القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: الرؤية الإسلامية للإنسان (الفاعلية والعقلانية والأخلاقية في الإسلام)، تأليف: مُنى محمد أبو الفضل

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

الرؤية الإسلامية للإنسان

الفاعلية والعقلانية والأخلاقية في الإسلام

تأليف: مُنى محمد أبو الفضل

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]

الفهرس:

توطئة. 2

مقدمة. 2

تأملات أولية حول الفكرة الرئيسة للبحث2

الإسلام مذكوراً 4

النَّهل من المنابع. 7

مفتاح مقاربة الوحي كخطاب إلهي للإنسان. 7

معالم الأسوة بإبراهيم الخليل.. 9

الحديث القرآني عن خلق الإنسان. 10

الإنسان الأخلاقي والمجتمع الأخلاقي.. 16

العيش في جماعة، الميل الفطري والأهلية. 16

أ- المضامين الاجتماعية للخطاب المتعلق بالخليقة. 16

ب- إعادة رسم معالم الطريق.. 20

الخاتمة. 21

 


 

توطئة

تحاول الدكتورة منىٰ أبو الفضل أن تكشفَ عن الخلل الذي أصاب الفهم العلماني لماهية الإنسان ووظيفته في هذه الحياة؛

(تفكّك) الخطاب العلماني الحداثي والخطاب القرآني في نظرتهما إلى الإنسان؛

يغدو الإنسان المركز الأخلاقي للكون، وقد خلقه اللّٰه للقيام بمهمة الخلافة والتعمير، فهو بهذا يندمج أخلاقياً مع الحياة والعالَم.

لا تعني تجاوزه المطلق أو التعبير عن هيمنته، بل إن القيومية لله عز وجل، والإنسان متّكل ومعتمد على خالقه اعتماداً كلياً في كل شيء، لذلك فالقول بالحرية المطلقة واستقلاله هو ضرب من الوَهْم.

من الذي يحدد ماهية الإنسان وطبيعته وميوله؟ ومصدر القيم وطبيعتها؟ والمعايير التي من خلالها نحكم على الفعل بالصواب أو الخطأ؟

وليس نجاح الإنسان الآلي في مسابقة تعتمد على القدرات الجسدية يعني تفوقه في التفكير والمشاعر والخيال؛ إذ إنَّ هذه الأمور معقدة بصورةٍ لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتمثلها، فهي امتداد لتلك (النفخة الربانية).

النفخة المقدسة؛ مفهوم الإنسان الرباني ذي…

مقدمة

الرؤية الإسلامية للإنسان علىٰ خلفية اهتمامات الحداثة.

وبؤرة تركيزها هي: العقلانية، والحرية، أو الأخلاقية.

ويعني القول بأن المسلم المعاصر يعيش عصره، أنه يعيش في كنف النموذج المعرفي المهيمن الغربي الإنساني المادي.

ومحط تركيز هذا الميثاق هو: حرية الإنسان بوصفه مخلوقاً أخلاقياً واعياً صاحب إرادة وحاملاً للأمانة.

فالعقل في السياق الإسلامي يشير فيما وراءه إلى الوحي، والوحي يقوم بدوره الحيوي في تنوير العقل وتهذيب النفس.

تأملات أولية حول الفكرة الرئيسة للبحث

ربما يلي مفهوم (الإنسان)، مفهوم (الإله) في صدارة قائمة الموضوعات الأكثر إثارة للجدل على مدى التاريخ الإنساني.

في عصر زعم الإنسان فيه أنه هو نفسه مقياس لكل شيء، فإذا به يجد نفسه دون دفة ولا بوصلة يهتدي بها في البرية.

فإن مركز صناعة الثقافة الحديثة الحاملة للنموذج المعرفي المهيمن ولمناظيره، هو المجتمع عبر الأطلسي وأوروبا هي مهد “الغرب الثقافي”، وجذر ذلك النموذج.

ويشير هذا المفهوم إلى خلاصة تراث انصهر في بوتقة العصور القديمة الإغريقية والرومانية الوثنية، مع مسحة إنجيلية مراوغة.

بات للمعرفة نوعان، أولهما: المعرفة التي تشكّلت بالتقاليد التي يلقنها كل جيل للجيل الذي يليه، وتنتقل عبر الأجيال، وتُبنى على الثقة والإيمان. وثانيهما: المعرفة المنظور إليها على أنها عقلانية ومنهجية، والتي ينتجها العقل العلمي مقابل العقل الأسطوري. وجذر هذا النوع من المعرفة هو النزعة الشكوكية المتغذية على الشك.

لا معرفة ممكنة دون عنصر من الإيمان والمسلّمات؛

هل المعرفة مستمدة من الإنسان أم من الله؟

ما الذي يشكل الحقيقة الأخيرة التي يمكن معرفتها: هل هو العالم الطبيعي الدنيوي؟ أم عالم ما وراء الطبيعة؟ ما المصدر النهائي الصحيح للمعرفة الإنسانية؟ هل هو العقل أم الوحي؟

يمكن تعريف الحداثة بأنها (التمركز حول الإنسان)،

وكانت أبرز نتيجة للحداثة هي التحول بمسألة القوامة والمسؤولية عن الحياة والموت من الإله إلى الإنسان،

والنتيجة التي تترتب على تطبيع الإنسان على هذا النحو هي مسخه،

ورعتها على نحو صارم سلطة ادّعت القداسة، وتمثيل تلك الآلهة، والوساطة بين الإنسان وربه فيما يتعلق بمصيره. وقَبِل الإنسان هذا التغريب المفروض عليه عن الطبيعة وعن الدنيا، لأمد طويل بذريعة الخطيئة، والتكفير عن طبيعته الآثمة.

ومع فقدان الثقة في الأوصياء، تنحّت الروح على نحو خفي، وبات الإنسان -أخيراً- حراً في إطلاق العنان لغرائزه المكبوتة، والاستمتاع الكامل برغباته ونزواته.

بيد أنه من سنن الطبيعة بوصفها من خلق اللّٰه تعالى أن كل إسراف وانغماس يقتضي جزاء من نوعه،

وواكب ذلك الوصول إلى مرحلة اللايقين والتكريس الأعمى: عصر ما بعد الحداثة. وصدق اللّٰه تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19].

