بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
ما كنتَ تعلمُها أنتَ ولا قومُك
بيان لإعجاز القرآن في عرض الأديان الأخرى ونقدها
تأليف: د. سامي عامري
الفهرس:
مدخل: الوجه الأوّلي لإعجاز القرآن
الفصل الأوّل: إعجاز القرآن في خبر الأديان
المبحث الأول: الخريطة الدينية لمكَة في القرآن والسنّة والبحث الأركيولوجي
1. الدعوى الاستشراقية عن مهد الإسلام
2. مكَة القرآنيّة وخريطتها الدينيّة
المبحث الثاني: بدائل استشراقية مأزومة
2. المؤامرة التاريخية والخرافة الجغرافية
المبحث الثالث: السيرة النبوية التراثية وأصالتها
1. تاريخية القرآن ومادته التأريخية
أ. قرآن النصف الأول من القرن السابع
ب. حديث القرآن التأريخي للسيرة
2- المذاهب الاستشراقية في تاريخية مرويات السيرة والحديث
3. دفاعًا عن المنهج التقليدي لتوثيق السيرة
أ. دعوى تأخر جمع المادة التاريخية للسيرة
ب. السيرة النبوية خادمة لأغراض كاتبيها
ت. السيرة النبوية واختلاف الروايات
ج. الكشوف الأركيولوجية وروايات السيرة
المبحث الرابع: عُسْر معرفة الثقافة الكتابية عصرَ البَعثة وبعدَه
1. اختبار المعرفة الدينية الشعبية في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي
2. استدلال القرآن لإعجازه بأخبار الأولين
5. مشكلة ترجمة تراث أهل الكتاب إلى العربية
7. طبيعة المادة العقدية القرآنية
8. المعرفة التفصيلية بالخبر الديني
9. استعمال القرآن الألفاظ المشابهة للأصول العبرية
ث. الإشكال في فهم إحالة القرآن إلى الكتاب المقدس
ج. الإشكال في فهم الإحالة إلى تراثٍ خارج الكتاب المقدس
ح. عدم العلم بمحل الإحالة إلى الزبور
خ. عدم العلم بالتعقيب القرآني على التراث اليهودي المشنوي
ع. عدم العلم بأهم أوجُه النزاع العقدي المعاصر للبَعثة
الفصل الثاني: إعجاز القران في نقد الأديان
المبحث الأول: القرآن والتراث اليهودي النصراني والحقائق الدينية
المبحث الثاني: القرآن والتراث اليهودي النصراني والأخبار التاريخية
9. وفاةً أمّ يُوسُف عليه السلام
10. دعوة المسيح مقصورة على بني إسرائيل
11. دعوة المسيح عليه السلام إلى اتباع التوراة
12. الاختلاف في صلب المسيح عليه السلام
الفصل الثالث: القرآن والتراث اليهودي النصراني والحقائق العلمية
7. دم الحيض ودوره في خلق الجنين
9. الجنين من بعض الماء لا من أنقاه
10. الحَيض أذى حِسيّ وليس مجردَ نجاسة معنوية
العنكبوت: 48 ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
الأعراف: 158 ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
الجمعة: 2 ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
الاحتجاج بسيرته المعروفة أربعين سنة قبل القرآن
يونس: 16 ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
القصص: 86 ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾
يس: 69 ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾
نصوص صريحة أنه لم يكن يعلم هذه الأخبار قبل الوحي
هود: 49، بعد قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
الأنعام: 156 ﴿أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾
سبأ: 44 ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾
يوسف: 3 ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾
النساء: 113 ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
الشورى: 52 ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
آل عمران: 44، بعد أخبار مريم وزكريا: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
يوسف: 102 ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.
الإعجاز في خبر السابقين
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76]
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]
الشعراء 192 197 ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
الأحقاف: 10 ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ…﴾
الرعد: 43 ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾
يونس: 94 ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾
الإسراء: 107 109 ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾
المائدة: 15 ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ…﴾
آل عمران: 93 ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
النمل: 76 ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
مدخل: الوجه الأوّلي لإعجاز القرآن
نزل القرآن في بيئةٍ فخرُها الأوّل في أدبها: الشعر والخطابة.
في تلك الأثناء، لم يُعرف محمدٌ -ﷺ- بين رجال مكّة أو غيرهم بنَظْم الشّعر: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} (يس/ 69)، ولا الخطابة في محافل الناس، لا في سوق عُكاظَ ولا سوقِ مَجَنّةِ أو ذي المجاز.
كانت معجزةُ النبي الخاتم التي تحدّى بها الناسَ في أمّ القرى وما حولها، وأهلَ عصره ومَن بعدَهم، كتابًا يُتلى على نسَقٍ غيرِ مسبوق، فيه تعليمٌ وأمر ونهي وموعظة وخبر. وكان التحدّي به شديدَ الوقْع على المخالفين، عظيمَ الاستفزاز لقلوبهم؛ حتى غلَت النفوسُ في الصدور كالمراجل، غيرَ أنّهم ما أجابوا داعيَ التحدّي رغم حرصهم على منع رواج هذه الدعوة وقطع أَبهَرِها بنقض ربّانيتها.
لقد دعاهم القرآن مجتمعين ومتعاونين للردّ على التحدّي: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء/ 88).
دعاهم إلى أن يأتوا بشيءٍ شبيه بالقرآن: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} (الطور / 34).
أو عشْرِ سُوَرٍ مثل سور القرآن: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (هود/ 13).
أو سُورةٍ واحدة مثل سُوَر القرآن: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (يونس/ 38).
هدّدهم بالنارّ وسوّاهم بالأحجار إن عجزوا عن إجابة داعي التحدّي: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة/ 23-24).
وأخبرهم أنّهم عاجزون اليومَ وغدًا: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا} (البقرة/ 24).
وبقي التاريخ شاهدًا بصورة واضحة لإعجاز هذا الكتاب؛ فلا أتى بمثله الأوّلون -أصحاب اللسان-، ولا استطاع مجاراته المتأخّرون -بعد كدّ-.
لكنّهم لمّا تناولوا بالنظر والعرض إعجازَ القرآن في الإخبار عما جاء في الأسفار السابقة من قِصص الأوّلين، ممّا لا يعرفه إلّا أحبارُ العلم من اليهود والنصارى، لم يستفيضوا في البيان. كما أنّ كثيرًا من أوجُه الإعجاز في هذا الباب لم تنكشف إلا مع العصر الحديث.
فقد نصّ الوحي على مركزيّته عصر البعثة في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ} (طه/ 133).
الاصطلاحُ الأقرب دَلالةً على جميع حُجج سماويّة القرآن، سواءٌ اقترنت بالتحدّي أم لم تقترن به، فهو “الآية” و”البرهان” و”الدليل”.
خبر الأديان: نقصد بعبارة: “إعجاز القرآن في خبر الأديان” أنّ القرآن فيه خبرُ اليهود والنصارى وخبرُ ما جاء في كُتُبهم، بصورةٍ تأبى طبيعةُ حياة الرسول -ﷺ- وبيئة مكّةَ الحجازيّةِ أن تدركها.
نقد الأديان: نقصد بعبارة: “إعجاز القرآن في نقد الأديان”، أنّ القرآن فيه نقدٌ لعقائد اليهود والنصارى وكُتُبهم وما فيها من أخبارٍ على وجه دقيق لا يُحصَّل -في مجموعه- عن رجل عاش في مكّةَ الحجازيّةِ قبل أكثرَ من 14 قرنًا.
“النقد المصدريّ للقرآن” بابٌ بحثيٌّ قديم في الدراسات الغربية وروافدها الشرقية، وخلاصتُه أنّه لا مَحيدَ عنِ القول إنّ القرآن متأثر بالتراث اليهودي والنصراني (وربما أيضًا بتراثِ أُمم أخرى معه) لتفسير ما فيه من حديثٍ ونقدٍ للأديان الأخرى.
فإن جوانب أخرى من القرآن تفترض وجود كَتَبة ذوي خبرة عالية بخلفية مسيحية، وتفاعلًا عميقًا بين “المؤمنين” والجماعات المسيحية. وهذا لا يتناسب مع ما نعرفه -أو ما يمكن أن نفترضه بشكل معقول- عن غرب الجزيرة العربية في ذلك الوقت، بناءً على طبيعة الأدلة المتاحة لدينا. وبعبارة أخرى، يقتضي النَّهجُ المتّسق إدخالَ بعض الوجود المسيحي في مكة والمدينة، و/أو وضعَ بعض أجزاء القرآن خارجَ الحجاز، مع بقاء السؤال الأساسي حول كيفية تحقيق ذلك بالضبط.
Guillaume Dye, “Mapping the Sources of the Qur’anic Jesus,” in The Study of Islamic Origins: New Perspectives and Contexts, ed. Mette Bjerregaard Mortensen, Guillaume Dye, Isaac Oliver, and Tommaso Tesei (Berlin: Walter de Gruyter, 2020), 154.
وقد ظهرت تُهمة تأثّر القرآن بثقافة أهل الكتاب منذ العصر الأوّل للدعوة، في مكّةَ؛ إذ قال كفّار مكّةَ إنّ الرسول -ﷺ- قد تلقّى القرآنَ عن أعجمي: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (النحل/ 103).
وقالوا إنّ القرآن مجرّدُ نقْلٍ لما سطّره (أساطير) الأوّلون، أملاه جماعةٌ من الناس على الرسول -ﷺ- مدّةً من الزمان: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفرقان/ 4-5).
واليومَ، تقوم أبرز الدعاوى الاستشراقية لتفسير ما في القرآن من خبر ونقد لتراث أهل الكتاب على القول بعدم معقولية أن يكون محمّدٌ -ﷺ- قد أصاب هذا العلمَ الواسع من بيئة مكّةَ الوثنيّةِ، حتّى لو افترضنا وجودَ أفرادٍ من النصارى أو اليهود فيها، ولذلك لا بد من تغيير التركيبة الدينية لمكّةَ أو تغيير جغرافيتها..
الفصل الأوّل: إعجاز القرآن في خبر الأديان
فإنّ أصل النزاع بين هذين الفريقين كامنٌ في الكشف عن معالم التاريخ الأوّل للبَعثة، والتي بإثبات صحّة موقف أحد الفريقين منها يثبت صدقُ مذهبه في أصل القرآن.
أُطروحتنا:
* محمّد -ﷺ- أميّ.
* عاش في مكّةَ الحجازيّةِ.
* الغالب على مكّةَ الطابعُ الوثني.
* كانت فُرص تعلُّم ثقافة أهل الكتاب ضعيفة. أخبار أهل الكتاب في القرآن عديدةٌ، ومتنوعة، ومُركَّبة.
* محمّد -ﷺ- صادق، والشبهة لا تستقيم إلا أن يكون الرسول -ﷺ- أكذبَ الكاذبين.
المبحث الأول: الخريطة الدينية لمكَة في القرآن والسنّة والبحث الأركيولوجي
إثباتُ أنّ مكّةَ بلدٌ وثنيٌّ أهلها مع بداية القرن السابع الميلادي حُجّةً قاطعة لإعجاز القرآن في خبره الكتابيّ (نسبة إلى أهل الكتاب).
1. الدعوى الاستشراقية عن مهد الإسلام
وفي الواقع، حتى القراءةُ السريعة للقرآن تكشف أنه يفترض في جُمهوره معرفةً بالكتب المقدسة لليهود والمسيحيين، بما في ذلك التوراة والأنبياء والمزامير والإنجيل. وأكثر من ذلك، فإنّ النص يُظهر دِرايةً واسعة بمجموعةٍ متنوعة من التقاليد اليهودية والمسيحية، وكذلك بعقائدها وممارساتها الدينية.
Sidney H. Griffith, foreword, in Todd Lawson, The Crucifixion and the Qur’an: A Study in the History of Muslim Thought (London: Oneworld Publications, 2014).
إنّ خبرَ القرآن عن أهل الكتاب، وأسفارهم، وعقائدهم، وتاريخهم، ونقدَ ذلك، معضلةٌ تحتاج إلى بيئة غارقة في هذا الخبر والجدل، ولا يمكن أن يُفسَّر ذلك بلقاءاتٍ عابرة مع تجّار نصارى أو رهبان أو عبيد من أهل الكتاب أُميّين.
2. مكَة القرآنيّة وخريطتها الدينيّة
والشهادةُ المباشرة مقدَّمةُ على القرائن إذا استوفت شروط الصدق؛
وفي القرآن شهادةٌ مباشرة واضحة على عقيدةِ عامةِ أهل مكّةَ. وقوّةُ هذه الشهادة كامنةٌ في تصريحها بهذه العقيدة عن معاصَرةٍ وشهودٍ مباشرٍ.
* أهلُ مكّةَ لم يُرسَل إليهم نبيٌّ. وهُم في غفلة عن رسائل الوحي: قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} (السجدة/ 3).
* دعوة إبراهيم -عليه السلام- العقديةَ قد انمحت معالمُها الكبرى بينهم.
يكفي في هذا المقام ذكر قوله تعالى:
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (الزخرف/ 57-58) دلالة على أنّ قوم هذا النبيّ غير نصارى، وأنّهم مبغضون لعيسى -عليه السلام- ابتداءً، وأنّهم كانوا يعبدون آلهة عددًا.
يلخّص قولُه تعالى: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} (ص/ 6) واقعَ معركة الرسول وكُبَراءِ قريش. فهي معركةُ وفاء أهل قريش لدين آبائهم الشِّركي، ورفض الدعوة إلى توحيد البارئ الأحد.
وهي الحقيقة التي اعترفت بها باتريشيا كرُون، بقولها: إذا اعتمدنا فقط على أدلّة القرآن، فإنّ المشركين كانوا موحِّدين يعبدون الإلهَ نفسه الذي يعبده الرسولُ، لكنّهم في الوقت نفسه كانوا يقدِّسون كائناتٍ إلهيةً أدنى تُسمى بشكل عام “آلهة” و”ملائكة”، بما في ذلك بعض الكائنات التي اعتُبرت آلهةً عربية، وربما في بعض الحالات أيضًا الشمس والقمر.
باتريشيا كرون (Patricia Crone) (1945م – 2015م): مستشرقة دِنْماركية، وأستاذة في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برينستون. من أعلام مدرسة المراجعين. لها اهتمام خاص بدراسة نشأة الإسلام وعلاقته بمحيطه الديني الأوّل.
Patricia Crone, “The Religion of the Qur’anic Pagans: God and the Lesser Deities,” Arabica 57, no. 2 (2010): 177.
هذا التصوّر الديني -كما يقول خوان كول ليس إلا مذهب الهينوثية (Henotheism) أي: عبادة إله أعلى، وآلهةِ دُنيا أخرى معه، أو بعبارةِ ديرك بالتزلي في التعريف بهذا المعتقَد: الرؤية [التي تقوم على أنّه] رغم وجود تعدديّةِ في الآلهة، إلّا أنّها تعتمد بصورةٍ ما على إله واحد يُعَدّ المبدأَ الأول الأسمى، وتخضع له .
ديرك بالتزلي (Dirk Baltzly) (1963م -…): فيلسوف أسترالي وأستاذ الفلسفة في جامعة تسمانيا. الأكاديمية الأسترالية للإنسانيات. له اهتمام خاص بالفلسفة اليونانية القديمة.
Cited in Juan Cole, Rethinking the Qur’an in Late Antiquity (De Gruyter, 2024) Electronic version.
ذكر الله وحده في الدعاء الوارد في نقوش القرنين الخامس والسادس في البلاد العربيّة يوافق طبيعةَ الهينوثية كما صوّرها القرآن نفسه في قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا} (الإسراء / 67).
عامةَ مَن يقرّر هذه الفرضيّةَ يستدل بالنقوش التي نشرها الباحث أحمد الجلاد وقراءاته لها، ولكنّ الجلاد نفسَه يعترف أنّ النقوش لا تنفي هينوثية العرب.
أحمد الجلاد (1985م -…): باحث أمريكي من أصل عربي، متخصص في لغات شمال الجزيرة العربية نحوها وتطورها ونقوشها. يدرّس في جامعة أوهايو.
قال الجلاد في لقاءٍ مصوَّر مع المستشرق رينولدز: لا نعلم ما الذي فعلوه بآلهتهم القديمة. هل أصبحوا موحِّدين لكنهم جعلوا [الآلهة القديمة] في أدوار ثانوية تحت الإله التوحيدي الجديد؟ أم أنهم – على سبيل المثال – حوّلوها إلى أرواح؟ أم أنهم تخلّوا عنها تمامًا؟ لا يزال هذا الأمر غيرَ واضح من خلال الأدلة النقشية المتوفرة لدينا .
“don’t know what they did with their ancient gods. Did they… become monotheists but relegated [the ancient gods] to subordinate roles under the new monotheistic god? Or did they, for example, transform them into spirits? Or did they abandon them altogether? That much is not clear yet from the inscriptional evidence.”
Ahmad Al-Jallad, interview on Exploring the Qur’an and the Bible, YouTube, “Ahmad Al-Jallad: Ancient Arabic Inscriptions and the Rise of Islam”.
ومعلومٌ أنّ الهينوثية تقوم على الأدوار الثانوية للآلهة الدنيا.
المبحث الثاني: بدائل استشراقية مأزومة
وقد عبّر عن ذلك غبريال رينولدز بقوله: ينبغي علينا أن نتعلّم النظرَ إلى القرآن لا باعتباره النصَّ المقدس للإسلام فحسب، بل أيضًا كعمل محوري في تاريخ الأدب الكتابي Biblical literature.
غابريال سعيد رينولدز (Gabriel Said Reynolds) (1966م -…): مستشرق غزير التأليف والحضور العلمي. له عناية خاصة بالدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية-النصرانية المبكّرة. أستاذ الدراسات الإسلامية واللاهوت في قسم اللاهوت بجامعة نوتردام.
Gabriel Said Reynolds, The Qur’an and the Bible: Text and Commentary (New Haven, CT: Yale University Press, 2018), 15.
تُثبِت روايةُ السيرة النبويّة التراثيّة أنّ مكّة في الحجاز، في المنطقة التي لا تزال تضم الكعبةَ التي يحُجّ إليها المسلمون منذ عُرِف الحجُّ بين المسلمين، في رواية متصلة لا نعرف فيها انقطاعًا،
ولا توجد في هذه البيئة قبل قرن -وأكثر- من البَعثة وبعدها، ثقافةٌ يهودية أو نصرانية؛ لعدم وجود جماعاتٍ من أهل الكتاب فيها.
