور الرب؟ لم يعد هناك أدنى اعتبار لمقامنا، وديننا بين الأمم. إن الكنيسة التي كانت تسمى كنيسة الثالوث المقدس، أو الكنيسة العظمى، أو صهيون الجديدة، قد أصبحت الآن مذبحًا للبرابرة وتغير اسمها، والغرض منها، لتصبح منزلًا لمحمد! يا إلهى .. . لا نريد منك سوى أن تشملنا بعدلك ورحمتك (7)

اعتبر المسيحيون أن هذه الفتوحات الإسلامية عقابًا إلهيًا على خطايا المسيحيين، وقد أدت إلى ترك كثير من المسيحيين ديانتهم والالتحاق بالدين الإسلامي، فأصبح هذا المعتقد بنظر الكنيسة شاهدًا على أنها ديانة المسيح الدجال فهي الوحيدة القادرة على اجتذاب الناس إليها، وإن ذلك من علامات اقتراب يوم القيامة، وكان على رجال الدين أن يقنعوا رعاياهم بتفوق عقيدتهم وسمُّوها، وينصحوهم بأن يظلوا محافظين على إيمانهم بعقيدتهم المتوارثة.

فالتطور النمطي المشوه عن الإسلام، لم يتشكل بسبب ضعف معرفة الأوروبيين بهذا الدين وحسب(2). ولكن كانت المعلومة المُقدمة تُنتزع في معظم الحالات من سياقها الأصلي، ثم تُقدم إلى القارئ الأوروبي. وبهذا الشكل شوهت الوقائع بصورة متعمدة – واعية أحيانًا، أو بشكل غير واع في أحيان أخرى – . وفي إطار البحث الحماسي عن حل سريع لمشكلة الإسلام سيطرت في القرون الوسطى الموضوعات الدينية – الإيديولوجية – (3)

وكان المشكل يتمحور حول إيجاد سند ديني مسيحي للإسلام ونبيه. إذ إن المسيحية تعتقد أن الهدف من إرسال الأنبياء وعقائدهم منذ بدء الخليقة، ليس سوى تمهيد تدريجي لأجل بلوغ ذروة التاريخ الكوني، المتمثل بـ التجسد الإلهي (في شخص المسيح).

ولكن من وجهة نظر المسيحيين، فإنه لم يكن بمستطاع محمد أن يكون نبيًا حقيقيًا، أما عقيدته فهي الأخرى لا يمكن أن تكون صحيحا.

(1) أليكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، ترجمة خلف محمد الجراد، عالم المعرفة، الكويت، 1996، ص 69 – 68.

(2) ويضيف سيلاجيتش: كانت السخرية من النبي محمد، هي إحدى الوسائل لوسم المسلمين بسمة الشياطين. فقد تم تقديمه بمختلف السبل الجارحة.

(3) عدنان سيلاجيتش، مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام، ترجمة جمال الدين سيد محمد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2006، ص 53 – 52.

يقول آرثر جفري: لقد حصل الكّتاب القروسطيون اللاتين على معلوماتهم عن الإسلام والنبي محمد من مصدرين رئيسين وهما: الروايات البيزنطية؛ ومن التواصل الشخصي مع الإِسلامِ خلال الحملات الصليبية. (1)

(1) آرثر جفري، بحث عن محمد التاريخي، ترجمة مالك مسلماني، ص 4.

أسم العرب والمسلمين في الكتابات الغربية

تنوعت الصفات والأسماء التي أطلقها الغرب المسيحي على العرب والمسلمين، وكل صفة تستند إلى فكرة معينة، فقد أطلق المسيحيون السريان على المسلمين لقب طائفة أبناء الجارية مستندين في ذلك إلى مقتطف من الإنجيل استل من رسالة بولس إلى أهل غلاطية الأصحاح الرابع: (31:21)، ويستنتجون منه أن المسلمين، الذين هم أبناء الجارية مستبعدون من وعد الخلاص الإلهي(2). والجارية هي هاجر أم إسماعيل، ومن الأسماء التي كانت تطلق في الغرب على المسلمين هي: السرسنيين أو الساراسيين، نسبة إلى سارة كما يراها البعض، أي عبيد ساره زوجة إبراهيم، وكذلك اسم الهاجريين: أي أولاد هاجر أم إسماعيل، والإسماعيليين: كون النبي محمد هو تالٍ لـ إسماعيل، أي العرب أولاد إسماعيل ابن إبراهيم من زوجته هاجر. ويطلق على المسلمين اسم الترك أو الأتراك لاشتهار تركيا وإمبراطوريتها المسلمة، فكان لفظة الترك والأتراك يعنون بها المسلمين مطلقًا. وكذلك محمديين نسبة إلى النبي محمد.

وفي بعض المصادر اليهودية كان اسم العرب والمسلمين يرد في مصنفاتهم هكذا: طيء ومعناها في التراث اليهودي عربي أو بدوي أو تاجر رحال، ويرون انه من الاسم العبري طيعا والمؤنث منه طيعتا أي الضال أو التائه. أو لعل الاسم يدل على قبيلة الطائيين العربية وشهرة حاتم الطائي. وعرف العرب باسم قيداريين نسبة إلى قيدار بن إسماعيل، وأطلق سرقاي في الترجوم الفلسطيني كوصف يهودي يطلق على الفلسطينيين العرب. وكذلك نبيوت ونبيوت هو أخو قيدار ابنا إسماعيل، وقد مثل الاسم نبيوت في عصر متأخر كل الإسماعيليين. وكذلك ورد في التراث اليهودي اسم عربي وهي تسمية سكان شبه الجزيرة العربية ثم صارت مرادفة لتسمية إسماعيلي. وقد ظلت تسمية عربي وصفًا عرقيًا أو جغرافيًا للمسلمين في الأدب العبري(1).

والملاحظ هو التجنب المتعمد لإطلاق اسم المسلمين على العرب، فلا يرد في أغلب المصنفات لفظة المسلمين، ونراها مستبعدة من أغلب الكتابات، رغم تبني المسلمين لها والتعريف عن أنفسهم بها.

أطلق اليونان على العرب، تسمية البرابرة وكان أطلاقهم للمصطلح بالأساس تحديدًا ثقافيًا يحمل مدلولات الاختلافات اللغوية، والتباين في العادات والتقاليد، وأصبح لفظ البربري يطلق على كل من هو غير أوروبي، واستخدام مصطلح البربرية في العصور الكلاسيكية يشير إلى افتقاد هذه الشعوب لأدوات وروح الحضارة.

وكذلك عُرف العرب في الثقافة اليونانية باسم السراقنة وهو مصطلح يعرفون به المقصود من ساكني الخيام أي العرب، أو ما يسمونهم القبائل التي كانت تُغير على الحدود الجنوبية الشرقية، وقد ظهر هذا المصطلح (السراقنة) المقصود به العرب في كتاب الجغرافيا لـ بطليموس، وكتاب القرن الرابع إميانوس ماركلينوس الذي ربط بين ساكني الخيام ومسمى السراقنة. ويربط القديس جيروم (340 – 420م)، بين الإسماعيليين والسراقنة في تعريف وادي فاران (مكة) الذي ورد في الكتاب المقدس أنها سكن إسماعيل، واستطرد قائلًا: ومن هنا جاء الإسماعيليون الذين هم الآن السراقنة ، ولعل هذا هو الاسم الذي تطور إلى السراسيين المفسر بعبيد ساره.

العرب في الثقافة الغربية

أولاً: المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (260 – 340م)، في كتابه تاريخ الكنيسة، فقد استقى هذا المؤرخ المشهور معلوماته من مصدرين أولهما كتاب يونان ورومان، اللذين رسموا صورة للعرب كقاطعي طرق، ومغيرين على التخوم الرومانية، وكبدو يسكنون الخيام ويمارسون طقوسًا دينية مُشينة كالتضحية بالإنسان.

وثانيهما الكتابات المفسرة للكتاب المقدس التي رأت أن العرب إسماعيليون لم بشملهم الميثاق الإلهي كما جاء في العهد القديم، أو كهيروديين (نسبة إلى هيرودوس) كما ورد في العهد الجديد.

اعتمد يوسابيوس على العهد القديم عند الحديث عن أصل الإسماعيليين في أنهم ينحدرون من هاجر الأمة وربط ودمج بين هذا المسمى (الهاجريين) والمسمى الذي عرفوا به في الكتابات الكلاسيكية كسراقنة.

ثانيًا: القديس جيروم (340 – 420م) الذي يعتبر أهم كاتب من عصر الآباء الأول، كانت كتاباته المعين الذي أخذ منه الكتاب اللاتين اللاحقون تصوراتهم عن العرب والمسلمين فيما بعد. مكث جيروم خمس سنوات في الصحراء السورية بين عامي 375 و380م، وبذلك أصبح قريبًا من موطن العرب وعرفهم عن قرب، وربط بين العرب والهاجريين، وذكر أنهم يسمون (في زمنه) سراقنة، ويتواجدون بالقرب من بيت المقدس وتفصل صحراء شاسعة بينهم وبين سوريا.

لقد قرّب جيروم إلى أذهان من راسلهم ماهية هؤلاء الإسماعيليين الذين يعيش على مقربة منهم بمثال من الكلاسيكيات الرومانية عن البرابرة، وفي الوقت نفسه أعاد إلى أذهانهم أوصاف جدهم التي جاءت في العهد القديم، ويمثل هذا النص أهمية كبيرة عند رصد التأثيرات التي تركتها كتابات الآباء الأول على الكتابات المسيحية، التي تصدت للكتابة عن ظهور الإسلام ومعارك الإسلام الأولى. فأصبح الكتاب الكنسيون والمؤرخون الغربيون ينطلقون من هذا الأساس وهذا التصور في الكتابة عن الإسلام والنبي محمد.

ثالثًا: يعد المؤرخ إميانوس ماركللينوس ممن ربطوا بين ساكني الخيام ومسمى (السراقنة).

وقد نظر الكتاب المسيحيون في العصور الوسطى إلى الإسلام من خلال تنقيحات الكتاب المقدس التي قام بها الآباء الأول. ورأوا رسول الإسلام ﷺ كأحد مدعي النبوة وشبهوه بالمسيح الدجال، واعتقدوا أن الفتوحات الإسلامية كارثة تنبأ بها الكتاب المقدس، وأخذوا معارفهم عن عقيدة المسلمين من تصوراتهم لعرب الجاهلية كعبدة أصنام.

وشكلت كتابات الآباء الأول عن وثنية العرب قبل الإسلام أساسًا متينًا لترسيخ صورة ذهنية عن السراقنة الذين غزوا الشرق وسيطروا على ممتلكات الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والذين انطلقوا بغزوهم حتى وصلوا القارة الأوروبية وأسسوا دولة لهم في أسبانيا.

النبي محمد والمسلمين في الكتابات الغربية

يوحنا الدمشقي (المتوفى في سنة 750م) حفيد منصور بن سرجون رئيس ديوان المالية في عهد معاوية، ويعد كتابه من أبكر الدراسات المسيحية الشرقية عن الإسلام، فـ يوحنا الدمشقي ناقش الإسلام كبدعة، مشددًا على أن المسلمين يتفقون مع المسيحيين في الإيمان بالإله الواحد، ولكنهم لا يعترفون بالعقائد الأساسية للمسيحية (وفي مقدمتها الطبيعة الإلهية للمسيح وصلبه).

هناك مخطوطتان لاتينيتان هما أقدم من تناول سيرة النبي محمد، وتداولهما القارئ الغربي، وكانتا مجحفتين إلى أبعد ما يكون، تم تزييفهما بشكل يشوه صورة الإسلام والنبي محمد.

وأما الثانية فقالت: بل هو مسيحي صالح، لكن الشيطان خدعه، وظهر له على أنّه ملاك الرب، فجعله يدعو الناس لرسالةٍ شيطانية، رغم اعتقاده أنه يدعو الناس لدين الرب

هاتان السيرتان اللتان نسجتهما المخيلة المسيحية اللاتينية الغربية زورًا عن النبي محمد، قام بدراستهما البروفيسور كينيث باكستر وولف(2) ووضع فيهما كتاب عنوانه: أقدم سير حياةٍ لاتينية لمحمد، حلّل فيه السيرتين، واعتبرهما مزيفتين عن عمد.

وأقدم هاتين السيرتين الإسبّانيتين جاءت في مخطوطةٍ بعنوان Storia de Mahometh – حياة محمد ، وكُتبت بين منتصف القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ويتضح من النص أن المؤلف كان على دراية بسيرة النبي محمد ﷺ الرسمية، ومن خلالها بنى تأريخًا مضادًا.

(2) البروفيسور كينيث باكستر وولف: أستاذ تاريخ العصور الوسطى الأوروبية، وضع كتاب عنوانه: أقدم سير حياةٍ لاتينية لمحمد ، الصادر من مكتبة العصور الوسيطة في دمبارتون أوكس في آيار 2018م.