الإسلام مذكوراً

والإنسان المتولد من هذا التصور كائن علاقي يمثل في الكون ذروة الخليقة، وخلاصة جوهرها ذاته، وهو مخلوق يعيش وسط شبكة من علاقات الاعتماد المتبادل الحميدة المنسوجة من مداد الرحمة الربانية التي يتغذى عليها الكون كله.

فهو باليقين ليس ذلك اليتيم الكوني المهجور في فضاء كون موحِش مترامي الأطراف.

وذلك الإنسان منحدر -في واقع الأمر- من صلب آدم، وهو أرقى مخلوق في الكون، وهو مكلف من البداية بمهمة قدَّرها له اللّٰه العليم القدير، ليؤديها في عالم صالح لحياته.

فمن دون الثقافة ما كان الإنسان ليقدر على أن يتجاوز قدرة الحيوانات التي تشاطره مأواه الأرضي، ولا أن يرتقي على كثير من غرائزه،

فجوهر الثقافة متضمن في العلاقة بين العقل والوحي.

فالنفس كما سنرىٰ هنا هي ذاك العامل النشط القادر على الريادة والكبح، والمسؤول في نهاية المطاف عن القلق الجواني أو السكينة الجوانية للإنسان.

والإنسان -من هذا المنظور- قادر على التفكير العقلاني.

والاختيار يفترض تشعُّب الطرق مما يستدعي استجابة متأنية مركوزة في القدرة على الإدراك والتمييز، ومحور هذا الاختيار هو احترام شروط الميثاق الأساسي المعقود بين الإنسان وخالقه. يقول اللّٰه تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 172-173].

فالإنسان مزوّد بميل للتعلُّم لا يستطيع معه أن يزيل أثر التعلُّم ولا الوعي.

يقول اللّٰه تعالىٰ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].

وتعني الأمانة عند الزمخشري: العقل والإرادة. وجوهرها عند القرطبي: الفرائض أو المسؤولية الأخلاقية. وجماعها هو مهمة الخلافة، مع الإشارة إلىٰ الظلم، والجهالة التي ينزع إليهما جُلُّ البشر رجالاً ونساء.

فمعنى ظلم الإنسان وجهالته هو الإخفاق في الارتقاء لمستوى تلك المسؤولية الأخلاقية، ليس لنقص في مؤهلاته للقيام بها، بل بسبب نوازعه.

أن يكون بمستطاع الإنسان معرفة غايته تلك بنفسه،

فإن هذا النموذج المعرفي الإسلامي يجلّي تلك الغاية على نحو لا لَبْس فيه، فمعرفة الإنسان نفسَه هي نقطة البداية وليست النهاية.

هي بتعبير آخر، بداية الطريق والشرط المسبق لمعرفة اللّٰه تعالى،

فالإنسان بحاجة لمعرفة شيء عن نفسه، لكي يتصرَّف على نحو مسؤول، وينعم بظلال من اليقين بخصوص الأسس التي تقوم عليها معرفته.

وعلى الرغم من الفروق التقليدية بين المتصوفين والمتكلمين، وبين الفلاسفة والمفسرين والمتكلمة، فإن بالإمكان الوقوف على قواسم مشتركة تتعلق بمعنى جامع بينهم.

ويكفل تأسيس المعرفة على عنصر اليقين، الحجة لمعتقدات المرء التي تُشكِّل أساس أعماله. ومع ذلك، فإن الفجوة بين التصور العام والمعتقدات التي لا برهان عليها، والتدرج التصاعدي لليقين، لا يمكن تجسيرها بالعقل الإنساني المكتفي بذاته.

ومن غير الممكن الشروع فيه في غيبة الوحي الإلهي المنزل، مع ملاحظة أن كل وحي منزل سابق على تنزُّل القرآن لم يحتفظ بموثوقيته التاريخية التي تؤهّله لتقديم إجابات لا لبس فيها.

فالأسئلة الوجودية أسئلة تأسيسية في المنظور التوحيدي،

وقد يبدو من المفارقات أن الإنسان مزوّد بمكنات التعامل الفعال مع الكون الطبيعي، أكثر مما هو مؤهل لفهم نفسه.

ويشير نظيره في الرؤية الإسلامية إلى الخروج من الجنة، والذي ينظر إليه بوصفه حدثاً مقدراً سلفاً وضرورياً، مع كونه يبدأ بقول اللّٰه تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [البقرة: 36]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]، وقوله جلّ وعلا: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [الأعراف: 24].

وليس الإخراج من الجنة علامة على الحط من قدر الإنسان وهجره، بل هو بداية رحلة مؤقتة على الأرض، محفوفة بآيات ربانية يتشكّل الفلاح فيها بمحدداتها، بوصفها رحلة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة.

وتواجهنا من بداية قصة آدم حقيقة أن كل شيء في الخليقة استعدَّ برهبة، تحسّباً لحدث جليل أعلنه اللّٰه تعالى في الملأ الأعلى لملائكته، فحواه أنه سبحانه جاعل في الأرض خليفة، أهّله بخصالٍ تمكّنه من القيام بالمهمة التي كُلّف بها.

وأمر اللّٰه الملائكة بالسجود لآدم، فاستجابوا جميعهم لأمر اللّٰه تعالى، إلا مخلوقاً واحداً وُجد بينهم في لحظة اتخاذ ذلك القرار الجليل، وإن لم يكن منهم، وهو إبليس، الذي يشار إليه في الفكر التوراتي بالملك الساقط. والحقيقة أنه كما بين القرآن الكريم من جنس آخر غير الملائكة.

في سورة الأعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27]، وقوله سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: 53]، وقوله جلَّ وعلا في سورة طه: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه: 117].

وسيبدو من تلك البداية إلى أن تقوم الساعة، أنه طالما كان هناك إنسان، فإن هناك إمكانية للشر وللتمرد والتحدي والتكبر والفساد؛

في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 11-12].

ومن تلك اللحظة، حلّت لعنة اللّٰه تعالى على إبليس (وليس على الإنسان)؛ إذ طُرد من رحمة اللّٰه إلى يوم الدين. يقول اللّٰه تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: 33-35]. ومن حينها صار الشيطان عدواً معلناً.