إن رفض الرواية الإسلامية أعظمُ ضريبةً من قَبولها، وأنَّ هروب المستشرقين من الإقرار بالإعجاز القرآني قد كلّفهم اختلاقَ فرَضياتٍ شديدةِ الضَّعف.
“في أثناء كتابة هذا الكتاب، تكرّر تذكيري [للقارئ] بمدى كثرة المقاطع ذات الطابع الكتابي في السُّوَر المعروفة بـ (المكية) (مثل: الأنعام/ 7، مريم/ 19، الشعراء/ 26، القصص / 28، الأحقاف/ 46، نوح/ 71)، على الرغم من أنّ مكّةَ كان ينبغي أن تكون مدينةً وثنية بالكامل وَفقًا لسيرة النبي. لا بدّ أن هذه المقاطع قد أُعلنت لجمهورٍ ذي معرفة كتابية، أو كُتبت له، بما في ذلك اليهود والمسيحيون، وليس لجمهور من الوثنيين عبَدةِ الأصنام“
Reynolds, The Qur’an and the Bible, 4.
إن إعلام أهل مكّة بخبر الأوّلين لا يلزم منه أن يكونوا عارفين به؛ فإنّ أصل التعليم توجيه العقول إلى المجهول، لا تكرار للعالمين به.
وأمّا ما يظهر في القرآن من إخبار سلس بتراث الأوّلين في بيئة جاهلية وثنية، فإنّه من إعجاز القرآن؛
وقد قيل إنّ من براعة الحديث أن يجعل القديم جديدًا، والجديد قديمًا، أي أنّ يجعل المألوف للأذن كأنّه جديد يُسمع لأوّل مرّة، وأن يجعل الجديد المجهول كأنّه معروف، سهل الإدراك. وكذلك كان خبر القرآن في مكّة عن قصص الأوّلين.
2. المؤامرة التاريخية والخرافة الجغرافية
تعرّضت لهزّة شديدة في الأكاديميا الغربيّة، بسبب معارضتها الواضحة للأدلة المادية غير الإسلامية السابقة لنهاية القرن الثامن، وعلى رأسها المخطوطاتُ القرآنية القديمة المحفوظة، وذِكرُ اسم الرسول -ﷺ- قبل بداية القرن الثامن في الكتابات غير الإسلامية للقرن السابع.
“لا توجد أدلة مقنِعة تربُط القرآنَ بمكان آخر “
فريد إم. دونر (Fred M. Donner) (1945م -…): أستاذ التاريخ الشرقي في معهد الاستشراق وحضارات الشرق الأدنى بجامعة شيكاغو. له اهتمام خاص بنشأة الإسلام وعلاقته بمحيطه.
Fred M. Donner, review of The Idea of Idolatry and the Emergence of Islam: From Polemic to History, by G. R. Hawting, Journal of the American Oriental Society 121, no. 2 (April-June 2001): 337.
إنّ وجود مكّةَ والمسجدِ الحرام في مِنطقة الحجاز، تشهد له الوثائقُ المادية القديمة، ومنها نقشان شهيران اليومَ، أحدهما يعود إلى عام 78هـ، وفيه ذِكرُ إعادة بناء الكعبة، وهو موجود في الطائف. والنقش الآخر لشخص اسمه ميسرة بن إبراهيم، يذكُر فيه أنّه خادم الكعبة. والشائع نسبةُ هذا النقش إلى القرن الثاني الهجري. وأهم من ذلك تواترُ هذا الخبر بلا انقطاع منذ العصر الأوّل.
وقد لخص توماسو تيزي موقفَ النقاد من لوكسمبرج، بقوله إنّه قد “تعرَّض للنقد بسبب تصوير مكّةَ كأنّما كانت الرها، المركزَ الثقافي الرئيسي للمسيحية السُّريانية في شمال بلاد ما بين النهرين“.
Tommaso Tesei, “The Qur’an(s) in Context(s)“, 189.
وطبيعةٌ تعامُل المسلمين مع القرآن، بقراءته في الصلوات اليومية، وختمِه في رمضان، والعودةِ إليه في المسائل العقدية والفقهية والأخلاقية والأدبيّة، يجعل افتراضَ أنّ القرآن كان كتابًا سُريانيًّا تمّ “تعريبه” بمؤامرة من المفسرين لاحقًا، تكلُّفًا منكَرًا.
المبحث الثالث: السيرة النبوية التراثية وأصالتها
وهنا لا بدّ من التنبيه إلى الاستدلال التالي:
1. لا شكّ أنّ المصادر التأريخية الإسلامية التقليدية مُخبرةٌ أنَّ مكّةَ زمنَ البَعثة كانت وثنيةً جاهلية.
2. البيئة الوثنية الجاهلية لمكّةَ حُجّةٌ لإعجاز القرآن.
3. لا شكّ أنّ تغيير الطبيعة الدينية لمكّةَ ينافي إعجازَ القرآن في الإخبار عن الأديان = إثبات الحُجيّة التاريخية للسيرة النبوية التقليدية يؤدي إلى إثبات إعجاز القرآن في الإخبار عن الأديان ونقدها.
فصدقُ تأريخ السيرة النبوية حُجّةٌ بنفسه لإثبات الإعجاز، بلا عناء؛ فيكفي أن تكون السيرة النبوية التراثية موثوقة في عمومها، للقول بربّانيّة القرآن ونفي بشريّته.
وقد أضاف المستشرقون الشواهدَ الأركيولوجية والوثائق غير الإسلامية المعاصرة للبَعثة أو قريبًا منها.
See Sean W. Anthony, Muhammad and the Empires of Faith: The Making of the Prophet of Islam (California: University of California Press, 2020), 2.
1. تاريخية القرآن ومادته التأريخية
الحديث عن دَلالة القرآن على توثيق السيرة بما يوافق الروايةَ التقليدية لها، يقوم على إثبات ثلاثة أمور:
أ. نِسبة القرآن إلى عصر البَعثة، أي مُفتتَح القرن السابع.
ب. وجود شواهد تأريخية للسيرة في القرآن.
ت. دَلالة هذه السيرة على وثنية مكّةَ وجاهلية أهلها.
أ. قرآن النصف الأول من القرن السابع
كان الاتفاق حاصلا بين الباحثين في الدراسات القرآنية في الغرب على أنّ القرآن كتابٌ ظهَر في مكّةَ في بداية القرن السابع على يدِ رجلٍ اسمه محمّد (-ﷺ-). ولم يُعرَف تشكيكٌ واضح في ذلك إلّا منذ عقود، وكان وانسبرو أبرزَ هؤلاء؛ فقد أسّس بكتابه “دراسات قرآنية” لتيّار استشراقي يُسّمى اليومَ تيَارَ “المراجعين” (Revisionists) يقرّر أنّ القرآن قد ظهر في نهاية القرن الثاني الهجري أو بداية الثالث.
الباحثَ الفرنسي فرنسوا ديروش الذي درَس مجموعةً واسعة من المخطوطات الأقدم للقرآن، وطبائعَ هذه المصاحف في العصرين الأموي والعباسي. ومن تقريراته في هذا الشأن، قوله:
“يبدو أنّه قد أصبح من الممكن في الوقت الحاضر القولُ إنّ لدينا أجزاء -جوهريّة إلى حدّما- من نُسَخٍ يمكن ردُّها تاريخيًّا إلى العصر الأموي، من خلال الجمع بين عدة مناهج: علم الخط (الباليوغرافيا)، وعلم اللغة، وتاريخ الفن، وعند الإمكان، تحليل الكربون المشع (C14) للمخطوطات المستخدمة في تدوين النص. بل إن بعض المخطوطات التي تنتمي إلى مجموعة المخطوطات الحجازية [نسبة إلى ما يُعرف عند الباحثين الغربيين بالخط الحجازي، وهو خط أقدم مخطوطات القرآن] قد تعود إلى ما قبلَ الفترة الأموية“
فرنسوا ديروش (Fran ois D roche) (1952م -…): مستشرق فرنسي، له عناية خاصة بدراسة المخطوطات القرآنية المبكرة وتطوُّر خطّ المصحف. يعدّ الباحثَ الأبرز في هذا المجال اليوم.
Fran ois D roche, Qur’ans of the Umayyads: A First Overview (Leiden: Brill, 2014), 7.
“تُعتبر الأدلة على أن نبيًّا كان نشطا بين العرب في العقود الأولى من القرن السابع الميلادي، قُبَيل الفتح العربي للشرق الأوسط، قويةً للغاية بشكلٍ استثنائي. وأهمُّ من ذلك، أنه يمكننا أن نكون على قَدْر معقول من اليقين بأنّ القرآن هو مجموعة من الأقوال التي نطَق بها النبي معتقدًا أنها وحيٌ من الله. قد لا يحتوي الكتاب على جميع الرسائل التي زعم أنه تلقاها، كما أنه ليس مسؤولاً عن الترتيب الذي وصل إلينا به. فقد جُمعت هذه النصوصُ بعد وفاته، وإنْ كان هناك جدلٌ حول المدة التي استغرقها ذلك. ومع ذلك، يصعب الشك في أنه هو الذي نطَق بها، أو على الأقل بمعظمها“
Patricia Crone, “What Do We Actually Know about Mohammed?“.
ب. حديث القرآن التأريخي للسيرة
إنَّ القرآن ليس كتابَ “لاهوت” نظري يَعرِض العقائد على طريقة اللاهوتيين والمتكلّمين والفلاسفة، وإنّما هو نَسَق خاص في البيان يتجاوز عرضَ أصول الإيمان في قالَبٍ تعليمي مباشر إلى الهداية من خلال دلالة الرسول -ﷺ- ومَن معه من الصحابة في مسارات الدعوة في القرن السابع، في محطاتها المختلفة، بدءًا من مرحلة الإنباء بالنبوّة (العلق/ 1-5)، إلى الدعوة إلى إنذار الأقربين (الشعراء/ 214)، حتّى الإعلام بتمام الرسالة (المائدة/ 3)، والإنباءِ بدُنوّ الأجل (سورة النصر).
والقرآن مُخبِرٌ عن معالمَ تاريخيةٍ كثيرة للسيرة، في عصر الاستضعاف والتكذيب (الأنفال/ 26)، وفي الانتصارات (التوبة/ 14) والشدائد (آل عمران/ 152)، والغزوات -كبَدْرٍ وحُنَينِ (آل عمران/ 123، التوبة/ 25)-، وطلبِ قتْل الرسول -ﷺ- (الأنفال/ 30)، وبعضٍ شأنه مع نسائه (التحريم/ 3-5)، والحياةِ الاجتماعية مع أصحابه (الأحزاب/ 53)… وغيرِ ذلك من الأمور التي تتناول أيضًا خَلَجاتِ الرسول -ﷺ- وهَمَّه في طريق الدعوة (الأحزاب/ 37)، وأوجُهَ عبادته ربَّه جلّ وعلا (المزمل/ 20)، ومواقفَ من دعوته قومَه (سورة عبس) ولذلك كتَب بعض الباحثين سيرةَ النبي -ﷺ- اعتمادًا على القرآن.
انظر مثلا عبد الصبور مرزوق، السيرة النبوية في القرآن الكريم (القاهرة: دار الكتب الإسلامية، 1986).
2- المذاهب الاستشراقية في تاريخية مرويات السيرة والحديث
الرؤية الاستشراقية لها مُنطلقاتٌ وأصول مختلفة في الحكم على هذا التراث.
دراسةُ السيرة في القرون الوسطى … كانت خاضعةً لهدفَين اثنَين، أوّلهُما إثباتُ بشريّة القرآن ونفيُ نبوّة محمّد -ﷺ- من خلال رميه بالسحر والدجَل، والهدفُ الآخر محاربةُ الفِرَق الهرطقية باتهامها أنّها أصل الإسلام، خاصةً النسطوريةَ؛ بالزعم أنّ الإسلام بدعةٌ كنسيّة لفِرَق منحرفة، بطريق التآمر أو التأثّر.
إنّ هذه المرحلة تقع خارج النظر العلمي بصورة تامة.
شهد هيربرت بيرغ -أحدُ أعلام تيّار المراجعين الشكوكي- أنّه قد ساد بين العلماء الغربيين الأوائل في بداية العصر الأكاديمي النظرُ إلى تراث السيرة الإسلامي على أنّه أصيل، وأنّ أسانيده جديرةٌ بالثقة.
هيربرت بيرغ (Herbert Berg): أستاذ في قسم الفلسفة والدين بجامعة نورث كارولاينا. له عناية خاصة بالإسلام في عصره الأوّل.
Herbert Berg, The Development of Exegesis in Early Islam: The Authenticity of Muslim Literature from the Formative Period (Richmond, Surrey: Curzon Press, 2000), 106.
المستشرقان هوروفيتس وفوك في كتابه “محمّد عند ابن إسحاق: دراسات في التاريخ الأدبي“. وقد دافع كلاهما عن الإسناد التراثي.
جوزيف هوروفيتس (Josef Horovitz) (1874م – 1931م): مستشرق ألماني، له عناية خاصة بالسيرة النبوية والنقد المصدري للقرآن ولغة القرآن والدراسات الإسلامية.
يوهانس فوك Johann Fuck (1313ه/1894م – 1393هـ/1974م): مستشرق ألماني، متخصص في الدراسات العربية ولغة القرآن والدراسات الإسلامية.
Johannes F ck, Muhammad ibn Ishaq: Literarhistorische Untersuchungen (Berlin: Akademie-Verlag, 1955).
Herbert Berg, The Development of Exegesis in Early Islam, 106.
See Josef Horovitz, “The Earliest Biographies of the Prophet and Their Authors,” tr. Marmaduke Pickthall.
Islamic Culture 2(1927): 535-59; 3 (1928): 22-54, 164-82, and 495-526.
إغناتس غولدتسيهر (Ign c Goldziher) (1850م – 1921م): مستشرق هنغاري. أستاذ الدراسات السامية في جامعة بودابست. أبرز المستشرقين المعتنين بالدراسات الإسلامية في عصره. له اهتمام بدراسات الإسلام المبكّر والحديث والفقه الإسلامي.
وقد ردّ المستشرق فريد دونر على التيّار الشكوكي من أوجه:
تتجاهل المدرسة الشكوكية أنّ التوترات والخلافات الدينية والسياسية والاجتماعية قد ظهرت منذ عصر مبكّر، واستمرّت لاحقًا باستقرار الانقسام بين أهل السنّة والشيعة والخوارج… إلخ، دون أن يظهَر اختلافٌ حول معظم السمات الأساسية لقصة الأصول التقليدية للسيرة النبويّة بين هذه التيّارات المتنافسة.
Fred M. Donner, Narratives of Islamic Origins, 23.
3. دفاعًا عن المنهج التقليدي لتوثيق السيرة
وهذه التهم هي:
* كتابة السيرة لم تبدأ إلا منذ القرن الثالث، مع استثناء سيرة ابن إسحاق من القرن الثاني، والتي لم تَصِل إلينا هي نفسُها إلّا منقَّحةً عن طريق ابن هشام في القرن الثالث.
أ. دعوى تأخر جمع المادة التاريخية للسيرة
القرآن أوّل مصادر السيرة، وأهمُّها. وقد فشلَت كلُّ محاولات إسقاط مرجعيته التاريخية. يقول شون كارول:
“القرآن هو الأثر الأقدم والأهم لحياة محمد، وبالتالي فهو أفضل شاهد على تديّنه وبيئته الاجتماعية والثقافية الأولى. وعِلاوةً على ذلك، فإنّ توثيق القرآن والأدلةَ الماديّة على تحريره ونقله لا نظيرَ لهما في التراث الأدبي العربي. ولا تعكس هذه الفرَضية مشاعرَ السذاجة لدى المؤمنين…، بل تعكس توافقًا ناشئًا استند إلى أكثر من قرن ونصفٍ من البحث والمناظرة في الدراسات الغربية. وقد بدأ ذلك بنشر الطبعة الأولى من كتاب تيودور نولدكه Geschichte des Qor ns سنة 1860. وقد ثبت أن نَصَّ القرآن تمّ تدوينه كوثيقة مكتوبة بعد عقود قليلة من وفاة محمد، وذلك اعتمادًا على الخصائص الذاتية للنص القرآني ذاته. ومع ذلك، فقد تعزّزت الحُجج المتعلقة بقدم القرآن خلال العقود الأخيرة بشكل كبير من خلال التطوّرات في التحليل الباليوغرافي للخط العربي المبكر، والتحليلِ الكوديكولوجي، والتحليلِ بالكربون المُشعّ لأقدم أجزاء القرآن الباقية على الرِّق والبَرْدي. لقد قاد كلُّ ذلك المؤرخين المعاصرين إلى استنتاج مهم: وهو أنّ السرد اللاهوتي الذي يَعتبِر أدبَ السيرة-المغازي مصدرًا تاريخيًّا إشكاليًّا لم يمسّ القرآن الذي يُعدّ الوثيقةَ البدائية للدين الإسلامي“
شون أنثوني (Sean Anthony) (1981م -…): مستشرق أمريكي. أستاذ مساعد للغات الشرق الأدنى وثقافات في جامعة أوهايو. له عناية بالتاريخ الإسلامي المبكّر.
Sean W. Anthony, Muhammad and the Empires of Faith: The Making of the Prophet of Islam (California: University of California Press, 2020), 11.
جاء خبرُ السيرة بصورة أقوى إسنادًا في كتب الحديث. وتسليمُنا -جدلاً- أنّ هذه الكتب قد “أُلَفت” في القرن الثالث لا يجعلها كتبًا من إنتاج “مؤلّفين” من القرن الثالث؛ فإنّ عامتها كتبٌ تروي خبر الرسول -ﷺ- بأسانيدَ تمتد من بداية القرن الأول إلى زمن جمع هذه الروايات. فعامةُ هذه الكتب تجميعٌ للروايات وليست تأليفًا لها.
مغالطة الخلط بين “الجمع” و”التأليف”.
ومن ذلك أنّ شون أنثوني قد كتَب عن رسائل عُروة بن الزبير، بعد دراسته لها: “يجب أن أعترف بأن عملية ترجمة هذه النصوص وجمعِها قد خفّفت الكثير من شكوكي بشأن صحة هذه المجموعة، أو بالأحرى، ما تبقى منها. فعددٌ من الخصائص الداخلية للرسائل تدعم أصالتها، أو على الأقل أصالة معظمها” [Ibid., 103].
انتهى سيلهايم إلى القول: “لدينا عددُ تقاريرَ من السِّيرَة الشخصية لمحمد أكبرُ من تقارير سيرة أيّ مؤسِّس آخر لدين شرقي عظيم. وعددٌ غيرُ قليل من هذه التقارير قد يتوافق في جوهره مع حدَثٍ حقيقي من السيرة، أو تَوجِّهِه الأساسي، أو على الأقل يقترب منه“
Rudolf Sellheim, “Muhammeds erstes Offenbarungserlebnis” Jerusalem Studies in Arabic and Islam 10 (1987): 3.
شاعت كُتُبٌ في السيرة قبل القرن الثالث، عامتُها جمعٌ لمرويات أقدمَ. فمِمّا كُتِب مثلاً في الغزوات ما كتبه أبان ابنُ الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، والي المدينة، وعروةُ ابنُ الصحابي الزبير بن العوّام، المتوفَّى سنةَ 94هـ، [جمعَ المحفوظ منه محمد مصطفى الأعظمي، ونشره تحت عنوان “مغازي رسول الله ﷺ برواية أبي الأسود يتيم عروة” (الرياض: مكتبة التربية العربية لدول الخليج، 1981م).] وموسى بن عُقبة المتوفَّى سنةَ 141هـ، ومَعمَرُ بنُ راشد، المتوفَّى سنةَ 154هـ، ومحمدُ بنُ إسحاق المتوفَّى سنةَ 151هـ، ونَجيحُ بنُ عبد الرحمن المتوفَّى سنةَ 170هـ، وعبدُ الملك ابن حزم الأنصاري المتوفَّى سنةَ 176هـ، والحافظُ ابنُ وهْب المتوفَّى سنةَ 197هـ، وغيرُهم.
وهذه السِّيَرُ القديمة لها مقامٌ خاص عند أهل النظر؛ فقد قال ابنُ مَعين عن مغازي عُقبة: “كتابُ موسى بن عُقبة عن الزَّهري من أصح هذه الكتب“.
جمال الدين المزّي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف (بيروت: الرسالة، 1413هـ / 1992م) 120/29.
وقال الشافعي: “ليس في المغازي أصحُّ من كتاب موسى بن عُقبة مع صغَره وخُلُوِّه من أكثرَ ما يُذكَر في كُتُب غيره“.
الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: محمود الطحان (الرياض: مكتبة المعارف، 1444هـ)، 164 /2.
واعتنى كثيرٌ من المستشرقين المتأخرين بمغازي عروة بن الزبير. وهي أخبار نقلها ابن الزبير عن خالته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-. ونقلها عنه ابنه هشام والإمامُ الزهري وربيبُه أبو الأسود الأسدي وغيرهم. وهي في أصلها مجموعةُ رسائلَ تعود إلى ما قبل سنة 73هـ. ومن الذين دافعوا عن أصالة عامتها ألويس شبرنجر وجوزيف هوروفيتس وأندرياس غوركه وغريغور شويلر.
ألويس شبرنجر (Aloys Sprenger) (1813م – 1893م): مستشرق نمساوي، له عناية بالدراسات الإسلامية والعربية عامةً، والسيرة النبوية خاصة.
Aloys Sprenger, “Notice of a Copy of the Original Text of Tabary,” Journal of the Asiatic Society of Bengal 19 (1850): 108.
Josef Horovitz, The Earliest Biographies of the Prophet and Their Authors, ed. and trans. L.I. Conrad (Princeton, NJ: Darwin Press, [1927-28] 2002), 26.
أندرياس غوركه (Andreas Gorke): مستشرق ألماني. محاضر في الدراسات الإسلامية في جامعة كيل. له اهتمام خاص بالعصر الإسلامي الأول.
Andreas G rke and Gregor Schoeler, Die ltesten Berichte ber das Leben Muhammads: Das Korpus ʿUrwa ibn az-Zubair, SLAEI 24 (Princeton, NJ: Darwin Press, 2008).
ب. السيرة النبوية خادمة لأغراض كاتبيها
حصيلةُ أغراض خاصة للرواة ولجامعي الروايات؛ فقد نشأت لتعظيم بعض الشخصيات أو الحَطّ منها، ونسبةِ البركة إلى بعض البلاد.
أولاً: ينقسم علم الحديث قسمَين: علم الحديث رِوايةً، وهو “يشتمل على نقل أقوال النَّبي -ﷺ- وأفعاله، وروايتِها، وضبطها، وتحرير ألفاظها“، وعلم الحديث دراية، وهو “علمٌ يُعرَف منه حقيقةُ الرِّواية، وشُروطُها، وأنواعها، وأحْكَامها، وحالُ الرُّواة، وشُروطُهم وأصْنَافُ المرويات، وما يتعلق بها“.
جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي (الرياض: مكتب الكوثر، 1415هـ)، 26 /1.
علمُ الحديث دراية فهو علمٌ نقديٌّ خالص خاصّ بالتقعيد.
ثانيًا: إسقاط السيرة كليّةً بسبب وجود روايات باطلة فيها، منهجُ غيرُ سويّ في سَبْر التاريخ وأحداثه.
ثالثًا: أسقط علماء الحديث والسيرة رواياتِ كثيرةً لأنّها مُعلَّة من جهة السَّنَد وناشئةٌ عن تحيّزات.
وقد مثَّل ابنُ القيّم لهذا النوع من المرويات، بقوله:
“ومن ذلك الأحاديثُ في ذمّ معاويةَ، وكلُّ حديثٍ في ذمّه فهو كَذِبٌ. وكلُّ حديث في ذمّ عمرو بن العاص فهو كَذِب. وكلِّ حديث في ذم بني أُميّةَ فهو كَذِب. وكلَّ حديث فِي مدحِ المنصور والسفَّاح والرشيد فهو كَذِب. وكلّ حديث فِي مدحٍ بغداد أو ذمّها والبصرة والكوفة ومَرْو وعَسقَلان والإسكندرية ونَصِيبين وأنطاكية فهو كَذِب. وكلُّ حديث في تحريم وَلَدِ العباس على النّار فهو كَذِب. وكذا كلُّ حديث في ذِكر الخلافة في وَلَدِ العباس فهو كَذِب. وكلُّ حديث في مدح أهل خُراسان الخارجين مع عبد الله بن عليّ وَلَد العباس فهو كَذب. وكلُّ حديث فيه أن مدينةَ كذا وكذا من مُدُن الجنّة أو من مدن النّار فهو كَذِب. وحديثُ عددِ الخلفاء من وَلَدِ العباس كَذِب. وكذلك أحاديثُ ذمّ الوليد وذمّ مروان بن الحكم. وحديثُ ذمّ أبي موسى من أقبح الكَذِب“.
ابن القيم، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة (مكتب المطبوعات الإسلامية 1390هـ/ 1970م)، ص117.
النّقد الحديثي كان متعاليًا عن الأغراض المذهبيّة، وقائمًا على تمييز السَّقيم من السليم، وردّ الحديثِ المخْتَلَقِ ولو كانت فيه نُصرةٌ لمذهب أهل السنّة بذمّ مخالفيهم.
رابعًا: دراسة الكتب التي جَمعَتِ الأحاديث لا تُظهر أنّ مؤلفيها كانوا يلفقون الروايات لنصرة مذهبهم.
وقد اختار موتسكي في دراسته مصنّفَ عبد الرزّاق اعتمادَ المنهجَين النقديَّين المسمَّين (source-analytical) و(tradition-historical)، وهُما يقومان على السعي إلى البحث عن المصادر المبكّرة للنص قبل جمعه، مع التركيز على أسانيده في مراحل تداوله منذ البداية.
وقد كشفَتْ أسانيد عبد الرزاق، أنّ هذا الإمام قد نقَل أغلبَ أحاديثِه عن أربعةِ رواةٍ، وهُم: مَعمَر، وابن جُرَيج، والثوري، وابنُ عيينة، على اختلافٍ كبير في نِسب أحاديثهم.
ودرَس موتسكي إثرَ ذلك أسانيد ابن جُريج (مكّةَ: 150 -80هـ)، مع اعتناءٍ خاصِّ بروايته عن عطاء بن أبي رَباح (114-27هـ)؛ ثم درَس روايات عطاء التابعي إلى نهاية الإسناد؛ فاستبان له، فقط من خلال طبيعة شبكة الأسانيد وصِيَغ الرواية، أنّ احتمال اختلاق هذه الأسانيد مُنْتَفٍ إذا نظرنا إلى المنهج المتصوَّر لتلفيق الأسانيد؛ إذ إنّه من الواضح أنّ “كلّ مصدرٍ له طابع فرديّ“
(each source has an individual character)
Harald Motzki, “The Musannaf of ‘Abd al-Razzaq as a Source of Authentic Ahadith of the First Century A.H.,” Journal of Near Eastern Studies 50, no. 1 (1991): 8.
قال ابن القيم: “والذي صحّ عن النبي -ﷺ- ذمُّهم من طوائف أهل البدع: هم الخوارج. فإنّه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح. لأنّ مقالتهم حدثت في زمن النبي -ﷺ-، وكلّمه رئيسه. وأمّا الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول وغيرها من البدع، فإنّها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة“.
ابن القيم، عون المعبود شرح سنن أبي داود للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الرحمن عثمان، المدينة المنورة: 1389هـ / 1969م، ط2، 456/12).
ت. السيرة النبوية واختلاف الروايات
وجود اختلاف في رِوايات سِيَر الأعلام والأحداث التاريخية القديمة، ظاهرةٌ تاريخيّة معروفة.
أنشأ علماءُ الحديث عِلمَ مختلِف الحديث، وهو العلم الخاصُّ بدراسة الأحاديث المتخالفة ظاهرًا.
فصَّل علماء الحديث في الحُكم على الرُّواة تفصيلا واسعًا؛ فالثِّقاتُ درجاتٌ والضعفاء دركات.
انظر أحمد معبد عبد الكريم، ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل (الرياض: أضواء السلف، 1425هـ / 2004م).
ومن غايات ذلك تيسيرُ الحُكم على الروايات إذا تعارضت فيقدّم الأقوى بين الثقات، ويؤخّر الأضعف بين الضعفاء، ويرفع الثقة فوق الضعيف.
ج. الكشوف الأركيولوجية وروايات السيرة
الشاهد الأركيولوجي المتاح في البحث الاستشراقي لنشأة الإسلام، أشبه بقطعة صغيرة من حَجر في لَوحة فُسَيفساءَ عظيمة، كلّ أحجارها الأخرى من صناعة خيال الباحث.
لا يُعرَف إلى الآن شاهدٌ واحد له عَلاقة مباشرة بإضافة مَعلَم جديد إلى السيرة النبويّة.
إذا حذفنا ما فيها من نزعة تشويهية للمسلمين بالمبالغة في تصوير عدد القتلى أو ما أحدَثه الغزاةُ في بلادهم، لا يبقى في هذه الشواهد شيءٌ يطعن في الرواية التقليدية، بل على الضد من ذلك، تُوفِّر هذه الشواهدُ حُججًا مؤكِّدة للرواية التقليدية.
وقد لخص شون أنثوني شهادةَ هذه النصوص، بقوله:
“في النصف الأوّل من القرن السابع، ظهر شخص من شبه الجزيرة العربية يحمل شريعةً، يدّعي النبوةَ، وهو تاجر سرساني [لقب كان يُطلق في الكتابات اليونانية والرومانية القديمة على القبائل العربية (Saracen).] / إسماعيلي من قبيلةِ تتحدّث العربّيةَ، يُدعى محمد. زعم أنّه يكمل سلسلةً طويلة من الأنبياء التوحيديين الذين وُهِبوا الوحيَ الإلهي. وعِلاوةً على ذلك، بمكننا أن نستنتج، على أساس أدّلة موثوقة، أنّ هذا الرجل الذي أعلن نبوّته، واعتَبر أتباعُه الأوائل أنفسَهم أحفادًا للبطريرك التوراتي إبراهيم، قد شكَّل مجتمعًا في غرب الجزيرة العربية وأصبح حاكمًا في يثرب. وتمحور هذا المجتمعُ حول تعاليم النبي، وتجسَّد في وحيٍ يُسمّى القرآنَ. وبإيحاءٍ من تعاليم النبي، بدأ المجتمعُ الجديد حمَلاتٍ واسعةً النطاق من الفتوحات اجتاحت بسرعة من منتصف القرن السابع فصاعدًا معظمَ الشرق الأدنى، بما في ذلك بلادُ فارس الساسانية وجزءًا كبيرًا من الإمبراطورية الرومانية الشرقية“.
Sean William Anthony, Muhammad and the Empires of Faith, 237.
ومن الشهادات الأخرى المبكّرة المثبتةُ لصدق التأريخ الإسلامي، جدولُ يعقوب الرهاوي -أسقف الرها- والمكتوبُ سنةَ 73هـ/ 692م، فقد وضع فيه هذا الأسقف جداولَ زمنيةً لاستكمال تاريخ يوسابيوس القيصري الذي أرّخ للكنيسة حتى العقودِ الأولى للقرن الرابع. ولم يبقَ من هذه الجداول سوى شذراتٍ تعود إلى القرنَين العاشرِ أو الحاديَ عشَرَ، وتُغطي فقط القرنَ السابع حتى سنةِ 631م.
وما جاء في هذه الشذرات مطابقٌ أو قريب من التأريخ الإسلامي للعصر الإسلامي الأول، ومن ذلك تأريخُ بداية حُكم الرسول -ﷺ- (تأسيس الدولة في المدينة وبداية التقويم الهجري) سنةَ 622م، والقولُ إنّ أبا بكر حكَم سنتين فقط، وإنّه بعد سنتَي 12 و13 هـ بدأت غزواتُ المسلمين لفِلَسْطِين (وقد كان الفتحُ الإسلامي سنة 15هـ).
See Andrew Palmer, The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles, Including Two Seventh-Century Syriac Apocalyptic Texts (Liverpool: Liverpool University Press, 1993), 37-40.
المبحث الرابع: عُسْر معرفة الثقافة الكتابية عصرَ البَعثة وبعدَه
انقسموا إلى فريقَين كبيرين: فريقٍ يزعم أنّ مكّةَ وإنْ كانت حجازيّةً، إلّا أنّها كانت مركزًا للثقافة الدينية الكتابية، وفريقٍ يُنكِر أن تكون الحجازُ على هذه الحال؛ فغيّر مهدَ الإسلام إلى منطقة الهلال الخصيب.
سيرةَ النبيّ المكّي العلميةَ والأخلاقية، وبيئتَه العلميّة، والقرآنَ وتحديه للمخالفين، وما واجهه مفسرو القرآن من إشكالات عند تفسير القرآن.. كلُّ ذلك يشهد أنّ ما في القرآن من أخبار يرقى إلى درجة المعجزة.
1. اختبار المعرفة الدينية الشعبية في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي
زمانَنا نفسَه تهيمن عليه “الأميّةُ الدينيّة”.
من الإحصائيات الدالة على واقع المعرفة الدينية في الغرب اليومَ:
انتهت عملية سَبْر قامت بها كليّةُ “St. John’s College Durham” إلى أنّه رغم امتلاك 75٪ من الأمريكيين نسخةً خاصة بهم من الكتاب المقدس إلا أنّه من النادر العثورُ على مَن يعرف منهم الوصايا العشرَ -والتي تمثّل قلبَ التوراة-.
Dr. R. Albert Mohler, “The Scandal of Biblical Illiteracy,” Answers in Genesis, accessed December 21, 2024,
ويكفي هنا أن يعلم الباحثُ أنّ قُرابة 1453 آيةً أو نحوَ ربع العدد الإجمالي لآيات القرآن تتعلق بالأنبياء والصالحين وشخصيات تاريخية من العصور السالفة، ليدرك مساحةَ التقاطع بين القرآن وتراث أهل الكتاب.
Faruq Sherif, Guide to the Contents of the Qur’an (London: Ithaca Press, 1985), 46
ثار العلماء على الإمام البِقَاعي المفسِّر (تُوفي 1469م) لرجوعه إلى ترجمات عربية مختلفة للكتاب المقدس في تفسيره للقرآن المسّمى “نَظْم الدُّرر في تناسُب الآيات والسُّوَر“. وقد اضطُرّ البِقَاعيُّ إلى تأليف رسالته “الأقوال القويمة في حُكم النقل من الكتب القديمة“.
نقل فريقٌ من المفسرين الأوائل عن الإسرائيليات من خلال ما ينقُله عنها المهتدون إلى الإسلام من النصارى واليهود لا بالعودة إلى الأسفار المقدّسة نفسها.
نشره بالعربية مع مقدمة بالإنجليزية وليد صالح:
Walid A. Saleh, In Defense of the Bible: A Critical Edition and an Introduction to Al-Biqă’i’s Bible Treatise (Leiden: Brill, 2008).
2. استدلال القرآن لإعجازه بأخبار الأولين
وفي هذا السياق التاريخي جاء الإعلانُ القرآني المركزي في الدعوة المحمدية: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (المائدة/ 15).
{إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (النمل / 76).
قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود/ 49).
وعبارةُ {أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ} دليلٌ مباشر من بيئة مكّةَ أنّ تراث أهل الكتاب ما كان شائعًا ذاكَ العصر، وأنّ الإخبار به من محمّد -ﷺ- أمرٌ خارق للعادة، إذ لا سبيل لمحمّد -ﷺ- إليه بمَلَكاته البشريّة الخاصة.
ولا سبيلَ للتشكيك في ذلك من السيرة المحفوظة ولا التاريخ. نفى القرآن عن الرسول -ﷺ- قراءةَ أسفار أهل الكتاب أو نَسْخَها. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت/ 48).
وقد أحسنت كارين أرمسترونج القولَ في هذا الشأن:
“لا توجد أيُّ إشارة في المصادر الأولى إلى ممارسة محمّد القراءةَ أو الكتابة. وكان محمّد يُملي كلامه على غيره، كَعَلِي المتعلِّم، إذا ما أراد إرسالَ رسالة. إنّها لخدعةٌ كبيرة أن يكون محمد قد أخفى طَوالَ حياته قدرتَه على القراءة والكتابة. وبعيدًا عن أنّ ذلك ليس من الأمور المعهودة، فإنّه يبدو من العسير جدًا المحافظةُ على هذا الغش؛ نظرًا للتقارب الشديد في المعيشة بين محمد وقومه“.
كارين أرمسترونج (Karen Armstrong) (1944م-…): باحثة بريطانية مهتمة بتاريخ الأديان، وشخصياتها المركزية.
Karen Armstrong, Muhammad: a biography of the prophet (New York: HarperCollins, 1993), 88.
ظاهرة الكتابة في الحجاز: قال الرسول -ﷺ-: “إنّا أُمّةٌ أمّيّة، لا نكتُب، ولا نحسُب“.
رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: لا نكتب ولا نحسب، (ح/ 1913)، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، (ح/ 1080).
وقد انتهى بيتر شتاين في بحثه “معرفة القراءة والكتابة في البلاد العربية قبل الإسلام“- المنشور ضمن كتاب “القرآن في سياقه: تحقيقات تاريخية وأدبية” الذي يعكِس أبرزَ الدراسات الاستشراقية في العَقد الماضي- إلى تلخيص نتيجة بحثه، بقوله الذي ننقُله بطوله لأهميته:
“استنادًا إلى الأدلة المقدَّمة أعلاه، لا يوجد شكٌ في انتشار معرفة القراءة والكتابة بين سكّان البلاد العربية قبل الإسلام. ويجب التمييزُ بين مستويَين من المعرفة بالكتابة. المستوى الأوّل، انتشارها في جميع أنحاء شِبه الجزيرة وحتى بين البدو، ويتمثَّل في القدرة على ترك كتابات صخرية تلقائية وعابرة تخدم فقط غرضَ التسلية ولا تؤدي وظيفة تواصلية. وتوجد هذه النقوش حتى في أكثر المناطق النائية، حيث تستفيد من مادة كتابةٍ متاحة بوَفْرة، وهي الأسطح الصخرية الموجودة في بيئتها الطبيعية.
وعلى النقيض من ذلك، يتمثل المستوى الثاني من معرفة الكتابة في نظام متطوّر من التواصل الاجتماعي والاقتصادي، وكان مقصورًا على عدد من المراكز الحضرية، وخاصةً في جنوب الجزيرة العربية. هذا النوعُ الأخير من الكتابة يَستخدِم نوعَين مختلفين من الخطوط: خط كبير، وكان يُكتب في الغالب على الصخور والأحجار، وخط دقيق مختلف تمامًا كان يُستخدَم لأغراض التواصل اليومي، وكان يُكتب حصريًّا على ألواحِ خشبية صغيرة. ويمكن اعتبارُ المجتمع الذي يَستخدِم هذا النوعَ من الكتابة للأغراض الاقتصادية والاجتماعية “مجتمعًا متعلمًا”. ومع ذلك، فإن “الأدب” بالمعنى الدقيق للكلمة لم يكن مكتوبًا بأيٍّ من هذين الخطين، بل كان يُنقل شفويًّا.
وإلى حدٍ ما، يمكن توسيعُ هذه الاستنتاجاتِ لتشمل المراكزَ الحضرية في الحجاز المجاور. وهذا يتوافق مع المصادر العربية عن الفترات السابقة للإسلام وأوائل الإسلام. وكما بيَّن نولدكه، فإن ما يقوله المؤلفون الإسلاميون اللاحقون عن النبي في هذا الصدد متحيزٌ للغاية وغيرُ متناسق بحيث لا يمكن إصدارُ حُكم قاطع. ومع ذلك، يقرّ نولدكه بأنّ النبي (وعددًا من الأشخاص في محيطه) ربّما امتلكوا مستوّى أوليًّا من معرفة الكتابة والقراءة اللازمة للقيام بالأنشطة التجارية، بينما يمكن استبعاد إتقان المهارات المتقدمة المطلوبة لقراءة الأعمال الأدبية، على سبيل المثال“.
بيتر شتاين (Peter Stein): أستاذ الدراسات السامية في Friedrich Schiller University Jena.
Peter Stein, “Literacy in Pre-Islamic Arabia,” in The Quran in Context: Historical and Literary Investigations, ed. Angelika Neuwirth, Nicolai Sinai, and Michael Marx (Leiden: Brill, 2010), 272-273.
ونحن وإنْ كنّا نخالف نولدكه في دعواه أن الرسول -ﷺ- يعرف القراءة البسيطة، لدلالة السيرة التراثيّة على نفي ذلك، إلا أنّ هذا الخلاف لا يمَسُّ بحثَنا بشيء؛ فإنّ العبرة في نقاشنا هنا بمعرفة قراءة الكتب الدينية والأدبيّة. وهو الوصف المنفي عن الرسول -صلى اللّٰه عليه وسلم- ضرورةً. ومن ظريف حال المستشرقين أن تجد منهم مَن يتجاوز دعوى معرفة الرسول -ﷺ- كتابة العربيّة إلى الزعم أنّه يعرف الكتابة باللغات الأخرى!
ما ورد في القرآن من أنّ خبر القرآن عن أهل الكتاب وحيٌ من الله وليس عن تعلُّم بشريّ، لا يمكن أن يُردّ إلّاّ إلى الصدق أو الكَذب. فإنْ كان صدقًا فقد ثبت أنّ الوحي، وإنْ كان كَذِبًا؛ لزِم -ضرورةً- أن يكون أمرُ صياغة القرآن، وتضمينِه أخبارَ أهل الكتاب، عرضًا ونقدًا، قد جاء عن تخطيطٍ وترتيب، وقبْلَ ذلك عن دراسةٍ ودُرْبة.
وتبنِّي ذلك مشكِلٌ بصورة كبيرة؛ بل هو بابٌ لإشكالاتِ أعظمَ ممّا يترتب على قبول صريح أخبار السيرة عن أخلاق الرسول -ﷺ-.
“إنّ استعداده للتعرّض للاضطهاد بسبب عقيدته، ووجودَ شخصيات تقيّة آمنت به واتّخذته قائدًا، وعظيمَ إنجازاته النهائيّة.. كلُّ ذلك حُجّةٌ على حقيقة صدقه. وإنّ افتراض أنّ محمّدًا كان دجالا ليطرَح إشكالاتِ أكبرَ من الأسئلة التي يجيب عنها“.
(To suppose Muhammad an impostor raises more problems than it solves).
Montgomery Watt, Mohammad at Mecca (Oxford: Clarendon Press), 52.
5. مشكلة ترجمة تراث أهل الكتاب إلى العربية
إثباتُ الوجود التاريخي لمحمّد -ﷺ- في القرن السابع، وأنّه عاش في مكّةَ الحجازيّةِ، يطرَح إشكاليةَ الوصول إلى الأخبار والتقريرات القرآنية التي يردُّها المستشرقون إلى أسفار أهل الكتاب.
وقد ترك عامةُ المستشرقين اليومَ الدعوى القديمةَ التي تزعم أنّ الرسول -ﷺ- قد تلقّى هذه المعارفَ عن الرُّكبان الوافدين مكّةَ أو من خلال سفره في التجارة؛ فإنّ هذه المعارف واسعةٌ لا تُنال إلّا بالتعلُّم الدَّؤوب.
لم يترجم العهد القديم إلى اللغة العربية إلّا بعد البَعثة النبوية. وهو مذهبُ عامِ النقّاد المعاصرين. ومن ذلك قولُ إرنست فورثفاين في كتابه المهم “نص العهد القديم“: “مع انتصار الإسلام انتشرت اللغة العربية بصورة واسعة، وأصبحت بالنسبة لليهود والمسيحيين في البلاد المفتوحة لغةَ الحياة اليومية، وقد أدى هذا الأمر إلى بُروز الحاجة إلى ترجماتٍ عربية للكتاب المقدس“.
إرنست فورثفاين (Ernst W rthwein) (1909م – 1996م): لاهوتي وأستاذ العهد القديم في جامعة ماربورغ.
Ernst W rthwein, The Text of the Old Testament: An Introduction to the Biblia Hebraica, 2nd ed., trans. Erroll F. Rhodes (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1995), 104.
لا يزال عامةُ النُقّاد المهتمين بتاريخ ترجمات العهد الجديد على مذهب الناقد سدني غريفث الذي أنكر في مقالته “الإنجيل باللغة العربية: بحثٌ في ظهوره في القرن العباسي الأول” ترجمةَ العهد الجديد قبلَ العصر العباسي.
S.H. Griffith, “The Gospel in Arabic. An inquiry into its appearance in the first Abbasid century,” Oriens Christianus 69(1985): 126-67.
لم يُترجَم “التَّلْمُودُ” ترجمةً كاملة إلا سنةَ 2011م. وما عُرِّب قبْل ذلك لا يتجاوز بعضَ أجزائه، وكلُّ ذلك في العصر الإسلامي لا قبْله.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (البقرة/ 93).
علَّق المستشرق رينولدز على الآية بقوله: عبارة (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) … يبدو أنّها تغييرٌ مقصود لصيغة هذه العبارة في العبريّة في سفر التثنية 27 /5: “تَقَدَّمْ أَنْتَ وَاسْمَعْ كُلَّ مَا يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ إِلَهُنَا، وَكَلِّمْنَا بِكُلِّ مَا يُكَلِّمُكَ بِهِ الرَّبُّ إِلَهُنَا، فَنَسْمَعَ وَنَعْمَلَ (وشامَعنو وعاسِينو)!” (انظر خروج 24/ 7) . [Reynolds, The Qur’an and the Bible, 60]
وهو بذلك يقول إنّ القرآن عندما نقل ردَّ فِعل بني إسرائيل على ما ائتمنوا عليه من العمل بأوامر الله، كان ردُّ فعلهم ظاهرُه الطاعة وحقيقتُه المعصيّة. فقد وافق القرآنُ التوراةَ من الناحية الصوتية في بيان موقف بني إسرائيل (שמענו ועשינו) [وشامَعنو وعاسينو] والتي تعني (فَنَسْمَعَ وَنَعْمَلَ)، لكنّه نقلها دلاليًّا في اللغة العربية بضد ذلك، {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}، فالصوت واحد والمعنى على النقيض.
وهذا نقدٌ لبني إسرائيل دقيق، وخفيٌّ، بيانًا للفارق بين ظاهر المقال وحقيقة الحال. وهو نقد لا يُدرَك إلا بمعرفة نصوص التوراة، وسياقاته واللغة العبرية. ولذلك لا نجد إشارةً إلى هذه اللفتة القرآنية اللطيفة في كُتُب مفسّري القرآن لأنّهم لم يجمعوا هذه المعرفة.
وقد يكون النقدُ القرآني صادمًا أو محيّرًا لكثير من السامعين، رغم صحّته واقعيًّا. ومن ذلك حَيرة كثيرٍ منَ الباحثين في شأن قوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (المائدة/ 17، 72)؛ فإنّ الشائع هو أنّ النصارى يقولون إنّ المسيح هو ابن الله، لا أنّ الله هو المسيح.
فإنّ ما جاء ذكره في القرآن هو منصوصُ العهد الجديد في القراءة الأشهر لنص (1 تيموثاوس 3/ 16) في القرن السابع: “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ“. ورغم أنّ القراءة الأقدم لهذا النص تقول “الذي”، إلا أنّ القراءة الأوسع انتشارًا في القرن السابع في المخطوطات اليونانية والترجمات السُّريانية وغيرها تقول: “الله”. فـ “الله ظهر في الجسد” هي عينُها “الله ظهر في المسيح”، أي “الله هو المسيح”.
كان حديثُ القرآن عن النصرانية، رغم قلّة ألفاظه، دقيقًا، مع قربه من فهم السامعين.
وهو الأمر الذي عدّه القاضي عبد الجبار، من جليل معجزات القرآن؛ فقد قال إنّ من آيات الرسول -ﷺ-: “وتجده ﷺ وقد حكى حقيقة مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى أهلها، ولا من المتكلّفين، ولا كانت مكّةُ والحجاز إذ ذاك بلادًا فيها شيءٌ من هذا، فانتشر هذا عنه ﷺ، وفتّش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا الأمر كما قال وكما فصّل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما أكثرَ ما تَلْقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح إنّه الله، ولا قلنا: إنّ الله ثالث ثلاثة، ومَن حكى هذا عنّا فقد أخطأ وكذَب ليُعلَم أنّ وقوف محمد ﷺ إنّما هو من قبل اللّه عز وجل، وأنّ ذلك من آياته“.
القاضي عبد الجبّار، تثبيت دلائل النبوّة، تحقيق: عبد الكريم عثمان (بيروت: دار العربية، 1386هـ / 1966م)، 1/ 91.
وفى ذلك يقول رينولدز -وإن كان قولُه لإثبات معرفة أهل مكّةَ بأخبار أهل الكتاب! -:
“يبدو أنّ القرآن يعتمد على معرفة جمهوره بالتقاليد الكتابيّة عندما يستخدم الألقاب لشخصياته. فهو يشير إلى فِرعَون (الذي يرتبط في الكتاب المقدس بالمشاريع العمرانية) بـ (ذِي الْأَوْتَادِ) (ص/ 12؛ الفجر / 10)، ويشير إلى يونس بـ (وَذَا النُّونِ) (الأنبياء/ 87؛ القلم/ 48). كما يشير إلى فوطيفار (انظر التكوين 37/ 36) فقط بلقب (العَزِيزُ)، وهو لقبٌ مناسب لـ “قائد” حرس فِرعَون (التكوين 39/ 1). ويذكر شاؤول فقط باسم (طَالُوتَ)، أي “الطويل” (البقرة/ 247، 249) … وهو لقبٌ مناسب لرجل كان أطولَ من قومه (1 صموئيل 10/ 23)“.
Gabriel Said Reynolds, The Emergence of Islam: Classical Traditions in Contemporary Perspective (Minneapolis: Fortress Press, 2012), 128.
7. طبيعة المادة العقدية القرآنية
وممّا يُعبِّر عن هذه الأزمة قولُ دارين م. سلاد:
“من المحتمل أن يكون تأكيدُ القرآن على وَحدة الله وسوء الفهم المتعلق بالتثليث قد نشأ من تواصُل محمّد مع المسيحيين المونوفيزيين [اليعاقبة (Monophysitism) القائلون للمسيح طبيعة واحدة، وهي الطبيعة الإلهية، على خلاف من يرى للمسيح طبيعتين: إلهية وبشريّة]. ومن المحتمل أيضًا أن يكون قد تعلّم التأكيد على بشرية يسوع من التقليد النسطوري. ومن خلال التأثير الغنوصي، ربما اطّلع محمّد على أسطورة الاستبدال المتعلقة بصَلب يسوع. أما من النَّاصِريِّين، فقد يكون قد تعلَّمَ -على نحوٍ غير دقيق- أن مريمَ جزءٌ من الثالوث المسيحي. وأخيرًا، فإنّ الروايات التي تتحدّث عن راهب ضالّ قام بتوجيه محمّد تُعزِّز فكرةَ أنّ الجماعات المتباينة كانت على الأقل مُنخرطة في تشكيل تصوراته، إن لم تكن مسؤولةً بشكل مباشر عن مسيحيته. ومع ذلك، سيكون من الخطأ التاريخي الافتراضُ بأنّ المسيحيين المنشقّين كانوا المؤثّرَ الأكبر في تشكُل الإسلام. فعلى الرغم من وجود بعض أوجه للتشابه، إلّا أنّ القرآن لا يتوافق تمامًا مع أيّ كرستولوجيا محدّد“.
دارين إم. سلايد (Darren M. Slade): أستاذ التاريخ القديم ومقارنة الأديان في Rocky Mountain College.
Darren M. Slade, “Arabia Haeresium Ferax (Arabia Bearer of Heresies): Schismatic Christianity’s Potential Influence on Muhammad and the Qur’an,” American Theological Inquiry 7.1 (15 January 2014): 52-53.
فإنّنا أمام تشابهاتِ لا تقود إلى مصدر بشري واحد، وصورةٍ متناسقة يتجاوز أمرُ صناعتها العلمَ بعقائد الفرق النصرانية؛ لأنّنا أمام صورة جديدة غيرِ ما سبق عند الفرق المعروفة.
ومن الطبيعة اللافتة للمادة العقدية القرآنية أنّها تتجاوز الطابعَ البراغماتي؛ فالنصُ القرآني قد يفتح مساحاتٍ للجدل مع أهل الكتاب ممّا يُضيِّق مساحاتِ انتشاره -في عُرف النظر المصلحيّ البشريّ-. وهذا ليس من طبْع الدعوات الدينية البشريّة.
وهو ما وضَّح أحدَ مظاهره القاضي عبدُ الجبار في قوله:
“وتأمَّل، إلى إقدامه [=الرسول -ﷺ-] على أُمّتَين عظيمتين من أهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا على أمرٍ وسبقوه في الزّمان، وهو أشدُّ النّاس حرصًا على تآلفهم وإجابتهم واستمالتهم، فأَكْذَبهم وردَّهم، ولو كان مُتقوّلا لتهيَّب ولم يُقدِم على ذلك خوفًا من أن يكون الأمرُ كما قالوا وكما ادَّعوا؛ فيَبِين كَذِبُه ويرجع عنه مَن قد تبعَه، لأنّ الأنبياء يجوز أن يُقتلوا ويُصلَبوا، بل قد قُتِل قومٌ منهم.
وأيضًا، فليس في قتل المسيح طعنٌ عليه ولا قَدْحٌ في أمره، وما به حاجةٌ إلى مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي أن يكون إلى تصديقهم في ذلك أحوجَ، ليكون تشنيعُه على النّصارى أولى، لأنّهم قدِ اعتقدوا فيه أنّه إلهٌ وربٌّ وقد رأَوه أسيرًا مقهورًا في يد عدوّه ومصلوبًا ومقتولا، ويَزيد شناعتَه على اليهود لأنّهم قد قتلوا نبيَّا آخرَ مضافًا إلى غيره من الأنبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح. فتجنَّب -ﷺ- هذا كلَّه مع الحاجة إليه، وقال: قد ادَّعَوا أنّهم قد علموا ذلك وليسوا به عالِمِين ولا متّفِقين، وما معهم فيه إلّا الظنُّ؛ فقال: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}؛ أي ليس ثَمَّ يقينٌ ولا سكونُ نفْس، تقول العربُ في الخبر المتيقَّن: قتلته علمًا وقتلته يقينًا. ثم قال: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} أي صانه وعظّمه أن تناله يدُ عدوّه بالقتل والصّلب، لأنّ الظنّ قد يصدُق تارةً، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتُصدِّق المخبرَ الواحد من طريق حُسْن الظنّ بخبره، ويكون قد صدَق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صِدقَه، وإنْ ظنّوا أنّ اعتقادهم لذلك عِلمٌ. فانظر إلى ذلك كيف بيَّنه من كلِّ وجْهِ“.
القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة، 123/1.
8. المعرفة التفصيلية بالخبر الديني
وقد تحدَّث سدني غريفث في دراسة له عن قصّة أهل الكهف في القرآن وفي التراث الديني السابق له. وهي قصّةٌ وقعت بعد زمن من رفع المسيح عليه السلام. وانتهى إلى النتيجة التالية: “لا يقتصر الأمر على ملاحظة معرفة القرآن بتفاصيل القصة واختلاف فهمها، بل يتّضح أيضًا كيف يزيل القرآنُ -من جهةِ- الإطارَ المرجعي المسيحي، ومن جهةٍ أخرى يُقدِّم أفقًا إسلاميًّا وقرآنيًّا جديدًا تكتسب فيه الأسطورة دلالةً تفسيرية جديدة كليًّا“.
انظر في دفع دعوى أسطورية قصة أهل الكهف: سامي عامري، شبهات تاريخية حول القرآن الكريم، عرض ونقد (الكويت: رواسخ، 1443هـ/ 2022م)، ص 269-276.
Sidney Griffith, “Christian Lore and the Arabic Qur’an: The ‘Companions of the Cave’ in S rat al-Kahf and in Syriac Christian Tradition,” in The Qur’ n in Its Historical Context, ed. Gabriel Reynolds (London; New York: Routledge Press, 2008), 129.
فالملاحَظ هنا:
* القرآن يُخبر عن قصّة لا يعرفها أهلُ مكّةَ.
* القرآن أخبر عن اختلاف روايات النصارى لقصّة أهل الكهف:
الاختلاف في عدد أبطالها: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} (الكهف/22).
الاختلاف في مُدّةٍ لَبْثِ أبطالها في الكهف: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} (الكهف/ 25-26).
* ذكَر قصّةَ أهل الكهف على صورة موافقة للرؤية القرآنية للتوحيد ومعركته مع الشرك.
9. استعمال القرآن الألفاظ المشابهة للأصول العبرية
يوافق القرآنُ التوراة في مقامات توحي بمعرفة “صاحب” القرآن بعبرية التوراة لا ترجمتِها العربية فحسب؛
جاء في آية الكرسي: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}، ويقابل ذلك ما جاء في (المزمور 121: 4): “إنَّهُ لَا يَنْعَسُ [לא ינום: لَا يَنُوم] وَلَا يَنَامُ [ולא יישן: وَلَا يِيشَن] حَافِظُ إسْرَائِيلَ“.
وأَوضَحُ من ذلك قولُ الرسول -ﷺ-: “قِيلَ لبني إسرائيلَ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} (البقرة/ 58) فبدَّلوا، فدخَلوا يزحَفون على أَسْتاهِهم، وَقالوا: حَبَّةٌ في شَعْرَةِ“.
رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا)، (ح/ 4479) ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، (ح/ 3015).
وما قاله الشُّراح صحيحُ مآلا، فإنّ بني إسرائيَل قيل لهم قولوا (حِطَّة) وبالعبرية (חטאה) [حيطا] بمعنى خطيئة، أي إنّنا نعترف بخطيئتنا، فاغفرها لنا أي حُطّها عنّا؛ فبدلوا ذلك استهتارًا إلى (חטה) [حطّا] بمعنى حِنطة.
اِسم النبي إلياس -عليه السلام- في الأصل التوراتي العبري هو: (אליהו) [إيلياهو]، وهو بمعنى: الله (إيل) ربّي. وقد جاء ذِكرُ النبي إلياس -عليه السلام- في ثلاثِ آياتِ في القرآن.
في مرتين باسم (إلياس):
{وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} (الأنعام/ 85).
{وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (الصافات/ 123).
وفي الثالثة باسم (إل ياسين):
{سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} (الصافات/130).
وقد تحيّر عامةُ المفسّرين في سبب كتابة اسم إلياس على صورة (إل ياسين). وهنا يَلفِت الباحثُ رؤوف أبو سعدة نظرَنا إلى مَلمَح لُغوي دقيق لا يُدركه غيرُ أهل اللسان العبري. قال -رحمه الله-:
“والذي يستوقف النظرَ هو رسمُ المصحف لهذا الاسم في صورته الثالثة المزيدة بالياء والنون، فقد وقعت في الرسم مُقطَّعةً: {إِلْ يَاسِينَ}، لا مجموعةً: إلياسين. والرأيُ عندي أنّ هذا التقطيع مرادٌ من الكاتب بتوقيفٍ من النبي -ﷺ-، إشارةً إلى أنّ الألف واللام البادئتين في هذا الاسم ليستا هما أداة التعريف العربية، وإنّما هما اسمُ الله عزّ وجلّ “إلْ” العبرانية -والتي نطق بها العربُ أيضًا على ما مرّ بك- كي لا يُتوهَّم أنّ اسم “إلياس” من “اليأس” سُهِّلت همزتُه، أو نحو ذلك. وهذا يدلّك على علم النبوّة بفقه تركيب هذا الاسم العبراني الذي لم يَفُتِ الصادقَ المصدوق -ﷺ-“.
رؤوف أبو سعدة، من إعجاز القرآن: العلم الأعجمي في القرآن مفسّرًا بالقرآن (القاهرة: دار الهلال)، 2: 167-168.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة/ 104).
{مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء / 46).
لم يُشِر أحدٌ من المفسّرين الذين قالوا بأعجمية {رَاعِنَا} -بِلَيّ اللسان- إلى معناها الحقيقي في العبرية. والكلمةُ هي (רענו) وتُنطَق “رَعينو”، وتعنى: شَرَّنا. فإذا لوى اليهودُ ألسنتهم، بدت كأنّها “راعنا” بمعنى: راقبْنا وانظُرْنا.
ث. الإشكال في فهم إحالة القرآن إلى الكتاب المقدس
قال تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} (الصافات/ 123-126).
ويُخبِرنا الكتابُ المقدس أنّ إيليا كان ينهى قومَه عن عبادة الإله “بعل” [בעל] بعد أن أَدخَل اليهودُ عبادتَه ضِمنَ شعائرهم بسبب أنّ زوجة آخاب الملك الإسرائيلي كانت تعبُد البعلَ.
ج. الإشكال في فهم الإحالة إلى تراثٍ خارج الكتاب المقدس
جاء في (الجمعة/ 5): {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. فقد اتّجهت عامةُ التفاسير إلى أنّ القرآن قد شبّه اليهود بالحمير، وذلك لأنّهم يحملون علومًا لم يستفيدوا منها.
والحقيقة هي أنّ القرآن نقَل تراثًا يهوديًّا يضمّ تشبيه اليهود بالحمير، ثم حوّله إلى إدانة لليهود؛ فإنّ القرآن يشير -بخفاء- إلى ما جاء في Sifrei Devarim الفصل 343، الفقرة 7 (والكتاب أُلّف في القرن الثاني):
يبدأ الكتابُ اليهودي بعبارة “مِشِل” (משל) أي مثل العربيّة. ويزعم أنّ بني إسرائيل حُمّلوا الشرائع التي في التوراة، فحَمَلوها، على خلاف بقية الأمم (أبناء نوح) الذين حُمّلوا الو الوصايا السبعَ، فلم يَحمِلوها. فجاء النقدُ القرآني ببيان أنّ اليهود كالحَمير، لا في الصبر على تحمّل الأعباء، وإنّما في أنّهم حَمَلوها ولم يتحمّلوها، إذ خانوا الأمانةَ الإلهية…
ح. عدم العلم بمحل الإحالة إلى الزبور
قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء/ 105).
فَهِم كثيرٌ من المفسّرين من هذه الآية أنّ القرآنَ يُشير إلى أنّ زبورَ داودَ -عليه السلام- تضمّنَ حكمًا إلهيَّا قَدَريًّا بأنّ الأرضَ يرثها عبادُ الله الصالحون. وزَبورُ داود، في تراثِ اليهودِ والنصارى، هو مزاميره (وإن أصابها التحريف).
والنص وارد في المزمور 37: 29: (צדיקים יירשו-ארץ). وفي هذا العجز دلالةٌ على أنّ تصفّحَ الكتابِ المقدّس، لاستخراجٍ نصوص بعينها، لم يكن يسيرًا إلا لأهله، بل كان عسيرًا على العامّةِ والخاصّةِ من خارج تلك الدائرة.
خ. عدم العلم بالتعقيب القرآني على التراث اليهودي المشنوي
لم ينتبه المفسّرون إلى موضعٍ في تراثِ اليهود، يتعلّقُ بالإحالةِ القرآنية في قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة/ 32). فرغم أنّهم فقهوا دلالةَ الحكمِ، إلا أنّهم لم يُدركوا موضعَ وروده في التراثِ اليهودي المتاح في القرن السابع، كما لم يتبيّن لهم أنَّ القرآنَ هنا يُوبّخ اليهودَ على نزعتِهم العنصريّة.
فالآية تُحيل إلى تراثٍ توراتيّ حُرِّف لاحقًا في التقليدِ الشفهيّ، المُدوَّن في المِشناه والتلمود. ففي نصّ مشناه سنهدرين (Sanhedrin 4:5) -في قراءته الأوثق- ورد، بعد ذكر مقتل هابيل على يد قابيل، ما يلي:
“لِيُعلِّمكَ أنّ مَن أَهْلَكَ نفسًا واحدة من إسرائيل فكأنّما أهلَكَ العالم بأسره، ومن أحيا نفسًا واحدة من إسرائيل فكأنما أحيا العالم بأسره“.
فالقرآن هنا يُخبر عن هذا التراث، ويصحّح لليهود ما جاء في كثير من نسخ المشنا من أنّ الحكم الإلهي متعلّق بمن أهلك أَي نفس، لا نفس أبناء إسرائيل وحدهم.
بعض مخطوطات المشنا والتلمود تحذف كلمة “من إسرائيل”، لكنّ أوثق المخطوطات تضيفها، ولذلك هي موجودة في أفضل طبعات المشنا والتلمود، مثل:
Herbert Danby, The Mishnah: Translated from the Hebrew with Introduction and Brief Explanatory Notes (London: Oxford University Press, 1933), 388; Jacob Neusner, The Talmud of Babylonia: An Academic Commentary, vol. 23 (Atlanta, GA: Scholars Press, 1996), 183.
ع. عدم العلم بأهم أوجُه النزاع العقدي المعاصر للبَعثة
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (المائدة/ 116).
أدرك عامةُ المفسّرين أنّ تأليه مريم لا يُقصد به أنّ النصارى اعتقدوا أزليّتها أو أنّها خالقة، وإنما تأليهها لازم لمذهبهم.
“من الناحية البلاغية، لا يمكن اعتبار هذه الآية دليلا على أن القرآن يفترض أن مريم، والدة يسوع، هي أحد أعضاء الثالوث المسيحي. بل إن سؤال الله لعيسى يُبرِز بوضوح ما يراه القرآن نتيجةً عبثية للإيمان المسيحي بأن يسوع هو ابن الله، وهي أن مريم، والدته، يجب أن تكون بطريقةٍ ما إلهية أيضًا. وفي الواقع، تستحضر هذه الآيةُ الجدلَ اللاهوتي الذي كان قائمًا آنذاك بين المسيحيين اليعاقبة والنساطرة، الذين كانوا يتحدثون السُّريانية/الآرامية في بيئة القرآن، حول مدى صحة ودقة لقب “ثيئوتوكوس” (والدة الإله) الذي أُطلق على مريم. رفَض النساطرة هذا اللقب للسبب نفسِه الذي يرفضه القرآن في هذه الآية، إذ يبدو أنّه يُغالي في الأم الإنسيّة لعيسى. أمّا اليعاقبة، وعلى العكس من ذلك، فقد أيّدوا شرعيةَ وأرثوذكسية هذا اللقب لمريم، لأنهم رأَوا فيه حمايةً لتأكيد مَجمع نيقية على الألوهية الكاملة ليسوع الناصري باعتبار أنه “مساوٍ في الجوهر” (homoousios) لله الآب. كانت هذه المسألةُ في صميم الخلافات الكريستولوجية المطوّلة التي قسّمت الكنيسة وأثارت الجدلَ بين المسيحيين في القرنَين السادس والسابع. وهنا، كما في مواضع أخرى، يبدو القرآنُ على درايةٍ تامة بهذه القضايا الدقيقة” [Sidney H. Griffith, The Bible in Arabic, 35].
لا أعرف اليومَ ناقدًا واحدًا على وجه الأرض يحمل معرفةً كتلك التي يشترطها المستشرقون في “صاحب” القرآن؛ فهي تشمل: الكتابَ المقدس، والتَّلْمُودَ، والمِدْراشات، والتَّرْجُومات، والأبوكريفا، وكتابات القانون الكنسي، وكتابات الآباء السُّريان، والكتابات الرؤيويةَ اليهودية والنصرانية.
الفصل الثاني: إعجاز القران في نقد الأديان
وهو نقدٌ على طبقتين: طبقةٍ ظاهرة مباشرة سهلةِ الإدراك، وهي بالأساس التي تمسّ العقيدة، مما يحتاج إليه عاجلا كلُّ قارئ للقرآن لتعلّقه بمسائل الإيمان والكفر، وطبقةٍ أخرى فيها شيء من الخفاء ممّا لا يدركه إلاّ أهلُ النظر.
ونقصد بعبارة “نقد” مخالفةً ما جاء في تراث أهل الكتاب، تصريحًا بالمعارضة أو عرضًا لمقولاتٍ مخالفة لما جاء في هذا التراث في المواضيع المشتركة. وهي مسائلُ تدلّ بمجموعها على ربّانيّة القرآن؛ فإنّ العلم بها أو الوصولَ إليها -مجموعةً- متعذِّر على شخصٍ محمّد -ﷺ-، بل لا سبيل إلى أن يعلمها -مجتمعةً- أحدٌ في ذاك العصر من أقصى الأرض إلى أدناها، لتأخّر العلم بصدق كثير منها قرونًا عن ذلك.
فاحرص على أن تنخلع من بيئتك التي يحكَمها طريقُ طلب المعرفة من خلال الشبكة العنكبوتية والذكاء الاصطناعي، وفكر كما يفكر أهل الحجاز في القرن السابع؛ حتّى تدرك عمقَ الإعجاز القرآني.
المبحث الأول: القرآن والتراث اليهودي النصراني والحقائق الدينية
يمثّل الإسلامُ -من زاويةِ تاريخية- ثورةً على عقائد القرن السابع في جزيرة العرب وما حولها، حيث جاء ليواجه التصوراتِ الدينية السائدة آنذاك.
ومن منظور القول ببشرية القرآن، يلزَمنا أن نعتقد أنّ رسالة القرآن وليدةُ عصرها وفرعٌ عن بيئتها -وإن واجهَت البيئةَ بالنقد-، خاصةً أنّ القرآن لم يقطع الصلة تمامًا بميراث أهل الكتاب، بل كان في آن واحد امتدادًا له وثورةً عليه.
نكيرُ الوثنيين على الرسول -ﷺ- تقريرَه للتوحيد: {وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص/ 4-5).
ولا يقتصر التميّز القرآني في شأن التوحيد في مخالفة السائد بحسم، وإنّما جمع الخطاب العقدي القرآني بين اللاهوت التقريري واللاهوت الطبيعي؛ فاللاهوتُ التقريري متعلّقٌ ببيان التصوّرات الدينية، واللاهوتُ الطبيعي خاصُّ بالدّفاع عن هذه العقائد بالدلائل العقلية؛ بالاستدلال بالطبيعة لبيان وجود الله سبحانه، ووَحدانيتِه وكمال صفته.
من الخطأ القول إنّ القرآن لم يذكر دلائل وجود الله؛ فإنّ دعوة القرآن المشركين إلى عبادة الإله الواحد قائمة على دلالة الفطرة والعقل والعالم على أنّ للكون ربّا وإلهًا، وأنّه واحد.
ومن دلائل عظمة النص القرآني وأثرِه في النقد الكتابي اللاهوتي والتاريخي، أثره في النصارى أنفسهم في حوارهم مع اليهود، حتّى قال المؤرّخ اليهودي الألماني يتسحاق باير -المتخصصُ في تاريخ يهود إسبانيا في العصور الوسطى-: “اعتمدَ كلٌّ من اللاهوتيين والمجادلين النصارى بصورة واسعة -كما يبدو- على كتابات العالِم المحمدي [المسلم] ابن حزم التي أُلِّفَت في القرن الحاديَ عشَرَ للردّ على اليهود“
يتسحاق باير (Yitzhak Baer) (1888م – 1980م): مؤرخ يهودي ألماني. درّس التاريخ الوسيط في الجامعة العبرية. من مؤلفاته: “History of Jews in Christian Spain“.
Yitzhak Baer, History of the Jews in Christian Spain (Philadelphia: Jewish Publication Society of America, 1967), 1/281.
وقد انتقد القرآنُ ضلالَ اليهودية والنصرانية في أنسنة الله؛ ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} (ق/ 38). وهو تقريرٌ في نقض دعوى سفر التكوين 2: 3: “وفي اليوم السابع أتم الله عملَه الذي قام به، فاستراح فيه من جميع ما عمِله“. ثم إنّه قد جاء في سفر الخروج 23: 12 ما يوضح الكلمتين السابقتين: “اعمل ستةَ أيام فقط، وفي اليوم السابع تستريح [من جذر (שבת)] لكي يستريح [من جذر (נוח)] أيضًا ثَورُك وحمارك“. كما أنّ نصّ الخروج 31: 17 قد أردف الحديث عن استراحة الربّ، بقوله “وتنفّس” (וינפש) أي استرَدّ أنفاسَه بعد الجهد الشاق.
كما شعر اليهود بالحرج من دلالةِ الدعوى التوراتيّةِ نفسها، فحرّف سعديا جاؤون، في الترجمةِ العربيّةِ الشهيرةِ للتوراة، نصَّ سفر الخروج (31: 17)، فنقله إلى العربية بالحرف “العبري” “(ובשביעי בטלה ונאחת) (وبالسابع بطلت وناحت)”، أي: “عطّلها وأراحها”، جاعلا الراحةَ متعلّقةً بالسمواتِ والأرض، لا بإله التوراة.
سعديا بن يوسف جاؤون الفيومي (268هـ/ 882م – 330 هـ/ 942م): حبر يهودي شهير، ولد في مصر. من أبرز علماء الدين والأدب العبري في عصره.
Sa’adia ben Joseph, Euvres Compl tes de r. Saadia ben Iosef al-Fayyo mi: Version Arabe du Pentateuque (Paris: E. Leroux, 1893), 127.
كما يَظهَر التعقيبُ القرآني العقدي أيضًا في قوله تعالى في خبر لوط عليه السلام: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} (هود/ 77). وهنا فارَقَ القرآنُ رِوايةَ التوراة التي تذكُر أنّ الإله نفسَه قد زار لوطًا! وهي القضيّةُ التي أحرجتِ اليهودَ أنفسَهم؛ فحرّفوا خبرَ التوراة لاحقًا من خلال المِدْراشات والتَّرْجُومات.
يقول رينولدز: “يشير سِفرُ التكوين إلى أنّ الله نفسَه هو مَن ظهَر لإبراهيم، بينما القرآنُ يتحدّث فقط عن رُسُلٍ أو ضُيوف. كما يذكُر سفرُ التكوين (18: 8) أنّ هؤلاء الزوّارَ أكلوا الطعام الذي أعدّته سارةُ لهم، بينما يذكر القرآنُ (الآية 70) أنّهم لم يأكلوا. وفي هذا، يتّبع القرآنُ الأسلوبَ الذي تقرأ به المصادرُ اليهودية والمسيحية هذه القصةَ. ويذكر يوستينوس الشهيدُ (الحوار مع تريفو، الفصل 75) أن هؤلاء الزوارَ كانوا ملائكةً، وكذلك أفرام (التعليق على سفر التكوين، 15/ 5). ويوافق مِدْراش تكوين ربّا (48/ 9) على أنّ الزوارَ كانوا ملائكةً، ويضيف أنهم فقط تظاهروا بالأكل (وذلك للتكيف مع العادات البشرية، 48/ 14). ويذكر تُرْجُوم نيوفيتي على سفر التكوين 18: 8: بدَوا كأنهم يأكلون ويشربون“.
Reynolds, The Qur’an and the Bible, 354.
ومن أوجُه النقد القرآني للنصرانية اللافتة للنظر، قولُه تعالى: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} (التوبة/ 30). وعامةُ الباحثين متفقون اليوم على أثرِ عقائد الذين كفروا من قبل، خاصةً الوثنيين، في لاهوت النصارى، وهو ما صوّره إ. ماير بقوله: “كان انتصارُ المسيحية على الديانات التي كانت تنافسها في الواقع […] إلى حد أكبرَ انتصارًا للوثنية على المسيحية“.
إدوارد ماير (Eduard Meyer) (1855م – 1930م): مؤرخ ألماني، له عناية بالتاريخ الإسلامي المبكر ونشأة الإسلام وعلاقته بالحضارات الأخرى.
E. Meyer, Ursprung und Anf nge des Christentums, vol. 2, cited in S. M. Stern, “‘Abd al-Jabbār’s Account of How Christ’s Religion Was Falsified by the Adoption of Roman Customs,” The Journal of Theological Studies 19, no. 1 (April 1968): 128.
قال النّاقد الكتابيّ والقسّيس السّابق توم هاربر: “يتفق جميعُ العلماءِ -باستثناءِ أَشدِّهم محافظةً- على أنّه -في أدنى الأحوال- قد تم دَسُّ الجزءِ الأخير من هذا الأمر [الصّادر على لسان المسيح] لاحقًا“.
توم هاربر (Tom Harpur) (1929م – 2017م): لاهوتي كندي. أستاذ العهد الجديد في جامعة تورنتو.
“All but the most conservative scholars agree that at least the latter part of this command was inserted later“
Tom Harpur, For Christ’s Sake (McClelland & Stewart, 2011), 102.
وقريبٌ من ذلك قولُ هاري ولفسون: “ترفضُ الدّراسات النّقدية بشكلٍ عامِّ النّسبةَ التّقليديّة لصيغة المعموديّة الثلاثيّة إلى يسوع وتَعُدُّها من أصلٍ لاحقٍ. وممّا لا شكَّ فيه أنّ صيغةَ المعموديّةِ تتكوَّنُ في الأصل من جزءٍ واحدٍ وتطوّرَتْ تدريجيًّا إلى شكلِها الثلاثيّ“.
Harry Austryn Wolfson, The Philosophy of the Church Fathers: Faith, Trinity, Incarnation (Harvard University Press, Cambridge, 1956), 143.
وهو إجماعٌ نقلَه أيضًا “معجم أنكور للكتاب المقدّس“: “لم يَتِمَّ حَلُّ اللغز التاريخيّ بوساطة (متى 28: 19)؛ فوفقًا للإجماع الواسع للعلماء، ليس هذا النصُّ قولا صحيحَ النسبة إلى يسوع، ولا حتى شرحًا لقول يسوعَ عن المعموديّةِ“.
“The historical riddle is not solved by Matthew 28:19, since, according to a wide scholarly consensus, it is not an authentic saying of Jesus, not even an elaboration of a Jesus-saying on baptism“
The Anchor Bible Dictionary, 1992, 1/585.
“وَهَكَذَا شَتَّتَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ كُلِّهَا، فَكَفُّوا عَنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ، لِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ (بَابِلَ) لأَنَّ الرَّبَّ بَلْبَلَ لِسَانَ أَهْلِ كُلِّ الأَرْضِ، وَبِالتَّالِي، شَتَّتَهُمْ مِنْ هُنَاكَ فِي أَرْجَاءِ الأَرْضِ كُلِّهَا“. (تكوين 11: 1-9).
تقع مدينةُ بابلَ القديمةُ على نهر الفُرات، 50 ميلًا من بغداد. واسمها السومري القديم: “ك-دِمِرا”، بالمعنى الذي فهمه السومريون: “بوابة الإله”، ثم انتقل الاسم إلى الأكادية: “باب إلِ” بالمعنى السابق نفسه.
Nahum M. Sarna, Genesis: The Traditional Hebrew Text with the New JPS Translation, 74.
ثم دلّت النقوش على أنّ الاسم تطوَّر ليغدو “باب الآلهة”: “باب إلانو”، وباليونانية: (Βαβυλών) (باب الآلهة).. وصار الاسم يُكتَب في العبرية: (בבל) (بابل).
وما جاء في سفر التكوين من ردِّ اسم “بابل” إلى أنّ الربّ خشِي من قوّة الناس لمّا كانت لغتُهم واحدةً أن يتّحدوا، فبلبل ألسنتهم؛ ولذلك تعدّدت بذلك لغاتُهم، مما أضعف قوتَهم ومنَع إمكانَ اتحادهم للمكر به؛ فأصلُه ردُّ اسم مدينة (بابل) إلى فعل بَلْبَلَ (בלל) (بَلبِلْ).
وهاهنا تصوُّرٌ شنيع للخالق -سبحانه-؛ وقد أجمع النقاد على خطأ مؤلف سِفر التكوين فيما ادّعاه في أصل تسمية “بابل”؛ حتى كتَب الناقد كلوس وسترمان تعليقَه الغاضب والساخر:
“دعوى أنّ المدينة التي على نهر الفرات يُفسَّر اسمُها عن طريق الفعل العبري (בלל) [بلل]، الذي لا يشابه اسمَ بابل إلا قليلا، مؤشرٌ على المستوى الثقافي الذي ظهرت فيه هذه (الإتيمولوجيات الشعبية) للهواة [Amateurish “popular etymologies“.]. وهي متكررة في الطبقات الأولى من العهد القديم… لقد فهِم البابليون اسمَ بابل بمعنى: (بوابة الإله). وكان العبرانيون يحبون افتراضَ أنّ الكلمة بمعنى (مختلط، مرتبك). وهنا، كما هو الحال في العهد القديم، من الواضح أنّ تحليل أصل الكلمة المعروضة شعبيٌ -تفسير الاسم بالاستناد إلى كلمة لها الصوتُ نفسُه- وليس تحليلا علميًّا لأصل اللفظ“.
كلوس وسترمان (Claus Westermann) (1909م – 2000م): ناقد كتابي ألماني. أحد أهم العلماء المتخصصين في العهد القديم في القرن العشرين. درّس في Heidelberg University.
C. Westermann, A Continental Commentary: Genesis 1-11 (Minneapolis: Fortress Press, 1944), 553-554.
أمّا القرآنُ الكريم، فلا يتابع الكتابَ المقدّس في شيء ممّا سبق، وإنّما يسوق أمرَ تعدد لغات الناس سَوقَ المنّ على البشر وإظهار فضل الله عليهم؛ بما ينفي بصورةٍ تامة التفسيرَ التوراتي الوثني؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} (الروم/22).
الإجابة يقدّمها بارت إيرمان، أحد النقّاد البارزين المعتنين بمبحث “البحث عن يسوع التاريخي“؛ إذ يلخص ما انتهى إليه النقّاد منذ الموجة العلمية الأولى لهذا المبحث (ونحن اليوم نعيش الموجة الثالثة، وبداية الرابعة)، بقوله: “لأكثر من قرن حتى الآن، منذ نشر العمل البارز لألبرت شفايتزر (البحث عن يسوع التاريخي)، فهَم غالبية النّقّاد في أوروبا وأمريكا الشمالية يسوع على أنه نبي يهودي رؤيوي“.
البحث عن يسوع التاريخي (The Quest for the Historical Jesus): تيار أكاديمي يهتم بدراسة الشخصية التاريخية لعيسى عليه السلام اعتمادًا على البحث التاريخي وأدلّته المادية بعيدًا عن الاعتبارات الدينيّة الصرفة.
Bart D. Ehrman, Jesus, Interrupted: Revealing the Hidden Contradictions in the Bible (and Why We Don’t Know About Them) (New York: HarperOne, 2009), 156.
أبرَزُ مَلمَحٍ في النبوة القرآنية أنّها قد خُلُصَت من شوائب البوائق العقدية والرذائل الأخلاقية في التوراة، وردَّتْها إلى مفهوم اجتباء الصالحين للبلاغ عن ربّ العالمين، مع تصحيح تاريخ النبوة، وجوهرها.
داود النبي قد وقع في خسيس الفعل الأخلاقي بالتآمر على أوريا الحنّي -أحد قادة جيشه- للاستيلاء على زوجته، بعد أن رآها تغتسل عاريةً، فوضعه على رأس الجيش في المعركة ليُقاتِل فيُقتَل (2 صموئيل 11: 1-17)، وهذا هارون النبي وقع في الكفر بصناعة العجل ليعبده بنو إسرائيل (خروج 32: 4).
تصحيح تاريخ النبوة: من الأمور المغفول عنها في قراءة القرآن أنّ هذا الكتاب قد أعاد رسمَ تاريخ النبوة؛ إذ جعل آدمَ -عليه السلام- أوّلَ الأنبياء، وجعل النبوّةَ مرافقةً للبشرية، وذلك على خلاف التوراة التي لم تَعرِفِ النبوّةَ قبل إبراهيم -عليه السلام-.
علّق رينولدز على الفارق بين نوح القرآني ونوح التوراتي بقوله:
“من اللافت للنظر أنّه في القرآن الكريم، أصبحت شخصياتُ العهد القديم/ التوراة شديدة الاهتمام بالعقيدة السليمة. ففي حين أنّ نوحًا في العهد القديم لا يقول شيئًا على الإطلاق (حتى بعد الطوفان)، وفي العهد الجديد يقتصر دوره على كونه (كارزًا للبرّ) (2 رسالة بطرس 2: 5)، يصبح في القرآن داعيةً للاستقامة العقدية، يُعلن لقومه أنّه لا إله إلا الله (الآيات: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الأعراف/ 59)؛ {أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} (هود/ 26)؛ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (المؤمنون/ 23)؛ {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} (نوح/ 3))“.
Gabriel Reynolds, The Qur’an and the Bible, 13.
جوهر النبوة: النبوّة في القرآن جوهرها الدعوة إلى إفراد الله سبحانه بالعبادة؛ فلا معبودَ بحقٍّ غيرُه. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء/ 25). وأمّا في التوراة؛ فرغم إخبار إبراهيم ويعقوب وبنيه بأنّ الربّ واحدٌ؛ إلّا أنّ التوراة اليهوديّة جوهرُها الدفاع عن بني إسرائيل وإلههم القومي.
المبحث الثاني: القرآن والتراث اليهودي النصراني والأخبار التاريخية
عامةُ الأخبار الواردة في القرآن عن الشخصيات والأمم السالفة ورَد ذِكرها في تراث أهل الكتاب. والخلافُ بين الخبرَين ظاهرٌ -أساسًا- في أمرين اثنين: أوّلُهما: البعدُ العقدي والسُنني والأخلاقي للقصص، والثاني: الاختلافُ في التفاصيل زيادةً أو حذفًا أو مخالفةً.
وأوضح من ذلك في الدَّلالة على ربّانيّة القرآن، أمران آخران:
الأوّل: خلو القرآن من الأخطاء التاريخية رغم أنّ القرآن شارك الكتاب المقدس كثيرًا من القصص التي أثبت البحثُ الأثري المعاصر وجودَ أخطاء تاريخية في سرديتها التوراتية اليهودية.
انظر في الأخطاء التاريخية في التناخ: سامي عامري، براهين النبوة والرد على اعتراضات المستشرقين والمنصرين (الكويت: مركز رواسخ، 1445هـ/ 2024م)، ص 515-522.
ومما قيل في ذلك إقرار المستشرقين الفرنسيين الراهب ميشيل كوييرس وجونفييف غوبيلو أنّه “يجب الإقرار بأنّ كل من حاول حتى الآن الطعن في دقة المعلومات التاريخية التي يقدمها القرآن، قد وجد نفسه في موقف محرج. وسنذكر هنا مثالاً واحدًا فقط. فقد تم انتقاد القرآن طويلاً بسببِ ذِكره شخص السامِريّ (سورة طه) في زمن موسى، معتبرين ذلك خطأً تاريخيًّا بسبب ما اعتُبر مفارقةً زمنية. غير أن الاكتشافاتِ الحديثةَ للنصوص المحفوظة لدى السامريين أنفسهم كشفت أنهم يزعمون منذ أزمنة سحيقة أن أصولهم تعود إلى يشوع“.
جينيفييف غوبيلو (Genevi ve Gobillot) (1951م -…): مستشرقة فرنسية، تدرّس الحضارة العربية-الإسلامية في الجامعات الفرنسية. لها عناية بالمناهج النقدية لدراسة القرآن وعلاقة القرآن بالتراث اليهودي والنصراني.
Michel Cuypers and Genevi ve Gobillot, Id es re ues sur le Coran: entre tradition islamique et lecture moderne (Paris: Le Cavalier Bleu ditions, 2014), 118.
الثاني: تصحيح القرآنِ أخطاءَ الكتاب المقدس والكنيسة في مسائل عامتُها لم يُكشف إلا حديثًا.
مع ذلك لم تذكُر ادّعاءَ فِرعَون الألوهيةَ، ولا أنّ صدامًا عقديًّا بين موسى -عليه السلام- والفِرعَون قد حدَث في تأليه الفِرعَون نفسَه رغم أنّ التوراة تضم عامةَ المشاهد القصصية الواردة في القرآن لهذه القصة. لقد خالف القرآن هذه التوراةَ مخالفةً جوهرية في هذه القصة؛ إذ ذكر تأليه الفِرعَون نفسَه، وهو ما أثّر في قلب التفاصيل الكبرى للقصّة.
ويشهد علماءُ المصريات منذ فك شَفرةِ حَجَرِ رشيد وترجمة الكتابة الهيروغليفية التي كانت مجهولة في القرن السابع أنّ الفراعنة كانوا يدّعُون الألوهيةَ.
وكلُّ زيادة قرآنية على القصة التوراتية لا بدّ أن تطرح إشكالية عند القارئ اليومَ؛ لأنّها كانت تثير السامعين للآيات زمنَ البَعثة؛ فإنّ أسفار أهل الكتاب كانت “معيارًا” للتاريخ، وكانت مخالفتُها تحتاج إلى تسويغ.
كلّما ضاقت عليكم الحِيَلُ، افترضتم مساحةً معرفية أوسع للرسول -ﷺ-، حتى صار تحصيلُ هذه المعارف العظيمة والمتنوعة يحتاج إلى معجزة بحقّ. فانتهيتم بذلك إلى ما تحاولون إنكاره.
فإنّ التوراة تذكر أنّ “عدد نفوس بيت يعقوب التي قَدِمت إلى مصر (كانت) سبعين نفسًا” (تكوين 46: 27)، ثم أصبح العددُ -بعد 215 سنةً على رأي التوراة السبعينية [اليونانية]، أو 430 سنةً على رأي التوراة العبرانيّة (خروج 12: 40-41) – “شعبًا أعظم وأكثر” من المصريين -أصحاب أقوى وأعظم دولة في العالم في ذاك الوقت-.
ولما طُردوا من مصر كان من بينهم “نحو ستِّ مئةِ ألفِ ماش من الرجال، عدا الأولادَ، فكان جميعُ الأبكار الذكور، من ابن شهرٍ فصاعدًا، اثنين وعشرينَ ألفًا ومئتين وثلاثةٍ وسبعينَ” (خروج 12: 37، عدد 3: 43)!
وقد ردّ الإمامُ ابنُ حزم منذ قُرابةِ ألفِ سنةٍ على هذا الخطأ، وبيّن الإعجازَ القرآني في هذا الباب، بعد أن كشف بمنهجيته النقدية الصارمة خبْطَ التوراة ومبالغاتها الباطلة، وأضاف: “أين هذا الكَذِب البارد من الحق الواضح في قول الله تعالى حاكيًا عن فِرعَون إنه قال إذ تبع بني إسرائيل: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} (الشعراء/54). هذا الذي لا يجوز غيرُه ولا يمكن سواه أصلا“!
ابن حزم، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، الفصل في الملل والنحل (بيروت: دار الجيل، د.ت) 194/1.
لم يَرِد هذا الخبر المعجز في القرآن الكريم. وقد ألحقته بهذا الكتاب لتعلُّقه بتصحيح خطأ تراث أهل الكتاب، ولذكره أنّ لفِرعَون زوجة مؤمنة ممّا لم يرد في التوراة.
لم يَرِد في التوراة أنّ لفِرعَون زوجةً آمنت بالله الحق. وفي المقابل، جاء في القرآن أنّ لفِرعَون زوجةً مؤمنة: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (التحريم/ 11). وجاء في الحديث النبوي الشريف أنّ اسمها “آسِيَةُ”. قال الرسول -ﷺ-: “كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرعَونَ، وَمَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْل الشَّريدِ عَلَى سَائِر الطَّعَام“.
رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللّه تعالى {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} (ح/ 3411).
أَشكَلت بعضُ أخبار التوراة على الشرّاح قديمًا، لأنّ الخبر التوراتي فيها غيرُ سائغ؛ ومن ذلك أنّ العزيز (في القرآن)، واسمه في التوراة “فوطيفار” (פוטיפר) قد سجَنَ يُوسُفَ ولم يعاقبه بعقوبة شديدة من جنس عقوبات المغتصب أو المتحرّش بزوجة السيد، كالقتل. وفي هذا يفارق القرآنُ خبرَ التوراة؛ إذ يذكر القرآنُ علمَ العزيز ببراءة يُوسُفَ -عليه السلام-؛ ولذلك كانت العقوبةُ مخفّفةً؛ غايتُها دفعُ الرِّيبة عن زوجته لا النكايةُ في يُوسُفَ -عليه السلام-.
9. وفاةً أمّ يُوسُف عليه السلام
ولكنّ راحيل، أُمّ يُوسُفَ -عليه السلام-، ماتت مبكرًا (تكوين 35: 19). وهو ما شكّل معضلةً للشرّاح اليهود؛ إذ إنّ الرؤيا فيها أنّ الأمّ (القمر) ستسجد ليُوسُفَ -عليه السلام- في حياتها وحياته.
10. دعوة المسيح مقصورة على بني إسرائيل
حصْرُ القرآن والسنّة دعوةَ عيسى -عليه السلام- في بني إسرائيل أمرٌ صادم، ومستفزٌ للذهن بصورة بالغة، لأنّه قد استقرّ القول في القرن السابع إنّ عيسى -عليه السلام- قد أُرسل إلى جميع الأمم.
يقول الباحث المحافظ القسيس مايكل بيرد في مقدمة كتابه “يسوع وأصول البعثة إلى الأمم“:
“تُعتبر مشكلة يسوع والأمم (=غير اليهود) مسألة محيّرة لدارسي أصول المسيحية… باختصار، ما موقف يسوع في شأن خلاص الأمم؟ وإلى أي مدى كانت آراؤه دافعًا لظهور مهمة دعوة الأمم لاحقًا؟ هل وافق يسوع أو ألمح إلى رسالة مستقبلية موجّهة إلى الأمم؟ الإجماع الحالي في دراسات يسوع التاريخي من المرجح أن يكون النفي“.
مايكل ف. بيرد (Michael F. Bird) (1974م-…): باحث أسترالي بارز، متخصص في دراسات العهد الجديد ولاهوتي. محاضر في اللاهوت والعهد الجديد في كلية ريدلي في ملبورن، أستراليا.
Michael F. Bird, Jesus and the Origins of the Gentile Mission (London: T & T Clark, 2006), 3.
وهاهنا ينكشف أمران، أولهما أنّنا أمام مسألة تاريخيّة عويصة، تحتاج دقّة نظر من أهل التخصّص أنفسهم، وثانيهما أنّ القرآن موافق لما انتهى إليه عامة الأكاديميين الغربيين المتخصصين في البحث عن القصّة الحقيقيّة لعيسى -عليه السلام-.
11. دعوة المسيح عليه السلام إلى اتباع التوراة
قال عيسى -عليه السلام- في القرآن: {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (آل عمران/ 50)؛ فهو لم يقطع الصلة بالتوراة، وإنّما نهَج معها نهجًا جديدًا يقوم على المتابعة مع التخفُّف من بعض أحكامها.
12. الاختلاف في صلب المسيح عليه السلام
قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (النساء/ 157).
كانت الكنيسةُ النيقوية مهيمنةً على المناطق النصرانية المتاخمة للحجاز، ولم يشتهر في تلك البيئة مذهبٌ ينكر صَلبَ المسيح، ولكن جاء في القرآن أنّ المنسوبين إلى اتّباع المسيح قد اختلفوا في صَلبه.
وقد شهِد النّاقِدُ دنيس إريك نينهام لذلك بقوله: “في الوقتِ الذي كُتِبَ فيه الإنجيلُ الرّابعُ [إنجيل يوحنا] (100م- 125م) كان الادّعاءُ بأنّ سِمعان قد حَلَّ محَلَّ يسوعَ وصُلِبَ بدلاً عنه، لا يزالُ ساريًا في الدّوائر الغُنُوصيَّةِ التي كانت لها الشُّهرةُ فيما بعد“.
دينيس إريك نينهام (Dennis Eric Nineham) (1921م – 2016م): عالم لاهوت ومتخصص في دراسات العهد الجديد، إنجليزي. عمل أستاذا في عدد من الجامعات البريطانية.
D. E. Nineham, Saint Mark (Penguin Books, 1969), 422.
وكان إيرينيئوس قد ذكر في نهاية القرن الثاني أنَّ الباسيليديّين الهراطقةَ يؤمنون أنّ المسيحَ “ظهَر على الأرضِ كإنسانٍ… وصنعَ المعجزاتِ. لذلك لم يُعانِ هو نفسُه من الموت، ولكنّ سِمعان الرّجلَ القيرواني أُكْرِهَ على حَمْلِ الصِّلِيبِ عِوَضًا عنه، وقد صار على صُورة المسيح بواسطته، حتى يُعتقَدَ أنّه يسوعُ، وأنّه قد صُلِبَ بسبب الجهل أو خطأً، في حين أَخذَ يسوعُ نفسُه صورةَ سِمعان، ووقَفَ جانبًا، يضحَكُ عليهم” [Against Heresies 1.24.4].
وقد اكتُشِفَتْ في نَجْع حمّادي في مصر سنةَ 1945م مجموعةُ كتاباتٍ دينيّة لفِرَق نصرانيّة مهرطقة، منها رؤيا بُطْرس التي وُجِدت في مخطوطة تعود إلى القرن الرابع، ويُقال إنَّ نَصَّها يَرجِع إلى نهاية القرن الثاني أو بداية الثالث.
Richard Bauckham, The Christian World Around the New Testament (Mohr Siebeck, 2017), 576.
وقد جاء في سِفر رؤيا بطرس: “قال لي المخلِّص: الذي رَأَيْتَهُ على الشَّجَرةِ سعيدًا ويضحَكُ، هذا هو يسوعُ الحَيُّ، ولكنَّ هذا الشَّخْصَ الّذي يَضَعُون المسامِيرَ في لَحْم يَدَيْهِ وقَدَمَيْهِ، هو البديلُ الذي أُصِيبَ بِالخِزْي“.
James Robinson, ed. The Nag Hammadi Library in English (Leiden: Brill, 1996), 377.
“كان شخصًا آخر… الذي شَرِبَ المرارةَ والخَلّ، لم يكن أنا… كان آخَرَ، سِمعان الذي حَمَلَ الصَّلِيْبَ فوقَ كَتِفِهِ…. وكنتُ أنا مُبتَهجًا في العُلا… أَضْحَكُ من جَهْلِهم“.
Birger A. Pearson, Ancient Gnosticism: Traditions and Literature (Augsburg Fortress Publishers, 2007), 365.
يطرح الاتفاق بين القرآن والعهد الجديد حول الميلاد العذري المعجز لعيسى -عليه السلام- إشكالية تتعلّق بغياب ذكر سبب عدم رجم مريم -عليها السلام- من قبل اليهود، وفقًا لحكم التوراة.
وقد قدّم القرآن تفسيرًا لعدم إقامة حكم الرجم على مريم -عليها السلام-، يتمثل في كلام المسيح -عليه السلام- في المهد، شاهدًا لأمّه بالعفّة، ومبيّنًا أن الحمل كان آية من اللّه لا نتيجة علاقة محرّمة.
وممّا يعزّز ذلك ما ورد في الفصل الثامن من إنجيل يوحنا، حيث حاول بعض اليهود أن يوقعوا المسيح في الحرج حين طلبوا منه الحكم على امرأة زانية. فإن أفتى برجمها، ورّطوه مع الرومان، لدعوته لقتل امرأة دون إذن منهم، وإن رفض، بدَا كأنه يردّ حكم التوراة أمام اليهود.
قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (الحديد/ 27).
لكنَّ القرآن الكريم يصرّح بما لا يتوقعه العربي في ذلك الإطار الزماني والمكاني؛ إذ يقرّر أنّ الرهبنة مسلك دخيل على النصرانيّة ابتدعه قوم ظنوا فيه الصلاحَ والتهذيب للنفس، وقد آلَ أمرُ هذه الرهبنةِ إلى الفساد!
قال الإمام ابن كثير: “وقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذمٌ لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قُربة يقربهم إلى الله عز وجل“. [تفسير القرآن العظيم، 2290/4.]
وقد صرَّحت ليزبيث س. فرايد في كتابها “عزرا والشريعة في التاريخ والتراث” بقولها:
“لقد مال علماء الكتاب المقدس المعاصرون إلى إسناد تأسيس اليهودية إلى عزرا، حيث ذهب بعضهم إلى حدّ القول بأنّه لولا قيامُ عزرا بجلب التوراة إلى أورشليم، لمَا وُجدت اليهوديةُ أساسًا. ومع مرور الوقت، تلاشت نسبةُ تأليف التوراة إلى موسى تدريجيًّا، وحلَّت محَلَّها الفكرةُ القائلة بأن عزرا هو الذي وضع الصياغة النهائية للتوراة“.
Lisbeth S. Fried, Ezra and the Law in History and Tradition (South Carolina: University of South Carolina, 2014), 148.
{أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة/ 75).
{مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء / 46).
{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة/ 13).
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء / 82).
يُصرِّح القرآنُ أنّ القول المنسوب زورًا إلى الله سبحانه، لا بدّ أن يكتنفه الاختلافُ الشديد. وهذا التقرير قد أشاعه القرآنُ في بيئةٍ لم تَعرف بعدُ الدراسات النقديةَ للكتاب المقدس.
الفصل الثالث: القرآن والتراث اليهودي النصراني والحقائق العلمية
ظهَر القرآنُ في بيئةٍ يشهد جميع المؤرخين أنّها لم تكن مركزًا من مراكز البحث العلمي في الطبيعيات، بل لم يكن العصرُ أصلا عصرَ فُتوح علميّة.
وما خالف القرآن الكتاب المقدس في مسألة من المواضيع المشتركة بينهما، مثل مخالفته لها في هذا الباب.
اليوم كشف البحث العلمي كثرة الأخطاء في الرواية التوراتية. وهو أمر لا بدّ أن يستفزّ كلّ ذهن يقرأ بالتوازي القرآن والكتاب المقدّس.
ويظهر في كتابهم المقدس في رسالة بطرس الثانية 3: 5: “السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ (ἐξ ὕδατος καὶ δι’ ὕδατος)”.
العجيبُ هنا أنّ القرآن جاء مخالفًا الأسطورةَ القديمة مُبيّنًا أنّ السماء كانت دخانًا قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت/ 11).
استقرّ اليهود والنصارى زمنَ البَعثة النبوية على أنّ عمر الكون من عمر البشرية، وأنّ عمر البشرية حينها لا يتجاوز أربعةَ آلافِ سنةٍ أو ما قارب ذلك. وهذا إجماعٌ متيقَّن ظاهر في التَّلْمُود وكتابات آباء الكنيسة في قراءتهم لنصوص سِفر التكوين وقوائم الأنساب فيها.
لم تَرِد في القرآن إشارةٌ إلى سنّ البشرية، لكنْ دلّتِ السنّة على أنّ سنّ البشريّة أعظمُ بكثيرٍ من أوهام الكتاب المقدس، وهذا ما بيّنه الإمامُ ابنُ حزم في زمنِ تشرّبَ فيه الأخباريون المسلمون دعاوى النصارى.
“وأما اختلافُ الناس في التاريخ، فإن اليهود يقولون للدنيا أربعةُ آلافِ سنةٍ ونَيِّف. والنصارى يقولون للدنيا خمسةُ آلافِ سنةٍ. وأما نحن فلا قطع على عددٍ معروف عندنا. وأما مَن ادّعى فِي ذلك سبعةَ آلافِ سنةٍ أو أكثرَ أو أقلَّ، فقد كذَبَ، وقال ما لم يأتِ قطُّ عن رسول الله -ﷺ- فيه لفظةٌ تصحّ، بل صحَّ عنه -عليه السلام- خلافُه، بل نقطع على أن للدنيا أمرًا لا يعلمُه إلا الله -عزّ وجلّ-…. وقول رسول الله -ﷺ-: ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض“.
متفق عليه. لم أجد اللفظ كما عند ابن حزم. وألفاظ الحديث عند البخاري ومسلم دالة أيضًا على أنّ القصد عددُ أفراد الأمة مقارنةً بعدد البشر منذ آدم عليه السلام حتى آخر الحياة الدنيا؛ بما يدل على عمر البشريّة الطويل. جاء في روايةٍ عند البخاري: “أوّل من يُدعى يوم القيامة آدم. فتراءى ذريته. فيقال: هذا أبوكم آدم. فيقول: لبيك وسعديك! فيقول: أخرِج بعثَ جَهنم من ذريتك. فيقول: يا رب، كم أخرج؟ فيقول: أخرِج من كل مئة تسعةً وتسعين. فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مئة تسعة وتسعون؛ فماذا يبقى منا؟ قال: إنّ أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود” (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف الحشر، (ح/ 6164)).
هذا عنه -عليه السلام- ثابتٌ، وهو -عليه السلام- لا يقول إلا عين الحق، ولا يسامح بشيءٍ من الباطل. وهذه نسبةٌ مَن تدبَّرها، وعرف مقدارَ أعداد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، وأنّه الأكثر، علِم أن للدنيا عددًا لا يحصيه إلا الله الخالق تعالى.
وكذلك قولُه -ﷺ-: “بُعثت أنا والساعة كهاتَين“، وضمّ أصبعيه المقدستين السبابةَ والوسطى.
رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي -ﷺ- “بُعثت أنا والساعة كهاتين”، (ح/ 6138)، ورواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، (ح/ 5244).
وقد جاء النص بأنّ الساعة لا يعلم متى تكون إلا الله -عزّ وجلّ- لا أحد سواه. فصحّ أنه -عليه السلام- إنما عَنى شدةَ القُرب لا فضل طول الوسطى على السبابة، إذ لو أراد فضلَ ذلك، لأخِذت نسبةُ ما بين الأصبعين، ونسبةُ ذلك من طول الوسطى، فكان يُعلَم بذلك متى تقوم الساعة، وهذا باطلٌ.
وأيضًا فكأنْ تكون نسبتُه -عليه السلام- إيانا إلى مَن قبلِنا بأنه كالشَّعْرة في الثَّور كَذِبًا ومعاذَ الله من ذلك. فصحّ أنه -عليه السلام- إنما أراد شدةَ القرب، وله -عليه السلام- مذ بُعث أربعمائةُ عام ونَيَّف، واللهُ أعلم بمقدارِ ما بَقيَ من عمر الدنيا. فإذا كان هذا العددُ العظيم لا نسبةَ له عند ما سلف لقلته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهذا الذي قاله -عليه السلام- من أننا في مَن مضى كالشَّعْرة في الثَّور أو الرقمة في ذراع الحمار“.
ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، 1/ 325-326.
قال تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} (الحجر/ 14-15).
وفي تفسير (سُكِّرَتْ) -بتشديد الكاف- قال ابنُ عباس وقتادة: مُنِعَت عن رؤية الحقيقة من السُّكْر، بكسر السين وهو الشدُّ والحبس. وعن الضحاك: شُدَّت، وعن جوهر: جُدِعَت، وعن مجاهد: حُبِسَت، وعن الكلبي: عَمِيَت، وعن أبي عمرو: غُطَيَت، وعن قتادة: أَخِذَت، وعن أبي عبيد: غُشيت…
أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل (بيروت: دار الفكر، 1420هـ)، 170/6.
فالصعودُ في السماء يعقُبه كفُّ البصر فلا يرى شيئًا بسبب الظلام الكوني.
قال تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} (يس/ 37). “نَسْلَخُ” مَعْناهُ: نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ.
أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير (بيروت: دار الفكر، 1420هـ/ 2000م)، 66/9.
فالظلام مهيمن على الكون فوق القشرة المسلوخة من الضياء. قال الماوردي:
“قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} أيْ نُخُرِجُ مِنهُ النَّهارَ يَعْنِي ضَوْءَهُ، مَأْخُوذٌ مِن سَلْخِ الشّاةِ إذا خَرَجَتْ مِن جِلْدِها“.
الماوردي، النكت والعيون، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، 17/5.
قال تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الرعد/ 3). فالليلُ يَغشَى النهارَ أي يغطّيه؛ ففوق كلّ نهارٍ ليلٌ يغطّيه.
مزمور 136: 6: “الباسط الأرضَ فوق المياه، لأن رحمته إلى الأبد تدوم“.
جاء في الموسوعة اليهوديّة Encyclopedia Judaica: “كان هناك رأيٌ منتشر بصورةٍ واسعة، وهو أنّ دائرة الأرض على شكل صحنٍ يطفو على وجه العُمق: أي الماء، وأنّ الجبال تحت العُمق؛ وبذلك يستقرّ الكلّ على قاعدة صُلبة“.
Art. ‘Geography’, Encyclopedia Judaica, Fred Skolnik; Michael Berenbaum, eds. (Detroit: Thomson Gale, 2007), 7/489.
والناظرُ في القرآن يُفاجَأ بغيابِ تصريح القرآن باستقرار الأرض على الماء!
وفي ذلك دَلالةٌ على مبلغ عُمقِ تصوّرِ استقرار الأرض على الماء في الثقافة اليهودية-النصرانية المجاورة للجزيرة العربية.
أهمُّ النصوص الكتابيّة الدالة على أنّ للسماء أعمدةً ما جاء في سفر أيوب 26: 11: “مِن زَجْره ترتعش أعمدةُ السماء، وترتعد من تقريعه“.
يقول التعليقُ على الكتاب المقدس Eerdmans Commentary on the Bible: “أعمدةُ السماء في العدد 11 هي الجبالُ التي تَحمِل السماءَ“.
James D.G. Dunn and J.W. Rogerson eds. Eerdmans Commentary on the Bible (Michigan: W.B. Eerdmans, 2003), 348.
قال اللّه تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (الرعد/ 2).
وقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (لقمان/ 10).
وقد اختلف علماء الإسلام في أمر العَمَد في الآية، فذهب فريقٌ إلى نفي وجود أعمدة، وقال آخرون إنّ هناك أعمدةً غيرَ مرئية. [فسّر بعض المعاصرين هذا الوجه بالجاذبيّة].
والقولُ الأول أقربُ إلَى النص.
قال ابن كثير: “هذا هو اللّائق بالسياق، والظّاهرُ منْ قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (الحجّ/ 65)، فعلى هذا يكون قولُه: {تَرَوْنَهَا} تأْكيدًا لنفي ذلك، أيْ: هي مرفوعةٌ بغير عَمَدٍ كما ترونها، هذا هو الأكمل في القدرة“.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 427/4.
وعلى كلا الوجهين فالآيةُ تنفى أن تكون الجبالُ أعمدةً للسماء.
1 صموئيل 2: 8: “لأَنَّ لِلرَبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا الْمَسْكُونَةَ“.
2 صموئيل 22: 16: “فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ، وَانْكَشَفَتْ أَسُسُ الْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِ الرَّبِّ، مِنْ نَسْمَةِ رِيحِ أَنْفِهِ“.
أظهَر القرآنُ الكريم أنّ باطن الأرض يحمل طبيعةً مضطربة غيرَ ساكنة.
وَصَف القرآنُ الكريم الجبالَ بأنّها مثل الوتد. والوتدُ قطعةٌ من الخشب أو الحديد تَغرِز في الأرض لتشُدّ نفسَها، فتشُدّ الخيمةَ، ويكون جزؤها الأكبرُ مخفيًّا تحت الأرض.
يشهد العلم الحديث اليوم على دقّة التقريرين السابقين اللذين ما عُرفا إلا منذ بضعة عقود بعد دراسات جادة من العلماء المتخصصين!
See Z. R. El Naggar, The Geological Concept of Mountains in the Qur’an, (Cairo: Al-Falah Foundation, 1424/2003).
زغلول النجار، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، الأرض (بيروت: دار المعرفة، 1428هـ/ 2007م)، 201-215.
وصَف القرآنُ ما تحت القِشرة الأرضية بأنّ من طبعه المَيدَ. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} (الأنبياء / 31). ومادَ الشيءُ “يَمِيد مَيدًا: تحرّك ومالَ” [ابن منظور، لسان العرب، مادة: ميد].
وقال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} (الملك/ 16). والمَور: “مارَ الشيءُ يَمُور مَورًا: تَرَهْيَأَ أي تحرَّك وجاء وذهَب كما تتكفًّا النخلةُ العَيدانةُ” [ابن منظور، لسان العرب، مادة: مور].
7. دم الحيض ودوره في خلق الجنين
القرآن صريحٌ في أنّ العَلَقة ليست دمَ الحيض وإنما هي الطورُ التالي الذي تتحوّل إليه النطفة الأمشاج. قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} (المؤمنون/ 12-14)؛ فالعَلَقة تُخلَق من النُّطْفة، وعند أرسطو النُّطْفة مجرّدُ دم مجمَّد لمادة البناء، وهي دم الحيض.
وقد جاء في سِفّر الحكمة 7: 1-2: “وَفِي مُدَّةِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ صُنِعْتُ مِنَ الدَّمِ بِزَرْع الرَّجُل، وَاللَّذَّةِ الَّتِي تُصَاحِبُ النَّوْمَ” (ἐν αἵματι ἐπάγην σάρξ).
سفر الحكمة: يؤمن بقداسته النصارى الكاثوليك والنصارى الأرثوذكس، ويرفضه البروتستانت.
جاء في سِفر أيوب 10: 9-11: “اذْكُر أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطَّينِ، أَفْتُعِيدُنِي إِلَى التُّرَابِ؟ أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ، وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟ كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبِ“.
النقل السابق هو النصّ المفضَّل عند آباء الكنيسة لشرح تكوُّن الجنين،
See Ante Nicene Fathers, Buffalo: The Christian Literature Publishing Company, 1887, 3/538.
وقد لخّص الناقد نورمن هابل معناه بقوله: “شُكَّلَ الجنينُ من الطين، وصُبَّ المَنيُّ كالحليب، وجُمِّدَ كالجُبن، وكُسِيَ بالجلد واللحم، وأخيرًا نُسِجَ بالعظام والأعصاب“.
نورمن هابل (Norman Habel) (1384هـ/ 1964م-…): أستاذ في جامعة جنوب أستراليا، محرّر كتاب The Earth Bible.
Norman Habel, The Book of Job: a commentary (Philadelphia: Westminster John Knox Press, 1985), 119.
ولذلك قال البروفسورُ نورمان فورد: “لا ينوي الكتاب المقدس تقديم خبر علمي عن بدايات حياة الإنسان أو عن علم الأجنّة البشري. يبدو أنّ بعض نصوص الكتاب المقدس تفترض الرؤيةَ الأرسطيّة القديمة أنّ حياة الإنسان تنشأ عندما يُجمَّد دم الحيض بعد أن يختلط بالمنيّ“.
نورمان فورد (Norman Ford): القسيس الكاثوليكي والأستاذ في Catholic Theological College، والمتخصصُ في أخلاقيات البيولوجيا والفلسفة.
Norman Ford, “A Catholic ethical perspective on human reproductive technology,” Ethical Dilemmas in Assisted Reproductive Technologies, ed. Joseph G. Schenker (Berlin; Boston: De Gruyter, 2011), 321.
رابعًا: يُفهَم من نصِّ (أيوب 10: 11) أنّ الكتلة المخثَّرة تُكسى أولا بالجلد واللحم، رغم أن الجلد متأخر.
جاء في إنجيل يوحنا 1: 13: “الَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَم، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَل مِنَ اللهِ“.
9. الجنين من بعض الماء لا من أنقاه
قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ} (السجدة/ 7-8).
وجاء في التَّلْمُود: “إنّه يعلّم أنّ الإنسان لا يُشكَّل من كلّ القطرة وإنّما فقط من أنقى جزء فيها“
(מלמד שאין אדם נוצר מכל הטיפה אלא מן הברור שבה).
Babylonian Talmud, Niddah 31a.
10. الحَيض أذى حِسيّ وليس مجردَ نجاسة معنوية
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة/ 222).
روى مسلمٌ في صحيحه عن أنس -رضي الله عنه- أنّ اليهود كانوا إذا حاضتِ المرأة فيهم لم يُؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحابُ النبي -ﷺ-؛ فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} (البقرة/ 222)، فقال رسول الله -ﷺ-: “اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح”، فبلغ ذلك اليهودَ، فقالوا: “ما يريد الرجلُ أن يَدَعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه“.
رواه مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، (ح/ 302).
وقد كان عربُ المدينة على مذهب اليهود في معاملة الحائض. قال قتادة وغيره “أنّ العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنّوا بسُنّة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية” [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 81/3].
قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (البقرة/ 233).
ويقول أيضًا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف/ 15).
وإذا حذفنا 24 شهرًا (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) من 30 شهرًا، بَقِيَت لنا ستةُ أشهر.
يقول الباحث صموئيل كوتك في مقاله “علم الأجنّة في الأدبيات التَّلْمُوديّة والمِدْراشيّة“: “لنفكّر في مشكلةِ طفلٍ سِنُّه ثمانيةُ أشهُرٍ، وهي حالة مثيرة للجدل في عِلم الأجنّة القديم. كان مؤلِّفُ البحث الأبقراطي المختصَر عن الطفل ذي السبعةِ أشهُرٍ مقتنعًا أنّ الطفل المولود قبل فترة ثمانية أشهُرٍ لا يمكن أن ينجو بالتأكيد كانت هذه الفكرة مقبولةً على نطاقٍ واسع في العصور القديمة، وحكماءُ التَّلْمُود عبّروا عنها عدةَ مرات“.
صموئيل كوتك (Samuel Kottek): باحث فرنسي. أستاذ تاريخ الطب في الجامعة العبرية في القدس. له دراسات أكاديمية عن تاريخ الطب في العصور القديمة.
Samuel S. Kottek, “Embryology in Talmudic and Midrashic Literature,” Journal of the History of Biology, Vol. 14, No. 2 (Autumn, 1981), p.313.
وما قرّره القرآن هو الذي انتهى إليه القانون الأمريكي، فقد جاء في الفصل 181 من “القانون المدني” لولاية لويزيانا الأمريكية: “الطفل القادر على الحياة، والذي وُلد قبل اليوم [180 أي 6 أشهُرٍ] بعد الزواج، لا يُعتبر ابنَا للزوج. وكلُّ طفل وُلد حيًّا بعد ستة أشهُر بعد الحَمْل، يُفترض أنّه قادرٌ على الحياة“.
The Revised Civil Code of the State of Louisiana, 1910:
قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} (النحل/ 69).
وإنّما هو حسمٌ لمسألة علميّة كان الخلافُ فيها شائعًا قبل الإسلام وبعده لقرون، وهي تحديدُ أصل العسل، هل يَخرج من البطن إثرَ تكوّنه هناك مما يأكله النحل أم إنّ النحل يُحضِّر العسلَ جاهزًا مما يَحُطّ عليه من نبات، ولا يصنعه في بطنه؟
حديثُ القرآن عن الأكل من الثمرات ثم إخراج الشراب، يوحي أنّ الأكل غيرُ الشراب، وأنّ الأكل يتحوّل إلى شراب.
التَّلْمُود، بكوروت 7ب:
למה אמרו דבש דבורים מותר? (لماذا قال [الأحبار] إنّ عسل النحل مباح؟)
מפני שמכניסות אותו לגופן ואין ממצות אותו מגופן (لأنّ النحل يدخله إلى جسده، ولا يستخلصه من جسده).
وقد وَرِثتِ الكنيسةَ بعضَ روح الفلسفة الأرواحية animism في تفسيرها للعالم، خاصةً ما تعلّق بالأمراض والأسقام، ولذلك قال جورج منوا: “في مجال الطبّ العملي اليومي، كانت السُّلطات الكنسيّةُ تفكّر انطلاقًا من مصطلحاتٍ أرواحيّة: للمرض غالبًا سببٌ روحيّ“.
جورج مينوا (Georges Minois) (1946م -…): مؤرخ فرنسي غزير التأليف. له اهتمام خاص بعلاقة العلم والدين في التاريخ الأوروبي.
Georges Minois, L’Eglise et la Science: Histoire d’un malentendu (Paris: Fayard 1990), 2/149.
الرسول -ﷺ- قال بعد بَعثته: “يا عباد الله تداوَوا؛ فإن الله لم يضع داءً إلا وضَع له شفاءً – أو قال: دواءً- إلا داءً واحدًا… الهَرَم“.
رواه الترمذي، كتاب الطب عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في الدواء والحث عليه (ح/ 2038)، وقال: حسن صحيح، وأبو داود، كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، (ح/ 3855)، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء، (ح/ 3436).
.. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ.
قصّةُ النَّجم المتحرّك من أعجب أساطير الكتاب المقدس. خبرُ ظهورِ نَجمٍ عظيمٍ منبئ عن ظهورِ رجلٍ عظيمِ مُنتظَرٍ زمانُه، خرافةٌ منتشرة في كثيرٍ من الأمم السابقة. قال القسيس جون جيكي في كتابه عن حياة المسيح: “كان -في الحقيقة- يُعتقَد عالميَّا أن الأحداثَ غيرَ العادية، ولا سيما ولادة الرجال العظماء وموتَهم، يُبشَّر بها بظهورِ النجوم، وكثير من المذنبات، أو عن طريق التقاء الأجرام السماوية“.
جون كانينغهام جيكي (John Cunningham Geikie) (1824م – 1906م): رجل دين إسكتلندي. صاحب مؤلفات شعبية رائجة في عصره.
“It was, indeed, universally believed that extraordinary events, especially the birth and death of great men, were heralded by appearances of stars, and still more of comets, or by conjunctions of the heavenly bodies.”
John Cunningham Geikie, The Life and Words of Christ, New York: D. Appleton, 1885, 1/144.
قول مؤلف إنجيل متّى: “وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ” مُوهِمٌ أنّ الإنسان من الممكن أن يمشيَ على الأرض بسرعة النجم نفسِه في السماء!
يُفهَم من النص السابق أنّ النَّجم في السماء قد وقف مباشرةً أمام المكان الذي فيه المسيحُ؛ وهذا منكرٌ جدًّا؛ فإنّ النجوم بعيدةٌ جدًّا في السماء؛ فلا يقال إنّها تقف فوق إنسان أو بيتِ لتدلَّ بدقّة على مكانه!
الموسوعة اليهودية The Jewish Encyclopedia تحت مقال “رياح”:
“كانت مساكن الرياح [في الأدب اليهودي القديم] في أركان الأرض الأربعة؛ هناك كانتِ الرياح محصورةً في المخازن، والتي منها يطلقها يهوه (إرمياء 10: 13، 49: 36، 51: 16…). طبقًا لسِفر الرؤيا 7: 1، تتمّ حراسةُ هذه المخازن من طرف أربعةِ ملائكة تقوم بتقييد الرياح كلّما أرادت أن تتفلّت. لم يكن لدى العبرانيين القدماء أيُّ تصور لطبيعة الرياح وأسبابها؛ وبالنسبة لهم، كما هو الحال بالنسبة لكل القدماء، كانتِ الرياح خَلقًا غامضًا، مساراتُها غيرُ معروفة دائمًا (الجامعة 11: 5، يوحنا 3: 8). وفي الواقع، تقع الرياح كظاهرة -في عملها وأصلها- كليًّا خارجَ مجال المعرفة البشريّة (المزامير 107: 25-27، مرقس 4: 41)“!
Singer Isidore, Adler Cyrus eds. The Jewish Encyclopedia (Funk and Wagnalls, 1916), 12/532.
(مزمور 133: 3): “مِثْلُ نَدَى حَرْمُونَ النَّازِلِ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ. لَأَنَّهُ هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ، حَيَاةٍ إِلَى الأَبَدِ“.
جبل حَرْمُونَ أعلى جبال فِلَسْطِين، وقد كان الندى الكثيف الذي يصيبه مَضرِبَ الأمثال. وفي نص المزمور 133: 3 دعوى تزعم أنّ الندى يَنزِل على الجبال؛ إذ الظنُّ القديم هو أنّ الندى ينزل من فوق كنزول المطر،
وقد كان الناس حتّى سنةِ 1818 يعتقدون أنّ الندى مطرٌ ينزل من السماء.
Arthur Rigg, The Harmony of the Bible with Experimental Physical Science (London: Bell and Daldy, 1869), 40.
كلمة “ندى” في الأصل العبري لـ(مزمور 133: 3) هي (טל) [طَلْ]، وقدِ استُعملت الكلمة نفسها في قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة/ 265).
وقد فسَّر عددٌ من المتقدّمين، كابن عباس -رضي الله عنهما- وابن جريج والسُّدِّيّ “طلّ” في الآية بمعنى الندى [الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 676/4].
تُظهر السيرة النبوية أثر الثقافة اليهودية في المدينة النبوية كما في مسألة أصل الحَوَل؛ فعن جابر -رضي الله عنه-: كانت اليهود تقول إذا جامعها مِن ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} (البقرة/ 223).
رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة: باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم، (ح/ 4254)، ومسلم، كتاب النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر (ح/ 1435).
وهنا خالف الرسول -ﷺ- صراحة الثقافة اليهودية في مسألة علميّة كانت شائعة في البيئة المدنيّة. والعلم جازم بصحّة التعقيب القرآني.
قول الإمام ابن حجر المتوفّى عام 852هـ: “وزعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده، وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب [أي أحاديث الرسول ﷺ] تبطل ذلك“. [ابن حجر، فتح الباري (بيروت: دار المعرفة، 1379 هـ) 11/ 48].
في القرآن خبرٌ واسع عن أهل الكتاب: الأسفار والمعتقدات وأخبار الأنبياء وأقوامهم. وهذا الخبرُ قد ظهَر أساسًا في مكّةَ التي كانت وثنيةً وجاهلية، لا تَعرِف أخبارَ أهل الكتاب. والجمعُ بين ربّانيّة القرآن ووثنيّةِ مكّةَ معضلةٌ أقرّ بها المستشرقون، فإنّ القول ببشريّة القرآن يقتضي أنّ هذا الكتاب صدَر عن بيئةِ دينية مغموسة في الجدل الديني النصراني أو النصراني اليهودي.
دراسةُ أصل القرآن الزاخر بخبرٍ أهل الكتاب وتاريخهم القديم في ضَوءِ حالِ محمّد -ﷺ- (أَميّته، وصدقه)، وتأخِّرِ ظهورِ ترجماتٍ عربية للأسفار المقدسة، يجعل كل تفاصيل القرآن عن أهل الكتاب معجزًا حقًّا، وما تلقّاه الرسول -ﷺ- مشكِلا.
الموقفُ العقدي القرآني من تراث أهل الكتاب بعيدٌ عن أن يكون مجرّدَ انطباعٍ عن ثقافة العصر؛ ففيه من التعالي عن البيئة والموافقةِ للعقل والتاريخ ما لا يخفى على الدارس.
اشترَك القرآنُ مع تراث أهل الكتاب في كثيرٍ من الأخبار التاريخيّة، غيرَ أنّ القرآن خالف روايات اليهود والنصارى في عددٍ من التفاصيل، وعامةُ هذه المخالفات لا يستدعيها -في عُرف الناس- حافزٌ دعوي براغماتي، وقد كشَف البحثُ التاريخي دقّةَ الخبر القرآني وخطأٍ تراثِ أهل الكتاب.
تضمّن القرآنُ تقريراتٍ تخالف ما جاء في الكتاب المقدس في القضايا العلميّة الكونيّة. وقد انتهى البحثُ العلمي إلى موافقة القرآن بعد تطوُّر المعارف العلميّة للبشريّة.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