وترجح المصادر أن تكون السيرتان الذاتيتان قد كتبهما الراهب يولوجيوس أسقف قرطبة (ت. 859م)(1)، مستهدفًا مسيحيي الأندلس، في إطار دفاعه عما عرفوا بـ شهداء قرطبة (2) الأندلسيين، الذين أعدموا نتيجة تكفيرهم لـ النبي محمد علانية، وبعد ارتفاع عدد المسيحيين الذين قطعت رؤوسهم في قرطبة، كتب يولوجيوس ما يعرف بـ Liber apologeticus martyrum، وأورد ضمنها هاتين الروايتين لسيرة النبي محمد.

(1) يولوجيوس القرطبي: كان قسيسًا ثم أصبح رئيسًا لأساقفة طليطلة في عام 859م، وكان هو نفسه أحد ضحايا حركة شهداء قرطبة، لكنه لم يدفع نفسه دفعًا ليلقى حتفه، وقد كتب عن عدد من الشهداء وألقى عظات عن اثنين منهم. ويروي صديقه ألفاروس قصة استشهاده، والأحداث التي صاحبت موته، مخلدًا ذكراه بعبارات مؤثرة، فقد كان على أيولوجوس أن يقوم بتعميد متنصرة أندلسية وشى بها أحد الجواسيس، فمثلت أمام القاضي ومعها رئيس الأساقفة يولوجيوس، الذي وقف مفندًا مزاعم القاضي العقائدية، ومهاجمًا نبيه ﷺ وهو ما أثار القاضي عليه فحمله إلى بلاط الوالي. وهناك وقف أحد المقربين من البلاط بجانبه، وحاول إثناءه عن موقفه الذي حتمًا سيقوده إلى الإعدام، ولكنه فشل في إقناع أيولوجوس، فلقى حتفه مع الفتاة المتنصرة التي كانت تدعى يوكريتيا. وقد رصد ألفاروس قصتهما مع 48 حالة أخرى من ضحايا الحركة. الرؤى الأوروبية عن الإسلام، ص 202.

(2) شهداء قرطبة: لقى عدد من المسيحيين الشرقيين حتفهم على يد السلطات الإسلامية، إما لأنهم ظاهروا وجاهروا بسيئ القول عن الإسلام، أو لارتدادهم مرة أخرى عن الإسلام، ومن هؤلاء أنطونيوس الرواح الذي كان موظفًا في البلاط العباسي في عهد الخليفة هارون الرشيد، غير أنه قد تحول إلى المسيحية بعد ما كان يضطهد رهبان دير القديس ثيودور. وحدثت المعجزة عندما حاول تحطيم أيقونة القديس ثيودور، فقام القديس بوضع الأيقونة مرة ثانية. وبعد عدة رؤى ظهرت له أرتد إلى المسيحية، وتم تعميده في نهر الأردن، وعندما عاد إلى أهله تبرءوا منه. وفي النهاية مثل أمام الخليفة، الذي عرض عليه المال والسلطان ولكنه أبى، فلقى حتفه في عام 779م، ويرى بعض من درس هذا الموضوع أن العرض الذي قدمه له الخليفة أخذ دليلا على أن الإسلام دين الدنيا وأن المسيحية هي دين الآخرة. وبعد فترة تم تمجيد أنطونيوس كقديس ليس في سوريا فحسب، وإنما في جورجيا وإثيوبيا أيضًا. راجع: الرؤى الأوروبية عن الإسلام، ص198.

ولم يكن تزييف التاريخ قاصرًا على مسيحيي الغرب، بل سبقهم إليه مسيحيو الشرق وبشراسة أكثر، ربما لأنهم كانوا أكثر الخاسرين للأراضي والنفوذ أمام الإمبراطورية الإسلامية الناشئة. وفي كتاباتهم اعتبروا أن محمدا من أجل طموحه العسكري خدع العرب بـ التوحيد ، وأغواهم باحتلال أرض اللبن والعسل إذا ما آمنوا بربِّ واحد، وبالفعل انخدعوا وحملوا السلاح نيابة عنه.

ففيما بين سنة 850 – 860م، كتب معاصره بول ألفاروس(2)، كتابًا جدليًا عنوانه الإشارات النورانية، أو الدليل الزاهر، أو المرشد المضيء، في قرطبة عام 854م، تهجم فيه على النصارى – الذين ينصحون بالاعتدال – وكانوا هم الأغلبية، كما سجل أيضًا حياة إيولوجيوس وكانت أفكار الرجلين متفقة على أن الحكم الإسلامي إنما هو تهيئة لظهور المسيح الدجال، وقد وجدا في الكتاب المقدس العلامات والشواهد التي كانا يطلبانها، حيث لم يكن من الصعب العثور عليها فيه.

فعندما قرأ ألفاروس الفقرات التالية من كتاب دانيال أدرك ماذا تعني وعرف كيف أنارت الموقف في أيامه: الدابة الرابعة ستكون المملكة الرابعة على الأرض. وهي التي ستكون مختلفة عن جميع الممالك. وستلتهم الأرض كلها، وستدوسها، وستحيلها إلى قطع مبعثرة .

وقد كانت هذه (المملكة الرابعة) في التفكير المسيحي التقليدي هي الإمبراطورية الرومانية – القوة العالمية الرابعة التي تلت الإمبراطوريات الآشورية والفارسية واليونانية – . وقرون المملكة العشرة هي ملوكها الذين سيظهرون . وهؤلاء هم الغزاة الأباطرة الذين دمروا الإمبراطورية. وآخر سيظهر بعدهم، وسيكون مختلفًا عن الأولين، وسيخضع الملوك الثلاثة . وهؤلاء هم أتباع محمد بإمبراطوريتهم الواسعة الذين انتصروا على اليونان والفرنجة والقوط. وهو الذي سيقول كلمات كبيرة ضد الأعلى، وسينهك قديسي الأعلى، ويفكر في تغيير الزمن والنواميس . أليس أن محمدًا والتقويم الإسلامي والقرآن تقوم بنفس هذه الأمور؟ وهم سيسلمون ليده لمدة ثلاث فترات ونصف من الزمان .

(2) باولوس ألفاروس: المتوفى سنة 861م، فهو لم يكن من رجال الدين، بل كان كاتبًا علمانيًا صاحب نزعة كلاسيكية في كتاباته، وكان زميلًا وصديقًا لـ يولوجيوس.

هذه العبارة الغريبة بأن الإسلام سيزدهر لمدة ثلاث فترات ونصف الفترة، كل فترة منها تقدر بسبعين عامًا، فتكون في مجموعها 245 سنة. وبما أنه كان يكتب هذا في عام 854م، وكانت بداية العصر الإسلامي في عام 622م، (أو عام 618 م. كما كان يعتقد الأعم) فيكون من الواضح أن نهاية العالم قريبة للغاية. وللصدفة الغريبة – لما كان كل شيء يبدو مؤيدًا لغرض يرغب البعض في تصديقه – فإن أمير قرطبة، عبد الرحمن الثالث، توفي سنة 852م، وخلفه محمد الأول (الرجل الملعون في نظر أهل ذلك الزمان) شجع تطابق الاسم مع اسم نبي الإسلام محمد، أكثر من باحث على منهج ألفاروس على القول بأن نهاية كل شيء على وشك الوقوع.

4- دانتي: وهو المعروف بـ دانتي أليجييري (1265 – 1321م) أعظم شعراء إيطاليا قاطبة، ومن مشاهير الأدب العالمي، خلّد اسمه بملحمته الشعرية الكوميديا الإلهية التي وصف فيها طبقات (الجحيم، والمطهر، والفردوس) في رحلة خيالية ذهنية.

وفي كتابه الشهير هذا نجد أنه قد أفرد للفيلسوفين المسلمين ابن سينا(1)، وابن رشد(2) مكانًا في اللمبو(3). الذي جمع فيه كل الخيرين من غير المسيحيين في جحيمه، بينما نجده قد وضع نبي الإسلام محمدًا وابنَ عمهِ، الإمام علي بن أبي طالب في الخندق التاسع من الحلقة الثامنة الجحيم ، الذي يضم مثيري الصدامات والانشقاقات الدينية والسياسية، الذين يزرعون الفتن فيحصدون الأوزار (4).

ومن الأساطير التي نُشرت عن النبي محمد (في القرون الوسطى) تلك القائلة إنه ساحر كبير، استطاع عن طريق السحر والخداع تحطيم الكنيسة في أفريقيا وفي الشرق، وأنه سمح بالدعارة والفسق، لكسب مزيد من الأتباع.

فولتير (1694 – 1778م): اسم مستعار لـ فرانسوا ماري أروي، الكاتب الفرنسي الساخر، فقد لفتت نظره قبل كل شيء شخصية النبي محمد، الذي جعله البطل الرئيسي في المسرحية التراجيدية ماهومِت (محمد)، (التسمية الكاملة – والتعصب، أو النبي ماهومت).

وهذا ما جاء في أغنية رولان(2) أو أنشودة رولان (الأبيات 2580 – 2591)، حيث تتحدث عن المسلمين، الذين انهزموا على يد شارل مارتل، نتيجة لسخطهم وحقدهم وكفرهم. . ساحبين من الكهف أصنامهم، محطمين تمثالي أبوللو وتروفونيوس.

وأنشودة رولان تحكي على شكل ملحمة قصة القائد المسيحي (شارل مارتل) الذي شن هجومًا على الأندلس والحق هزيمتين متتاليتين بالمسلمين وحال دون فتحهم بلاد الغال (فرنسا حاليًا) والمعركة الأولى هي المعروفة بمعركة بلاط الشهداء والتي استمرت سبعة أيام متتالية عام 732م – 114هـ بالقرب من مدينة بواتييه والمعركة الثانية على ضفة نهر بير، وبهذا أجبر شارل مارتل المسلمين على التراجع من فتح بلاد الغال (فرنسا) لتبدأ بعدها سلسلة من المقاومة الأوروبية للمسلمين في الغرب الأوروبي لصد تقدمهم نحو أنحاء أوروبا.

قال بعض المؤرخين المحدثين: لو كان قد قدر لشارل مارتل الهزيمة في (بواتييه) لكان القرآن يجري تعليمه الآن في مدارس أكسفورد (1)

تغنى الشعراء بشارلمان وعظمته وبطولته في حروبه ضد مسلمي الأندلس، وذلك في الملحمة التاريخية أنشودة رولان ليدخل بهذه الملحمة الكره.

(1) جراهام إي. فوللر، وإيان أو. لير، الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة، ترجمة شوقي جلال، القاهرة، 1997، ص 28 – 29.

12- بطرس المبجل أو المكرم: وهو رئيس دير كلوني (الآباتي)، (نحو 1059 – 1156م) الذي ترجم القرآن إلى اللاتينية، ويعد هو مؤسس الدراسات الإسلاماتية لدى مسيحيي القرون الوسطى. وقد انطلق من قاعدة أسسها تقول بحتمية الصراع مع الإسلام، ولكن ليس بالسيف، وإنما بالكلمة والإقناع والحجة.

وضع بطرس المبجل خطته لترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية وترجمه على يد روبرت كيتون عام 1143م، وترجم من العربية مقالات مناهضة للإسلام. ورسالتين جدليتين، مناهضتان للإسلام. إذ أمر بترجمة كتاب رسالة الكندي إلى اللاتينية سنة 1143م، التي ورد فيها خبر الراهب بحيرا وتعليمه لـ النبي محمد. وتعد الترجمة التي جرت تحت إشراف بطرس أول ترجمة كاملة للقرآن من العربية إلى اللغة اللاتينية.

وعلى أساس تلك الترجمات صنف بطرس المبجل ما أسماه دحض العقيدة الإسلامية، وقد جمعت الترجمات المذكورة آنفًا بالإضافة إلى رد بطرس المبجل فيما سُمي بـ المجموعة الطليطلية ، وهي المجموعة التي صارت بالنسبة للأوروبيين المصدر الرئيسي للمعلومات والمعطيات عن الدين الإسلامي على مدى خمسمائة عام تقريبًا.

13- توما الأكويني: القديس توما الأكويني (1226 – 1274م)، عدَّ المسلمين وثنيين وليسوا هراطقة مجدفين.

ولهذا قرر الأكويني حتمية عقد المناظرات والمحاورات الجدلية مع الوثنيين (بمن فيهم المسلمون حسب رأيه) بناء على البراهين العقلية، وليس وفق مفاهيم الكتاب المقدس وشهرته فقط.

ولقد أولى توما الأكويني النبي محمدًا ورسالته اهتمامًا محدودًا جدًا في واحد من فصول كتابه الرد على الخوارج – خلاصة الرد على الأمم الخارجة عن المسيحية. لكنه لم يخرج كثيرًا عن إطار القوالب الذهنية التي سادت في الفكر الأوروبي في عصره، إذ وضع الانتشار السلمي للمسيحية مقابل ما أسماه بـ الانتشار الإكراهي للإسلام.

ثم يصل من كل هذه الأطروحات المتسرعة إلى القول: إنه لكيلا يكتشف أتباعه زيف شريعته، فإن محمدًا منعهم من قراءة كتب العهدين القديم والجديد.