ويبين القرآن الكريم ذلك في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 12-18]

وقوله سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 61-65].

وفي مسار الحياة الدنيا، يظل الإنسان المخلوق الذي اختاره ربه وكرّمه، في فلك الرحمة الربانية الحافظة له، طالما التزم بالهدي الذي وعده ربه بأن يرسله إليه.

يقول اللّٰه تعالى في سورة البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 38-39].

ويقول سبحانه في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 123-126].

ويأتي ذلك الهدي عبر أناس من البشر اصطفاهم اللّٰه وأعدهم لتلقّي الوحي المنزل، وتبليغه لبقية البشر، وهم الأنبياء والمرسلون الذين يُرسَلون إلى أقوامهم مبشّرين ومنذرين، ونماذج حية للأسوة، وهداة على الطريق إلى اللّٰه.

وفي نطاق تلك الرحمة الربانية، تقتصر سلطة الشيطان على أولئك الذين يهجرون الهدي الإلهي عن عمد، والذين يصيرون باستخفافهم به ونسيانهم له، ضحية سهلة لمكائده.

يقول اللّٰه تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 39-42].

النَّهل من المنابع

القرآن هو نقطة الانطلاق الوحيدة، التي يمكن التعويل عليها في البحث عن مسألة محيرة وحيوية مثل: ما هو الإنسان؟ ماذا نعرف عن أنفسنا؟ وماذا يمكن أن نعرفه عنها؟

المعرفة كلها تبدأ بالهدي الرباني، حتىٰ وإن كانت لا تنتهي بالاقتصار عليه.

فالفلاسفة والمتكلمون يبدئون من العقل وينتهون بالوحي،

أما في ظل وجود الوحي وقبوله، فيصير هو نقطة البداية الطبيعية لاستكشاف الحياة.

الخليقة خيّرة في جوهرها،

مفتاح مقاربة الوحي كخطاب إلهي للإنسان

بوسعنا أن نفترض وجود ثلاثة مستويات للخطاب في القرآن متعلقة بالإنسان: أولها هو الخطاب المتعلق بخلق الإنسان. والثاني خاص بتكريم الإنسان. والثالث خاص بهداية الإنسان وتوجيهه.

ويتحرك المؤشّر بين قطبين: أولهما تصور الاستقلال المطلق، الذي يتحول إلى دعوى السيادة المطلقة. وثانيهما وَهْم صوفي بتوحُّد مطلق مع الكون، يترجم في ظلال شتى لمقولة وحدة الوجود.

وبالنظر لوجود علاقة فطرية متأصلة في الإنسان تربطه بشيء غير نفسه الأَنوية، فإنه في بحث أبدي لا يتوقف عن إرساء علاقة تتجاوز نفسه، وتصير مشكلته هي كيف يوازن بين الاستقلال الذاتي والتبعية، وبين التمرّكز حول النفس والتوحّد مع الآخر.

وفيما وراء الحرية، تكمن الكرامة، التي كفلها اللّٰه للإنسان بالنفخ فيه من روحه، والإنسان حر في أن يختار، وفي أن يخطئ، شريطة أن يكون على وعي بالطريق، وعارفاً بعواقب اختياره. ودور الهدي الإلهي المنزّل هو أن يكفل له فرصة وضع كل شيء في حجمه الصحيح،

وههنا يكمن الاختبار وحمل الأمانة: اختبار حريته، وحمل أخلاقيته.

والقضية ليست قضية ما نعرف وكيف نعرف، وإنما ما نعتقد، وكيف نحيا بما يتوافق مع تلك المعتقدات.

القرآن ليس كتاباً عن: من هو الإنسان وما هي خصائصه، وما هي كل جوانب قصة حياته على الأرض، بل هو موعظة للإنسان، ليرتقي إلى مستوىٰ الفطرة الإنسانية التي فطره اللّٰه عليها، ويحقق الغاية من خلقه، ويبين له عاقبة استقامته على الصراط المستقيم في القيام بتلك المهمة، وعاقبة انحرافه عنها.

القرآن تلاوة شفهية بالأساس؛ أي تلاوة صوتية احتفظت بنظام تلق شفهي دقيق ومحكم ومعصوم، على نحو متواتر على مدى القرون منذ أن تنزل القرآن.

ويصير الوحي انطلاقاً من هذه الرؤية -لسلامته الاتصالية- نظام إشارات يتم بالأساس التقاطها من الهواء عبر حاسة السمع، ويثير ذلك على الفور سلسلة من الاستجابات في مراكز المخ، يتم ترشيحها عبر مجموعة من الاستجابات العقلية والنفسية والبدنية؛

ويحاول بعض الرجال والنساء -غير المؤمنين في هذه الحالة- أن يسدوا منافذ الوصول؛ فيصموا آذانهم، ويغمضوا عيونهم، ويلقوا بثيابهم على وجوههم، ويسعوا للهروب من ساحة الشهادة، محاولين -بالمعنىٰ الحرفي للكلمة- عدم المبالاة بالحدث، وهذه محاولة بائسة لحجب الرسالة في مصادر استقبالها بغية الحيلولة دون سلسلة من العمليات الإرادية واللاإرادية تعقب صدور إشارات الترتيل وتلقي الرسالة.

وهم يفعلون ذلك انطلاقاً من الكِبْر، كما يبيّنه الخطاب الخاص بهم، وقد يفعلون ذلك انطلاقاً من الخوف، ومن الخشية من تغيير طريقتهم في الحياة.

وحسب الرؤية الإسلامية، فإنه بينما يمكن أن يقع الإنسان فريسة لنزواته ولغروره، وبينما قد تكون الغلبة للبواعث غير العاقلة والمدمرة للذات، فإنه يظل قابلاً للإصلاح وللخلاص.

ويتأسس هذا الاعتقاد على مبدأ إسلامي أصلي آخر يتعلق بالميل إلى الاستقامة، والحق المتأصل في الفطرة الإنسانية التي فطر اللّٰه الناس عليها. فإذا توفرت الظروف الصحيحة وإرادة معرفة الحقيقة، فإن التعقل يغدو ممكناً، ويتوقع أن يسود في نهاية المطاف،

وللتأكيد على أن مبدأ الحرية في الدين هو المبدأ الأسمى لضمان حرية الضمير. يقول اللّٰه تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].

