بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
ربع ساعة في فكر شحرور
تأليف د. صهيب السقار
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]
الفهرس:
الآيات المُختارة من سورة البقرة
سؤال واعتراض: لماذا لم تنتقدوا الدكتور شحرور وتناظروه في حياته؟
هل ننطلق في هذا الانتقاد من مقاومة التجديد ورفْضِ إعادة النظر في التراث؟
تصريحه بالهدم والنقض والاختراق الشامل لأركان الإسلام وثوابته
سؤال واعتراض: لماذا تفتش عن أخطاء الرجل ولا تنصفه بذكر محاسنه وصوابه
سؤال واعتراض: هل يشعر العلماء بأن المهندس كسر الاحتكار الكهنوتي لعلومهم؟
تمهيدْ وتعريفْ بجوهر القراءة المعاصرة وأركانها
الفراغ الخطير في تأسيس مفهوم (القرآن) الجديد على الخيال والرحم بالغيب
الفراغ الأخطر والإشكال الأكبر في تعيينِ آيات التشريع أنها هي (الآيات المحكمات)
اضطرابه في جهة الاختصاص بتفصيل المحكم
الغاية الجوهرية التي وصل إليها بالتفريق بين (الكتاب) و(القرآن)
استغناء القراءة المعاصرة عن قواعد القراءة والهجاء
قِصَّة الأعرابي وأهمِّيَّة دراسة اللغة
إسقاط شطر الشهادتين من أركان الإسلام
إنكار عِلْم الله القديم بأفعال العباد وتشبيهه بعِلْم المُهندسين
إنكاره ركن الإيمان بالقدر ووصفه بأنه كوميديا إلهية
اجتهاده في إسقاط أركان العبادات
إسقاط ركن الصوم وجعله اختيارياً ونقل رمضان إلى شهر آخر!
إسقاط ركن الحج بنقل يوم عرفة إلى شهر رجب وغيره من الأشهر الحرم
إباحة كبيرة الزنا والافتراء على الله بأنه أباح للمرأة أن يكون لها (بوي فرند)!
مفهوم عقد (ملك اليمين) في تشريع شحرور
خيانته للمرأة التي أخذت بفتواه
كبيرة تحريم شرب الخمر في الإسلام الذي تصوره المهندس
نسْخُ جميع المحرمات وحضَرْها في أربعة عشر محرماً فقط
الخرافة والخيال العلمي من مفاتيح فَهُم القرآن
إيمانه بوجود آيات من كلامه تقبل التزوير وإبطاله إعجاز القرآن واختراع إعجاز بديل متناقض
لماذا لا تقدر جهود رجل قضى من عمره خمسين عاماً في تدبر القرآن الكريم
إسقاط مقاصد الإسلام والقيم والضروريات
الآيات المُختارة من سورة البقرة
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 11-13]
أحد الأصدقاء فاجأني بطلب يقول: سأعطيك من الوقت ربع ساعة لتعطيني الزبدة من كل ما قرأت لشحرور وكل ما كتبت في مناقشته!
من المعلوم في تاريخ الأفكار المؤثرة أنها لا تموت بموت صاحبها. وأن بقاء تأثيرها في الحياة الفكرية موقوف على اقتناع الفلاسفة والمفكرين بها ودفاعهم عنها.
أحيل في الهامش إلى مواضع هذا التفصيل والإثبات في أصول هذا الكتاب من سلسلة نقدي للقراءة المعاصرة.
سؤال واعتراض: لماذا لم تنتقدوا الدكتور شحرور وتناظروه في حياته؟
أولاً: (المواجهة) و(المناظرة) ألفاظ تذكرني بالمصارعة والعراك. ولا رغبة لي بشيء سوى الحوار.
الدكتور شحرور عبَّر في كتبه عن منهجه ورأيه في عدم الالتفات إلى النقد مستشهداً بقول القائل: هل نقضي عُمُرنا في الدفاع عن قيثارتنا، أم في العزف عليها! . ثم يقول د. شحرور: (ومِنْ يَوْمِها قرَّرتُ أن أقضي العمر في العزْفِ، وليس في الدفاع).
فمن المعروف أن المهندس شحرور لم يستطع الإجابة عن النقد الحاد والجاد الذي فضّله واستهدفه به الدكتور نصر أبو زيد.
ولا يخفى أن الاتهام بعدم الفهم أسلوب من أساليب الهروب الفلسفي.
هل ننطلق في هذا الانتقاد من مقاومة التجديد ورفْضِ إعادة النظر في التراث؟
لكن المهندس لم يقدم ما يدخل في باب التجديد. بل هو بنفسه وصف قراءته بأنها بديل وهدمٌ وتفكيك
تصريحه بالهدم والنقض والاختراق الشامل لأركان الإسلام وثوابته
يصرح المهندس بأنه يَطْرَحُ بديلاً لم يسبقه إليه أحد! وأن هذا البديل يخترق التراث بجميع مذاهبه الفقهية والفكرية، وينسخه ويغني عنه فلا تبقى بعده حاجة حقيقية إلى شيء من كل المكتبة الإسلامية في جميع فروعها من كتب التفسير والفقه والحديث!
في مقدمة كتابه تصريحٌ بالإسلام الجديد البديل! (قد يصاب القارئ، بصدمة عند وصوله إلى النتيجة المعروضة… لأن هذه النتيجة تهدم التصور السائد في فهم الإسلام… وبعد قبول النتيجة قد يصاب القارئ بحيرة، لأن قبول هذه النتيجة يستوجب بالضرورة تقديم تصور جديد في فهم الإسلام. وقد أدرك الدكتور شحرور ذلك، فلم يترك القارئ في حيرة من أمره، بل قدم له التصور الجديد الذي يقترحه في فهم الإسلام).
لا حاجة إلى التذكير بأن المقصود بـ(التصور السائد) هو التصور السائد عند جماهير المسلمين طوال القرون السابقة قبل بزوغ شمس القراءة المعاصرة.
ألَّف المهندس كتاباً يفرق فيه بين إسلامنا وإسلامه! وسماه باسم واضح من عنوانه (الإسلام الأصل والصورة)! وقد بدأ المهندس أول حَرْفٍ في كتابه الأول بالتصريح للقراء بأن الصورة التي يراها معكوسة تماماً. ثم يقول (تبيّن لي بعد ربع قرن من البحث الدؤوب والتفكر الطويل والتأمل الواعي أننا نحن المسلمين مأسورون لمسلمات قد يكون بعضها معكوساً تماماً).
(التراث) كلمةٌ جامعةٌ لمكتبة ضخمة وجهودٍ عظيمة متنوعةٍ بَدَلَها علماءُ العربِ والتركِ والفرسِ والعجمِ مِنْ مذاهب فكرية وفقيهة ولغوية لا يحيط بقدرها إلا الله.
لكن المهندس يكرر ويؤكد التعميم على التراث بلفظ (كل)، فيقول في محاضرة جنيف: (وأقول لكم بكل صراحة: كل ما ورد في الفقه الإسلامي كله لا علاقة له بالمصحف إطلاقاً).