14 – مارتن لوثر: 1483 – 1546م، وهو راهب أوغسطيني لاهوتي ومفكر وكاتب، وكان لوثر واحدًا من أوائل الذين صاغوا نموذجًا جديدًا كليًا للموقف من الإسلام، مستخدما إياه – كنموذج سلبي – في جداله العنيف مع الكاثوليكية.

وحين صار لوثر هرمًا وشيخًا كبيرًا قام بترجمة الأعمال الكبرى المعادية للإسلام في القرن الثالث عشر، إلى لغته الألمانية، وهو كتاب نقض القرآن الذي ألفه ريكولدو المونتيكروشي وقد أضاف لوثر إلى هذه الترجمة مقدمة وملحقًا عبر فيهما – ربما دون أن يدري – بقوة عن أحد التقاليد الفكرية الراسخة في العصر الوسيط، ألا وهو القنوط من إمكان وجود أي حل سياسي أو عقلي للمشكلة الإسلامية. كان لوثر مقتنعًا بأنه لا يمكن هداية المسلمين، إذ قست قلوبهم واستهانوا بالكتاب المقدس، ورفضوا الجدال، وتعلقوا بسلسلة أكاذيب القرآن – على حد تعبيره – (2)

15- هوجو دوجرت، (وهو باللاتينية أدوجروتيوس)، وهو الكاتب الشهير للرسالة المسماة قانون الحرب والسلام، في أمستردام سنة 1630م، وقد كتب أيضًا رسالة عن حقيقة الدين المسيحي باللاتينية وقد ظهرت عام 1627م، وقد حاول في الكتاب السابع أن يدحض الإسلام ويثبت تميز الدين المسيحي على دين محمد على حد قوله.

19- أما كتاب قاموس الفنون والعلوم المطبوع سنة 1732م، والذي يعد نصوصه تعريفية ومرجعية فقد جاء فيه تحت كلمة الإسلام ما يلي: الإسلام: دين أتى به محمد الذي ولد عام 591 بمكة، إحدى مدن شبه جزيرة العرب السعيدة، تحت حكم الإمبراطور موريس. لقد كان شديد الذكاء بحيث تعلم العهد القديم والجديد، وتخيل منهما ديانة أقامها نقلًا عن ظهر قلب. وقسمها إلى مائة وأربعة عشر فصلا مليئة بالروايات والأكاذيب. وهي عبارة عن فريات مجنونة لا رحمة فيها ولا نظام. إن هذا الكتاب يعد من يقرأ ألف مرة بحورية في الجنة تكون حواجبها بعرض قوس قزح.(1)

الفصل الثاني: النبي محمد ومزاعم تعليمه عند الرهبان

1- يوحنا الدمشقي: بحسب النصوص والمصادر يعد يوحنّا الدمشقيّ (675 – 750م)، الذي نشأ في البلاط الأموي، هو أول من حاول أن يقنع المسيحيين وغيرهم إن هذه الإمكانية العالية من المعرفة عند النبي محمد، لتعليمه وتلقيه ذلك من بعض الرهبان، وحاول أن يوجد مبررات واهية لإقناع قراءه بذلك.

عبد المسيح بن إسحق الكنديّ (813 – 834م – القرن الثّالث الهجريّ)، فقد توسع هذا بالفكرة التي قالها يوحنا الدمشقي ونسبها لـ بحيرا كما مر بنا في أول البحث. حيث نسخ خبر أسطورة بحيرا من مخطوطتها السريانية التي عندهم، وزاد عليها من خياله ونسب علم النبي محمد إلى اكثر من راهب. وركز على بحيرا.

3- المؤرخ تيوفان المعرّف (765 – 817م) وهو أسقف بيزنطي جمع كتبا قديمة من مخطوطات بيزنطية وسريانية وأرمينية وعربية وأخرى. وكتب على ضوئها تاريخه سنة 813 م تقريبًا الذي اسمه الأحداث التاريخية. ويسمى اليوم تاريخ تيوفان حيث سرد فيه الفترة بين 284 ميلادي و813 ميلادي. وهذا المؤرخ البيزنطي هو أول من التقط خبر أو فكرة تعلّم محمد لدى الرهبان من المؤلفين اللاتين، فنسب التعليم إلى راهب مجهول حمل هرطقته إلى مكة، وأخذها منه النبي محمد.

وحول تبريره للمعرفة اللاهوتية التي يتمتع بها النبي محمد ودرايته بعلم الأنبياء وتاريخهم، أعتبر أن محمدًا ذلك اليتيم الأمي، قد تواصل في فلسطين مع مجموعات من المسيحيين واليهود حيث تعلم منهم شيئًا عن النصوص المقدسة(1)

4- قسطنطين بروفيروغينيتوس (905 – 959م). وهو كذلك كاتب بيزنطي اتبع فكرة تيوفان المعرف ذاتها في كون محمد تعلّم من راهب مجهول(3). وكاتب آخر مجهول الاسم: وضع كتاب اسمه ضد محمد يعود تاريخه إلى القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي. وفي كتابه هذا يورد أن النبي محمد اخذ من راهب مسيحي علومه، وعلى راي بعض المحققين انه تمت إضافة مقطع لاحق، في زمن متأخر على نص المخطوطة، وفيه يطلق اسم بحيرا على الراهب، وينسب له أتباعه المذهب اليعقوبي.

الراهب جيوبرت رئيس دير نوجينت (1052 – 1124م)، وضع هذا الراهب أسطورة جديدة مفادها: أن بطريرك الإسكندرية حين مات أراد راهب أن يخلفه في وظيفته لكنه طرد من الكنيسة، فوسوس له الشيطان بأن يعلن بأنه المسيح، ولقد قام هذا الراهب واسمه ماثوموس وهي التسمية التي صار يُكتب بها اسم محمد، بالزواج من امرأة غنية اسمها خديجة وأشاع أنه نبي بين حشد من الناس.

بارثولوميوس الرهاوي: الذي يعود تاريخه على رأي بعض المحققين إلى النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي، وضع هذا الراهب كتابًا أسماه دحض الهاجريين أي المسلمين، يذهب فيه إلى أن محمدًا تعلّم أفضل ما في عقيدته من الراهب النسطوري الذي التقاه سرًا لمرات كثيرة، وكان يتظاهر أمام أهله بأنه في ذلك الوقت كان صائمًا ويتحدث إلى الملاك جبرائيل(3)

8- ميثوديوس: إن كتاب مقتطفات من ميثوديوس، وهو اشتقاق لاتيني لكتاب رؤيا سرجيس – بحيرا أي لمخطوطة أسطورة بحيرا. وكتاب مقتطفات ميثوديوس ورد في مخطوطة رودا التي يعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي.

9- إيميريك الأنغوليمي: كان له كتاب واحد اسمه فنون القراءة كتب مقدمته مطران أنغونيم فيما بين سنة 1076 و1101م، نجد في هذا الكتاب تعود رواية أوسيوس وأوزيم مرة أخرى فإن فكرة إرسال أوزيم والذي هنا يقدّم كمطران، إلى هيسبانيا في مهمة رعوية من البابا فيوردها كالتالي: في سنة 607 للمسيح توفي الشماس أوسين (أو أدوسين)، الذي يدعوه السرسنيون (المسلمون) محمدًا، والذي أرسل إلى هسبانيا من قبل البابا (أوسيو) باعتبارها إرثًا، ولكن بعد أن غُرّر به، صار مغرّرًا وانقضت 478 سنة. أخطأ العديدون عندما عرّفوه بأنه نيقولاوس، أحد السبعة الأوائل (الشمامسة الرسوليين). وهكذا حتى زماننا هذا، سنة 1086، تكون قد انقضت 479 سنة.

10- بطرس المبجل: قام بطرس المبجل بترجمة رسالة الكندي إلى اللاتينية، التي تؤكد أن بحيرا الراهب سرجيوس هو الذي تولى تعليم النبي محمد، فتبنى الفكرة ذاتها واقتبس من رسالة الكندي كثيرًا.

وأكد في كتابه قائلًا: ساعد إبليس في انتصار الشر عن طريق إرسال الراهب سرجيوس (أي بحيرا)، وهو من أتباع الهرطوقي نسطور الذي كان قد تم تجريده كنسيًا، إلى منطقة شبه الجزيرة العربية والانضمام إلى النبي الكاذب محمد، وبالطبع خلال لقائه مع محمد شرح سرجيوس بعض أجزاء الكتابين المقدسين للعهدين القديم والجديد موضحًا كلاهما، جزئيًا، من خلال رأي نسطور الشهير الذي كان يؤكد أن المسيح كان إنسانًا فحسب وليس إلها، وفقًا لتصوره الشخصي إلى حد ما، مصيبًا إياه بالعدوى عن طريق المتون المشكوك في صحتها بحيث إن محمدًا أصبح مسيحيًا نسطوريًا .

12- رودريغو خيمينيث دي رادا: وهو رئيس أساقفة طليطلة لأربعين عامًا، عسكري ومؤرخ، ورجل دولة، وضع كتابًا شهيرا عنوانه تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية حتى عام 1243م، كما كتب تاريخ العرب وهو آخر أعماله يعود تاريخه إلى العام 1245م، يذكر فيه كذلك الفكرة السائدة في وقته عن النبي محمد: وفي عامه الثامن مات عبد المطلب، جده، فتولاه أبو طالب، عمّه، الذي وضعه في رعاية ذلك العرّاف المذكور ليتولى تعليمه، والذي درّسه علوم الطبيعة والقانون الكاثوليكي وأسفار الكفر اليهودية، حيث استلّ هو ذاته بعض الأمور من الإيمان الكاثوليكي، وبعضها الآخر من الشريعة القديمة لصالح طائفته. ومن ثمّ عند بلوغه ثلاثة عشر عامًا، أخذه أبو طالب إلى أورشليم، حيث هناك المعبد المقدس

كان ثمة كنيسة شهيرة في مكة، وكان فيها صور ومرصعة بالفضة والذهب والأحجار الكريمة، وقد دمرت عن بكرة أبيها بسبب السيل، رغب جميع نبلاء مكة بإصلاحها، واتخذوا سفينة لملك مصر المسيحي، الذي كان قد بدأ ببناء كنيسة في إثيوبيا، وكانت السفينة محملة الأخشاب (وكانت موجودة) على شاطئ جزيرة العرب، وبهذه الأخشاب أصلحوا الكنيسة المدمرة التي كانت تُدعى الكعبة. وبعد الانتهاء من الكنيسة كان عليهم أن يثبتوا في الزاوية حجرًا أسود، والذي إلى اليوم يقيّله العرب بخشوع

ونلاحظ أن هذا المؤرخ البيزنطي يضع العراف الذي تعلّم منه النبي محمد هو حكيم يهودي، وليس الراهب المسيحي بحيرا كما في الكتابات الأخرى التي تبنت أسطورة بحيرا.

17- في القرن الثالث عشر ظهرت كتابات أخرى لأسطورة الراهب الذي تعلم منه النبي محمد، ولكن في هذه المرحلة خضعت الأسطورة لتحول جديد على يد كتّاب أمثال جاك دو فيتري، المتوفى سنة 1244م، الذي يقول: إن محمدًا كان قسيسًا يدعى سوسيو، وقد أدانه بابا روما بتهمة الهرطقة فنفي إلى الجزيرة العربية، وهناك انتقم من أعدائه بادعائه النبوة، وأنه استقى تعاليمه من كتابي العهدين، وأضاف إليهما ما وسوس له به الشيطان(2). التحديث الرئيسي الذي قدمه هؤلاء هو وضع ظروف فشل الإكليريكي الطموح أو الراهب بحيث لم يعد في أي من البطريركيات الشرقية، بل في كنيسة روما ذاتها.

22- غليوم الطرابلسي: وهو من القرن الثالث عشر للميلاد مات بعد سنة 1271م، له مؤلفين منفصلين وهما رسالة حول إمبراطورية أحفاد إسماعيل (العرب المسلمين) ونبيهم المزيف محمد والكتاب الثاني هو: محمد وكتاب شريعة المسلمين.

وقد حكى المسلمون كما يقول جيوم أو غليوم الطرابلسي أن باب الدير الذي دخل منه محمد ارتفع لحظة دخوله وبدا كأنه قوس قصر إمبراطوري، وقد استقبل الطفل بشكل حار من قبل بحيرا الذي منحه الطعام والملبس واعتبره كما لو كان ابنا بالتبني. وقد علّمه أن يحتقر عبادة الأصنام ويبتهل بقلبه إلى يسوع بن مريم. وبعد وقت ترك الطفل الدير لأنه كان في خدمة تاجر غني. ولكنه وعد أن يعود حين يكبر. وقد مارس الطفل التجارة بنجاح وكان يتردد كثيرًا على بحيرا الراهب. وقد مات سيده في هذه الأثناء فتزوج من أرملته وظل يداوم على زيارة الراهب مما أسخط عشرة من صحابته ففكروا في قتل بحيرا ولكنهم خافوا من غضب محمد ومع ذلك فقد ضاقوا ذرعًا ذات ليلة من حديث بحيرا مع محمد فقتلوا بحيرا بسيف محمد وقد اعتذروا لـ محمد قائلين: أنهم شربوا حتى الثمالة مما جعلهم تحت تأثير الخمر يطعنون بحيرا بالسيف.