فالإنسان هو بالأساس، كائن كامل وقابل للكمال، وهو صورة مصغرة للكون الذي خلقه اللّٰه محكما، ومؤهلاً للكمال.

فهو مزوّد من البداية من لحظة تصويره مضغة في الأرحام، وحتى قبل أن يولد، بميل فطري لكل من الخير والشر، ويتعزز هذا الميل بملكة إدراكية تمكّنه من التمييز بينهما بـ (نور داخلي قلبي وجداني). ويكمل ذلك النور، ويتأكد، ويعاد تأكيده بـ (نور خارجي وهو النور الطبيعي) متاح لكل بني الإنسان.

فإن أي حديث عن الإنسان في الإسلام لا يكتمل دون فهم نواة العلاقات المفاهيمية والوجودية، التي خلق فيها، ويجد نفسه فيها.

معالم الأسوة بإبراهيم الخليل

وتتصدر حاجات الإنسان، الحاجةُ إلى البحث عن معنى يعطي لسعيه غاية وهدفاً.

يقول اللّٰه تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].

ويقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135].

ويقول في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161].

ونحن في هذا السياق نبحث عن إبراهيم بوصفه النموذج الأصلي للإنسان على المستوىٰ الأخلاقي والتاريخي؛

وكان طريق إبراهيم لمعرفة اللّٰه تعالىٰ، هو طريق العقل،

ولم يكن طريق إبراهيم هو الإيمان بعلم من عند اللّٰه اختص اللّٰه به أناساً بعينهم، مثل صاحب موسى عليه السلام، كما جاء في سورة الكهف: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65].

والشيء المهم بالنسبة للطريق العقلي إذن، هو أن يكون جزءاً من طريق متكامل مرتكزه في قلب نقي ومنفتح أو بالتعبير القرآني: قلب سليم. والقلب هنا هو مركز القصد والمعيار الذي يرجّح كفة الميزان لصالح أو ضد كل تصرف إنساني.

وهو كما يصوره القرآن الكريم في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

يقول اللّٰه تعالى في سورة الشعراء: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. ويقول في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 83-84]. وهذا القلب يبصر. وفي سورة ق نقرأ قول اللّٰه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. فالقلوب أصناف: قلوب مبصرة، وقلوب أوابة، وقلب منيب. يقول اللّٰه تعالى في سورة ق: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 33].

الحديث القرآني عن خلق الإنسان

فخلق النفس -شأن خلق ما عداها من المخلوقات- آية من آيات الله، وبرهان دال عليه سبحانه وتعالى، وهو بيّنة تجريبية وتاريخية للإنسان في هذه الحياة الدنيا، تشير إلى مصدرها، وللحقيقة المنزلة.

يقول اللّٰه تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. وتشمل المفردات القرآنية التي استخدمت لحث الإنسان على التفكير النقدي جذور أفعال مفتاحية مثل: أبصر، تدبر، عقل. وهي ترد بوجه عام بصيغة استفهامية بليغة قوية: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ)، (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، (أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ)، (أَفَلَا يَرَوْنَ)، (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، (أَفَلَا يَسْمَعُونَ). ووردت صيغة (أفلا) هذه خمساً وأربعين مرة في القرآن الكريم، معبّرة عن ذلك الاستنكار الأولي المتأصل في كل عقل سوي.

ولقطع الشك باليقين، فإن ذلك التعبير يتعزز بالتأكيد عليه بوعد إلهي، يقول اللّٰه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

فلندقق على سبيل المثال في المعرفة المتضمنة في هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54].

يقول اللّٰه تعالى في سورة الأنبياء: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].

يقول اللّٰه تعالى في سورة طه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه: 55]. ويقول في سورة نوح: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: 17-18].

فلا موضع للعشوائية في الخليقة برمتها بما فيها الإنسان، سواء جاءت تلك العشوائية في ثوب الأسطورة، أو في ثوب العلم، كما هو الحال بالنسبة لخرافة الانتقاء الطبيعي،

فكل شيء يتم بتقدير دقيق يعلمه الله، ولكن ليس بوسع الإنسان التثبّت منه إلا بشكل جزئي. يقول اللّٰه تعالى في سورة الفرقان: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].

ويقول سبحانه وتعالى في سورة المرسلات: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 20-23].

ويقول سبحانه وتعالى في سورة القمر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].

والملاحظ أن مفهوم (القدر) يشير إلى المقياس والتناسب، والمدى والغاية، والاستحقاق والتصميم، ويشير على قدم المساواة إلى المصير الذي ينقل -في الحقيقة- الأبعاد المتضمنة في التصميم والغاية والمقياس.

فالتذكرة تأتي في كل حالة، في سياق يستتبع التزاماً بتعليمات أو بقناعة إيمانية. ومن الشواهد القرآنية على ذلك، التذكرة الواردة في قول اللّٰه تعالى في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]

فخلق الإنسان وأصله يساق بوصفه مذكراً ومحفزاً على التقوى، وعلى مراعاة الإنسان لالتزاماته وقيامه بحمل أمانته. ونطالع في فواتح سورة النساء، التي هي إحدى السور المنزلة في المدينة، والمعنية في المقام الأول بالالتزامات التشريعية والأخلاقية في نطاق الأسرة، ما يلخص هذا النموذج في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وتلمح حقائق الخلق، مع ذلك، إلى ما يقنع بحقيقة البعث، فيما وراء عالم الظاهرات الحالي.

يقول اللّٰه تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةٍ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 12-16].

ويقول في سورة الطارق: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: 5-8].

والإيمان بالغيب هو الأصعب بالنسبة لمخلوق مقيد ومثقل بكثافة المادة التي خلق منها، ولابد أن يكون منطق الإيمان معصوماً من الخطأ وكاملاً. ويجلّي القرآن في آية واحدة، خلاصة أساسيات حياة الإنسان من بدايتها في عالم الذَّر، عبر دورات نموها ونضوجها وأفولها للحث باستقراء منطقي وتجريبي على الإيمان،

قول اللّٰه تعالى في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُّخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: 5-6].