ويقول: (لا يوجد بِحُكْمِ الشريعة الفقهية الإسلامية أي شيء مطابقٌ للمصحف. لا يوجد. أقولها وأنا مطمئن).
ويقول: (إننا بحاجةٍ إلى فقهٍ جديدٍ معاصرٍ.. فإذا أردنا أن نخترق الفقه الإسلامي الموروث الفقهاء الخمسة وَجَبَ علينا إعطاء البديل، وهذا ما فعلناه في هذا الكتاب.)
ثم ينتقل هذا الموقف السلبي إلى كل كتب أصول الفقه وينص على أنه لا بد من اختراق أصول الفقه (التي لا يمكن التطور والتقدم إلا باختراقها).
ثم ينتقل إلى كل التفاسير الموجودة بين أيدينا فيقول: (إنَّ كُتُبَ التفسير لا تعني شيئاً بالنسبة إلينا من الناحية العلمية، وليس لها أي مصداقية).
ويقول: (اطلعت على التفاسير ولم أجدها تفسر شيئاً… قرأت كتب التفسير ولم أجدها مقنعة… كُتُبُ التفسير فيها كل شيء إلا التفسير)
ويقول: (أنا تجاوزتهم كلهم، لكن بعدما قرأتُهم ووجدتُ أنه لا مجال)
يصرح بأنه اكتشف تزويراً هائلاً في الإسلام ككل!: فيقول (النتائج التي وصلت إليها تكشف تزويراً هائلاً في الإسلام ككل، وتحريفاً للرسالة التي نزلتْ على محمد ﷺ).
سؤال واعتراض: لماذا تفتش عن أخطاء الرجل ولا تنصفه بذكر محاسنه وصوابه
أما المطالبة بالإنصاف وذكر المحاسن فلا بد من التفريق فيها بين البحث الفلسفي الفكري وكتب التاريخ والتراجم والتربية والأخلاق.
لقد ضيع هذه المحاسن وأهدرها بوضعها في بناء تجب إزالته.
لم يسكت عن محاسن جميع الفقهاء والمفسرين كما سكتنا! بل أنكرها ولم يعترف لأحد من المفسرين والفقهاء بالصواب في مسألة واحدة.
سؤال واعتراض: هل يشعر العلماء بأن المهندس كسر الاحتكار الكهنوتي لعلومهم؟
هذا الاتهام المعلَّب لا يصلح في دفع الانتقادات الجادة الحادة التي نقضت القراءة المعاصرة. فالدكتور نصر حامد أبوزيد ليس تراثياً ولا كهنوتياً، بل هو رمز من أنصار الحداثة وَنَقْدِ الخطاب الديني. وقد صدر حكم قضائي بردته عام 1996م، ولكنْ لَمْ يَمْنَعْهُ انتماؤُه الفكريُّ مِنْ توجيهِ انتقاداتٍ جديةٍ أزعجت المهندس ولم يستطع أن يدفع انتقادًا منها! واكتفى باتهام المنتقِد بأنه لم يفهم كلامه!
تمهيدْ وتعريفْ بجوهر القراءة المعاصرة وأركانها
جوهرها ورُكْنِها الأعظم، وهو التفريق بين (الكتاب) و(القرآن). فبَعْدَ قرون عديدة اكتشف د. شحرور لأول مرة أن كتاب الله المنزل على سيدنا محمد ﷺ يشتمل على كتابين، أحدهما (الكتاب المحكم)، والآخر هو (القرآن).
فيقول: (ولا يمكن تصوُّر الرعب الذي أصابني عندما وقفتُ على الفرق بين الكتاب والقرآن)
أما الكتاب الأول فاسمه (الكتاب المحكم)، ويشتمل على (آيات التشريع).
وأما الكتاب الآخر فهو (القرآن)، ويشتمل على الغيبيات التي يسميها (الأنباء).
وقد وَضَعَ لكل كتاب منهجاً خاصاً يغني عن أصول الفقه والتفسير.
وخلاصة هذه النظرية أن آيات الأحكام تنقسم إلى نوعين (الآيات المحكمات) أي (المغلقات) التي أُغْلِقَ باب الاجتهاد فيها. والنوع الثاني آيات يُسَمِّيها (تفصيل المحكم). هذه الآيات هي التي تَدْخُلُ في ساحة الاجتهاد.
وأما الكتاب الثاني فهو (القرآن)
وهذا (القرآن) هو مجموعة قوانين الطبيعة العامة الصارمة الجازمة.
فقد انطلق المهندس من قاعدة نفي الترادف، وبالغ في مكانة نفي الترادف حتى يبرِّر بناء الهرم على هذه القاعدة.
إطلاق الاسمين على مسمى واحد في قوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتْوَا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَومَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (سورة الأحقاف 29 30)
الجن سمعوا شيئاً وحداً فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ وقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا﴾ (سورة الجن 1).
سؤال يقول: ما المانع أن يكون (الكتاب) هو (القرآن) نفسه بالنظر إلى إطلاقهما على ذات واحدة؟ وما المانع في نفس الوقت أن يكون (الكتاب) غير (القرآن) بالنظر إلى اختلاف مفهوم المكتوب والمقروء؟
الفراغ الخطير في تأسيس مفهوم (القرآن) الجديد على الخيال والرحم بالغيب
وبداية أذكر أن المسلمين جميعاً يعرِّفون (القرآن) بأنه كلام الله المنزل على نبينا محمد ﷺ.
فقد بدأ من اعتقاده أن كلمات الله هي عين الموجودات أي الأشياء! وأن القرآن قوانين وأحداث كونية!
قوله: (إن القرآن المجيد في اللوح المحفوظ، وهو مجموعة قوانين الطبيعة العامة الصارمة الجازمة).
فالدكتور يرى أن الله برمج القرآن المجيد في اللوح المحفوظ (Information In Action)! وهذا التصوُّرُ ترجمةٌ حرفيةٌ وفِعْلِيَةٌ لـ (اللوح المحفوظ) بأنه (Control Panel). هذا ما نَصَّ عليه حُرْفِيًّا.
وَمِنْ وَحْيِ الهندسة يُعَرَّفُ بالمصدر الذي أُوْحِيَ منه القرآن فيقول: (اللوح المحفوظ: هو برنامج القوانين الصارمة الناظمة للكون، هذا البرنامج لا ينفع فيه الدعاء ولا يتغير من أجل أحد.)
وآيات القرآن تنقسم إلى نوعين، آيات (الرام) وآيات (الروم):
يقول د. شحرور: (نَظْرُ إلى بُنِّيَّةِ الحاسوب الإلكتروني، فالحاسوب يتألّفُ من جزئين أساسيين: – الجزء الأول (ROM) (أي اقرأ فقط). وهي البُنِّيَّةُ الأساسية للحاسوب، عبارة عن دَارَاتٍ مُغْلَقَةٍ OP يُمْكِنُ معرفتها، ولا يمكن الدخول إليها ولا التصرف فيها، وهي الجزء الثابت من الحاسوب.