ولأن محمدا صدق ذلك الخبر الكاذب فأدان الخمر وحرم الشراب على أتباعه.

نبي الإسلام محمد أم نيقولاوس

نلاحظ الخلط الكبير الذي وقع فيه الأوروبيون لمدة أكثر من أربعة قرون، في تحديد شخصية نبي الإسلام، ومن أين تلقى كل هذه المعارف، حتى تبريرهم على تلقينه هذه المعرفة من قبل راهب مسيحي، فقد سرح بهم الخيال بعيدا في تحديد شخصية هذا الراهب، إذ أن الذي علّم النبي محمد – حسب زعمهم – يأخذ أحيانًا شخصية بحيرا ومرة أخرى شخصية ورقة بن نوفل نقلًا عن المرويات الإسلامية، ومرة هذا الراهب المسيحي يبدو مؤمنا مدافعًا عن المسيحية ومرة أخرى هرطقي آريوسي، أو يعقوبي أو نسطوري، وعمل هذا مع النبي محمد ليستجدي عطف أتباعه المسيحيين الذين أبعدوه وطردوه عن الكنيسة، وفي رواية نجد هذا الراهب يعمل على الثأر لنفسه، كما أنه دائمًا راهب، أو بطريرك، أو كاردينال، أما أسمه فهو بحيرا أو سيرجيوس.

ودأب الكثير من المؤرخين من القرن التاسع وما بعده على تأسيس أصل واحد وهو إقرارهم أن أصل العقيدة المحمدية يعود إلى تعاليم يهود ومسيحيين مهرطقين، لكن دون الإشارة إلى معلم بعينه، وفي القرن العاشر حين تداول الكتبة المسيحيون مخطوطة أسطورة الراهب بحيرا أو سرجيوس، أخذوا ينسخون مفادها ومعناها، ووضعت المؤلفات والأعمال التي تشير بالمضمون وبالنص، إلى الأفكار التي سطرها هذا الكاتب في تأليفه لأسطورة بحيرا.

وبعد ذلك مرت أسطورة بحيرا بتطور جديد حيث كتب بعض الرهبان قصة مشابهة، فتم وضع أسطورة أوسيوس، الذي ولى قيادة المهمة لأحد رهبانه ويدعى أوزيم ليصبح أوزيم بعد ذلك هو محمد، وتطورت الأسطورة إلى شكل جديد آخر، وهو أن يتحول الكاردينال نيقولاوس الأنطاكي إلى شخص محمد وهو الذي عمل الديانة الإسلامية لينتقم من الكنيسة الرومانية التي خذلته. لتختلط الأوراق بين شخصية مهرطقة في المسيحية مذكورة في أخبار الرسل قبل عصر النبي محمد، وبين شخصية يكتبون عنها بتخبط عجيب في القرن الحادي عشر الميلادي.

وظل مخطوط نيقولاوس يحدد أن الشماس الرسولي نيقولاوس هو النبي محمد ذاته، وليصبح محمد كذلك بحسب هذه المخطوطة ليس تلميذا لـ بحيرا الراهب بل هو تلميذ أحد الأعيان الساميين في الكنيسة الرومانية، وعالما في جميع أنواع المعرفة.

أسطورة نيقولاوس

تذهب أسطورة نيقولاس إلى أنه مسيحي جحد الإيمان المسيحي وقام بتكوين جماعة المسلمين، وترك اسمه واختار اسم محمد بدلًا عنه(1)، وفي حكايا الرومان نيقولاوس هو أحد الكرادلة الخُدّام في الكنيسة الرومانية، كان عليمًا في النحو والجدلية والتنجيم، وعارفا في الأمور الدنيوية، وعرف التحدث بلغات عديدة(2).

وورد ذكر النيقولاويين كجماعة مسيحية منشقة في سفر الرؤيا مرتين، في الأولى امتدح المسيح أسقف كنيسة أفسس لأنه يبغض أعمال النيقولاويين، وفي الثانية تحذير ووعيد لأسقف كنيسة برغامس لأن من بين رعيته من هو متمسك بتعاليمهم: ولكِنَّ لي عَليكَ شَكْوى يَسيرَة، أَنَّ عِندَكَ، هُناكَ قَوماً يَتمسَّكونَ بِتَعليم بَلْعامَ، الذي عَلْمَ بالاقَ أَنْ يُلقِيَ مَعثَرَةً أَمامَ بَني إِسرائيلَ، حَتَّى يَأكلَوا مِن ذَبائِح الأَوثانِ ويَزنُوا، فأَنتَ أيضًا، عِندَك قَومٌ يَتمسَّكونَ كذلكَ، بتعليمِ النّيقولاويِّين .

وثمة رواية شائعة عن نيقولاوس رواها لنا أبيفانيوس، وهي أن نيقولاوس كان متزوجًا بامرأة ذات جمال بارع، وكان يهيم بحبها، فلما أصبح مسيحيًا أراد أن يسلك حياة العزوبة لأفضليتها، فانفصل عن زوجته بعد أن اتفق معها، ولكنهما ما لبثا أن عادا وعدلا عن حياة الفرقة واستأنفا حياتهما الزوجية. فلما رأى نيقولاوس سلوكه مُنتقَدًا أراد أن يبرر نفسه، فأخذ ينادي بتعاليم منافية للحق والطهارة، وأسلم ذاته لحياة الشر والخلاعة واقتدى به غيره وهكذا تكونت منهم طائفة. وقد صدّق على هذه الرواية بعض آباء الكنيسة وعلمائها الأوائل من أمثال إيريناوس وترتليانوس وإيلاري أسقف بواتييه وإيرونيموس وغريغوريوس النصيصى(2).

أن مخطوطة أسطورة نيقولاوس يعود تأليفها إلى العصور الوسطى، وهي محاولة مسرحية حاول كاتبها أن يضاهي نيقولاوس بـ النبي محمد، وليجعل تشابه بين الشخصيتين، فان نيقولاوس شخصية مجهولة عاشت في زمن بعيد جدًا عن عصر النبي محمد بينهما قرون من السنوات، ولكن أراد كاتب هذا النص أن يجعل ما أتى به محمد هو هرطقة لا تختلف عن هرطقة نيقولاوس.

النص الكامل لخبر نيقولاوس

بداية كتاب نيقولاوس، الذي يُدعى محمدًا، حول كيف جحد بالإيمان المسيحي وكوّن إيمان السرسنيين.

نقرأ في حكايا الرومان أنّ نيقولاوس، أحد الكرادلة الخُدّام في الكنيسة الرومانية. وكما كان عليمًا في النحو والجدليّة والتنجيم، وعارفًا في الأمور الدنيوية، وعرف التحدّث بلغات عديدة، ولما كان من الضروري بعد معمودية الإمبراطور قسطنطين، أن يكون الإنجيل معروفًا لدى جميع شعوب العالم، اختار الحبر الأعظم أغابيتس، بعد أن طعن في السن، نيقولاوس خلفًا له وبموافقة جميع الكرادلة.

وهكذا سمّي نيقولاوس وارثًا عامًا للكرسي الرسولي على إسبانيا وبلاد البربر.

أجابه نيقولاوس الساخط بغضب شديد: أنا سأعلّمك يا يوحنا، يا من يُدعى بابا روما، أنّ الذي ما بيني وبينك سيكون أكبر من كل دائرة العالم الدنيوي . وإذ سمعه الكرادلة، غادر غاضبًا وعاد إلى دياره.

عندما فكّر ببث بذور الشقاق في الدين المسيحي وتكوين بدعة جديدة، اعتزم في قلبه أن يتواجه مع الكنيسة الرومانية بالطريقة التالية: طلب أن يُزود بلفافة مخطوطات ذات حجم كبير، وعندما تم تحضيرها، كتب عليها بحروف ذهبية كبيرة هكذا: في البدء خلق اللّٰه السموات والأرض. كذلك كوّن آدم الإنسان من طين الأرض، وبسبب مراوغته ومعصيته طُرد من نعيم الحياة إلى الموت الدنيوي. كذلك بأن اللّٰه قال للإنسان: من التراب خُلقت وإلى التراب تعود، وعندما تموت سترجع إلى الجنة وتستمتع بالحياة، ولن تموت بعدها قط.

كما نصّ وأمر أن على كل سرسنيّ قبل أن يدخل إلى الكنيسة المسجد، أن يغسل يديه ووجهه بالماء، ويقول: ارحمني يا الله، برحمتك العظيمة، اغسلني يا رب من إثمي وطهّرني من ذنبي . وفرض على السرسنيين أن يدخلوا المسجد حفاة. وألا يبصقوا فيه مهما كانت الحاجة. فإن اضطروا عليهم أن يخرجوا من الكنيسة. هذا العرف كان مفروضًا على السرسنيين.

كان مكتوب في اللفافة أن اللّٰه كليّ القدرة عهد من خلال رسوله محمد أن يتولى شعوبًا كثيرة وأن يدعوهم سرسنيين، أي، أولاد سارة، وأضاف إلى ذلك أن سارة كانت زوجة إبراهيم، وأن اللّٰه قد جعل من إبراهيم أبًا لكثير من الشعوب، ولذلك يُدعى السرسنيون بأبناء إبراهيم.

وأمر السرسنيين أن يصوموا ثلاثين يومًا دونما انقطاع، وأن يحتفلوا بالعيد عند ظهور القمر في شهر مارس. وعلى كل سرسنيّ في هذا الوقت أن يذبح كبشًا، حسب ما فعل إبراهيم إذ ذبح وتقرّب بالكبش كما أمره الله. وهنا حدّد أن على السرسنيين أن يحملوا كل جلود الخراف إلى المسجد، وأن يعطوها إلى الكهنة، وأن يأكلوا اللحوم ويتشاركوها مع الفقراء، كل حسب مقدرته.

ولأنهم كانوا يؤمنون به، فقد فعل الإيمان تأثيرًا على بعض المرضى، وكتب السرسنيون أنه طهّر اثنين من مرضى الجذام، وأعاد البصر لأعمى، وأشفى أربعة مشلولين. لهذا فقد عبده السرسنيون في بغداد، بعد الله، المحيي لكل شيء.

هناك حيث يؤمنون أنه في يوم جمعة عندما ظهر نجم مضيء، مات محمد ورُفِع إلى السماء.

وهكذا فبغداد هي عاصمة السرسنيين، كما هي روما عاصمة المسيحيين. وكما أن جميع الكنائس تتبع البابا الروماني، وهكذا فجميع مساجد السرسنيين تخضع لسلطة بغداد. في روما يوجد حبر المسيحيين الأعظم وفي بغداد حبر السرسنيين الأعظم، الذي يُدعى خليفة.

جميع السرسنيين يحجون إلى مكة، ويركعون لقدم محفوظة في تابوت، قدم محمد، والتابوت معلق في الهواء بثلاثة أحجار ممغنطة تتدلى عليه بواسطة بعض السلاسل، والتابوت ليس مطليًا بالذهب من الجهة العليا حيث يتصل بالحجارة الممغنطة، والعديد من السرسنيين السذّج يؤمنون أن هذا يحدث ليس بطريقة مصطنعة، بل بطريقة عجائبية. وكما يؤمن المسيحيون أن البابا الروماني هو خليفة المسيح، فكذلك السرسنيون يؤمنون أن الخليفة في بغداد هو خَلَف. وكما يؤمن المسيحيون أن المسيح كان ابن الله، كذلك السرسنيون يؤمنون أن محمدًا كان رسول ونبي الخالق العليّ، وبشفاعته عند اللّٰه يرجون الخلاص.

يقولون وكما هو مكتوب في شريعتهم فإن محمدًا قد اتخذ ثلاث زوجات وأنجب منهن أولادًا ذكورًا، ولكن أيًّا منهم لم يبلغ الثانية عشرة، إذ إنهم ماتوا ولم يصلوا إلى سن الرشد. وجثامين الأبناء والزوجات دُفنت في بغداد حيث يُزارون كل يوم بخشوع .

الفصل الثالث: الراهب بحيرا وموطنه في بُصرى الشام وعلاقته بـ ايشوعياب الجدالي

بحيرا في التراث العربي

ورد أسم بحيرا في التراث العربي والإسلامي بثلاث صيغ وهي بحيرة و بحيرى (بَحِيرا)، وتهجئة الاسم هي بفتح الباء وكسر الحاء. – اسم سريانيّ أي المتبحّر في العلم – ويرى البعض أنه آرامي يعني المستنير، أو المتنور.

وبالنّسبة لاسم الرّاهب فقد دارَ سجالٌ فيه، فـ ابنُ هشام وغيرُه من المصادرِ العربيّة الإسلاميّة يلفظُه بَحِيْرَى ، والمسعوديّ بُحَيْرَا بضمّ الباء، وهو الوحيد الذي يذكرُ له اسمًا سَرْجِسُ (1) وهوَ سِرجْيوس نقلا عن بعض المصادرِ اليونانيّة. وقد أطلِقَت هذه الصّفة على راهبِ بَصرى الشّام لتبحّره في العلوم، فقيلَ فيه بحيرا أي العالِم . فأنّ التّاريخ لم يحفظ لنا أحدًا حملَ هذا الاسم غيره!(2)

بصرى الشام موطن بحيرا

اتفقت المصادر على أن بحيرا يقطن في دير، في منطقة بصرى من بلاد الشام، ولا تزال آثار هذا الدير شاخصة للعيان، ومن المؤكد أن تسمية الدير باسم بحيرا يحتاج إلى دليل ووثيقة تؤكده، أو هو تلفيق لا صحة له، قام به بعض المسيحيون لكسب ود المسلمين.

و”بصرى” اليوم مركز ناحية في محافظة درعا(4)

(4) درعا: مدينة سورية تعد من أقدم المدن العربية، تقع في جنوب سوريا بالقرب من الحدود السورية الأردنية، واليوم هي إحدى محافظات سوريا وتمتد في المنطقة الجنوبية منها، وتقع في الجنوب الغربي من البلاد وتغطي مساحة قدرها 3،730 كيلومتر مربع. تحدها الأردن من الجنوب، ومحافظة القنيطرة إلى الغرب، ومحافظة ريف دمشق من الشمال ومحافظة السويداء من الشرق.

وكان لها دور رياديّ ناشط جدًا في ميادين التجارة لوقوعها على طريق التجارة العالمية، فكانت تلتقي فيها القوافل التي تتردّد بين الشمال والجنوب (بين دمشق والبحر الأحمر)، وبين الشرق والغرب (بين الخليج العربي وسواحل جنوبي بلاد الشام)، وتتموّن منها.

المسيحية في بُصرى

يوحنا: كان حيًا سنة 650م، يقال له (مطران بلاد العرب) رسمه البطريرك أثناسيوس الأول الجمّال المونوفيزي، وذاع صيته منذ سنة 617م، ذكر ديونيسيوس بطريرك اليعاقبة(3)، في تاريخه انه كان أسقفا على عرب حيرة النعمان وتوفي في آمد(4) ودفن في هيكل كنيستها المكرسة لمار يوحنا المعمدان.

المسلمون وبُصرى

(1) الأب متري هاجي أثناسيو، سوريا المسيحية في الألف الأول الميلادي، مجلد ص 524.

ولكن لما أذل ملوك الروم رؤساء الغساسنة، وظهر أمر العرب المسلمين الفاتحين التجأ الغساسنة إلى إخوانهم العدنانيين في أفق بصرى سنة 634م، وساهم سكان بصرى في القتال ضد البيزنطيين لتحرير سوريا من حكمهم، فكانت بصرى أول ما فتح العرب المسلمين من بلاد الشام، في عهد الخليفة الأول أبي بكر، ولما جاء الخليفة الثاني عمر إلى سوريا لتنظيم الإدارة في سوريا، نزل في حوران المكتظة بالذكريات وبأخبار ملوك الغساسنة والراهب بحيرا واجتماعه بـ النبي محمد الذي مر ببصرى، والناقة التي حملت النبي محمد إلى هذه المدينة، فعمل المسلمون جامع أسموه جامع مبرك الناقة، أو أول نسخة من القرآن وردت إليها(6).

مسجد مبرك الناقة

بحسب التقليد، أن في الزاوية الشمالية الشرقية لمدينة بصرى، وفي حدود المكان الذي كان يُعتقد أنه معسكر للفيلق الروماني/ البيزنطي. وحسب وبعض الروايات كانت تنوخ ناقة النبي محمد ﷺ في هذا المكان في إثناء السفر. فشَّيد على أرضه مسجد في مطلع الإسلام دعُي (مسجد مَبْرَك الناقة) أي المكان الذي نزل فيه الرسول محمد عندما جاء بصرى، وكذلك هو الموضع الذي كانت تبرك فيه الناقة التي حملت أول نسخة قرآن إلى سوريا وحُفظت فيه.

دير الراهب بحيرا في بصرى

(1) المصدر السابق نفسه، ص 486.

ويقول الأب متري هاجي أثناسيو أن التقليد الشعبي هو الذي أطلق على هذه الكنيسة أسم (دير بحيرا) على أسم الراهب الذي التقى بـ النبي محمد مع عمه أبي طالب. وبالجدير بالذكر أن ياقوت الحموي في معجم البلدان قد ذكره كذللك باسم دير بحيرا.

بتاريخ 1 – 12 من عام 1954 سجلت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية دير في منطقة بصرى الشام، المدينة القديمة بجوار الجامع الفاطمي وكنيسة القديسين سيرجيوس وباخوس، كموقع سياحي، وبينت دائرة الآثار أن الدير يعود للفترة البيزنطية وإن تاريخ إنشاءه يعود بناءه إلى نهاية القرن الرابع الميلادي، وهو من أقدم كنائس بصرى، ما زالت جدرانه باقية وكذلك الهيكل وأعلاه قوس في وسطه حيّتان، ويطلق السكان المحليون على الدير أسم دير الراهب بحيرا، نسبة إلى الرواية التي تقول أن راهب أسمه بحيرا كان يقيم في دير في بصرى الشام ألتقى بـ النبي محمد وتنبا له بالنبوة.

بُصرى أم دير القديسة كاثرين في سيناء

تجمع أغلب الكتابات في تحديد جغرافية تحرك النبي محمد مع أبي طالب مر يثرب نحو بلاد الشام، وتحديدًا في منطقة بُصرى، ولكن ما لفت نظري وجود خبر، أن النبي محمدًا التقى برحلة تجارته مع رهبان في سيناء، وتحديدًا في دير القديسة كاثرين(2).

المؤرخ المسيحي عزيز سوريال عطية (1898 – 1988م): إنه يقال إن محمدًا زار الدير خلال تجواله المبكر

خبر بحيرا في المصادر الإسلامية

وتعتبر رواية محمد بن إسحاق أكثر تواترًا، ولا تكاد تتفق مصادر الرواية حول هذه الشخصية، فهو حبر من الأحبار في بعض الروايات، وهو راهب من الرهبان في روايات أخرى، فقد ذكر ابن قتيبة في المعارف أن بحيرا هو جرجيس ويقال سرجس، كما يقال: جرجس، وكان حبرًا من أحبار يهود تيماء، كما قيل إنه كان نصرانيًا من عبد القيس، وهو ما ذهب إليه ابن إسحاق في مروياته. فيرى البعض: إذا كان هذا الخلط المتعلق بـ بحيرا يخرجه من مجال الوجود الحقيقي ويلحقه بمصاف الوجود التقديري، فإن ذلك يجعله شخصية رمزية. فـ بحيرا يرمز إلى من انتهى إليهم علم أهل الكتاب، وتوارثوه كابرًا عن كابر، وأفضى بمعارفه إلى العرب الذين حجبت الوثنية بينهم وبين هذه المعارف والأمارات التي نصّت عليها الديانات السماوية السابقة(2).

القصة في كتب السيرة

ثانيًا: تتفق الروايتان على أن بحيرا الراهب حذر ونبه أبو طالب من ضرورة المحافظة على هذا الغلام فأن له شأنا عظيمًا.

القصة في كتاب تهذيبِ السّيرة لابنِ هشام:

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ أَبَا طَالِب خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إلَى الشّام، فَلَمّا تَهَيَّأَ لِلرّحِيلِ وَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ صَبّ بِهِ رَسُولٌ اللّه ﷺ – فِيمَا يَزْعُمُونَ – فَرَقّ لَهُ (أبُو طَالِبٍ) وَقَالَ وَاللّهِ لَأَخْرُجَنّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ فَلَمّا نَزَلَ الرّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ، وَبِهِمَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ وَكَانَ إِلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصّوْمَعَةِ مُنْذَ قَطّ رَاهِبٌ إِلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ يَتَوَارَثَونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَى وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُكَلّمُهُمْ وَلَا يَعْرضُ لَهُمْ حَتّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ . فَلَمّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ يَزْعُمُونَ أنّهُ رَأى رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ فِي الرّكْب حَيْن أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ تُظِلّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْم. قَالَ ثُمّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ. فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حَيْنَ أظَلّتْ الشَّجَرَةُ، وَتَهَصّرَتْ أَغْصَانُ الشِّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللّه ﷺ حَتّى اسْتَظَلّ تَحْتَهَا. فَلَمّا رَآهُ بَحِيرَى جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ حَتّى إذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرّقُوا، قَامَ إلَيْهِ بَحِيرَى، فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَامُ أَسْأَلُك بحَقّ اللّاتِي وَالْعُزّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَإِنِّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ لِأَنّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا. فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: لَا تَسْأَلْنِي بِاللّاتِ وَالْعُزّى، فَوَاللهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطّ بُغْضَهُمَا ، فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى: فَبالِلّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمّا أَسْأَلُك عَنْهُ فَقَالَ لَهُ سَلْنِي عَمّا بَدَا لَك. فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ فِي نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يُخْبِرُهُ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ ثُمّ نَظَرَ إلَى ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النّبُوّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الّتِي عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى عَمّهِ أَبِي طَالِب فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْك؟ قَالَ ابْنِي. قَالَ لَهُ بَحِيرَى: مَا هُوَ بِابْنِك، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيّا؛ قَالَ فَإِنّهُ ابْنُ أَخِي؛ قَالَ فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ مَاتَ وَأُمّهُ حُبْلَى بِهِ قَالَ صَدَقْت، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيك إلَى بَلَدِهِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يَهُودَ فَوَاللّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنّهُ شَرّا، فَإِنّهُ كَائِنٌ لَابْنِ أَخِيك هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ فَأَسْرعْ بِهِ إلَى بلَادِهِ.

بحيرا في المصادر المسيحية

تعودُ أوّل إشارة للرّاهب (بحيرا) إلى مصادر مسيحيّة هي ما وردَ لدى راهب نشأ في البلاط الأموي أب عن جد، وهو يوحنّا الدمشقيّ (675 – 749م.) في مقالِه هَرْطَقَة المِئة ، وهو الفصلُ الأخير من كتابِه الهرطقات (باليونانيّة) الذي يُعدّد فيه مائة بدعة نشأت في المسيحيّة (حتّى عصرِه)، ويختمها بالهرطقة المائة هرطقةُ الإسماعيليّين أي (الإسلام). في مقالِه هذا يقول: من هذا العهد (عهد هرقليوس) وحتى أيّامنا هذه، قام فيما بينهم نبي منتحل (النبوة) اسمه محمد، والذي قد أنشأ هرطقته الخاصة بعد أن تعرّف بالصدفة على العهدين القديم والجديد، وبعد أن تحاور كما يبدو مع راهب آريوسي (2)

(2) يوحنا الدمشقي، الهرطقة المائة، بيروت، 1997، ص 49- 50.

ولو كان الدمشقي اطلع على مخطوطة بحيرا، أو كان هناك ذِكر لـ بحيرا في العصر الأموي لكان أشار لها تفصيلا، وتوسع بها، مما يعني أن كتاب أسطورة بحيرا لم يكن له وجود في العصر الأموي تمامًا، مما يؤيد رؤية المحققين في بيان زمن تأليفه للقرن التاسع الميلادي إبان عهد بني العباس.

كما وردَ ذكرُه أيضًا عندَ عبد المسيح بن إسحق الكنديّ (813 – 834م)، وهذا المصدر يعود تاريخه الذي ينسبونه إليه إلى القرن الثالث الهجري، كون هذه النسخة المتداولة يعود أصلها إلى كاهن طليطلي اسمه بيدرو ترجم رسالة الكندي هذه إلى اللاتينية في سنة 1142م، بأمر من بطرس المكرم. ومن هذه النسخة اللاتينية ترجمت إلى العربية في النسخ المتداولة عندنا.

النص الذي ذكره الكندي في رسائله

ففي رسالتِه إلى عبدِ اللهِ بن إسماعيل الهاشميّ، يقول: وذلك انه كان رجل من رهبان النصارى، يُعرف بسرجيوس، أحدث حدثًا أنكره عليه أصحابه، فحرموه وأخرجوه وقطعوه عن الدخول إلى الكنيسة، وامتنعوا من كلامه ومخاطبته، على ما جرت العادة منهم في مثل هذا الضرب. فندم على ما كان منه. فأراد أن يفعل فعلًا يكون له به تمحيص ذنبه وحجّة عند أصحابه النصارى. فصار إلى بلد تهامة، حتى أفضى إلى بريّة مكّة. فنظر البلد غالبًا عليه صنفان من الديانة، وكان الأكثر دين اليهوديّة، والآخر عبادة الأصنام. فلم يزل يتلطّف ويحتال بصاحبك حتى استماله. وتسمّى نسطوريوس، وذلك انه أراد، بتغيير اسمه، إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتديّن به. فلم يزل يخلو به ويكثر مجالسته ومحادثته، ويلقي إليه الشيء بعد الشيء، إلى أن أزاله عن عبادة الأصنام، ثم صيّره داعيًا وتلميذا له يدعو إلى دين نسطوريوس. فلما أحسّت اليهود بذلك ناصبته العداوة، فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى. فلم يزل يترقّى به الأمر إلى أن بلغ به ما بلغ. فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية والذبّ عنها، وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودّة، وان منهم قسيّسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون (1)

(1) محاورة بين عبد اللّٰه الهاشمي وعبد المسيح الكندي، في عهد الخليفة المأمون، ص 69 – 70.

القيمة العلمية لهذه المراسلات والعهود

وقد ناقش هذه النصوص من العهود لويس ساكو، فيقول: يظهر لنا أن هذه المراسلات والعهود بين النبي وايشوعياب هي خالية من الأساس التاريخي وتعود إلى عهود متأخرة، المصادر الإسلامية كـ ابن هشام لا تذكر شيئًا من هذا القبيل.

الفصل الخامس: تحقيق ودراسة مفاصل المخطوطة القراءة المسيحية للقرآن

كاتب الأسطورة مسلم متنصّر

هذه الأسطورة وتحديدًا قسمها القديم الذي يتحدث عن لقاء النبي محمد مع الراهب بحيرا والاستدلال بايات القران، توحي أن كاتبها مسلم قد تنصر، لما لديه من بعض الإلمام بآيات القران وعبارات التفسير الإسلامية، حيث إننا نجد في القرن العاشر الميلادي توجد شخصية مسلمة اعتنقت المسيحية وكانت تناضل بقوة في الرد على الإسلام وتستدل بالقران في نقض الإسلام، وهو الواضح بن رجا.

من هو الواضح بن رجا

ولد الواضح بن رجا مسلمًا يعيش في ديار الإسلام، وكان مهتمًا في معرفة الدين، حتى تأثر بالمسيحية واعتنقها، فدعي عند دخوله إلى المسيحية باسم بولس ، ويقال يوحنا ، وتعرض ابن رجا لمضايقات شديدة من عائلته وقومه بسبب ارتداده واعتناقه للمسيحية، فوجد في أحد أديرة وادي هبيب (وادي النطرون بمصر) ملجأً من وجه المضايقات التي تعرض لها من عائلته ومن أهل دينه، ليترهب بعد ذلك.

من هو ورقة بن نوفل

لا تكاد تعطي المصادر العربية والإسلامية المعلومات الكافية عن شخصية ورقة بن نوفل، وبقي الرجل مجهولًا في كثير من جوانب حياته، فحين تم تعريفه أنه ابن عم خديجة بنت خويلد، زوج النبي محمد، قيل في تعريفه أنه ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. لأن خديجة هي بنت خويلد بنت أسد. فيرتبطان مع النبي محمد بالجد الثالث لهما والجد الرابع للرسول الكريم قصي بن كلاب.

ولعل ورقة، قد تأثر بالفكر الرهباني، فلم يرد أن له عقبًا، مما يعنى أنه لم يتزوج، وسلك مسلك الرهبان.

هل كان ورقة يهوديًا أو متأثر باليهودية؟ أن النص الذي پرويه الطبري أن ورقة قال لـ خديجة حول ما رأى النبي محمد، هذا الناموس الذي أنزل على موسى (4) أو قد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة . وخاطب النبي محمد حين لقاه يطوف بالكعبة وحدثه: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى (5). والحكي النووي بالاتفاق على أن جبريل، يسمى الناموس وعلى أنه المراد هنا(6) فاستشهاد ورقة مباشرة بالتشبيه بموسى يكشف عن أنه مؤمن باليهودية أكثر من النصرانية.

برهان الدين البقاعي، بذل النصح والشفقة للتعريف بصحبة السيد ورقة، تحقيق، محمد نبيل طريفي، دار الفكر العربي، بيروت، 2003، ص23.

الدِّراسات السَّابقة

أولاً: الدراسة المهمة التي تحمل عنوان The Christian Bahira Legend أو أسطورة بحيرا النصرانية للمؤلف ريتشارد جوتهيل Richard Gottheil (1) وعنوانه يلخّص محتواه بأن قصة بحيرا ما هي إلا أسطورة نصرانية يقول في مقدمته ما يلي:

النصوص التي أنشرها هنا دليل دقيق على كيف يمكن تحريف تراث تاريخي بغرض الهجوم على أفكار شخص آخر. قصة الراهب النصراني بحيرا ولقاءه مع محمد جُعلت أساسًا لسلسلة من الرؤى النبوئية والنبوءات التي تهدف إلى إظهار أنه لم يكن هناك على الإطلاق أي شيء أصيل أو جديد في تعاليم النبي وأنه كان محتالًا لدودًا وأنه حُرِّض على ممارسة هذا الاحتيال من قبل معلمه الذي رغب – بهذه الطريقة – في تعريف العرب الجاهلين بإله واحد. وهو شكل من أشكال الجدال اللاهوتي الذي ليس بالغريب في أدب العصور الوسطى. وقد أدت قصة حياة يسوع الملفقة (حياة يشوع) غرضًا مشابها إلى حد ما بالنسبة لليهود.

(1) مؤلف الكتاب Richard Gottheil ريتشارد جوتهيل (1862 – 1936) يهودي صهيوني وكان أول رئيس للاتحاد الأمريكي للصهاينة وساهم في الاجتماعات التي مهدت لإنشاء الكيان الصهيوني، وبالرغم من ذلك كان صادقًا في ذكر حقيقة ما ورد في المخطوطات التي ترجمها وأنها من تأليف راهب مسيحي. فهو يُعد عالمًا ساميًا أمريكيًا صهيونيًا، له بحوث ومؤلفات عديدة في عدة مجالات، وبعد عام 1904 أصبح نائبا لرئيس الجمعية التاريخية اليهودية الأمريكية، كتب جوتهيل العديد من المقالات عن الأسئلة الشرقية واليهودية للصحف والمراجعات، وقام بتحرير سلسلة جامعة كولومبيا الشرقية، وسلسلة الدراسة السامية، وبعد عام 1901 كان واحدا من محرري الموسوعة اليهودية. وقد كتب الفصل الصهيوني الذي ترجم إلى اللغة العربية ونشره نجيب نصار في صحيفته الكرمل وأيضا في شكل كتاب في عام 1911. ونشر نص مخطوطة بحيرا السرياني هذا لأول مرة في (مجلة علم الآشوريات) المجلد 13 سنة 1898م، ص189 – 242، وطبع في كتاب مستقل سنة 1903م، والذي اعتمدت على ما نشره من مخطوطات عربية في هذه الدراسة التي بين يديك.

فهو يرى أن هذه الأسطورة مشابهة لما كتبه وألفه اليهود عن حياة السيد المسيح، وتلفيقهم القصص عنه واتهامهم الكاذب له أنه مهرطق ومبتدع وابن زنا.

أما المخطوطات التي تمت ترجمتها في تلك الدراسة فقد ذكر المؤلف أنه درس ثلاث مخطوطات سريانية وسبعة مخطوطات عربية. اثنتان من المخطوطات السريانية تعودان للقرن الثامن عشر وأقدمها تعود للقرن الرابع عشر على أقصى تقدير بينما الغالب أنها تعود للقرن السادس عشر. بينما معظم المخطوطات العربية تعود للفترة ما بين القرن الخامس عشر والسابع عشر وأقدمها يعود للقرن الثالث عشر. أي أن أقدم مخطوطة تمت كتابتها بعد حوالي ستة قرون من بعثة النبي محمد.

وهذه لائحة بالمخطوطات السريانية التي اعتمد عليها:

S مخطوطة حديثة، لكنّها الوحيدة الأكمل، مكتوبة بخطّ سرياني يعقوبيّ، وهي غالبًا نسخة عن مخطوطة قديمة أصليّة. تأثير اللغة العربيّة فيها واضح (في الأسماء، كاسم محمّد)، وكذلك اللاتينيّة (نادرًا).

Mh نسخة أقدم من السّابقة غير كاملة، يمكن تقدير تاريخ كتابتها بين القرنين 14 و15. مكتوبة بخطّ سرطو نسطوريّ. تمتاز هذه المخطوطة بحواش موجّهة ضدّ المحمّديّين، (أي المسلمين).

Ms C: وهي خاصّة السيّد أ. يوحنّان مدرّس اللغات الشرقية في جامعة كولومبيا مخطوطة حديثة مكتوبة بخطّ نسطوريّ دقيق.

أما بالنسبة للمخطوطات العربيّة المتعلّقة بهذه الأسطورة، فيوجد منها 7 في المكتبات الأوروبيّة:

– مخطوط المكتبة الوطنيّة في باريس (عربي 215): يعود إلى سنة 1590.

– مخطوط المكتبة الوطنيّة في باريس (عربي 70): من القرن الخامس عشر.

– مخطوط المكتبة الوطنيّة في باريس (عربي 71): نسخة مكتوبة في القرن السّابع عشر، وهي نسخة ممتازة تُقرأ بسهولة.

– مخطوط المكتبة الوطنيّة في باريس (عربي 258): القرن الخامس عشر. الكتابة سيّئة.

– مخطوط Gotha (عربيّ 2875): كتابة ممتازة من القرن الثالث عشر.

– مخطوط Bodleian 199: نسخة مكتوبة على الورق.

– مخطوط المكتبة الفاتيكانيّة 199: مكتوبة في سنة 1594.

أما عن محتوى تلك المخطوطات فيقول جوتهيل أن هذا الكتاب القصصي ظهر وعرف في جماعة سريانية تعيش في بلاد العجم (فارسية)، وأنه قد كُتب في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي أو في مطلع القرن الثاني عشر، ما عدا القسم الثاني الذي هو أقدم عهدا.

يُقسم النصّ السريانيّ إلى ثلاثة أقسام واضحة، يُحدّثنا الأوّل منها عن لقاء كاتب النصّ ويُدعى إيشوعياب (بالسريانيّة يعني عطيّة يسوع أو عطا يسوع ) بـ بَحيرا الذي يخبرُه عن حياتِه والاضطهاد الذي تعرّضَ له في بيث آرامايي (منطقة الآراميّين في العراق) وهربه ومجيئه بلاد الإسماعيليّين (يعني العرب في جنوب سورية)، وعن رؤياه النبويّة على جبل سيناء ولقائه بالإمبراطور موريق والملك كسرى. وينهي الكاتب هذا المقطع بموت الرّاهب بعدَ سبعة أيّام من ذلك اللقاء.

يصبح النصّ في القسم الثّاني على شكل محاورة فيها أسئلة وأجوبة بين الرّاهب بَحيرا ومحمّد الذي يلتقي به حينَ رافقَ عمّه أبا طالب في إحدى رحلاته التجاريّة في بلاد الشّام وهو ما يزال في الثانية عشرة من العمر. هذا القسم الثّاني شبيهٌ بما وردَ في القصّة عندَ ابن هشام وغيره من المصادر الإسلاميّة، حين يلتقي الرّاهبُ بـ محمّدٍ فيسأله وهذا يجيبه، وقد يكون هذا القسم أقدم أقسام النصّ مضمونًا.

فأمّا القسم الثّالث والأخير فيُمكن أن ننسبَه إلى الأدب الدّينيّ الرؤيويّ، فهو بتضمّن مجموعة من التنبّؤات الرؤيويّة في مستقبل العالم الإسلاميّ وانتشارِه حتّى ظهور المسيح الثّاني. وفيه اختصارٌ لما وردَ من رؤى على جبل سيناء.

ثانيًا: رسالة ماجستير من جامعة برمنجهام للباحث عبد الأحد شابو(2) قامَ عبد الأحد ملكي شابو بدراسة مخطوطين آخرين غير ما ذُكرَ أعلاه، أحدهما سريانيّ أكتشفَ في ديرِ الزّعفران بالقربِ من مدينة ماردين (تركيّا) وهو أقدم من المخطوطات الثلاثة المذكورة آنفًا والتي اعتمدَ عليها الباحث Richard Gottheil، والآخر كرشونيّ (عربي بحروف سريانيّة) موجود في مخطوطات جامعة برمنجهام، معروف باسم (Mingana Ms 107). ولم يتردد في القول بأن تاريخ هذه المخطوطة أو الأسطورة هو القرن التاسع الميلادي.

ثالثًا: دراسة الدكتورة باربرا روجيما(3) الباحثة في قسم الدراسات اللاهوتية بجامعة برمنجهام بعنوان أسطورة سرجيوس بحيرا: دفاعيات وتنبؤات المسيحية الشرقية في الرد على الإسلام حيث توضح أن قصة الراهب بحيرا وتلمذته للرسول ما هي إلا قصص من تأليف المسيحيين للرد على الإسلام وأصوله.

رابعًا: بحيرا في الأدب السرياني مخطوطة ماردين (2) السريانية، قصة اللقاء بين الراهب بحيرا ومحمد كما هو، بقلم ابجار باهكو، وهذا الباحث هو سرياني حاصل على شهادة الدكتوراه من المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما، قام بدراسة النص السرياني لمخطوطة ماردين السريانية 259 / 2 وترجمها من اللغة السريانية إلى اللغة الإنكليزية، كتب مقدمة للنص وما هي ردود المسيحيين الشرقيين على مجيء الإسلام، وقام بفحص محتوى الحوار المزعوم الذي دار بين النبي محمد وبحيرا، واستكشاف السياق الجدلي والديني لأسطورة بحيرا، ومن ثم عمل على ترجمتها للإنكليزية ووضع حواشي لها(1).

خامسًا: الباحث سيمون جرجي، في بحثه الموسوم أسطورةُ الرّاهب بحيرا في المصادر المسيحيّة والإسلاميّة، المنشور سنة 2010م، وهذا البحث هو عبارة عن أوراق مختصرة وقليلة ولكنها تلخص ما ورد في المصادر أعلاه إضافة لنقله النص الإسلامي عن سيرة ابن هشام، ومراجعته لبعض المصادر الأخرى ولكنه كان يعرض الأفكار التي طُرحت في المصادر أعلاه، ويوظفها بطريقة جيدة ويعرض قناعته وفكرته من قراءته للأسطورة في هذه المصادر.

من الواضح جدًا أن كاتب هذه الأسطورة راهب مسيحي، من مسيحيي العراق، بعيش في المنطقة القريبة من الموصل، بين العراق وبلاد الشام، وهو ما يكشفه في ثنايا الكلام، من نطقه لمفردات سريانية باللهجة العراقية.

وضع الكاتب أو الناسخ أسم للمخطوطة أو الكتاب هو خبر بحيرا الراهب مع الرجل الأعرابي .

وقع الكاتب في خطأ جوهري فأراد أن يركز على الثالوث متصورًا أن صلاة المسلمين ثلاث ركعات، فقال أنه علم محمد الصلاة ثلاثا ثلاثا من أجل أن تكون الصلاة للثالوث المقدس.

أود أن أختم التحقيق ببعض الملاحظات المهمة أوجهها لمن يشكك بصدق النبي محمد ﷺ، فأقول:

لو كان النبي محمد يتردد على بحيرا المزعوم أو غيره، ويقيم عنده ويتعلم منه، لأيام وليال بل وسنوات حسب مفاد هذه المخطوطة أو الأسطورة، فهل من المعقول أن شخص من أسرة معروفة متميزة في مكة لها مكانتها ووجاهتها في قريش، أن ابنها يلازم راهبًا لفترة طويلة ولا يعرف بذلك أحد، حتى أقاربه وأهله.

اضطهدت قريش النبي محمد وأغلب عمومته، إذ أن النبي محمد كان في كفالة عمه شيخ الأباطح، أبي طالب، وقد سببت دعوته عليه الصلاة والسلام، لعمه ولبني هاشم عامة إحراجًا عظيمًا، خسروا بسببها زعامتهم في قريش، وعُزِلوا عن المجتمع المكي، وحوربوا على جميع الأصعدة، فلو كانوا قد اكتشفوا دجلًا منه من خلال ارتباطه بالرهبان، أو الكهان، ونحوهم، لنبذوه ولم يتحملوا المحنة العصيبة بسببه.

كيف يمكن لاحد أن يتصور إن إنسانًا يعيش في تلك العصور المظلمة، وفي ذلك المجتمع الجاهلي المتوحش يتعامل بهذه الدقة مع قضايا حساسة شغلت الفلاسفة والعلماء في كل عصر، فنرى القرآن الكريم تحدث كثيرًا عن موضوع التوحيد، وصفات الباري سبحانه بدقة متناهية من دون أن يحيد عن الحقيقة، وينسجم طرحه مع العقل والبرهان.

التشريع الشامل لمختلف جوانب الحياة، وشؤون الأفراد والمجتمع من الطقوس العبادية، والتشريعات في مجال العلاقات العامة والخاصة، وتهذيب النفس، وغير ذلك، حيث لا يعقل أن يبتكر كلَّ ذلك شخص قبل أربعة عشر قرنا ينتمي إلى مجتمع يتجذر التخلف في أعماقه.

النص العربي

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، نبتدئ بعون اللّٰه تعالى وحسن توفيقه(2) بنسخ خبر بحيره الراهب(3) مع الرجل الأعرابي(4)، حكاه عن نفسه لمرهب الراهب بسلام(5) من الرب آمين.

قال(6): أنا مرهب الخاطئ بينما(7) أنا أدور في البريّة(8) زَمَانًا طويلا إذ ق نظرت عن بعيد(1) ديرًا عظيمًا قصدته، فلما أتيت إليه، فوجدت فيه راهبًا شيخًا، يسمى بحيره، فلما رآني سَلّمَ عليّ، وفرح بي جدًا، وقال: سبحان اللّٰه الذي أوراني (أراني) وجهك في هذا اليوم المبارك، فإنّ ليَّ اليوم أربعون سنة لم يكن رأيت وجه نصراني غيرك.

والآن قد(2) علمتُ وتحققتُ أنه قد فُنيت حياتي، وقربت وفاتي، والله سبحانه آتا (أتى) بك إلى ها هنا، لتعلم كل خبري لتخبر به المؤمنين وبما جرى لي بهذا المكان، أعلمك يا أخي إنني رجل خاطئ من أهل انطاكية، فمضيت في بعض الأيام إلى جبل طور سينا (سيناء) لأتبرك(3) بِآثار القديسين، وآخذ بركة صلوات(4) الرهبان المقيمين هناك.

فلما وصلت إليهم صليت في تلك المواضع المقدسة، فقال لي بعض الشيوخ الرهبان: يا أخي، قلت له: لبيك، أيها الرجل الصالح، (قال:) سوف يظهر اللّٰه لك شرًا عظيمًا(6)، حين تخرج من هذا المكان. فقلتُ له: تكون إرادة اللّٰه تعالى، ثم إني قضيتُ ما عليَّ من الريادة، وخرجت من ذلك المكان.

فلما صرتُ برا(7) الجبل نظرتُ نورًا عظيمًا، لم يُرى بمثله، وملايكة (ملائكة) كثير(8) وأبصرتُ صليبًا عظيمًا(9) يضيء على الأرض كلها، مثل(5) الشمس سبعة أضعاف، وملاكًا عظيمًا(11)، ففزعتُ لذلك فزعًا شديدًا، فقال لي الملاك: لا تخاف. وأبصرتُ أربعة(12) رؤوس أرواح تحرك بعضها لبعض وأبصرتُ(1) أسدًا أبيض قد(2) أقبل من جوا(3) البريّة فأكل(4) الشرق والغرب، والبريّة والشام،(5) وشرب ما (ماء) البحر وانحدر إلى الغرب، وفي رأسه اثنا عشر قرنًا(6)، فقال لي الملاك: هذا ملك بني إسماعيل(7) ثم(8) أبصرتُ دابة سودة(9) (سوداء) فأكلت(10) الشرق(11) والغرب(12) ولها ثلاثة قرون.

فقال ليَّ الملاك: هذا ملك بني هاشم ابن محمد، وأبصرتُ نورًا قد أقبل من البريّة(13) البريّة(14) وله خمسة قرون، فأكل أربع(15) أطراف الدنيا، واخدر(16) (وانحدر) إلى الموصل. فقلتُ للملاك: ما هذا؟ فقالت(17) (فقال) لي: هذا ملك المهدي ابن عليّ وفاطمة. وكما أن التور (النور) متضع هادئ(18) كذلك(19) وافاه، كذلك يكون ملكه متضعًا هاديًا، وكما أن الأسد يكسر ما(20) صاحب الأسد، لا يقف بين يديه أحدًا يقاتله(21)، ولهذا المهدي تترجا (تترجى) قبائل بني إسماعيل وبه(1) يتم ملك العرب.

وأبصرتُ أيضًا نمر(2) قد أقبل من الغرب(3) يجري لابسًا لباس من الدم. فقلتُ للملاك: ما(4) هذا؟ فقال لي(5): ملك بني شفيان (سفيان) الذي يبيد بني إسماعيل بالسيف. وأبصرتُ أيضًا تيس من المعزى، قد أقبل من الغرب، وبلغ إلى بيت المقدس، فقلتُ للملاك: مَنْ(6) هذا؟ فقال لي: ملك القطرانيين(7) الذين(8)هم بني يقطان(9) (يقظان).

وأبصرتُ أيضًا أسدًا يزير (يزأر)، قد أقبل من البريّة بقوة عظيمة، فأكل الكلّ(10) ووطئ الكل، ولم يقف بين يديه شيء. فقلتُ للملاك: ما(11) هذا؟ فقال لي: هذا هو الذي يسمى المهدي ابن عايشة (عائشة) في ذلك الزمان، وفي أيامه تكون شدة(12) عظيمة لم يكن مثلها في العالم.

وأيضًا أبصرتُ(13) رجلا لابسًا لباس أخضر، فقلتُ للملاك: ما(14) هذا؟ فقال لي: هذا ملك بني إسماعيل الأخير، الذي يكون(15) فيه فناهم. وأيضًا أبصرتُ مركبة مزينة بكل حسن، فقلتُ للملاك: ما هذه(16) فقال لي: هذا ملك الروم الذي يملك على الأرض كلها إلى(1) آخر المملكات. وأيضًا أبصرتُ تنينّا عظيمًا فتح فاه، وبلع(3) الجميع بلا شفقة، ولا رحمة، ولا –

وفي بعض الأيام، كنتُ واقف(6) على البير أستقى الماء(7)، يعد (بعد) حديثي(8) معهم بثلثة(9) (بثلاثة) سوابيع(10) من الأيام حتى(11) أبصرتهم(12) مقبلين إليّ، ومعهم حذث شاب(13) فصيح، شهيم، شئيط(14) (سليط)(15)، مترأأس (مُترّأسًا)، عاقلا، أديبًا، فَهِمًا، يأمر الجمّالين(16) وينهاهم، وكذلك(17) التجار(18) يقبلون منه.

فقلتُ في سريّ(19)، واستخرت(20) ربي(21)، وحرزت عليه، وقلت ينبغي يكون(1) هذا الرجل(2) يتروس(3) (يترأس) على(4) بني اسمعيل(5) ويكون ملكا عليهم، ويُكّوّن(6) للدولة(7) لأنه شاب(8) نسبته(9) (تناسبه) الرياسة، فإنّ له(10) حرصة (حرص) وصولة.

فقلتُ: يا فتى، ما اسمك؟ فقال(11): محمد. فقلتُ له: أنت(12) صاحب المُلك، والسلطان، ولك تكون الدولة، واسمك(13) هو المذكور، وإليك(14) تكون القبايل والشعوب، ويكون اسمك يذكر في(16) أقطار الأرض، وخبرك ينتشر(17) في جميع(18) الدنيا، ويرى كل من يذكر اسمك وعظمه(19) يكون(20) قد قرّب قربانًا لله نقيًا زكيا.

ثم أشرت عليه بالأنصراف(21) مع أصحابه، والرجوع إليَّ(22) بعد ذلك وحده حتى أُعَرِّفَهُ(1) وأوقفه على كلما(2) يريد(3) أن(4) يعمله فاتصرت(5) (فانصرف) الغلام مع(6) الأعراب الذين كانوا معه وهم حزانا(7) وقد امتلوا (امتلأوا) عليه حسدًا(8)

فأجبت وقلت له: لا لعمري ما تنصرف مخسرًا، بل تغلب وتنتصر، وتملك سوابيع مسبعة، وتزيل أهل بيتك وجميع(9) قومك عن(10) سجودهم للأصنام إلى السجودلله(11) تعالى وحده.

فقال لي: فأنت(1) لأي رب(2) تعبد؟ فقلت له: لله الأزليّ، خالق السموات(3) والأرض، وما بينهما. فقال لي: ومن هو هذا حتى نعرفه، ونعرف به؟ فقلت له: اللّٰه الأزلي الحي الذي لا يموت، الثالوث الواحد القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحدة الصاباوت (الصباؤوت)، الخالق الناطق بكلمته للكل، الحي المُحيي بروحه، الثالوث في أقانيمه، واحد(5) في جوهره.

فقال لي: هذا تقليد عظيم(6) حكيم ما تضبطه(7) عقول قومي(8)، ولا تفهمه، أريد أن تقصر لي على مختصر الامانة(9)، وفضل الامانة؟ فقلت له: القصد، المعبود كلمة اللّٰه الخالقة(5) الأزلية، الواحد في الجوهر مع الآب وروح القدس، المجدا(11) (الممجد) الذي نزل من السماء(12) وتجسد من روح القدس، ومن مريم العدرى (العذراء)، وعمل الآيات، وصعد إلى السموات(13)، ويأتي أيضًا(14) ليدين الحيا (الأحياء) والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء، ولا زوال.

فقال لي: إن بسرت(15) (بَشرّت) أنا بهذه الكلمة والروح يتم ني؟ فقلت له(16): وكيف لا يتم، وقد بَشّر بهذا مَن كان قبلك من الأنبياء الذين لا يُشَكّ(17) فيهم(1) ولا يرتاب(2) في قولهم. فتم أمرهم(3) وكَبُرَ شأنهم، وشُكِرَ فعلهم، وصحَّ مجى (مجيء) المسيح قولهم بتمام(4) فعل المسيح في الأرض. وأنت تصحح وآياته(6)، وقيامته(7)، وطلوعه إلى السماء(8) فيكون(9) قولك(10) مصدقًا(11) عند الأمم والشعوب، ما خلا اليهود الملاعين، فأنهم يكذبون قايلين(12) (قائلين): أنه(13) لم يأت(14) بعد، لأن(15) الذي أتى(16) ببدع فصلبناه، وقتلناه، وأبدناه، وهم في هذا كاذبون، ومن مكرهم أنهم اعتدوا(17) لكل(18) الأمم، وما(19) اتفق اثنين(20) منهم على رجل إلّا دبرّا(21) في قتله.