ويحث هذا الخطاب، المنقطع النظير، الإنسانَ على الإيمان بتحريك العقل بمنطق آسر بأسلوبه المباشر وببساطته، وبعدم قابليته للدحض. يقول اللّٰه تعالى في سورة العنكبوت: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 19-20].

ويقول في سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27].

ويقول في سورة الأنبياء: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104].

ويقول سبحانه وتعالى في سورة الأحقاف: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: 33].

١- محددات الرؤية: الوحدة والتنوع، التغيير والاطّراد

٢- قضايا وجودية وأخلاقية: تخليص الإنسان من بلاء البحث الفلسفي

الفلسفة فرع من فروع المعرفة الإنسانية، ابتدعه الإنسان؛ ليستمد منه المنهجية والمنطق في بحثه عن الحقيقة.

الفلسفة ظهرت إلى الوجود لمعالجة بعض الأسئلة التي هي في بؤرة اهتمام الدين.

ومن طبيعة الروح -التي هي النفس- أن تهتم بالأسئلة التي تخصها، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بخلقها ومصيرها وابتلائها.

ويعالج الوحي تلك الأسئلة الأساسية المتعلقة بخلق الإنسان بأسلوب بسيط وموجز وقاطع، ويرسي أول ما تنزل من الوحي على النبي ﷺ مكانة هادفة وعلاقية فريدة للإنسان في الكون المخلوق.

يقول اللّٰه تعالى في سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [العلق: 1-8].

فمن نقطة البداية، نجد أنفسنا أمام الإنسان، بوصفه كائناً حياً مزوداً بقدرات للإنجاز الأخلاقي والفكري، حباه اللّٰه خالقه وراعيه بها أصلاً، مستدلاً عليها من أصله المكرم، ومراداً بها أن تستخدم في الخير. إلا أننا نواجه على قدم المساواة إمكانية لزيغ وشيك عن الفطرة السوية التي فطر اللّٰه الناس عليها، بما يترتب على ذلك من طغيان واستغناء. ونأتي إلى النقطة المفصلية، وهي يقينية البعث والرجعى إلى اللّٰه.

وحول ابتلاء الإنسان في هذه الحياة الدنيا، يقول اللّٰه تعالى في سورة الأنبياء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].

ويقول في سورة الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2].

ويبين أن الرجعى إلى اللّٰه تعالى مرتبطة بذلك الابتلاء.

يقول اللّٰه تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105].

ويقول في سورة المؤمنون: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].

ويقول في سورة الجاثية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: 15].

ولمّا كان البعث حدثاً يقع في مستقبل غير منظور -كسابقه المتعلق بخلق الإنسان في الماضي البعيد للإنسان- فإنه لا يمكن معرفته بالتجربة الآنية أو تجسيده مادياً والتثبت منه مباشرة؛ فهو يختص بعالم الغيب، الذي ينبغي الإيمان به، لا سيما أن العلم به آت من لدن العليم الخبير.

ولا يمكن -في الرؤية الإسلامية- أن يكون مثل هذا الإيمان اعتقاداً أعمى، بل لا بُدَّ أن يكون معقولاً ومسبباً، وهذه سمة متضمنة بالفعل في الأمر الإلهي (اقْرَأْ) وفي مقتضياتها ولوازمها. ومن ثم، فإن هذا الأمر تكرر في القرآن في سياقات مختلفة وباقترابات متعددة الزوايا. وعليه، فإن الرجعى إلى اللّٰه هي التتمة المنطقية للموت، وهي تتحقق بالبعث.

ودون وضع الموازين القسط ليوم القيامة؛ إذ توفى كل نفس جزاءها العادل، ولا يظلم أحد فيها نقيراً، لن يكون هناك أي معنى لكدح الإنسان وسعيه في هذه الحياة الدنيا.

ومن الأهمية بمكان، التأكيد هنا على أن العدالة الإلهية -في الرؤية الإسلامية- تتم في إطار الرحمة الشاملة والكرم والمنّ الإلهي.

يقول اللّٰه تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40].

ويقول سبحانه في سورة الأنعام: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160].

والمراد بانعدام معنى للحياة فيما لو لم يكن هناك حساب عادل في الآخرة، أن كل ما له معنى مرتبط بالحق، وكل ما هو عديم المعنى مرتبط بالغرور واللهو واللعب.

ومن الشواهد القرآنية على ذلك قول اللّٰه تعالى في سورة الحجر: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85]، وقوله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16]، وقوله في سورة ص: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: 27]، وقوله جلَّ وعلا في سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 38-39].

وقصارى القول: إن الخلق، وإعادة الخلق، والحياة والموت، والساعة (البعث والحساب) كلها حلقات في سلسلة متماسكة ومتواصلة، تجعل لكينونة الإنسان جوهراً، وبنية أساسية، ونظاماً.

وفي غيبة هذا المنظور، والغفلة عن تلك الآصرة الوجودية، والارتباط بالخالق سبحانه وتعالى، وببداية ونهاية وآخرة، لا تفقد الحياة توازنها فحسب، بل تنتفي إنسانية الإنسان بحد ذاتها.

ومع ختم النبوات، صارت تلك المعرفة المنزّلة من عند اللّٰه تعالى تامة وكاملة ومحفوظة بكل جلاء، ليقرأها الإنسان، وينصت إليها، ويتدبرها. وهي بالإضافة إلى ذلك، وكما أشرنا سلفاً، صوت جلي، يتساوق خطابها مع منطق الإنسان وعقله، وتتعزز مصداقيتها بتناغم محتواها مع الفطرة الإنسانية.

فما أن يعرف الإنسان بدايته ورجوعه، ويدرك أنه مخلوق لغاية وليس عبثاً، وأنه تمشياً مع ذلك، سيحاسب على عمله ونيته، فإنه يحتاج إلى معرفة المعيار؛ فأعمال الإنسان بوصفه كائناً أخلاقياً، تستدعي اللوم أو الثناء.

وفي الوقت ذاته، فإنه ما دام للحياة معنى، فإنه لا محل للحياد أو للاأخلاقية في مسيرة تحقيقها.

وهنا يظل السؤال المهم: أي مقياس؟ ليس ثمة ما يمكن به التوصية بأن توكل مثل تلك المهمة الشاقة لشخص أو لفريق من البشر دون غيرهم، فحينها سيكون الأمر في نهاية المطاف موضع دعاوى متنافسة، دون وجود ميزان للترجيح بينها، إلا فرضها بالقوة.

وثمة مقياس كامن في فطرة الإنسان، ولكنه غير كاف بنفسه، فالإنسان يسلم بالحاجة إلى ميزان من مصدر خارجي،

فحول الحق، يقول اللّٰه تعالى في سورة الحج: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: 6]. ويقول في السورة ذاتها: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: 62]. ويقول في سورة لقمان: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: 30]. ويقول في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: 24-25].

وحول العدل، يقول اللّٰه تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. ويقول في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].

والفضيلة هي في تجسيده في أرض الواقع، فالدين هو ذلك الإحساس الأساسي لدى الإنسان بأنه مدين لربه، وهذا الإحساس هو الذي يشكل طريقة الحياة ويعطيها معنىٰ.

ومع بحث الإنسان عن مرتكزات أخلاقيته، لا يعود هناك مجال لأنصاف الحلول، فإما أن يكون الإنسان معترفاً بأنه مدين بالفضل لربه أو غير معترف بذلك؛

فلا يمكن أن يكون هناك حياد بالنسبة للقيم، ولا أن يكون هناك مصدر آخر لتصورها، غير اللّٰه تعالى الخالق للإنسان والراعي له، ومَنْ إليه الرجعى، وأمامه سيكون الحساب الأخير يوم الدين.

وهكذا نلمس في هذه الرؤية منطقاً قاطعاً، وتناسقاً بسيطاً وملزماً؛ فمصدر الحياة كلها يجب أن يكون هو مصدر ميزانها النهائي. والتقاعس عن التسليم بذلك، يفضي إلى فوضى في الوجود، يقول اللّٰه تعالى في سورة الأنبياء: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22].

ويقول في سورة المؤمنون: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 71].

ومعنى ذلك، أن سبب الفساد في الأرض هو جحد وحدانية اللّٰه تعالى، واتخاذ أرباب متعددين من دونه، بما يترتب على ذلك من تعدد لمقاييس الحقيقة، وتشوشها، ويعزز ذلك إشارة القرآن الكريم إلى فساد ناتج عن اتباع الأهواء، والحق أن اتخاذ الإنسان المخطئ هواه مقياساً، يمثل شكلاً من تأليهه لنفسه. يقول اللّٰه تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 43-44]. ويقول جلَّ وعلا في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23].

والإنسان بوصفه وُجدَ لتحقيق غاية، فإن أعماله، شأنها شأن كينونته، تستمد قيمتها بدءاً من إنجازاته وسعيه على مقياس خالقه وراعيه.

ولا مصدر لقيمة حقيقية للإنسان ذاته إلا تلك النابعة من الكرامة الأولية المحرم المساس بها، التي امتن اللّٰه تعالى بها عليه من لحظة خلقه.

فالكرامة التي يدعيها الإنسان قبالة نظرائه، مكفولة له بالنفخة الإلهية ذاتها التي هي مصدر حياته، والتي تمنحها القداسة، وليس لسبب نابع منه بحد ذاته؛ فالنفخة الإلهية التي نفخت فيه، هي التي حولته من مادة عضوية وغير عضوية إلى مخلوق جديد مكرم.

وقصارى القول: إن كان للإنسان أية مكانة خاصة ينفرد بها من بين المخلوقات، ويمتاز بها، فهي نابعة من اصطفاء اللّٰه تعالى له على غيره من المخلوقات للقيام بدور خاص، هو الخلافة في الأرض. والإنسان مدين بخلقه، وبما يتمتع به من امتيازات، لربه الحاكم في أمره كله، والإنسان مكلّف بأن يقوم بواجب ذلك الاصطفاء بثقة وأمانة وعزيمة، وليس بتكبُّر ولا بإفراط.

وخلاصة الطرح السابق، أن الكرامة متأصلة في الإنسان، بحكم بنيته الجسدية والعقلية والنفسية والروحية، وبحكم الرسالة التي اختصه اللّٰه للقيام بها، وما تقتضيه من ملكات.

الأولى هي (اللحظة الكونية)، والثانية هي (اللحظة الوجودية)،

أما اللحظة الثانية فتمثلها قصة خلق آدم، وغواية إبليس، وهبوطهما معاً وفي الوقت نفسه، إلى الحياة الدنيوية على الأرض، وهي تمدنا بنواة المنظور الوجودي.

الإنسان الأخلاقي والمجتمع الأخلاقي

العيش في جماعة، الميل الفطري والأهلية

أ- المضامين الاجتماعية للخطاب المتعلق بالخليقة

ولا يتضمن مفهوم (الإنسان) أي تحديد للنوع. وهو يشترك في جذره اللفظي مع مفهومين وثيقي الصلة به: النسيان، والأنس أو الائتناس (العِشْرة والتماس الرفيق).

وتظل الوحدة الأساسية المخاطبة على المستوىٰ الأكثر حميمية هي (النَفس)، التي تشترك في جذرها اللغوي مع لفظ (النفَس) والفعل (يتنفس).

وهي مع ذلك لا تتطابق مع النفخة الإلهية (الروح) التي نفخت في الصلصال أو الحمأ المسنون فبعثت فيه الحياة.

وتميز الأدبيات الإسلامية بين الجسد، والعقل، والنفس، والقلب، والروح. ويرى الغزالي أن النفس تقع في مركز وسط بينها.

إذا كان مفهوم الإنسان يشير إلى كل متكامل متجسد، فإن النفس هي محل وجدانه وأحاسيسه، وملكاته ومواهبه الفطرية، وهي عرضة في الأغلب الأعم، للوقوع فريسة لضلالاتها ولهواها، ما لم تُصن بالرحمة الإلهية التي تحميها من نفسها.

في مخاطبته للإنسان، بوصفه مخلوقاً عاقلاً ورشيداً، يستدعي القرآن (العقل) مع بؤرته في القلب، دون أي مساس بالعقلانية.