الجزء الثاني (RAM) أي ذاكرة الدخول والتصرف والاستعمال والتسجيل. وهي الذاكرة الممكن الوصول إليها، وهي مناط التصرُّفِ مِنْ قِبَلِ مُسْتَعمِلي الحاسوب، ويمكن الدخول إليها بأي برنامج يريده المتصرِّف بالكمبيوتر: إحصائي، طبي، تسجيل أحداث إنسانية، هندسة، فلك، إلخ.. وهو الجزء المتغير من الحاسوب.
ومناط تصريف الإنسان المُبَرْمِج، لكن كل قوانين هذا الجزء المفتوح لا تخالف ولا تخرج عن قوانين الجزء الثابت الـ ROM.
فإذا أَخَذْنَا آيات القرآن وحاولنا تصنيفها ضمن هذا المبدأ، نرى أن القرآن يحتوي على هذين النوعين، وهنا نميز بين آيات اللوح المحفوظ وآيات الإمام المبين).
يا سيدي: القرآن بوصلة هداية: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16] هكذا يُعرِّف الرب سبحانه بكلامه، لكن المهندس يُعرِّفه بأنه القوانين التي تضبط وقت الشروق والزوال والغروب.
الفراغ الأخطر والإشكال الأكبر في تعيينِ آيات التشريع أنها هي (الآيات المحكمات)
لم يُقَدِّمْ لنا المهندس دليلاً واحداً يُثْبِتُ به هذا التَّعيين!
يقول هذا السؤال: لماذا سمَّى التنزيل الحكيم بعض آياته بالمحكمات؟ وما دليل تعيين آيات التشريع بأنها المقصودة بهذه التسمية دون غيرها من الآيات؟ ما الدليل الذي اعتمد عليه المهندس وجعل به موضوع الآيات معياراً لفرز الآيات المحكمات وتمييزها عن المتشابهات؟
ولو رَجَعْنَا إلى الآية من سورة آل عمران لم نَجِدْ فيها أثراً يدل على أن المعيار في التصنيف هو موضوع الآيات. بل نجد معياراً آخر في هذا التصنيف وهو التفاوت في وضوح الدلالة وخفائها.
المستنكر أن يتقلب الإنسان في مسألة واحدة بين خمسة أقوال. في كل مرة يختار قولًا يثبته بأدلة ثم يترك هذا الرأي ويترك الجواب عن أدلته وينقلب إلى رأي آخر وأدلة أخرى تعارض رأيه الأول. ثم يكرر هذا الانقلاب وإهمال الأدلة مرة ثالثة ورابعة.
القول الأول: (قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ …﴾ الآية. نرى أن هذه السورة المحكمة هي سورة التوبة).
القول الثاني: بعد سنوات تخلص المهندس من رأيه السابق، ونفى أن يكون وصف السورة بأنها (محكمة) بالمعنى الاصطلاحي المقابل لـ (التشابه)! والعجيب أنه التفت إلى المفسرين واتهمهم بخطئه الأول!
لكن الدكتور تأرجح رأيه وانقلب على هذا القول الثاني بعد صفحتين من نفس الكتاب. وعاد إلى تفسير وصف السورة بأنها (محكمة) بالمعنى المقابل للمتشابه!
القول الثالث: (فهذه السورة تأرجحتْ بين نطاق المحكم والمتشابه…وهذه السورة هي السورة الوحيدة من القصص المحمدي التي انتقلت بكاملها من نطاق المحكم إلى نطاق المتشابه).
أفترض أناسا – تتأرجحوا – أن السورة هي التي تأرجح ترفولاً! فهذه تثبتوا على
القول الرابع: … يقول: (كلمة محكمة لا علاقة لها بالتقسيم الوارد في سورة آل عمران الذي يقسم آيات التنزيل الحكيم إلى محكم ومتشابه وتفصيل…لقد جاءت كلمة محكمة هنا بمعناها الأصلي في اللسان أي الإحكام المتماسك الواضح).
القول الخامس: … يقول: (والمقصود بـ (المحكمة) هنا أنها مغلقة كبقية الآيات المحكمات… فهي سورة مغلقة كلها غير قابلة للاجتهاد أو الزيادة أو النقصان، ولا علاقة لها بالتقسيم الوارد في المصحف).
اضطرابه في جهة الاختصاص بتفصيل المحكم
القول الأول: الله فَصَّلَ المحكم تفصيلاً لا يترك أي مجال لِلَبْسٍ في دينه:
فيقول: (.. من تمام العدل الإلهي أن لا يسمح بأن يُعْبَدَ إلا بما أوضح وبيَّنَ في كتابه حتى لا يترك أي مجالٍ لِلَّئِسِ في دينه، ويغلق الباب أمام الدجالين ومرتزقة الدين للعبث فيه والتلاعب بمصائر الناس بِأَخِذ شرعيتهم منه).
القول الثاني: الله فَضَّلَ المحكم وَتَرَكَ باب الاجتهاد مفتوحاً على مصراعيه:
يقول (الله وَضَعَ لنا المحكم وَوَضَعَ لنا التفصيل وقال: يا عبادي اشتغلوا بالتفصيل).
ويقول: (قدَّم سبحانه وتعالى أحكاماً مجردة مجموعة في الآيات المحكمات، ثم فصَّلَهَا لنا أَحْسَنَ تفصيل، وَتَرَكَ باب الاجتهاد في التفصيل مفتوحاً على مصراعيه، كلٌّ يطبقها حسب ظروفه الموضوعية وأَرْضِيَّتِهِ المعرفية).
أين نجد النص الذي قال فيه الله: يا عبادي اشتغلوا بالتفصيل ؟!
ويقول في مقام آخر: (في تفصيل المحكم يَشْتَغِلُ العالم كله، وكما نرى فإن الشريعة الإسلامية نَزَلَتْ وَطُبِّقَتْ بالأرض إلا عندنا).
ويقرر هذه الشهادة للدولة العلمانية فيقول: (والدولة العلمانية الآن هي النموذج المعاصر في الاجتهاد في تفصيل المحكم من خلال مجالسها التشريعية وبرلماناتها عَلِمَتْ بذلك أمْ لَمْ تَعْلَمْ).
فيقول: (كل تشريعات العالم لا تخرج عن تفصيل المحكم ما أَتَحَدَّثُ عنه الآن لم يَسْبِقْ لأحد أن رآه في كتاب الله، وهذه أول محاولة في هذا الاتجاه).
فكيف يجتهدون في نطاق تفصيلٍ كتابٍ لا يؤمنون به؟!! وما أعجب الشهادة لأهل الأرض بالسير على رسالة الإسلام وحدوده واستثناء المسلمين من ذلك!
وبكل وضوح نقول: إن خلاصة ما يريده المهندس من المسلمين أن يقتدوا بالغرب في (تفصيل المحكم) وأن يتركوا الفقه والفقهاء والتفسير والمفسرين. وأن يستغنوا عن ذلك كله بالفلاسفة الغربيين وتشريعات البرلمانات الغربية.
