القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: التوحيد مضامينه على الفكر والحياة، تأليف د. إسماعيل راجي الفاروقي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

التَّوحيد: مضامينه على الفكر والحياة

تأليف د. إسماعيل راجي الفاروقي

تحميل الخلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]

فهرس المواضيع

تعريف المؤلِّف5

تصدير المُترجم: نسيج توحيدي إسلامي فريد. 6

المُقدِّمة. 12

التَّوحيد: جوهر الخبرة الدِّينية. 14

أوَّلاً: التَّوحيد كخبرة دينية. 14

ثانيًا: التَّوحيد كرؤية للعَالَم. 17

الثُّنائية. 18

التَّصورِيَّة. 18

الغائيَّة. 18

القُدرة الإنسانية وقابِلِيَّة الطَّبيعة للتَّطويع. 18

التَّوحيد: لُباب الإسلام. 19

أوَّلاً: أهمِّيَّة التَّوحيد. 19

ثانيًا: السُّمُوُّ الإلهي في اليهودية والمسيحية. 20

النَّقْد الإسلامي لليهودية. 20

جناية المسيحية. 20

الطَّابع المُتعالي المُفارق للذَّات الإلهية في الإسلام. 21

الطَّابع المُتعالي المُفارق للذَّات الإلهية في الفَنّ الإسلامي.. 21

الطَّابع المُتعالي المُفارق للذَّات الإلهية في اللُّغة عند المُسلمين.. 21

حِفْظ اللُّغة العربية. 22

رابعًا: الإسهام الخاصّ للإسلام في الثَّقافة العالمية. 23

التَّوحيد: مبدأ التَّاريخ. 24

التَّوحيد: مبدأ المعرفة. 25

لا للشكوكية، ولا لإيمان المسيحيين.. 25

الإيمان الإسلامي مقولة معرفية. 27

وحدانية الله، ووَحْدَةُ الحقّ. 28

التَّسامُح. 29

التَّوحيد: مبدأ الغيب.. 30

أوَّلاً: الكون المُحكَم. 32

ثانيًا: الكون الغائيّ.. 33

الطَّبيعة بوصفها مملوكة لله تعالى بالأصالة. 34

التَّوحيد: مبدأ الأخلاق. 35

أوَّلاً: إنسانية الإسلام. 36

ثانيًا: الغاية مِن خلق الإنسان. 37

ثالثًا: براءة الإنسان. 38

رابعًا: الخلق على صورة الله.. 38

خامساً: التَّفعيل. 39

سادساً: الأُمَّتِيَّة. 40

سابعاً: العَالَمِيَّة. 40

ثامنًا: إيجابية الحياة الدُّنيا 41

التَّوحيد مبدأ النِّظام الاجتماعي42

أوَّلاً: تفرُّد الإسلام. 42

المُغايرة لأديان الهِنْد. 43

المُغايرة لليهودية. 43

المُغايرة للمسيحية. 43

المُغايرة للعَلَمَانِيَّة الحديثة. 44

ثانيًا: التَّوحيد والمُجتَمَعِيَّة. 44

ثالثاً: مضمونات نظرِيَّة. 45

الطابع العام للحياة الإسلامية. 45

الحاجة إلى نسيج اجتماعي ملموس حقيقي وجودي.. 45

علاقية القيميات.. 46

التَّوحيد: مبدأ الأُمَّة. 48

أوَّلاً: مفهوم الأُمَّة. 48

ثانيًا: طبيعة الأُمَّة. 49

ثالثًا: الدِّيناميَّات الدَّاخلِيَّة للأُمَّة. 50

طبيعة وِحْدَة الأُمَّة. 52

التَّوحيد: مبدأ الأسرة 54

أوَّلاً: أفول نجم مؤسَّسة الأسرة في العالَم. 54

ثانيًا: الأسرة كوِحْدَة تأسيسِيَّة. 55

ثالثاً: مُشکلات مُعاصرة 56

المساواة بين المرأة والرجل. 56

التمايز والتكامل بين دور المرأة والرجل. 56

السُّفُور والعزلة. 57

الزواج والطلاق. 57

الأسرة المُمتدَّة 58

المرأة صاحبة المِهْنَة والمرأة العاملة المُسلمة. 58

التَّوحيد: مبدأ النِّظام السِّياسيّ59

أوَّلاً: التَّوحيد والخِلَافَة. 59

ثانيًا: التَّوحيد والقُوَّة السِّياسِيَّة. 61

الإسلام والعالم الإسلامي: الحقائق المحزنة. 61

التَّوحيد: مبدأ النِّظام الاقتصادي.. 61

أوَّلاً: الأولويَّة المُشتركة الأساسية للمادِّيّ والرُّوحيّ62

مُغايرة المسيحية. 62

الحلّ الإسلامي.. 62

مضمونات التَّوحيد الدُّنيوِيَّة. 62

الدُّنيوية الإسلامية والمسعى المادي للإنسان. 63

ثانيًا: عالمِيَّة النِّظام الاقتصادي الإسلامي.. 65

ثالثاً: أخلاقيات الإنتاج.. 66

المبادئ الأخلاقية للإنتاج.. 67

رابعاً: أخلاقيات الاستهلاك. 69

التَّوحيد: مبدأ النِّظام العَالَميّ.. 70

أوَّلاً: الأُخُوَّة العَالَمِيَّة. 70

التَّوحيد: مبدأ الجمال. 73

أوَّلاً: الوحدة الفَنِّيَّة الإسلامية وتحدِّيَّاتها 73

ثانيًا: التَّعالي في الجمال. 74

الفتح المعرفي الإسلامي في علم الجمال. 75

القرآن الكريم: المأثرة الفنية الأولى في الإسلام. 76

التحقُّق الجمالي في الفنون المرئية. 77

الخطّ العربيّ: الفنّ الأرقى للوعي بالتَّعالي.. 77

 


 

تعريف المؤلِّف

إسماعيل راجي الفاروقي (Ismail Raji al-Faruqi) هو مفكّر وأكاديمي مسلم فلسطيني-أمريكي، وُلد في يافا سنة 1921م، وتوفي مقتولًا مع زوجته لمياء الفاروقي سنة 1986م في الولايات المتحدة. اشتهر باشتغاله في الفلسفة، ومقارنة الأديان، والدراسات الإسلامية، وحوار الأديان.

كان أستاذًا للدين في جامعة تمبل (Temple University)، وهناك أسّس برنامج الدراسات الإسلامية داخل قسم الدين. كما كان من مؤسسي المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)، ومن مؤسسي جمعية علماء الاجتماع المسلمين (AMSS).

أهم ما اشتهر به فكريًا هو مشروع أسلمة المعرفة ؛ أي محاولة إعادة بناء العلوم والمعارف الحديثة بحيث لا تكون منفصلة عن التصور الإسلامي للوجود والإنسان والأخلاق. كما اهتم جدًا بمفهوم التوحيد باعتباره أساسًا شاملًا للفكر والحياة، لا مجرد عقيدة نظرية. ومن أشهر كتبه: التوحيد: مضامينه للفكر والحياة (Al-Tawhid: Its Implications for Thought and Life)، وكتاب الأخلاق المسيحية (Christian Ethics).

لا توجد إجابة مؤكَّدة واحدة على سؤال: لماذا اغتيل إسماعيل راجي الفاروقي؟

الثابت قضائيًا أن الفاروقي وزوجته لمياء الفاروقي قُتلا طعنًا في منزلهما في وينكوت، بنسلفانيا يوم 27 مايو 1986م، وأن الجاني المُدان هو جوزيف لويس يونغ (Joseph Louis Young)، المعروف أيضًا باسم يوسف علي (Yusuf Ali). أُدين سنة 1987م بجريمتي قتل من الدرجة الأولى، ومحاولة قتل ابنتهما التي نجت من الهجوم، ثم مات في السجن سنة 1996م قبل تنفيذ حكم الإعدام.

دافع سياسي أو انتقامي: بسبب مواقف الفاروقي العلنية من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وقد طُرح هذا الاحتمال وقتها في بعض التقارير.


 

تصدير المُترجم: نسيج توحيدي إسلامي فريد

قد لا نبالغ إن قلنا إن كتاب (التوحيد: مضامينه على الفكر والحياة) لعلامة الأمة الشهيد الراحل الأستاذ الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي، نسيج وحده.

وبتحليل معرفي موسوعي مُقارن تُبَيِّن الدراسة من ثلاثةَ عَشرَ زاويةً تفرُّدَ التوحيد الإسلامي، وسموَّ المبادئ النابعة منه على كافة الرؤى الأخرى على صعيدَيْ: التخلية المحرِّرة للعمران على هذه الأرض من دواعي الفساد والحلل، والتحلية المكرِّسة لكل دواعي التمكين والصلاح والإصلاح.

وتبدأ الدراسة بتسليط الضوء على مفارقة كون أمتنا تتصدر الأم المعاصرة من حيث الإمكانيات الظاهرة والكامنة.

وتَخلَّص من تلك المفارقة إلى أن أمَّتنا بحاجة إلى تفعيل سُنَّة الله تعالى في تغيير ما بالنفس باتجاه التوحيد الخالص، بوصفه شرطَ تغيير حالها.

وتُسلِّط الدراسة الضوء على حركة الإصلاح في الأمَّة في القرون الأخيرة التي ابتليت فيها الأمَّة بما عُرف بالاستعمار الغربي التقليدي ومن بعده الاستعمار الحديث،

وتشير إلى أنَّ السبب هو أنَّ حركات الإصلاح في الأمة في العصر الحديث عُنيتْ بالبعد المادي وبمعايير مستعارة، واتخذت خطًا هابطًا فيما يتعلق بحفاوتها بالبعد الروحي وهو الأهم، فضلاً عن غفلتها عن تلبية شرط رفع مستوى وعي جماهير الأمة إلى مستوى وعي صفوتها بعملية تربوية رشيدة جامعة وشاملة، بؤرتها هي التوحيد.

الأمة كانت وما تزال بحاجة إلى حركة تغيير إصلاحية نابعة منها تنقب في عمقها، وتتحلى بالوسطية، وتغير الجوانب الروحية اعتبارًا أكبر، وتعاير البعد المادي ذاته من مرجعية توحيدية، وتتجاوز مستوى العمل النخبوي، إلى مستوى تأهيل الأمة كلها لتمثل مشروع الإصلاح الحضاري.

لا عودة للأمة إلا بالإسلام.

ويقيم الفاروقي حجته على ذلك من ثلاثة عشر مدخلًا، يبرهن عبرها على التوالي على أن التوحيد هو: جوهر الخبرة الدينية، وجوهر الحضارة، ومبدأ التاريخ، ومبدأ المعرفة، ومبدأ الغيب، ومبدأ الأخلاق، ومبدأ النظام الاجتماعي، ومبدأ الأمة، ومبدأ الأسرة، ومبدأ النظام السياسي، ومبدأ النظام الاقتصادي، ومبدأ النظام العالمي، ومبدأ الجمال.

الوقوف على تفصيلات هذا الإجمال بقراءة واعية لهذا السُّفر المعرفي أكثر من مرة، ومراجعة كثير من الرؤى والمقولات التي رسّخها الوهن والوهم في فكرنا وفي حياتنا،

فالخيط الأول في نسيج التوحيد كما غزله منوال الفاروقي هو تلخيص الحبرة الدينية الإسلامية في وضع البشرية في حالة استحضار دائمة لـ المعية الإلهية ،

ومنتهى كل الوسائل والغايات هو طاعة الإرادة الإلهية التكليفية، التي شاء سبحانه أن يبنيها على الاختيار الإنساني الحر المسئول.

والإسهام الرئيس للإسلام ليس بناء وعي الإنسان بوجود ربٍّ له وللكون كله، وإنما في تحقيق التوحيد الخالص، بتطهير الوعي الإنساني من كل مظاهر الشرك الصريح والحفي التي لحقت به، وتجفيف منابع الشبهات التي يمكن أن تفضي إلى الوقوع في حبائلها، بتخليص الإنسان من المفهومات الزائفة مثل: الأب والابن، والمخلّص، واتخاذ مفهوم الإله الواحد الأحد أساسًا للمعيارية.

والإسلام لا يعرف شيشًا اسمه الخلاص، بل الفلاح بالفعل الإنساني الأخلاقي، لا بفعل الغير.

والله تعالى هو المصدر الوحيد لإمداد الإنسان فردًا وجماعة بمعيار التعامل الصحيح مع ربه من جهة، ومع أمر ربه التكليفي في علاقاته مع غيره من البشر، ومع الموجودات الطبيعية من جهة أخرى.

أما الخيط الثاني في هذا النسيج التوحيدي، فيتعلق ببيان أهمية التوحيد بالنسبة للحضارة، بمعادلة محورية: الإسلام هو جوهر الحضارة.

ويتخذ الفاروقي رحمه الله مادة هذا الخيط الفكري الهام من رصد وتفكيك العبث اليهودي والمسيحي بمفهوم (الإله) عبر عملية تأويل للنصوص تحرف الكلم عن مواضعه.

تسلل داء التشبيه من ثقافات أمم دخلت في الإسلام أفواجاً،

وأما مرد قوة جهاز المناعة الحضارية عند المسلمين ضد الشرك، فيعود الفضل فيه إلى الحفاظ على اللغة العربية، والثبات على كتابة القرآن بها،

وبذا تجنبت الأمة ما وقعت فيه أم غيرها من فوضى مفاهيمية، جرَّاء كتابة الكتب المنزلة عليهم بغير اللغة التي تنزلت بها. فبالحفاظ على لسان القرآن العربي المبين ثبتت معايير فهمه وإنزاله على الواقع على ما كانت عليه في عهد التنزيل.

وفي مقابل نظرة المسيحيين إلى الكون على أنه ساحة الخطيئة والجسد، وإلى الإنسان على أنه كائن محكوم مصيره بمخلص خارجي، يخلصه من هذه الحياة، تقف الرؤية الإسلامية للكون على أنه أفضل، بل أكمل العوالم الممكنة.

والفلاح، وليس الخلاص، هو غاية الإنسان في هذه الحياة.

أما الخيط الفكري الثالث، فيتعلق ببيان أن مبدأ التاريخ هو التوحيد. فالتاريخ يبني على إرادة إنسانية أخلاقية تشمل: إجماع النية والقدرة والعمل.

المغايرة بين المنظور اليهودي المسيحي، وبين المنظور الإسلامي بخصوص التاريخ الإنساني.

فالإسلام يقول لا تتمركز الإنسان الأخلاقي حول نفسه.

أما الخيط الرابع فيسبر أغوار مفهوم التوحيد بوصفه مبدأ منهجيًا،

ويبين كيف قلب الغرب مفهوم الإيمان المرادف لليقين إلى مفهوم متلبس بالشك والاحتمال والاشتباه.

متمثلاً في عدم ربط مفهوم العقل الديني بالنص المُنَزَّل، بل بفكر الكنيسة وروحها، وتصوير الإيمان على أنه مقابل للتجريبي.

ويقوم التوحيد بوصفه مبدأ منهجيا معرفيا على ثلاثة مرتكزات: رفض كل ما لا يتمشى مع الحقيقة، ونفي التناقض النهائي، والانفتاح الدائم على دليل المخالفة وعلى الدليل الجديد.

وجوهر العقلانية هو التمييز بين التناقض السطحي أو المتوهم وبين التناقض القاطع. وخلاصة التوحيد بوصفه مبدأ منهجيًا معرفيًا أنه لا تناقض بين العقل السويِّ والوحي.

ولباب مفهوم التسامح المعرفي هو الإقرار بأن الله تعالى هو المصدر الأسمى للخير في الوجود، وإحسان الظن به سبحانه وتعالى.

ومن متطلبات مفهوم التسامح المعرفي دراسة تاريخ الأديان المقارنة لرصد جوهرها الأصيل، ورصد الإضافات والتحريفات التاريخية التي لحقت بها وتخليصها منها.

ونصل بذلك إلى الخيط الفكري الخامس الموضح لحقيقة أن التوحيد هو مبدأ الغيب.

ومن الإضاءات المعرفية المهمة التي يقدمها الفاروقي على هذا الخيط الفكري أن بناء العلم لا يحتاج إلى نفي فعل الله تعالى المستمر في الكون، بل إلى تخليص العلم من أساطير الأرواح والأشباح الوهمية. ومبدأ التوحيد هو الذي يجمع كل خيوط السببية ويضعها في يد الله تعالى وحده، ويستأصل ظن وجودها في يد قوى أخرى وهمية خفية.

ومن مضمونات هذا الخيط الفكري أن الإنسان خلق لغاية واحدة هي: طاعة أوامر الله تعالى التكليفية باختيار مسئول. والتكليف الرباني هو أساس إنسانية الإنسان. وجوهر هذا التكليف هو الفعل الإنساني الأخلاقي. وهذا الفعل الإنساني الأخلاقي هو أساس الوظيفة الكونية للإنسان.

فمع الرؤية الإغريقية التي هي الجذر المعرفي للرؤية الغربية المعاصرة لمفهوم الإنسان، تولدت صورة ألَّهت كل ما هو إنساني بما في ذلك الرذائل الإنسانية.

ومع الهندوسية توزعت البشرية بين طوائف اجتماعية مغلقة، لا حول ولا قوة للإنسان في مواجهتها، يتحدد قدر الإنسان في منطقها بمولده، وليس بعمله، وتلزم صفة المنبوذ بفئة، وصفة الملوث بفئة، تمثلان السواد الأعظم من بني الإنسان إلى الأبد. ومع البوذية صارت مهمة الإنسان في الحياة هي السعي إلى التخلص منها.

وفي المقابل، لا يوجد أدنى مجال في إنسانية التوحيد، لا لتألبه الإنسان، ولا لتحقيره،

ولحظة خلق الإنسان في ظل تلك الرؤية التوحيدية الإسلامية، هي لحظة ولادة الحرية التكليفية في الكون. وجوهر الأمانة التي حملها الإنسان هو: الاستعمال المسئول لهذه الحرية. والإنسان يولد على البراءة من كل عيب أخلاقي. فهو يولد على الفطرة صفحة بيضاء نقية. ويرسم طريقه في الحياة بعد ذلك بالوحي والفطرة والحواس والقابليات التي زوده الله بها. وهو ليس مسئولاً عن أفعال أم خلت، بل عن فعل نفسه في حاضره ومستقبله.

ثم يعود إلى تأصيله لمفهوم الإنسان في المنظور الإسلامي مبينًا انفراد الذات الإنسانية الفردية والجماعية بالمسئولية عن فعلها الأخلاقي، وبأنه لا مسئولية إلا في حدود الاستطاعة. ويرادف الفاروقي بين مقولة أن الإنسان مخلوق على صورة الله وبين حرية الإنسان.

المفهوم الذي نحته الفاروقي، الذي نَبَّهَنا إلى استعصاء مفهوم الأمة على الترجمة من العربية إلى أي لغة أخرى. وهذا المفهوم المنحوت هو: الأُمَّتِيَّة.

وجوهر مفهوم المجتمع الأمة هو المساواة بين كل البشر، في ظل علاقة مع الله تعالى قائمة على العهد وليس الوعد. فالإنسان مكلف بالوفاء بعهوده مع الله تعالى، له بموجبها حقوق وعليه واجبات،

ونمسك هنا بالخيط الفكري السابع المنصب على تفرد الإسلام في بعده الاجتماعي.

والنظرية الاجتماعية الإسلامية مغايرة لرؤى الأديان الهندية والمسيحية واليهودية والعلمانية الحديثة.

وما دامت الرؤية المسيحية لا تجعل للنظام الاجتماعي دورًا في الخلاص المتصور، فإنها لا تمتلك نظرية اجتماعية.

وتمسك هنا بطرف الخيط الفكري الثامن الذي يجلى حقيقة أن التوحيد هو مبدأ الأمة.

أما الجديد الذي يأتي به الإسلام هنا فيتعلق بنوعية الأمة التي ينشدها: أمة عمية من نوعية خاصة لا تتمركز حول العرق، ولا تنحصر في مجال دون آخر، ولا في مكان ولا زمان ولا قوم، بل تكون أمة أخرجت للناس حرة كلية عالمية، رسالتها إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

فهو ينبهنا إلى عدم إنشاء مؤسسات في فراغ، ولا بمجرد التصور الذهني. ويقدم هنا مخططًا مؤسسيًا أوليًا يحتاج إلى تعميق الباحثين له، يقوم على: المسلم العامل، والعروات الوثقى، والأسر، والزوايا، والجمعيات.

على أن أساس كل تلك المؤسسات المجعولة التي هي من صنع البشر هو المؤسسات المجعولة لله تعالى، وفي مقدمتها مؤسسة الأسرة. وعلى هذا الخيط الفكري يجلى الفاروقي الأسباب الثلاثة الرئيسة لأفول نجم مؤسسة الأسرة في واقع الإنسانية المعاصر: التزييف الشيوعي لمفهوم المساواة، وتآكل الرابطة الأسرية في العالم الغربي، ودور علماء ما يسمى بعلم أصل الإنسان في إسقاط معطيات دراساتهم في عالم الحيوان على عالم الإنسان.

المساواة بين المرأة والرجل هي الأصل، ولكنها محكومة بالتمايز والتكامل بين دوريهما. والإسلام ضد سفور المرأة وضد انعزالها أو عزلها عن العمل المجتمعي، ومع مفهوم المرأة المسلّمة العاملة وصاحبة المهنة.

ونأتي إلى الخيط الفكري العاشر الذي يبرهن على أن التوحيد هو مبدأ النظام السياسي. ويرادف الفاروقي هنا بين مفهومي الخلافة والنظام السياسي الإسلامي،

الحد الأدنى المطلوب من الخلافة، الإسلامية هو: الكفاية على مستوى البشرية.

ذروة إفلاس أمتنا في واقعها المعاصر كائنة في دائرة التربية والتعليم.

فإن عطاء هذه الأمة للبشرية، لا بد أن يبدأ ببناء الخلافة بالداخل الإسلامي على يد صفوة رشيدة محتسبة.

وننتقل هنا إلى الخيط الفكري الحادي عشر، الذي ينسج على مبدأ كون التوحيد هو أساس النظام السياسي، وكونه هو أساس ومبدأ النظام الاقتصادي. ويصرح الفاروقي بأنه يرى أن الفضل يرجع إلى محمد إقبال في بناء وعي الأمة بكون التوحيد هو مبدأ النظام السياسي،

ويقر الإسلام، بل يحث الإنسان على الاستمتاع بالطيبات وبالقيم الطبيعية الأولية والوسائلية النفعية، بشرط أن يكون ذلك في حدود الشرع، بالالتزام بضوابط أخلاقية النية والإرادة والعمل، والإيمان باليوم الآخر.

والإنسان كائن أخلاقي اقتصادي حر مسئول. والنظام الاقتصادي الإسلامي نظام عالمي حر مفتوح يأبى التسبب القيمي، ويرفض الحواجز. والحواجز عادة في ضوء خبرة التاريخ هي من صنع الأثرياء لا الفقراء. والمسلم يميل بفطرته وبعقيدته إلى السياسة الاقتصادية القائمة على أخلاقيات للإنتاج وللاستهلاك وللتجارة.

