بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
الحداثيون العرب والعدوان علي السنة النبوية
عبد المجيد الشرفي نموذجاً
المؤلف: د. سامي عامري
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]
فهرس المواضيع:
الشيخ المحدّث الأستاذ الدكتور: الحسين بن محمد شواط
لماذا الشَّرَفِيّ ؟ ولماذا السُّنَّة ؟
المنهج حينما يكون شعارًا للوهم ومركبًا للتطرّف!
قراءة للواقع أم انعكاس للآمال؟
عندما يضجّ عِلْم الحديث مِن الحديث!
عندما يجهل معلّم العلماء تعريف الحديث الصحيح !
حديث بلا إسناد أصحّ من المتواتر!
بِل هو حديث، وليس من كلام الغزالي!
بل هو حديث، وليس من أقوال العلماء!
بل هو حديث، وليس من كلام الخطباء!
الشَّرَفِي يَجْهَلُ مَا فِي صَحِيحِ البَخَارِي وَكِتبِ السِيرَةِ والدلائل
طعن الشَّرَفِيّ في الصَّحابة رضي الله عنهم
أضاليل الشَّرَفِيّ حول السُّنَّة
الأضلولة الأولى: هدمُ السُّنَّةِ السُّنَّةَ
الأضلولة الثانية: منعُ الرسول ﷺ الأمّة من الالتزام بسنّته
دلالة القرآن على حجيّة ما يأتي به الرسول ﷺ
دلالة السنّة على حجية ما يأتي به الرسول ﷺ
الأضلولة الثالثة: السُّنَّة، اختراع العاجز!
الأضلولة الرابعة: انتهاء الصحابة عن كتابة الحديث النبوي
الأضلولة الخامسة: كتابة السُّنَّة لمُجرَّد التَّبرُّك
الأضلولة السادسة: أسطورة جمع السُّنَّة في عهد عمر بن عبد العزيز
الأضلولة السابعة: تشكيك النُّحاة واللُّغويِّين في حفظ السُّنَّة
الأضلولة الثامنة: سُلطان المُصنَّفات الحديثية
الأضلولة التاسعة: الإمام مالك وشكّه في الحديث
الأضلولة العاشرة: الحديث عند السُّنَّة والشِّيعة واحد
الأضلولة الحادية عشر: بساطة المُحدِّثين
الأضلولة الثانية عشر: ظاهرية المُحدِّثين
الأضلولة الثالثة عشر: سذاجة المُحدِّثين
الأضلولة الرابعة عشر: النَّقد الحديثي، مؤامرة مذهبيّة
الأضلولة الخامسة عشر: المُحدِّثون، مُجرَّد جمَّاعين
الأضلولة السادسة عشر: عِلْم الحديث، عِلْم نقليّ مَحْض
الأضلولة السابعة عشر: النَّقد اللَّاواعي للحديث
الأضلولة الثامنة عشر: حُجِّيَّة أقوال الصَّحابة وأفعالهم
الأضلولة التاسعة عشر: وُجُوب تمييز القُرآن عن السُّنَّة في كلّ شيء
الأضلولة العشرون: وُجُوب تجديد دراسة أصالة الحديث النبوي
﴿أَمْ حَسِبَ الْذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾
[سورة محمد / الآية 29]
إلهي لا تُعذِّب لسانًا يُخبِرُ عنكَ، ولا عَيْنًا تنظرُ إلى عُلُومٍ تَدُلُّ عليك، ولا قَدَمًا تمشي إلى خدمتك، ولا يدًا تكتب حديث رسولك، فبعزّتك، لا تُدخِلني النَّار؛ فقد عَلِمَ أهلها أنِّي كنتُ أذُبُّ عن دينك!
(الإمام ابن الجوزي)
إلى كلّ شابٍّ مِن شباب الدَّعوة في تونس يحمل مشعل النُّور في مسرح الظَّلام…
﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفْنَكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم / 60]
الشيخ المحدّث الأستاذ الدكتور: الحسين بن محمد شواط
وهو سبحانه قد جعل هذا الدين رسالته الخاتمة إلى البشرية، وتكفَّل بحفظِه إلى يوم الدِّين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الْذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لْحَافِظُونَ﴾، فلا يمكن للمخلوق العاجز الضعيف أن يحرِّف فيه أو يُبدِّل، ولو تظاهر على ذلك الجِنِّ والإنسُ. وإنما يَتَوَهَّمُ إمكانَ التَّحريفِ في دين الله مَنْ ضَلَّ سواء السبيل، وتنكّب طريق المهديّين، وأَسْلَمَ عَقْلَه للغاوين، ولا يحيق المكر السَّيءُ إلَّا بأهلِهِ.
ذلك أنّ الله قد تكفَّل بإتمام النُّور، وإظهار دين الإسلام على ما سواه، وحِفْظِ مَصْدَرَيْهِ: القرآن والسُّنَّة، مهما بذل أعداؤهما من الجهود ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ * هَوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَىٰ الِدِينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
وهيّأ للسنّة المطهرة رجالًا أفذاذًا تفانوا في طلبها وخدمتها، وتمسّكوا بها، وقاموا بحفظها وتدوينها ونشرها، ووضعوا القواعد والضوابط العلمية الدقيقة لحمايتها من الدَّخيل وتمييزها من الشوائب، والقيام عليها رواية ودِراية، والمنافحة عنها في مشارق الأرض ومغاربها جيلًا بعد جيل،
وما ذاك إلَّا لِعِظَمِ أمر السُّنَّةِ ووجوب التزامها، فهي وحيٌ من عند الله تعالى بالمعنى دون اللَّفْظِ ، وهي شطر الدِّينِ وثاني الأصلين، وهي شقيقةُ القرآنِ ومثيلته في الحجِّيَّةِ والاعتبار، وهي المُبَيِّنَةُ للقرآن الكريم، تفصيلًا لِمُجْمَلِهِ، وتوضيحًا لِمُبْهَمِهِ، وشرحًا لغامِضِه، وتخصيصًا لعامِّهِ، وتقييدًا لِمُطْلَقِه، وردًّا لما تشابه منه إلى مُحْكَمِه إضافة إلى ما تفرَّدَتْ به من التشريعات الكثيرة
والسنَة هي مصدر الدّين مع القرآن الكريم، فهي دليلٌ شرعيٌّ يدلُّ على حُكْمِ الله عزّ وجلَّ ، وتُستمَدُّ منها الأحكامُ التكليفيّةُ الخمسة، فهي تأمر بالواجب، وتحضُّ على المندوب، وتُرشِد إلى المُبَاحِ، وتُحذّرُ من المكروه، وتنهى عن المُحَرّمِ.
في كتابي المعنون ب (حجيّة السُّنَّة وتاريخها)، والذي أعادَتْ طَبْعَةُ مؤخَّرًا مكتبة سحنون بتونس.
وقد استغلَّ العلمانيون والحداثيون والمستغربون عامّةً في البلاد الإسلامية أجواء التجهيل ومحارَبَة الدِّينِ التي فَرَضَتْها الأنظمةُ الطاغوتيّة المستبِدَّةُ فتسابقوا ينشرون سُمُومَهم ويبثُّون شُكوكَهم وشُبهاتهم الباهتة.
فإنّ معظمهم قد درسوا في ديار الغرب، وعادوا بشهاداتٍ عاليةٍ، وتولَّوا مناصبَ تعليميّة وتوجيهيّة مؤثّرة،
فحكومة تونس منذ عهد الاستقلال المزعوم تسعى لتقويض عُرى الدّين، حِرابُها في ذلك أهل التعاسة من العلمانيين الذين مكَّنتهم من المؤسسات التعليمية والإعلامية وغيرها، بينما تزجّ بكل من يدافع عن الإسلام في السّجون،
غير أنَّ أوّل جهدٍ أكاديميّ يرد على العلمانيين والحداثيين في تونس متّبعًا مناهج البحث العلمي السليم هو هذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم، من تأليف أخينا الباحث الشاب د. سامي عامري، وهو كاتبٌ تونسيٌّ مثابر
فالتونسيُّ لم يُسْرَقْ في مالِهِ وحريته وكرامته فقط، بل غُرِّرَ به ولُبِّسَ عليه في مجال العلم والمعرفة والفكر، وتعرَّضَ لأعْتى صور التّجهيل العلميّ والدّيني،
فإنّ واقع الاصطراع الفكري في بلاد العرب بين دعوة الإسلام ومناهج التغريب التي تتترّس بعنوان الحداثة في المغرب الإسلامي، والتنوير في مصر، والليبرالية في بلاد الخليج قد أنشأ مساحاتِ جدلٍ واسعة
ويبقى هَمُّ التيّار العالماني في العالم العربي قطع الأمّة عن نَبْعِ تصوّراتها الكونيّة، ومناهجها السلوكية، وروافدها القيمية بمكر السراديب،
فلا نفصل فصلًا وهميًّا خادعًا بين الزُّور والمزوّر، ولا بين الفكرة في تجريدها والخطة في دبيبها؛ فهما واحدٌ لا ينفصمان عن بعضهما.
لماذا الشَّرَفِيّ ؟ ولماذا السُّنَّة ؟
وقطبُ رَحى هذه الجماعة، إثارةُ العداوات بين الرجال والنِّساء وإذكاءُ روح الصِّراع بينهما.
ودليل ذلك أنّه رغم حضوره الإعلامي المكثّف لم يستطع إلى اليوم أن يقرأ آية من كتاب الله دون لحنٍ أو تحريفٍ لفظٍ، بل لقد رأيناه في الإعلام المرئيّ يعجز عن التكلّم بلغةٍ عربيّة سليمةٍ.
الشرفي المجهول عند العامة، أهم شخصيّة فكريّة! في تونس زمن المخلوع؛ … لأنه أحد حُواةِ مشروع الانسلاخ الذي أَهْدرَ به المخلوعُ ذاتيّة البلاد في زمن تغييبِ العقول ببرامج التعليم والإعلام المعَلْمَنة.
قول ابن حزم رحمه الله في وصف طيفٍ من اللَّغْوِ أدنى من هذا الخبال: وهذه أقوالٌ لو قالها صِبْيانٌ يَسِيْلُ مُخاطُهُم لَيُئِسَ مِن فلاحِهم، وتالله لقد لعب الشيطان بهم كما شاء .
ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، بيروت: دار الجيل، 1416ه 1996م، ط2، 83/ 5.
وعامَةُ رُؤُوسِ هذه الفرقة التي ظهرت زمن افتراق الأمة، إمّا طواها عنّا القبر، أو هم في أرذل العمر، وقد تركوا بصماتهم على الواقع في الجامعات والإعلام والسياسة. وقد تركوا وراءهم جيلًا من المجتهدين في نقض الثوابت وزحزحتها عن مكانها، أو تحويلها إلى سيل مائع لا يستقر له شكل ولا مقام.
السنّة النبوية، ثبوتًا وحجيّة، معتركٌ الخصوم في القرن الحالي والذي سبقه،
حتى شاع هذا الصقل بين عامة الناس بعد أن كان حبيسَ الكتب.
وأَمُرُّ السنَّة عظيم، والدَّفع عن هذا النَّبع النبويِّ واجبٌ؛ إذ لا إسلام ولا شريعة دون الأخذ عن النبي الخاتم صلّى الله عليه وسلّم ما بلّغه عن ربّه بعد الوحي القرآني.
وقد كان أعظم جَدَلِ الفِرَقِ الإسلامية في الزمن الأوّل دائرًا حول السنّة، في الأخذ بها أو ردّها، أو في الطريق الموصل إليها دون الجدل في حجيّتها.
ويتجدّد الجدل اليوم حول السنّة، ولكن على صورة أعظم من جدل السابقين؛ إذ الغاية هي بَتْرُ الصِّلة التي تجمع القرآن بالسنة؛ بما يجعل القرآن حمَّالًا لمعاني الحداثة والعالمانية، بل وحتى المقولات الدهريّة الصّرفة.
وإقصاء السنَّة عن المجال المرجعيّ للفاهمة الإسلاميّة سبيلٌ لإقصاء كثيرٍ من الأحكام التي لم تَرِدْ في القرآن، كما يضمن سيولة المعنى القرآنيّ بعيدًا عن إحكام التطبيق النبويّ؛ وهو ما ينتهي بالرسالة الخاتمة إلى أن تكون قابلة لأن تكون وعاءً لكلّ دعوى؛ مهما بلغ انحرافها في تقعّرها الحاد أو تحدّبها الفجّ.
وتلك مقدمة أولى لا تنتهي فُصولها الأخيرة حتى تقترن بضرب قداسة القرآن بإنكار حِفْظِ حُروفه عبر القرون، وجُحود ربَّانِيَّته على مذهب التَّاريخانيِّين
وقد تولّى التيّارُ العالماني عامة، والحداثيُّ في المغرب الإسلامي خاصّة، كِبْرَ الطعن في السنّة من كلّ وجه؛ بالقول إنّها مزيّفة مختلَقَة، والزعم أنّها حتّى لو ثبتت فهي غير مُلزِمة لنا؛ لأنّها لم تَدَّع لنفسها المعياريّة في العصر الأوّل.
وقد بلغت هذه الدعاوى في عدد من أوجهها صورًا أشدّ تطرّفًا من دعاوى عامّة خصوم الإسلام من المستشرقين.
ولا يُوفِّي نصيرُ السنَّةِ السُّنَّةَ حقَّها حتى يدفع عنها تحريف الغالين وانتحال المبطِلين وتأويل الجاهلين.
سيتناول حديثنا الموضوع من ثلاثة أوجه:
أوّلًا: حقيقة الإمامة المعرفية التي يدّعيها الشرفي لنفسه، والتي يُكْثِرُ أتباعُه الدَّنْدنة حولها. وأهميّة هذا البحث رفع معالم القداسة عن كاتب يُعَيِّرُ مخالِفِيه بفقد الحاسّةِ العلميّة والثقافة الموسوعيّة التي يقتضيها البحث التراثيّ، رغم أنّ كتاباتِه تُظهِر ضمور معرفته بكلّ المسائل التي خاض فيها عرضًا أو نقدًا.
ثانيًا: حقيقة إلمام الشرفي بعلوم السنة، ومبلغ علمه بدقيق خبرها والمشاع منها.
ثالثًا: حقيقة مقولات الشرفي في حفظ السنّة ومرجعيّتها، واختبار ذلك في ضوء صحيح التاريخ.
وقد حرصنا أن نلتزم من الكلام أَقَلُّهُ حِدّة صونًا للبحث من سلطان العاطفة المجرّدة، ولكن قد ينبو البيان ببعض العبارات التي قد يحسبها القارئ من محض اللُّغة الساخرة، وإنما هي في حقيقتها تعبير عن واقع الحال.
الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبِيْ زُورٍ محمد ﷺ.
مارس عبد المجيد الشرفي، حال غيره من العالمانيين الذين مُكَّنوا من منابر البلاغ والتأثير، هواية جَلْدِ العاملين للإسلام، تشهيرًا بهم وتشويهًا لهم، فهم عنده أهل كُلّ نقيصةٍ سلوكيّة، ومرتَعٌ كلّ رذيلةٍ فكريّة، يَحْطبون عن وعي وإرادة في هوى الجهل والعَمَالة.
الشرفي يُعْلِمنا، ويُعَلِّمُنا أنَّ من مستلزمات الضمير الحديث تطليق الإقصاء والرفض (١)، ولكنه لم يَسُقْ هذه الحكمة إلاّ في سياق الإنكار على الأديان التوحيديّة موقفَها الرافض للوثنيّين والملاحدة!! فضَنَّ بذلك على حملة مشروع الإسلام النَّبوي بمرتبةٍ كمرتبة عُبَّاد الأصنام، وحصانة كحصانة الملاحدة اللَّئام!
لقد نظرْتُ في كتب الشرفي فلم أرَ مشروعًا بالمعنى العلميّ بعيدًا عن أن يكون المشروع موافقًا للحق أو مجانبًا له ، … فإنَّ جُلّ ما نشرَهُ في شكل كتبٍ هو مجموعةُ مقالاتٍ أو محاضرات عَجِلةٍ في مواضيع متباعدة،
وإنّما قادَهُ تَهَوُّكُه إلى أن يكتب في كلّ علوم الإسلام: العقيدة، وعلوم القرآن، وعلوم الفقه، وعلوم الحديث…، ولم تكن كتابته محاولةً للفهم، وإنّما هي هدمٌ لأصول هذه العلوم كلّها.
إنّ ما كتبه الشرفي في غير مقارنة الأديان ، ليس إلّا تكرارًا مُضجرًا لما أتى به في كتابه الإسلام والحداثة (١٩٩١م)، بلا جديد، حتى الاقتباسات، هي نفسها.
وبالإمكان اختصار كتب الشرفي ومقالاته وندواته في النقاط التالية:
وجوب الانسلاخ من انتمائنا، والانغماس في (الملّة) الحداثيّة.
وجوب إخضاع الدراسات الإسلاميّة، بمعناها الواسع جدًّا، للمناهج المعرفية الغربيّة.
القرآن: ليس هو ما في المصحف! وما في المصحف ليس فيه نصٌّ مُحْكَمٌ، ويجب إخضاع القرآن لقراءة الحداثيّين وقِيَمِهم، وأحكامه خاصّة بعصرِه وليست مُلْزِمة لنا.
السنّة: بمعنى أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته؛ هي معنًى حادثٌ في القرن الثاني، ولم تكن حُجّةً زمن البعثة، ويجب ألّا تكون حجّة اليوم، وقد ضاعت بفعل فسادِ طرائق حفظِها!
الإجماع: لا حُجيّة للإجماع، والقولُ به مؤامرةٌ من الفقهاء!
أُصول الفقه: وجوب التخلّص من مصادر أصول الفقه التقليديّة: القرآن والسنّة والإجماع والقياس، وإقامة الشأن الدينيّ عامّة، والتشريعي خاصّة، على مبدأ المصلحة كما تبدو من زاوية حداثيّة.
علم الكلام: أهمُّ العلوم الشرعيّة، يجب تجديده كليًّا في ضوء معارف الغرب.
علماء الشّريعة: وسطاء بين الربّ وعبادِه؛ ولذلك لا بُدّ من إقصائهم من الوجود، وهم متآمرون، يقيمون الدّين على تحقيق مصالحهم الشخصية والفئوية!
المرأة: لا بدّ من تخليصها من عقوبة رعاية الأبناء، وسجن الحِجاب، وسلطان الحكم الشرعيّ!
لا شيء سوى دعوة الأمّة أن تنسلخ عن ذاتها، وتذوب في الفكر الغربي؛
فلعلّ تَخَفُّفَ النساء من اللّباس يرفعنا بسرعة، ويطير بنا في خِفّة؛ فإنّ الملابس عند الشرفي أثقالٌ تشدُّنا إلى الطّين اللّازب؟!
هذا البروتو حداثي ، يُعرّف الحداثة، التي هي عنده منتهى الآمال وذروة النجاح، والمتخلّف عنها مفوّت للفلاح، على أنّها مفهومٌ مستعمَلٌ للدّلالة على المميزات المشتركة بين البلدان الأكثر تقدّمًا في مجال النموّ التكنولوجيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ ،
إذ إنّ القراءة الغربيّة لواقع الغرب ذاته تؤرّخ ليومها على أنّه قد تجاوز الحداثة الغريرة ومقولاتها إلى ما بعد الحداثة Postmodernism منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
إنّ حقبةَ ما بعد الحداثة مخالفةٌ للحداثة في جوهرها الصّلب القائم على دعوى مركزيّة الإنسان في الكون و قداسة العقل ، كما أنّ نفي ما بعد الحداثة للحقيقة المطلقة Absolute Truth التي عدّتها الحداثة مُنجزَها الأكبر بعد تجاوز التفكير الغيبيّ الأسطوريّ (!) لصالح المسلك الشكوكيّ Skeptical ومنطق النسبيّة Relativism ، يجعل نسبة واقع الغرب اليوم؛ الفكريّ، والقِيميّ، والنسقيّ بمجمله، إلى زمن الحداثة ضربًا من اللّغو الصّرف.
المنهج حينما يكون شعارًا للوهم ومركبًا للتطرّف!
فالشرفي كثير الدّنْدنة حول المنهج الحديث في دراسة النصوص الدينيّة، ويقصد بهذا المنهج، أساسًا، منهج دراسة الكتب المقدّسة عند النصارى واليهود،
هذه الدراسات باهتة الحضور في المكتبة الفرنكوفونية، فمرتعها اليوم المكتبتان الأنجلوسكسونية والجرمانية.
الموجة الثالثة للبحث عن يسوع التاريخيِّ ، والتي يقود الشقُّ الأكثر ليبرالية فيه نُقَّاد مشاهيرُ مثل (John Dominic Crossan)، و(Marcus Borg)، وكذلك (Funk) الذي يُشرِفُ على إصدارات ندوة يسوع The Jesus Seminar . ويقود الشَّقَّ الميِّال إلى المحافظة أعلامٌ مشاهيرُ مثل (N. T. Wright)، و(Raymond E. Brown)، و(James Dunn).
لمَّا كتبَ الشرفي أُطروحته للدكتوراه كانت الموجةُ الثانية قد بلَغَت مرحلةَ النُّضج، وهي الموجة القائمة أساسًا على معارضة الموجة الأُولى، والإقرار بوجود أُصول تاريخيّة للأناجيل، وأهمّها المصدر كيو الذي هو أصل إنجيلَيْ متى ولوقا كما هو قول جمهور النُّقَّاد، ومن أهمّ أعلامها (James M. Robinson) الذي أفاض في دراسة هذا المصدر .
وقد قرأنا شيئًا من هذا الباطل في كتاب Hagarism (1977م) للمستشرقَيْنِ باتريشيا كرون (Patricia Crone)، ومايكل كوك (Michael Cook)، وقد ساقهما تهوُّسُهما إلى القول إنّ مكّةَ ليست حيث نعرفها اليوم، وإنّما هي في منطقة قريبةٍ من سوريا!
الرّسالةُ التي شَرَحَها في القرن الرابع كلٌّ من أبي بكرٍ الصّيرفيّ (تُوفّي سنة 330هـ)، وقيل إنّه أَعْلمُ الخلق بالأُصول بعد الشافعيّ، وأبي الوليد النّيسابوريّ (تُوفّي سنة 349هـ)، المحقّق، والقفّال الكبير الشّاشي (تُوفّي سنة 365هـ)، لم تَلْقَ أيَّ اهتمام في القرن الرابع؛
حُكْمِ الشرفي على السنّة أنّها ليست تراثًا نبويًّا محفوظًا، وإنّما هي تَمَثُّل Repr sentation مُعَيَّنٌ للسنّة، وليس السنّة ذاتها.
ومن فاضحات اللَّا منهج ثَنَاءُ الشرفي على جميع الشَّواذِّ فكريًّا في التاريخ الحديث، رغم تَبَاعُد مناهِجِهم أو حتى تعارُضِها،
ولا يوجد من بين هذه الشَّخصيات من أقامَ مَنْهَجًا نظريًّا بقواعد مُؤصَّلة ودراسات مبدئيَّة معمّقة، ولذلك ليس لأيٍّ منهم أثرٌ معرفيٌ تخصصيّ، وقُصارى أمرهم جميعًا أَنَّه قد تمَّ توظيفُ كتاباتهم الاستفزازيّة من الأنظمة العالمانيّة (كطاهر الحداد)، أو التيّارات المذهبيّة (كأبي ريّة)، أو الأيديولوجيّات الحديثة (كعلي عبد الرازق)، في الصّراع مع الإسلام النّبويّ.
وهل العِلْمُ والدّين إلا تَوْأَمان لا يَنْسلِخان إلّا في حساب من انْسَلَخَ منهما؟
بكر أبو زيد، التّعَالُمُ وأَثْرُهُ على الفكر والكتّاب، ضمن المجموعة العلمية 5، الرياض: دار العاصمة، 1416ه، ص 26.
أهمَّ مصدر لاستقصاء أقوال المفسّرين في القرنَيْنِ الأوّل والثاني أقصد تفسير الطبري يُنْكِرُ ذلك؛ إذ إنّ تفسير أُولي الأمر بالعلماء هو قولٌ ذائِعٌ بين الصَّحابة ومن جاء بعدهم؛ فهو قولُ جابرٍ بن عبد الله ﷺ ، وابن عباس ﷺ ، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وعطاء بن السّائب، والحسن، وأبي العالية.
دراسات المستشرق هرالد موتسكي Harald Motzki عن مصنّف عبد الرزّاق التي بدأت في الظُّهور مع بداية العقد التاسع من القرن الماضي، ونالت شهرةً واسعة بين المتخصّصين والقرّاء الجادّين، وقد ردَّ موتسكي فيها بقوّة على شاخت،
إحالةَ الشرفي في الكتاب نفسِه الصَّادر سنة 2011م إلى مقالٍ لعالِمِ الحديث، خريج كمبردج (دكتوراه 1966م)، محمد مصطفى الأعظميّ، رَدَّ فيه على شاخت، وقد نُشِرَ في كتابٍ عربيٍّ مشترك،
كتابٍ كاملٍ كَتَبَهُ الأعظميِّ بالإنجليزية في الردِّ على شاخت، اسمه (On Schacht s Origins of Muhammadan Jurisprudence) (١٩٨٥م)، وهو كتابٌ يُدَرَّسُ منذ عقودٍ في أقسام الاستشراق في الكليّات الغربية، وهو دراسة من المحال أن يُذْكَرَ شاخت ونظريّته إلّا وتَتِمُّ الإحالة إليها في أيِّ مرجع علميِّ غربيٍّ، حتى أصبح كتاب الدكتور الأَعظميُّ جزءًا من الحديث عن نظرية شاخت!
مراجع أساسيّة في الموضوع مثل كتاب A Secular Age لتشارلز تايلور (٢٥٥٥م) (Charles Taylor)،
كثيرًا ما تكشف كلماتُه أنّه شَعْبِيُّ الثقافة، وبعيدٌ عن التّحقيق والاطّلاع، وأنّه يُكرّرُ ما شاع دون مراجعةٍ ولا متابعة لدراسات المتخصّصين،
كما هو معلوم للدّارسين لتاريخ الخطِّ العربي من خلال الآثار المكتشفة، فإنّه ثابتٌ بيقينِ أنّ وَرَقَ البرديّ (Papyrus) قد كان له حضورٌ واضح في القرن الهجريّ الأوّل، كما أنّه قد اكتُشِفتْ كتاباتٌ عربيّةٌ قبل البعثة النبويّة وفي القرن الهجري الْأوّل عليها نُقَطُ الإعجام (كالباء والنون والذَّال)، ويكفي هنا أن أُشِير إلى مثالٍ واحد: مخطوطة (PERF No. 558)، وهي من ورق البرديّ، وفيها حروف الجيم والخاء والشين والزّاي والذّال والنُّون معجمة، وتعود إلى سنة 22 هجريّة، وهي محفوظة في المتحف القوميّ النّمساويّ!
من أبرز الأمثلة، الرسائل المكتشفة لقرة بن شريك، الوالي الأموي لمصر (90 96هـ)
N. Abbott, The Kurrah Papyri From Aphrodito In The Oriental Institute, Chicago, Ill. University of Chicago Press, 1938.
من ذلك النقش الذي على جبل رام (الأردن)، والذي يعود إلى القرن الرابع ميلاديًا، وفيه حرفًا الجيم والياء معجمين.
J. A. Bellamy, Two Pre-Islamic Arabic Inscriptions Revised: Jabal Ramm and Umm Al-Jimal , in Journal Of The American Oriental Society, 1988, Volume 108, pp. 369-372.
A. Grohmann, Aper u De Papyrologie Arabe in tudes de Papyrologie, 1932, T.1, pp. 39-46.
وكأنّه لا يَفْقَهُ واقِعَنا غيرُ أصحاب العُيون الزُّرْقِ والبَشَرَةِ البيضاء، فلا يَحْسُن بنا أن نرى أنفسنا إلّا بعيون بني عُجْمة الأوصياء علينا والموكّلين بترشيدنا،
انبهار زعيمةِ الاستشراق الإسرائيلي حوا لَتْسَروس يَافِيه חוה לצרוס-יפה (تُوفّيت سنة 1998م) بعظمة تراث الجدل الديني في كتابات المسلمين الأوائل.
Hava Lazarus-Yafeh, Some Neglected Aspects of Medieval Muslim Polemics against Christianity in The Harvard Theological Review, Vol. 89, No. 1 (Jan., 1996), pp.61-84
وهي دعوى لا يمكن أن يزعمها من شَمَّ شيئًا من ريح مبحث المشكلة الإزائية The Synoptic Problem الخاصّة بتفسير نشأة الأناجيل؛ إذ إنّ النظرية التي عليها جمهور النقاد هي نظرية المَصْدَرَيْنِ The Two Source Hypothesis ، وهي تُخالِفُ ما أورده الشَّرفي بصورة جوهريّة،
<![if !vml]>
<![endif]>
عرضت لنقد هذه النظريات في مقابل التصريح القرآني بوجود إنجيل للمسيح في ملحق كتابي Hunting for the Word of God
قول الشَّرفي عن سفر دانيال: يُجْمِعُ النُّقَّادُ اليوم على أنْ هذه النبوّة كُتِبَتْ في منتصف القرن الثاني ق.م ، دون إحالة إلى مرجع. ويَعْلَمُ النِّقاد بحقّ أنّه منذ منتصف القرن العشرين إثر اكتشاف مخطوطات البحر الميت (Dead Sea Scrolls)، والعثور على ثماني مخطوطات لهذا الكتاب تعود أقدمها (4QDanc) إلى سنة 125 ق.م على قول عدد من المتخصصين في الخطاطة مِثل (F. Cross) فقد أَكَّدَ عددٌ من النقّاد وجوب ردّ تاريخ التأليف إلى ما قبل القرن الثاني ق.م، فأين الإجماع؟!
F. Cross, The Ancient Library of Qumran and Modern Biblical Studies, Westport: Greenwood, 1958, p33.
Stephen B. Miller, The New American Commentary Volume 18 – Daniel, Nashville: B & H Pub. Group, 1994, pp37-39.
من ذلك تعريبه لكلمة Apocryphe على أنّها مَنْحُول ، وهذا خطأ قبيح، إذ المنحولُ ما نُسِبَ إلى غيرِ قائلِه، ومُقابِلُهُ الفرنسيّ-الإنجليزيّ Pseud pigraphe Pseudepigrapha ، أمّا الكلمة التي عَزّبها الشَّرفي فيُقابِلُها في العربي: أبوكريفي، كما هو في العُرْفِ النصرانيّ العربيّ اليوم، أو غير قانونيّ (أي غير المعْتَرَفِ به ضمن قائمةِ الكتب المقدَّسةِ الرسميّة)،
وتَتَبَدَّى سطحيَةُ معرفة الشرفي بالدراسات الدينيّة في تعريبه لأسماء الأعلام؛ إذ يُعزَب الشرفي الكلمة على الشكل الفرنسيِّ رغم أنّ ذلك يُخالِف العُرفَ النّصرانيَّ العربيَّ والأَصلَ العِبريَّ بصورةٍ فاحشة؛ مثل تعريبه لاسم J roboam على أنه جيروبوام (!!)، رغم أنّ العرف العربي هو يربعام وهو موافق صوتيًّا للأصل العِبريّ ירבעם ، وأقبح من ذلك كتابته اسم Achab أشاب ، رغم أنّ العرف العربيّ هو أحاب وهو الموافق صوتيًّا للأصل العبري אַחְאָב ،
قال ابن حزم: لا آفةَ أَضرّ على العُلُوم وأهلها مِن الدُّخلاء فيها؛ وهُم مِن غير أهلها، فإنَّهم يجهلون ويظنُّون أنَّهم يعلمون، ويُفسِدون ويُقَدِّرون أنَّهم يُصلِحون .
ابن حزم، الأخلاق والسير، تحقيق: إيفا رياض، بيروت: دار ابن حزم، 1420هـ – 2000م، ص 91.
تذكر كتب التراث أنّ رجلاً كان واسع الدعوى في معرفة العلوم، يجيب عن كل سؤال دون تردّد. فقرر أقرانه أن يسألوه عن معنى كلمة اختلقوها، وهي الخنفشار ، ولما كان مُلازمًا عادته في التّعّالم، أجابهم على البديهة بأنّه نَبْتُ طيّبُ الرائحة يَنْبُتُ بأطراف اليَمَنِ إذا أَكْلَتْهُ الإبل عقد لبنها، قال شاعرهم اليماني:
لقد عَقّدت محبتُكم فؤادي *** كما عَقّد الحليبَ الخنفشار
وقال فلان، وفلان، وفلان… وقال النبي ﷺ، فاستوقفوه، وقالوا: كَذَبْتَ على هؤلاء، فلا تكذب على النبي ﷺ! وكم من خنفشاري في بلاد المسلمين اليوم!
هذا ابن تيمية الذي وصفه مؤرّخ الإسلام، الإمام الذهبي، الشافعيّ، بقوله: الشيخ، الإمام، العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدّث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط .
الذهبي، ذيل تاريخ الإسلام، ضمن ثلاث تراجم مستلة منه لمحمد العجمي، دار ابن الأثير، الكويت، الأولى 1415هـ، ص 21 – 22. للذهبي كلام طويل في مدح ابن تيمية، منه ما جاء في المخطوطة التي حققتها المستشرقة (Caterina Bori)، وهي مختصر كتاب الدرة اليتيميّة للسيرة التيميّة ، ويبدو أنّها كانت مصدر كثير من العلماء السابقين في الترجمة لابن تيمية، وهو نص لم يطبع بعد – ككتاب -:
Caterina Bori, A New Source for the Biography of Ibn Taymiyya in Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London, Vol. 67, No. 3 (2004), pp. 321-348.
والذي قال فيه الحافظ ابن سيد الناس، الظاهري: برز في كلّ فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه .
ابن عبد الهادي، العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق: طلعت بن فؤاد الحلواني، القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، 1422هـ 2002م، ص11.
وهو عين ما قاله فيه الحافظ المزّي، الشافعيّ – وهو من هو -: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه .
ابن تيمية الذي قال ابن كثير، الشافعيّ، فيه: وأثنى عليه، وعلى علومه وفضائله، جماعةٌ من علماء عصره مثل: القاضي الخوبي [الشافعي]، وابن دقيق [الجامع بين فقه المالكية والشافعية]، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري، وابن الزملكاني [قاضي قضاة الشافعية]، وغيرهم .
ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: حسان عبد المنان، عمان: بيت الأفكار الدولية، 1425 هـ – 2004م، ص 2171.
وإن شئتَ اتْرُكُ ما سبق واقرأ قول الرجل الأبيض في مقام ابن تيمية في تاريخ الإسلام؛ فقد قال ألفرد مورابيا (Alfred Morabia): سَيْطَر من مقامِه العالي، على الفكر الإسلامي منذ بدايات القرن الرابع عشر ،
Alfred Morabia, Ibn Taymiyya, les Juifs et la Tora in Studia Islamica, No. 49 (1979), p. 91.
وقال وارن س. شولتز (Warren C. Schultz) – الذي يُعَدُّ من أهمّ المستشرقين المعاصرين المتخصّصين في العصر المملوكيّ الذي عاش فيه ابن تيمية – إنّ ابن تيمية هو الذي قيل فيه إنّه أهمّ شخصيّة في السلطنة المملوكيّة في مصر وسوريا، وأهمُّ عالم حنبليّ بعد أحمد بن حنبل نفسه… وقد تميّزتْ سيرتهُ بعدّة مناوشات مع السُّلطة الحاكمة، وسِجال وإعجاب من طرف بقية الفقهاء، وشعبيّةٍ كاسحة بين سُكَان دمشق .
Warren C. Schultz, art.: Ibn Taymiyya in Josef W. Meri, ed. Medieval Islamic Civilization, New York: Routledge, 2006, 1/371
وأمّا عِلْمُه، فقد أفاضَتْ فيه موسوعة الإسلام الاستشراقية الشهيرة، والتي كثيرًا ما يَنْقل عنها الشَّرفي وتلاميذه، فقالت: إنه أحاط علمًا بالفقه الحنبلي وأقوال المذاهب الفقهية الأخرى والفرق العقدية. وأضافت: إنّ تأثيره في حياته وتحت الحكم المملوكي (المعادي لهـ) كان كبيرًا . وزادت: إنّه من بين أهم تلاميذه، في عالم العلماء، بالإضافة إلى ابن القيم المشار إليه سابقًا، رجالٌ ونساء كانوا أحيانًا من مذاهب [فقهية] غير مذهبه [الحنبلي] . وختمَتْ حديثَها بقولها إنّ ابن تيمية هو واحد من الكُتَاب الذين لهم الأثر الأكبر في الإسلام المعاصر، خاصّةً في الدّوائر السنيّة . ولكنّ الشَّرفي يقول إنّ ابن تيميّة عنده، كاتِبٌ متواضعٌ، وشخصيّةٌ مغمورةٌ في تاريخ العلوم الإسلامية!!
The Encyclopaedia of Islam, Leiden: E. J. Brill; London: Luzac & Co, 1986, 3/953
قراءة للواقع أم انعكاس للآمال؟
يُصَرِّحُ بيتر برجر الذي صَدَّعَ الشَّرفي رؤوسنا بالإحالة إليه في كتاباته كلّما ذكر العالمانيّة دون غمغمة أنّ القول بحتميّة اكتساح العالمانية للعالم ليس سوى وَهْمٍ ساذج، وأنّ العالم الإسلاميّ بالذات يمثّل الاستثناء الأكبر من حركة العلمنة،
Peter L. Berger, ed. The Desecularization of the World: A Global Overview: Resurgent Religion and World Politics, Washington, D.C.: Ethics and Public Policy Center; Grand Rapids, Mich.: W.B. Eerdmans, 1999, pp.1-18
إنّ عودة الأمّة إلى دينها بعد احتلال الغازي لأراضيها ثم نَخْرَ التّغريبيّين لانتمائها، لهو تعبيرٌ عن حقيقتَيْن عظيمتين، وهما ربّانيةُ هذا الدّين وصِدْقُه، من جهة، وعمقُ أصالة انتماء هذه الأمّة إلى دينها من جهة أخرى.
عندما يضجّ عِلْم الحديث مِن الحديث!
دلائل الغباء ثلاثةٌ: العِنادُ، والغُرور، والتّشبُّث بالرأي . باريتون.
مشروع الشَّرفي دعوةٌ إلى مسخ حقائق الشَّرع لصالح الأيديولوجيا الحداثية، ونسف ثوابت إيمانيّة، مثل ختم النبوّة، وعذاب الكافرين في النار، ووجود الملائكة والجَان، وإفساد فهم النص القرآني بالقول بتحريفه، ورفع ربانيته بالقول بتاريخانيّته، وإنكار وجود ما هو قطعيُّ الدّلالة فيه، والدعوة إلى تجديد أصول الفقه لتصبح مرتعًا للقول بلا ضابط، ونفي حفظ السنّة وحجيّتها،
وقد نالَ القرآنَ النِّصيبُ الأوفر من الحفد إلى النَّخْرِ؛ فهو كلام محمّد لا كلام الله، وقصصُه مجرّد حكاياتٍ لا أصل لها في التاريخ؛
وأحكامه خاصَّةٌ بعصر النبوّة، ودراسته لا بدَّ أن تبدأ من موقع الإلحاد المنهجيّ .
روى أبو سعد السَّمْعانيُّ بسنده إلى أبي زرعة الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يُعَدَّ صاحب حديث. والخبر في بضاعة المتخصِّصين في الحديث من المتقدِّمين، شائِقٌ، مُبهٍر.
السمعاني، أدب الإملاء والاستملاء، بيروت: دار الكتب العلمية، 1981م، ص 11.
يظنُّ أنَّ الباحث اليوم يعلم من الحديث ما لم يعلمه الأوائل؛ لأنَّ في مكتباتنا دواوين السنة المطبوعة،
فقد كان الأئمّة يحفظون للحديث الواحد عَشَرات الطُّرُق، ونحن اليوم لا نعرف من طُرُقِه إلا أفرادًا قلائِلَ، أمّا العلم بالرجال فهم أهلُه، وليس لنا اليوم إلّا المختصرات.
عمدة الباحثين اليوم في علم الرجال، كتاب تهذيب المزي لكتاب الكمال ، وتهذيب هذا التهذيب ومختصراته ومكمّلاته!
إنّ إحاطة الأوائل بالسنّة أوسع ولا ريب من أعلم أهل زماننا ممن توفَّرت له كلُّ المراجع المطبوعة، علمًا أنّ ثمّة العديد من الكتب في علم الحديث لم تطبع إلى اليوم، ولا تزال مخطوطة! ورَحِم الله الحافظ الذّهبيّ؛ فما أصدق قوله: وجزمْتُ بأنَّ المتأخّرين على إياسٍ من أن يلحقوا بالمتقدّمين في الحفظ والمعرفة !، هذه قيلت في حُفّاظ القرن الثامن الهجري ومحدّثيه،
الذهبي، تذكرة الحفاظ، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.، 948/ 3.
عندما يجهل معلّم العلماء تعريف الحديث الصحيح !
فيبدأ الأطفال في ترديد أبيات المنظومة البيقونية ، مُكرّرين مع ناظمها، بإيقاع ممتع لذيذٍ:
أَبْدَأُ بِالْحَمْدِ مُصَلِّيًا عَلَى … مُحَمَّدٍ خَيْرِ نَبِيٍّ أُرْسِلاً
وَذِي مِنَ أقْسَامِ الْحَدِيثِ عِدَّةً … وَكُلُّ وَاحِدٍ أتَى وَحَدَّهْ
أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ وَهْوَ مَا اتَّصلْ … إِسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُذَّ أوْ يُعَلَّ
يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ … مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ
وهكذا يبدؤون في تلقّي المعارف، من السِّهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركّب.
ولما قرأتُ ما كتبه الشرفي في حديثه عن تعريف علماء أهل السنّة للحديث الصحيح، أحسستُ أنّ النقاش مع الحداثيّين – التونسيّين خاصة – لا يحتاج إلى فهمٍ عميق ولا إلى مَلَكةٍ إدراكٍ ثاقبة، وإنّما يطلب من المرء صبرًا على المكاره، وعزمًا على التجاوز، وطول نَفَس!
قلت: الحفظ عند المحدثين هو نفسه الضَّبْط (وهو نوعان: ضبطُ صدرٍ، وضبطُ كتابةٍ)؛
أهمل الشَّرفي أهمَّ شروط العدالة، وهي الإسلام، والعقل، ومجانبة الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر!
شرط اعتبار المروءة متنازعٌ فيه أصلًا بين العلماء، رغم كثرة إيراده في كتب المتأخرين. وقد تعقَّبَ الزركشيُّ ابنَ الصلاح في نُكَتِهِ على مقدّمته، في دعواه الإجماع على هذا الشرط، بقوله: ذكر الخطيب أنّ المروءة في الرواية لا يَشْتَرِطُها أحدٌ غير الشافعي، وهو يقدح في نقل المصنّف الاتفاق عليه .
الزركشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: زين العابدين بلا فريج، الرياض: أضواء السلف، 1419هـ 1998م، 325/3.
أمّا الباقلاني (توفي 402هـ) الذي يُعدّ من أوائل من عرضوا إلى هذا الشرط في حد العدالة فقد كشف أنه محلّ نزاع بين أهل العلم، في زمانه وما قبله، وذلك ظاهر من قوله: من علمائنا من صار إلى أن ذلك يقدح في الرواية والشهادة .
الجويني، التلخيص في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1417هـ 1996م، 354/2.
رواية المبتدع غير الداعي إلى بدعته مقبولةٌ عند عامة المحدّثين؛ فإنّ البدعة لا تدفع الصّدق، وكثيرٌ ممّن وقعوا في البدع، أَرْداهم فيها الاشتباهُ لا الاشتهاء. وعامّة المحدّثين على قَبُول رواية المبتدع في غير ما يَنْصُر بِدْعَتَه. قال الإمام الجوزجاني (توفّي 256): ومنهم زائِغٌ عن الحقّ، صَدُوق اللّهْجَة، قد جرى في الناس حديثه، إذ كان مخذولًا في بدعته، مأمونًا في روايته. فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلّا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرَف، إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُتّهم عند ذلك .
الجوزجاني، أحوال الرجال، تحقيق: السيد صبحي البدري السامرائي، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985م، ص32.
وقال ابن حجر: وينبغي أن يُقيَّدَ قولُنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بِدْعته ويُشيِّدها، فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى .
ابن حجر، لسان الميزان، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة وسلمان عبد الفتاح أبو غدة، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1423هـ 2002م، 204/1.
وهو قولُ جلِّ العلماء، حتى ادّعى فيه ابن حبان الاتفاق: ليس بين أهل الحديث من أثمتنا خلاف أن الصِّدوق المتقِن إذا كان فيه بدعةٌ ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بأخباره جائزٌ، فإن دعا إليها سَقَطَ الاحتجاجُ بأخباره .
ابن حبان، الثقات، الهند: مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1393هـ 1973م، 140/6.
فهذا الإمام البخاريُّ، أمير المؤمنين في الحديث، رغم غَلَبة التوقّي والتنقي في حديثه، إلّا أنّه قد أخرج في صحيحه لرجالٍ مغموزين في عقيدتهم، بلغوا كما هو عند ابن حجر تسعًا وستّين راويًا.
ابن حجر، هدي الساري، تحقيق: محب الدين الخطيب، القاهرة؛ بيروت: المكتبة السلفية، د.ت، 356 384.
ومذهب الرواية عن المبتدع باعتبار صدقِه، هو مذهب أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ومحمد بن عمّار الموصليّ.
عبد الله الجديع، تحرير علوم الحديث، بيروت: مؤسسة الريان، 1424 هـ- 2003 م، 403-404 / 1.
وقد لخّصه ابن دقيق العيد، وهو من أنصاره، في قوله: لا تُعتبر المذاهب في الرواية .
ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح، تحقيق: قحطان الدوري، الأردن: دار العلوم للنشر والتوزيع، 1427 هـ- 2007م، ص 439.
فالتّواتر ليس هو انتشار الخبر بين الناس كما هو ظنّ الشرفي، وإنّما هو الحديث الذي يرويه جماعةٌ يستحيل في العادة أن يتواطَؤُوا على الكَذِب، في كل طبقة، وأَسْنَدُوه إلى شيء محسوسٍ. فعلى خلاف الإشاعة التي يكون مَرَدُّها في كثير من الأحيان إلى فرد واحد في الطبقة الأولى من الرواة، وقد يكون هذا الفرد كاذبًا. يُشترط في التواتر أن يكون الرواة جَمْعٌ كبيرٌ يستحيل عادةً تواطؤه على الكذب، وذلك في الطبقة الأولى النّاقلة للخبر وفي كلّ الطبقات الأخرى على السَّواء.
فهذه الجمهرةُ من الرجال الذين يستحيل أن يتواطؤوا على الكذب لكثرتهم، ينقلون أمرًا أدركوه حسّاً،
الجمهور يقول إنَّ ضابط عدد الرُّواة هو: حصول العلم الضروريِّ به، فإذا حصل ذلك علمنا أنَّه متواتر، وإلّا فلا .
الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، 244/1.
حديث بلا إسناد أصحّ من المتواتر!
لا يتحرَّجُ من أن ينسب إلى الرسول ﷺ حديثًا بلا إسناد في كتاب الأصنام للكلبي (!!) يزعم أنَّ الرسول ﷺ قد قَدَّمَ قُربانًا إلى أحد الأصنام في طفولته.
بِل هو حديث، وليس من كلام الغزالي!
نَسَبَ الشَّرفي إلى الغزاليِّ عبارة: استَفْتِ قَلْبَكَ على أنَّها من حِكَمِهِ الباهرة.
قلت: بل هي جزء من حديث نبويّ أخرجه أحمد عن وابصة بن معبد رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال له: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ . فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُثُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: يَا وَابِصَةُ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ، فالغزالي كان مُقتَبِسًا لا مخترعًا!
بل هو حديث، وليس من أقوال العلماء!
ظنّ الشَّرفي عبارة: ما أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرام ، من مقولات العلماء واستنباطاتهم.
قلتُ: هذا حديث نبويٌّ شهير، أخرجه مرفوعًا إلى النبي ﷺ أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد!
بل هو حديث، وليس من كلام الخطباء!
يجهلُ الشَّرفي أنّ كلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالةٍ في النار ، حديثٌ نبويٌّ، أخرجه النَّسائيُّ بهذا اللّفظ، فقد ظنّهُ مجرد شِعارٍ رَفَعَهُ البعض؛ لكثرة تداوله بين العامة!
الشَّرَفِي يَجْهَلُ مَا فِي صَحِيحِ البَخَارِي وَكِتبِ السِيرَةِ والدلائل
أَحَالُ الشَّرَفِي إِلَى طَبَقَاتِ ابنِ سَعْدٍ، فِي تَخْرِيجهِ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَجُلٌ : بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيَّا وَمِيتًا ، رَغمَ أَنَّ الحديثَ فِي البَخَارِي!
لا يثبت تكذيب ابن عمر لعكرمة. قال ابن حجر عن عكرمة: ثقةٌ ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر . والرّواية عن ابن عمر فيها يحيى البكاء، وهو ضعيفٌ؛ قال فيه النّسائي: متروكُ الحديث . كما أنَّ في متن هذا الأثر نكارة؛ إذ إنَّ عكرمة لم يَتَصَدَّ للرّواية زمن ابن عمر!
جُلِّ أحاديث الأحكام آحادٌ، والإجماع حاصل على أنَّ أحاديث الآحاد حجَّة في باب الأحكام. قال ابن القاص: لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد .
ابن النجار، شرح الكوكب المنير، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الرياض: مكتبة العبيكان، 1993م، 361/2.
وقال ابن عبد البرّ: وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار، فيما علمْتُ، على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمةٌ لا تعدّ خلافًا .
ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد البكري، الرباط، المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387هـ – 1967م، 2/1
الجهالة عند أهل الحديث، إمّا جهالةُ عَيْنٍ، أو جهالةُ حالٍ. فمجهول العين هو من لم يروِ عنه غيرُ راوٍ واحدٍ، أمّا مجهول الحال فهو من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يُوَثَّق. وأبو هريرة رضي الله عنه ، روى عنه عدد ضخم من الرّواة، ووثَّقَهُ جميع أهل العلم. فأين الجهالة؟!
وقد عَدَّ أحدُ الباحثين أحاديث أبي هريرة في الصّحيحين، والسنن الأربعة، ومسند أحمد، من غير المكرّر، فلم يجد غير 1336 حديثًا!، وقام فريق من الباحثين بِعَدّ أحاديث أبي هريرة في الكتب التسعة (بزيادة ديوانَيْنِ آخَرَيْنِ من دواوين السنّة: الموطأ وسنن الدّارميّ)، فلم تزد على العدد السابق إلّا بمائة وتسع وثلاثين حديثًا فقط. وإذا حذفنا الأحاديث الضّعيفة من كلّ ما نُسِبَ إلى أبي هريرة ﷺ ، فربّما لا يتجاوز العددُ ألفَ حديث صحيح النّسبة إلى أبي هريرة،
محمد ضياء الرحمن الأعظمي، أبو هريرة في ضوء مروياته، القاهرة: دار الكتاب المصري، 1979م، ص 76.
ضمّ الفريق د. عبده يماني والمحدّث د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي ومجموعة أخرى من الباحثين، وقد نشر د. يماني نتائجه في مقال في صحيفة الشرق الأوسط (الخميس 10 رمضان 1426هـ 13 أكتوبر 2005 العدد 9816).
غاية الشَّرفي من نسبته هذا العدد الضخم من الأحاديث إلى أبي هريرة، مع قِصَرٍ مدّة ملازمته للرسول ﷺ ، اتّهامه بالكَذِبِ. وهي تُهمةٌ ساقطة؛ لأسباب كثيرة جدًّا، منها أنّ أبا هريرة، كما ثبت بالإحصاء، لم يتفرّد عن بقية الصحابة بأحاديث في الكتب الستة، والتي تضمُّ عامَّةَ المتون التي عليها مدار الدّين، سوى بأحاديث لا يبلغ عددها العشرة، [كما حقّقه فريق د. عبده يماني في البحث الذي سبق ذكره.]
بأيِّ منطق يُنكر الشَّرفي أن يكون ابن عباس رضي الله عنهما ، صحابيًّا، وهو مَنْ رُبيّ في حجر النبوّة؟! أليس هو من أَوْلى الناس بوصف الصُّحبة؛ إذ إنّه لم يعرف جاهليةً ولم يُغيّر أو يُبدّل في معتقده؟ وهل التعليم في الصَّغَرِ إلا كنقشٍ على الحجر؟!
كثرة مرويّات ابن عباس – رضي الله عنهما – تعود أساسًا إلى ثلاثة أمور:
١ – روى ابن عباس ما سمعه مباشرة عن الرسول – ﷺ – وما سمعه عَمّن سمع النبي – ﷺ – خاصة بعد وفاة كبار الصَّحابة.
٢ – عاش ابن عبّاس – رضي الله عنهما – أكثر من نصف قرن بعد وفاة الرسول ﷺ (توفي 68هـ)، وهو ما جعله يعتني بتبليغ مَنْ لم يَرَوْا رسول الله – ﷺ – ميراث النبوَّة.
٣ انتصب ابن عبّاس رضي الله عنهما للتعليم وبَذْلِ العلم من قرآنٍ وسنّة وفقه في مجالسَ عامرةٍ، ولذلك كَثُرَ الآخذون عنه.
من أوضح علامات غربة الشرفي عن علم الحديث وأهله، أنّه لما ذكر مرّةً القاضي عبد الجبار المعتزليّ، أشار إلى تأثّر عبد الجبّار بشيوخه، ومنهم مَعْمَر ، ولأنّ الشَّرفي أجنبي عن العلوم الشرعية، ذهب بكلّ براءة إلى فهرس الأعلام الذي أعده محقّق كتاب طبقات المعتزلة ، فوجد في القائمة مَعمرين اثنين: معمر بن راشد، ومعمر بن عباد السّلمي؛ فماذا فعل صاحبنا ؟ كتب في هامش كتابه تحت كلمة معمر: شيخ القاضي عبد الجبار : إمّا معمر بن راشد أو معمر بن عباد السّلمي، وكلاهما من شيوخ المعتزلة. انظر فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، الفهرس .
معمر بن راشد من أعلام علماء الحديث؛ فهو شهير عند المحدّثين شهرة البخاري ومسلم والترمذي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق الصنعاني، إذ هو من أوائل من جمعوا دواوين السنّة، فله مصنّفه الجامع المشهور جدًّا. وهو الذي قال فيه أحمد بن حنبل: لستَ تضمُّ مَعْمرًا إلى أحدٍ إلّا وجدته فوقَهُ ، فهو مَنْ هو في تاريخ الإسلام! وقد تُوفّي سنة 153ه، فكيف يكون شيخًا للقاضي عبد الجبار المتوفى سنة 415هـ؟! أمّا نِسْبَتُهُ إلى الاعتزال فدعوى ساقطة؛ إذ هو من أعلام مدرسة الحديث.
ولو نَظَرَ في كتاب المنار المنيف لابن القيّم لقرأ في صفحة واحدة من الكتاب -: ومن ذلك الأحاديث في ذمّ معاوية، وكل حديثٍ في ذمّه فهو كَذِبٌ. وكل حديثٌ في ذمّ عمرو بن العاص فهو كذب. وكل حديثٍ في ذم بني أُميّة فهو كذب. وكل حديثٍ في مدح المنصور والسفّاح والرشيد فهو كذب. وكل حديثٍ في مدح بغداد أو ذمّها والبصرة والكوفة ومرو وعسقلان والإسكندرية ونصيبين وأنطاكية فهو كذب. وكل حديثٍ في تحريم ولد العباس على النّار فهو كذب. وكذا كلُّ حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس فهو كذب. وكل حديث في مدح أهل خراسان الخارجين مع عبد الله بن عليّ ولد العباس فهو كذب. وكلُّ حديث فيه أن مدينة كذا وكذا من مدن الجنّة أو من مدن النّار فهو كذب. وحديثُ عددِ الخلفاء من ولد العباس كذب. وكذلك أحاديث ذمّ الوليد وذمّ مروان بن الحكم. وحديثُ ذمّ أبي موسى من أقبح الكذب .
ابن القيم، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1390هـ – 1970م، ص117.
وممّا يُثير الانتباه أيضًا، أنّه رغم احتداد النّزاع بين الفِرَق منذ القرن الأوّل هجريًا، واختلاق الفرق المذهبيّة العقديّة العديد من الأحاديث في التحذير من الفرق المخالفة بأسمائها، فإنّه لم يصحّ منها، على قول المحقّقين، غير التحذير من الخوارج الذين بدأ ظهور قرنهم زمن النبوّة. وفي هذا الأمر دلالةٌ على أنّ النّقد الحديثي كان متعاليًا عن الأغراض المذهبيّة، وقائمًا على تمييز السّقيم من السليم، وردّ الحديثِ المخْتَلَقِ ولو كانت فيه نُصرةٌ لمذهب أهل السنّة بذمّ مخالفيهم.
قال ابن القيم: والذي صحّ عن النبي ﷺ ذمهم من طوائف أهل البدع: هم الخوارج. فإنّه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح؛ لأنّ مقالتهم حدثت في زمن النبي ﷺ، وكلّمه رئيسهم. وأمّا الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول وغيرها من البدع، فإنّها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة (عون المعبود شرح سنن أبي داود للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الرحمن عثمان، المدينة المنورة: 1389هـ – 1969م، ط2، 456/12).
فالكتابة مجرّد رقم الكلام على الجلد أو غيره مما يُكتب عليه، وهي تُمثِّلُ العملية الأولى لحفظ السنّة، وقد بدأت على أيدي الصحابة في حياة رسول الله ﷺ ، في حين أنَّ التدوين هو جمعُ الأحاديث السيِّارة والمتفرِّقة في ديوان واحد، وأمّا التصنيف فهو المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة ترتيب الأحاديث وتبويبها وتهذيبها حتّى يسهل النَّظَرُ فيها والاستفادة منها ممن يريد الأخذ عنها في دينه ودنياه.
ما نقرأه باستمرار في كتابات المستشرقين عن كتب الحديث القانونيّة Canonical ! وهو أوّلًا إسقاط اصطلاحي ، أصلُه في المعجم الديني اليهوديّ النصرانيّ؛ إذ يُقصد بالكتاب غير القانوني ، الكتاب الذي لا تعترف الجماعة المؤمنة بقداسته، وبالتالي تسلبه السلطانَ الديني الذاتي. وثانيًا، هو تعبير فاسد، لا معنى له في المكتبة الإسلاميّة؛ لأنّ الأحاديث وحدات صغرى يُحْكَمُ عليها استقلالًا دون النظر إلى الكتاب الذي يحتويها، فلا توجد كتبٌ حديثٍ قانونية مقبولة، وأخرى أبوكريفية مردودة، وإنّما هي أحاديث مقبولة أو مردودة.
24 ليف الكتاب الصحاح!
يمكن أن يوقعنا في الوهم أنه محدَّث.
المسانيد التي رويت عن أبي حنيفة تبلغ خمسة عشر مسندًا بعضها مطبوع، مثل مسند أبي نعيم الأصبهاني، وفيه مئات الأحاديث وقد جمعها أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي في كتاب أسماه جامع المسانيد ،
الفرق بين أن يجمع البخاري وأن يروي البخاري هائل جدًّا؛ إذ إنّه لا يشترط في الحديث الذي يجمعه البخاري أن يرويه لغيره؛ فهو بعد الجمع ينتقي ثم يروي.
اسم صحيح البخاري هو: الجامع المسند الصحيح المختصر ؛ فالكتاب مختصر لم يُقصد منه استيعاب الأحاديث المسندة الصحيحة. وقد ألّفه البخاري تأثّرًا بقول شيخه ابن راهويه لتلاميذه: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنّة رسول الله ﷺ . [ابن حجر، هدي الساري، ص 7.]
صرّح البخاريُّ بغاية عملِه لمعاصريه؛ فقد قال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلتُ في هذا الكتاب إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح؛ كي لا يطول الكتاب . [الذهبي، سير أعلام البلاء، 12/402.] وقال ابن حَجَرٍ: روى الإسماعيليُّ عنه يعني البخاريّ قال: لم أُخرِجْ في هذا الكتاب إلا صحيحًا وما تركت من الصحيح أكثر . [ابن حجر، هدي الساري، ص 7.]
ذِكرَ ابنُ حزم نفسُه أنَّه لم يتفرّد بهذا المذهب؛ فقد قال: قال أبو سليمان والحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم: إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يُوجِب العلم والعمل معًا. وبهذا نقول . [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 1/119.]
قال ابن تيمية: وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد… . [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 41/18.]
طعن الشَّرَفِيّ في الصَّحابة رضي الله عنهم
كتب القمَاش اليساري، خليل عبد الكريم لبيان حال الصّحابة، وهو كتاب شَدْو الرّبابة في بيان حال الصّحابة ، ولعلّه لم يمرّ على تاريخ الإسلام كلامٌ أشدّ فسادًا مما أورده خليل عبد الكريم المنحرف، والذي طالت إذايته عرض رسول الله ﷺ في كتابه فترة التكوين ، حتى عدَّ نبوّته مؤامرة من خديجة رضي الله عنها!
انظر في كشف أباطيله والرد عليها: إبراهيم عوض، لكن محمد فلا بواكي له، العار! الرسول يهان في مصر، دار الفكر العربي، القاهرة، ط2، 2001م.
وحتى لا يظنّ فيه أعداء الإسلام سوءًا-حاشاه!-،
لقد قال خصوم الصحابة في الزمن الأوّل إنّ الصحابة قد بدّلوا الدين نكاية في علي وذريّته، وإرضاءً لأهوائهم، وإشباعًا لنهماتهم، والشرفي يقول إنّ الصحابة قد غيّروا الدين إرضاءً لأهوائهم، وترقيعًا لعجزهم.
ربَنا عَزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَإِن يُرِيدُوْا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62].
رَبَّنَا – عزَّ وجلَّ – يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لُوْ يَطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتْمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون﴾ [الحُجُرات: ٢].
رَبَّنا عزَّ وجلَّ يقول: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: 26].
إِنَّهُم القوم الذين حازوا فضلًا لم ينله غيرهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]
قال ابن تيمية: فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرضَ عن التابعين إلا أن يَتَّبعوهم بإحسان . [ابن تيمية، الصارم المسلول، تحقيق: محمد الحلواني ومحمد شودري، الدمام: رمادي للنشر، 1417ه 1997م، 1067 / 3.]
قال الخطيب البغدادي: على أنه لو لم يرد من الله عزَّ وجلّ ورسوله فيهم شيء، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنُّصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومن يُعتدُّ بقوله من الفقهاء .
الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص 49.
إنّ القدح في الصّحابة لا يَقُولُ إلّا إلى ردّ الدين وهدمِه، وهو مُنبِئٌ عن منزلة الدين كلّه في قلب مجترحه. ولله درّ أبي نعيم، فقد قال صدقًا: لا يبسط لسانه فيهم إلّا من سوء طويته في النبي ﷺ وصحابته والإسلام والمسلمين .
أبو نعيم الأصبهاني، الإمامة والرد على الرافضة، تحقيق: علي الفقيهي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1407هـ 1987 م، ص 376.
ما علاقة التزام أهل السنَّة بفهمِ من زكَّاهم الوحيِ وربَّاهم النبيِّ ﷺ على عينَيْهِ، بإلزام رؤوس النَّصارى الكاثوليك طائفتهم بفهمِ دينِها على فهمِ آباء الكنيسة الذين لم يزكّهم أيّ كتابٍ لهم، ولا هم رأوا المسيح، بل جُلُّهم عاش بعد المسيح بقرون قد تبلغ السبعة أو حتى أكثر، وهم قوم تربّوا على فلسفة اليونان لا على تعاليم الوحي الإلهيّ؟!
أضاليل الشَّرَفِيّ حول السُّنَّة
إنما ينبغي للإنسان أن يتّبع الدّليل لا أن يتّبع طريقا ويتطلب دليلها . ابن الجوزيّ.
لقد تَتَبَّعْتُ مواقف الشرفي من السنَة؛ فوجدتها كلّها تقريبًا منهوبةً من كتابَي محمود أبي رية أضواء على السنة المحمدية ، و شيخ المضيرة . انتهبها منهما انتهابًا، بعُجَرها وبُجَرها.
أبو ريّة (1889 1970م) كاتب مصري، لم يُكْمِلْ تعليمه الأزهريّ، وأخفقَ في الحصول على الثانوية الأزهرية (!)، وهو رجلٌ لم يدرس علمَ الحديث، وإنّما هو جمّاع رقع، لَعِبَ به هواهُ، وربّما هوى غيرِه، فجمع شبهات الشّيعة حول السنّة النبويّة في كتاب سمّاه أضواء على السنّة المحمدية ، وخلطها بقليل من دعاوى المستشرقين، ثم رصّها رصًّا على غير نهج علميّ.
كتاب: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي، وهو أشهرها، وكتاب المحدّث المحقّق عبد الرحمن المعلّمي: الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزَّلل والتضليل والمجازفة ، وكتاب محمد عبد الرزاق حمزة: ظلمات أبي رية ،
فكون الراوي ثقة لا يدفع عن الرواية المرسلة ضعفها؛ إذ إنّ آفة هذه الرواية الانقطاع في السند لا ضعف الراوي، ثم إنّه لم يُعْهد عن أحد من أهل العلم أن يحيل إلى كتابٍ معاصر في موضوع عام هو تاريخ التشريع الإسلامي، لتوثيق رجلٍ خبرُه مبثوثٌ في كتب الرجال المرجعيّة، وهو عالم مشهور من التابعين، قد أفاض العلماء في بيان حاله!
فهو مثلًا يطعن في ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من البشارة بالرسول ﷺ في التوراة، والرواية عنه في صحيح البخاري، فزعم أنّ ما قاله عبد الله ﷺ لا أصل له في التوراة، وإنّما هو من احتيال كعب الأحبار على هذا الصحابي، رغم أنّ أبا رية لا يعرف من كتب أهل الكتاب شيئًا، وإنّما هو هوى السبّ! علمًا أنّ ما ذكره هذا الصحابي موجود في سفر إشعياء 42: 1 17.
علمًا أنَّ رشيد رضا ليس محدِّثًا ابتداءً، وليس الحديث من صنعته، فلا هو دَرَسَهُ دراسةً متخصِّصة كما هو شأن علماء الحديث المعاصرين له، ولا هو كتب فيه كتابًا واحدًا (مشهورًا على الأقل)، رغم أنَّ له كتبًا في الفقه والعقيدة والتفسير والدفاع عن الإسلام؛ فكيف إذن أصبح إمام الأئمَّة والصَّيرفيَّ الذي لا يخفى عليه أمر النُّقود المزيّفة؟! الجواب هو أنَّ ردّه بعض الأحاديث الصحيحة وافق هوًى من أبي ريّة!
بل خُذْ هذه من رشيد رضا: أكثر الأحاديث الآحادية المتَّفق على صحَّتها لذاتها كأكثر الأحاديث المسندة في صحيحي البخاري ومسلم جديرة بأن يجزم بها جزمًا لا تردُّدَ فيه ولا اضطراب، وتعدّ أخبارها مفيدة لليقين بالمعنى اللغويّ الذي تقدّم، ولا شكّ في أنَّ أهل العلم بهذا الشأن قلّما يشكُّون في صحَّة حديث، فكيف يمكن لمسلم يجزم بأن الرسول ﷺ أخبر بكذا ولا يؤمن بصدقه فيه؟ أليس هذا من قبيل الجمع بين الكفر والإيمان؟! وليُعلم إنني أعني بالمتفق عليه هنا ما لم يَنْتَقِدْ أحدٌ من أئمَّة العلم مَتْنَهُ ولا سنده، فيخرج من ذلك ما انتقده مثل الدارقطني، وما انتقده أئمة الفقهاء وغيرهم، ومن غير الأكثر ما تظهر فيه علّة في متنه خَفِيَتْ على المتقدّمين أو لم تُنْقَلْ عنهم وذلك نادر، وقد عدَّ بعضُهم هذه الأحاديث المتفق على صحّتها مفيدة للعلم اليقينيّ الاصطلاحيّ إذا تعدَّدَتْ طُرُقُها .
فتاوى الإمام محمد رشيد رضا، تحقيق: صلاح الدين المنجد ويوسف ق. خوري، بيروت: دار العمرية، 1426هـ- 2005م، 1331/4.
وأبو ريّة شيعيٌّ بلا ريب ولا مراء، لا يماري في ذلك من قارن شبهاته بما جاء في كتب الشيعة، بل إنّه كثيرًا ما يُحيل مباشرة إلى مراجع شيعيّة في نقل رواياتٍ تطعن في الصّحابة، أو في تقرير معنى متصل بذلك، دون إظهار الريبة في المنقول،
إنّ ما كتبه أبو ريّة يحمل جميع خصائص الكتب الشيعيّة، وهي كما ثبت لي باستقراء كتب القوم في سجالهم مع أهل السنّة:
● الثناء على عليٍّ والحسين خاصّة رضي الله عنهما-.
● الثناء الضمنيّ على الصّحابة الذين لم يتّهمهم الشّيعة بالكفر (عددهم لا يكاد يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأهمّهم سلمان الفارسي رضي الله ).
● تبرئة الشّيعة مما يُنسب إليهم من دعاوى.
● الإيهام أنّ الأقوال الشاذّة عند بعض السنّة هي قولُ الجمهور.
● نسبة الاعتراضات إلى علماء أهل السنة، رغم أنّ هؤلاء العلماء قد أوردوها للرد عليها.
● نقل شبهات الشيعة نفسها، بالترتيب والتوثيق نفسه.
الأضلولة الأولى: هدمُ السُّنَّةِ السُّنَّةَ
لقد أشار الشرفي إلى نهي الرسول ﷺ عن كتابةِ حديثِه، … وهو حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ،
رواه مسلم / كتاب الزهد والرقائق / باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، (ح / 7702).
جاء النهي عن كتابة الحديث عن رسول الله ﷺ في روايةِ أبي سعيد الخدري. وليس يصحُّ في النهي غير هذا الحديث؛
حديث أبي سعيد الذي أخرجه مُسلِم، مختلَفٌ في رفعه إلى الرسول – ﷺ – بين أئمّة الحديث، فإنّ هناك من أهل الصّنعة من ذَهَبَ إلى خلاف مذهب مسلمٍ، فحكم أنّ هذا الحديث لا يصحّ عن النبيّ – ﷺ – وإنّما هو من كلام أبي سعيد الخدريّ موقوفًا عليه. ومن هؤلاء أمير المؤمنين في الحديث، محمد بن إسماعيل البخاري. قال ابن حجر: ومنهم من أَعَلَّ حديث أبي سعيد، وقال: الصّواب وَقْفه على أبي سعيد. قاله البخاري وغيره . [ابن حجر، فتح الباري، 208/1.]
فلو ثبت أنّ هذا الحديث ليس من كلام الرسول – ﷺ – وإنّما هو من قول أبي سعيد الخدري، فإنّه لا يبقى عندنا إذن غير طلب الرسول – ﷺ – كتابةً حديثه، وإقراره ذلك، ويرتفع بذلك التعارض الظاهريّ بين الأحاديث.
جاءت أحاديث كثيرة في الإذن بالكتابة عن عدد كبير من الصحابة، بأسانيد صحيحة. وممّا يؤكد أن أحاديث الإذن ناسخة للحظر إن صحّ مرفوعًا ، ما أخرجه البخاري عن رسول الله ﷺ في خطبته عام الفتح (قبل ثلاث سنوات من وفاتهـ)، قوله: اكتُبوا لأبي شاة ، لما قال له رجل من أهل اليمن: اكتب لي يا رسول الله .
رواه البخاري / كتاب العلم / باب كتابة العلم، (ح/ 112)، ومسلم / كتاب الحج / باب تحريم مكة وصيدها وخلاتها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد، على الدوام، (ح/ 3371).
وهو ما يقطع أنَّ الرسول ﷺ قد أباح كتابة حديثه بعد أن منع من ذلك، هذا إن قلنا إنَّ المنع والإذن متعلِّقان بالوجه نفسه، وإلّا فإنَّ من العلماء من قال إنَّ المنع كان خاصًّا بأفراد معيَّنين، وقال آخرون إنَّ المنع كان خاصًّا بكتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، وقيل غير ذلك.
الكتابة إمّا أن تكون وسيلة للحفظ أو سبيلًا للتوثيق، والفرق بين الحفظ والتوثيق أنّ الحفظ يكون وسيلةً للتعلّم والاستذكار، أمّا التوثيق فيُحتاج إليه مع التعلُّم، عند التنازع والتقاضي. وما كان الناس في زمن الصحابة مع أخذهم مباشرة عن الرسول ﷺ ، وقدرته م على التثبّت منه في كلّ حين في حاجة إلى الكتابة كوسيلة للتوثيق الذي يقصد منه الرد إليه عند التنازع، فلم يبق إذن غير الكتابة للحفظ. وليس من المعقول أن يمنع الرسول ﷺ الصحابة من الكتابة عنه ليمنعهم من الحفظ؛ لأنّ أصل الحفظ هو الذاكرة لا الكتابة. فما هو سبب المنع من الكتابة إذن؟
الجواب الأقرب هو منع اختلاط القرآن المكتوب بالحديث النبوي في أُمّةٍ أُمّيّةٍ لم تألف حفظ تراثها كتابة، ومما يؤيد ذلك، قوله ﷺ : لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه .
فاختلقوا حديثًا يَلُوكُه من يُسمّون زُورًا بالقرآنيين ، وهو ما رواه الطبراني في الكبير (رقم 1429) عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: ألا إنّ رحى الإسلام دائرة ، قال ثوبان: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: اعرِضُوا حديثي على الكتاب، فما وافقَه فهو مني، وأنا قلته . هذا الحديث قال فيه الإمام عبد الرحمن بن مهدي إنه من وَضْع الزنادقة والخوارج. وقال فيه يحيى بن معين: موضوعٌ وضعَتْه الزنادقة(1)
الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، 188/1.
وإسناده عند الطبراني واه؛ ففيه يزيد بن ربيعة، وهو الرحبي الدمشقي. قال فيه البخاري: أحاديثه مناكير. وقال النّسائي والدارقطني والعقيلي: متروك. [ابن حجر، لسان الميزان، 8 / 492-493.]
حديث النّهي عن الكتابة الذي أخرجه مسلم هو عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، وهو إسناد جاء به أيضًا أمر الرسول ﷺ بالالتزام بأحكامه؛ فقد روى ابن حبّان من طريقه عن زيد بن أسلم، عن عَطَاء، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ؛ فَلْيُوتِرْ إِذَا ذَكَرَ أَوِ اسْتَيْقَظَ . وهو من أحاديث الأحكام التي اعتقد الصّحابة حُجّيّتها.
الأضلولة الثانية: منعُ الرسول ﷺ الأمّة من الالتزام بسنّته
والنّصوص متوافرة فصيحةُ البيان، صريحة المعاني في أنّ الرسول ﷺ قد حرص على بثّ عقيدةٍ حُجيّة ما يُبَلِّغه عن الله سبحانه، وأنّ الصحابة قد أُشربتْ قلوبُهم هذا المعنى؛ فلم يرفعوا حاجب الشكّ إليه بعد أن استقرَّ في أعماق وَعْيِهم بحقيقة انتمائهم للإسلام.
دلالة القرآن على حجيّة ما يأتي به الرسول ﷺ
مُختصًرا عن عبد الغني عبد الخالق، حجية السنة، المنصورة: دار الوفاء، 1997م، ص291 – 308.
وجوب الإيمان بالرسول – ﷺ، وما يلزم من ذلك من طاعتِه، وأنْ ردّ حُكْمِه يتنافى مع الإيمان به:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]
قال الشافعي [الرسالة، ص 78]: فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحِكْمةَ، فسمعتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أهلِ العلم بالقرآن يقول: الحِكْمةُ: سُنة رسول الله، لأنّ القرآن ذُكِر وأتبعته الحكمة، وذكر الله مَنْهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز والله أعلم أن يقال: الحكمة ههنا إلّا سنة رسول الله، وذلك أنّها مقرونة مع الكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتّم على الناس اتّباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله، لما وصفنا، من أن الله جعل الإيمان برسوله، مقروناً بالإيمان به .
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]
وجوب اتباع الرسول ﷺ في جميع ما يصدر عنه، والتأسّي في ذلك به، وعلى أنّ اتباعه لازمٌ لمحبّة الله:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
دلالة السنّة على حجية ما يأتي به الرسول ﷺ
مختصرًا عن الحسين شواط، حجيّة السنة وتاريخها، فرجينيا: الجامعة الأمريكية العالمية، ١٤٣٩هـ – ٢٥٥٤م، ص ٢٢٢ – ٢٢٤.
الأحاديث الدالة على أن السنَّة أُخْتُ القرآن تُماثِلُه في الحجيَّة والاعتبار، وأنه لا يمكن معرفة الشَّرع من القرآن وحده، بل لا بدَّ معه من العمل بالسنَّة:
قال ﷺ: خُذوا عني مناسِككم .
رواه مسلم / كتاب الحج / باب اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ التَّحْرِ رَاكِبًا وَبَيَانِ قَوْلِهـ – صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، (ح/ ١٩٧٦)، والنسائي / كتاب مناسك الحج / باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، (ح/ ١٥٧٢)، وأبو داود / كتاب المناسك / باب في رمي الجمار، (ح/ ١٩٧٢).
قال ﷺ: صَلُّوا كما رأيتموني أُصلّي .
رواه البخاري / كتاب الأذان / باب الأذان للمسافرين، (ح/ ٦٤٧).
قال ﷺ : كلُّ أُمّتي يدخلون الجنّة، إلّا من أبى . قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى .
رواه البخاري / كتاب الاعتصام / باب الاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (ح/ ٦٣٤).
عن عائشة رضي الله عنها قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئًا تَرَخَّص فيه فتَنَزَّهَ عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبي ﷺ فَحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يتنزَّهُون عن الشيء أَصْنَعُهُ، فوَاللَّهِ إني أعلمهم بالله وأشدُّهم له خشيةً .
رواه البخاري / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين، (ح/ 7387)، ومسلم / كتاب الفضائل / باب علمه ﷺ بالله تعالى وشدة خشيته، (ح/ 6255).
الأحاديث التي فيها الأمر بسماع السنّة وحفظها وتبليغها ونشرها بين الناس، مما يدلُّ على حجيّتها:
قال ﷺ : نَضَّرَ اللَّهُ امرءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ .
رواه الترمذي / كتاب العلم / بابٌ ما جاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى تَبْلِيغ السَّمَاعِ، (ح/ 2868).
قال ﷺ : بَلْغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار .
رواه البخاري / كتاب أحاديث الأنبياء / باب ما ذكر عن بني إسرائيل، (ح/ 3499).
قال الشافعي: لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى عِلْمٍ، يُخالِفُ في أنَّ فرض الله عزَّ وجلَّ اتِّباع أمرِ رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه، وأن الله عزَّ وجلَّ لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتِّباعه، وأنه لا يلزم قول بكلِّ حال إلا بكتاب الله أو سَنَّة رسوله ﷺ ، وأنَّ ما سَواهما تَبَع لهما، وأنَّ فَرْضَ الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحدٌ لا يختلف فيه الفرض، وواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ .
الشافعي، الأم، تحقيق: حسان عبد المنان، عمان: دار الأفكار الدولية، 1420هـ – 2000م، ص 1567.
وقال الشَّوكاني: إنَّ ثبوت حُجيّة السنّة المطهّرة واستقلالها بالتشريع ضرورةٌ دينيةٌ، ولا يخالف في ذلك إلّا من لا حَظَّ له في دين الإسلام . [الشوكاني، إرشاد الفحول، 190/ 1.]
الأضلولة الثالثة: السُّنَّة، اختراع العاجز!
لا يحتاج الأمر كثير بحث ولا قليله؛ لأنّه من المعلوم أنّها فِرية استشراقيّة، أَصْلَها كلٌّ من جولدت سيهر وشاخت، ونقَضَها المحدِّث محمد مصطفى الأعظمي،
انظر مؤلفاته القيّمة الماتعة، ومن أهمها:
On Schacht’s Origins of Muhammadan Jurisprudence, Oxford: The Oxford Centre for Islamic Studies, 1996 Studies in Early Hadith Literature, Indianapolis: Islamic Teaching Center, 1977
وفي كتابه الأخير الرائع، والذي أهداني رحمه الله نسخة منه، حديث قيّم عن المنهج الحديثي، وإن كان الكتاب عن حفظ النص القرآني وشبهات المستشرقين:
The History of the Quranic Text from Revelation to Compilation: A Comparative Study with the Old and New Testaments, Leicester: UK Islamic Academy, 2003
من المستشرقين الآخرين المعارضين لشاخت، بدرجات متفاوتة، نذكر: (F ck)، (Coulson)، (Abbott)، (Sezgin)
واليوم هي تنتفض أيضًا من اعتراضات المستشرق هرالد موتسكي الذي كان يومًا ما من أنصارها قبل أن يُصرّح وهو المتخصّص في مُصنّف عبد الرزاق (تُوفّي 211 هـ) قائلًا: لقد استَنْتَجْتُ أثناء دراسة مُصنّف عبد الرزاق أنّ النظرية التي نَصَرَها جولدت سيهر، وشاخت، وآخرون كُثُر على خُطاهم، وأنا منهم، والتي هي إجمالًا، ترفض أدبيات الحديث كمصدرٍ تاريخيٍّ موثوق عن القرن الأوّل، تَحْرِم الدراسة التاريخية للإسلام المبكّر من نوع من المصادر مهمٌّ ومفيد .
While studying the Musannaf of Abd al-Razzaq, I came to the conclusion that the theory championed by Goldziher, Schacht, and in their footsteps, many others – myself included – which in general, reject hadith literature as a historically reliable sources for the first century AH, deprives the historical study of early Islam of an important and a useful type of source. Harald Motzki, The Musannaf Of Abd al-Razzaq Al-San,ani as a Source of Authentic Ahadith of The First Century A.H. , in Journal Of Near Eastern Studies, 1991, Volume 50, p. 21
ملخّص هذه الشُّبْهة كما وردَتْ في كتاب شاخت ( ١٩٥٥م) Origins of Muhammadan Jurisprudence ، هو أنّ أسانيد الأحاديث قد ظهرَتْ في القرنَيْن الثاني والثالث لدعم الأحاديث الْمُلَفَّقَة التي اخترعَتْها الأجيالُ اللَّاحقةُ انتصارًا إلى مذاهِبِها الفقهيّة.
وعلى التفصيل، تقوم أُطروحة شاخت على مجموعة دعاوي.
وقد كشفتُ أسانيد عبد الرزاق، أنَّ هذا الإمام قد نقل أغلب أحاديثه عن أربعة رواة، وهم: معمر، وابن جريج، والثوري، وابن عيينة، على اختلافٍ كبير في نِسب أحاديثهم. درس موتسكي إثر ذلك أسانيد ابن جريج (مكّة: 80 – 150 هـ)، مع اعتناءٍ خاصٌّ بروايته عن عطاء بن أبي رباح (114 – 27 هـ)؛ ثم درس روايات عطاء التابعي إلى نهاية الإسناد؛ فاستبان له، فقط من خلال طبيعة شبكة الأسانيد وصيغ الرواية، أنَّ احتمال اختلاق هذه الأسانيد مُنْتَفٍ إذا نظرنا إلى المنهج المتصوّر لتلفيق الأسانيد؛ إذ إنّه من الواضح أنَّ كلّ مصدرٍ له طابع فرديّ each source has an individual character .
وكأنَّ شاخت يقول لإسناد الحديث: إن كنت قبيحًا؛ فتلك حقيقتُك! وإن كنت ظاهرًا جميلًا؛ فأنت في الحقيقة تَتَجَمَّلُ! أنت مُدانٌ على كلّ حالٍ! .
زعم شاخت أنَّ السنَّة بالمعنى المستعمل عند المتأخرين (أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراتهـ) لم تُعْرَفْ إلَّا على يد الشافعي؛ والحقيقة أنَّها مماحَكَةٌ لفظيَّة، لا تُنْتِجُ إذا لم تُوظَّفْ بسوء نيَّة حقيقة معرفيَّة ذات بال؛ لأنَّه حتَّى لو افترضنا صحَّة ما ادَّعاه شاخت، وهو غير صحيح باستقراء استعمالات الكلمة؛ فإنَّ ذلك لا يدفع البتَّة حقيقة حجيَّة السنَّة عند السابقين للشافعي؛ لتواتر الآثار على أنَّ جميع الفقهاء السابقين كانوا يعودون للسنَّة لاستنباط الأحكام منها.
أثر ابن سيرين الذي أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه بسند جيّد: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنّة فَيُؤْخَذُ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم .
وإنّما القرائن السياقية والتاريخيّة متّجهة إلى تقرير أنّ الفتنة المقصودة في هذا الأثر هي ما كان بين عليٍّ وشيعته ومعاوية وشيعته رضي الله عن الصّحابة أجمعين ، كما هو قول كثير من الشُّرَّاح، لما أُثِر عن هذه الفتنة من انقسام الأُمَّة. وفي رأيٍ وجيهٍ هي فتنة المختار الثقفيّ.
وعن إبراهيم النخعيّ قال: إنما سُئِلَ عن الإسناد أيَّام المختار .
أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله، تحقيق: وصي الله عباس، الرياض: دار الخاني، 1422ه 2001م، ط2، 380 / 3.
قال ابن رجب: وسببُّ هذا أنَّه كَثُرُ الكذب على عليٍّ في تلك الأيام .
ابن رجب، شرح علل الترمذي، 52 / 1.
وأيًّا ما كان تفسير كلمة الفتنة ، فإنّ هذه الفتنة كانت في القرن الأول، وهي دالّة على وجود الأسانيد وتحرّي صِدْقها منذ تلك الفترة المبكّرة.
وقد بلغَ السَّفَةُ الاستشراقيُّ منتهاه، في كتاب المستشرق الأكاديمي ديفيد باورز (David Powers): Muhammad is not the father of any of your men: the making of the last prophet الذي راج بصورةٍ كبيرة بين المتخصِّصين في ظرف قياسيٍّ والذي هَدَمَ فيه صاحبُه كتبَ الحديث والسِّير والمغازي، وكَتَب فيه قصَّةٌ جديدةً للسِّيرة كُلُّها مغامرات ومؤامرات على نَسَقٍ يحسده عليه الهوليوديّون ليثبت في النِّهاية أنَّ زيد بن حارثة رضي الله عنه (١) هو الشخصيَّة المحوريَّة في تاريخ الإسلام المبكِّر، والمؤلِّف.
إِنَّ النظر التاريخي قاطع أَنَّ أهل الرأي كانوا محصورين في مناطق محدودة جغرافيًّا، وأهمّها العراق، وأنَّ أهل الحديث كان لهم وجود أوسع جغرافيًّا، وأبكر تاريخيًّا.
ثابت تاريخيّاً، بأدلّة متواترة في مجموعها، أنّ المحدّثين كانوا يتّهمون الفقهاء من أهل الرأي بالعزوف عن تطلّب الحديث عند أهله لقصور هِمَمِهِمْ عن ذلك، علمًا أنّ كبار المحدّثين في القرن الثاني كانوا فقهاء يعود إليهم العامّة والخاصّة في أمور الفتوى، كمالك، والأوزاعي (توفي 157هـ)، والليث بن سعد (توفي 175هـ) الذي قال فيه الحافظ الذهبي: كان اللّيْثُ رَحِمَهُ الله فقيهً مصرَ، ومحدّثها، ومحتشمها، ورئيسها، ومن يفتخر بوجوده الإقليم، بحيث أن متولّي مصر وقاضيها وناظرها، من تحت أوامره ويرجعون إلى رأيه ومشورته . [الذهبي، سير أعلام النبلاء، 8/143.]
وأخيرًا، يبدو أن الشرفي قد تراجع عن هذه الفرية، جزئيًّا، في كتابه الصادر سنة 2011 م، كما سبقت الإشارة إليه. وذلك بعد أن قرأ كما يقول ما كتبهُ موتسكي. علمًا أن هناك دراساتٍ أخرى جادّة نُشِرَتْ في الفترة الأخيرة، نَقَضَتْ جوهر دعاوى شاخت، ومن أهمّها الكتاب المانع للمستشرق ي. دوتن (Y. Dutton): The Origins of Islamic Law: The Quran, the Muwatta, and Madinan Amal والذي أثنى عليه موتسكي نفسه ثناءً عظيمًا.
الأضلولة الرابعة: انتهاء الصحابة عن كتابة الحديث النبوي
لكنَّ السنَّة التي شهدت في حديثٍ واحد للنَّهي عن الكتابة، زَخرَتْ بالأحاديث المُبِيْحة للكتابة! فإن أراد الكم ، فهو محجوجٌ بِكَمِّ المرويّات المبيحة للكتابة، وإن أراد الكَيْفَ، فهو محجوجٌ بِتَأَخُّرِ روايات الإذن بالكتابة! لا مفرّ!
دواوين التاريخ حافلةٌ بأخبار صحف الصّحابة، كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، وهو من أكثر الصحابة رواية للحديث، وقد كان يكتب الحديث بإذنٍ مباشر من رسول الله ﷺ ، فقد قال له كما في سنن الدارمي ومسند أحمد بسند صحيح: أُكْتُبْ؛ فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلّا الحق . وهو الذي قال فيه أبو هريرة وهو مَنْ هو في الرّواية كما في الصّحيحين: ما كان أحدٌ أعلمَ بحديث رسول الله ﷺ مني؛ إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب بيده، ويَعِيْهِ بقلبه، وكنت أعيه بقلبي، ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة عنه: فَأَذِنَ له . وهو ما يُظْهِرُ أنّ هذه الصحيفةَ المسمّاة بالصادقة كانت مع عبد الله بن عمرو بن العاص أثناء حياة الرسول ﷺ وبعد وفاته (تُوفّي 63 هـ)، وأنّها كانت تضمُّ عددًا ضخمًا من الأحاديث.
جمع الأعظميٌ في كتابه دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه خبرَ أكثر من خمسين صحابيًّا كانوا يكتبون الحديث، وهو ما يُظْهِرُ فُشُوَّ الكتابة في عصر الصّحابة رغم أنّ السّلطان الأعلى للتواصل المعرفي كان للتواصل الشفهيّ.
انظر: الأعظمي، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، بيروت: المكتب الإسلامي، 1405هـ – 1985م، ص 92 – 142.
الأضلولة الخامسة: كتابة السُّنَّة لمُجرَّد التَّبرُّك
كيف يكون الجيل الأوّل قد التزم التزامًا كاملًا ، ويكون هناك أشخاص قلائل يعملون بعكس هذا الالتزام ؟! هذا تناقضٌ ما له مفتاح! وأشدّ منه أنه يَهْدِمُ الزَّعْمَ السابق أنّ الرسول ﷺ قد نهى عن الكتابة، بلا نسخ!
إنَّ من استقرأ منهج أهل القرن الأوَّل يتبيَّن له بجلاء أنَّه كان هناك خلاف بين السَّلَفِ حول الكتابة، بما في ذلك تأليف الكتب؛ فقد كان طائفة من السَّلَف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين يَمِيلُون عن تقييد العِلْم، والسَّبب هو اعتقادهم أنَّ تقييد العلم بالكتابة مَدْعاةٌ إلى الكَسَلِ وتحوِّله إلى مجرَّد معارفَ باردة، كما كانوا يخشون أن يَقُولَ الأمر إلى ترك الحفظ والاتِّكال على الكتابة، في أمَّة كلِّ ثقافتها سَماعيَّة.
ومن الآثار التي تُبيِّنُ ذلك قول أبي سعيد الخدري ﷺ في ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنِّف لمن طلب منه أن يُكْتِبَهُ الحديث: لا نُكْتِبْكُم، خُذُوا عنّا كما أَخَذْنا عن نبيِّنا ﷺ [المصنف لابن أبي شيبة (5/314)، ح(26440).].
وهذا ابنُ عبَّاس في ما يرويه عنه عبد الرزاق في المصنِّف يقول: إنَّا لا نَكْتُبُ العلمَ ولا نُكْتِبَهُ [جامع معمر بن راشد، ح(20485).].
وروى الخطيب عن الأوزاعي قوله: كان هذا العلم شيئًا شريفًا، إذ كانوا يتلقَّونه، ويتذاكرونه بينهم، فلما صار إلى الكُتُب، ذهب نورُه، وصار إلى غير أهله [الخطيب، تقييد العلم، ص64.].
ويُلَخِّصُ القاضي عياض الأمر في ما نقله عنه النووي : كان بين السَّلَف من الصِّحابة والتابعين اختلافٌ كثير في كتابة العلم، فكّرِهَهَا كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 129-130 / 18.]
الأضلولة السادسة: أسطورة جمع السُّنَّة في عهد عمر بن عبد العزيز
أخرج عبد الرزاق في مصنّفه عن مَعْمَر عن الزُّهريّ (فهو إسناد كالشمس) قوله: كُنّا نكره كتاب [أي كتابة] العلم حتى أكرَهنا عليه هؤلاء الأُمراءُ، فرأينا أَلّا نَمْنَعَهُ أَحَدًا من المسلمين .
مصنّف عبد الرزاق، 258/11، (تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت: المكتب الإسلامي، 1403ه- 1983م، ط2) (ح/ 20486).
الأضلولة السابعة: تشكيك النُّحاة واللُّغويِّين في حفظ السُّنَّة
الخلاف بين النُّحاة حول جواز الاستشهاد بالحديث النبويِّ مشهور، وقد ردَّ عددٌ من أهل العلم على مذهب المانعين، كاشفين فساد أصول دعواهم وتناقض مذهبهم. وقد ذهب ابن خروف، والصَّفَّار، والسيرافي، وابن عصفور، وابن مالك، وابن هشام، وكثير غيرهم إلى جواز الاحتجاج بالحديث مُطْلَقًا.
واستدلّ المجيزون من النُّحاة للاستشهاد بالحديث النبويّ بأدلّة قوية، منها:
خديجة الحديثي، موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف، العراق: دار الرشيد، 1981م، 347 364. | صالح صافار، النّحويون والحديث الشريف، دراسة في إشكالية الاستشهاد النحوي بالحديث الشريف، مجلة الساتل، العدد الثاني، يونيو 2007م، ص52.
استشهاد أصحاب المعاجم بالحديث في معاجمهم، كالجوهريّ (تُوفّي 397 هـ) في صِحاحِه، وابن سِيدِه، (ت 458 هـ) في مُخصَّصِه، والأزهريّ (توفي 615 هـ) في تهذيبه، واللُّغة أختٌ النَّحو.
أن أحاديث الرسول ﷺ أصحُّ سَنَدًا من أشعار العرب، حيث إنَّ الحديث نُقِلَ عن العرب الفصحاء مع العدل والضَّبْطِ، فهو أوثقُ من نقل أهل اللغة الذين ينقلون عن واحدٍ، لا تُعرف حالُه.
أن تدوين الحديث قد تمّ قبل فساد اللغة، فما روي باللفظ فأمره واضح، وما روي بالمعنى إنما رواه عرب خُلّص قبل تفشّي الخطأ في اللغة.
أن اللَّحْنَ وَقَعَ في الشَّعْرِ كما وقع في الحديث، وكذلك التبديل والتّصحيف وَقَعَا في الشَّعر أيضًا. إضافة إلى أن الحديث قد اعتنى به العلماء فصَحَّحُوه ونقَّحُوه، وعلوم الحديث خير دليل على ذلك، بينما الشّعر لم يتوفر له ما توفر للحديث.
من المعلوم المشهور أنّ اللغويين قد اعتمدوا بتوسّع كبير الحديث النبويّ في مواطن الاستشهاد، حتّى إنّ من ردّ على النحاة عدم استشهادهم بالحديث النبوي، جعل استشهاد اللغويين حجّة عليهم!، ولنأخذ مثلاً معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيديّ (١٥٥ه ١٧٦هـ)، وهو أوّل معجم للغة العربيّة (في ما بلغنا من شواهد التاريخ)، وقد وَرَدَتْ فيه أحاديثُ كثيرة جدًّا،
ما قيمة قول النحاة واللغويين في إثبات أصالة الحديث النبوي؟ أين دعوى التخصص التي لا يكلِّ الشرفي عن تكرارها؟!
التابعون الذين عليهم مدار أشهر الأحاديث كنافع بن عمر من كبار التابعين ، والزهريّ (القرشي) من صغار التابعين ، عَرَبٌ خُلّص. وحتى مشاهير الموالي، رُبُّوا صغارًا في أحضان الصّحابة كسالم مولى ابن عمر ﷺ ؛ فلا قيمة إذن لقول الشرفي إنّ أغلبية الرواة كانوا من الموالي.
الأضلولة الثامنة: سُلطان المُصنَّفات الحديثية
١ – الإمام الترمذي في جامعه، ساق رواياتٍ وضعّفَها.
٢ – النّسائيّ في سننه (الكبرى والصغرى)، ضعّف عددًا من الروايات التي ساقها.
٣ – قال أبو داود كلمته الشهيرة في رسالته لأهل مكة في وصف سننه: وما كان في كتابي من حديث فيه وَهْنٌ شديد فقد بيّنْتُه. ومنه ما لا يصِحُّ سَنَدُه .
أبو و داود، رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه، تحقيق محمد بن لطفي الصبّاغ، بيروت: المكتب الإسلامي، 1405ه، طبعة 3، ص 27.
٤ – قال ابن تيمية عن حال الدّواوين الحديثيّة لأحمد بن حنبل (المسند وغيرهـ): وليس كُلُّ ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حُجّة عنده، بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند أنْ لا يَرْوِيَ عن المعروفين بالكَذِب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، وشرطه في المسند مثل شرط أبي داود في سننه، وأمّا كتب الفضائل فيروي ما سمعه من شيوخه سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، فإنّه لم يقصد أن لا يروي في ذلك إلّا ما ثبت عنده .
ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1406هـ – 1986م، 97-96/7.
الأضلولة التاسعة: الإمام مالك وشكّه في الحديث
للمُوطَأ رواياتٌ كثيرةٌ، وهي مختلفةٌ في عدد أحاديثها لاختلاف الرُّواة ملازمةً للإمام مالك، ذلك أنَّ من هؤلاء الرِّواة من أَخَذَ عن مالك قبل سنواتٍ من وفاته، وهناك من صَحِبَهُ إلى وفاته، وكان من عادة مالكٍ تنقيح كتابه زيادةً وحَذْفًا، عِلْمًا أنَّ رواية يحيى بن يحيى الليثيِّ هي أشهرُ روايات الموطَّأ، وهي على قولٍ آخِرُ الرِّوايات عن مالك، فيها من المرفوع قريبٌ من ثمانمائة حديث. وقالت طائفة من أهل العلم إنَّ رواية أبي مصعب الزهريِّ هي آخر الروايات عن مالك، كما هو قول الخليليِّ في الإرشاد، وفيها كما قال الإمام ابن حزم الذي يراها أيضًا آخر الروايات زيادات عن الموطآت الأُخرى نحو من مائة حديث.
سليم الهلالي، الموطأ برواياته الثمانية بزياداتها وزوائدها واختلاف ألفاظها، د.م د.ن، 2003، 1/140.
أبو يعلى الخليلي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تحقيق/ محمد سعيد إدريس، الرياض: مكتبة الرشد،228/ 1.
الذهبي، تذكرة الحفاظ، 2/483.
قول الشافعي في الموطأ إنه أَصَحّ كتاب بعد كتاب الله كان قبل تأليف صحيحي البخاري ومسلم، إذ إنّ الشافعي (توفي 204هـ) من تلاميذ مالك، وقد تُوفّي لِمّا كان البخاريّ طفلًا (ولد ببلخ في أفغانستان سنة 194هـ)، وقبل ولادة مسلم (ولد في نيسابور، شمال شرق إيران، سنة 206هـ)، فهذا الإيراد من الشّرفي في هذا السّياق، غيرُ أمينٍ؛ لأنّه مُوهِمٌ أنّ أصحَّ كتابٍ حديثٍ فيه فقط بضعُ مئاتٍ من الأحاديث، في حين أنّ صحيح البخاري وهو أصحّ كتب الأحاديث، وقد قال فيه الإمام النسائي (توفي 303هـ): ما في هذه الكتب كلّها أَجْود من كتاب محمّد بن إسماعيل ، فيه بالمكرّر (7397) حديثًا مرفوعًا، ومن غير المكرّر (2761) حديثًا مرفوعًا، كما هو عَدُّ ابن حجر. [ابن حجر، هدي الساري، ص 489.]
فمعلوم لغير الشرفي طبعًا! أنْ مالكًا قد أخرجَ أحاديث في موطَّئه صحيحة الإسناد، وبعضها بالإسناد الذهبيّ: نافع عن ابن عمر عن الرسول ﷺ ، لكنّه لم يعمل بها، لأنّها مخالِفةٌ لعمل أهل المدينة؛ فهي عنده، على الظّاهر، في عداد المنسوخ؛ وقد قال الإمام ابن حزم عن الموطأ: وفيه نيِّفٌ وسبعون حديثًا قد تركَ مالِكٌ نفسه العمل بها .
السيوطي، تنوير الحوالك، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د.ت.، 9/1.
لَمْ يَدَعِ الإمام مالك أَنْ مَا جَمَعَهُ فِي الْمُوطَأِ مِنْ أَحَاديثِ هُوَ غَايَةُ مَا وَصَلَ الْأُمَّةَ عَنْ رَسُولِ الله – ﷺ؛ وَلَذَلِكَ رَفَضَ طَلَبَ أَبِي جَعْفَرِ الْمَنْصُورِ إِلْزَامَ النَّاسِ بِكتابِهِ؛ وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْمُعْلَمِي: لَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ أَحَاديثَ أَخَذَ بِهَا هُوَ وَقَدْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ مَا يُخَصِّصُهَا، أَوْ يُقَيِّدُهَا أَوْ يُعَارِضُهَا، وَفِيهِ تَوَقَّفَ عَنْ أَحَاديثَ قَدْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ مَا يُقَوِّيهَا وَيُؤَيِّدُهَا، وَقَدْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَحَاديثُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا هُوَ ، وَقَالَ أَيضًا: لَمْ يَقْصِدْ مَالِكَ أَنْ يَجْمَعَ حَدِيثَهُ كُلِّهِ، وَلَا الصَّحِيحَ عَنْهُ فِي الْمُوطَأِ، إِنَّمَا ذَكَرَ فِي الْمُوطَأِ مَا رَأَى حَاجَةً جَمْهُورَ النَّاسِ دَاعِيَةً إِلَيْهِ ، وَأَضَافَ: كَانَ مَالِكٌ – رَحْمَهِ الله – يَدِيْنُ بِاتِّبَاعِ الْأَحَاديثِ الصَّحِيحَةِ إِلَّا أَنَّهُ رَبَّمَا تَوَقَّفَ عَنْ الْأَخْذِ بِحَدِيثٍ، وَيَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا. يَرَى أَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَالْإِنْصَافُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ لِمَالِكَ قَاعَدَةً فِي ذَلِكَ فَوَقَعَتْ لَهُ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً . [المعلمي، الأنوار الكاشفة، ص 254، 291، 23.]
الأضلولة العاشرة: الحديث عند السُّنَّة والشِّيعة واحد
أَلَا فاعْلَمْ أَنَّ كَتَب الحديث الشيعيّة لا تضمُّ من أحاديث الرسول ﷺ إلّا القليل، وجُلُّها روايات عن جعفر الصادق ﷺ (تُوفّي 148هـ)، والأئمّة من آل البيت ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث، ولذلك فتعريف الحديث عندهم هو: كلامٌ يَحكي قولَ المعصوم أو فعله أو تقريره .
عبد الهادي الفضلي، أصول الحديث وأحكامه، بيروت: مؤسسة أم القرى، 1421ه، ط3، ص19.
وبالأرقام أَقُولُ: إنّ الكتب الحديثية الأربعة التي عليها مدار المذهب الشيعيِّ تضم 44 ألف حديث، منها أكثر من تسعة آلافٍ حديثٍ لجعفر الصادق، وليس لرسول الله ﷺ منها غير 644 حديثًا!
إنّ قول الرسول ﷺ وفاطمة وعلّيّ وبقيّة الأئمّة حتى صاحب السّرداب، وفعلهم، وتقريرهم، داخِلٌ في مسمّى الحديث؛
الأضلولة الحادية عشر: بساطة المُحدِّثين
لا يَضِيْرُ الصّحابةَ والتابعين أن تكون أُصول نظرهم في الحُكْمِ على الأسانيد غير متضمّنة للتعقيدات الموجودة في كتب المتأخّرين، إذ إنّ أسانيدَهُمْ كانت قصيرة، وكانت الإشكالات في كثير من الأحيان تُحَلُّ بسؤال الراوي مباشرة، دون الحاجة إلى تقعيداتٍ نظريّةٍ مجرّدة.
الأضلولة الثانية عشر: ظاهرية المُحدِّثين
من أحدث الردود العلميّة على هذه الفرية، مقال المستشرق (Jonathan A.C. Brown):
How We Know early Hadith Critics Did Matn Criticism and Why It’s So Hard to Find, in Islamic Law and Society, 2008 (15): 143-84.
وقد كتب ابن القيِّم كتابه: المنار المنيف للردِّ على سؤال: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط، من غير أن يُنظر في سَنَدِهِ؟ ،
بأبسط عبارة وأوضحها، للإمام ابن حجر: معرفة القواعد المعرّفة بحال الراوي والمروِيّ ، وإن شئتَ حذفْتَ لفظ: معرفة، فقلت: القواعد.
جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: مازن السرساوي، القاهرة: دار ابن الجوزي، 1431ه، 68/1.
فهذا العلم، إذن، هو قواعد للحكم، وليس حِفْظًا للنصوص بلا تمحيص، ولا هو جَمْعٌ بلا نَظَرٍ ولا تقليبٍ، وهو نظرٌ في حال المرويّ، كما هو نظرٌ في حال الرّاوي.
كما تقرّر عند أهل الحديث أنَّ صحّة السَّنَد لا تقتضي آليًّا صحّة المتن، ولذلك أثبتوا قاعدة: صحّة الإسناد لا يلزم منها صحّة المتن .
أحمد شاكر، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ص 41.
ولذلك اشترط أهل العلم سلامة كلٍّ من السَّنَد والمتن من القوادح للحكم للحديث بالصحَّة. قال ابن أبي حاتم الرازي: يُقاس صحّة الحديث بعدالة ناقِلِيْهِ، وأنْ يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوّة . [ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 351/1.]
علومٌ خاصّة بنقد المتن:
عِلْمُ مختَلِف الحديث: هو العلم الخاصّ بدراسة الأحاديث المتخالفة ظاهرًا.
عِلم مُشْكِلِ الحديث: وهو عِلْمٌ مُتَعَلِّقٌ ﺑ أحاديثَ مَرْوِيَة عن رسول الله ﷺ بأسانيدَ مقبولةٍ يُوْهِمُ ظاهِرُها معاني مستحيلةً، أو معارضة لقواعدَ شرعيّةٍ ثابتةٍ .
أسامة خياط، مختلف الحديث، الرياض: دار الفضيلة، 2001م، ص 32.
علوم خاصة بنقد السند والمتن معًا:
علم العِلَلِ: هو علمٌ يَبْحَثُ عن أوهام الرِّواة الثِّقات في مرويّاتهم.
أبو سفيان مصطفى باحو، العلة وأجناسها عند المحدّثين، طنطا: دار الضياء، 1426هـ – 2005م، ص 8.
وعالِمُ العِلَلِ ينظُرُ في العلل الخفيّة لا الظاهرة في الحديث الذي رواه الثِّقاتُ بِسَنَدٍ ظاهره الاتّصال. فالحديث المعلّ كما قال السَّخاويّ هو: خبرٌ ظاهِرُهُ السِّلامة، اطَّلع فيه بعد التفتيش على قادح .
السُّخاويّ، فتح المغيث شرح ألفية الحديث، تحقيق: صلاح محمد عويضة، بيروت: دار الكتب العلمية، 1403هـ – 1993م، 227/1.
وقد بدأ النظر في علل الحديث منذ عصر الصحابة، ولعلَّ عمر ﷺ هو أوّل من بدأ ذلك؛ فإنّه إذا سمع حديثًا وعَجِب أن لم يَبْلُغْهُ أيَّام رسول الله ﷺ ، سعى إلى أن يجتمع له أكثر من طريق لهذا الحديث.
قال ابن دقيق العيد: وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث. وحاصله يرجع إلى أنه حَصَلَتْ لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول − ﷺ − هيئة نفسانيّة، أو مَلَكةٌ يَعرِفُون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي − ﷺ − ، وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه (4).
ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح، ص 311 – 312.
وقد ذكر الترمذي (توفي 297هـ) في كتابه العلل الصغير عددًا من المؤلِّفين في العِلَل، وهم: هشام بن حسّان (توفي 147هـ)، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (توفي 150هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (توفي 156هـ)، ومالك بن أنس (توفي 179هـ)، وحمّاد بن سلمة (توفي 167هـ)، وعبد الله بن المبارك (توفي 181هـ)، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة (توفي 183هـ)، ووكيع بن الجراح (توفي 197هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (توفي 198هـ)، وأضاف الترمذي قائلًا: وغيرهم من أهل العلم والفضل صنّفوا، فجعل الله في ذلك منفعة كثيرة .
الترمذي، الجامع الصحيح، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، القاهرة: الحلبي، 1395ه 1975م، الطبعة 2، 738 / 5.
وأحصى محقّق كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل أكثر من أربعين مُصنّفًا في العلل في القرون الثاني والثالث والرابع، وكثير منها موسوعيٌّ مستفيض.
أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الرياض: دار الخاني، 1422ه 2001م، الطبعة 2، 39 43 / 1.
علم المُدْرَج: مِن علوم العلل، علم المدرج، وهو يتعلّق بزيادة راو أو أكثر في السند (مُدرج السند)، أو زيادة كلام في المتن (مُدرج المتن) بما يتوهم السامع أنّه جزء من حديث رسول الله ﷺ .
نقد الأسانيد بتوسّعٍ أدّى بنفسه إلى إلغاء عددٍ ضخم من المتون الباطلة التي تخالِفُ القرآنَ والعقلَ والتاريخَ؛
ماذا لو قَلَبْنَا الأمر وتصوّرنا أن يكون مبدأُ النَّظَرِ في الحكم على الأحاديث وأساسه هو المتن؟ النتيجةُ هي أنّه لن يكون بإمكاننا اكتشاف آلافِ الأحاديث الموضوعة؛ والسّبب هو أنّ الكثير من الذين اختلَقُوا أحاديث، اختاروا مُتونًا لا تُخالِفُ القرآن ولا العقل ولا التاريخ، مثل الدعوة إلى فضائل الأعمال، أو ذِكْر فضل السُّور والعبادات، أو الثناء على آل البيت أو الصّحابة أو البلدان، أو ذمّ العقائد الباطلة والفِرق المنحرفة، أو غير ذلك من الأمور التي كانت مادّة الموضوعات في الحديث.
الأضلولة الثالثة عشر: سذاجة المُحدِّثين
هذه الدّعوى مناقضةٌ لقول الشَّرفي نفسه في الفقرة قبل السابقة، إنّ معايير الصحّةِ كانت في البداية تُطبّقُ بصورةٍ آليّةٍ قبل تقعيد القواعد!
قام نقد الرجال على الشكّ وسوء الظنّ والاحتياط؛ حتى إنّ العلماء كانوا يُسجّلون للرّواة الذين يؤخذ عنهم الحديث، أدنى العثرات، كما كانوا يبالغون في تحرّي أمرهم؛ ومن ذلك قول الحسن بن حي (توفي 169هـ): كنّا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل، سألنا عنه حتّى يقال لنا: أتريدون أن تزوّجوه . [الخطيب، الكفاية، ص 9.]
قول أبي العالية (توفي ٩٥هـ): كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ ونحن في البصرة، فما نرضى حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم . [الخطيب، الكفاية في الرواية، ص 402 – 403.]
لقد كان عُلُوُّ الإسناد مُنْيَةَ كُلِّ مُحدّث ممارس للصَّنْعةِ؛ حتى أُثِرَ عن يحيى بن معينٍ قولُه وهو على فراش الموت، وقد سُتِلَ: ما تشتهي؟ قال: بيتٌ خالٍ وإسنادٌ عالي . [ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص 231.]
كان أهل القرون الأولى يَعُدُّون رواية المتون دون إسناد، ضلالةً، حتَّى قال الإمام الزهري، التابعي (توفي 124هـ)، لابن أبي فروة لمّا سَمِعَهُ يذكر أحاديث عن رسول الله ﷺ دون إسناد: قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ، مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللَّهِ، لا تُسْنِدُ حَدِيثَكَ؟ تُحَدِّثُنَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطْمٌ، وَلا أَزِمَةٌ .
الحاكم، معرفة علوم الحديث، تحقيق: أحمد السلوم، بيروت: دار ابن حزم، 1424هـ – 2003م، ص 115.
الأضلولة الرابعة عشر: النَّقد الحديثي، مؤامرة مذهبيّة
لم يهتمّ الشيعة الأوائل بالكتابة في المصطلح، وأوّل كتابٍ لهم فيه، على المشهور، هو البداية في علم الرواية لزين الدين بن عليّ العاملي، المعروف بالشّهيد الثاني، المتوفّى سنة 964هـ/ 1557م! وقد عزا الشيعة انصرافهم عن علم الحديث دراية بأنّه كان فيهم المعصومون، بما أغناهم عن قواعد النّقد الحديثيّ!
قال أبو الفضل حافظيان البابلي (الشيعي): بالنسبة إلى الشيعة الاثني عشرية فلم يشعروا بالحاجة إلى علم الدراية؛ وذلك بسبب وجود الأئمة المعصومين عليهم السلام بين ظهرانيهم؛ إذ كانوا ينهلون عنهم الأحكام والأحاديث وهم في مأمن من خطر تسرّب الوضع أو التحريف أو الكذب إليها . رسائل في دراية الحديث، قم: دار الحديث، 1383هـ، 13 14/1.
ليست للشّيعة عنايةً بنقد مرويّاتهم على أصول الحديث عندهم؛ لعلمهم أنّ الأعمّ الأغلب منها سيسقط في ميزان النقد لو نُخِل بمنخل هذه القواعد؛ حتى قال الحرُّ العامليُّ (توفي 1104هـ)، وهو أحد أعمدة المذهب الشيعيّ الاثني عشري و شيخ المحدّثين كما وَصَفَهُ المحدّث القُمّيّ، في الرد على الأصوليّين الشيعة الذين يَرَوْنَ وجوبَ فحص الأحاديث، على خلاف الأَخْباريّين، إنّ مذهب الأصوليّين يستلزم ضعف أكثر الأحاديث، التي قد غُلِمَ نقلُها من الأصول المُجْمَع عليها، لأجل ضعف بعض روايتها، أو جهالتهم، أو عدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثًا، بل محرّمًا، وشهادتهم بصحتها زورًا وكذبًا… بل يستلزم ضعف الأحاديث كلّها، عند التحقيق، لأنّ الصحيح عندهم: ما رواه العَدْلُ، الإماميّ، الضّابط، في جميع الطبقات ، ولم يَنْصُوا على عدالة أحد من الرواة، إلا نادرًا، وإنما نّصُوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة، قطعًا، بل بينهما عموم من وجه، كما صرّح به الشهيد الثاني، وغيره… وأصحاب الاصطلاح الجديد قد اشترطوا في الراوي العدالة، فيلزم من ذلك ضعف جميع أحاديثنا، لعدم العلم بعدالة أحد منهم، إلا نادرًا . [الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، 249/30.]
الأضلولة الخامسة عشر: المُحدِّثون، مُجرَّد جمَّاعين
من المعلوم المشهور أنّ الشافعي المتوفى سنة 204 هجريًّا قد ألَّفَ الكتاب الشّهير: اختلاف الحديث في القرن الثاني، وهو أوّل كتاب أُلِّفَ في هذا العلم.
ومعلوم أنّ هذا الوهم قد يلحق حتى الصحابة، وهم الثقات الأثبات، ومن ذلك قول ابن عباس ﷺ: تزوج النبي ﷺ ميمونه وهو مُحْرِمٌ ، فهذا الحديث رغم أنه ثابت عن ابن عباس، فهو في الصّحيحين، إلّا أنّه على الراجح وَهْمٌ من ابن عباس، إذ إنّه قد ثبتَ عن جَمْعٍ من الصّحابة أنّ الرسول ﷺ قد تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو حلال (أي غير محرم بحج)، ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن ميمونة نفسها.
قال النوويّ: وأجابَ الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أَصَحّها أن النبيّ ﷺ إنّما تَزَوَّجَها حلالًا، هكذا رواه أكثر الصّحابة. قال القاضي وغيرُه: ولم يَرْوِ أنّه تزوجها مُحرِمًا إلّا ابنُ عباس وحده، وروَتْ ميمونةُ وأبو رافعٍ وغيرهما أنه تزوَّجَها حلالًا، وهم أَعْرَفُ بالقضيّة لِتَعَلُّقِهم به، بخلاف ابن عبّاس، ولأنهم أَضْبَطُ من ابن عباس وأكثر . [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 9/276.]
وممن وَهْمَ ابنَ عباس جمعٌ من أئمّة التابعين وتابعيهم كسيّد التابعين سعيد بن المسيّب (توفي 94هـ)، وهو الزمن الذي زعم الشرفي أنّه عصرٌ تمَيَّزَ بظاهريّةِ نقد الأحاديث بالاكتفاء بنقد المتون.
روى أبو داود في سِّننه، كتاب المناسك / باب المحرم يتزوج، (ح: 1847) عن سعيد بن المسيب قوله: وَهْمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَزْوِيجٍ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ .
ولابن القيم كلامٌ مشهور جدًا في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف ، ومنها قولَه: والأحاديث الموضوعة عليهما ظلمة وركاكة ومجازفات باردة، تنادي على وَضْعِها واختلاقِها على رسول الله ﷺ . وقولُه في بيان دلائل الوضع: ومنها ركاكةُ ألفاظِ الحديث وسماجَتُها بحيث يَمَجُّها السَّمْعُ، ويدفعها الطَّبْعُ، ويسمج معناها للفَطِنِ . وعَقَدَ فصلاً في أنّ من علامات وضع الحديث تكذيب الِحسِّ له .
ابن القيم، المنار المنيف، ص 50، ص 99-100، ص 51.
وقال ابن الجوزي: فكلُّ حديث رأيتَهُ يُخالِف المعقول، أو يُناقِض الأُصول، فاعلم أنه موضوعٌ فلا تتكلَّفْ اعتباره . [ابن الجوزي، الموضوعات، 1/151.]
والقاعدة في هذا الباب: الإعمال أَوْلَى من الإهمال ؛ فالعالِم إذا عُرِضَتْ عليه أحاديثُ ظاهرها التّعارض، فإنه يسلك سبيل إعمال جميع هذه الأحاديث ما أمكن، لأنه ليس بعض ذلك أَوْلَى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، وكلٌّ من عند الله عزّ وجلّ ، وكلٌّ سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق [ابن حزم، الإحكام، 21/2.]
وإذا تَعَذَّرَ الجَمْعُ يُصار إلى الترجيح على أصولٍ علميّة بأخذ حديث وتركٍ آخرَ، سواء بالقول بأنّ أحدهما منسوخ أو ضعيف، أو غير ذلك من أسبابِ تعطيل حكم مضمون الكلام.
لا يُعترض علينا هنا بالقول إنّ الحديث الضعيف ساقط بذاته؛ فلا ينظر في غيره للقول بضعفه؛ إذ إنّ من الحديث الضعيف ما صلَّحَ إسناده ظاهرًا وليس في متنه ما يستنكر غير معارضته لحديث معارض له معارضة لا سبيل للجمع بينهما إلا بالقول بضعف أحدهما. وهذا معروف أساسًا في باب الأخبار (التاريخ) حيث لا مكان للقول بالنسخ.
الأضلولة السادسة عشر: عِلْم الحديث، عِلْم نقليّ مَحْض
وهذا خلط بين منهج المحدّثين ومنهج الأخباريّين، فمنهج الأخباريّين عُمْدَتُهُ النّقل المجرّد عن النّقد، والتكثُّرُ من الأخبار، وَلَعًا بالجمع،
كيف يكون علم الحديث علمًا نقليًّا محضًا رغم أنه معلوم أنه ينقسم إلى قسمين: علم الحديث رواية، وهو يشتمل على نقل أقوال النَّبِي ﷺ وأفعاله، وروايتها، وضبطها، وتحرير ألفاظها ، وعلم الحديث دراية، وهو علمٌ يعرف منه حقيقة الرِّواية، وشُروطها، وأنواعها، وأحْكَامها، وحال الرُّواة، وشُروطهم وأصْنَاف المرويات، وما يتعلق بها ؟
جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، 1 / 67.
المسلم ملزم بالتصديق بالأحاديث التي أَجْمَعَت الأُمَّة على قبولها، لا لأنَّ هذا العلم نقليّ، فالصَّلَةُ مُنْفَكَة بين هذين الأمرين، وإنّما سبب هذا الإلزام تواترها أو لأنَّ إجماع الأمة حجّة؛ لأدلة بَسَطَها أهلُ العلم في مبحث مصادر الاستنباط في أُصول الفقه، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
فيثبت بمفهوم المُخالفة أنَّ اتِّباع إجماع المؤمنين فرضٌ.
الذي أَدِيْنُّ الله به هو أنَّ الإجماع الحجَّة هو فقط إجماع الصحابة، لتعدُّر العلم بالإجماع ونُقْلِهِ في غير عصر الصَّحابة. وهو مذهبُ داود الظاهري وابنِ حبَّان وطائفة من العلماء، على خلاف بينهم في مستند التخصيص.
الأضلولة السابعة عشر: النَّقد اللَّاواعي للحديث
وإنّما غاية قولِه هي الإمعان في الطّعن في علماء الحديث باتّهامهم أنهم كانوا يَقْبَلُون الحديث ويردُّونه تبعًا لأهوائهم وأذواقهم ومواجيدهم، النابعة من سلطان البيئة..
الذين كتبوا الحديث، كانوا أساسًا من الصّحابة، وبالتالي فهم قد كتبوا ما سَمِعُوه من الرسول ﷺ مباشرة، وما كانوا ينتقون ولا يتخيّرون.
أمّا عملية الانتقاء والاختيار فقد بدأت مع بداية التصنيف . ويظهر الاختيار أساسًا في الدّواوين التي اشترط أصحابها الصحّة كصحيح البخاري ومسلم، أو في كتب السّنن أي الدّواوين التي يَجْمَعُ فيها المحدّثون أحاديث الأحكام.
وممّا يدفع الظنَّ والتُّهمة بأنّ هذا النوع من الدواوين كان انتقاءً شخصيًّا خاضعًا لتمثُّلٍ ذاتيٍّ لطبيعة الرسالة النبويّة، عَرْضُ البخاريّ ومسلم صحيحَيْهما على علماء العصر من أهل التخصُّص للحُكْمِ على اختياراتهما، وما حصلَ من سجالٍ علميٍّ بحث قائم على النَّقد المنهجي المدعّم بأدلّة ماديّة.
عرَض البخاري صحيحه على أئمّة زمانه كعليّ بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقد كانت مصنّفات المحدثين مثارًا للنقاش العلمي والعقدي والفقهيّ بين المتخصّصين في زمن التصنيف. ولذلك كان أهلُ التصنيف يزيدون وينقصون أحاديث من كتبهم تبعًا لما يستجِدُ لهم من نظرٍ، تأثّرًا بالنقاش العلمي.
الأضلولة الثامنة عشر: حُجِّيَّة أقوال الصَّحابة وأفعالهم
الذين نقلوا أقوال الصحابة وأفعالهم، كابن أبي شيبة في مصنَّفه، وعبد الرزَّاق في مصنَّفه، ما كانوا يَرَوْنَ حُجيَّة أقوال آحاد الصحابة وأفعالهم، ودليل ذلك ظاهر من نقلهم اختلاف الصحابة في فتواهم.
الاتّفاق حاصل بين أهل العلم أنّ قولَ الصّحابيّ حُجّة إذا كان هناك إجماعٌ بين الصحابة حوله. والاتّفاق حاصل أيضًا أنّ قول الصحابيّ ليس بحجّة إذا تخالَفَ الصّحابة، أو رجع الصحابي القائل به عن قوله.
فالمكثرون في الفُتْيا منهم عددهم سبعة كما يقول ابن حزم في رسالته أصحاب الفتيا من الصحابة… هم عائشة، زوج النبي ﷺ، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وكلُّهم رضوان الله عليهم قد عُرِفوا بملازمة الرسول ﷺ. فإثارة الشَّرفي اليوم لقضيّة تعريف الصحابي، مجرّد تشغيبٍ نظريٍّ، لا غير.
ولنا أن نسأل، ببراءة أو دونها، فالسُّؤال هنا لَحُوحٌ لَجُوجٌ: هل سمع أحدٌ في شرقٍ أو غربٍ أنَ نَفْيَ صِفةِ قَصْدِ الكَذِبِ عن طبقةٍ من الناس يدلُّ مطابقة أو تضمّنًا أو لزومًا على العِصْمة؟! هذا معنى تأباه الدّلالة اللّغوية، وتزدريه القواعد العرفيّة، وتنفيه القواعد الشرعيّة!
قال ابن تيمية: وأهل السنّة تحسن القول فيهم وتترحّم عليهم وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذّنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد إلّا لرسول الله، ومَنْ سواه فيجوز عليه الإقرار على الذّنب والخطأ . [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 4/434.]
بَيَّنَ أهلُ العِلم بجلاء معنى عدالة الصّحابة بما ينفي أدنى التباسِ. قال ابن الأنباري: وليس المُراد بعد التِهم ثبوتُ العِصْمة لَهم واستحالة المَعصية منهم، وإنَّما قَبُول رِوايتهم من غير تكلُّفٍ وبَحثٍ عن أسباب العدالة، وطلب التزكية إلَّا أن يثبت ارتكابٌ قادح، ولَمْ يثبتْ ذلك ولله الْحَمد .
السخاوي، فتح المغيث شرح ألفية الحديث، 115/3.
قَالَ الْإِمَامِ ابْنَ حَزَمٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18] فمن أخبرنا الله عزّ وجلّ أنه عَلِمَ ما في قلوبهم، ورَضِيَ الله عنهم، وأنزل السّكينة عليهم، فلا يحلُّ لأحد التوقُّف في أمرهم، أو الشكُّ فيهم البتّة . [ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، 148 / 4.]
والإجماع منعقدٌ على تعديلهم. قال الإمام ابن الصلاح: إنّ الأُمّة مُجْمِعةٌ على تعديل جميع الصّحابة ومن لابسَ الفِتْنَ منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماع إحسانًا للظنّ بهم، ونظرًا إلى ما تمّهَّد لهم من المآثر، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نَقْلَةَ الشريعة والله أعلم . [ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص 295.]
وقد فَصَّلَ ابنُ حبّان الكلام بخير بيان، وردّ على الاستشكال؛ فقال: فإن قَالَ قائل: فكيف جرحت مَنْ بَعْدَ الصّحابة؟ وأَبَيْتَ ذلك في الصّحابة، والسَّهْوُ والخطأ موجودٌ في أصحاب رسول الله ﷺ كما وُجِدَ فيمن بعدهم من المحدّثين؟ يقال له: إنّ الله عزّ وجلّ نَزَّهَ أقدار أصحاب رسوله عن ثَلْبٍ فادح، وصان أقدارهم عن وقیعةِ مُتنقّصٍ وجعلهم كالنُّجوم يُقتدى بهم، وقد قَالَ الله جلّ وعلا: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68] ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: 8]
فمن أَخْبَرَ اللهُ أنّه لا يُخزيه يوم القيامة فقد شَهِدَ له باتّباعه مِلّة إبراهيم حنيفًا، لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيلُ أن يقول الله جلّ وعلا: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: 8]، ثم يقول النبي ﷺ: من كَذَبَ عليَّ مُتعمّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّار ، فيطلق النبي ﷺ إيجاب النَّار لمن أخبر الله جلّ وعلا أنه لا يُخزيه في القيامة، بل الخطابُ وَقَعَ على مَنْ بَعْدَ الصّحابة، وأمّا من شَهِدَ التّنزيل، وصَحِبَ الرّسول ﷺ، فالثَّلْبُ لهم غيرُ حلال، والقَدْحُ فيهم ضدّ الإيمان، والتّنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنّهم خير الناس قرنًا بعد رسول الله ﷺ بحكم مَنْ لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلّا وحيٌ يوحى ﷺ.
وإن من تولّى رسول الله ﷺ إيداعهم ما ولّاه الله بيانُهُ النّاس لَبِالأَحْرى من أن لا يجرح، لأنّ رسول الله ﷺ لم يُوْدِعْ أصحابه الرسالة وأَمَرَهُم أن يُبلّغ الشّاهد الغائبَ، إلّا وهم عنده صادقون جائزو الشّهادة، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ مَنْ بعدَهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحًا في الرسالة، وكفى بمن عَدَّلَهُ رسول الله ﷺ شرفًا، وإنْ مَنْ بعدَ الصّحابة ليسوا كذلك، لأنّ الصحابي إذا أدّى إلى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقًا، أو مبتدِعًا ضالًّا يَنْقُصُ من الخبر أو يزيد فيه، لِيُضِلَّ به العالم من الناس، فمن أجله ما فرّقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله عزّ وجلّ أقدار الصحابة عن البدع والضلال، جَمَعْنَا الله وإيّاهم في مُستقرّ رحمته بمنّه .
ابن حبان، المجروحين من المحدّثين، 35 36 / 1.
وهم الذين تواتَرَ عنهم حديث الرسول ﷺ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعمّدًا؛ فليتبوِّأ مقعده من النَّار ، فقد رواه منهم العَشَرات.
للطبراني جزء حديثي روى فيه الحديث عن ستين صحابيًا، من نحو مائة وثمانين طريقًا.
الأضلولة التاسعة عشر: وُجُوب تمييز القُرآن عن السُّنَّة في كلّ شيء
● الإيمان بأنَّ الحديث مثلُ القرآن في مرجعيّته وحُجيّته، مُسَلَّمةٌ عَقَديّة سُنِّيّة، دون أن يكونا على رتبة واحدة في ضبطِ ألفاظِهِما وصحّة خَبَرِهِما.
يقول ناصر الدين الألباني، المحدّث المعاصر، في الصحيحين: صار عرفًا عامًا أنّ الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق الصحة والسلامة. ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا، وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في الصحيحين هو بمنزلة ما في القرآن لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيء من ذلك من بعض الرواة، كلا فلسنا نعتقد العصمة لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلا، فقد قال الإمام الشافعي وغيره: أبى الله أن يتم إلا كتابه ، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد من أهل العلم ممن درسوا الكتابين دراسة تفهم وتدير مع نبذ التعصب، وفي حدود القواعد العلمية الحديثية، لا الأهواء الشخصية، أو الثقافة الأجنبية عن الإسلام وقواعد علمائه . (مقدمة الألباني لتحقيق شرح العقيدة الطحاوية، بيروت: المكتب الإسلامي، 1404هـ – 1984م، ط8، ص23).
قال ابن حزم مُعلّقًا على حديث النبي ﷺ: أَلَا وإنّي والله قد أَمَرْتُ ووَعَظْتُ ونَهَيْتُ عن أشياء، إنّها لمثل القرآن ، صدق النبيّ ﷺ، هي مثل القرآن، ولا فرق في وجوب كلّ ذلك علينا. وقد صَدَّق الله تعالى هذا، إذ يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطْعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
النظر في الكلام من جهة الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل والمبيّن، يجوز، بل يجب في كلام الناس عامّة، لا فقط في القرآن والسنّة. ولا زالت سُنَّة الخلق جارية على ذلك، خاصة كلمات المراجع العلمية والفكرية وأهل السّلطة، دون نكيرٍ من أحد، إذا دلَّت القرآئن أنّ صاحب القول وإن لم يكن معصومًا لم يكن متناقِضًا!
الأضلولة العشرون: وُجُوب تجديد دراسة أصالة الحديث النبوي
هذا هو مذهب النِّصارى الليبراليِّين في التعامل مع كتبهم؛ فإنَّها عندهم من التراث الذي يُستأنس به في القضايا الأخلاقيَّة، وليس لها وراء ذلك حقٌّ. فليست هي أصلٌ يُبْنَى عليه وجودهم، وإنَّما هي فرع لاحق.
مشروع الشرفي، يعني، عرض الحديث على مقولات العالمانيّة والحداثة؛ فإنّهما قِبلة الرسالة بزعمه. ومآل الحديث عندئذ أن يكون الانتقاء منه خاضعًا للأمزجة الشهوانيّة، والأفكار الماديّة المتقلّبّة، وما يُصدّره الغرب إلى بلاد المسلمين من سِلع فكريّة استهلاكيّة بائرة! أو بعبارة أقلّ لفظًا وأغزر دلالة؛ سيتحوّل الحديث من حديث رسول الله ﷺ ، إلى حديث الحداثيّين !
وانتهى بنا البحث إلى مجموعة من الحقائق اللَّائحة، أهمّها:
غياب الأهلية العلمية تتناول قضايا معرفية تخصصية دقيقة، والوقوع في أخطاء بدائية في أدنى المسائل العلمية التي لا تخفى على صغار المتحدثين في علوم الحديث.
غياب المنهج العلميّ المنضبط لنقد التراث الحديثيّ، والإحالة إلى معايير غائمة، غير مطّردة، وإخضاع الخبر النبويّ للمزاج الحداثيّ، أخذًا وردًّا.
الخلط بين التراث النصراني والتراث الإسلاميّ في باب النقد والتمحيص، دون مراعاة أنّ التراث النصرانيّ الأول الخاصّ بالأسفار المقدسة معدوم الإسناد بدءًا.
تبني أشدّ المذاهب الاستشراقية تطرّفًا في الموقف من حفظ السنّة، والغفلة في كثير من الأحيان عمّا استُدرك على هذه المذاهب من علماء الإسلام المعاصرين والمستشرقين.
التترس بالنجاحات الماديّة للغرب للدعوة إلى الانسلاخ من التراث الإسلامي، خلطًا بين التطوّر المادي وحفظ الموروث الديني.
إنكار مجمل ثوابت الدين في أبواب العقائد والشرائع دون جَمْجَمَةٍ، والإصرار مع ذلك على تقديم هذا النَّقد الهدمي في صورة الإصلاح الداخلي للإسلام.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 18-20]
الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتمّ الصالحات