الغاية الجوهرية التي وصل إليها بالتفريق بين (الكتاب) و(القرآن)
فيقول: (علينا أن نَسْحَبَ القرآن قبل أن يفوت الأوان من أيدي السادة الوعاظ المعروفين بالعلماء الأفاضل، أو رجال الدين)
يقول: (… إن هؤلاء الراسخين في العلم هم بالضرورة من المؤمنين لأنهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا … فالراسخون في العلم هم من الناس الذين يحتلون مكان الصدارة بين العلماء والفلاسفة، وهؤلاء من أمثال البيروني، الحسن بن الهيثم، ابن رشد، إسحاق نيوتن، أينشتاين، تشارلز داروين، كانت، هيجل). ويصرح بأنهم (مع النبيين مع محمد)!
استغناء القراءة المعاصرة عن قواعد القراءة والهجاء
المهندس وصل إلى التفسير، بل وصل إلى وضع المنهج البديل عن التفسير وهو لا يحسن القراءة! وقد اتفق جميع نقاد القراءة المعاصرة(2) على رَصْد جملةٍ من الأخطاء النحوية الفاحشة التي لا تُقبل من طالب في الابتدائية! ولا أَتَحَدَّثُ عن الأخطاء في أحكام التجويد، بل أَتَحَدَّثُ عن أخطاء في قراءة الآيات من نصٍّ مكتوبٍ أمامه!
وقد وجدت بعض متابعيه يدافع بحماس ويقول: اهتموا أنتم بالشكل والفتحة والضمة واتركوا شحرور يغوص في التدبر والدلالات والإعجاز!
يكفيني أن أحتج على الدكتور شحرور بالنقل عن باحث قضى خمسين سنة من عمره في تدبر القرآن، وهو الدكتور شحرور نفسه. انظر إلى تعريفه بمنهجه ومنطلقاته وكيف أثبت العلاقة التكاملية بين النحو والبلاغة. فقال: (…وأَدْرَكْتُ أن البُنْيَةَ النحوية يرتبط بها خبرٌ بلاغيٌ بالضرورة، وأن النحو والبلاغة علمان متتامان لا ينفصلان عن بعضهما، وأن الفصل بينهما كالفصل بين علم التشريح وعلم الفيزيولوجيا الوظائف في الطب).
ولكن ينصحه بذلك الدكتور شحرور الذي اعترض على مخالفيه في عَدَم تفريقهم بين المُحَرَّم والمحظور. وَوَصَفَهُم بأنهم (فقهاء الإنترنت) ثم قال: (فَنَنْصَحُهُم بالعودة لدراسة اللغة العربية على أهلها).
قِصَّة الأعرابي وأهمِّيَّة دراسة اللغة
فالجرجاني استشهد بها لَيُثْبِتَ أن إبدال الضمة مكان الفتحة يَهْتِكُ النظم وَيَبْتُرُ الجملة وَيُسْقِطُ الفائدة من مفرداتها. فقال: (أترى الأعرابي حين سمع المؤذّن يقول: أشهد أنّ محمداً رسولَ الله بالنصب، فأنكر وقال: محمدٌ صنع ماذا؟) ثم وضح أن الجملة لن تكون تامة حتى يأتي اسم مرفوع ليكون خبراً لاسم أنَّ. فإذا وضعت الضمة على (رسولُ الله) فهذا هو الخبر وقد تمت الجملة. لكن إذا وضعت الفتحة مكانها فمن حق الأعرابي أن يسأل: محمد صنع ماذا؟
وإذا كان خطأ المؤذن محصوراً في الأذان فإن المهندس استهدف الدين كله من أركانه إلى ثوابته وأحكامه ومحرماته وكبائره حتى رأى الإسلام كله معكوساً فاتهم عموم المسلمين بأنهم ينظرون إلى (الإسلام الصورة) وهو وحده ينظر إلى (الإسلام الأصل)!
إسقاط شطر الشهادتين من أركان الإسلام
أركان هذا الدين في تراث الأمة:
يتوارثُ المسلمون جيلاً عن جيلٍ تصوُّرَهُم عن دينهم. وَمِنْ أوائلِ ما يتلقى الصبيانُ مِنَ السُّنة المطهرة حديثٌ جبريل عليه السلام في تعليم دين الإسلام وتَصَوُّرِ أركانه.
أركان دين الإسلام في القراءة المعاصرة:
يختصر المهندس تَصَوُّرَهُ الجديد لدين الإسلام فيقول: (التنزيل الحكيم يَضَعُ للإسلام أركاناً ثلاثة هي: الإيمان تسليماً بوجود الله، الإيمان تسليماً باليوم الآخر.. العمل الصالح والإحسان).
فيقول: (واكتشفنا أن ما تم تقديمه لنا على أنه أركان الإسلام غير صحيح، ولا يتطابق البتة مع التنزيل الحكيم. وأن الركن الصحيح من بينها هو ركن الشهادة الأولى (شهادة أن لا إله إلا الله)، أما الشهادة بأن محمدًا رسول الله، وأما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، فهي من أركان الإيمان وليس من أركان الإسلام).
إذن كل هذه الأركان لا تجب إلا علينا نحن المؤمنين بالنبي عليه الصلاة والسلام. أما البوذي والنصراني والمجوسي فلا تجب عليه صلاة ولا صوم ولا حج ولا زكاة! ولا يجب عليه الإيمان بالنبي ولا بالقرآن! بل لا يجب عليه الإيمان بأحد من الأنبياء أصلاً!!.
يقول المهندس (الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر .. ويدخل ضمن الفطرة فلا يحتاج إلى رسول أو نبي).
قال: (الإسلام هو التسليم بوجود الله، وباليوم الآخر، فإذا اقترن هذا التسليم بالإحسان والعمل الصالح، كان صاحبه مسلماً، سواء أكان من أتباع محمد (الذين آمنوا) أو من أتباع موسى (الذين هادوا) أو من أنصار عيسى (النصارى) أو من أي ملة أخرى غير هذه الملل الثلاث كالمجوسية والشيفية والبوذية (الصابئين)).
1 – قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 170]
وفي الآية دلالة قاطعة على أن الإيمان بالنبي ليس تكليفًا خاصًا بأتباع الملة المحمدية. بل هو تكليفٌ يدل على عمومه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
2 – قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]
إيمان اليهود بالله واليوم الآخر لم يَعُدْ كافياً بعد بعثة عيسى عليه السلام:
فقد ذكر القرآن على لسانه أنه بلغ بني إسرائيل ببعثته إليهم مصدقاً لما جاءهم به نبي الله موسى من قبله فقال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) ✷ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 50-52]
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: 40-41]
يقول شحرور الثاني: (نبدأ القول في الإيمان، فنقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 136]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 28]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: 2]. فإذا فَهِمْنا أن الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، فهمنا أن المقصود بالذين آمنوا في الآيات الثلاث هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وأن الله يَطْلُبُ منهم أن يؤمنوا برسوله محمد وما نُزِّلَ على محمد).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136] ولعلَّ د. شحرور حذف هذا الشطر لأنَّ فيه إثبات أركان الإيمان نصًّا.
ما كان ينبغي أن يَخْطُرَ ببالِ رجل درس الهندسة أن يتصور أن أركان دين الله تخفى على عموم المؤمنين طوال أربعة عشر قرنا!