وتشمل المبادئ الأخلاقية للإنتاج الاستخدام المستول للموارد في العملية الإنتاجية، وطهارة الإنتاج من الرذائل الحسية والمعنوية، وتحرِّي الربح العادل والأجر العادل، ومراعاة أخلاقيات الإنتاج. وتربية الضمير الإنساني والقانون يتكاملان في رعاية الالتزام بضوابط الإنتاج والاستهلاك والتجارة.

ونصل بذلك إلى الخيط الفكري الثاني عشر، المتعلق ببيان أن التوحيد هو مبدأ النظام العالمي.

وبذا نصل إلى الخيط الأخير في هذا السفر المتعلق بالتوحيد بصفته مبدأ الجمال.

وتتبعت الدراسة ما لحق بالفن الإغريقي من انحطاط على أيدي الرومان،

المُقدِّمة

وأولى تلك الأولويات: هي حقيقه أن الأمة الإسلامية العالمية هي بواقعها الراهن في عالم اليوم في وضع تعيس لا تحسد عليه، بالمقارنة بغيرها من الأمم.

ومن المفارقات الغريبة أنّ هذه الأمة تجمع بين كونها الأمة الأكبر عددًا من حيث عدد المنتمين إليها، والأكثر من حيث العُدّة المادية، لكونها أغنى الأمم في الأراضي والموارد، وفي الثروة الفكرية من مدخلَيْ حيازتها أعظم تراث، وتفردها بعقيدة متمشية مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، مما يجعلها هي الأقدر بين نظيراتها على الحياة.

القومية التي هي فيروس غربي حقير، يُعيد داء الشعوبية القديم إلى جسد الأمة،

وأخفقت مشروعات التحديث لأنها تغريبية تصنعَ جفوة بين المسلم وماضيه، وتستنسخ له صورة ممسوخة من الإنسان الغربي.

فإنَّ الحركة أخفقت في مواصلة مسيرتها بالمستوى ذاته الذي بدأت به في عهد مؤسسها. وسمحت لنفسها بالاستدراج إلى مأساة خوض معارك جانبية، لم يكتب لها فيها النجاح.

أما خطيئتها الكبرى فتمثلت في: عجزها عن بلورة رؤية كلية كونية للإسلام، تُبْرَز علاقته بكل لحظة من حياة البشر، وبكل أطياف النشاط الإنساني المعاصر.

تعميم الوعي في صفوف الأمة بمبادئ الإسلام، وبيان أنها صالحة بوصفها أساسا لوجود الإنسان في عصره، وقابلة للبقاء.

وخلاصة القول، إن تلك الحركة نمت من حيث عدد المنتسبين إليها، ولكنها لم تنمُ من حيث عمقها الفكري، الذي هو شرط تغيير حال الأمة، كما بيَّنه الله تعالى في القرآن الكريم.

أما الأولية الثالثة والأخيرة، التي يتأسس عليها صرح هذه الدراسة، فهي أن الأمة الإسلامية العالمية الواحدة، لن تقوم لها قائمة، ولن تستعيد وصف الأمة الوسط، إلا بالإسلام.

وحدَها رؤية المسلم نفسَه خليفةً في الأرض بأمر الله تعالى هي التي تصنع منه محركًا لعجلة التاريخ الإنساني.

ويتحصن المسلم بتلك الرؤية الكونية من الإصابة بآفة من آفات ثلاث؛ ادعاء القدرة على قهر الطبيعة، الإصابة بغرور القوة حالة نجاحه، الإصابة باليأس والإحساس بالعجز حالة فشله.

ولباب ما يسعى إليه هذا الكتاب هو تعريف الشباب المسلم برؤية الإسلام للوجود، على أمل التحرُّك بهم مسلحين بالوعي بتلك الرؤية على طريق الإصلاح الحقيقي للنفس،

وترمي هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على العلاقة الوثقى بين الإسلام وكل مجالات الفكر والنشاط الإنسانيّن، مدلِّلةً على أن التوحيد وحده هو الركيزة النواة التي ينبغي تأسيس أي برنامج إصلاحي في أي مجال كان عليها.

وأتضرع إلى الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل الذي هو إسهام متواضع من واحد من عباد الله تعالى، في موضوع هو الأعظم بين موضوعات الفكر الإنساني،

التَّوحيد: جوهر الخبرة الدِّينية

أوَّلاً: التَّوحيد كخبرة دينية

مفهوم الرب هو نواة الخبرة الدينية. ويعني الركن الأول من أركان الإسلام (لا الله إلا الله) ببساطة مركزية مفهوم الله بالنسبة للمسلم في كل مكان وفي كل فعل، وفي كل فكرة، وفي كل زمان.

فالفلاسفة انتهوا إلى حجة تصب في اتجاه تواتر نظام الكون. ودفعوا بأن هذا العالم منظومة كونية متكاملة متناغمة ، يسودها النظام، وتحكمها السنن، حيث تحدث الأمور فيها بتوفر علّلها. ولا يمكن للأسباب إلا أن تفضي إلى الأثر المتناسب معها.

وفي المقابل خشي رجال الدين المسلمين، من أن يؤدي تأكيد الفلاسفة المسلمين على ثبات نظام الكون، واعتباره علاقةً علّةً ومعلول حتميةً، إلى النّيل من صورة تلك الذات الإلهية، وتحولها في عقل المسلم إلى كينونة بلا وظيفة، لرب – حاشا لله – لم يعد له من دور يذكر بعد الفراغ من خلق الكون، وبث السنن فيه، وجعله يعمل على شاكلة الساعة، وتتحكم علاقة السببية في كل شيء فيه.

ولا تُشبِع مثلُ هذه الصورة للإله الإحساسَ الدينيِّ للإنسان. فإما أن يكون الإله هو الخلاق الذي يستمدُّ منه كلُّ ما في الوجود كينونتَه وعلّةً وجوده، وبأمره يحدث كل شيء. وإما أن تنتفي عنه صفة الإله بمطلقها.

وتأسيسا على ذلك رفض رجال الدين تصوُّر الفلاسفة للإله، وابتكروا المبدأ المسمَّى: الإحداث . وجوهر النظرية القائمة على هذا المبدأ، أن الله تعالى يجدِّد العالم في كل لحظة، وبإرادته يحدث كل ما يحدث فيه.

ولبُّ هذا التصوُّر هو أن مبداً السببية محكوم بالإرادة الإلهية الحاضرة على الدوام ومتكيَّف معها. وبهذا الطرح كانت لرجال الدين الحجة البالغة على الفلاسفة.

فإلى الله تعالى المنتهى. بمعنى أنه إليه سبحانه تتجه كل العلائق والغايات في الكون وتستقر.

والذات الإلهية بهذا التصور هي مصدر الخيرية في كل ما في الوجود.

ويترتب على هذا التصور للذات الإلهية بوصفها المنتهى الأخير المطلق، ومصدر الأساس القيمي لكل ما في الوجود، حتميةٌ أن يكون الإله واحدًا أحدًا فردًا صمدًا ليس كمثله شيء.

فجوهر المنتهى أن يكون فريدًا ولا نظير له.

فالجديد الذي أتى به التصور الإسلامي ليس وجود إله، وإنما وحدانية هذا الإله وتفرده، وإحياء المقاومة للوثنية، ولكل صور المؤسسات التقليدية الحائدة عن التوحيد الخالص، في عصرٍ سادت فيه عقيدة التثليث والثنوية، وتدنَّت فيه عقيدة التوحيد في الوعي الديني.

ومن أجل تطهير الوعي الديني من الشرك على نحو لا رجعة فيه، أكّد الإسلام على التزام الدقّة البالغة في استعمال المفردات اللغوية على نحو يليق بالمدركات المتعلقة بذات إلهية متفردة منقطعة النظير، أو حتى شبه النظير.

وهكذا تخلصت مفردات اللغة الدالة على الذات الإلهية من كلمات: الأب، الابن، المخلص، الشفعاء، وما شاكلها، والتأكيد التام على التفرد والتجاوز المطلق المفارق للذات الإلهية عن كل ما عداها بالكون، على نحو لا يستطيع معه أي إنسان أن يدعى علاقة مع الله ينفرد بها دون من عداه من البشر. وقرر الإسلام أن كل البشر والمخلوقات سواسية أمام الخالق سبحانه، وأن لا إنسان ولا مخلوق أقرب بذاته، ولا بعمله، إلى الله تعالى من غيره من نوعه، ولو بمثقال ذرة، من حيث المبدأ.

أما القصد الإنساني الأنقى فيما يعلمنا الإسلام، فهو الذي تزاح فيه كل إرادة أخرى وتزول، بحيث لا يصير له من شاغل غير الله تعالى.

والعلاقية شيء، والنسبية شَيْء آخَر مغاير، ولا ينبغي أن يساء فهمها على أنها تَستبطن بأي حال عدمَ اكتفاء الله تعالى بذاته عمن سواه، أو حاجتَه إلى الإنسان وعالمه.

مشهد كشف الله تعالى لملائكته عن إرادته خلقَ الأرض، وجعلَ خليفة فيها يلبِّي مشيئتَه عن اختيار. وترد الملائكة بأن مثل ذلك الخليفة الحر الإرادة قد يقتل ويفسدُ في الأرض ويسفك الدماء. وهم بالمقابل لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الله ويقدسونه.

ومن الجلي أن الإنسان بوصفه مخلوقًا حرًا قد يقترف السيئات. إلا أن امتثال الإنسان للإرادة الإلهية عن اختيار، وهو مستطيع تمامًا أن لا يمتثل لها، يشكّل بحد ذاته امتثالاً لمستوى من الإرادة الإلهية أسمى وأجدر بالإجلال.

ويسلط القرآن الضوء على قيمة الحرية الإنسانية هذه بجلاء، ببيان انفراد الإنسان بحمل الأمانة، في مقابل إشفاق السموات والأرض والجبال من حملها. يقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظُلُومًا جُهُولًا [الأحزاب: ٧٢].

ومن هنا، فإن الإنسان هو المخلوق الوحيد، الذي يتوفر في فعله الشرط الأخلاقي، وهو: الفعل الحر. والقيم الأخلاقية أرقى من القيم الأوَّلية الطبيعية،

وحاشًا لله أن يخلق مخلوقًا كونيًا مثل الإنسان، ثم لا يزوِّده بالقدرة على معرفة الإرادة الإلهية، وأن يجعل كلّ ما على الأرض طيِّعًا ومسخَّرًا له، بدرجة تكفي لقيامه برسالته الأخلاقية، أو أن يسكنه في أرض لا يختلف حالها، بقيامه بتفعيل إرادة الله تعالى فيها، عن حالها لدى نكوصه عن القيام بتلك المهمة التكليفية فيها.

تحقيقًا لغاية واحدة، هي أن يظل في متناول الإنسان على الدوام القدرُّ الكافي من المعرفة الصحيحة بالأوامر الإلهية التكليفية الأخلاقية.

ومن جهة أخرى أنعم الله تعالى على الإنسان بالحواس والعقل والقدرة على الفهم والحدس، وبكل مقوّمات فطرة التعرف بنفسه على الإرادة الإلهية دون معونة من أحد؛

ويعي الإنسان المسلم أن معرفة إرادة الله تعالى بالعقل ممكنة، ومعرفة إرادته سبحانه وتعالى بالوحي يقينية.

والحق أن سبيل خلاص الإنسان الوحيد، في منظور الإسلام، هو أداؤه لرسالته التي خلقه الله تعالى من أجلها، المحددة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

ولابد أن يقوم الإنسان بهذه المهمة بنفسه، وإلا فلا وزن لعمله. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]

وخلاصه القول إن الخلاص الإسلامي هو على النقيض تمامًا من الخلاص في المسيحية التقليدية. بل إنه لا نظير لمفهوم (المخلص) في المفردات الدينية الإسلامية. فليس هناك مخلص، وليس هناك ما يحتاج الإنسان إلى تخليصه منه.

والواقع أن الإنسان يولد متخطيا نقطة الصفر، لكونه يولد على الفطرة، مزودًا بالحواس وبالقدرة العقلية الجاهزة للاستعمال. ويجد بصحبته الوحي، وأمامه العالم الطيع المستعد تماما لتلقى فعله الأخلاقي.

ومناط السعادة الدينية للإنسان، أو بالأحرى وفق المفهوم الإسلامي فلاحه ، هو استجابته لأمر الله تعالى التكليفي.

وبوسع الإنسان أن يأمل في رحمة الله تعالى وعفوه، شريطة عدم التعويل عليها، في حال إحجامه عن تفعيل المشيئة الإلهية في الأرض، سواء كان ذلك ناجمًا عن جهله بها، أو عن تكاسله عن العمل بموجبها، أو عن تحديه الصريح لها.

أما عن تأثير تلك الحبرة على تاريخ العالم فهو الآخر بالغ الأهمية. فب نور تلك الحبرة اندفع المسلم بنفسه على مسرح صنع التاريخ، رغبة في تجسيد النموذج الإلهي، الذي بلغه إياه رسول الله بالوحي المنزل عليه.

ونظر إلى أمته على أنها تشمل البشرية بأسرها عدا حفنة يسيرة من المتمردين، لا يمتثلون إلى الكلمة السواء معها، إلا بقوة السلاح.

فلقد احتضن ذلك المجتمع أهل الكتاب من نصارى ويهود، وصابئين، بنص القرآن الكريم. وضمَّ الزرادشتيين بالسنة النبوية. وانفتح أمام البوذيين والهندوس باستقراء الفقهاء المسلمين لدلالات السنة النبوية.

ثانيًا: التَّوحيد كرؤية للعَالَم

وتأتى هذه الشهادة التي تبدو في ظاهرها مبنية على الإثبات بعد النفي، في عبارة في غاية الإيجاز، تحمل أعظم المعاني، وأغناها في الفضاء المعرفي للإسلام كله.

الثُّنائية

بالكون نوعان متمايزان: إله، ولا إله. خالق ومخلوقات.

التَّصورِيَّة

العَلاقة بين نظامي الخالق والمخلوق فكرية تصورية في طبيعتها، وركيزة مرجعيتها في الإنسان هي ملكة الفهم.

الغائيَّة

طبيعة الكون غائية، بمعنى أن له غاية خلقه خالقهم من أجلها.

فالكون ليس نتاج الصدفة، بل هو كون أبدعه خالقه على أكمل حال، وخلق كل شيء فيه بقدر، ليؤدي وظيفة كونية محددة له.

القُدرة الإنسانية وقابِلِيَّة الطَّبيعة للتَّطويع

يترتب على حقيقة أن لكل شيء في الوجود غاية خلق من أجلها، أن للكون في مجمله غاية، وأن تحقيق تلك الغاية داخل في حدود قدرة الإنسان في هذه الحياة الدنيا ضمن الزمان والمكان. ويحدد القرآن تلك الغاية بعبادة المكلفين لله، ويوضح أن مبنى التكليف على الابتلاء في درجة الإجادة في العمل. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ويقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيْكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].

والخليقة بعمومها مؤهلة لتحقيق ما ينبغي أن يكون، أو بالأحرى تجسيد المثال الإلهي المطلق في حدود الاستطاعة في الفضاء المكاني والزماني الذي تعيش فيه الإنسانية على هذه الأرض. وهذا هو مفهوم التسبيح المشترك الجامع. يقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسْبَحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].

المسئولية والمحاسبة: تبين لنا فيما سلف أن الإنسان مكلَّف بتغيير نفسه، ورفاقه ومجتمعه وبيئته، بما يتناغم مع النموذج الرباني المنشود. واتضح لنا أيضًا أن بوسع الإنسان تحقيقَ ذلك؛ فالطبيعة طيَّعة وقابلة لتلقي فعله فيها وتجسيد غايته. ويترتب على المقدمات سالفة الذّكَر، أن الإنسان حرٌّ مسئولَ. فالالتزام الأخلاقي مستحيل دون المسئولية عنه والحساب عليه.

ومبدأ محاسبة الله تعالى للبشرية جمعاء يوم القيامة مبدأ قرآني على مطلق، يمكن القول بأنه يمثل الأساس الذي يقوم عليه النظام الأخلاقي الإسلامي برمته.

وأن القاعدة أن طاعة الله تعالى بمعرفة أوامره وتجسيد نموذجه في أرض الواقع، هو سبيل الفلاح والسعادة واليسر.

فالخيار الوحيد المطروح أمامه، فيما لو كان أمامه من خيار بالطبع، هو بين: إنجاز مهمته، وبين التمسك بها وقبول التضحية بالنفس بالشهادة في سبيلها.

التَّوحيد: لُباب الإسلام

أوَّلاً: أهمِّيَّة التَّوحيد

مما لا ريب فيه أن الإسلام هو جوهر الحضارة الإسلامية. ومن الثابت أيضًا أن جوهر الإسلام هو: التوحيد، أي الشهادة بأن الله تعالى هو الواحد الأحد، المطلق الخالق المتعالي رب كل ما في الوجود ومالكُه.

ولم يحاول التشكيك فيهما غيرُ المستشرقين ومبشري الإرساليات المسيحية، وغيرُهم من أعداء الإسلام من عهد قريب للغاية.

وتبين هذه الآيات القرآنية أنّ الغاية من خلق الإنسان أن يعبد الله وحدَه. فهو سبحانه المتفرّد باستحقاق العبادة. والعمل لوجه الله تعالى ابتغاء مرضاته هو الغاية التي يجب أن تتوجه إليه كل رغبة إنسانية، وكل فعل إنساني.

والدليل على أن هذا التوحيد هو الأمر التكليفيّ الإلهي الأسمى والأهم، هو الوعد الرباني بمغفرة الذنوب جميعًا عدا الشرك به سبحانه وتعالى. يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٢٦].

ومن الجلي أنه لا قوام لأي أمر آخر في الإسلام إلا بالتوحيد. فبمجرّد المساس بالتوحيد ينهار صرّح الدين ذاته بكامله،

وليس بمقدور الكون أن يطيع سيِّدَيْنِ، ولا أن يعمل بانتظام سُنْنِيِّ ويكونَ على هذا التناغم الذي هو عليه،

الاعتصام بمبدأ التوحيد هو حجر الأساس لكل ما يتعلق بالتقوى والتدين والفضيلة.

ثانيًا: السُّمُوُّ الإلهي في اليهودية والمسيحية

وفي حين التقى الإسلام مع كلٍّ من اليهودية والمسيحية من هذه الزاوية، فإنه أخذ عليهما أنهما قد انحرفتا عن مسارهما الصحيح، وسعى إلى تصحيح تجلياتهما وتجسداتهما التاريخية.

فالإسلام يؤكد أن الخطأ الذي وقع فيه أتباع اليهودية والمسيحية يتعلق بالانحراف في إدراكهم للطابع المفارق المتعالي للذات الإلهية.

النَّقْد الإسلامي لليهودية

ومن شواهد ذلك أنهم تحدثوا عن الرب بصيغة الجمع في ثنايا التوراة كلها، وادَّعَوْا أن أبناء الله تزوجوا من بنات البشر.

وصوَّروا الإلهَ شبحًا يقابله يعقوب وجهًا لوجه ويصارعه ويكاد يصرعه.

وهم يزعمون أن تلك العلاقة لم تتغير حتى حين وقعوا في البغاء وفي عبادة آلهة أخرى.

وحمل الإسلام على دعوى اليهودية أن علاقة الرب بشعبه تحتم عليه أن ينعم عليهم برغم وقوعهم في الرذيلة والعناد والجور.

جناية المسيحية

تفوقت المسيحية على اليهودية في الجناية على الصفة المتعالية المفارقة للذات الإلهية.

ومعنى ذلك أن مصدر هذا الانحراف هو تأثير الطقوس السرية على الوعي السامي. فمن هذا المصدر استقت المسيحية صورة إلهها المعذّب الذي يخلّص الإنسان بموته ثم قيامته بالعودة إلى الحياة، وتنتقل منته وفضله إلى المتناول عبر سر القربان المقدس.

ولما كانت حالة فكرة التسامي المطلق للإله قد تردت إلى هذه الدرجة في المسيحية، فإن اللغة التي باتوا يعبرون بها عنها صارت هي الأخرى غير ملائمة.

ووفق منطقهم هذا فإن المسيح إنسان وإله في آن واحد. ولم يسع أحد منهم إلى تحقيق التناغم بين القول ببشرية عيسى والقول بألوهيته دون أن يؤدى به ذلك إلى الاتهام بالهرطقة والردة.

بيد أن المسيحية كانت على استعداد للوصول إلى حد مخالفة المنطق في هذا الصدد.

الطَّابع المُتعالي المُفارق للذَّات الإلهية في الإسلام

وأن الله تعالى خلق كل البشر قادرين على معرفته في علوه المطلق.

فإن الإسلام يعزو كل انحراف إنساني عنه إلى التربية والتاريخ، ويبين أن مثل هذا الزيغ ينتقل من ثقافة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل بسبب النسيان والبلادة العقلية والهوى والمصالح المكتسبة.

والركن الأول الذي تنبني عليه العقيدة الإسلامية هو شهادة أن: لا إله إلا الله. ويفهم المسلم هذه الشهادة على أنها تعني نفي وجود أي شريك لله تعالى في الوجود في حكمه وقضائه، ونفي إمكانية أن يمثل أي مخلوق تلك الذات الإلهية، أو يجسدها، أو يرمز لها بأي شكل من الأشكال.

وحرصوا على أن لا يستخدموا في التعبير عن الله تعالى غير لغة القرآن ومفاهيمه وتعبيراته، التي وصف الله تعالى بها نفسه في الوحي القرآني المُنزَّل.

الطَّابع المُتعالي المُفارق للذَّات الإلهية في الفَنّ الإسلامي

تحاشى المسلمون في كل مكان وزمان بكل صرامة الربط بين الله تعالى وأية صور أو أشياء حسية. ولم يحدث أبدًا أن وجد في أي مسجد أي شيء جرى الربط بينه وبين الذات الإلهية.

الطَّابع المُتعالي المُفارق للذَّات الإلهية في اللُّغة عند المُسلمين

والتزامًا بكل هذه النصوص القرآنية اعتبر المسلمون النص العربي للقرآن وحده هو القرآن، وما عداه من ترجمات لمعانيه هو مجرد أدوات معاونة على فهمه، ولكنها لا تعتبر نصوصًا. ولا يتلى القرآن إلا باللغة العربية. وبذ احتفظت الصلاة التي هي عبادة تمثل ركنًا مؤسسيًا من أركان الإسلام، بالكيفية نفسها التي بينها النبي للأمة، بالأمر الإلهي الموحى به إليه.

إلا أنه بمرور الوقت، وقع بعض المسلمين من الناطقين بغير باللغة العربية، في خطأ التشبيه، لدى محاولتهم تحقيق درجة أعلى من المعرفة الخصوصية بالتعاليم القرآنية.

وهب المعتزلة للدفاع عن الطابع المتسامي المفارق للذات الإلهية، ودفعوا بوجوب النظر إلى صفات الله تعالى على أنها مجازية، وعدم أخذها على حرفيتها.

وهذه هي ذات المخاطرة التي وقعت فيها اليهودية والمسيحية تحت ضغط الثقافة الهيلينية، وأسفرت عن معاناة كل منهما من تحولات جذرية.

وآل أمر بلورة هذه المخاوف إلى أبى الحسن الأشعري (المتوفى عام: ٣٢٢هـ/ ٩٥٣م)، الذي بدأ حياته الفكرية ضمن المعتزلة، ثم انشق عليهم، وانتهى إلى أن الصفات ليست هي ذات الله، وليست هي غير الذات. وقال بخطأ كل من التشبيه والتعطيل. فالقول بالتشبيه يتناقض مع التسامي المطلق المفارق للذات الإلهية. والقول بالتعطيل يتعارض مع إثبات القرآن تلك الصفات لله تعالى، وهو ما يرقى إلى جحد الوحي ذاته.

حِفْظ اللُّغة العربية

أدى الحفظ الكامل للغة العربية بكل قواعد النحو والصرف المتأصلة فيها، واستعمال ملايين البشر المتواصل لها حتى اليوم، إلى إزالة معظم مشكلات التأويل التي تواجه القارئ المعاصر للقرآن بعد أربعة عشر قرنًا على تنزله.

وبقيت إمكانية إدراك معاني التعبيرات القرآنية، والأسس التي تفهم مضامينها في ضوئها، مماثلة الآن بالتأكيد لما كانت عليه بالنسبة للنبي والصحابة قبل أربعة عشر قرنًا.

وواقع الأمر، أن قدرة أي باحث على فهم الوحي الآن على النحو ذاته الذي فهمه به المسلمون في صدر الإسلام، في عهد التنزيل، يمثل معجزة في تاريخ الأفكار.

وليس تغيرُ اللغة بالأمر الحتمي. فاللغة العربية لم تتغير، وإن كان مستودعها من الكلمات المصدرية قد زاد قليلًا ليُلبى المستجدات. أما جوهر اللغة المتمثل في بنائها النحوي والصوفي وتركيباتها وتعبيراتها الرابطة بين الوقائع والأفكار وأشكال محسناتها الأدبية، فلم يطرأ عليها أي تغيير.

فلولاه لتبدلت المعاني وحرفت. ودليل ذلك هو ما طرأ من تحريفات في الوحي المنزل على موسى وعيسى، وفي تعليمات زرادشت وبوذا، لما ضاعت لغاتها الأصلية، أو نسيت، أو تبدلت،

رابعًا: الإسهام الخاصّ للإسلام في الثَّقافة العالمية

وافترضت عقيدة التثليث المسيحية، وجود ثالوث مقدس الآب والابن والروح القدس ، يمثل كل منهم إلهًا بكل معنى الكلمة. وزعمت أن الرب قد أصبح بشرًا، منتهكة بذلك كلاً من وحدانية الذات الإلهية، وتساميها المفارق أو آخريتها المطلقة. وعبرت اليهودية عن الرب بصيغة الجمع، ووصمته بمعاشرة بنات الإنسان، منتهكة بذلك وحدانيته، وتساميه المطلق المفارق.

ويعبر التوحيد، بعبارته البالغة الإيجاز: لا إله إلا الله ، عن معان ثلاثة، على المستوى القيمي، أولها: أن الخليقة هي المادة التي ينبغي تجسيد الإرادة الإلهية المطلقة فيها.

والخليقة ليست هي أفضل العوالم الممكنة فحسب، بل إنها كاملة ولا عيب فيها. ويكفينا هنا التدبر في هذين الشاهدين القرآنيين: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]

والكون الممتلئ بالقيمة دليل بارز على وجود الله. والحفاظ عليه وإثراؤه يدخلان في إطار حمد الإنسان لربه وعبادته له.

وفي مقابل ذلك، انتقصت المسيحية من قَدْر هذا العالم واعتبرته ساحة للجسد، ومن قَدْر الإنسان بوصفه مخلوقًا محملًا بالخطيئة، ومن المكان والزمان باعتبارهما مجالاً من المستحيل تحقيق المطلق فيه إلى الأبد.

أما المعنى الثاني لشهادة التوحيد، فهو أن الإنسان لا يواجه في هذه الحياة أي مأزق لا يستطيع أن يخلص نفسه منه بنفسه.

أما المعنى الثالث الجديد الذي تعبر عنه شهادة التوحيد على المستوى القيمي،

فإنه لا محل للتمييز بين الأماكن والبشر كموضوع للفعل الأخلاقي.

على كل شيء، فبعض هذه التسميات غير العادية تنطبق على شخص مقيم داخل هذا. فإن القول بعدم التمييز بين نقاط الزمان والمكان بوصفها بؤرًا لقوة طرد مركزية للفعل السياسي، وبعدم التمييز بين البشر بوصفهم فاعلين للفعل الأخلاقي، على نحو يجعل الحياة الأخلاقية عالمية ومجتمعية في الوقت نفسه، كان بمنزلة اكتشاف جديد، غائب عن الممارسة، حينما ولدت الحركة الإسلامية.

وبتوليفه من عناصر من الديانتين المصرية القديمة والإغريقية، ومن ديانة مثرا الفارسية، ومن أديان الشرق الأدنى الغنوصية، طوقت الديانة الهيلينية الحركة السامية التي جاءت على يد عيسى عليه السلام،

التَّوحيد: مبدأ التَّاريخ

يُلزِم التوحيد الإنسان بأخلاقية للعمل،

فالإسلام يتطلب، في الواقع، أخلاقية النية، ويعتبرها شرطًا مسبقًا للدخول في ساحة الوفاء بمقتضيات أخلاقية العمل.

يتوقع الإسلام من المسلم الملتزم، أن يتدخل في سير الزمان والمكان. فلا مناص أمام المسلم بعد أن يشهد بعبوديته لله وحده ويكرس نفسه وحياته وكل طاقاته لعبادته ويسلم بوجوب تفعيل الإرادة الإلهية في هذه الحياة الدنيا بزمانها ومكانها، من أن يدخل في حومة العمل والتاريخ ليحادث التحول المرقوب في ساحتهما. وليس بمقدور المسلم أن يعيش حياة الخلوة والرهبنة، إلا على سبيل التمرين على ضبط النفس وتحقيق الانضباط الذاتي.

ومن الواضح أن ملء هذا العالم بفضائه المكاني والزماني بالقيمة، بل حتى بالقيمة المادية للطعام، ليس جزءًا مهمًا من الدين فحسب، بل هو جماع وظيفة الدين ذاتها.

والمسلم واثق من أن ما قدره الله للتاريخ في نهاية المطاف هو نتيجة مباشرة لسلوك هو في التاريخ على المستوى الفردي الشخصي، وكذا على المستوى الجماعي أو المجتمعي.

لا معنى لاستحضار معية الله، وحبه، والذوبان في مشيئته، والحياة فيه، ما لم يؤدِّ ذلك إلى الارتقاء بهذا العالم الدنيوي، وبهذا التاريخ، وبهذه المادة، بملئهم بالقيمة بجعلهم محاكين للإرادة الإلهية.

ولم يستسلم النبي لأعدائه بسلبية، ويضع نفسه في موضع الضحية، بل حرص على أن يفوقهم في الحيلة والدهاء والأخذ بالأسباب الممكنة، وهاجر إلى المدينة المنورة. وأسس في الأسبوع الأول من وصوله إليها الدولة الإسلامية الأولى. وقدم لها دستورها المعروف بصحيفة المدينة.

وفاضت روح النبي إلى بارئها، بعد إتمامه لمهمة الهداية وتأسيس القدوة في كل نواحي الحياة من أشدها إيغالاً في الخصوصية، وصولاً إلى الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، التي وحَّد الجزيرة العربية من خلالها، وجهَّزها للتدخل المذهل في صناعة تاريخ العالم. ومن الأمور ذات الدلالة أن المنية وافت النبي ﷺ في لحظة كان يوجد فيها جيش مجهز يقف على أهبة الاستعداد لحمل رسالة الإسلام إلى ما وراء الجزيرة العربية.

فالمسلم، شأنه شأن حي بن يظنان، قد تعين عليه بعد أن عرف الله، وعرف الإرادة الإلهية، أن يصنع من جذوع الشجر سفينة يعبر بها البحار، لينهى بها عزلته الفردية، وليبحث عن المجتمع والعالم، ويصنع التاريخ.

التَّوحيد: مبدأ المعرفة

لا للشكوكية، ولا لإيمان المسيحيين

تفاقمت النزعة الشكوكية بدرجة بالغة الخطورة في عالم اليوم عامة،

النزعة الكَلْبِيَّة: النزعة التي تنظر إلى القيم والمبادئ والدعاوى النبيلة بنوع من الاستهزاء والارتياب المرير، وتفترض أن وراء كلام الناس عن الحق والخير والدين والأخلاق مصالحَ خفية، أو نفاقًا، أو خداعًا.

النزعة الشكوكية: تشُكّ في إمكان الوصول إلى الحقيقة، أو تطلب دليلًا دائمًا، وقد تصل إلى إنكار اليقين.

النزعة الكلبية: تشُكّ في صدق النوايا والقيم، وتميل إلى السخرية من المعاني الكبيرة، وتفسيرها تفسيرًا دنيئًا أو مصلحيًا.

والكلمة أصلها مرتبط بمدرسة فلسفية قديمة اسمها الكلبية (Cynicism)، لكنها في الاستعمال الحديث غالبًا لا تعني المدرسة القديمة بدقة، بل تعني: النظرة الساخرة المتشائمة التي لا ترى في الناس ولا في القيم إلا المصلحة والخداع.

ويعود هذا الانتشار المشهود جزئيًا إلى نجاح العلم بمفهومه الغربي المنظور إليه على أنه بمنزلة الانتصار المتواصل للعقل التجريبي على العقل الديني.

وروج الغرب تعريفًا للعقل الديني على أنه العقل الملتزم بتعاليم الكنيسة ورؤيتها. وفقدت الكنيسة في رأي التجريبيين حجيتها، ومرجعيتها في تعليم الحقيقة من أمد طويل.

ولا يزال العالم الغربي وكل من يحاكونه سكارى بهذا النصر السهل الذي حقَّقه العقل العلمي على الكنيسة المسيحية.

ويخلصون من ذلك، دون أية روية، إلى أن كل شيء لا يتم إثباته على هذا النحو يعتبر مشكوكًا فيه. وما دام غير قابل للتأكد من صحته فهو زائف.

ولهذا السبب ينبغي للمسلم أن يتحرز في التعبير عن إيمانه من استخدام مفهوم العقيدة أو الإيمان، لما لحق بهما من تلبيس في الخبرة الغربية. ذلك أن تلك المفهومات حين تستخدم باللغة الإنجليزية بمعناها العام، تحمل في طياتها، مضمونات اللاحقيقة والاحتمالية والشك والاشتباه.

فمفهوم الإيمان مشتقٌّ من الأمن. ومن ثم هو يعني أن الأخبار التي قام عليها صادقة في الواقع، وأن العقل قد سلَّم بصحتها، أي فهمها وتقبلها.

ولهذا السبب فإن الإيمان واليقين مترادفان.

فالمرء قد ينكر الحقيقة وقد يتشكك فيها قبل أن يصل إلى اليقين. أما حينما يوجد اليقين فإن الحقيقة تصير راسخة ومقنعة، مثلها مثل الدليل الحسي سواء بسواء.

فاليقين هو بلوغ الحقيقة درجةَ الثبوت على نحو دامغ. والإيمان من ثم اعتراف محرَّر تمامًا من أيَّة ظلال لشكوك الاحتمالية والتخمين واللايقين.

الإيمان هو شيء ما يحدث للإنسان حينما تواجهه حقيقة واقع شيء ما، وتقنعه بصحتها التي لا ريب فيها. وهو من طبيعة مشابهة للاستنتاج الهندسي الذي يسلم الإنسان انطلاقًا من مقدماته المنطقية بصحته وحتميته.

وعلى العكس من الإيمان المسيحي، فإن الإيمان الإسلامي هو حقيقة يصل العقل إلى اليقين بها، وليس تسليمًا بلا تمحيص يعتمد على سذاجته وقابليته لسرعة التصديق. فحقائق الإيمان وأخباره في الإسلام ليست أسرارًا ولا ألغازًا غيرَ منطقية، ولا سبيل إلى معرفتها. بل هي حقائق أو أخبار عقلية ونقدية، جرى إخضاعها للشك، وخرج المؤمن بها من اختبارها وتمحيصها باليقين في صحتها. ولم تعد بحاجة إلى مزيد من الأدلة على صحتها. فكل من يسلم بصحتها عاقل. وكل من يواصل جحدها أو التشكيك فيها غير عاقل. ولا يمكن سحب ذلك التصور على الإيمان المسيحي بحكم تعريفه.

وتتمثل عقلانية الإسلام في احتكامه إلى غاية ما لدى العقل الإنساني من قدرة نقدية. ولا يخشى الإسلام من الدليل المضاد، ولا يقبل التأسيس على أسرار، ولا يقيم دعواه على مشاعر باطنية، أو على شكوك أو لايقين جوانية ما، أو على أماني أو رغبة في أن تكون الحقائق على غير ما هي عليه في الواقع. فدعوة الإسلام عامة وعلنية، تخاطب العقل وتسعى إلى إقناعه بالحقيقة، وليس إلى قهره بما هو فوق قدرته على الفهم.

الإيمان الإسلامي مقولة معرفية

خلاصة ما سبق أن الإيمان ليس مجرد مقولة أخلاقية، بل هو في الحقيقة وفي المقام الأول مقولة معرفية. هو بتعبير آخر مفهوم مرتبط بالمعرفة وبصحة الأخبار التي يتأسس عليها.

فالإيمان هو أساس التفسير العقلاني للوجود. وهو المبدأ الأول للعقل، ولا يمكن أن يكون غير منطقي أو لاعقلاني، وإلا كان متناقضًا مع نفسه. فالإيمان هو بحق المبدأ الأول للعقلانية. ومن شأن إنكاره أو معارضته الانحطاط عن مستوى صوابيّة التفكير، ومن ثم عن مستوى الإنسانية.

والنزعة الشكوكية المنكرة لتلك الحقيقة هي نقيض التوحيد. ومنبعها هو التفاعلُ عن متابعة البحث عن الحقيقة إلى منتهاه، والتسليمُ المتعجل بعدم إمكانية معرفة الحقيقة.

وحدانية الله، ووَحْدَةُ الحقّ

الإقرار بوحدانية الله بمنزلة إقرار بالحق وبوحدته. فوحدانية الله ووحدة الحقيقة أمران متلازمان، لكونهما وجهين لحقيقة واحدة.

ويتشكّل التوحيد بوصفه مبدأ منهجيًا من ثلاثة مبادئ معرفية: أولها: رفض كل ما لا يتمشى مع الحقيقة. والثاني: نفي التناقضات النهائية. والثالث: الانفتاح على الدليل الجديد، وعلى دليل المخالفة.

وينفي المبدأ الأول الزيف والخداع عن الإسلام، حيث إنه يضع كل شيء في الدين في متناول التمحيص والنقد.

ويمكن تعريف المسلم بأنه: الشخص الذي لا يقول إلا الحق، ولا يمثل إلا الحق، حتى لو عرَّضه ذلك للخطر. فالنفاق وتلبيس الحق بالباطل ووضع المرء القيمةَ الأخلاقيةَ في مرتبة أدنى من مصلحته الخاصة، أو من مصلحة عشيرته، أمرٌ بغيض في منظور الإسلام، وجدير بالازدراء.

أما المبدأ الثاني الخاص بنفي التناقض المطلق، فيحمي المرء من التناقض البسيط من جهة، ومن التناقض الظاهري من جهة أخرى. وهذا المبدأ هو جوهر العقلانية.

والسؤال المطروح من ثم هو: هل يمكن تجنب التناقض؟ وهل يمكن للمس مخرج منه حالة حدوثه؟ الموقف الإسلامي من هذه المسألة هو الجزم بوجود مخرج من التناقض، بمبدأ آخر أو حقيقة أخرى تنضوي تحتها تلك المتناقضات على نحو يزيل ما بينها من تناقض، ويؤلف بين فروقها.

ويصدق هذا المنطق ذاته بخصوص ما قد يبدو من تناقض بين العقل والوحي. فالإسلام لا ينفي وجود إمكانية منطقية لحدوث مثل هذا التناقض فحسب، بل يزود البشرية في المبدأ الثاني الذي نحن بصدّد بيانه، بدليل إرشادي ليخرج منه حالة حدوثه في الفهم الإنساني.

ومن جهَة أخرى، قد يتعارض الوحي مع العقل، أي مع نتائج التمحيص العقلي والإدراك المعرفي العقلاني. وفي مثل هذه الحالة يعلن الإسلام أن التعارض ليس نهائيًا، ويوجّه الفاحص إلى واحد من ثلاثة خيارات: مراجعة فهمه للوحي، أو مراجعة النتائج العقلية التي توصل إليها، أو القيام بهاتَيْنِ العمليَّتَيْنِ معًا.

منطلقًا من التسليم بحتمية وجود بُعدٍ لم يضعْه الفاحِصُ في اعتباره، وإذا وضعه في اعتبارهَ سيزول التعارض المتصور.

ومن جهة أخرى، فإن التسليم بأن التعارض أو التناقض الظاهريَّ نهائيٌّ، أمر لا يستسيغه إلا ضعافُ العقول. وعلامةُ عقلانيَّةِ المسلم أنه يُصِرُّ على وَحْدَة مصدرَي الحقيقة: الوحي والعقل.

أما المبدأ الثالث للتوحيد من حيث وحدة الحق، فهو الانفتاح على الدليل الجديد، أو على دليل المخالفة، أو عليهما معًا، فهو يحمي المسلم من الليبرالية والتعصب والنزعة المحافظة المفضية إلى الركود. ويتجه هذا المبدأ بالمسلم صَوْبَ التواضع الفكري. ويفرض عليه أن يذَّيل تأكيداته ونفيه بعبارة: الله أعلم؛ لأنه على قناعة بأن الحقيقة أكبرُ من أن يحيط هو بكل جوانبها على الدوام.

والتوحيد بتأكيده على وحدانية الله تعالى المطلقة، يؤكد على وحدة مصادر الحقيقة. فالله تعالى هو خالق الطبيعة التي يستقي الإنسان معرفته منها.

وموضوع المعرفة هو الآيات والسنن الربانية المبثوثة في الطبيعة التي هي من صنع الله.

وعلِّمُ الله تعالى عامٌ ومطلقٌ. وما لدى الإنسان من علم إنما هو من عند الله تعالى.

التَّسامُح

وعلى الإنسان أنَ يعي على الدوام أن كل ما يقدِّره الله تعالى إنما يقدره لغاية خيِّرة، ناصيتُها بيده وإليه منتهاها. والقول بعكس ذلك نفي للتوحيد.

وهذا هو السبب في تحريم القرآن الكريم القاطع على المسلمين أن يسيئوا الظنَّ بالله

وأدان القرآن من يفعل ذلك رجمًا بالغيب. فالله تعالى لم يخلق البشرية ليعذبها ولا ليُضِلَّها. وهو سبحانه لم يُنْعِمْ علينا بملكات المعرفة وبالغرائز والشهوات لنضلَّ عن سواء السبيل.

فما نعرفه بحواسّنا صحيح، ما لم تكن حواسّنا غير سوية أو معيبةً بجلاء. وما يبدو متماسكاً في الحس العام يعتبر صحيحاً، ما لم يقم الدليل على العكس.. وبالمثل فإن ما نريده بغرائزنا وشهواتنا هو خير بالأساس، ما لم يحرِّمَه الله علينا صراحة. ويرشدُنا التوحيدُ إلى التفاؤل على الصعيدينِ المعرفيِّ والأخلاقيِّ. وهذا هو ما نسميه أيضاً التسامح.

ويراد بالتفاؤل، بوصفه مبدأ معرفيًا، قبول الحاضر إلى أن يقوم الدليل على زيفه. أما المراد به بوصفه مبدأ أخلاقيًا، فهو: قبول المرغوب إلى أن يقوم الدليل على انتفاء تلك الصفة عنه. ويسمى المبدأ الأول مبدأ الصحيح. ويسمى الثاني مبدأ اليسر.

ويعني التسامح في هذا المضمار، اليقين بأن الله تعالى قد وهب البشر جميعًا فطرة سليمة تمكنهم من معرفة الدين الحق، وإدراك المشيئة الإلهية والتعاليم الربانية.

ويتطلب التسامح من المسلم دراسة تاريخ الأديان ابتغاء تحقيق مستهدفَيْنِ، أولهما: اكتشاف ما بها من حنيفية الفطرة الأصلية التي أرسل الله تعالى رسله في كل زمان ومكان لبيانها للناس.

وثانيهما: التأكيد على الدين الحنيف وجذب الناس إليه بأصحِّ الحجج وأنسبها.

التَّوحيد: مبدأ الغيب

ينظر المنظّر الهندوسي لنشأة الكون، إلى الطبيعة، على أنها حدثٌ مشؤوم وقع لبراهمن المطلق.

أما علم نشأة الكون المسيحي فيرى أن الطبيعة من خلق الله تعالى، وأنها كانت كاملة في أول أمرها، ولكنها فسدت بالخطيئة، وصارت شريرة.

وبعد عملية الخلاص هذه، ترى المسيحية نظرياً عدم القطع بعودة الكمال إلى الطبيعة. أما من الوجهة العملية، فإن العقل المسيحي ظل ينظر إلى الخليقة على أنها ساقطة في الخطيئة، وإلى الطبيعة على أنها شريرة.

واعتبرت المسيحية الطبيعة بكل إمكاناتها المادية ونزعاتها، مملكة للشيطان.

وانفتح المسيحيون على الحياة، وعلى النظر إليها بإيجابية، متأثرين بالفكر الإسلامي أولاً، ثم بحركة النهضة والتنوير، والفلسفة المدرسية لاحقاً.

الفلسفة المدرسية أو السكولاستيكية (Scholasticism) هي تيار فلسفي ولاهوتي ظهر وازدهر في أوروبا في العصور الوسطى، خصوصًا داخل المدارس والجامعات المسيحية.

فكرتها الأساسية: محاولة التوفيق بين الإيمان المسيحي والعقل الفلسفي، وخاصة فلسفة أرسطو (Aristotle)، باستخدام المنطق والجدل والتحليل العقلي.

يعني أصحاب الفلسفة المدرسية كانوا يحاولون الإجابة عن أسئلة مثل: هل يمكن إثبات وجود الله بالعقل؟ ما العلاقة بين العقل والوحي؟ هل الإيمان فوق العقل أم ضد العقل؟ كيف نفهم العقائد المسيحية فلسفيًا؟

من أشهر أعلامها: توما الأكويني (Thomas Aquinas) وهو أشهر من حاول الجمع بين اللاهوت المسيحي وفلسفة أرسطو.

وسُمّيت مدرسية لأنها ارتبطت بالمدارس والجامعات الكنسية في العصور الوسطى، وكان أسلوبها يعتمد على عرض المسألة، ثم ذكر الاعتراضات، ثم الرد عليها بطريقة منطقية منظمة.

ثم احتلت النزعة الطبيعية العقل المسيحي فيما يتعلق بموقفه من الطبيعة والعالم، بل هيمنت عليه أحيانًا، في العصر الحديث، مع انتصار الحركة الرومانسية والعلمانية بعد الثورة الفرنسية.

الحركة الرومانسية أو الرومانتيكية (Romanticism) هي حركة فكرية وأدبية وفنية ظهرت في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر وازدهرت في القرن التاسع عشر.

جاءت كردّ فعل على الإفراط في تعظيم العقل والمنطق في عصر التنوير، وعلى جفاف الحياة الصناعية الحديثة، فرفعت قيمة: العاطفة، والخيال، والحدس، والطبيعة، والفردية، والتجربة الداخلية للإنسان.

يعني الرومانسيون كانوا يميلون إلى القول إن الإنسان ليس عقلًا فقط، بل هو مشاعر وخيال ووجدان وروح وتجربة شخصية.

في الأدب والفن، اهتمت الرومانسية ب: تصوير الطبيعة كأنها كائن حي ملهم، والتركيز على المشاعر العميقة، والتمرد على القيود الكلاسيكية الصارمة، والاحتفاء بالبطل الفردي المختلف عن المجتمع، والحنين إلى الماضي والأساطير والروحانيات.

ومن أشهر أعلامها في الغرب: ويليام وردزورث (William Wordsworth)، صامويل كولريدج (Samuel Taylor Coleridge)، لورد بايرون (Lord Byron)، فيكتور هوغو (Victor Hugo).

أما في الإسلام، فإن الطبيعة من خلق الله تعالى وهي منحة منه. وهي بوصفها مخلوقة ذات غاية وكاملة ومنظمة. وهي بصفتها منحة إلهية بمنزلة نعمة وخير خالص يرى موضوع تحت تصرف الإنسان. والهدف منه هو تمكين الإنسان من فعل الخيرات، وتحقيق السعادة والفلاح. وتتلخص الرؤية الإسلامية للطبيعة في كونها تتصف بصفات ثلاث: النظام والهدفية والخيرية.

أوَّلاً: الكون المُحكَم

كل ما يفعله غيره، وكل الأسباب المخلوقة في الوجود، لا تفعل فعلها في نهاية المطاف إلا بتصريفه ووفق إرادته.

ولا يعنى ذلك، من جهة أخرى، أنه سبحانه مسئول عن أفعالنا، بل نحن المسئولون عنها.

إلا أن قوة الإيجاد التي بها يكون الشيء أو لا يكون، تظل ملكًا لله تعالى ومحل تصريفه بلا شريك له.

ومن جهة أخرى فإن البحث في سنن الله تعالى في النفس وفي المجتمع، يستدعى إعادة تأسيس العلوم الإنسانية والاجتماعية.

فإلهنا إله حي فعال لما يريد، فعله وتصريفه كائن على الدوام في كل ما يحدث في الوجود. وإن كان كل شيء يحدث وفق علاقةٍ سببية موافقة لطبيعته التي خلقه الله عليها، فقدرة الله وإرادته متحقّقة في كل زمان ومكان، وبيده تصريف كل شيء. وهو وحده الفاعل النهائي لكل ما يحدث، والسبب النهائي لكل موجود.

والله تعالى ليس عدوًا للطبيعة. بل إن سننه في الكون هي الشرط الضروري للعلم الطبيعي. ذلك أن العالم إذا لم يقم علمه على افتراض أن نفس الأسباب تفضى إلى نفس النتائج على الدوام، وهذا هو مقتضى ثبات وديمومة السنن الإلهية الكونية، فإن العلم يعجز عن تأدية وظيفته.

ولقد جحد العلماء الغربيون المحدثون وجود الله، وفصلوا بينه وبين الطبيعة، كما لو كان ذلك ممكنًا. ومرد فعلتهم تلك هو كراهيتهم للكنيسة المسيحية، وما ادعته لنفسها من سلطة بلا أي وجه استحقاق، على المعرفة كلها، بما فيها معرفة الطبيعة. ولم تستطع العلوم الطبيعية أن تزدهر في الغرب، إلا بعد أن أقدموا على تلك الخطوة.

فالعلم يحتاج فيما وراء علمنة الطبيعة بهذا المعنى، إلى افتراض أن الطبيعة تعمل وفق سنن نمطية، وتمثل نظامًا محكمًا.

وعاد الكثيرون منهم إلى الدين وإلى الله، بعد أن عصفت نسبية (أينشتاين)، ومبدأ انتفاء الحتمية الذي توصل إليه (هايزنبرج)، بإيمانهم بنظام الطبيعة.

واقتبس سانتيانا تعبير الإيمان الحيواني من مثال ضربه بافلوف، وملَّته الآذان من كثرة الاستشهاد به، فحواه أن كلبا اعتاد أن يجد الطعام كلما سمع صوت جرس، فاعتقد أن الجرس هو سبب الطعام.

ونرى، نحن المسلمين، أن مسبب هذا النظام الكوني هو الله تعالى. فالكون صار كونًا، وليس فوضى، نتيجة بث الله تعالى سننه الإلهية فيه، والتي هي سنن قابلة للمعرفة بها، أي لاستكشافها بالملاحظة والتفكر،

وما يسمى القفزة الاستقرائية ليس بالنسبة للعالم المسلم، قفزة على الإطلاق، بقدر ما هو خطوة أخرى في قياس منطقي مقدمته الكبرى هي لا إله إلا الله.

ثانيًا: الكون الغائيّ

وتجمع علاقة الاعتماد المتبادل بين كافة المخلوقات. والانسجام الكامل بين كل مقومات الوجود هو أساس انتظامه.

وهذا هو مقتضى التوازن البيئي الذي بات الإنسان المعاصر على وعي به، نتيجة الخطر الداهم الناجم عن التلوث الذي أصاب البيئة في هذا العصر. أما المسلّم فكان على وعي بهذا المفهوم منذ قرون عديدة، وكان ينظر إلى نفسه على أنه في صميم هذا التوازن، بوصفه جزءًا منه شأنه شأن أي مخلوق آخر.

فمن الصعب بدرجة أكبر ملاحظة تلك العلاقة وإثباتها وتصورها بكل أبعادها، فيما يتعلق بالكائنات الدقيقة في عوالم الطحالب والميكروبات والأنزيمات التي لا ترى بالعين المجردة. إلا أن تلك السلسلة المترابطة من الغايات موجودة في تلك العوالم بذات الدرجة، في حقيقة الأمر.

ولا تزال معرفتنا بتعقيدات بيئة الطبيعة بالغة السذاجة. فما كشفت عنه العلوم الطبيعية منها يكفي فحسب لتخيل بنية النظام كله.

ويضعنا الكون، بوصفه نظامًا له غاية، أمام مشهد مهيب. فحجم الكون وشموله على المستوى الكلى، ودقائق تفصيلاته على المستوى الجزئي، والطابع الكامل والبالغ التعقيد لآليات التوازن فيه، تأسر الألباب وتحير العقول. ويقر العقل بتواضعه أمامها، تواضع الحب والإعجاب والتقدير والوعي بقيمتها.

الطَّبيعة بوصفها مملوكة لله تعالى بالأصالة

يقوم المبدأ الإسلامي على ركيزتين، الأولى ماورائية غيبية، قوامها اعتبار كل ما بالوجود مملوكًا لله تعالى. والثانية هي البعد الأخلاقي في تعامل الإنسان مع الموجودات.

ويرتبط هذا المبدأ بأربعة معطيات:

أولها، أن الطبيعة مملوكة لله تعالى، وليس للإنسان. وحصل الإنسان من الله تعالى على حق الانتفاع بها، على النحو الذي حدده سبحانه وتعالى له. وهو مطالب برعاية ما وضعه الله تعالى تحت تصرفه بصفة أمانة.

وثانيها، أن نظام الطبيعة مسخر للإنسان بحيث يستطيع أن يدخل عليه ما يشاء من تغيير. فلقد خلق الله تعالى الطبيعة مطواعة وقابلة لتدخل الإنسان في عملياتها، فضلاً عن إمكانية تغيير سلسلة علاقة السببية الطبيعية بفعل الإنسان. وما من ساحة ولا مجال في الطبيعة، إلا وهي وهو داخل الإطار المتاح للسعي الإنساني.

فكل الحليقة هي من أجل الإنسان، وهي في انتظار انتفاعه بها، والتصرف فيها بمقتضى سلطته التقديرية التامة المسئولة.

وثالثها، أن الإنسان مكلف في انتفاعه بالطبيعة واستمتاعه بها، بالتصرف على نحو أخلاقي.

ويمقت الإسلام التبذير ، ويحرم الإسراف وإنفاق المال رثاء الناس.

والمسلم التقى هو من يتجنب الفقر والعوز، ويمتلك القناعة، وتظهر عليه نعمة الله، ويرطب لسانه بشكر الله على ما رزقه به.

والأمر الرابع والأخير، أن الإسلام يأمر الإنسان بالتلقيب عن سنن الله في الكون وتفهمها، ليس فقط فيما يتعلق بالسنن التي تتشكل منها العلوم الطبيعية فقط، بل، بذات الدرجة، بلك السنن التي تشكل جمال الطبيعة ونظامها العام أيضًا.

التَّوحيد: مبدأ الأخلاق

يؤكد التوحيد أن الله تعالى الواحد الأحد خلق الإنسان في أحسن تقويم لعبادته.

فمبرر وجود الإنسان هو طاعة الله وتنفيذ أمره. ويؤكد التوحيد أيضًا أن جوهر هذه الغاية هو استخلاف الله تعالى للإنسان في الأرض.

وبمقتضى هذا الاستخلاف حَمَّل الله تعالى الإنسانَ – فيما بيَّنه القرآن الكريم – الأمانةَ التي لم تُطق السموات والأرض حملَها وأشفقن منها.

وفحوى هذه الأمانة الإلهية هي الوفاء بالشق الأخلاقي من المشيئة الإلهية، الذي يقتضى بحكم طبيعته أن يتحقق بحرية.

أوَّلاً: إنسانية الإسلام

يُعلِّمنا التوحيد أن الله تعالى رحيم، وأنه سبحانه خلق كل شيء لغاية، ومن ثَمَّ فإنه لم يخلُق الإنسانَ لعبًا ولهوًا.

وأنعم الله تعالى على الإنسان بالحواسّ والعقل والفهم، بل أكرمه بأن سوَّاه ونفخ فيه من روحه، بغية تأهيله للقيام بتلك المهمة الجليلة، المتمثلة في طاعة الله عن حرية واختيار.

وإذا قيل إن الإنسان هو أكرم مخلوق، فإن ذلك يرجع بالقطع إلى تفرُّده بتلك المهمة، بمعنى كونه بفعله وسعيه الأخلاقيين يمثل جسرًا كونيًا وحيدًا، يتم منه إدخال الشق الأخلاقي من الإرادة الإلهية، الأسمى من شقيَّها التكوينيِّنِ الأوَّليِّ والنفعي، إلى عالم المكان والزمان، وتصييره تاريخًا.

والتكليف هو أساس إنسانية الإنسان، وهو لب معناها ومحتواها. وقبول الإنسان تحمل هذا العبء، يضعه في مكانة أسمى من بقية المخلوقات، بما فيهم الملائكة، لكونه المخلوق الوحيد المؤهل لذلك.

بيد أن تأسيس تلك الفلسفة الإنسانية الإغريقية على نزعة طبيعية مبالغ فيها، أفضى بها إلى تأليه الإنسان، بل لتأليه رذائله. وهذا هو السر في أن الإغريقي لم يجد غضاضة في تصوير آلهته ككائنات يخدع كل منها الآخر ويتآمر ضده، ولا تتورع عن الزنا والسرقة وسفاح أولى القربى، والعدوان، والغيرة، والانتقام، وما شاكل ذلك من الأفعال الوحشية.

وادعت تلك الفلسفة أن تلك الأفعال والعواطف من المادة ذاتها التي صنعت منها الحياة البشرية، ومن ثم فإنها تعتبر طبيعية، شأنها شأن أوجه الكمال والفضيلة. وبما أن كل تلك الخصال يشقيها طبيعية، فقد ساد اعتقاد بوجوب التسوية بينها في القداسة،

استلزم القول باحتياج الخطيئة الإنسانية إلى فعل إلهي، إلى أن تكون بمنزلة مأزق مطلق، يستحيل على غير الله تخليص الإنسان منها.

وصنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة.

ولا مجال أمام الطبقة الدنيا ولا الملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البرهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا. فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت.

وأخيرًا، ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين.

ويستحيل في نظر الإسلام الفصل بين الأخْلاق والدين. فالأخْلاق مؤسسة بالكليّة على الدين.

ولم تكن القضية التي نهض لها الإسلام هي إثبات وجود الله. فلقد انطلق الإسلام بحق من اعتبار الإنسان كائنًا متدينًا، مشغولاً وعيه بحضور حيوي لربه على الدوام.

ثانيًا: الغاية مِن خلق الإنسان

ويصير السؤال المطروح هو: ما هو مبرر وجود الإنسان؟ ما الهدف من خلق الله الإنسان، ومن مؤازرته المستمرة له في الحياة والتاريخ؟

في إجابته على هذا السؤال، يستخدم الإسلام التعبيرات الدينية وكذا التعبيرات السامية القديمة، مؤكدًا أن الله تعالى خلق الإنسان لعبادته.

ويرقى هذا القول بالتعبير الفلسفي ، إلى مصاف تقرير أن الغاية من وجود الإنسان، هي تحقيق الخير الأسمى، أو تحقيق امتلاء الوجود بالقيم.

وقوام هذا المعنى أو الخير الذي هو غاية الحليفة كلها، في منظور الإسلام، هو تحقيق المشيئة الإلهية.

وفي هذا السياق، يشارك الإنسان في تحقيق الإرادة الإلهية. إلا أن رسالته تقع ضمن المجال الأخلاقي الذي لا تتحقق فيه إرادة الله إلا بفعل حر مسئول، أي في ظل إمكانية عصيان الإنسان ما أمر به.

فقدرة الإنسان على فعل الشر، تشكّل خطرًا محتملاً على موجودات الكون. إلا أن ذلك الخطر لا يقارن بالوعد العظيم الذي يمكنه تحقيقه بإنعام الله عليه بالحرية. فما أراد القرآن التأكيد عليه في هذا المقام، هو أن الإنسان ينفرد بإمكانية تحقيق القيمة الأخلاقية، لأنه هو الوحيد من بين المخلوقات المتمتع بالحرية المطلوبة لذلك.

ثالثًا: براءة الإنسان

يقرر الإسلام أن الإنسان يولد بريئًا، ويرسم طريقه في الحياة بعد مولده، وليس من قبل ذلك.

ويؤكد القرآن الكريم أن كل إنسان يولد بصفحة بيضاء وسجل نظيف من الذنوب، مؤسسًا ذلك على استقلالية وفردية الشخص الآدمي.

ويعلن القرآن الكريم أن كل إنسان لئن يحمل وزر أحد غيره.

فكل نفس تحمل بما فعلته هي من خير ومن شر.

وفي المقابل، سعى بعض المفكرين المسيحيين المعاصرين إلى إعادة بناء مبدأ الخطيئة الأصلية، على أساس وصفي جديد.

وخلصوا من ذلك إلى تعريف الخطيئة الأصلية بأنها: توجه كل تلك الميول الطبيعية أو النفسية إلى التمركز حول الذات.

فالقرآن الكريم يعلن أن أحدًا لن يحاسب على ما هو فوق استطاعته.

أما حينما تنتفي الاستطاعة فلا تكون هناك حرية، ومن ثم تنتفي المسئولية والإثم.

رابعًا: الخلق على صورة الله

يتوافق القرآن مع الرؤية اليهودية والمسيحية في أن الإنسان مخلوق على صورة الرب.

إلا أن القرآن يتفق مع اليهودية، ويخالف المسيحية، في اعتبار أن هذه الصورة فطرية في كل البشر ودائمه، بمعنى أنها: جزء من طبيعة الإنسان لا يمكن فقده.

ويؤكد القرآن أن الإنسان وُهبَ روحًا، يعرّفها بأنها من روح الله.

ومن هنا حلل النفس الإنسانية إلى مقوم حيواني يستقى الإنسان منه أحاسيسه وشهواته، ومقوم فكري يستقي منه عقله. وتحدث القرآن عن إنعام الله على الإنسان بحواس، وبقدرة على معرفة الكون، وعلى معرفة الله وإرادته، جديرة بالثقة فيها بدرجة مناظرة للوحى.

وأجمع الفلاسفة المسلمون على التسوية بين العقل من جهة والوحى من جهة أخرى. فالعضو الذي يستمد منه الإنسان الشبه بالإله هو العقل، الذي هو نفخة من روح الله، وهو من ثم الملكة التي يعرف بها الشبيه شبيهه، أي يستطيع بها الإنسان أن يعرف ربه.

إلا أن الإسلام يختلف جذريًا، أولاً، مع الرؤية الإنسانية الإغريقية، التي تعترف بإنسانية المواطنين الأحرار، بينما تصنف العبيد في فئة أخرى أدنى من سابقتها.

أما الإسلام فيرى أن كل البشر سواسية.

أما الملكة التكوينية الثانية للنفس البشرية على صعيد العقل، فهي قدرة الإنسان على تحمل المسئولية.

وخطيئة آدم خطيئة عادية. كانت هي أول خطأ في التقدير الأخلاقي، وأول إساءة تصرف، وأول جناية يرتكبها إنسان. إلا أنها برغم كونها الأولى من نوعها من كل هذه الجوانب، فإنها جريرة إنسان واحد. وتندرج من ثم ضمن مسئوليته الشخصية، ولا يتعدى أثرها إلى أحد غيره. وهذه الخطيئة ليست خالية من أي أثر كوني فحسب، بل هي خالية من أي أثر حتى على أبناء آدم أنفسهم. وهي لا تشكل هبوطًا لا لآدم ولا لأحد غيره. حقيقة أنها تسببت في هبوط آدم من الجنة إلى الأرض. ولكنها لم تغير شيئًا في فطرته وقدراته ووعده ورسالته ومصيره.

ولما كان كل إنسان رهينًا بعمله، فإن فلاحه أو خسرانه يتقوم بالكلية على عمله.

خامساً: التَّفعيل

أعلن الإسلام ضرورة الربط بين الإيان والعمل. والدليل على ذلك هو ربط القرآن في مواضع كثيرة بين الإيان والعمل الصالح.

وفي المقابل، يؤكد القرآن، بذات الدرجة، على سخط الله تعالى على القعود. ويدين الإسلام العزلة أو الخلوة أو الانقطاع عن العمل، حتى حينما يسعى المرء من ورائها إلى تنمية ما بنفسه من فضائل أخلاقية، كما هو الشأن بالنسبة للرهبانية المسيحية.

سادساً: الأُمَّتِيَّة

ولذا يرشد الإسلام الإنسان إلى دعوة غيره من البشر وتعليمهم وتحذيرهم، وتحريكهم بما فيه الكفاية لمشاركته في عمله كله، بغية تحقيق ذات الغاية.

والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو الاقتراب من الآخرين من مدخل إقناعهم بوجوب الرغبة في مثل ذلك العمل. وما أن يقتنعوا بذلك، فإنهم يقدمون على الانخراط فيه، ويجسدون القيم في أرض الواقع طواعية وبوعي.

ويجمع بين أعضاء تلك الأمة توافق ثلاثي الأبعاد في العقل أو الرؤية، في النية أو الإرادة، في الإنجاز أو العمل. وقوام تلك الأمة هو الأخوة الإسلامية،

وهذه الأمة بمنزلة مدرسة مهمتها هي الإقناع المتواصل للعقل، وساحة لرياضة القلب، تخضع الإرادة فيها لعملية ضبط وتهذيب مستمرة،

وعلى العكس من النظريات السياسية الليبرالية، فإن نظرية الأمتية تقوم على حكومة الحد الأكبر، لا الأدنى، وتكون الحاكمية في ظلها لله تعالى والسيادة لشريعته، وليس لإرادة الأغلبية التحكمية، ويكون الخير الأسمى هو تجسيد النموذج الرباني، وليس السعادة كما يتصورها أعضاء المجتمع.

فالمسلم المرتبط بأمته، إنسان جاد صاحب قضية يعيش من أجلها.

مهمة الإنسان على الأرض محفوفة بالمكاره. بيد أن حياة الإنسان في ظل الابتلاء، مفخرة له، وزاده في مواجهته هو التزامه بالإرادة الإلهية.

سابعاً: العَالَمِيَّة

والخيار المطروح إذن هو بين أن يكون الكون مندرجًا تحت مظلة النظام الإسلامي العالمي، أو يكون خارجه. وهذا هو السبب فيما انتهت إليه النظرية الإسلامية التقليدية من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب. ذلك أنه لا خيار ثالث بين نظام يقوم على الحرية والمسئولية والسلام الأخلاقي، ونظام يقوم على مرتكزات مضادة لها. فلا يوجد قاسم مشترك بين الالتزام بالشريعة، وعدم الالتزام بها.

والانعزالية بالنسبة للأفراد والمجتمعات ضرب من اللامبالاة الأخلاقية والعقوق. بل إن الانعزالية في مواجهة البغي والعدوان والجريمة والمجاعة والجهل والنكوص عن تفعيل القيم في أرض الواقع تمثل كبيرة من الكبائر، واستخفافًا بأمر الله تعالى.

ومما لا ريب فيه أن الإسلام يفاضل بين البشر على أساس العلم والحكمة والتقوى والفضيلة والاستقامة والأعمال الصالحة، والتوجه بالباطن والظاهر إلى مرضاة الله.

ويقرر الإسلام بكل جلاء أن هذا التفاضل مشروط بثبات صاحبه على تلك الخصال والترقّي في الحكمَة والتقوى والصلاح وفعل الصالحات.

ولقد بينت كل الديانات المنزلة من عند الله تعالى أن العلاقة بين الله والإنسان علاقة عهد، يعبد الإنسان ربه بموجبه، وفي المقابل ينعم الله تعالى عليه بالزرع والنسل والرفاه والسعادة. ويعي الإنسان أن ذلك العهد قائم على سنة التبديل في حال عدم التزامه به. فمقابل استنكاف الإنسان عن عبادة الله، هو حلول المعاناة والعقاب الإلهي عليه.

وانفردت اليهودية والمسيحية بدعوى تحويل تلك العلاقة من علاقة عهد، متضمن لفعلين متقابلين من طرفيه، إلى علاقة وعد.

ثامنًا: إيجابية الحياة الدُّنيا

ومن الهدي النبوي للصحابة، نهيه لهم عن المغالاة في العبادات، وعن الامتناع عن الزواج، وعن المبالغة في الصيام، وعن الطيرة، وعن التجهم. وأمرهم بالتعجيل بالفطور في رمضان وتقديمه على صلاة المغرب، وبالمحافظة على نظافة أجسادهم وأسنانهم، وبالتجمل ومس الطيب، وارتداء أحسن الملابس، لدى ذهابهم لصلاة الجماعة بالمساجد، وبالزواج، وإعطاء أجسادهم حقها من الراحة والنوم، والترويح عن أنفسهم بالرياضة والفن.

ويأمر الإسلام المسلم بالطبع بتنمية ملكاته، وفهم نفسه، وفهم الطبيعة والعالم الذي يعيش فيه، وبأن يشبع احتياجاته الفطرية للغذاء والمأوى والراحة والجنس والتكاثر، وبأن يحقق التوازن والتناغم في علاقته مع غيره من البشر ومع الطبيعة، وبأن يحول الأرض إلى بستان مثمر، ومزرعة خصبة، وحديقة غناء، وبأن يعبر عن فهمه واحتياجاته ورغباته، ويجسدها في أعمال جميلة. وكل هذا يدخل في مفهوم التاريخ وفي مفهوم الثقافة.

وتبارك الأمة الإسلامية ارتباط الإنسان بالسلطة وتأسيسها. يقول رسول الله ﷺ: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ، فالله تعالى هو الذي قضى باعتبار الدولة والنظام السياسي والمشاركة في العملية السياسية واجبًا دينيًا. فمهمة الحاكم هي تطبيق شرع الله. وواجب الرعية هو طاعة شرع الله والنصح للحاكم ومعاونته في إقامة الشريعة. ومن واجب الحاكم والمحكوم معًا تعبئة جهودهما على الدوام لتعميق ذلك التطبيق، للوفاء بكليته، والتوسع الأفقي في التطبيق للوفاء بمتطلبات عالميته.

التَّوحيد مبدأ النِّظام الاجتماعي

أوَّلاً: تفرُّد الإسلام

الإسلام فريد في بعده الاجتماعي بشكل مطلق بين كل ما عرفه العالم من أديان ومن حضارات.

ومن هنا فإن الإسلام يعلن أن الشأن الحياتي ذاته، ومسألة الزمان والمكان، وعملية التاريخ، يدخلون في نطاق الدين.

ويريد الإسلام من البشر أن يسعوا في الأرض للحصول على طيباتها من مأكل ومشرب ومأوى وراحة، وأن يحولوا العالم الدنيوي إلى جنة، وأن يتمتعوا بالمعاشرة الزوجية وبالصداقة وبطيبات الحياة، وأن يطوروا العلوم، وأن يتعلموا، وينتفعوا بالطبيعة، وأن يترابطوا ويؤسِّسوا بنية اجتماعية سياسية، ويقوموا بكل تلك الأمور على الوجه الذي يرضاه الله فحسب، دون كذب ولا غش، ودون سرقة واستغلال، ودون ظلم للنفس وللجار، وللطبيعة والتاريخ.

فالنظام الاجتماعي، أو بتعبير أدق: الأمة أو دار السلام، هي الغاية العليا للإسلام في الحياة الدنيا بزمانها ومكانها.

ومن الملاحظ أن جزءًا يسيرًا من الشريعة الإسلامية يتعلق بالشَّعائر والعبادات والأخلاقيات الشخصيّة المحضة، بينما يتعلق الشطر الأكبر منها بالمعاملات التي هي شئون اجتماعية في جوهرها.

والبعد الاجتماعي جلي في بعض الشعائر مثل الحج والزكاة، يحكم طبيعة تلك الشعائر وأثرها.

وخلاصة القول إن النظام الاجتماعي هو بمنزلة القلب من الإسلام، والأولوية معقودة له في مقابل ما هو شخصي. حقيقة أن الإسلام يعتبر ما هو شخصي شرطًا ضروريًا مسبقًا لما هو اجتماعي، ولكنه يعتبر الشخصية الإنسانية التي تقف عند حد ما هو شخصي ولا تتجاوزه لما هو اجتماعي، شخصية متنكبة للصراط المستقيم.

المُغايرة لأديان الهِنْد

ولا تسمح تلك الملل لأتباعها بالتفاعل مع الحياة الدنيا بالمرة، إلا في اتجاه سلبي، أي بهدف: تحقيق التحرر الكامل من قيودها، أومن قانون تأييدها الذاتي،

وإذا كان الهندوسي قد طوَّر نظامًا اجتماعيًا دولة أو إمبراطورية أو حضارة أو مجتمعًا إنسانيًا له طابعه الخاص قائمًا حتى الآن، فإنه قد فعل ذلك بالمخالفة لمقتضيات رؤية الاستنارة الهندوسية.

المُغايرة لليهودية

ولهذا النظام الاجتماعي أساس بيولوجي. فاليهود هم فقط من يولدون يهودًا. وينبغي تثبيط غير اليهود بكل جدية عن التحول إلى اليهودية، وجعل مسألة التهود عند أدنى حد ممكن.

فحين يتعلق الأمر بالحفاظ على بذرة إبراهيم، يستباح حمى أقدس الشرائع الخاصة ببني إسرائيل كتحريم زنا المحارم والزنا بوجه عام.

المُغايرة للمسيحية

ومن هنا كان لزامًا أن تكون دعوة عيسى عليه السلام عالمية، وشخصية، أي: موجهة إلى داخل الإنسان.

إلا أن تلك الدعوة تحولت مع غلبة اليونانيين على أمرها، إلى ديانة غنوصية أخرى. وأصبح إله الساميين المتعالي أبًا في ثالوث مقدس، تشكل العضو الثاني فيه على صورة ميثرا وأدونيس، يموت ويقوم ليقدم الخلاص عبر التنفيس.

فلم يعد هناك مسيحي يوافق على منح الكنيسة نصيبًا في الحياة السياسية، عدا دور الناقد الخارجي.

وليس لدى المسيحية الآن نظرية للمجتمع.

المُغايرة للعَلَمَانِيَّة الحديثة

يُمثِّل النظام الاجتماعي في الإسلام نقيضًا تامًا للعلمانية الحديثة، بكل جلاء. فالعلمانية الحديثة تسعى إلى نفي أي دور للدين في تقرير كل ما له علاقة بالشأن العام. وحجتها في ذلك كما تجسدت في التاريخ العلماني في الغرب، أن الدين يصب في مصلحة قطاع واحد في المجتمع هو الكنيسة، على حساب ما عداها.

وهذه الحجة صحيحة بالقطع بالنسبة للغرب،

ومن الممكن أن يتفهم المرء مثل هذه التهم، حالة توجيهها إلى المسيحية، أو إلى الأديان التي أسست مبادئها على عقائد لا دليل على صحتها، أو إلى أديان تمر بمرحلة وهن معينة.

ودعوى العلمانية هذه منافقة في أغلب أحوالها. فلا يوجد مجتمع يستطيع أن يدعى استبعاد القيم على الإطلاق في تقرير شئونه، أو أنه يقرر شئونه بقيم ليست نابعة بالمرة من تراثه الديني.

ثانيًا: التَّوحيد والمُجتَمَعِيَّة

وفي حين تعتبر الشريعة ثابتة ومقدسة في صيغتها المعيارية، فإنها قابلة في صيغتها الإرشادية للتكيف مع متطلبات العدالة والإنصاف الموقفية، بما يحقق الصالح المادي التجريبي والروحي لكل من الفرد والأمة.

ومعنى ذلك، أن الأمة لا يحكمها الحكام ولا المحكومون، فكلاهما خاضع لحكم الشريعة. والحاكم مجرد منفذ للشريعة. والمحكومون سواء كانوا في موقع الوكيل الفاعل، أو الصابر على فعل آخرين، هم أدوات لتنفيذها في لحظة زمنية ومكانية محددة.

فالقانون إلهي المصدر، وهو بهذه الصفة يعلو ولا يعلى عليه. وحينما يقول المسلم إن الحكم إلا لله … فإنه يعلن التزامه بطاعة المشيئة الإلهية، ويقر بالحاكمية المطلقة لله تعالى على كل المخلوقات. والشريعة بذلك هي الممسكة بزمام السلطة السياسية في الأمة، وليس الحاكم الذي هو مجرد منفذ لأحكامها. والأمة بذلك حكومة نواميس شرعية، وهي بمنزلة جمهورية، الحكم فيها للشريعة.

معنى عبارة الأمّة بمنزلة الجمهورية غالبًا: أنّ الأمّة ليست ملكًا خاصًّا لحاكم أو أسرة أو طبقة معيّنة، بل هي كيان عامّ مشترك بين أبنائها، وشؤونها تُدار باعتبارها مصلحة عامّة لا ملكًا شخصيًا.

أما الحكم الجمهوري فهو نظام سياسي تكون فيه السلطة من حيث الأصل النظري قائمة على أن الحكم ليس وراثيًا ملكيًا، بل يتولّى الحاكم أو الرئيس منصبه باسم الشعب أو الأمة، غالبًا عن طريق انتخاب مباشر أو غير مباشر، ولمدة محددة أو وفق نظام دستوري.

ومن الواضح أن الأمة ليست حكومة رجال دين، بالنظر إلى أنه ليس بوضع أحد أن يدعى قداسة ويحكم باسم الله. وهي ليست حكومة ديموقراطية، ولا حكومة أقلية ثرية، ولا حكومة فردية مطلقة. فلا مجموعة من الشعب، ولا الشعب برمته يملك أي حق في الحكم بصفته تلك.

وبمجرد أن يعطل تطبيق أحكام الشريعة على كل شئون الأمة، تفقد الأمة ميزتها الإسلامية، وتغدو قابلة للثورة على وضعيتها المنتكسة.

ثالثاً: مضمونات نظرِيَّة

يتطلب تحقيق الإرادة الإلهية أو تجسيد القيم في أرض الواقع، وجود الأمة، أي قيام بنية بشرية مترابطة، تعمل وفق الإرادة الإلهية. وتنبع الحاجة إلى الأمة من الاعتبارات التالية:

الطابع العام للحياة الإسلامية

الحاجة إلى نسيج اجتماعي ملموس حقيقي وجودي

فالمجتمع كما نعرفه الآن شرط ضروري للأخلاقية. ولا يقل المجتمع ولا يزيد عن كونه سياقًا يتعامل فيه أفراد أحرار معًا، يؤثرون على نحو متبادل بعضهم على بعض، وعلى بقية الموجودات. والمجتمع، بالأحرى، شرط للفلاح الديني.

وفي المقابل، لا يمكن لأي مجتمع أن يوجد أو أن يبقى في المدى الطويل دون أخلاق، إذ لن يكون هناك مفر في مثل تلك الحالة من تحقق ما أنذر به توماس هوبز من حرب الجميع ضد الجميع . وحتى العصابة تحتاج إلى تأسيس نظام أخلاقي ما لأفرادها، فيما لو أرادت البقاء عصابة بين العصابات.

علاقية القيميات

الإرادة الإلهية المتعلقة بالفروض العينية الفردية، مختلفة عنها بالنسبة للفروض الكفائية الجمعية،

اختلاف المردود القيمي للسعى الفردي عن السعي المجتمعي

الاختلاف بين أساس ما ينبغي أن يكون، وما يمكن أن يكون

أهمية الانفتاح بالنسبة لمجمل تأثير القيم

ثلاثة مبادئ رئيسة تؤثر على ممارسة المجتمِّع الإسلامي، أو على نشاطه، أو على حياته. وهذه المبادئ هي: العالمية والكلية والحرية.

وتمامًا كما تسري السنن الإلهية المبثوثة في الطبيعة على كل المخلوقات، مما يجعل الوجود كونَّا منظمًا، تسري الإرادة الإلهية على البشر كافة. ويمثل أي تمييز بين إنسان وإنسان آخر فيما يتعلق بالمهمة الأخلاقية، انتهاكًا لوحدة القيمة، ومن ثم لمبدأ توحيد الله.

لا يستطيع المجتمع الإسلامي أن يقتصر مطلقًا على أعضاء من أي قبيلة أو أمة أو عرق، أو جماعة.

إلا أنه لا يستطيع أن يغلق باب عضويته أمام أحد من حيث المبدأ، ولا أن يخلد إلى الراحة إلى أن يشمل البشرية برمتها.

ضرورة توسع المجتمع الإسلامي إلى أن يشمل الجنس الإنساني كله

وتتعارض القبلية والقومية، بجلاء مع هذه المبادئ الضمنية التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي.

وتدعى كل من القبلية والقومية، أن القيمة قاصرة على أعضاء جماعة واحدة فحسب،

فإذا رأى كل طرف استنادًا إلى مرجعيته الخاصة أن الصراع جوهري، فإنه لا يكون هناك سبيل لمعالجته غير المغالبة بين أطرافه بالقوة، مع كل ما يترتب على ذلك من إلحاق أحدهما الهزيمة بالآخر، أو تدميره.

التمييز بين إنسان وإنسان مستحيل في ظل الإسلام. والمجتمع الإسلامي مفتوح، وبوسع أي إنسان الانضمام إليه، إما مسلمًا، أو ذميًّا.

ويقدم علماء الفقه والأخلاق الإسلاميين تصنيفًا ملائمًا في هذا الصدد، تندرج بموجبه الأنشطة الإنسانية في واحدة من خمس فئات: الفرض، المحرم، المندوب، المكروه، المسكوت عنه المباح. وجاءت الشريعة الإسلامية بأحكام منظمة للفئتين الأوليين، وقدم الإسلام نموذجًا للقدوة السلوكية ممثلاً في النبي والصحابة رضوان الله عليهم، وأرشد أتباعه من رجال ونساء إلى محاكاة هذا النموذج فيما يتعلق بفئتي المكروه والمندوب.

فمرد تناغم المجتمع الإسلامي هو كونه مجتمعًا عقديًا يسعى إلى تحقيق صورته بنفسه، وبواسطة الدولة.

سارت الحركة الدستورية في الغرب في اتجاه قصر سلطة الدولة على حكومة الحد الأدنى الضروري لكفالة السلام في الداخل، والدفاع الفعال في مواجهة الخارج، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للرفاه العام.

المتضمن العملي الثالث للتوحيد بالنسبة للمجتمع هو: مبدأ المسئولية.

وحده الإنسان خلقه الله تعالى على شاكلة مغايرة. ومنَّ عليه بحرية طاعة الأمر الإلهي التكليفي أو عصيانه، ومكَّنه بذلك من أن يكون مسئولاً عن أفعاله.

وهذه المسئولية هي جوهر الأخلاقية. وتنتفي القيمة الأخلاقية لأي فعل في غيابها، ولا يتحقق الشق الأسمى من الإرادة الإلهية بدونها.

ويؤكد القرآن الكريم على الطابع الشخصي للمسئولية، وعلى نفي أية إمكانية لتحمل أحد المسئولية بالنيابة عن أحد، سواء تعلق الأمر بالعمل الصالح أو الطالح.

واستلزم الإسلام بالنسبة لأي عمل ليكون له أي وزن ديني، أن يبنيه فاعله على النية، أي على قرار جواني شخصي يمثل دليلاً على قصده له ومسئوليته عنه.

وفي ضوء ذلك تتحدد وظيفة المجتمع الإسلامي بمساعدة الجنس البشري كله على إدراك القيم، ثم على تجسيد القيم التأسيسية للإرادة الإلهية في أرض الواقع، بعد إدراكها. وهذه هي التربية في أنبل وأعظم معانيها.

التَّوحيد: مبدأ الأُمَّة

أوَّلاً: مفهوم الأُمَّة

وحينما نأتي إلى صفة الاجتماعي المشتقة من المجتمع، فإن المعنى يصير أكثر تقييدًا. فمفهوم المجتمع يُحيل إلى تجمُّعٍ طوعي من البشر يرمي إلى تحقيق أهداف معينة. وينبغي عدم الخلط بين هذا المفهوم ومفهوم الجماعة الذي يعني التجمُّع الطوعي بين مجموعة من البشر المتطابقين في العرق واللغة والتاريخ والثقافة والجغرافيا. ومن الوارد أن يتطابق المجتمع مع الجماعة. ومن الوارد أيضًا أن يختلفا.

غدا مُمْكِنًا بالنسبة للنظرية السياسيَّة الغربية تعريف الدولة بأنها: إقليم له حدود معينة تعيش عليه جماعة معينة تحكمها سلطة ذات سيادة قادرة على جعل قراراتها إلزامية .

ومفهوم الأمة أعمق مما سلف حيث إن كل فرد من الجماعات المسلمة يُعَد أمة بحد ذاته. ذلك أن كل فرد مسئول بالضرورة وبالشرع عن الحديث باسم الأمة العالمية والعمل بالنيابة عنها، حالة عدم وجود حكومة أو مؤسسة مُقامة بشكل شرعي قادرة على تطبيق الشريعة الإسلامية،

ومن ثم فإنه من المستساغ إلى حد بعيد أن يحدد الأفراد والجماعات هويتهم بالإسلام الذي يجمع بينهم بالأخوة الإسلامية العالمية، بدل تحديدها على أسس تجعل منهم مجرد جماعة من الجماعات. ولا يتعارض تحديد الهوية بالإسلام، مع إحساس كل جماعة بذاتيتها. فالهوية الإسلامية الجامعة لا تنفي عناصر الاختلاف الخاصة بكل جماعة، ولكنها تجعلها غير مهمة نسبيًا، بالمقارنة بما يجمعها مع غيرها من قواسم مشتركة عبر الإسلام. فتلك الفروق تبقى، ولكن توضع في حجمها الصحيح.

ولا يقبل مفهوم الأمة الترجمة، ويجب الحفاظ عليه بأصله العربي الإسلامي. فهذا المفهوم ليس مرادفًا لمفاهيم الشعب ولا القوم ولا الدولة ، التي هي مفاهيم تتحدد دائمًا، إما بالعرق أو بالجغرافيا أو باللغة أو بالتاريخ، أو بتوليفة من هذه المحددات.

والأمة بهذا التحديد تمثل نوعية من الأمم المتحدة ذات أيديولوجية واحدة قوية وشاملة، وحكومة عالمية، وجيش عالمي، لإنفاذ قراراتها. والأمة هي النظام الاجتماعي للإسلام. و الأمتية هي الحركة التي تناضل في سبيله، أو تسعى إلى تجسيد أهدافه في أرض الواقع.

ثانيًا: طبيعة الأُمَّة

أمة مناهضة للتمركز حول العرق: النظام الاجتماعي للإسلام عالمي، يحتضن الجنس البشرى كله دون أي استثناء. وكل إنسان هو بحكم مولده عضو فيه. وهو واحد من اثنين لا ثالث لهما، إما عضو فعلى أو عضو محتمل من واجب كل الأعضاء الآخرين السعي في إقناعه بالتحول إلى عضو فعلى.

وحينما تتحول العرقية إلى تمركز حول العرق، فإن الإسلام يدينها ويعتبرها ردَّةً إلى الجاهلية، أو إلى الكفر، لكونها تستبطن اتخاذ مصدر آخر للقانون لمعايرة الخير والشر، هو العرقية ذاتها.

وتمامًا كما أن الله واحد أحد، ورب كل المخلوقات بما فيها كل بنى الإنسان بالقطع، فإن شرعه واحد بالنسبة للجميع على حد سواء. ولا موضع في ظل هذا الشرع لمحاباة الله لأحد، ولا لاستثناء أحد من الخضوع له.

أمة العالمية: النظام الاجتماعي الإسلامي عالمي التوجه.

أمة الكلية: النظام الاجتماعي الإسلامي كلى، من حيث إنه يقوم على اعتبار الإسلام متعلقا بكل مجالات النشاط الإنساني.

أما المبدأ الفقهي الذي ينص على أن الأصل في الأمور الحلّ إلا ما حُرِّم بنص، فيهدف إلى الوقاية من توسُّع المحرمات على نحو جائر وغير شرعي، وليس إلى عدم استقراء الأحكام على وجهها الصحيح،

فإن أفضل نظام اجتماعي هو النظام الذي يحكم أقصى قدر ممكن من النشاط الإنساني، وليس النظام الذي يحكم أدنى قدر ممكن منه، وأفضل حكومة هي حكومة الحد الأعلى، وليس حكومة الحد الأدنى.

فإنه ينظر إلى غير المسلمين على أنهم أعضاء كامنون يتعين السعي إلى إقناعهم بالانضمام إليه.

والفلاح هو التحويل الحقيقي للأرض إلى جنة الله (وهذا هو المعنى الحقيقي للمفهوم القرآني: استعمار الأرض، أي إعادة تشييدها)، وتحويل البشر إلى أبطال وعباقرة وقديسين مطبقين لسنن الله تعالى.

فالفلاح يتطلب موافقة أفعال التحويل هذه للشريعة الإلهية، وأن تكون بواعثها راجعة لتطبيقها.

أمة الحرية: النظام الاجتماعي في الإسلام نظام حر. فالنظام الاجتماعي يفقد صفة الإسلامية، إن هو تأسس بالقوّة، أو استند في تنفيذ برامجه على إكراه البشر.

فلو كان البشر معصومين غير قادرين على فعل الشر مثلما هو الحال بالنسبة للملائكة، لكانت أفعالهم موافقة لإرادة الله تعالى وأمره، ولكنها ليست أخلاقية. والأخلاقية هي الشق الأسمى من الإرادة الإلهية.

ومعنى ذلك، أنه لكى يكون تفعيل القيمة أخلاقيًا، ينبغي أن يقف الحث عليه عند حد تعليم البشر وإقناعهم بقيمة القيم، وبمطابقة النماذج المرغوبة للأوامر الإلهية التكليفية. ويصير النظام الاجتماعي الإسلامي، في ضوء ذلك، شبيها بحلقة بحثية أو مدرسة واسعة النطاق، وظيفة الحكومة والقيادة في ظلها هي: التعليم والتربية والإقناع والإغراء والتنوير والريادة.

أمة الرسالة: … فالأمة هي الحَاضنة لَلرسالة الإلهية الخاتمة، وأداة تحقيق المشيئة الإلهية، والنقطة التي التقى عندها الإلهي بالكوني،

ثالثًا: الدِّيناميَّات الدَّاخلِيَّة للأُمَّة

لا إسلام دون الأمة: يقول الله تعالى: ﴿وَلتَكُن مَّنكُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وتبين هذه الآية الكريمة أن المسلمين مأمورون بأن يشكلوا من أنفسهم أمة، أي بنية اجتماعية منظمة على نحو خاص.

فالأمة هي مصدر حقوق المسلم وواجباته، وهي البنية التي يمكن في سياقها ممارسة تلك الحقوق والواجبات.

بل قد يزعم البعض أنه على العكس من ذلك، فإن المجتمع مفسد لتلك الغاية، بما أن أسمى صورة لتحقيق الفضيلة حين تكون سرًا بين العبد وربه. وردنا كمسلمين على تلك الدعوى، أنها تمثل رؤية مسيحية. فمن المؤكد أن الإسلام يأمر بالقيم الشخصية، ويجعلها في لفظ: الإخلاص (النية، الصدق، ابتغاء وجه الله، الطهر، الأمانة، وما شاكل ذلك)، ولكنه يحظر، بنفس الدرجة، الرهبانية .

أما في المسيحية فإن المجتمع والدولة يعتبران مملكة لقيصر، وفق الفهم التقليدي للمسيحية المؤسس على نصوص من أناجيل متى ومرقس ولوقا،

ولم يتحرك الضمير المسيحي صوب تمديد علاقية تعاليم المسيح بساحة العلاقات الاجتماعية والتشريع العام، إلا بعد أن أدت الثورة الصناعية في إنجلترا إلى الوصول في استغلال الإنسان إلى مستويات عالية للغاية من القسوة والتحقير.

أما في الإسلام، فإن كل شيء له علاقة بالله تعالى، ويقع في نطاق الأوامر الدينية الإلهية التكليفية. والأمة شرط ضروري، بحق، لكل تقوى، ولكل فضيلة.

وهذا هو السب وراء تحذير النبي ﷺ، الأمة من أنها إذا رأت المنكر ولم تغيره، أصابها الله بعذاب من عنده . وفسر حكمه هذا بمنطق أنه حينما يقع المنكر في السر فإنه لا يؤذي إلا الواقعين فيه. أما حينما يجاهر به فاعله، ولا يمنع من ذلك، فإن ضرره يصل إلى الجميع. يقول النبي ﷺ، فيما رواه الترمذي: والذي نفسى بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم لتدعونه فلا يستجاب لكم .

فإن من الهراء توقع تجسيد القيم الأخلاقية في أرض الواقع، بواسطة راهب ناسك في صومعته، غير مرتبط بغيره من البشر بعلاقات تجارة وصداقة ومصاهرة وجيرة وإنتاج واستهلاك للسلع المادية، وحرب وسلام، وتجربة وحكم، ورسالة وتعليم، واستجمام وتمتع بالجمال، وعلاقات مؤاخاة.

أمة واحدة لا تتعدَّد: … فالأمة واحدة في كينونتها، ويتعين أن تظل واحدة على الدوام؛ لأن الله واحد، وعبادته واحدة، وإرادته المتعلقة بالجنس البشرى كله وبكل مكان وزمان المبينة في القرآن الكريم والسنة النبوية والمتبلورة في الشريعة واحدة. والبشر جميعا سواسية أمامه، وإرادته بالنسبة لهم أفرادًا وشعوبًا واحدة بشكل مطلق.

ولا يعترف الإسلام بتأسيس أي أمة على آصرة النسب أو الجغرافيا أو السياسة أو اللغة أو الثقافة. فقط يعترف الإسلام بالأمم المؤسسة على الدين. بتعبير آخر، لا يقر الإسلام تقسيم البشر وفق القوم والعرق والدولة والقارَّة على شاكلة ما هو معروف في الثقافة الغربية الحديثة.

والإنسان لا يولد في تلك الأمة بالصدفة العمياء دون اختيار منه، بل بوصفه إنسانًا راشدًا يختار ويقرر الانضمام إليها.

وباستثناء اللحظة التاريخية الراهنة، كانت الأمة طيلة تاريخها كيانًا واحدًا متماسكًا ومتراصًا، على صعيد الخضوع الكامل لحكم الشريعة الإسلامية. أما على الصعيد السياسي فلم تكن الأمة مُوحدة في كيان سيادي واحد إلا في عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي (من عام ١٠ ه حتى عام ١٣١هـ/ ٦٣٢-٧٤٩م).

وكانت وحدة التشريع هي الأقوى، ومنه استمد العالم الإسلامي مؤسساته ونظامه الأخلاقي وأسلوب حياته وثقافات. وعلى تلك الوحدة في التشريع تربى المسلمين من كل الأجناس، وانصهروا في بوتقة عقيدية واحدة، وفي أخوة واحدة ملتزمة بنفس المبادئ العليا.

ويمكن القول بحق، بأن الشريعة الإسلامية هي رأس حربة الوحدة الإسلاميّة عبر العالم، وعمودها الفقري، في آن واحد.

طبيعة وِحْدَة الأُمَّة

وحدة الأمة شاملة: لا يحتاج أحد، فيما نأمل، إلى دليل على أن الإسلام نظام حياة شامل. فالإسلام لا يقسم الحياة الدنيا إلى مقدس ودنيوي مدنس. ولا يقسم الحياة إلى ديني وعلماني. ولا يقسم البشر إلى رجال دين وعوام.

وبرغم عدم تطرق القرآن والسنة النبوية لكافة تفصيلات الحياة، فإن القرآن بكل شيء في الوجود حقيقة لا ريب فيها. فما لم يفصح به القرآن والسنة من تفصيلات، منوط بالمسلمين تفصيله وتحديده. ولا ريب أن المسلمين قاموا بتلك المهمة على أكمل وجه، واستنبطوا من القرآن والسنة أشمل نظام قانوني عرفه الإنسان على مدى التاريخ.

أمة ذات مضمون ملموس

أمة دينامية

والحق أن أسلافنا في العصور الوسطى هم الذين ساروا بالإسلام على هذا الطريق، لما أغلقوا باب الاجتهاد، وأعلنوا أن الإجماع هو إجماع السلف الأول، الصحابة ثم التابعين، ومن ثم لا مجال للتجديد.

فلقد كان الأصوليون الذين بلوروا أحكام الشريعة في العصور الوسطى، ووصلوا بها إلى أعلى مستوى من الكمال، حريصون على أن يضمنوا قواعدهم أدق آلية لتجديد الشريعة لنفسها بنفسها (١)، وقدموا للمسلمين كلاً من التشريع الكامل، وآليات ووسائل تجديده، وجعله أكثر كمالاً، أو الحفاظ على كماله وصلاحيته لكل مكان وزمان. وباستثناء محاولات معدودات في العصر الحديث، لم يستفد المسلمون من آلية التجديد الذاتي للشريعة (الاجتهاد، والإجماع، والاستصحاب والإحسان والمصالح المرسلة، وما شاكلها).

وهو يزودنا بالمبدأ العام، مقرونا بالسماح لنا بالخروج عليه عند الضرورة الملجئة، أي حينما نكون أمام التضحية بقيمة أعلى، بذات السعي لتحصيل القيمة المتضمنة في ذلك المبدأ العام. فالنهي القرآني عن السرقة والقتل وأكل لحم الخنزير، والأمر القرآني بالصلاة والصوم وتوقير الوالدين وحتى بالحج، كل هذه النواهي والأوامر يبيح الإسلام الخروج عليها، فيما لو كان الوفاء بها سيؤدى إلى انتهاك قيمة إسلامية أعلى، أو يهدد تحققها. والمبدأ الوحيد الذي لا استثناء فيه هو التوحيد.

وعبّر (ابن تيمية) في كتابه السياسة الشرعية بأسلوب جميل بقوله: أن الإسلام هو دين الله الوسط، لا إفراط فيه ولا تفريط. وهذه الخاصية هي التي تخول الإسلام الحق في تسمية نفسه دين الفطرة، أي ديانة الحياة نفسها على الكيفية التي فطرها الله تعالى عليه.

أمة عضوية: الأمة وحدة عضوية، بمعنى أن الأمة شبيهة بالجسد العضوي الواحد الذي تترابط أعضاؤه بعلاقة اعتماد متبادل فيما بينها من جهة، ومع الجسد كله.

وأصاب النبي كبد الحقيقة، حين وصف الأمة بأنها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وحين شبهها بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر .

ويعلن الإسلام أنه يسعى إلى تحقيق فلاح الفرد وفلاح الجِماعة معا. ويشق الإسلام طريقَه في وسطية بين الفردية المسيحيّة والقبلية اليهودية المطلقَة، وجاهلية ما قبل الإسلام، مؤكدًا على قيم الوسطية، ونافيا لرذيلتي الإفراط والتفريط على طرفي متصل العلاقات بين البشر.

سؤالنا: ما الفعل أو الموقف المعين الذي قد يعمل سياقا ماديًا للمبادرة الإلهية المنشئة لروح الأمتية؟ الإجابة الوحيدة الممكنة هنا أن يلتقى البشر المعنيون ببعضهم البعض، ويعرفوا ربهم ويعبدونه معا، ويبحثوا عن الحكمة والمعرفة معًا، ويعملوا ويحققوا النتائج الملموسة معا، وأخيرًا، يأكلوا، ويحتفلوا ويتمتعوا ويتصاهروا معا.

ومن المفترض أن تكون اجتماعات المجتمع الإسلامي على المستويات المحلية والإقليمية والقومية، وكذا اللقاءات الجامعة في الاتحادات والمراكز الإسلاميّة في شتى أرجاء العالم، خطوات على هذا الطريق.

ولتحقيق هذا الغرض، نقترح أن يخلُق كل مسلم في نفسه إمكانية كاملة للقيادة، والتزامًا بالإسلام يفوق مصلحته الشخصية ومصلحة أسرته ويتولى كل مسلم عامل، تأسيس عروة وثقى وتنظيمها وقيادتها. وتمثل كل عروة وثقى بدورها رابطة بين عشرة من المسلمين الراشدين وأسرهم، لها هدف واحد ومبرر واحد للوجود هو: الإسلام.

وينظم المسلم العامل لقاء مساء الجمعة لعروته، بدعوة أعضائها وأسرهم إلى منزله مساء كل يوم جمعة للقاء أخوة إسلامية يدوم ثلاث أو أربع ساعات. ويتضمن لقاء ليلة الجمعة هذا صلاة العشاء، وتلاوة جزء من القرآن الكريم، وتداول بعض الأمور المتعلقة بالإسلام، ثم الالتقاء على شيء من الطعام بهدف التعارف والتنشئة الاجتماعية.

التَّوحيد: مبدأ الأسرة

أوَّلاً: أفول نجم مؤسَّسة الأسرة في العالَم

ولكنَّ قيام الدولة بكثير من الواجبات التي جرت العادة من قبلُ على قيام الآباء بها تجاه أطفالهم انطلاقًا من عاطفة الأبوة والأمومة تجاههم وحبهم والعناية بهم أضعف الرابطة الأسرية.

وساهمت عوامل عديدة في تآكل الرابطة الأسرية في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، تشمل النزوح إلى التجمعات الحضرية الكبرى التي لا يعرف أحد فيها أحدًا، للبحث عن عمل، والاختلاط بين الجنسين، والتسبيب الخلقي، والاستقلال الاقتصادي للمرأة، وروح الفردية الجامحة، واستبطان فكرة إطلاقية الطبيعة.

فأكثر من نصف مواليد المدن حاليًا أطفالٌ غير شرعيين. وأصبحت الأسرة حيوانية، من حيث إنها تدوم فقط طالما كان الأطفال عاجزين ماديًا، وبحاجة إلى رعاية أبويهم الدائمة.

وقام هؤلاء بغسيل أدمغة للبشر بالرجوع المستمر إلى عالم الحيوان وإسقاط نتائج بحوثهم على الحالة الإنسانية، بحيث لم تعد تعي أن الفروق بين الحيوانات والإنسان ليست فروقًا طبيعية.

فإن من المقطوع به أنَّ قَدَر الحضارة والأسرة هو أن ينهضا معًا أو يسقطا معا.

وتنفرد مجتمعات العالم الإسلامي وبقية العالم الثالث حتى الآن باحتفاظ الأسرة فيها بمكانتها الكريمة،

وتتمتع مؤسسة الأسرة المسلمة بأفضل فرصة للبقاء لكونها مُعزَّزة بالشريعة، ومُقرَّرة بعلاقتها الوثيقة بالتوحيد الذي هو لباب الخبرة الدينية الإسلامية.

ثانيًا: الأسرة كوِحْدَة تأسيسِيَّة

مسرح العلاقات الذي يُحقّق الشق الأخلاقي من الإرادة الإلهية عليه بقرار وفعل إنسانيين. ويمكن أن يتكون هذا المسرح من أربعة مستويات: النفس، والأسرة، والقبيلة أو القوم أو العرق، والأمة العالمية الجامعة.

أما المستوى الثالث (القبيلة أو العرق أو القوم) فغير ضروري.

ونصل بذلك إلى أن الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية النهائية، المُعزَّزة بالفرد من جانب، وبالأمة من الجانب الآخر.

ولا يدين الإسلام العلاقة الجنسية بين الزوجين بل يعتبرها من الحلال الطيب الضروري. ولا يقف الإسلام عند حد إباحتها بل يوصي الأزواج رجالاً ونساءً بالوفاء بحق بعضهم لبعض فيها.

فالزواج ينشئ شبكةً واسعةً من العلاقات الإنسانية يدور حولها جزءٌ كبير من الفعل الأخلاقي. وعائل الأسرة هو المسؤول الأول، تجاه أسرته، عن واجبات الإنجاب والحب والتراحم والشورى والتوجيه والتربية والتعاون والمودة.

ثالثاً: مُشکلات مُعاصرة

المساواة بين المرأة والرجل

عما لا يرقى إليه الشك أن الله تعالى جعل المرأة والرجل متساويين في الحقوق والواجبات والمسؤوليات الدينية والأخلاقية والمدنية.

إلا أن هذا المبدأ العام تردُّ عليه استثناءاتٌ جدُّ محدودة تقتضيها وظيفتي الأبوة والأمومة.

كما أثبت القرآن المساواة بين الرجل والمرأة على مستوى الحقوق المدنية.

ولا يصمد الزعم بأن الإسلام يرى عدم التسوية بين الرجل والمرأة، بالاستشهاد بالآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء أمام أدنى درجات التمحيص.

ومن المؤكد أن للرجال أسبقيةً فيما يخص تلك العلاقة الأسرية لكون النظام الأبويّ للحياة الأسرية هو الشكل الوحيد الثابت الذي تمرَّس عليه البشر، وحافَظُوا عليه من بدء الخليقة.

التمايز والتكامل بين دور المرأة والرجل

يرى الإسلام أن المرأة والرجل خُلقاً لتحقيق وظيفتين مختلفتين ولكنهما متكاملتين.

فوظائفُ الأمومةِ المتمثِّلةُ في الرعاية المنزلية وتربية الأطفال، ووظائفُ الأبوَّةِ المتمثلةُ في حماية البيت وتزويدَه بمتطلبات المعيشة والقوامة العامة، استدعت اختلافَ الرجَل عن المرأة في البِنْيَة الجسدية والّنفسية والعاطفية.

ومن الممكن أن تقوم المرأة بأنشطة ذكورية في الأصل أو العكس، وأن يعبُرَ أيٌّ منهما إلى فضاء نشاط الآخر، لو توفرت قابليَّات فطرية تجعل ذلك أمرًا مستحبًا، أو طرأت ضرورة تجعله مفيدًا، شريطة عدم الإخلال بالتمایز الرئيس الذي أودعه الله تعالى فيهما بفطرة خَلْقهما.

السُّفُور والعزلة

مما لا ريب فيه أن الإسلام لا يريد من المرأة أن تعزل نفسها عن المجتمع بنقاب أو داخل جدران البيت بقاعات الحريم. والدليل على ذلك هو اعتراف الإسلام بحق المرأة في المشاركة في الحكم،

ومن الواضح أن مَثْلَ تلك المشاركة تتناقض مع العزلة والنقاب، وهي غير متصورة في وجودهما. فما يعول الإسلام على تحاشيه في المقام الأول هو السفور الذي يقود إلى شيوع الرذيلة والفحشاء.

والحق أن القرآن يأمر المرأة بأن تستر جسدها، ولكنه يستثني صراحة تلك الأجزاء التي يقتضي العرف كشفها، لو أريد للمرأة أن تقوم بدورها وتقرر مصيرها في الحياة، على النحو الذي حدده الإسلام.

فإن التاريخ الإسلامي عرف على الدوام منذ العهد النبوي كشف النساء عن الوجه واليدين والقدمين، وهن يقُمْنَ بتلك الواجبات الإسلامية، حتى في بيت الله الحرام ذاته.

الزواج والطلاق

الزواج واجب ديني وأخلاقي على الرجال والنساء.

وينبغي مراعاة عدم تعويق زواج الرجال والنساء بالمغالاة في المهور وبعدم توفِر السكن والتعليم وفرص العمل. ولقد أصبحت هذه العوامل موانعَ للزواج في الغرب، بسبب القيمة العالية التي يوليها الغرب للإنجاز المادي، مقابل عدم اكتراثه بالعفة الجنسية.

وعلى العكس من ذلك، فإن الأسرة الإسلامية أسرة ممتدة تشمل: الآباء والجدود وأزواجهم، وذريتهم.

ولما كان الإسلام قد أقر القوامة الأسرية لرب الأسرة، فإنه حمَّله مسؤولية الإنفاق على الإناث على مستوى الأسرة.

إلا أن آفة التغريب تطول الشباب المسلم للأسف بمعدلات منذرة بالخطر؛ حيث بات من الشائع بينهم السعيُ إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي أولا، وإرَجَاء الزواج إلى ما بعد إنجاز ذلك.

يُعرِّض تأخيرُ الزواج كُلًا من المرأة والرجل للغواية. فالزواج درع العفة.

الأسرة الممتدة والزواج المبكر لا يضعان العروسين أمام متطلبات مستحيلة. ففي ظل الأسرة الممتدة يظل بوُسع الزوجين الذهابُ إلى المدرسة أو إلى العمل، لوجود أقاربَ أحبَّة على الدوام في البيت يتولَّوْن تدبير شؤونهما ورعاية الأطفال.

الأسرة المُمتدَّة

شرع الله تعالى الأسرةَ بنمطها الممتدّ. وأحاطتها الشريعة الإسلامية بتشريع يحدّد أصحاب الفرائض، ونظام النفقة، والمواريث،

فالقرابة من جهة الأب مُقدَّمة في حق النفقة على القرابة من جهة الأم.

ولا تعاني الأسرة الممتدّة فجوة بين الأجيال؛ حيث إنها تجمع بين ثلاثة أجيال، مما يجعل تنشئة الصغار وانتقال الثقافة بين الأجيال كاملاً على الدوام، على نحو يكفل انتقال الأعراف والثقافة بأدنى درجةٍ ممكنة من التزييف. ففي ظلها يتصل الماضي بالحاضر والمستقبل على نحو أصيل.

فهو يجد في كنفها على الدوام شخصًا مستعدًا للّعب معه، أو لمازحته، أو للتشاور معه، أو للتأمل معه، أو حتى للبكاء مما يبكيه معه، أو لمشاطرته في الرجاء والأمل. وهذا متطلّب أساسٌ للاستواء العقلي.

ومن الخير للإنسان بالتأكيد أن يتمرَّس على الانضباط الذاتي، وأن يتحلَّى بالإيثار والتضحية من أجل الآخرين. ومن الأفضل لنا أن نتعلم كيف نضبط أنفسنا، على يد أحبَّة لنا في بيوتنا، وليس على يد غرباءَ عنَّا.

المرأة صاحبة المِهْنَة والمرأة العاملة المُسلمة

ومما لا شك فيه أن الواجب الأساس للأغلبية العظمى من المسلّمات هو التفرُغ لمهنتهنّ الدائمة بصفتهن ربات بيوت وأمهات. ومن نافلة القول، التذكيرُ هنا بأن هذه المهنة تتطلّب تأهيلاً يوازي أو يزيد عن التأهيل الذي تقتضيه أيّةُ مهنة أخرى خارج البيت.

وتستدعي ظروفنا الحاضرة أن تكون كل امرأة صاحبةً مهنة في جزء من حياتها على الأقل.

ومن هنا فإنَّ المهمة الأولى التي ينبغي للمرأة المسلمة أن تركز عليها، هي التدريب لتغدو مسلمةً عاملة، من أجل إيقاظ عقلها وتغذيته بالحكمة الإسلامية، وإكسابها انضباطًا ومرانًا ذاتيًا ينفي العمل الإسلامي، وتحقيق تأهلها النفسي، لما قد تسنده إليها الحركة الإسلامية من عمل إسلامي.

والواقع أن كلَّ مجالات النشاط الإنساني مفتوحةٌ أمام المرأة المسلمة، وبحاجة إليها. بل إن ثمة مهنًا يمكن أن تكون حكرًا على المرأة بكاملها.

التَّوحيد: مبدأ النِّظام السِّياسيّ

والنظام السياسي الإسلامي في ضوء ذلك هو نظام جماعة من البشر اختاروا أن يحكموا حياتهم، وأن يسعّوا إلى حكم غيرهم من البشر بقيم الأمة ومبادئها.

ولا تثريب على المسلم أن يعيش في أي مكان على ظهر البسيطة، وأن يطيع قوانين البلد الذي يعيش فيه، طالما لم تكن متعارضة مع أحكام الشريعة في مجالات تؤثر على حياته الخاصة. أمَّا حينما تتضمن تلك القوانين ما لا يوافق الإسلام، فإنه يكون مخيِّرًا بين الهجرة إلى بلد إسلامي، أو تحمُّل الآثار السلبية على حياته، على أمل تحقيق أهداف أكثر أهمية، إسلامية كانت أو غير إسلامية.

بيد أن الدعوة إلى الإسلام والسعي إلى إقامة الأمة في البلد الذي يقيم به، ويعمل على نشر حكم الشريعة لتكون هي القانون الحاكم في الأرض؛ واجب على كل مسلم.

أوَّلاً: التَّوحيد والخِلَافَة

والأمة مساوية للدولة من حيث السيادة والأجهزة والسلطات التي تتطلبها ممارستها. ومن الأصوب الإشارة إلى الأمة من منظور السياسة بمصطلح الخلافة وليس الدولة.

والحَلافة من هذا المنحى إجماع ثلاثيِّ للرؤية والإرادة والعمل ، على التفصيل التالي:

إجماع الرؤية: إجماع الرؤية هو إجماع العقل أو الوعي. وله ثلاثة مقومات:

معرفة القيم التأسيسية للإرادة الإلهية

معرفة ما أسفر عنه تحقيق القيم التأسيسية للإرادة الإلهية بالنسبة لمسيرة التاريخ: المعرفة بالأثر المترتب على تحقيق القيم الإسلامية في أرض الواقع بالنسبة لمسيرة التاريخ مسألة تجريبية في المقام الأول.

المعرفة بالحاضر: تظل الرؤية المحصلة من الإدراك النظامي للقيم ومن خبرة تجلياتها التاريخية غير كاملة، ما لم تصاحبها معرفة بالحاضر، كيفية تجسيدها فيه من جديد.

ويعتبر إجماع الرؤية كما حددناه آنفا مصدرًا مُعتبرًا للمعرفة الدينية. يقول النبي ﷺ: لا تجتمع أمتي على ضلالة . ويضفي هذا القول النبوي هالة من القداسة على رؤية الأمة.

إجماع الإرادة: إجماع الإرادة هو إجماع القدرة. وله مقومان أساسيان؛ العصبية. والحس المشترك،

وعرف أسلافنا جيدًا في سعيهم إلى مراعاة النظام، أن على كل مسلم أن يكون مَعلمًا ومتعلمًا، وأن يحيط علمًا بالشق الأعظم من القرآن، وأن يُلم بالسيرة النبوية، وبحياة الصحابة، وأن يداوم على الجماعة في محلته، حيث يتعاون مع أهلها، ويعمل معهم ابتغاء وجه الله، ويحافظ على صلاة الجماعة بمسجد الحي.

ويرمز وجوب استواء الصف، ومحاذاة الكتف بالكتف والقدم بالقدم، في صلاة الجماعة، إلى التمكين للترابط الحي بين المسلمين، والتماهي المتبادل بينهم، والتعاون مع الأمة في عمومها بالمعنى الحرفي للكلمة، والتأثير بعمق على وعي العابد، بينما هو في محرابه مُسلّما بأن الله ربه وموالاه. وغاية هذا كله وضع أساس للتنظيم المؤسسي للخلافة.

وكان المسجد الجامع في الماضي، وينبغي أن يكون الآن، كعبة النشاط الإسلامي، ومركز آلية المدد الإسلامي.

ويصل هذا الاتصال والتواصل بين المرء وإخوانه ذروته في صلاة الجمعة، التي تعد خطبة الإمام عمادها. وتعالج تلك الخطبة الوضع الراهن والمشكلات الاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمع المسلم.

مهمة الخلافة هي بذل كل ما هو في حدود الاستطاعة لتمكين كل فرد بالأمة من اكتساب نعم الله المبثوثة في الأرض والتمتع بها، فإن هذا الهدف مهما كان نبله وضرورته،

فواجب الخلافة يقتضي تحقيق أمرين في آن واحد؛ خلق الإحساس بالحاجة للتعلُّم، بمعنى تحريك القابليات الكامنة في أفرادها، وإمدادهم بوسائل تحقيق ذواتهم.

ثانيًا: التَّوحيد والقُوَّة السِّياسِيَّة

الإسلام والعالم الإسلامي: الحقائق المحزنة

فالأغلبية العظمى من دساتير البلدان الإسلامية تنص على أن الإسلام هو دين الدولة. غير أن دولة واحدة هي المملكة العربية السعودية تأخذ هذا النص مأخذ الجد، بدليل تطبيقها للشريعة.

وهناك مجموعة ثالثة من الدول مثل مصر والمغرب والسودان تُعاملُ الإسلام على أنه حبة الكرز التي توضع على كعكة نسيجها الداخلي وهيكلها مصوغان بأفكار غربية.

وربما تكون السمة الأسوأ للعالم الإسلامي المعاصر هي إفلاسه في حقل التربية والتعليم. فلا توجد في أي بلد إسلامي مؤسسة واحدة تحتضن الطفل المسلم من سن الخامسة وترعاه إلى أن تسلمه للأمة وقد استوت قابلياته الكامنة على سوقها.

التَّوحيد: مبدأ النِّظام الاقتصادي

يعود الفضل إلى (محمد إقبال) المؤسس الروحي لباكستان، في كونه أول من أكّد باسم الإسلام في العصر الحديث أن جوهر العمل السياسي هو التعبير عن روحانية الإسلام .

ففي حين ترى المسيحية الفصل بين الكنيسة والدولة، يرى الإسلام أن المسجد بحاجة إلى الدولة، وأن وجود الدولة وعافيتها من صميم الدين، وكذا الحال بالنسبة للنشاط الاقتصادي. فاقتصاد الأمة وازدهاره من صميم الإسلام.

وبالمثل فإن وجود روحانية الإسلام مستحيل ما لم يوجد عمل اقتصادي عادل.

أوَّلاً: الأولويَّة المُشتركة الأساسية للمادِّيّ والرُّوحيّ

مُغايرة المسيحية

بعث الله تعالى عيسى عليه السلام برسالة إلى البشرية قبل البعثة المحمدية بعدة قرون،

فلقد أرسل الله تعالى عيسى إلى اليهود ليضع حدًا لماديتهم المفرطة، وليحرّرهم من المغالاة في التقيّد الحرفي بالشريعة التي جرتهم حاخاماتهم إليها.

الحلّ الإسلامي

الإسلام والأديان: مثّل الإسلام، من منظور عالمي أوسع، انفراجة جوهرية من حالة الجمود التي كان العالم قد تردّى فيها مع انقسامه على نفسه بين التدين الهندي والتدين الإغريقي.

وهنا جاء الإسلام ببيان كاشف ومنعش للذاكرة الإنسانية. ودحض الإسلام كُلًا من الدعوى الهندية والمصرية المُسوِّيَتَيْنِ بين الله والعالم، وبين الخالق والمخلوق، سواء كان اتجاه تلك التسوية المزعومة يصبُّ في مصلحة المخلوق كما هو الحال في مصر واليونان القديمة، أو يصبُّ في صالح الخالق كما هو الحال في الديانة الهندية.

مضمونات التَّوحيد الدُّنيوِيَّة

وثمة مبدأين إسلاميين أولَيْنِ آخرَيْنِ، يُعزِّزانِ أطروحةَ دنيوية الإسلام، هما أخلاقيَّة الفعل الإسلامي، والإيمان باليوم الآخر.

الدنيوية وأخلاقية العمل: يُلزِمُ التوحيدُ الإنسانَ بأخلاقية العمل، أي بأخلاقية تعاير القيمة واللا قيمة في ظلها بدرجة النجاح الذي يحققه الفاعل الأخلاقي في تغيير مسار المكان والزمان في نفسه وفيما حوله.

فإن نبيَّنا ﷺ واجه الواقعَ السياسيَّ والاقتصاديَّ والعسكريَّ، وصنع التاريخ. وكان زوجًا ووالدًا وتاجرًا وعائلاً ورجلَ دولة وقاضيًا وقائدًا عسكريًا وداعيةً ونبيًا في آن واحد.

الدنيوية والدار الآخرة في المنظور الإسلامي: المبدأ الأوَّليُّ الثاني المتعلَّقُ برؤية الإسلام للدنيويات، هو الإيمان باليوم الآخر. ونظرة الإسلام للآخرة مختلفة بشكل جذريّ عن نظرة اليهودية والمسيحية إليها.

الإسلام ديانة دنيوية، وأن المكان والزمان هما بالنسبة للإسلام المملكة التي يتعين تجسيد المطلق فيها، وأن ذلك يتم بواسطة الإنسان.

الدُّنيوية الإسلامية والمسعى المادي للإنسان

الفاعل الأخلاقي وشخصه: ما الذي يعنيه القول بدنيوية الإسلام بالتعبيرات الدارجة العملية المحددة؟ إنها تعني أن المسلم بحق، وليس بمجرد النطق بالشهادتين، هو الشخص الذي تتحدد أفعاله بالشريعة.

وتنهانا أخلاقية الإسلام، بكل وضوح، عن التسول، وعن العيش بالتطفل على جهد الآخرين.

وبيَّنت السُّنَّة النبوية في مُناسبات عديدة ثناء النبي على المسعى الإنساني الاقتصادي، وإدانته للبطالة واعتزال العمل الاقتصادي.

فمن المعروف تماماً أن الصلاة التي لا تثمر صلاح الأنشطة الأخرى للمُصلِّي، وتحسن معاملته لغيره من البشر، لا تساوي شيئاً عند الله تعالى.

فالغاية العامة لكل التشريعات الإسلامية هي التدخل في حياة الأشخاص الآخرين على نحو يؤثر عليها، ويوجهها نحو الأفضل.

وخلاصة القول أن الشخص المسلم هو النقيض التام للراهب سواء البوذي أم المسيحي، الذي ينعزل عن الآخرين، ليعتني بأمر نفسه وحدها؛

الفاعل الأخلاقي والأشخاص الآخرون: بوسعنا، مرة أخرى، تصنيف التشريعات المرتبطة بالضرورة بأشخاص آخرين، وهي أغلبية التشريعات، إلى تشريعات متعلقة بحاجاتهم المادية الجسدية، وتشريعات متعلقة بوعيهم.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التربية في أسمى معانيهما. والغاية النهائية لكل الجهود التربوية في الإسلام هي تحصيل الفضيلة والاستقامة.

فما يوقره الإسلام بوضوح هو المعرفة النافعة، أي التي تساهم بوضوح في الانتفاع بخيرات الطبيعة، وإنتاج السلع والخدمات المرتبطة بإشباع الاحتياجات المادية للإنسان.

فهذه السورة الكريمة [الماعون] تعلن التسوية بين الدين كله، وبين معاملة مادية لصنف من الغير، تدور حول الجفاء في معاملة اليتيم، والتقاعس عن إطعام المسكين المحتاج. وتختتم هذه السورة القصيرة بإدانة من يزعمون الإسلام، بينما هم يقفون في طريق تقديم العون المادي للمحتاجين، كما لو كان معيار الدين كله، مرة أخرى، مكافئ لسعي المسلم في سد الاحتياجات المادية لغيره من البشر.

وقدم لنا صدر الإسلام نموذجًا تطبيقيًا مرموقًا لهذه الرؤية الإسلامية، يتمثل في إعلان الصدّيق أبى بكر الحرب على القبائل التي توقفت عن دفع الزكاة لبيت مال المسلمين، عقب وفاة النبي ﷺ. واللافت للنظر هو مسمى التهمة التي وجهت للمانعين الزكاة. فلقد اتهموا بالردة، كما لو كان ما أنكروه هو الدين ذاته. فما فهمه أبو بكر رضى الله عنه متأسيًا بالنبي ﷺ، أن الدين وإشباع الاحتياجات المادية للآخرين مترادفان.

ولا مهرب في ظل كل تلك المعطيات، من أن نخلص إلى القول، بأن السعي الاقتصادي والتمتُّع بشماره، يمثل في منظور الإسلام الغاية الأولى والأخيرة للأخلاقية.

الدنيوية والإنسان الاقتصادي: … فالإنسان، بحق، كائن اقتصادي، ولكن ليس بالمعنى الذي أراده ماكس ويبر، الذاهب إلى خضوعه لقوانين اقتصادية لا معقب عليها تهيمن على نشاطه.

فالإنسان حر في أن يسوس حياته بنموذج يختاره من بين نماذج اقتصادية عديدة. ومن هنا فإن المقصود بكون الإنسان كائنًا اقتصاديًا هنا، أن النموذج الاقتصادي الذي يختار تنظيم حياته بما يتوافق معه، يحدد طبيعته، وفكرته عن نفسه.

وتأسيسًا على ذلك، اعتبر الإسلام الدين طريقة لتوجيه الحياة على الأرض. ولا عمل للدين غير تحقيق هذا الهدف. فالدين بعد من أبعاد الحياة الدنيوية، يتحقق بتمامه، حين يحيا الإنسان في الدنيا ملتزمًا بالأخلاقية التي كلفه الله تعالى بها، أي حين يضطلع بالمسئولية الملقاة على عاتقه بحكم خلافته تجاه نفسه وتجاه الطبيعة والمجتمع.

ثانيًا: عالمِيَّة النِّظام الاقتصادي الإسلامي

وسيكون السلام الإسلامي في حكم العدم، ما لم يحقق حياة أسعد للبشرية جمعاء. وستكون دعواه مجرد شعارات جوفاء ما لم يسع إلى تحسين الظروف المعيشية لأتباعه، بل إن لم يحقق ذلك بالفعل. بل إنه ليس ثمة مبرر يذكر لتغيير الحالة الروحية أو السياسية لإنسان ما، فيما لو ظلت حياة الضنك على حالها بلا تغيير.

فالفطرة البشرية تجعل المحتاجين يميلون إلى إزالة الحواجز التي تحول بينهم وبين مشاركة الأثرياء في بحبوحة العيش. وبذا فإنه من غير المحتمل أن يكونوا هم من يسعى إلى العزلة عن الغير أو يمارسها. وهم إن فعلوا ذلك، فإنه لا يكون بقرار منهم بصفتهم جماهير كادحة، بل بقرار من حكامهم، الذين يستغلونهم لصالح القلة. ولما كانت الجماهير في تلك الحالة هي الفئة المضطهدة، فإن حالة العزلة بالنسبة لهم لا بد أن تكون مؤقتة، وسرعان ما تتسبب في ثورة.

ومن الجهة الأخرى، فإنه إن كانت الحالة الانعزالية خاصة بجماعة ثرية، فإنه من المرجح أن يكون قرار عزلتها صادرًا عن كل من الحكام والمحكومين بهدف الاحتفاظ بثرائهم لأنفسهم، وحرمان غيرهم من الوصول إليه. وهذه أنانية خالصة تمارسها الجماعة ككل.

فلقد أجاز الأوروبيون لأنفسهم تحقيق ارتفاع كبير في مستوى معيشتهم على حساب العمالة الرخيصة والموارد الطبيعية الأفرو أسيوية.

وبالاستغلال الاستعماري لأسيا وإفريقيا على مدى ما يزيد على قرن من الزمان، كونت البلدان الغربية أرصدة رأسمالية ضخمة تكفي لتمكينها من التنمية الصناعية. وما كان من المصور حدوث الثورة التقنية الغربية الراهنة، إلا بعرق الملايين من الأفارقة والآسيويين في المزارع والمناجم، ونزوح حمولة ما لا يحصى من السفن من الثروات الأفرو آسيوية من المواد الخام والمعادن والمواد شبه المصنعة إلى أوربا وأمريكا.

ولقد شهد القرن العشرين العديد من ثورات المعدمين ضد مستغليهم من الرأسماليين. ومن المؤكد أن القرن الواحد والعشرين سيشهد المزيد من تلك الثورات.

ويرى المسلم أن المصير الاقتصادي للجماعات والأمم، والأفراد بيد الله تعالى في نهاية المطاف. وسمى المسلم التصريف الإلهي للظروف الاقتصادية الرزق . ويقرأ المسلم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم أن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الفعال لما يشاء، ولا معقب على مشيئته، التي هي سنام العدل.

وتعلم المسلم بحسه الأخلاقي أن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، وأنه يعطى لكل إنسان ولكل جماعة ولكل أمة، ما يستحقه. وخلاصة القول أن من مقتضى الإيمان بالله تعالى أن يكون المرء على يقين كامل بأن الرزق كله بيد الله.

ثالثاً: أخلاقيات الإنتاج

ولم يعرف الوجود دينًا أو أيدولوجية حضَّت الإنسان على العمل بالقوة التي حضَّه الإسلام عليه بها.

وطلب النبي ﷺ، فور وصوله إلى المدينة مهاجرًا، من الأنصار التآخي مع المهاجرين، الذين هاجروا إليهم، حفاظًا على أرواحهم من التعذيب والقتال على يد أعدائهم بمكة. وانقسم المهاجرون إلى ثلاث فئات من حيث موقفهم من المؤاخاة، أولاها أغلبية قبلت مواساة الأنصار لهم ومشاركتهم في أموالهم، بدل محاولة الاعتماد على أنفسهم من جديد. أما الفئة الثانية فضمت قلة، فضلت الحصول على قرض يسير يبدأون به مسيرة اعتمادهم على أنفسهم، ويسددونه حين ميسرة، بعد حين. أما الفئة الثالثة التي نالت غاية الثناء من النبي ﷺ، فهي التي بلغت عزة النفس بأفرادها حد رفض قبول أي عون. فانطلقوا دون رأس مال ولا أدوات ولا حرفة إلى البادية، يجمعون حطب الوقود، ويحملونه على ظهورهم إلى المدينة ليبيعوه. وصنعوا لأنفسهم، شيئًا فشيئًا، مكانًا لائقًا في عالم الأعمال.

فالإسلام يدعو إلى الوصول بالإنتاج إلى أقصى حد ممكن، وينتظر من كل إنسان أن ينتج أكثر مما يستهلك، وأن يقدم خدمات أكثر مما يحصل عليه من خدمات،

فالحق أن الإسلام لا يرخص لهم في القعود عن الإنتاج دون عقاب. أما عقوبة هؤلاء في الدنيا فهي إخضاع رأس مالهم الذي يستندون عليه في القعود عن الإنتاج، للزكاة التي تقتطع ربع عشره سنويًا، مما يعني نفاده مهما كانت ضخامته في غضون خمس وثلاثين سنة، أي في جيل واحد.

ومن هنا يتعاظم الحافز لتحاشى نفاد ذلك الرصيد، بانخراط مالكه في عملية الإنتاج من جديد، ليغطي نفقات معيشته، من جهة، وينميه من جهة أخرى، لأن العوائد ستكون، في الأغلب الأعم، أكبر من مقدار الزكاة.

المبادئ الأخلاقية للإنتاج

الاستخدام المسئول للموارد في الإنتاج: يشمل الإنتاج قيام المنتج باستخراج المواد الأولية، أو استخدام القوى الإنتاج، سواء في مجال الإنتاج الزراعي أم الصناعي.

ويصف القرآن من يقع في الإسراف أو التبديد، بأنه من إخوان الشياطين.

ويفرض الاستخدام المسئول للموارد الطبيعية على الإنسان استعمالها بالمقادير وبالأشكال المطلوبة للإنتاج، وأن يكون الإنتاج بدوره مبررًا بالحاجة الإنسانية إليه.

وتتطلب المسئولية الإسلامية تحاشى إلحاق ضرر بالطبيعة في عملية انتفاع الإنسان بها.

ويعلمنا الإسلام أن مواد الطبيعة وقواها نعمة من الله من بها على الإنسان.

إلا أن هذه المئة الإلهية ليست على سبيل التمليك، بل على سبيل الانتفاع، المشروط بالاستعمال في الغرض المحدد الذي خلقها الله تعالى من أجله.

وما الآثار العكسية الكارثية التي تعاني منها المجتمعات الصناعية المعاصرة إلا حصاد العدوان على الطبيعة وتلويثها والانتفاع على نحو يفتقر إلى المسئولية.

ومن الواضح أن الأيدولوجية المهيمنة تعاني من فساد كامل فيها، يجعلها عاجزة عن إمداد أتباعها بالآلية النفسية اللازمة للانضباط في استعمال الموارد من أساسه. فهي لا تقدم لهم رؤية ولا معيارًا ولا ضميرًا يكبحون به شهية الربح التي لا تشبع.

ويرى الإسلام أن عملية الإنتاج يجب أن تكون بريئة ونقية من بدايتها إلى نهايتها، وينبغي أن لا يترتب عليها أي إضرار بالحيوان أو النبات أو الإنسان.

طهارة الإنتاج: يقضى الإسلام بخلو إنتاج السلع والخدمات تمامًا من الغش والتغرير. وتتولى مؤسسة الحسبة مسئولية تحقيق هذا الشرط. وليتمكن المحتسب من القيام بهذه المهمة على أحسن وجه منحته الشريعة سلطة الضبط والفصل القضائي. وجعلت من حقه، بل من واجبه، أن لا ينتظر حتى ترفع إليه المظلمة من متضرر، بل يبادر ويذهب إلى الميدان، ويتحسس الشكاوى، والانتهاكات، وما يقع من ضرر، بنفسه والآن انتقلت مهام المحتسب إلى أجهزة حكومية جديدة.

أما في ظل الإسلام فإن المُنتج محكوم بأربعة مبادئ، تؤثر على إنتاجه بشكل مباشر، أولها: أن دينه وشريعته لا يسمحان له بالانخراط في إنتاج شيء ما بهدف الربح وحده فالإنتاج يهدف بالضرورة إلى تزويد البشر بأشياء نافعة ومفيدة، ويمثل الربح أحد المخرجات الثانوية لعملية الإنتاج، وليس الهدف الرئيس لها. أما المبدأ الثاني، فهو: عدم إنتاج المواد الضارة بالإنسان، أو المحرمة بالشرع، على الإطلاق، إلا على سبيل الاستثناء في الحالات التي يقوم الدليل على وجوب إنتاجها. ويتم في هذه الحالة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع ضررها من أن يطول البشر. أما المبدأ الثالث فهو: وجوب تقديم المنتجات على ما هي عليه في حقيقة أمرها، وعدم تمويهها على النحو الذي يطيب للناس أن تكون عليه. ويمنع هذا المبدأ اللجوء إلى التعبئة والتغليف كفن للخداع. أما المبدأ الرابع، فهو إن التزام المنتج بالتوحيد، يوفر الضمير المطلوب لجعله يلتزم الصدق من تلقاء نفسه، ويرعاه بصرف النظر عن الخوف من محاسبة الدولة له.

ضرورة أن يكون الإنتاج مشروعًا مدرًا للربح: … أَمَّا مَا يُطَالِب التَّوْحِيد بِهِ فَهْو العَدْل فِي تَحْدِيد الرِّبِحِ.

ولا يميل الإسلام إلى تحديد السعر أو الأجر بهدف ضمان عدم تعرض المنتج أو التاجر للخسارة، على أساس أن مشاريع الأعمال بطبيعتها تحتمل الربح والخسارة. والغنم بالغنم. والغرم بالغرم.

وثمة عامل آخر مهم في تحديد السعر العادل لمنتج أو سلعة أو خدمة ما، هو: الأجر. ولا تقل مسألة تحديد الأجر العادل صعوبة عن مسألة تحديد السعر العادل. إلا أن التوحيد يرى أن من حق كل إنسان راشد عامل، الحصول على حد أدنى من الأجور يضمن تغطية الاحتياجات المعيشية له ولأسرته.

رابعاً: أخلاقيات الاستهلاك

فالاستهلاك بمعنى إدراك القيم المادية، أو إشباع الرغبات والحاجات، حق أساس لكل إنسان بالمولد. وحدُّه الأدنى هو ما به قوام حياته، وحده الأعلى هي النقطة التي ينقلب الاستهلاك عندها إلى التبذير والإسراف.

أما في ظل التوحيد، فإن المرء يستهلك بقدر حاجته، وينفق بقية دخله أو ثروته على الصدقة ابتغاء وجه الله، أو يعيد استثماره في مشروع أعمال، فيتسبب في توليد المزيد من الثروة ومن فرص العمل والدخل للآخرين.

فلقد تجاوز الإسلام الصدقة إلى فرض الزكاة، آخذا بعين الاعتبار ضرورة الصدقة، والحاجة الدائمة لملايين البشر ومعاناتهم، وندرة الموارد، وما يعترى عملية تعبئة الجماهير لسد تلك الاحتياجات عادة من فتور ولا مبالاة.

ولم يعتبر الإسلام الزكاة بديلاً عن الإحسان، بل حرض عليه بكل قوة، وسمَّاها هي ذاتها صدقة. ووصف القرآن الصدقة بأنها كفارة للذنوب.

والزكاة ضريبة لتقاسم الثروة. وعلى العكس من الصدقة التي هي طواعية، ويمكن للمتصدِّق تقديمها إلى المتصدِّق عليه مباشرة، وفي أي وقت، وبأي كمية، فإن الزكاة ضريبة واجبة عند حلول الحول أو الحصاد، ومقدارها محدد بربع العشر في النقدين وما في حكمها، وبمقادير محددة في الأموال والثروات الأخرى التي تزيد عن حد معين يعرف بالنصاب بعد سد حاجة المُزكي.

ويُسَتَثْنَى من الزكاة ما لم يتم تخصيصه وحيازته من أموال، وعروض التجارة، ووسائل وأدوات الإنتاج، والمنزل المخصص للسكنى وملحقاته. فالزكاة واجبة على الثروة الشخصية النقدية السائلة، الظاهرة وغير الظاهرة، وغلة العقارات المنقولة والثابتة.

والزكاة ركن بالغ الأهمية من أركان الإسلام يقرن الله تعالى الأمر بها بالوقوف بين يديه في الصلاة. فما من آية بالقرآن تذكر فيها الصلاة إلا ويعقبها ذكر الزكاة، إما مباشرة في الآية نفسها أو في الآية التي تليها.

وتحقق المشاركة في مؤسسة الزكاة صلاحًا روحيًا لمعطيها، وقوة اقتصادية للأمة. ويحصل متلقى الزكاة عليها دون أي مساس بكرامته، بحكم كونها حقًا له وليست منة أو صدقة.

وخلاصة القول، أن مهمة الزكاة والصدقات معًا هي جعل المجتمع أقرب ما يكون من وضعية العدالة التوزيعية المثالية، قدر المستطاع.

التوحيد، بوصفه المبدأ الأول الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي، هو الذي أسس أول دولة رفاه عرفها الإنسان. ويرجع الفضل إلى الإسلام في إرساء القواعد المؤسسية لأول حركة اشتراكية.

ويفرض التوحيد على الرجل المسلم الراشد القادر إعالة عدد كبير من الأطفال والأقارب، ويعزز علاقة الاعتماد المتبادل بين أولى الأرحام بأحكام الميراث.

التَّوحيد: مبدأ النِّظام العَالَميّ

أوَّلاً: الأُخُوَّة العَالَمِيَّة

وأقام البشر روابطهم قبل الإسلام على العرق أو الثقافة، أو عليهما معًا. أما الإسلام فجاء برابطة جديدة بين البشر هي الأمة .

والمسئول الوحيد عن السمعة الرديئة للدين في الغرب، هو الصراع المرير الطويل الأمد، الذي خاضته الشعوب الغربية ضد الكنيسة المسيحية.

ولا يُحرَّم الإسلام غير المسلمين من شرف، اتخاذ كل أصحاب دين منهم، من دينهم ناظمًا لحياتهم، أسوة بالمسلمين. وعلى العكس من ذلك، فإن الإسلام يُصَّر على أن يتمتع غير المسلمين بشرف تحديد هويتهم بدينهم، ويرفض الاعتراف بهم كأمة وكرابطة على أي أساس آخر.

وسنّ النبي بمجرد وصوله ﷺ إلى المدينة، عهد المدينة كأساس لرابطة جامعة مفتوحة أمام كل من المسلمين واليهود، لينظم كل منهم حياته وفقًا له. وكان هذا العهد دستورًا للدولة الإسلامية، وللنظام العالمي الذي يسعى الإسلام إلى إقامته للجنس البشرى. ومثّل واجب نشر هذا الدستور بداية مسيرة الدولة الإسلامية، والإسلام، في معترك المنافسة في ساحة التاريخ العالمي. وبهذا الاعتبار اختار الخليفة عمر بن الخطاب التأريخ للإسلام بحادث الهجرة، وجعله بداية التاريخ الإسلامي.

وأحلَّ هذا الميثاق الدين محل القبيلة كمبدأ أول ناظم للعمران، ووحد تحت مظلته أناسا من قبائل وأعراق ووضعيات اجتماعية مختلفة. ومن تلك اللحظة التاريخية، أصبح المسلمون أعضاء في أمة عضوية مفتوحة، ناظم آصرتها الاجتماعية هو الدين.

وبعد ست سنوات من سريان هذا الميثاق، التقى وفد من نصارى نجران بالنبي ﷺ بالمدينة لبحث العلاقات بينهم وبين الدولة الإسلامية. وأحسن النبي وفادتهم، ودعاهم إلى الإسلام. ومنهم من استجاب، ومنهم من بقى على مسيحيته. فأما من دخل منهم في الإسلام، فانخرط في سلك الأمة الإسلامية.

ومدّ الخلفاء الذين تولوا أمر الأمة بعد النبي، تلك الوضعية، إلى الزرادشتيين والهندوس والبوذيين. ومع الفتوح الإسلامية غصت صفوف الأمة الإسلامية بمسلمين جدد من شتى الشعوب والأعراق، جنبًا إلى جنب، مع أتباع أديان أخرى من اليهود والمسيحيين وغيرهم من الأمم.

ولأمد طويل، بعد الفتوح الإسلامية الأولى، في القرن الهجري الأول، كانت الأغلبية العظمى من مواطني الدولة الإسلامية من غير المسلمين.

فالسيادة في الدولة الإسلامية للشريعة. والدولة، بكل مؤسساتها مجرد منفذ للقوانين المستقاة من الشريعة.

السلام الإسلامي: النظام العالمي الجديد الذي يدعو الإسلام إلى قيامه نظام سلام، شعاره هو وجوب: إزالة الحرب والعداوة من الأرض إلى الأبد، بسلام عام ومفتوح للجنس البشرى كله بأفراده وجماعاته.

قانون الأمم الإسلامي: إذا جاء رد دولة ما على عهد السلام المعروض من جانب الدولة الإسلامية بالقبول، فإن تلك الدولة تدخل في السلام الإسلامي أو في النظام العالمي الجديد، وتصير على نحو آلي أهلاً للحصول على كافة الحقوق والامتيازات المترتبة على العضوية فيه، دون أي مساس بمؤسساتها الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعلاوة على ما سلف، فإن من المحرم شرعًا السعي إلى إدخال أحد في الإسلام بالإكراه أو بالغش أو الإغواء أو الرشوة.

وتعترف الشريعة الإسلامية بحق كل إنسان دون أي استثناء في الاحتكام للسلطة القضائية. فحق التقاضي مكفول للمواطنين كأفراد وكجماعات، سواء كانت القضية ضد فرد مسلم آخر أم ضد الدولة الإسلامية ذاتها. وبوسع أي عضو في أمة غير مسلمة أن يقاضى الحليفة أو الدولة الإسلامية، أو الأمة المسلمة، أو أي فرد مسلم.

فلنقرأ نص خطبة لأبي بكر الصديق بعد مبايعته بالخلافة: أيها الناس: إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له. وأضعفكم عندي القوى حتى آخذ الحق منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

وفي المقابل، يعترف القانون الإسلامي بحق الأسير في أن يفدى نفسه بنفسه، وبمبادرة شخصية منه، سواء بما يقدمه أقاربه وأصدقاؤه له لهذا الغرض، أم بما يمكن أن يقدمه هو شخصيًا من سلع أو خدمات. ولا تملك الدولة الإسلامية أن ترفض عرضًا بفداء عادل يقدمه إليها أسير حرب، أو يقدمه غيره لصالحه.

وخلاصة ما سلف، أن القانون الدولي الإسلامي يهتم بشدة بأمرين: تحقيق العدالة والإنصاف، وكفالة تمتع الفرد بحرية السعي إلى ما يحقق رفاهيته وازدهاره ومصالحه، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم.

الحرب: لا يطلب الإسلام، في مقابل كل هذه الحقوق والمزايا التي تترتب على دخول الأفراد والجماعات في السلام الإسلامي، غير الولاء للنظام العالمي الإسلامي الجديد، إلى جانب فرض ضريبة سنوية على غير المسلم الذكر الراشد، أدنى بكثير من قيمة الزكاة المفروضة على المسلم، تسمى الجزية، مع إعفاء رجال الدين وغير القادرين ماديا منها.

وقضت محاكم إسلامية على الدولة الإسلامية بضرورة ردّ ما حصّلته من تلك الضريبة من اليهود والنصارى في العام، الذي لم تستطع فيه حماية قراهم الحدودية من هجمات أو انتهاكات من قوات الإمبراطورية الرومانية، أو من عدو مجهول الهوية.

وعلاوة على ذلك، فإن غير المسلمين معفون من التجنيد الإلزامي في قوات دفاع الدولة الإسلامية. ومردُّ ذلك، أنه لما كانت تلك الدولة عقدية، فإنه قد يكون من غير الإنصاف تكليف غير المسلم بالخدمة في جيشها، والتضحية بنفسه في سبيلها عند اللزوم.

والسبيل مفتوح أمام غير المسلم لشغل المناصب العامة في الدولة الإسلامية، والترقي لأعلى درجات المناصب المدنية. ووصل كثير من اليهود والمسيحيين إلى منصب الصدر الأعظم، المكافئ حاليا لمنصب رئيس الوزراء، من بينهم (حسداي بن شربوت)، في عصر (عبد الرحمن الثالث)، و(سرجيوس) في العصر الأموي.

وسنَّت الشريعة الإسلامية نظامًا بالغ الدقة لإعلان الحرب، ولضبطها. فحق إعلان الحرب ليس ملكًا للسلطة التنفيذية، بل هو من اختصاص السلطة القضائية، التي تطلب محاكمها إقامة البيئة على تعرض الدولة الإسلامية أو مواطنيها لعدوان أو لظلم، كي تسمح لها بالرد على العدوان.

وفضلاً عن ذلك يحرم الإسلام العدوان، ولا يجيز، بالتالي، أي حرب تنشب من أجل تحقيق الكبرياء في الأرض، أو الغنيمة، أو السلطة.

ويبشر الإسلام المسلم الذي يقتل في حرب عادلة بالشهادة والجنة. ولا شيء يسمو على تتويج المرء حياته بالشهادة في سبيل الله.

التَّوحيد: مبدأ الجمال

أوَّلاً: الوحدة الفَنِّيَّة الإسلامية وتحدِّيَّاتها

فبمجرد الدخول في الإسلام، كشفت الفنون من قرطبة إلى مندناو عن وحدة في الخصائص التكوينية، وعن تجنب محاكاة الطبيعة، والوصف التشخيصي والتطوير، وعن تحبيذ التنميط، والشكلية المولدة للحركات، واللامحدودية.

وبالمثل تجاوب المسلمون جميعًا في كل العصور من صميم قلوبهم مع نداء الصلاة، ومع التلاوة القرآنية المجوّدة، حتى بالنسبة لغير الناطقين بالعربية ممن لا يفهمون من معانيها إلا النذر اليسير، أو حتى لا يدركون معانيها بالمرة. فهم في مثل هذه الحالات لا يتفاعلون معها بملكة التعقل والفهم، بل بملكات الحس والحدس التي تتحرك بكاملها بإدراك جليّ لقيمها الجمالية.

ونود هنا إحالة القارئ إلى مقالة بعنوان: تصورات خاطئة عن طبيعة الفن الإسلامي ، استعرضنا فيها عينة مما يعرف بأطروحات المستشرقين في حقول الزخرفة والرسم والعمارة والأدب والموسيقى ونظرية الفن.

وتبين لنا أن أولئك المستشرقين جميعًا بلا استثناء، بنو رؤاهم على فرضية خاطئة، بل مغرضة، فحواها أن الإسلام لم يقف عند حد عدم المساهمة بشيء في فنون المسلمين عبر العصور، بل إنه عرقل اتجاهاتهم الفنية، وقيَّدها وأفقرها، بحيث انحصرت الإضافة الجمالية الوحيدة لهم في التفنن الدائم في كتابة الآيات القرآنية بالخط العربي،

فإن بقية مؤرخي الفن الإسلامي الغربيين، عايروه جميعًا بمعايير الجمال الغربية. ووقف كل منهم، بالتالي، في حيرة بالغة أمام غياب الصور والدراما وتصوير الطبيعة من ذلك الفن.

ولهذا السبب اعتبرت تلك النظرية الإنسان مقياسًا لكل شيء. فهو أسمى مخلوق، وهو الحامل والمجسّد لكل القيم العليا والدنيا. ومن هذا المنطلق تم تصوير الإله نفسه في صورة إنسان، وبات الدين مناظرًا للإنسانية. وتمثلت عبادة الإله في التأمل في أعماق الطبيعة الإنسانية وفي تنوعها اللانهائي. وهذا جوهر الثقافة اليونانية، الذي كان من الضروري أن يعبر فن الحضارة الهيلينية عنه.

ثانيًا: التَّعالي في الجمال

يعنى التوحيد المفاصلة الوجودية بين الألوهة وعالم الطبيعة كله. فكل شيء في الخليقة، مخلوق وغير متعال، وخاضع لسنن الزمان والمكان، ولا يصلح أي شيء منه لأن يكون إلهًا أو إلهيًا بأي معنى، عامة، وبالمعنى الوجودي الذي ينفيه التوحيد بوصفه جوهر الإيمان بإله واحد للكون، على وجه الخصوص.

والفن كما حلَّلناه وعرَّفناه حتى الآن، هو بالضرورة حدس في الطبيعة بحثًا عما هو ليس منها، أي عن المتعالي.

ولم يحدث أن انحطَّ فن النحت الإغريقي الرفيع، إلى مستوى التصوير الواقعي التجريبي لمختلف الأباطرة، إلا في روما، التي كانت مسرحًا لانحطاط الفن الإغريقي.

فمفخرة الإسلام الفريدة هي خلوُّه من الوثنية بالمطلق، أي من خطيئة الخلط بين الخالق والمخلوق.

ولا يعارض التوحيد الإبداع الفني، ولا التمتُّع بالجمال، بل على العكس، يبارك الجمال ويسمو به.

واقتنع الفنان المسلم، تأسيسًا على مُسلَّمة لا إله إلا الله، بأنه ليس في الطبيعة أي شيء يمكن أن يعبر به عن الله، أو أن يُصوَّر الله به.

وتصوُّر المرء لله تعالى على أنه ليس مثلَه شيئًا في الوجود هو إدراك لكونه جميلاً، ومفارقًا في الجمال لكل ما هو جميل.

وسيرًا على هذا الخط الفكري الإسلامي، ابتكر الفنان المسلم فن الزخرفة، وحوّله إلى الزخرفة العربية المعروفة بالأرابيسك ، التي هي تصميم غير تجسيدي، يمتد في كل الاتجاهات إلى ما لا نهاية.

الفتح المعرفي الإسلامي في علم الجمال

الوعي العربي: خميرة الإسلام التاريخية:

واللغة العربية هي الأداة الأولى للوعي العربي، وفيها يتجسَّد بكل صنوفه.

وأيًا كانت التصاريف الناتجة عن ذلك، فإن كل الكلمات المشتقة من جذر واحد، تكون لها المعنى الشكلي نفسه، بصرف النظر عن جذورها. فمعنى الجذر يبقى، ويضاف إليه المعنى الشكلي المعطى له بالتصريف ويظل هو على ما هو عليه، ولا يتغير أيًا كان موضعه.

ومعنى ذلك، أن للغة العربية بنية منطقية، واضحة، وكاملة، وقابلة للفهم، في آن واحد.

وينسحب هذا الطابع التكويني للغة العربية على الشعر العربي. فالشعر العربي يتكون من أبيات، كل منها كامل ومستقل بذاته، ومجسد لنموذج عروضي واحد. والشاعر حر في اختيار بحر من قرابة ثلاثين بحرًا، متعارف عليها كقوالب للقصيدة الشعرية. ولكنه يلتزم به بمجرد أن يختاره في القصيدة كلها.

إلا أنه من المستحيل وضع قاموس جامع مانع لكل كلمات اللغة العربية، على غرار قاموس ويبستر أو أكسفورد . ذلك أنه لما لم تكن كل الجذور المعروفة تقليديًا قد تم تصريفها، فإن قائمة الكلمات التي يمكن اشتقاقها من أي جذر لا تُغلق أبدا. فلم تستخدم كل الصيغ الصرفية، وبالتالي فإن قائمة هذه الصيغ تظل مفتوحة.

ومن ثم لا توجد قصيدة شعر عربية منتهية ومغلقة وكاملة بأي معنى، بحيث يستحيل إضافة أبيات إليها، أو تصور إمكانية مواصلة نظمها. فقصيدة الشعر العربية قابلة في الحقيقة لتمديدها في كلا الاتجاهين، بإضافة لها عند بدايتها، أو عند نهايتها، دون أدنى تأثير على جمالها، إن لم يكن بواسطة أي إنسان يُحكِم البصمة الشخصية للشاعر، فبواسطة من ألفها نفسه بالتأكيد.

القرآن الكريم: المأثرة الفنية الأولى في الإسلام

ومن المؤكد أن العقل المسلم تأثَّر بالقرآن أكثر من أي عامل آخر.

فليس ثمة مسلم، لا يهزه من أعماق كينونته، إيقاع القرآن ونظمه، وأوجه بلاغته. وليس ثمة مسلم لم تنطبع أعراف ومعايير جمال القرآن في وجدانه، ولم تُعد تشكيله على منوالها.

ويسمي المسلمون هذا البعد ( الإعجاز القرآني )، أي قدرة القرآن على التعجيز، بوضع القارئ أمام تحدٍّي بوسعه النهوض له، ولكنه لا يستطيع أبدا أن يغلبه.

وهبَّ بعض أعداء الإسلام من بين المعاصرين للنبي للتصدي لهذا التحدي، فخرجوا من محاولاتهم بالمهانة والخزي، بشهادة أصدقائهم وأعدائهم على السواء.

ويسلم الجميع بأنه رغم أن نظم آيات القرآن الكريم لا يشبه أيًا من بحور الشعر المعروفة، فإنه يُحدث في النفس نفس الأثر الذي يُحدثه الشعر، وبدرجة منقطعة النظير. وكل آية قرآنية وحدّة كاملة وتامة بحد ذاتها، وتتفق عادة في إيقاعها مع الآية، أو الآيات السابقة عليها، وتتضمن معنىً أو أكثر؛ ديني وأخلاقي مُصاغ في تعبير أدبي محكم بالغ الجمال. ويتولّد عن سماعها زخم لا يملك المستمعون معه، إلا التفاعل معه، وترقب استماع الآية التالية، والإنصات إليها. وتتكرّر تلك الحالة مع كل آيتين أو أكثر إلى أن ينتهي القارئ من تلاوة ما تيسر له.

فكل الفنون الإسلامية الجديدة نابعة من الماضي العربي، الذي هو مصدر كل ما هو مهم وتكويني فيها، أي: روح تلك الفنون ومبادئها ووسيلتها وغايتها، والطريق إلى تحقيق تلك الغاية.

التحقُّق الجمالي في الفنون المرئية

وهو يسمى أرابيسك، بحق، لأنه عربي، تمامًا كما أن الشعر عربي، والقرآن عربي، في جماله. فوجوده يحول أي وسط إلى السمت الإسلامي. وهو وسيلة الوحدة بين فنون شعوب بالغة التنوع.

وأعمال الأرابيسك على نوعين؛ نباتية زهرية أو هندسية،

ووصل هذا الفن ذروة تألقه في مسجد غرناطة وقصر الحمراء.

الخطّ العربيّ: الفنّ الأرقى للوعي بالتَّعالي

وينبغي التذكير هنا بأن تاريخ ما قبل الإسلام عرف الإبداع الجمالي للكلمة في النثر الأدبي والشعر.

إلا أن البشرية لم تعرف قبل الإسلام، في أي مكان، بما في ذلك عالم العرب، فنون الكلمة المكتوبة. فلقد اتسمت الكتابة، في كل أرجاء المعمورة بالبساطة، وعدم الاهتمام بالتحسينات الجمالية حتى ذلك الحين. ولا تزال الكتابة محتفظة بتلك السمتين في معظم أرجاء العالم حتى الآن.

وكان الرومان قد طوروا بعض مهارات تجويد الخط، ولكن مغزاها ظلّ على ما كان الحال عليه من قبل، منصبًا على البعد المنطقي غير الحدسي.

فقط تم صقل الحرف وتجميله بالزخرفة. ولكن مدلوله الجمالي ظل منطقيًا. فالزخرفة كانت سطحية، ولم تتغير طبيعة الحروف، وظل كل حرف قائم بمفرده. وكان لزامًا على القارئ التنقُّل من حرف إلى حرف، وأن يستدعي الفهم، وأن يؤلف بين العقل والذاكرة معًا لترجمة الحروف المنقوشة، إلى الكلمة أو المفهوم الكائن بالعقل.

وطوَّر الفنان إمكانيات الخط العربي بحيث يشكِّل نوعًا من الأرابيسك. فبينما كانت الحروف تكتب في اللغتين النبطية والسريانية مفردة، مفصول كل منها عن الآخر، على غرار الكتابة اليونانية واللاتينية، ابتكر الفنان العربي، أولاً، الوصل بين الحروف، بحيث لا ترى العين حرفًا تلو الآخر، بل يمكنها أن ترى الكلمة، بل الجملة، بل الخط كاملاً بنظرة واحدة، وبحدس حسي واحد.

وطوّع الفنان المسلم، ثانيًا، الحروف بحيث بات بوسعه أن يمدها أو يطيلها أو يقلصها وأن يبسطها أو يجعلها مستقيمة أو منحنية، وأن يقسمها، ويكثفها ويرفعها ويكبر جزءًا من الحرف أو يكبر الحرف كله، كما يحلو له.

ووضع الفنان المسلم، ثالثًا، كل إنجازاته السابقة في فن الزخرفة العربية، الأرابيسك، في خدمة فن الخط الجديد. ولم يستعمل الزهور والأشكال الهندسية في زخرفة الكتابة فحسب، بل حوَّل الكتابة ذاتها إلى زخرفة قائمة بذاتها.

وبالأرابيسك تحولت الكتابة العربية، من وسيط أخير للفهم العقلي، أي من أبجدية رمزية منطقية، إلى مادة فنية حسية، وأداة فنية جمالية، منتجة لحدس جمالي فريد من نوعه. ومثَّل هذا بحد ذاته انتصارًا للفن الإنساني، على آخر حصون المنطق الرمزي العقلي، وضمه بل دمجه في عالم الجمال الحسي. وهذا هو أسمى نصر فني حققه الإسلام.

ورأى الفنان أن كلمة الله القرآن إلهية حسية، وينبغي أن يوليها أسمى اعتبار، ويتفنن في تجميلها. ترتيبًا على ذلك، مثَّلت كتابتها ذروة سنام الفن الجمالي في الإسلام.

وأدى تبجيل القرآن في نفوس المسلمين كافة، إلى انتشار فن الكتابة بسرعة. وحشد المسلمون له أعظم ما لديه من مواهب، وجعلوه ملازمًا للمسلم في كل لحظات حياته.

فقد صارت الكتابة العربية هي الفن الإسلامي العام.

وراود أمل سامٍ وحيد، أناسًا من الملوك ومن العامة على السواء، طيلة حياتهم، هو أن يتمكن الواحد منهم من نسخ المصحف بيده، ثم يلقى الله تعالى.

وأكدوا صحة تقديرهم لفضل فن الكتابة برضًا وقناعة تامة، بالقول بأن القرآن نفسه احتفي بها في آية تتضمن القسم بالقلم والكتابة. ولنقرأ هنا قول الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]،

والحمد لله رب العالمين الذي بحمده تتم الصالحات.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading