بسم الله الرحمن الرحيم
البُرهان على وحي القرآن الكريم
صلب المسيح وعسل النَّحل!
هل اقتبس القرآن الكريم من اليهود والنصارى؟!
أمية النبي ﷺ وضآلة الثقافة الكتابية في بيئته: أثبتت الدلائل التاريخية القاطعة أمية النبي ﷺ وعدم امتلاكه الأدوات اللغوية أو العلمية للاطلاع على الأسفار، مع انعدام وجود أي ترجمات عربية مدونة للكتاب المقدس أو الأسفار غير القانونية في الجزيرة العربية زمن البعثة.
استحالة النقل عبر اللقاءات العارضة: اللقاءات التاريخية القليلة أو العارضة (مثل لقاء بحيرا الراهب أو ورقة بن نوفل) كانت خاطفة وقصيرة جداً، ويستحيل عقلاً أن يترتب عليها هذا الكم الهائل والموسوعي من المعارف والتشريعات القرآنية.
تأخر تأليف وتدوين المصادر المزعومة: أثبتت الدراسات النقدية والأكاديمية أن غالبية المصادر والأناجيل الأبوكريفية والترجومات التي ادعى المستشرقون الاقتباس منها أُلفّت أو كُتبت في أزمنة متأخرة بعد ظهور الإسلام، وتأثرت هي نفسها بالثقافة والمصطلحات الإسلامية.
تصحيح القرآن للأخطاء الكتابية وتنزهه عن الخرافات: تُثبت المقارنة العلمية بين النصوص أن القرآن جاء مصححاً للأخطاء التاريخية والعقدية الواردة في التوراة والأناجيل والتلمود (مثل تفاصيل قصص الأنبياء كقصة موسى عليه السلام مع فرعون والسحرة)، وعرض القضايا بمنهج توحيدي صافٍ خالٍ من التناقضات.
استحالة الانتقاء البشري الخارق: تقتضي دعوى الاقتباس افتراض قدرة بشرية غير ممكنة على عزل وتنقية الصواب الدقيق تاريخياً وعلمياً من بين ركام هائل من الخرافات والأساطير المتراكمة في التراث القديم، وهو ما يستلزم إلهاماً وتسديداً إلهياً.
طبيعة الخطاب القرآني (لسان المهيمن والمصحّح): يخاطب القرآن أهل الكتاب بلسان الأستاذ والمشرف والموبّخ لهم على تحريفاتهم ومغالطاتهم، وليس بلسان التلميذ الناقل؛ ولو كان متعلماً منهم لاستغل أعداؤه من كفار مكة واليهود ذلك لإبطال دعوته فوراً.
عجز الخصوم عن تقديم طريق أو سند للنقل: فشل المنصرون والمستشرقون في تقديم دليل تاريخي أو مسار علمي واحد يثبت كيفية وصول تلك النصوص والأسفار إلى النبي ﷺ أو كيفية أخذها عنها.
كان حديثُ القرآن عن النصرانية، رغم قلّة ألفاظه، دقيقًا، مع قربه من فهم السامعين.
وهو الأمر الذي عدّه القاضي عبد الجبار، من جليل معجزات القرآن؛ فقد قال إنّ من آيات الرسول -ﷺ-: “وتجده ﷺ وقد حكى حقيقة مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى أهلها، ولا من المتكلّفين، ولا كانت مكّةُ والحجاز إذ ذاك بلادًا فيها شيءٌ من هذا، فانتشر هذا عنه ﷺ، وفتّش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا الأمر كما قال وكما فصّل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما أكثرَ ما تَلْقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح إنّه الله، ولا قلنا: إنّ الله ثالث ثلاثة، ومَن حكى هذا عنّا فقد أخطأ وكذَب ليُعلَم أنّ وقوف محمد ﷺ إنّما هو من قبل اللّه عز وجل، وأنّ ذلك من آياته“.
القاضي عبد الجبّار، تثبيت دلائل النبوّة، تحقيق: عبد الكريم عثمان (بيروت: دار العربية، 1386هـ / 1966م)، 1/ 91.
ومن الطبيعة اللافتة للمادة العقدية القرآنية أنّها تتجاوز الطابعَ البراغماتي؛ فالنصُ القرآني قد يفتح مساحاتٍ للجدل مع أهل الكتاب ممّا يُضيِّق مساحاتِ انتشاره -في عُرف النظر المصلحيّ البشريّ-. وهذا ليس من طبْع الدعوات الدينية البشريّة.
وهو ما وضَّح أحدَ مظاهره القاضي عبدُ الجبار في قوله:
“وتأمَّل، إلى إقدامه [=الرسول -ﷺ-] على أُمّتَين عظيمتين من أهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا على أمرٍ وسبقوه في الزّمان، وهو أشدُّ النّاس حرصًا على تآلفهم وإجابتهم واستمالتهم، فأَكْذَبهم وردَّهم، ولو كان مُتقوّلا لتهيَّب ولم يُقدِم على ذلك خوفًا من أن يكون الأمرُ كما قالوا وكما ادَّعوا؛ فيَبِين كَذِبُه ويرجع عنه مَن قد تبعَه، لأنّ الأنبياء يجوز أن يُقتلوا ويُصلَبوا، بل قد قُتِل قومٌ منهم.
وأيضًا، فليس في قتل المسيح طعنٌ عليه ولا قَدْحٌ في أمره، وما به حاجةٌ إلى مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي أن يكون إلى تصديقهم في ذلك أحوجَ، ليكون تشنيعُه على النّصارى أولى، لأنّهم قدِ اعتقدوا فيه أنّه إلهٌ وربٌّ وقد رأَوه أسيرًا مقهورًا في يد عدوّه ومصلوبًا ومقتولا، ويَزيد شناعتَه على اليهود لأنّهم قد قتلوا نبيَّا آخرَ مضافًا إلى غيره من الأنبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح. فتجنَّب -ﷺ- هذا كلَّه مع الحاجة إليه، وقال: قد ادَّعَوا أنّهم قد علموا ذلك وليسوا به عالِمِين ولا متّفِقين، وما معهم فيه إلّا الظنُّ؛ فقال: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}؛ أي ليس ثَمَّ يقينٌ ولا سكونُ نفْس، تقول العربُ في الخبر المتيقَّن: قتلته علمًا وقتلته يقينًا. ثم قال: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} أي صانه وعظّمه أن تناله يدُ عدوّه بالقتل والصّلب، لأنّ الظنّ قد يصدُق تارةً، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتُصدِّق المخبرَ الواحد من طريق حُسْن الظنّ بخبره، ويكون قد صدَق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صِدقَه، وإنْ ظنّوا أنّ اعتقادهم لذلك عِلمٌ. فانظر إلى ذلك كيف بيَّنه من كلِّ وجْهِ“.
القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة، 123 /1.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)﴾ [النحل: 68-69]
وإنّما هو حسمٌ لمسألة علميّة كان الخلافُ فيها شائعًا قبل الإسلام وبعده لقرون، وهي تحديدُ أصل العسل، هل يَخرج من البطن إثرَ تكوّنه هناك مما يأكله النحل أم إنّ النحل يُحضِّر العسلَ جاهزًا مما يَحُطّ عليه من نبات، ولا يصنعه في بطنه؟
حديثُ القرآن عن الأكل من الثمرات ثم إخراج الشراب، يوحي أنّ الأكل غيرُ الشراب، وأنّ الأكل يتحوّل إلى شراب.
التَّلْمُود، بكوروت 7ب:
למה אמרו דבש דבורים מותר?
لماذا قال [الأحبار] إنّ عسل النحل مباح؟
מפני שמכניסות אותו לגופן ואין ממצות אותו מגופן
لأنّ النحل يدخله إلى جسده، ولا يستخلصه من جسده
راشي، شرح التلمود البابلي، بكوروت ٧ب، التعليق على عبارة: שמכניסות אותן לגופן أنها تُدخلها إلى أجسامها .
وتحت هذه العبارة يقول: שאוכלין מפרחי האילן ומהן נעשה הדבש במעיהן
لأنها تأكل من أزهار الأشجار، ومنها يُصنع العسل في أمعائها .
المهم هنا أن النص العبري لا يحتوي أصلًا على كلمة “رحيق”، ولا على كلمة “زهور”. فكلمة nectar from the flowers الموجودة في ترجمة William Davidson هي إضافة تفسيرية من المترجمين وليست موجودة في العبارة الآرامية/العبرية نفسها.
بالتحديد:
– שמכניסות = تُدخِل / تُدخل إلى الداخل.
– אותו = إياه / ذلك الشيء.
– לגופן = إلى أجسادها.
– ואין ממצות אותו מגופן = ولا تستخرجه/تستنزفه من أجسادها.
ترجمة Soncino الكلاسيكية للتلمود البابلي.
في Bekoroth 7b تترجم النص هكذا:
Why did [the Sages] say that honey from bees is permitted? Because the bees store it up in their bodies but do not drain it from their bodies.
L. Miller and Maurice Simon (trans.), Bekoroth, in The Babylonian Talmud, ed. I. Epstein, London: Soncino Press, 1948, Bekoroth 7b.
على موقع Hidabroot، في مقال للحاخام Zamir Cohen بتاريخ 28 يناير 2026، نُقل النص من Bekhorot 7b هكذا:
Bee honey is permitted, because the bees bring it into their bodies, but do not extract it from their bodies.
وفي مصدر يهودي آخر أقدم، Ohr Somayach International، نُشر سنة 1994، وصياغته قريبة جدًا أيضًا:
أما Ohr Somayach فهي بالعبرية אוֹר שָׂמֵחַ:
– Ohr / Or אוֹר = نور / ضوء . والموقع الرسمي نفسه يوضح أن Ohr تعني light . Ohr Somayach
– Somayach / Sameach שָׂמֵחַ = فرِح / سعيد / مُبهِج .
فالمعنى الأقرب لغويًا: النور المُبهِج أو النور السعيد . وأحد الفروع الرسمية للمؤسسة يشرح الاسم بالإنجليزية: the light of Happiness = نور السعادة .
Why did they say that bee-honey is permitted? Because even though they bring it into their bodies, it is not a product of their bodies [it is stored there but not produced there].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


