ألم يخطر في باله أن يسأل نفسه فيقول:
إذا كان أهل الكتاب غير مطالبين بالإيمان بالنبي؛ فلماذا أمره القرآن بدعوتهم إلى الإيمان به؟
فما الحكمة مِنْ بِعْثَةِ هذا النبي الذي لا يَضُرُّ الكفر به، ويمكن أن يغني عنه الإيمان بمن سبقه؟
أسئلة لم تخطر بباله لأنه أبعد ما يكون عن فكر مهندس بنّاء. وأقرب ما يكون إلى مهندس هدم وتفكيك يألف الوقوف على الأنقاض والتناقضات. ولكن الحقيقة أنها أنقاض قراءته المعاصرة.
إنكار عِلْم الله القديم بأفعال العباد وتشبيهه بعِلْم المُهندسين
من أركان الإيمان أن نؤمن بكمال عِلْمِ الله تعالى وإحاطتِهِ بالحاضر والماضي والمستقبل. وقد ثَبَتَ هذا الاعتقاد بجملة من الآيات المُحْكَمَات.
يقول: (وإذا أردنا أن نُعَرِّفَ عِلْمَ الله في الأشياء فهو عِلْمٌ رياضي بَحْثٌ، أي في عِلْم الله لا يوجد أصفر فاتح وأصفر غامق، وتفاحة كبيرة وتفاحة صغيرة. ولكنها في عِلْمِهِ كلها علاقاتٌ رياضيةٌ عدديةٌ بحتةٌ).
ولا أعلم أحداً من اليهود أو النصارى وغيرهم من أتباع الوحي السماوي يَصِفُ عِلْمَ الله بأنه عِلْمٌ رَقْمِيٌّ (digital)!!
يقول د. شحرور: (المعرفة الرقمية (digital) أرقى أنواع المعرفة… بمعنى: في معرفة رب العالمين لا يوجد أصفر فاتح أو أصفر غامق أو أصفر كذا، هناك معادلة لكل الأصفر، وانتهى. كله موجود رقمياً ).
يقول المهندس: ( وَعِلْمهُ رياضيٌّ، لأن الرياضيات اليوم هي أرقى أنواع العلوم، ولو تَوَصَّلَ العقل الإنساني المصوغ من روح الله إلى عِلْمٍ هو أرقى من الرياضيات وسمَّيْناهُ العلم (س) ثم وجدنا في القرآن إشارة لذلك كانت تُخفى علينا، أو كنا نؤولها تأويلاً آخر لِجَهْلِنا بالعلم (س) لَقُلْنَا إِنَّ عِلْمَهُ جل وعلا عِلْمٌ سِيْنِيٌّ ).
وقال: (عِلْمُ الله عَدَدِيٌّ (digital) رقمي (وأحصى كل شيء عدداً) و(كل شيء عنده بمقدار) الكلام ليس من عندي، صِرْنا نفْهَمُهَا، أَنْتَ لديكَ المصحفُ مُخَزَّنٌ بالهاتف الجوال.. مُخَزَّنٌ تخزيناً رقيماً.. التحويل من رقمي (digital) للغةٍ مفهومةٍ هذا هو الجعل ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا﴾).
ولا ريب أن دليله في إثبات هذا العلم هو قياس الغائب على الشاهد. بل هو قياس علَّم الله على علْم د. شحرور واختصاصه الرياضي.
ويكفينا هنا أن نشير إلى تناقض المهندس فهو بنفسه يحكم ببطلان دليل قياس الغائب على الشاهد ويقول: (إن قياس الشاهد على الغائب هو قياسٌ باطلٌ وَمُجْحِفٌ).
إنكاره ركن الإيمان بالقدر ووصفه بأنه كوميديا إلهية
يقول: (لو كان يدخل في عِلْمِ الله منذ الأزل ماذا سيفعل زيد في حياته الواعية؟ وما هي الخيارات التي سيختارها زيد منذ أن يصبح قادراً على الاختيار إلى أن يموت؟ فالسؤال لماذا تَرَكَهُ إذا كان يعلم ذلك؟ هنا من أجل تبرير هذا الأمر ندخل في اللف والدوران، فنقول: إن الله عَلِمَ منذ الأزل أن أبا لهبّ سيكون كافراً، وأن أبا بكر الصديق سيكون مؤمناً. ثم نقول إن أبا لهب اختار لنفسه الكفر وأبو بكر اختار لنفسه الإيمان. إن هذا الطرح لا يترك للخيار الإنساني الواعي معنىً، وإنما يجعله ضَرْبَاً من الكوميديا الإلهية مهما حاولنا تبرير ذلك).
آيات تَقْطَعُ بِعِلْمِ اللهِ القديمِ بأفعال العبادِ وأهل الجنةِ والنارِ:
قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: 36]
قال شحرور الثاني: (عندما اتخذ أبو جهل هذا الموقف تَمَّ تصنيفه ضِمْنَ هذه الزمرة أي تمت كتابة الكفر عليه .)
يقول شحرور الثاني: (القول الإلهي حُكْمٌ مُبْرَمٌ قهريٌّ. بدليل قوله تعالى لنوح: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: 40] أي إلا مِنْ صَدَرَ حُكْمٌ مُبْرَمٌ بِحَقِّهِ. والقول الإلهي كَحُكْمٍ قهري مُبْرَمٍ لا يتغير ولا يتبدل. بدليل قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29] والقول الإلهي، كَحُكْمٍ قهري مُبْرَمٍ لا يتبدل… بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 73] والقول الإلهي، باعتباره حكماً قهرياً مبرماً لا يتغير ولا يتبدل. تَحَوَّلَ إلى حق مرئي ملموس، لا خيار فيه.)
اجتهاده في إسقاط أركان العبادات
إسقاط ركن الصوم وجعله اختيارياً ونقل رمضان إلى شهر آخر!
يقول: (فإن كنت تستطيع الصيام فالصيام خير لك، وإن كنت لا تريد فعليك بالفدية وهي إطعام مسكين).
واعتمد المهندس في إسقاط الوجوب على وهمه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةً طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184).
قال: (فهذا الشق من الآية يتوجه بالخطاب إلى الذين يطيقون صيام رمضان، أي يقدرون على أدائه، لكنهم لا يرغبون في ذلك لسبب أو لآخر.. وجعل لهم التنزيل الحكيم فدية مقابلة عدم صيامهم رمضان ممثلة في إطعام مسكين على الأقل على كل يوم، ثم يوضح لهم أن أجر الصيام عند الله أكبر وخير من أجر الفدية (إطعام مسكين)).
قال الرازي: (لا يقال في العرف للقادر القوي: إنه يطيق هذا الفعل لأن هذا اللفظ لا يستعمل إلا في حق من يقدر عليه مع ضربٍ من المشقة.) هذا هو الفرق الدقيق. فالمراد فعلى الذين يقدرون على الصوم ولكن مع قدر من المشقة والحرج بسبب المرض فعليهم فدية.
قال ابن عاشور: (والمطيق هو الذي أطاق الفعل أي كان في طوقه أن يفعله، والطاقة أقرب درجات القدرة إلى مرتبة العجز، ولذلك يقولون فيما فوق الطاقة: هذا ما لا يطاق).
فقد تحدث الثاني عن الصوم بأنه حكم ثابت بآية محكمة مغلقة لا يحق لأحد أن يجتهد فيها وقال بكل وضوح: (كُتِبَ على المؤمنين من أمة الملة المحمدية كما كُتِبَ على الأمم من قبلهم، ولهذا فلا يسع الاجتهاد في الآية لأنه لا يوجد فيها ما يمكننا أن نجتهد فيه، لهذا فهي محكمة).
ثانياً: نقل رمضان إلى الشهر الميلادي التاسع:
وأن الأشهر القمرية تحتاج إلى تصحيح! يقول: (الأشهر القمرية تحتاج لتصحيح، يقوم به المختصون ويجمعون عليه، بحيث توافق الأشهر القمرية الأشهر الشمسية، أي ما يسمى بالنسيء، وأعتقد أن رمضان يوافق الشهر التاسع الميلادي (أيلول، سبتمبر))!!
يتحدث شحرور الثاني عن الآيات المحكمات ويذكر أنها الآيات التي (لا يُدخل عليها، فلا اجتهاد وتغيير وتبديل وتعديل، مثل أن تجعل الصيام في شعبان بدلاً من رمضان..)
إسقاط ركن الحج بنقل يوم عرفة إلى شهر رجب وغيره من الأشهر الحرم
حج المسلمون حتى الآن أكثر من ألف وأربعمائة مرة ووقفوا في عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة. ولا أعلم أحداً من المالكية ولا الشافعية ولا الشيعة ولا الخوارج ولا غيرهم أدى مناسك الحج في غير أيامها المعلومات.
وكان مفتاح هذا الاجتهاد هو التشكيك بأدلة تعيين يوم عرفة. فقال: (… فما معنى قوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لذا لا نرى أي ضرورة لوجود هذا الزحام في الحج، ويمكن تقسيم أشهر الحج على فترات لأداء مناسك الحج فيها بالتناوب، بتفريقهم على جدول زمني على الأشهر الأربعة).
ما كان ينبغي له أن يتحدث عن الحج عملياً ثم يفتش عن دليله في الكتب. يا سيدي الحج عملياً لم يختلف طوال عمر الإسلام.
وقف شحرور الثاني على قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 203]
ثم قال: (والإشارة واضحة إلى أن هذه الأشهر الحرم معروفة ومعلومة ومشهورة عند العرب قبل البعثة المحمدية. وهذا يقودنا إلى آية الحج (28) وقوله تعالى ﴿فِي أَيِّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾، فكما أن ثمة أشهر معلومات هي الأشهر الحرم، كذلك هناك أيام معلومات معروفات ومشهورات هي الأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة وآخرها يوم الوقوف بعرفة. ولا يطعن في معلوميتها وشهرتها أنها لم تذكر بالنص في التنزيل الحكيم، فهي الموسم السنوي الأبرز عند أهل شبه الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية، وفيها كانت قريش تمارس دور المضيف في رفادة الحجاج وسقايتهم منذ عهد إبراهيم، بدليل أن الإشارة إلى هذه الأيام المعلومات وردت في سياق خطابه تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 27-28] أي أن الأيام المعلومات بدأت منذ عهد إبراهيم عليه السلام.)
ولا يخفى على أحد أن الشعائر لا تتعلق بالفعل مجرداً عن زمانه ومكانه الذي عينه الرب سبحانه. فلا يصح لأحد أن يصلي الظهر أربع ركعات في وقت الفجر،
إباحة كبيرة الزنا والافتراء على الله بأنه أباح للمرأة أن يكون لها (بوي فرند)!
(الزنا) كبيرة من الكبائر في اليهودية والنصرانية والإسلام.
ومن شأن الشرع الحكيم أن تكون دلالته على الكبائر والموبقات دلالة واضحة لا تقبل الاختلاف والاجتهاد.
وبهذا الأسلوب الحكيم ارتفع الخلاف، وانعقد إجماع المسلمين على تحريم هذه الكبيرة طوال عُمُرِ الإسلام.
له أربعة أقوال في حكم الزنا بالسر:
لكن ليس من المألوف أن تقرأ مثلاً (اختلف الفقهاء في حكم الزنا على أربعة أقوال!!)، ومن أبعد ما يكون عن المألوف أن يقال في فقيه واحد (اختلف الإمام فلان في حكم الزنا على أربعة أقوال)!
القول الأول: تصريحه بإدخال الزنا الخفي في الفواحش.
يقول المهندس: (الزنا هو علاقة الجماع الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة بدون عقد نكاح والذي أطلق عليه مصطلح الفاحشة…).
ويقول (تسمى فاحشة في حالة الخفاء وزنا في حالة العلن).
القول الثاني: تصريحه بإباحة الزنا الخفي وعدم إدخاله في الفواحش:
صرح د. شحرور بذلك في مداخلة ضمن البرنامج الحواري بين المقدم عمرو أديب وخالد الجندي. يسأله المقدم: (لو أن رجلا وامرأة اتفقا على العلاقة الجنسية بينهما؟
جوابه: إذا كانت غير متزوجة حلال طبعاً طبعاً طبعاً طبعاً!
في فرنسا هناك عيش مشترك بين رجل وامرأة، المجتمع يعلم، وأهلها يعلمون، وهي تعلم، وأهله يعلمون، العلاقة بينهما 100٪ حلال!
سؤال: لو واحد وواحدة وأهلها عارفون بعلاقة بدون ما يسمى الزواج الشرعي؟ جوابه: حرام في حالتين فقط. الحالة الأولى إذا كانت متزوجة، الحالة الثانية العلنية يعني إذا كانت في الحديقة!
يسأله خالد الجندي عن الزنا؟
جوابه: 1 عشرة امرأة متزوجة 2 العشرة العلنية.
سؤال: الاتفاق بين رجل وامرأة وإذا كتبت امرأة إقرارا بموافقتها على هذا؟
جوابه: (ما حدش له دعوة) ومش حرام؟ إطلاقاً!
يسأله الجندي: لو في بيت مش زنا؟
جوابه: إذا كان باتفاق وغير متزوجة. واضح كلامي، واضح كلامي!)
النكاح في اصطلاحه هو (الجماع) ولا يعني الزواج. فعندما يتحدث المهندس عن النكاحات التي تحصل في الكرة الأرضية فلا يمكننا أن نحمل كلامه على غير اصطلاحه.
(الفواحش ستة: 1 الزنا وهو الجنس العلني. 2 الجنس الجماعي وهو (السفاح). 3 نكاح المحارم. 4 نكاح المتزوجة. 5 نكاح امرأة الأب. 6 المثلية. هذه الفواحش التي قال عنهن. ما عدا ذلك فهو حلال.)
يتحدث عن الأم العزباء!! ويرى أن الله أعطى لكل امرأة حقاً أن تكون أماً!! وأن الله لم يحرم ذلك. ويجعل قول الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 23]
قال: (أباح الله للمرأة أن تتخذ (بوي فرند) لكن لا تتخذي (جيرل فرند). ويقول للرجل أنا سمحت لك تتخذ (جيرل فرند) لكن لا تتخذ (بوي فرند)! ثم يقول هذه هي الستة. ما عدا ذلك فهو حلال).
ولا أملك جواباً إلا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]
ومن المعلوم عند كل باحث أن الإجابة عن سؤال واحد بأجوبة متناقضة ليس تراجعاً، ولا نملك بين أيدينا كلاماً صريحاً يعبر فيه عن تراجعه في هذا الحكم!
وعلى فرض التصريح بهذا التراجع لا يكفيه هذا التراجع حتى يظهر لنا بطلان أدلته الكثيرة المنشورة في كتبه وحواراته.
فالزنا هو الفاحشة العلنية. والدليل أن (الزاني اشتق من زن، كقولنا: زنّ الزنبور. وهذا يعني أن الشهوة زنّتْ على الزاني حتى أنه تجاوز الخوف من الله والخوف من المجتمع، ففي تجاوز الخوف من الله ارتكب الفاحشة، وفي تجاوز الخوف من المجتمع قام بها علناً. ولهذا يكون الزنا = الفاحشة العلنية).
وهذا الدليل مزور صنعه المهندس، ولم يرجع في هذا التعريف إلى معجم لغوي ولا تفسير قانوني! وقد بحثتُ كثيراً عن أصل يستند إليه د. شحرور في إرجاع الزنا إلى (زنّ) فلم أجد لذلك أصلاً ولا موافقاً.
لأن الشهوة ربما (زنَّتْ) على الزاني حتى تجاوز الخوف من الله ولم يتجاوز الخوف من المجتمع فزنا في السر. وبذلك يكون قد استحق وصف الزاني لرضوخه لِـ(زَنّ) الشهوة والوقوع فيها سراً.
مفهوم عقد (ملك اليمين) في تشريع شحرور
(ملك اليمين) هو تعاقد بين الأحرار على إقامة علاقة جنسية، لا يُشترط فيه شهود ولا إعلان ولا ولي ولا مهر، بل يمكن أن تدفع المرأة للرجل فيكون ملك يمين لها! وإذا حصل حملٌ من هذه العلاقة (يبقى هذا ذنبها لأنها وافقت على كده)!
مرة يقول: (و ملك اليمين لا يعني الرق من قريب ولا من بعيد. بل هو نظام بديل عن الرق. وهو نظام يقوم على مبدأ التعاقد بين أحرار).
ومرة يناقض نفسه ويجعل (الجواري) تفسيراً مطابقاً لـ(ملك اليمين). فيقول: (ولا ننسى أن عدد ملك اليمين (الجواري) كان مفتوحا بالإضافة إلى الزوجات).
ومرة يصرح بأنه هو الذي اخترع هذا المفهوم العصري الذي يفرق بين (ملك اليمين) و(نظام الرق)، ويصرح بأن الأصل في العصور السابقة أن (ملك اليمين) هو (نظام الرق).
فيقول: (ومع إلغاء نظام الرق اليوم في كل أنحاء العالم، فقد نسخت آيات ملك اليمين تاريخياً، وهذا أمر في غاية الخطورة، ما لم نبحث عن مدلول معاصر لملك اليمين).
وقع شحرور في معضلة وهو يواجه سؤالاً يقول: مَن الذي شَرَّعَ أو صادق على تشريع (عقد ملك اليمين) باعتباره عقداً بين الأحرار؟
يقول: (كان من الضروري إلغاء الرق في الرسالة المحمدية.. وهذا ما فعله النبي (ﷺ)، إذ ألغى الرق ووضع مقابله ملك اليمين الذي يقوم على مبدأ التعاقد بين أحرار).
يقول د. شحرور: (الحقيقة أن الإسلام وضع حجر الأساس لإلغاء الرق… ولم يكن آنذاك منطقيًا إلغاء الرق دفعة واحدة أو تحريمه).
خيانته للمرأة التي أخذت بفتواه
فالوصول إلى الحرة تترتب عليه حقوق، وواجبات، ونفقة، ورضاع، وحضانة، وسكنى، وعشرة بالمعروف، وإحسان، وضوابط في الخصام، والطلاق، والعدة…
كبيرة تحريم شرب الخمر في الإسلام الذي تصوره المهندس
فيقول: (المنهي عنه ليس عين الخمر؛ بل الإكثار منه للوصول إلى حد الإسكار).
ومرة يعبر عن الإكثار بـ (التمادي، أو الإفراط في شرب الخمر). فيقول: (والسكر المؤدي إلى فقدان الوعي بالقول والعمل هو الذي ينتج عن الإفراط في شرب الخمر وليس بشربها فقط).
يقول: (.. وقد تصبح إثمًا بغير حق إن شربها المرء حتى سكر وغطت على عقله حتى لا يعلم ما يقول، أما دون حد السكر فشاربها ليس بشارب خمر أصلاً، فهي ليست إثماً بالأصل.)
إن هذه الزيادة تتجاوز عمل القراءة المعاصرة ولا تقف عند حد القراءة؛ بل ترفعها إلى إضافة ما تود أن تقرأه ولا تجد له أثراً في نص الآية.
والجواب: أنه نظر إلى تشريعات المنظمات الغربية العصرية فوجدها لا تحرم الخمر، بل تكتفي بتقديم نصائح وتحذيرات فحسب. ثم انتقل إلى آيات القرآن فجعلها نصائح وتحذيرات حتى أصبحت مطابقة لما يفعله أهل الأرض جميعاً!
فتأمل ذلك في صريح قوله: (إن قصارى ما أردت الوصول إليه هو أن الله سبحانه أراد إفهامنا أنه يتخذ موقفًا من استعمال الخمور لغير غرض التخدير؛ لأن ذلك مُنافٍ للفطرة، وهذا ما يفعله أهل الأرض الآن جميعا على درجات مختلفة، فكلهم لديهم موقف سلبي من السكران وليس من شرب الخمر، وكذلك رب العالمين).
يقول: (نصحنا الله بتجنب الخمر والميسر وكره لنا ذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].)
كلام شحرور الثاني الذي يعدد فيه أركان الإسلام ويذكر منها (تحريم السكر الذي هو اجتناب رجس الخمر).
نسْخُ جميع المحرمات وحضَرْها في أربعة عشر محرماً فقط
ولما نظر شحرور إلى المحرمات في الإسلام التفت إلى الجهة المقابلة في الغرب لم يجد أثراً لتحريم جملة منها. أمام هذا الواقع تصرف المهندس تصرف المهزوم الذي يعجز عن محاولة تغيير العالم بالإسلام فانقلب على الإسلام ليعولمه ويفرض عليه الذوبان في الغرب. فقام بحصر المحرمات في أربعة عشر محرماً لا غير، وهي: (الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقتل الأولاد من إملاق، والفواحش، وأكل مال اليتيم، والغش في المكيال والميزان، وشهادة الزور، ونقض العهد، ونكاح المحارم، والربا، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والإثم والبغي بغير الحق، والتقول على الله).
الدليل الأول: عبارة عن عملية حاسوبية خالصة بحث فيها عن مشتقات التحريم في القرآن الكريم، ثم جمعها، ورتبها، وحصرها في هذا العدد! لكن هذه العملية الحاسوبية تخلو من رائحة الفقه وروح التأصيل والاستنباط.
الدليل الثاني: نفي الترادف، والتفريق بين النهي والتحريم:
يقول: (والفرق بين التحريم والنهي يكمن في أن التحريم وهو المنع كما بيناه آنفا يترتب على اقترافه عقاب دنيوي أو أخروي أو الاثنان معاً، يستحقه مقترفه، وهو أشد أنواع المنع، بينما النهي فلا يترتب على اقترافه عقاب).
هذا فرقٌ أقام عليه المهندس أصول فقهية وتشريعاته ولم يخطر بباله أن يتأكد من ثباته.
نهى الله المؤمنين عن التولي في الزحف، ورتب على ذلك وعيداً بأشد أنواع العذاب:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]
استعمل القرآن صيغة النهي في الركون إلى الظالمين وموالاة الكافرين: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]
قال: (الله عدَّد محرِماته وحَضَرَها في رسالته الخاتمة، وأي تحريم آخر يتطلب رسالة أخرى بعد الرسالة المحمدية).
وإذا كان الله وحده هو صاحب الحق في التحريم فهو وحده صاحب الحق في الوعيد والعقاب والغفران، ولا فرق بين منازعة الله في حكمه بالتحريم ومنازعته في نفي العقاب عمن توعده بالعقاب.
قال: (الفسوق: هو مخالفة أوامر رب العالمين ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] العصيان بالنسبة للإنسان: هو فعلٌ نواهي رب العالمين ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121]).
ولو ذهبنا نجمع الآيات التي توعد الله العاصي والفاسق بالعذاب والعقاب لطال الأمر، ونكتفي من ذلك باختيار أمثلة:
1 – منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام: 15-16]
2 – وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14].
الخرافة والخيال العلمي من مفاتيح فَهُم القرآن
اختار المهندس خمساً وأربعين آية وجعلها مفاتيح فَهْم القرآن كله. ومن بينها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87] ثم زاد في أهمية اعتماده على هذه الآية فرأى أنها تحمل مفاتيح أخرى، فقال: (…وفيها مفاتيح الثوابت الرياضية كأعداد مجردة، ومفاتيح نشأة الكلام الإنساني.. ولا يفهمها إلا كبار علماء اللغات والرياضيات على مرّ العصور، وإلى اليوم لم يتم تأويلها).
ولكن في طفولتي كنت أطرح أسئلة عقلانية أستنكر فيها مبالغات الرسوم المتحركة؛ كيف يسقط الدب من ناطحة سحاب ولا يموت؟ كيف يبرأ من جميع ما أصابه في ثوان معدودة؟
لكن لما أكثرت من هذه الأسئلة؛ انفجر أخي في وجهي قائلاً: إذا أردت أن تستمع بالرسوم المتحركة فعليك أن تكون غبياً. فإما أن تستمتع معنا، وإما أن تتركنا ولا تنغص علينا متعتنا بأسئلتك.
يقول: (ويحق لي الآن أن أخمن دون أن أقطع، أنه إذا ما تيسر لنا لقاء بعقلاء في كوكب آخر غير الأرض، ثم أردنا أن نتفاهم معهم، أو نبث إليهم؛ فعلينا أن نستعمل هذه الأصوات الأحد عشر؛ لأنني أعتقد أنها القاسم المشترك للأصوات التي يمكن أن تصدر عن العقلاء).
إيمانه بوجود آيات من كلامه تقبل التزوير وإبطاله إعجاز القرآن واختراع إعجاز بديل متناقض
يقول: (وهنا يجب أن نفهم أن الراسخين في العلم هم مجموعة كبار الفلاسفة، وعلماء الطبيعة، وأصل الإنسان، وأصل الكون، وعلماء الفضاء، وكبار علماء التاريخ مجتمعين… والراسخون في العلم مجتمعين يؤولون حسب أرضيتهم المعرفية، ويستنتجون النظريات الفلسفية والعلمية).
ولا ننسى أن المهندس جعل هؤلاء العلماء هم المعنيين بقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]
لماذا لا تقدر جهود رجل قضى من عمره خمسين عاماً في تدبر القرآن الكريم
يقول في مقدمة كتابه (النبأ العظيم): لقد وضعتُ نُصْبَ عيني خلال ما يقارب الخمسين عاماً مِنْ دراسةِ التنزيلِ قولِهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17]
إسقاط مقاصد الإسلام والقيم والضروريات
يقول: (أصبحنا نرى مصطلحات تقوم عليها حياة العرب الاجتماعية والأخلاقية حتى يومنا هذا. هذه المصطلحات هي: الشرف / العِرض / النخوة / المروءة / الشهامة. وهي مصطلحات لا نجدها أبداً في التنزيل الحكيم، لأنها مفاهيم محلية، زمانية ومكانية… ولو أخذنا هذه المصطلحات بمفهومها العربي، وحاولنا تطبيقها أو بحثنا لها عن مقابل عند الصيني والياباني والألماني، فلن نجد لها أثراً، ولتعرضنا للضحك والسخرية. وبما أن الرسالة المحمدية رسالة إنسانية عالمية، فنحن لا نجد أثراً لهذه المصطلحات في التنزيل).
القيم جمع قيمة، وهي المقوِّم والضابط والمعيار لما سواها،
اجتهد المهندس في حل لمشكلة الزوج إذا كانت امرأته عاقراً، فأجاز له يودع النطفة منه في رحم أمه أو أخته! فتلد له أمه أو أخته!! يقول: (…ونفهم من هذا كله، أن الأم الحاملة الحاضنة للجنين، يمكن أن تكون أي امرأة أخرى لا على التعيين، حتى لو كانت من أقارب الزوج (أمه أو أخته)).
عندما يصل الحديث عن أم تلد لابنها؛ فلا بد أن نتيقن أننا غرباء أمام هذا الحديث. من يجيز أن تحمل المرأة من أخيها وابنها لا بد أن يقف بعيداً عنا أو نقف نحن بعيداً عنه!
اجتهد في حال كون الزوج عقيماً، فقال: (لدينا الحلول التالية: أن يؤخذ حيوان منوي من ذكر مجهول غريب).
يقول: (والحور العين للرجال فقط. ولا ندري ماذا تركوا للمرأة في الجنة؛ إذ لا يليق بها أن تنام مع رجلين؟) نعم يليق بامرأة أن تتشوق إلى مجامعة رجلين إذا تلوثت فطرتها بالقراءة المعاصرة.
إذا كان العرض والشرف والنخوة مصطلحات مجردة؛ فلا نستغرب رأي شحرور في تعري المرأة أمام أبيها وأخيها وابنها؛ فلا يجب عليها إلا أن تستر ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين والفرج والأليتين!! ويقول: (ولكن تلبس أمامهم من باب العيب والحرج، لا من باب الحرام).
الجديد الذي يُقَدِّمُهُ المهندس ليس تجديداً، بل هو بديلٌ جديدٌ شاملٌ يَهْدِمُ التصوَّرَ السائدَ الذي يعرفه المسلمون عن دينهم وهدم شامل لإرثنا الحضاري كله، لم يجرؤ صليبي ولا مستشرق ولا أحد من أعداء الدين ونقاده على مثل هذا الهدم الشامل!
الحمد لله رب العالمين