فقلتُ له: أحسنَ اللهُ جزاك، وبارك لك فيما أعطاك(5) فقد قلتَ(6) ما أنت من أهله. فقال لي(7): قد بقي عليّ شدة، كيف تقبلني أهلي(8)، وبين (وبنو) قومي، وتقبلني(9) (ويقبلوني) عليهم ملكًا، وأنا عندهم(5) حقيرًا فقيرًا، لأني يتيم، عند عمي أبي طالب مُقيم.

فقلتُ له: إدّعيّ النبوة أولًا يديا(11) (بدءًا) فهي(12) تفتح لك الباب، وتدخل الدار، فإذا أنت دخلت كنت المحير(13) (المخيّر)، فهو أصلح لك، وأرشد، وأصوب، لأنه قد تنبأ أنبياء فقرا حقرا(14) ادنيا (فقراء حقراء أدنياء) مثل داوود النبي، الذي لم يكن في أخوته أدنى(15) منه [ولا](16) أحقر(17)، ولا أفقر، وقيد (وقُبلَ) ولم يُكَذَّب، ولم(1) يُخالَف، وكذلك أنت ليس(2) أحدا يكذبك، ولا يخالفك، إذا قلتَ: أني رسول الله(3) إليكم.

فقال لي: كيف يصدقوني، وأنا(4) لا كتابًا بيدي. فقلتُ له: أنا أعلُّمكَ في الليل(5) وتعرفهم أنت في النهار، وتقول لهم: أن(6) جبراييل (جبرائيل) يخبرني، وأنا أعرّفك(7) بما يعلمني. وقلت له(8): عليّ أن أكتب لك على يدك، ما تحتاج إليه(9)، وأقول لك كل مسألة(10) يسألونك(11) عنهم، من معقول وغيره، والقفك العلم والمسايل (والمسائل)، إن شيت (شئت) من الكتب، وأن شيت (شئت) من المعقول إن شا (شاء) اللّٰه تعالى. فقال لي: ابتدئ واكتب لي شيء أقوله وأتعلمه.

فكتبت(12) له: بسم اللاهوت(13) الرحمن الرحيم، أعني بذلك الثالوث الموحد(14) القدوس، لأن(15) الإله هو الآب والنور الأزلي، والرحمن هو الابن الذي رحم(16) الشعوب، واستراهم (وافتداهم) بدمه المقدس، والرحيم هو الروح(17) القدس الذي سبغت رحمته على الكل، وسكن في كل(18) المؤمنين، وعلمته أشياء تقربه(1) إلى الإيمان الصحيح.

فقال لي: أرأيت(5) إن أمرتَهُم بالصلاة وهم لا يطيقونها، لأنهم لم يعتادوا فكيف أعمل.

فقلتُ له: تَصُّفهم(5) صفًا صفّا وراك، وأنت قدامهم، وإذا كثروا صفوفًا فتقدم(7) أنت أمامهم تصلي(8) بهم. فإذا أنت نكست رأسك نكسوا(9) رؤوسهم، وإذا أنت رفعت، رفعوا رؤوسهم، وإذا سجدت سجدوا، وإذا قمت قاموا، فأنهم(10) يتعلمون(11) ويعتادون(12)، وهذا(13) ليس فيه تعب ولا(14) نضب (نصب)(15)، فيكون التعب على الذي بين أيديهم، وترسم لهم تلتة (ثلاثة) ركعات في كل صلاة، ليلا (لئلّا) يضجروا فيهربوا.

ورسمتُ له(16) كل(17) أمور صلاة ثالوثًا، وعلّمته في الصلاة كيف يصلي، وجعلت بدايتها(1) ثالوثا، أول ما(2) يقوم للصلاة(3) يبسط يديه، ويقيمه عند أذنيه، تحقيقًا للثالوث، ورأس(4) الإيمان.

ثم قلت له: ليس يجوز(1) صوم، ولا صلاة إلّا بالطهر(18) والاغتسال بالماء.

ثم قال لي: فكم أفرض عليهم من صلاة(10) في كل يوم(11)، وهم قوم لم(12) يعتادوا بصلاة(13)؟ قلت له: أفرض عليهم سبع صلوات في كل يوم، مثلما(15) النصارى يقرأوا(16) لكل صلاة مزمور كبير، بتلة(17) (بثلاثة) تمجيدات، وترويحة(1). ثم يجتمعون للصلاة بكثرة(2) السجود والوتر.

فقال لي: ما(3) يطيقون(4)، ولا يقدرون(5)، ولا يطيعوني(6)، ولا يقبلون. مثل هذا كله(7) فقلت له: قصرّ لهم الصلاة(8) تلاتة (ثلاثة) دفعات بركوع، ولا تزيد عليها، ولا تنقص منها، كما(9) وصفت لك(10)، ولكن تكون سبع صلوات في سبع أوقات تعرفونها.

أولها: قبل الصبح بثلاثة(11) ساعات يقال عندنا صلاة سحر، واسميها(12) لهم صلاة(13) الفجر، والثانية: أول ساعة من النهار، يقال لها عندنا الصلاة الأولى. تسميها(14) أنت لهم صلاة الصبح.(15) والثالثة: عندنا في ثالث ساعة من النهار تسميها أنت لهم صلاة الضحا (الضحى). والرابعة: في(16) سادس ساعة من النهار(17) يقال لها عندنا السادسة، سميها(18) لهم صلاة الظهر(19). والخامسة(1): عندنا(2) في تسع(3) ساعات من النهار(4)، يقال لها عندنا التاسعة(5)، سميها(6) أنت لهم صلاة العصر. والسادسة(7) آخر النهار تسما (تسمى) عندنا صلاة الغروب، سميها أنت لهم صلاة المغرب والسابعة(10) بعد المساء، وهي عندنا صلاة النوم(12) اسميها(13) أنت لهم صلاة العشاء(14).

ثم(4) رجع إليّ(5) وذكر أنه قد أمرهم بالسجود إلى الشرق(6) والصلاة(7) إليه، فقاموا عليه(8)، وقالوا:(9) لا نطاوعك وندع قبلتنا التي(10) نعرفها نحن واباينا(11) (وآبائنا) من قبلنا، ونصلي إلى غيرها، وشعثوا عليَّ(12). فقلت له: قول لهم قد أمرني اللّٰه أن(13) تصلّوا إلى مكة(14)، فصلّى معهم إليها(15).

وعرفته أشياء، وعرفته أمور، وأوقفته على السباب (الأسباب)، وحرصت(8) أن يكون ما يلا (مائلًا) إلى الإيمان المستقيم، وإلى الحق المبين اليقين، وإلى الإيمان(9) الصحيح المنير، وأكدت(5) عليه في أمر سيدنا(11) وربنا المسيح، ومجيه (ومجيئه)، وأنه(12) كلمة اللّٰه، وروحه.

وعلمتُ أن هذا الغلام سيملك، ويكون له دولة منيعة(5)، وسلطان(6) عظيم، وقوة كبيرة، وذكر(7) منتشر في أقطار العالم(8) بما قد رأيته(9) له من الرؤيا في طور سينا (سيناء)، وبما قد قرأته(10) من التورات (التوراة)، وما ذكره(11) متاديوس، وما قرأته في(12) كتب أُخر(13) سيكون له(14) مُلكًا عظيمًا، ودولة عظيمة كبيرة(15).

وتنتشر بنو إسماعيل في الأرض(16)، ولا يقف بين يديهم(17) أحدًا من الملوك يقاتلهم(18) حتى تتم دولتهم، وتنفضي مدتهم، ويفنى سلطانهم.

فقلت له: قد كتبت لك كتابًا محكمًا(15)، فيه جميع ما تحتاج إليه من مسائل، وأخبار، وقصص الأنبياء، والصديقين، وحديث الشهداء، والصالحين، ومواعظ(16) حسنة، وشهادات بيّنة(17)، تُثّبت(18) لك النبوة، والرسالة(19)، وما(20) وعند ذلك يوخد (يؤخذ) ملكهم(2) ويعطى المهدي ابن علىّ، ابن فاطمة(4)، ويجيء(5) إليهم من الغرب، من جبل نانوس(6)، ويكافئهم مثل عمالهم(7) (أعمالهم)(8)، ويقع مدن، واصوارها (وأسوارها)، وحصونها، وتصير لطير السماء مسكنًا، ويتم عليها قول داوود النبي(9): الويل لك يا بابل، الويل لك يا شنعار، ومدينة الكلدانيين.

ويكون(10) في أيام المهدي ابن فاطمة، خلاص، وسلام(11)، لم يكون في العالم مثله، وهو يحفظ وصية محمد أبيه(12)، وبنوه من بعده(13)، ويكون من محمد الأول إلى محمد الاخر (الأخير)، الذي فيه يتم ملكهم، أربعة وعشرون ملكًا من بني محمد.

(7) فأما أنا، مرهب الراهب(8)، أقمت في الدير مع بحيره (بحيرا)، مدة طويلة، وحدثني، ووصف لي(10) هذه القصة، وكل هذا الخبر رأيته(11) وشاهدته، وبيّن(12) لي أحواله، وأسبابه(13)، وتحقيقه بأمره بين يديه، وقال(14) لي: لا تلومني أنت، ولا(15) يلمني الذي يسمعه، فيما قد فعلته، ووضعت.

قال مرهب: بعد فروغ النبوة (النبوءة) التي تنبأ بها بحيره (بحيرا)، تنهد، وبكا (وبكى) على ما فعله، من الخطيئة المخالفة لله، فبكيت عليه، وقلت: اللّٰه يرحم عبيده الذي (الذين) يؤمنون بقيامته.

وخرجت من(1) الجزاف (الخراف) شبه الظال(2)، وبقيت(3) مديون بخطيئتي الذي فعلتها مع ربي، وإلهي، وبقولي عنه(4) ما لم يؤمرني به في(5) النبوة، في م(6) هذا الرجل المدّعي(7) النبوة، والرسالة، وذلك بقولي له، والباب الذي فتحته له على نفسي، وعلى غيري، وهو أشد الأبواب.

وجعلت(8) الباطل حقًا، وحققت المحال، وألقيت على خراف المسيح(9) ذئاب ناهشة، وأفاعي(11)، وسباع كاسرة، وألقيت على الشعب السليم، شعب(12) مارد خبيث. وجعلتهم منكسين رؤوسهم(13) تحت ملك غيرهم، وألزمتهم أيضًا جزية يؤدوها(14) طول أيام حياتهم، ونكدت عليهم عيشتهم.

وعملت أيضًا أنه عرج به إلى السماء، وعرّفته ما كنت رأيته وقت طلع بى الملاك إلى السماء. ووصفت له كل شيء(8) حتى(9) لم أُبقي(10) شيء إلَّا وعرفته إياه. وجعلته يقول لهم إني ركبت البراق إلى بيت المقدس(11) وأنها سألته أن يعفوا عن ذنبها(13)، مشرة له لكلامها(15)، وأشياء في هذا الموضع من الخلف عليهم اختصرت(16) في ذكرها من جبرائيل، وغيره، وشد البراق لئلا يهرب.

فلما قال لأصحابه هذه المقالة(17)، كذّبوه، وقالوا له:(18) ما نريد أن تصف لنا صفة(19) السماء، وصف(20) لنا صفة بيت(21) المقدس، وما فيها.

فقال لهم:(1) مهلوني إلى أن أسأل(2) ربي، فأجابوه إلى(3) ذلك، وأتى إليَّ، وهو حزين(4). فقال لي: قد عرفتهم، ولم(5) يقبلوا مني طلبوا مني صفة بيت المقدس، فوصفت(7) له صفة(8) بيت المقدس عن آخرها. وقلت له: تقول(9) لهم: إني سألت ربي فوعدني(5) يرسلها على جناح جبرائيل حتى أصفها لكم شيء شيء، وفعل ما أمرته به.

فأنا مرهب(12) الخاطئ، أقمت في الدير مع بحيره(13) الراهب، زمانًا طويلا(14)، وحدثني، ووصف لي هذه القصة، وهذا الخبر كله(15)، عن آخره، ورأيته، وشاهدته، وثبتت(16) أحواله، واشياته(17) (وأشيائه)، وبين يديه كتبته، وبأمره نظمته(18).

النص العربي الثاني: الذي نشره القمص زكريا بطرس

المخطوطة المزعومة مكتوبة على ورق مسطر بانتظام، وبقلم حبر جاف لم يكن قد اخترع حتى قبل مائة عام. ولا نجد من آثار الزمن إلا اصفرار الورق الذي اختير بهذا اللون ليوحي بقدمه لمن لا يستخدم عقله في الحكم على ما يسمع ويرى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

Exit mobile version