يقول اللّٰه تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

ويقول في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

وحين يخاطب القرآن الإنسان بوصفه مخلوقاً فطناً وصاحب وجدان، فإنه يخاطب النفس التي هي محور كينونته، وتتضمن بما أنها كذلك نوعاً من الجوانية والخلود، مقابل الفناء المرتبط بالجسد.

ففي المرحلة ما قبل الطبيعية، كانت النفس هي أول من دعي للشهادة بالوحدانية لمالكها وخالقها سبحانه وتعالىٰ، وللميثاق المتعلق بالرسالة التي خلقت من أجلها.

ومن حيث الاشتقاق اللفظي، يشير مفهوم (بشر) ومفهوم (البشرية) إلى الجلد والسطح والبشرة والجسد. إلا أن الاستعمال القرآني ينقل جانب التكامل والفنائية، ولا يشتمُّ فيه أي انقسام ولا أي تناقض بين دلالاتهما الخارجية والجوانية على نحو ما نجده في الفكر الفلسفي والثيوصوفي.

وأخيراً نأتي لمفهوم (النفس الواحدة) الذي يؤكد على وحدة أصل البشرية، والذي هو مفهوم وثيق الصلة مباشرة بالخطاب المتعلق بالمساواة.

يقول اللّٰه تعالى في سورة الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 189].

ويقول في سورة الزمر: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: 6].

فما دام كل البشر مخلوقين من نفس واحدة، فإن الرجال والنساء يشتركون في طبيعة واحدة، تصير أرضية خصبة ومادة للنمو والنضج، وتؤهلهم للأخلاقية والمسؤولية، والنفس هي محل تلك الأخلاقية، وهي موضع الخطاب الإلهي، وساحة خلود الإنسان.

نجد أنفسنا أمام واحد من ثلاثة أحوال محتملة لتصنيف أي فرد بعينه، في زمن معين، حسب حالة كينونته الداخلية أو بالمقابل، وفق ميول نفسه. ويتوقف ذلك على أي حافز له الصدارة: النفس الأمارة بالسوء، أم النفس اللوامة، أم النفس المطمئنة، التي تتقيد وتتحدد بأعلى درجة تحققها في: النفس الراضية المرضية.

يقول اللّٰه تعالى في سورة يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: 53]. ويقول في سورة القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 1-2]. ويقول في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].

وهنا تأتي الوصية القرآنية بأن الإصلاح الأخلاقي هو شرط ومحفز للإصلاح الاجتماعي، وأن التغيير في حالة أي قوم يبدأ بتغيير ما بضمائرهم، وبمبادرة خاصة منهم. وهذه الوصية وثيقة الصلة برؤية الإنسان، وبتكامل الأخلاقية في النفس البشرية، وفي المجتمع الأخلاقي.

في سورة الرعد: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11].

فالمساواة بين البشر بوصفهم مخلوقين ترتبط في نهاية المطاف، بالتأكيد على النشأة الأولى، وعلى العلاقة بين الإنسان وخالقه وراعيه. وعبر التأكيد على التفرد المطلق للخالق سبحانه وتعالى، وعلى اختصاص اللّٰه وحده بالعبادة، يصير البشر متماثلين في المسافة الفارقة بينهم وبين خالقهم من جهة، ومتساوين فيما بينهم من جهة أخرى.

وفقط بإفراد اللّٰه وحده لا شريك له بالعبادة، يغدو الإنسان مؤهلاً لأن يكون له نصيب من الإخاء ضمن أمة من نظرائه من المؤمنين. وبذا، فإن قضية المساواة، تتجاوز العرق والنوع، وتستمد جذورها من حقيقة خلق الإنسان، وكذا من علاقة الإنسان بخالقه. ويظل مجال الفضل ممكناً، داخل إطار تلك المساواة بالسعي على طريق التقوى والعمل الصالح، طلباً لمرضاة اللّٰه تعالى، وفي تلك الحالة تتشابك حدود المساواة مع حدود الفضل، ويحوز الإنسان مكانة مكتسبة بقدر المكانة التي وهبه اللّٰه إياها.

يقول اللّٰه تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

وتبدأ الأطر المحددة للعلاقة بين البشر، بالتأكيد على الأسرة بوصفها نواة العلاقات والمسؤوليات، وتمتد منها لتشمل الأنساق المجتمعية التي تربط بين الرجال والنساء، بما يتسق مع متطلبات الخلافة والأمانة المشتركة في هذا الصدد.

فمن تعاليم القرآن أن المؤمنين إخوة، يحمي بعضهم بعضاً، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويراقبون شأنهم المشترك. يقول اللّٰه تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].

ولهذا التصور للإله أهميته بوجه خاص، حين تقوم العواقب الأخلاقية لرسالة الإنسان بوصفه خليفة في الأرض، وبوجه أخص بالنسبة لانعكاس ذلك على الرؤية الإسلامية للإنسان.

يقول اللّٰه تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

يقول اللّٰه تعالىٰ في سورة ص: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].

فالأمر في الخلافة هو مسألة حق انتفاع، بمعنى الحق في استخدام القوة والثروة بشروط معينة. وعلى النقيض من الاستقلال الذاتي، تستلزم الخلافة تفويض السلطة من سيد وصاحب سيادة إلى (تابع له).

شخص مخوّل له الاستعمال المشروط للأرض الطيبة لأمد محدد، مقابل تعهده بالولاء والإخلاص لسيده. ويتضمن تفويض السلطة، الائتمان المقرون بالمسؤولية، وتستشف من ذلك فكرة المحاسبة والقضاء.

فإذا كان مفهوم (التابعية) يستدعي معنى العبودية الممزوجة بالخنوع، فإن الخلافة على ضوء ارتباطها بمفاهيم العبودية والربوبية والألوهية، تستدعي معنى الاصطفاء، والتكريم.

والفكرة المتواترة في الخطاب الثلاثي الطبقات عن الإنسان التي أشرنا إليه آنفاً (وهي الخطاب المتعلق بالخليقة، والخاص بالتكريم والتكليف، والخاص بالهدي المنزّل)، هي أن اللّٰه تعالى الذي خلق، هو الذي منح المعرفة التي صار بها القيام بأمره ممكناً، والتي جعلت التصرف في خيرات الخليقة في متناول البشر.

وتفضيل الإنسان عبر الدين؛ أي عبر هدايته بوحي منزل إلى الصراط المستقيم، واحد من مظاهر رحمة اللّٰه التي وسِعت كل شيء، وعلامة بارزة على ما حبا اللّٰه الإنسان به من امتيازات. يقول اللّٰه تعالى في سورة الإسراء: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62].

ب- إعادة رسم معالم الطريق

فبالتقرب إلى اللّٰه تعالىٰ، يصحو الضمير من سُباته، ويتجدد القلب، وتدب الحياة في الإحساس بالواجب تجاه صالح الأمة وسلامة العالم الذي نعيش فيه، ويصبح التعاون على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف وسيلة لتعزيز الوسط الذي يطهر الأفراد أنفسهم.

وكل إنسان -رجلاً كان أم امرأة- قادر على التوبة والإنابة إلى الله، تماماً كما حدث لأيوب عليه السلام، وملكة سبأ، وزوجة عزيز مصر التي افتتنت بجمال يوسف. وهم بالعودة إلى الله، يهدون شعوبهم معهم أو يدخلون إصلاحات تفيد غيرهم، تماماً كما تفيدهم هم أنفسهم.

وخلاصة القول: إن الإنسان قادر على فعل الخير العميم؛ ومن أجل ذلك خلقه اللّٰه في الأساس، وهو -في الوقت نفسه- قادر على فعل الشر المستطير،

ولمّا كانت تلك الميول الفطرية تقع في قلب غافل، فإن القرآن يحث الإنسان على تنقية دخيلة نفسه، ويبين له طريق التزكية والتزكّي. يقول اللّٰه تعالى في سورة الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: 9-11].

وإضافة إلى ما سبق، فإن الإنسان مخلوق له احتياجات، وله تطلعات، وتشمل تلك الاحتياجات ما هو أخلاقي، وما هو فكري، وما هو روحي، وما هو جسدي ومادي. وتتطلب هذه الاحتياجات إشباعها، لتتحقق تكاملية الإنسان.

وللشريعة معنىٰ رمزي ومحدد، فهي في الأساس تشير بمعناها الرمزي إلىٰ الطريق المؤدي إلى مصدر الماء، والماء هو مصدر الحياة.

ولا يكتمل بيان الرؤية الإسلامية للإنسان دون الوعي بالشريعة وبمداها وغايتها.

والتصنيفات التي يعوّل عليها -في منظور الإسلام- هي التي يمكن اكتسابها، فالله عادل، وهو سبحانه وتعالى منح للرجال والنساء فرصة اختيار الصنف الذي يريدون الانتهاء إليه، بأفعالهم وبنواياهم.

يفتتح الترتيل المجيد في سورة البقرة، بخطاب عام متعلق ببني الإنسان أجمعين، فهو يتحدث عن المؤمنين ويتحدث عن المنافقين، مرضى القلوب، الذين يسرّون غير ما يعلنون، ويزعمون فعل الخير وهم يعيثون في الأرض فساداً وهذه هي الطبقات العامة لبني الإنسان، أفراداً وجماعات.

فالمرأة مكرّمة مع الرجل بوصفها إنسانة، وهما معاً زوج مخلوق من نفس واحدة، ثم إن المرأة تتلقى تأكيداً إضافياً لمكانتها، في قابليتها الأخلاقية، لضمان شرفها في اختلافها.

وترتيباً على ذلك، فإن مصدر الحقوق والواجبات هو اللّٰه تعالى، ويتعين رؤية واجبات البشر تجاه بعضهم بعضاً، في إطار قيمي لواجبات الإنسان نحو ربه، والتي هي مجال تعزىٰ حدود حرية الإنسان فيه إلى اللّٰه تعالى. وفي هذا الإطار، فإن حقوق اللّٰه وحدوده، تُمثِّل خط الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن الحرية والكرامة الإنسانية، كما أنها تحميها من التجاوزات المحتملة من البشر ضد أنفسهم.

الخاتمة

وحده القرآن هو الذي يمكن من معينه الخروج برؤية شاملة ومتوازنة للإنسان المتكامل؛ إذ نعرف بنيته من أبعادها البدنية والنفسية والروحية،

الحركة الإنسانية العلمانية، التي هي النموذج المعرفي المهيمن، عبر فلسفاتها المختلفة عن الإنسان، وفلسفتها التي هي من صنع الإنسان، ليس لديها ما تقدمه على الإطلاق.

فإنسانية الإنسان، بالنسبة لنا ولهم، غير متوقفة على الجسد أو الشكل الخارجي، وإنها هي وظيفة الروح، تلك النفخة الربانية، التي منحت الإنسان الحياة في أصل خلقته، والعهد الأصلي بينه وبين خالقه، الذي كفل له مصيره لدى الرجعى الأخيرة إلى ربه.

والغاية هي حمل الأمانة والوفاء بالعهد؛ إذ يقوم الآدميون -رجالاً ونساء- بوصفهم مخلوقات أخلاقية واعية وصاحبة ضمير، بحمل أمانتهم، في ضوء الهدي الإلهي المنزل، وبسعيهم بالوفاء بما عهد اللّٰه تعالىٰ إليهم به، في ضوء الوحي المنزل، يصيرون جديرين بالخلافة، التي حباهم بها خالقهم، ومن إليه ملاذهم، ومن أمامه سيكون حسابهم الأخير يوم الدين، وبقدر ما يتحقق من تلك المهمة يكون المعنى الكامل للحياة وللإنسانية.

هذا هو فهم المسلم لنفسه، ولدوره في الحياة، ولهذا الفهم مضامينه العملية التي تتخطى تصوراته إلى أفعاله وسلوكه، والتي تشمل تصوره لنفسه، ولعلاقته بالآخرين، وبالعالم الدنيوي الذي يحيا به مؤقتاً.

فالتحدي الذي يواجه المسلم هو تطبيق فهمه في وضع محدد سلفاً لاختباره فيه.

والدعاء الذي به يدعو المؤمنون هو الوارد في الآية الخاتمة لسورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].

والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة