بسم الله الرحمن الرحيم
خلاصة كتاب:
فراس السوَاح بين القصور العِلمي والتحيُّز إلى الإلحاد
تأليف: د. سامي عامري
الفهرس:
رموز للا دينية لا رموز للمعرفة
فراس السواح والدراسات الإسلامية.. جرأة هاو
1- السواح والإسلام.. نظرات في الشكل
هل قرأ السواحُ الكتب التي أحال إليها؟
صاحبُ الكتاب الذي لا يَعرِف ما نُسِب إليه!
الباحثُ الذي لم يتصفح نسخة من صحيح البخاري!
التابعي الصحابي والصحابي التابعي!
الجهل بالمكتبتين الإسلامية والاستشراقية
المصاحف التي لم يَسمع عنها السواحُ
الويكيبيديا مرجع مَن لا مَرجعَ له!
2- السواح والإسلام.. نظرات في المضمون
تحريف القرآن.. أسروا أم أسرّوا؟
ترجيح الممكن على الممكن في الغار!
السواح والنصرانية.. باحث لم يقرأ!
1- السواح والنصرانية.. نظرات في الشكل
الجهل بأسئلة النقاد وواقع البحث الأكاديمي
2- السواح والنصرانية.. نظرات في المضمون
بين خرافة الإنجيل السري ودعوى الكشف عن مؤلَّفِ إنجيل يوحنا
فراس السواح واليهودية.. اضطرابُ تائه
3- زواجُ سُلَيمانَ عليه السلامُ
الأركيولوجيا التوراتية والطعنُ غيرُ المباشر في القرآن
أطروحة السواح في خدمة الصهيونية
فراس السواح.. الإلحادُ هو الحلّ!
الروح القلِقة والإبهامُ المريب
﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39]
فإنّ الباطل ينطق بأفواه ويتزيّن في خطب أنصاره، ويتباهى في حشده اللجب؛ فكان صدّه بذلك واجبًا، والقيام لكشف حاله متعيّنًا؛ وذلك طلبًا لأمرين: بيان انحراف هذه الدعاوى عن الحقّ في مقدّماتها ومقالاتها ولوازمها، وتعليمًا لمن يطلب تنزيل النقد الكلّي للرؤى الفكريّة والبدائل المنهجيّة على الأطاريح المعروضة في الساحة الثقافيّة، والتي تجمّلها المنصّات الإعلاميّة السائرة في هوى الإلحاد أو اللادينيّة، وهي كثيرة بثيرة.
وهذا الكتاب يسلك طريق نقد فكر أيقونة من أيقونات اللادينية في العالم العربي، وإن لم تبلغ أيقونيّته مطلبها في التمدّد الشعبي.
نشرَتْ صحفيةٌ ليبرالية مصرية -منذ سنوات- مقالًا في التعليق على كتاب نقد التقليد الكنسي -الذي صودِرَ فور طبعه ونشره بضغط من الكنيسة المصرية، بتهمة إثارة الفتنة الطائفية؛ رغم أنّه بحث علمي جاد وهادئ في التراث الآبائي Patrology، واللاهوت التاريخي Historical Theology-،
قولها: لعل الباحث السوري فراس السواح هو أحد أشهر العرب الفاعلين في هذا المجال من باحثي التيار الليبرالي الذى يسبر أغوار البحث دون نتائج مسبقة .
سارة علام، كيف أخفق كتاب الأزهري نقد التقليد الكنسي في مهمته من المقدمة قبل المتن؟، مصر 360، 27 يوليو، 2021. <https://shorturl.at/CDabs>
رغم انطلاقه من رؤية طبيعانية naturalistic صرفة، ترى أن كل شيء من الممكن تفسيره بأسباب من داخل الطبيعة؟! وهل سبرت الأزمة الإبستيمولوجيّة المعاصرة لمبدأ (الموضوعية) في الدراسات العلمية فضلًا عن الدراسات الإنسانية؟
See Lorraine Daston and Peter Galison, Objectivity (New York: Zone Books, 2007).
بلغ من فسادها الأخلاقي أنّ أوهمت العامة أن أكبر منجز للسواح تأليفه موسوعة عظيمة الحجم، من مجلّدات، في دراسة أشهر العقائد اليوم، رغم أنّ السواح لم يكتب حرفًا من تلك الموسوعة، وإن وُضع اسمه على غلافها للترويج التجاري؛ فإنّ نهاية ما نُسب إليه أنّه أُشرك في اختيار الدراسات الغربيّة الطويلة التي ترجمها غيره!
رموز للا دينية لا رموز للمعرفة
قالت العرب قديمًا: حُبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ .
جاء هذا اللفظ مرفوعًا في حديث نبوي ضعيف الإسناد. ورجّح الإمام أحمد وقفه على أبي الدرداء رضي اللّه عنه.
إنّنا نعيش في عصر تَنحُت ملامحَه وسائلُ الإعلام، فهي التي تصنع رموزَ المعرفة لا مؤسساتُ العلم ولا أدواتُ التحقيق.
لقد صوّروا للجيل القديم فرج فودة أنّه أيقونةٌ للفكّر الحرّ والعميق، وهو الذي كان مِخلَبَ العالمانيين ولسانَهم السليط في محاربة الإسلام. وقالوا القول نفسَه في سيد القمني ، الذي لم يُعرف له في حياته كتابٌ يستحقّ أن يعود إليه باحثّ متخصص في الدراسات الدينيّة.
إلى اليوم لم أقرأ لكاتبِ باحثٍ يُشرّح بوضوح مذهبَ السواح الفكري أو يحدّد بدقة مبلغَ مساهمته في الدراسات الدينية. وهو أمرٌ يثير الدهشةَ من جهة، والأسى من جهةٍ أخرى؛ إذ كيف يُجعَل إمامًا كاتبٌ لا يعرف الناسُ ما يقول؟!!
لستُ أبتغي إهدار علميّة فراس السواح، وإنّما مطلبي تعريف القارئ العربي بالقيمة العلميّة لمشروعه الذي أنفق فيه نصف قرن، وذلك بطلب جواب سؤال مشروع: ما السؤالُ العلمي الذي طرحه فراس السواح، وأجاب عنه إجابةً مفصَّلة ترتقي بميراثه العلميّ المكتوب إلى صنف الأبحاث العميقة التي خدمت البشريّةَ بإضافةِ جديد، أو تجديدٍ قديم، على سُنّة المناهج الأكاديميّة الجادة؟
لا يُشترط في الجواب العظيم أن يكون صائبًا، بل يكفي أن يحمِل قدرًا كبيرًا من الجديّة والتجديد، وأن يُظهر قدرةً على الإحاطة بالأجوبة السابقة، وصياغةِ جواب يكشف عن مَلَكة علميّة في القراءة والتحليل والنقد.
إنني لم أجد في كتاب السواح ما ينسبه إليه من يرونه مفكّرًا كبيرًا ؛ فما كتَبه لا يخرج في عامته عن تلخيص الكتب الإنجليزيّة.
نحن إذن أمام كتاباتٍ تجمع بين نَسْخٍ من المكتبة الغربيّة بقلمِ عربي، وأجوبةٍ لا تُلامِس عمقَ الجدل القائم بين المتخصّصين في هذه الدراسات.
الكتابُ الذي بين يديك خاصٌّ بالتقويم العلمي للسواح ومنتَجه الفكري.
هذا الكتابُ دراسةٌ علميّة نقديّة، مادتها ألفاظُ كُتُب السواح وأفكارُه، ومباحثُها أربعةٌ، هي المواضيع الكبرى التي أصدر فيها السواح مؤلفاته، وهي: نشأة الدين، واليهودية، والنصرانية، والإسلام.
أَسألُ اللهَ أنْ يرزقَني حُسنَ القصد وحُسنَ البيان، وأسأله أنْ يغفِر لي حظَّ النفس من هذا الكتاب.
اللّهم إنّي أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم!
فراس السواح والدراسات الإسلامية.. جرأة هاو
لا تُعرف للسواح تآليف في الإسلاميات إلا كتاب الإنجيل برواية القرآن و القصص القرآني ومتوازياته التوراتية- أساطير الأولين ، وكتابه الأخير الوحي والنص: قراءة في المشروع المحمدي .
يمثّل الكتابان الأوّلان مشروعًا لاستنساخ ما كتبه المنصّرون والمستشرقون منذ قرون في شأن العقائد والقصص والشرائع المشتركة بين الإسلام من جهة والنصرانية واليهوديّة من جهة أخرى.
وأمّا كتاب الوحي والنص ففي قلب الجدل القائم في الساحة العلميّة اليوم، لتعلّقه ببحث الإسلام في عصره الأوّل، والموقف من القرآن والحديث والسيرة.
إنّ من عادة السواح التترّس بنقد التوراة واليهودية والعهد الجديد والنصرانيّة لنقض أصول الإسلام.
1- السواح والإسلام.. نظرات في الشكل
حدثتني نفسي منذ قُرابةِ خمسَ عشْرةَ سنةٍ أن أكتب دراسةً نقديّة لما تنشره الكاتبةُ العالمانية التونسية ألفة يوسف .
أغلقْتُ الكتابَ، وطوَيتُ أمر هذه المفكَّرة التي لا تحسن العودة إلى مسند أحمد، وتحتاج إلى مرجع وسيط متأخّر جدًا لذلك.
كان أوّلُ كتاب أبدأ بتصفّحه سريعًا هو كتابَه الوحي والنص: قراءة في المشروع المحمدي ،
وواجهتُ أثناء تصفّحي لهذا الكتاب الخطأ السابق نفسَه، وهو تخريجُ حديثٍ رواه أحمدُ في المسند من خلال تفسير ابن كثير.
فلستُ ألتقط لأنتقد؛ وإنّما من الخطايا رزايا، وليست كلُّ العَثَرات تُجبَر.
هل قرأ السواحُ الكتب التي أحال إليها؟
هو لم يقرأ شيئًا في الباب. وأقصد بقولي شيئًا أدنى صوَر القراءة؛ فقد تبيّن لي أنّه لم يطّلع على كُتُب السيرة ولا كتب الحديث ولا كتب التفسير؛ وإنّما كان ينقُل شذرات من المواقع الإلكترونية وبعض الكتب الطاعنة في الإسلام، كابن كثير!
فكَتَب السواح: تزايدت المعجزاتُ، فوصلَتْ في سيرة ابنِ كثيرٍ إلى مئة وعشرين، وفي كتابه الأخر (البداية والنهاية) صارت بالمئات، وأفرد لها فصلًا خاصًا تحت عنوان (دلائل النبوة) .
السواح، الوحي والنص، قراءة في المشروع المحمدي (دمشق: دار التكوين، 2024م)، ص79.
والإشكالُ هنا ليس في أن السواح لم يُحسن العدّ، ولا في أنّ عدد المعجزات في البداية والنهاية أكبرُ منه في السيرة النبوية لابن كثير، وإنما الإشكالُ الظريف أنّ كتاب السيرة النبوية لابن كثير، المطبوع والمتداوَل اليوم، ليس إلا جزءًا من كتابه الكبير البداية والنهاية !
ثم جاء بعض المحققين فقاموا بطبع هذا الجزء مفردًا، فأصبح كتابًا متداوَلا باسم السيرة النبوية .
وقد ألّف ابنُ كثير كتابًا مختصرًا في السيرة عُرف باسم الفصول في سيرة الرسول ﷺ ، وهو مطبوع. وقد جاء في عددٍ قليل من صفحاته ذكرُ أعلام النبوة. والكتابُ كما وصفه المؤرخون سيرةٌ صغيرة .
ولم يصلنا كتاب مفرد للسيرة لابن كثير، ولا ذكره المترجمون القدامى لهذا الإمام، باستثناء ما ورد مطولًا في البداية والنهاية من حديث عن السيرة النبوية.
صاحبُ الكتاب الذي لا يَعرِف ما نُسِب إليه!
كَتَب السواحُ: قال الشَّعبيُّ صاحبُ كتاب (معرفة القُرّاء الكِبار) إنّه لم يجمع القرآنَ أحدٌ من الخلفاء الأربعة إلا عثمان . [السواح، الوحي والنص، ص159.]
كيف يتّسع عقلُ رشيدٍ ليصدّق أنّ عامرَ بنَ شَراحِيلَ الشَّعبيَّ ألِّف كتابًا باسم معرفة القُرّاء الكِبار على الطبقات والأعصار ، وهو المتوفّى عامَ 103هـ، وليس ذاك عصرَ التصنيف في هذا الباب.
نحن هنا -أمام هذا الخطأ- لا نملك إلا أن نقول إنّ السواحَ لا يعرف الإمام الفقيه والمحدّث، الشَّعبيَّ، أو هو لا يعرف كتابَ معرفة القُرّاء الكِبار على الطبقات والأعصار الشهير الذي ألَّفه الإمامُ الذهبيُّ في القرن الثامن الهجري. والراجحُ عندي أنّه لا يعرف هذا ولا ذاك!
نقله الذهبي في: معرفة القُرّاء الكِبار على الطبقات والأعصار (بيروت: دار الكتب العلمية، 1417هـ/ 1998م)، ص12.
وإنّما وَجد على الشبكة مَن يذكر كلامَ الشَّعبيِّ ويُحيل في توثيقه إلى كتاب الذهبي – الشهير جدًّا بين الباحثين-، فظنّ أنّ الشَّعبيَّ هو مؤلّفُ الكتاب، مع أنّ بينهما قرونًا عددًا!
الباحثُ الذي لم يتصفح نسخة من صحيح البخاري!
كَتَب السواحُ: وسوف أَقدِّم فيما يلي ملخَّصًا عن حديث الإفك الذى أورده البخاري في صحيحه، باب كتاب التفسير، الحديث (4749) . [السواح، الوحي والنص، ص 70.]
قلتُ: هل قرأ.. بل هل تصفّح السواحُ صحيحَ البخاري؟!
الجواب: لا! فإنّ كلَّ مَن تصفّحه يعلم أنّ البخاري قد قسّمه كتبًا، وتحت كلّ كتاب مجموعةُ أبواب.. فلا معنى لأن يُحيل السواحُ إلى باب كتاب التفسير !
التابعي الصحابي والصحابي التابعي!
كَتَب السواحُ تعليقًا على آيات سورة الصف 10-13: في دَلالة هذه الآيات لدينا روايتان متناقضتان؛ الأولى عن ابن عباس تقول إن المقصود هنا هو فتح مكة، والثانية عن عطاء تقول إنه فتح فارس والروم (راجع تفسير القرطبي لسورة الصف). وهذا يعني أن مَن عاصر الرسولَ لم يرَ في هذه الآيات دَلالةً مباشِرة على فتح مكة . [السواح، الوحي والنص، ص51.]
يُفهم من تعليق السواح أنّ عطاء قد عاصر الرسول ﷺ، وفهِم أنّ آيات سورة الصف 10-13 لا دَلالة لها على فتح مكّة، في حين أنّ ابنَ عباس -الذي لم يُعاصر الرسولَ ﷺ- فهم أنّها متعلّقةٌ بهذا الفتح!
والصوابُ هو العكس، وهو أنّ ابنَ عباسِ صحابيٍّ، عاصر فتحَ مكّة، وإنْ كان عندها صغيرًا، وأمّا عطاءُ بن أبي رَباح، فهو تابعيٌّ وليس بصحابي، وقد وُلد في خلافة عثمان رضي الله عنه. وهو تلميذٌ لابن عباس رضي الله عنه!
وأخيرًا، هل قرأ السواحُ تفسيرَ القرطبي لهذه الآيات؟
لا! فإنّ القرطبي لم يذكر عطاء البتّة في تفسير الآية!
كَتَب السواحُ: وقد ورد حديثُ الكِساء المروي عن عائشةَ في مسند الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن جابر بن حيان الأنصاري .
1. لا يوجد صحابيٌّ أو تابعي اسمه جابر بن حيان الأنصاري ! بل هذا اسم الكيميائي الشهير جابر بن حيّان الذي تُوفي سنة 200 هـ!
2. السواحُ سطا على هذا النص من مرجع إلكتروني شعبويٍّ ما، دون فَهم، فنقَل عبارةَ الإمام أحمد ، وهو لا يراه إمامًا! وقال عن السند إنّه صحيح ، وهو لا يعترف بحُجيّة الأسانيد أصلًا في التصحيح والتضعيف! وهذا من آثار العَجَلة في السرقة قبل محو آثارها!
كَتَب السواحُ: ولعل ابنَ هشام في سيرته كان أقلّ هؤلاء الصالحين في عدد المعجزات التي رواها وهي لا تزيد عن العَشْر . [السواح، الوحي والنص، ص 77.]
أورد السواح عبارة ((الصالحين)) هنا استهزاءً بعبارة أهل السنّة: السلف الصالح !
الجواب: هو أنّ بحث السواح عن المعجزات في القرآن ليس إلا ملخَّصًا لما قرأه في كتاب المعجزة أو سُبات العقل في الإسلام لجورج طرابيشي -دون إحالة! -، وهو -طرابيشي- الذي ذكر المعجزاتِ العَشْرَ، وأنّ ابنَ هشامٍ لم يذكر غيرَها. ولعلّ أبرزَ ما يُظهِر سطوَ السواح على كلام طرابيشي، دون إحالة، اشتراكُهما في الجهل بما في سيرةِ ابن هشام!
وهنا عليّ أن أوقِف دفق الحديث، وأتساءل بجدّ ما بعده جدّ: إذا كان السواح لم يقرأ أشهر كتب السيرة المبكرة، والمطبوعة (سيرة ابن هشام)، ولا قرأ السيرة النبويّة لابن كثير، وهي الأشهر اليوم في كتب المتأخرين، فماذا قرأ، خاصة أنّه لم يقتبس إلّاّ منهما؟
وممّا يزيد ذلك تأكيدًا قول السواح: من المتفق عليه بين المصادر الإسلامية أن ميلاد الرسول حدث في العام الذي قام به أبرهة الأشرم حملته على مكة عام 571م . فهو ينقل اتّفاقًا يعلم قارئ السيرة أنّ المصادر الإسلامية لم تجمع عليه.
وكم أتّهِم شيخ الإسلام ابن تيميّة بالباطل في كتابات الملاحدة واللا دينيين!
كَتَب السواحُ ساخرًا من تدوين السُنّة: … أم أنّ محمدًا كان يروي الأحاديث لكي يُرضي الشافعيَّ (رضي الله عنه) (كتب السواح هذه العبارة استهزاءً) الذي قال إنّ الحديث وحيّ ثانٍ، وبالتالي يمكن تلاوته بدلًا عن القرآن إذا لزم الأمر . [السواح، الوحي والنص، ص174.]
القولُ إنّ السنّة وحيّ، ليس من مبتدعات الشافعي؛ فهذا إجماعٌ سالف، مستقرُّ بلا انقطاع! هذا مذهبٌ مطّرد منذ عصر الصحابة، وقد تلقّاه الشافعي عن شيخه مالك بنِ أنس الذي تلقّاه عن نافع مولى ابن عمرَ الصحابيِّ رضي الله عنه، كما تلقّاه الشافعي عن سُفيان بن عُيَينة المحدّث الكبير الذي تلقّاه عن الزهري -أبرز جامعي السنّة في أيامه- عن أنس الصحابي رضي الله عنه، وتلقّاه أيضًا عن مفتي مكّةَ، مسلم بن خالد الزنجي، الذي تلقّاه عن مفتي مكّةَ قبله، عطاء بن أبي رَباح، الذي أخذه عن ابن عباس الصحابي رضي الله عنه. سلاسلُ ذهبيّة! وإجماعُ طبقةٍ عن طبقة، من طبقة الشافعي إلى طبقة الصحابة.
لم يقُل الشافعيُّ إنّه يجوز أن تُقرأ السُّنّةُ مكان القرآن في الصلاة؛ لأنّها وحيّ ثانٍ! فهذا القول ليس في كُتُب الشافعي ولا في كُتُب تلاميذه.
الجهل بالمكتبتين الإسلامية والاستشراقية
برزَتْ في السنوات الأخيرة ظاهرة ديمقراطيةُ المعرفة ، حيث يُساوَى بين الآراء المختلفة، عظيمِها وسخيفها، وتُوزن الأفكارُ بعدد قائليها لا بمدى صوابها ولا بعمق حجّتها.
الأخطاء ليست سواءً: فمنها ما يكون عن وهم أو عجلة، ومنها ما يكشف عن غربة صريحة عن ميدان العلم، فإذا اجتمع مع ذلك أمر الجرأة على إظهار التميّز بالتحقيق، كان الأمر أفدح، وأشنع، وكانت الجناية أبلغ، وأقبح.
كَتَب السواحُ في سَبْرِ تاريخ النشاط التفسيري للقرآن: لم تَظهَر تفاسيرُ القرآن إلا ابتداءً من أواخرِ القرن الثاني الهجري مع كتاب (تفسير معاني القرآن) لأبي زكريا الفرّاء، وبعده تفسير الطبري في أواخر القرن الثالث الهجري، ثم تتابعت عشرات التفاسير وصولًا إلى العصر الحديث . [السواح، الوحي والنص، ص 194.]
بدأ التفسيرُ منذ عصر الصحابة، ولابن عباسٍ مَروياتٌ كثيرة، تناقلتها الكتبُ لاحقًا. وكذلك تلميذه التابعي مجاهد بن جبر (ت. 104هـ)، وغيرهما كثير. ومادةُ هذه التفاسير تغطّي آياتِ القرآن كلّه، وهي المادة الأولى لجنس ما عُرف بـ التفسير بالأثر .
من المعلوم المشهور أنّ تفسير أبي زكريا الفَرّاء (ت. 207 هـ) مسبوقٌ بتفسير شهير جدًّا، وهو تفسيرُ مُقاتل بن سليمان (ت. 150 هـ).
أخيرًا، هل قرأ السواحُ كتابَ بلاشير؟ الجواب: لا!
كَتَب السواحُ في توثيق الكتاب: ريجيس بلاشير: القرآن، نزوله وتدوينه، ترجمة رضا محمد الدقيقي، وزارة الأوقاف، الدوحة (2011) في حين أنّ الكتاب ترجمة: رضا سعادة، دار الكتاب، بيروت، الطبعة الأولى، 1974! لقد أدخل السواحُ معلوماتِ توثيق كتابين مختلفين أحدهما في الآخر! الأول كتاب بلاشير، والثاني كتاب الدكتور رضا محمد الدقيقي كتاب تاريخ القرآن للمستشرق الألماني تيودور نولدكه، ترجمة وقراءة نقدية ، عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القَطَرية.
كما أنّي أشك في أنّ السواح قد قرأ كتابَ نولدكه في ترجمته العربية! فقد وثّق الكتابَ على الصورة التالية: تيودور نولدكه: تاريخ القرآن، ترجمة رضا سعيد، دار الكتاب اللبناني، بيروت (1974) في حين أنّ الكتاب من ترجمة جورج تامر (وآخرين ليس منهم رضا سعيد)، وإصدار مؤسسة كونراد!
فإنّ المستشرقين الذين يبدؤون حديثهم عن الإسلام المبكّر بالقول إنّ مكّة كانت غائبةً عن الحجاز زمنًا، أو إنّه ينبغي البحثُ عنها في بلادٍ أخرى، يمثّلون فريقًا صغيرًا من المستشرقين يُعرَف تجمّعُهم بـ مدرسة المراجعين The revisionist school ، وقد بدأ تشكّلُها المدرسيُّ في السبعينيات بعد نشر جون وانسبرو John Wansbrough كتابَيه:
Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation (1977)
The Sectarian Milieu: Content and Composition of Islamic Salvation History
إنّ السبب الأكبر وراء التشكيك في أن تكون مكّة هي مهد الإسلام لا يعود إلى غياب الأخبار التاريخية في القرن السابع الميلادي أو ما قبله -كما هو زعْمُ السواح-، بل إلى ما لاحظه المستشرقون من أنّ القرآن يشتمل على معارفَ واسعةِ ودقيقة عن أهل الكتاب، ويُظهر اطّلاعًا على قِصص الأنبياء كما وردت في التراث اليهودي والنصراني، بالإضافة إلى النقد القرآني لتراثهم. كلُّ ذلك جعل المستشرقين أمام أزمةِ تفسيرية في نشأة هذا الدين؛ إذ إنّ التسليم بأنّ القرآن نشأ في مكّةَ الوثنيةِ يستلزم الإقرارَ بربانية القرآن، لأنه يصبح متعذرًا، بل مستحيلًا، تفسيرُ أصل القرآن تفسيرًا طبيعيَّا يُردّ إلى بيئته الوثنية. وهو ما شرحتُه تفصيلًا في كتاب ما كُنتَ تعلمها أنت ولا قومُك .
وقد انقسم جمهورُ المستشرقين عند هذا المَأْزِق إلى فريقين:
الفريق الأوسع -وهو الذي قَبِل أن تكون مكّةُ مهدَ الإسلام- أعاد رسْمَ الخارطة الدينية لمكّة وما جاورها، بافتراضٍ وجودِ طوائفَ يهوديةٍ ومسيحية متعدّدة فيها، لها نشاطاتٌ علميّة وكِرازيّة واسعة.
الفريق الآخر، وهو الأقل عددًا، رأى أنّ القرآن لا يمكن أن يكون قد نشأ في بيئة مكّية لخلوّها من أثرٍ يهودي أو نصراني ظاهر، فذهب بعضُهم إلى أنّ أصل الإسلام في الأردن (المستشرقة كرون)، وآخرون أنه في سوريا (المستشرق غاليز)، بينما اكتفى بعضهم بالقول إنّ مِنطقة الهلال الخصيب هي موطن نشأة القرآن دون تحديدٍ دقيق للمكان (المستشرق وانسبرو).
ولتطمئنّ إلى هذا التفسير، أعرض أمامك ما قاله المستشرق نيكولاي سيناي Nicolai Sinai في الكتاب الاستشراقي المشترَك المخصص للإسلام المبكّر، تحت عنوان: بيئة القرآن : الأصل الجغرافي للقرآن: هل نشأ النص فعلًا في غرب الجزيرة العربية؟ الدليل الأكثر ارتباطًا بهذا السؤال هو النص القرآني نفسه، وخاصة صلاته الكثيرة لا فقط مع الأدب الكتابي، بل بصورة أعظم مع النصوص الربّانية والمسيحية ما بعد الكتابية .
هذه النتائج تطرح إشكالًا أمام التصوير التقليدي للحجاز قبل الإسلام باعتباره بيئة بدائية تهيمن عليها عبادة الأصنام الحجرية. ويبدو أنّ لهذا الإشكال طريقتين عامتين لمعالجته:
الأولى: أن يغيّر موطن القرآن من الحجاز إلى مناطق أعظم خصبًا في الهلال الخصيب في أواخر العصور القديمة، مثل جنوب فلسطين…
الخيار الثاني الممكن هو أن يُعاد تصوّر الحجاز قبل الإسلام كفضاء ثقافي كان متأثرًا بعمق بالتقاليد المتأخرة .
Nicolai Sinai, The Quran, in Herbert Berg, ed., Routledge Handbook on Early Islam (New York: Routledge, 2018), 19.
المصاحف التي لم يَسمع عنها السواحُ
قرن كامل من التأليف الاستشراقي في تاريخ المصحف، لم يسمع السواحُ عن أخباره شيئًا!
فادّعاؤه أنّ المصاحف لم تُتَداوَل بين الناس إلا في العصر العباسي، وأننا لا نملك اليوم مصحفًا من القرن الأول الهجري، لا يستند إلى أي دليل.
إنّ الباحثين توصّلوا -فقط من خلال دراسة المخطوطات القرآنية بالخط الحجازي على الرِّقّ والتي تعود إلى القرن الأول الهجري- إلى أنّ ما يقارب 83٪ من النص القرآني محفوظٌ في هذه المخطوطات المتاحة اليوم.(1) علمًا أنّه يوجد ما يقارب 300,000 جزء من أوراقٍ قرآنية، قابلةِ للتأريخ أو مؤرَّخة، تعود إلى القرون الأربعة الأولى من الإسلام،(2) جزءٌ منها فقط تمّ نشره ودراسته.
Sources de la transmission manuscrite du texte coranique. I. Les manuscrits de style higazi. Volume 2. Tome 1. Le manuscrit Or. 2165 (f. 1 61) de la British Library (London: Fondazione Ferni Noja Noseda, Leda, and British Library, 2001), p. xxvii.
El onore Cellard, Les manuscrits coraniques anciens: aper u des mat riaux et pr sentation des outils d’analyse, in Le Coran des historiens. I: tudes sur le contexte et la gen se du Coran, ed. Guillaume Dye and Mohammad Ali Amir-Moezzi (Paris: ditions du Cerf, 2019), 666.
وإنّي لأعجَبُ كيف لم يُبدِ السواحُ أيَّ إلمام، ولو كان سماعيًّا، بباحثٍ مثل فرنسوا ديروش Fran ois D roche الذي يُعدّ اليومَ المرجعَ الأهم في دراسة المصاحف القديمة، وكتابه عن القرآن في العصر الأموي الذي تناول طبيعةَ المصاحف في ذلك العصر.
Fran ois D roche, Qur’ans of the Umayyads: A First Overview (Leiden: Brill, 2014).
توزّعُ المخطوطات الأقدم -المحفوظة اليوم- بين مصر والشام واليمن، دليل على ظهور حرفة النسخ وتوسّعها في بواكير التاريخ الإسلامي.
ما وصلنا من الجيل الثاني من المصاحف، مثل طِرْس صنعاء تُبدي اختلافاتٍ مع المصحف الذي بين أيدينا والمفترض أنه ينتمي إلى المصحف الإمام . [السواح، الوحي والنص، ص161-162.]
فإنّ كلَّ الدارسين يعلمون أنّ المصاحف العثمانية لم تَفرِض سلطانَها دُفعةً واحدة، بل احتاج ذلك إلى عقود، وقد استمر مصحفُ ابن مسعودٍ لعقود في الانتشار الواسع، حتى قال الأعمشُ (148-61هـ): أدركتُ [في الطفولة] أهلَ الكوفة وما قراءةُ زَيدٍ [أي التي عن المصحف العثماني] فيهم إلا كقراءةِ عبد الله [بن مسعود] فيكم اليومَ ما يقرأُ بها إلا الرجلُ، والرجلان .
ابن مجاهد، السبعة في القراءات، تحقيق: شوقي ضيف (مصر: دار المعارف، 1400هـ)، ص67.
القول بأنّه ليس منسوخًا عن المصحف الإمام المعياري، وهو رأيٌ مال إليه بهنام صادقي ، من جامعة ستانفورد، وهو أهمُّ مَن درَس هذا النصَّ إلى اليوم،(3) ووافقه آخرون.(4)
(3) See Behnam Sadeghi, and Mohsen Goudarzi, Şan’a’ 1 and the Origins of the Qur an, Der Islam 87, no. 1 (2012): 1-129.
(4) Marijn van Putten, Quranic Arabic: From Its Hijazi Origins to Its Classical Reading Traditions (Leiden: Brill, 2022), 9.
القول بأنّ هذا المصحفَ ليس إلا كُرّاسةً للتدريب على النَّسْخ -وهذا هو الرأي الذي مالت إليه الباحثةُ أسماء هلالي التي شاركت في البَعثة الفرنسية العاملة على دراسة مخطوطات صنعاء، وصاحبةُ الكتاب الوحيد المنشور عن هذه المخطوطة-، ولذلك لا يمكن الركونُ إليه في تحديد الأصل الأوّل للمصحف؛ وذلك لما فيه من أخطاءٍ نَسْخية.
See Asma Hilali, Was the Şan’a’ Qur’ān Palimpsest a Work in Progress? in The Yemeni Manuscript Tradition, ed. David Hollenberg, Christoph Rauch, and Sabine Schmidtke (Leiden: Brill, 2014), 12-27; idem, Le palimpseste de Şan’a’ et la Canonisation du Coran: Nouveaux l ments, Cahiers du Centre Gustave Glotz 21 (2010): 443-48; idem, The Sanaa Palimpsest: The Transmission of the Qur’an in the First Centuries AH (Oxford: Oxford University Press, 2017).
عادتي في التعامل مع أيّ كتاب معاصر في المكتبة الإسلامية أو الغربية أنني لا أشرع في قراءته حتى أنظر أوّلا في مَراجعه، لأعلمَ عن المؤلّف: أهو من أهل الصنعة أم دخيلٌ عليها؟
فإنْ لم أجد فيها إحاطةً بأُمَّهات الكتب وإصدارات المحقّقين وآخِرِ ما كتبه المتميّزون في هذا التخصّص، تركتُ الكتابَ جانبًا، دون تردّدٍ، بل دون النظر في طبيعةِ ما كُتِب، لأنّ المراجع كاشفةٌ عن جِدّيّة البحث وصدق نتائجه؛ فليست الكتابةُ الأكاديميّة فيضَ إلهام أو نَقشَ ملَكٍ في الجَنان يَظهر في خطّ البنان.
دخوله في هذه الدراسات جنايةٌ على المعرفة.
أمّا الخطيئةُ الأولى فهي عدم تفريقه بين المصادر الأصليّة والمراجع الثانوية.
المصادر الأصلية، وأهمها: القرآن الكريم، والروايات المبكرة.
المَراجع، وهي الدراسات المبنية على المصادر، … وهي في حقيقتها تحليل وشرح ونقد لما ورد في المصادر الأصلية.
فالحديث المُسْنَد في صحيح البخاري حجة بسلامة إسناده، بينما تعليقُ ابن كثير عليه في تفسيره ليس حُجّةً مستقلة، وإنما تُقدَّر قيمتُه على حسَب موافقته لقواعد الاستنباط.
فإنّ فراس السواح قد بنى كثيرًا من مباحثه على الخلط بين هذين الصِّنفين،
فإنّ استدعاءه لمصادرَ متنوّعةٍ يوهم القارئ -الغافل- بقوة رأيه وتعدّدِ الشواهد المؤيّدة له! في حين أنّ تلك المؤلفاتِ المتأخرةَ ليست سوى إعادةِ عرضٍ للمصادر الأصلية. ومن ثَمّ، فإنّ كثرتها لا تضيف قيمةً علمية، إذ العبرةُ بالمصدر الأول، لا بتَكرارِ نقله. ولذلك فإنّ ورودَ خبرٍ في ألف كتابٍ من كتب السيرة لا يجعله حُجّةً في ذاته؛ إذا كانت هذه الكتب من جنس المراجع لا المصادر.
وأما كتابُ المصاحف ، فهو وإنْ كان من المصادر التي تذكر الروايات مسندَةً، إلا أنّ كثرة الروايات الضعيفة والموضوعة فيه جعلت النقّاد يؤخرونه عن كثير من كتب الحديث الأخرى.
لماذا يطلب منّا السواحُ مراجعة البخاري، باعتباره مصدرًا ثانويًّا، رغم أنّه مصدرٌ أصلي، ويُحيلنا إلى كتاب ابن كثير الذي هو ليس بمصدر أصلًا؟!
ومن عجيبٍ أمرِ السواح أنَّه لمّا أراد أن ينقُل خبرَ بَدْءِ الوحي، كَتَب: يقول ابن كثير في تفسيره: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة . [السواح، الوحي والنص، ص40.]
ألم يرَ أنّ ابنَ كثير ينقُل عن مسند أحمد، بما يُلزمه أن ينقُل من المسند مباشرة؟! بل لعلّه كان عليه أن يعلو في الإسناد؛ فإنّ أحمد قد رواه عن عبد الرزاق الصنعاني في المصنّف، والمصنّف مطبوع، ورقم الحديث فيه -في إحدى طبعاته-: (9719).
وهكذا يستمرّ السواحُ في الحديث عن السيرة النبوية بأسلوبٍ يفتقر إلى الإحالة المباشرة إلى المصادر الأصلية، مما يحرم القارئ من إمكانية التأكد من دقة ما يُنقل وصحّة الرواية.
فقد سبق ابن إسحاق كلّ من عروة بن الزبير (ت. 92 هـ)، ثم أبان بن عثمان بن عفان (ت. 105 هـ)، ثم شرحبيل بن سعد (ت. 123 هـ) ثم ابن شهاب الزهري (ت. 124 هـ)،(2) ومن المزامنين لابن إسحاق موسى بن عقبة (ت. 140 هـ) وسليمان بن طرخان التيمي (ت. 143 هـ). كما ألّف في الموضوع غيرهم ممّن وصلتنا أخبار تأليفهم في الموضوع في كتب التراجم والسير، ومنهم: أبو معشر السندي (ت. 171 هـ)، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر المدني (ت. 176 هـ) ويحيى بن سعيد الأموي (ت. 194 هـ) والوليد بن مسلم الدمشقي (ت. 196 هـ).(3)
(2) انظر ضيف الله بن يحيى الزهراني، مصادر السيرة النبوية (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، د.ت)، ص1.
(3) المصدر السابق، ص 13-15.
وأمّا الكلام في توثيق ابن إسحاق؛ فإنّ عامة العلماء على قبول روايته، والمتأخرون مجمعون على الاحتجاج به في السيرة.
وقد تتبّع الذهبي عامة ما قيل في ابن إسحاق، جرحًا وتعديلًا، وذكر الجرح مفصّلًا، ولم يجد في كلّ ذلك ما يُسقط ابن إسحاق عن مرتبة الاحتجاج، ونفى عنه تهمة الكذب.
انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعلي أبو زيد (بيروت: الرسالة)، 7/ 33-55.
كما قال ابن عدي: وقد فتّشتُ أحاديثه الكثيرة، فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو وهم في الشيء أو بعد الشيء كما يخطئ غيره، ولم يتخلّف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به .
ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: مازن السرساوي (مكتبة الرشد ناشرون)، 9/ 84-89.
فقد استمرّت هذه السيرة في الحضور على مدى قرون من غير رواية ابن هشام (ت. 218 هـ) المهذّبة، خاصة من رواية يونس بن بكير (ت. 199 هـ)، وهي الرواية الأكثر محافظة على نص ابن إسحاق الأوّل، ولذلك هي أطول، متابعةً للأصل.
ولسيرة ابن إسحاق روايات أخرى مشهورة، منها رواية سلمة بن الفضل الرازي (ت. 191 هـ). واحتفاء العلماء بسيرة ابن هشام فيه غُنية.
خبر السيرة يُعْلَم أوّلًا من القرآن والأحاديث الصحيحة.
ولو أنّنا أسقطنا جميع مرويات ابن إسحاق؛ فلن يتغيّر من فهمنا للسيرة شيء.
فابن إسحاق ليس الأوّل ولا الأوحد، ولم تقم عامة السير الأخرى على مادته.
وإسقاط سيرة ابن إسحاق كأن لم توجد لا يغيّر من ملامح السيرة شيئًا؛ فليس عند ابن إسحاق فرائد تتغيّر بردّها معرفتنا بجوهر السيرة كما جاءت في مصادرها الأخرى.
فكيف إذا علمنا أنّ هذا العدد فيه المكرّر، وفيه ما نقله أبو هريرة عن صحابة آخرين، كعمر وعائشة وأبيّ بن كعب وغيرهم رضي اللّٰه عنهم؟!
لقد عدّ أحد الباحثين أحاديث أبي هريرة في الصحيحين، والسنن الأربعة، ومسند أحمد -من غير المكرّر- فلم يجد غير 1336 حديثًا! وقام فريق من الباحثين بِعَدّ أحاديث أبي هريرة في الكتب التسعة (بزيادة ديوانين آخرين من دواوين السنّة الموطأ وسنن الدارمي)، فلم تزد على العدد السابق إلا بمائة وتسع وثلاثين حديثًا فقط. وإذا حذفنا الأحاديث الضعيفة من كلّ ما نسب إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فربّما لا يتجاوز العدد ألف حديث صحيح النسبة إلى أبي هريرة.
قال النووي: والصواب إنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني الصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي . (النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، تحقيق: محمد عثمان الخشت، بيروت: دار الكتاب العربي، 1405هـ – 1985م، ص26). لم يميّز النووي هنا بين أحاديث الأحكام وغيرها، وقوله -رحمه الله- على هذه الصيغة فيه نظر.
قلتُ: ألّف السواحُ كتابه النص والقرآن سنة 2024م أي بعد وفاة كرون بقُرابةِ عشْرِ سنواتٍ، ومع ذلك أَظهر جهلَه أنّ كرون قد تراجعت عن أصول نظريتها التي غيّرت بيئة البعثة وزمانها؛ فقد بدأتْ كرون أمرَها في التشكيك في مصادر التاريخ الإسلامي كلّها، وانتهت لاحقًا إلى القول: على المدى البعيد، سيتبيَّن أنّ التراث [الإسلامي] لا غِنى عنه لفهم القرآن، وذلك لأنّه يحفظ معلوماتٍ مبكّرةً، ولأنه يجسِّد ما يزيد على ألف وخمسمئةِ عامٍ من جُهدِ علماءَ كِبارٍ ذوي معرفةٍ واسعة وذكاءٍ رفيع، يَحسُن أن نقف على أكتافهم .
Crone, The Religion of the Qur’anic Pagans: God and the Lesser Deities, Arabica 57 (2010), 152.
وزعمَتْ في بداية أمرها أنّ القرآن ظهَر في آخِرِ القرن الثاني، ثم عادت لتقول: كان القرآن موجودًا في الزمن الذي يقول التراثُ [الإسلامي] إنّه وُجِد فيه .
Crone, The Qur’anic Pagans and Related Matters (Leiden: Brill, 2016), 1: xiii.
كرون كانت تُحرّف دَلالات النصوص كما بيّنَتْه الدكتورة آمال الروبي -المتخصصةُ في التاريخ اليوناني والروماني- في دراستها النقدية لهذا الكتاب(1)، وهو ما ينفي عن كرون صفة (الباحثة الموضوعية).
انظر آمال محمد الروبي، الردّ على كتاب باتريشيا كرون: (تجارة مكة وظهور الإسلام). والكتاب راجعه د. محمد إبراهيم بكر، أستاذ التاريخ القديم ورئيس هيئة الآثار وعميد كلية السياحة والآثار.
الويكيبيديا مرجع مَن لا مَرجعَ له!
هل يجهل السواحُ ما يعلمه أبناؤنا في المدارس الإعداديّة من أنّ ويكيبيديا ليست مرجعًا للإحالة والتوثيق، وأنّ مدرسيهم يعاقبونهم بخفض العلامات والسخرية اللاذعة إذا فعلوا ذلك، لأنّ مقالات هذه الموسوعة مجهولةُ المؤلّفين؟!
قال العلماء: مَن تكلّم في غيرِ فنِّه (=عِلمه) أتى بالعجائب!
وأزيدُ: مَن تكلَّم في غير فنِّه فضحَتْه المصطلحاتُ.
إنّ مثلَ هذه الأخطاءِ وحدها تكفي أنْ يَصرِف العاقلُ النظرَ عن قراءةِ ما يكتبه الرجل في الإسلاميات؛ فمَن عجز عن ضبط المصطلحات المشهورة، كيف يؤتمن على معالجة دقائق المسائل التي اختلف فيها أهلُ النظر والتمحيص؟
قال السواحُ: ولكي نصلَ إلى تقييمِ موضوعي لابن إسحاق نقول إن بعض معاصريه رأَوا فيه حُجّةً في العلم، بينما كان لفريقٍ آخَرَ رأيّ مختلف… وذكره ابنُ حجر العسقلاني في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين، وقال إنه مشهور بالتدليس عن الضعفاء (أي ضعاف الرأي) وعن المجهولين. وقال الإمام مالك إنه دجّال من الدجاجلة وقال شمس الدين الذهبي أنه تتبع غريب الحديث، ومن تتبع غريب الحديث كذب. وكان الإمام أحمد بن حنبل لا يرتضي أحاديث ابن إسحاق وقال فيه إنه يُحدّث عن الشيوخ الحديثَ الواحد، ولكنه يخلِط بعضَها ببعضٍ ولا يفصّل كلامَ ذا عن كلام ذا. وقال يعقوب بن شيبة إنه يُحدِّث عن المجهولين أحاديثَ باطلةً… وقال الدارقطني إن كلامه لا يُحتج به. وقال أبو حاتم إنه يكتب حديثه عن النبي (بمعنى يختلقه) . [السواح، الوحي والنص، ص30-31.]
فسّر السواح كلمة الضعفاء بقوله إنّهم ضعاف الرأي ، أي الحمقى، في حين أنّه من المعلوم المشهور أنّ الضعفاء هم الذين طعن العلماء في عدالتهم أو ضبطهم (حفظهم) أو العدالة والضبط معًا، لا اتهامهم في براعة آرائهم! وهذه معلومة بدهية في علم الحديث.
وقد كان بإمكان السواح أن يكتفي بنقل العبارة كما هي، وسيفهمها عامة القرّاء على وجه الصحيح، لكنّه اختار إظهار معرفته، فكشف جهله!
عبارة يُكتب (بضم الياء) لا يَكتب (بفتحها)! فإنّ أبا حاتم الرازي أراد بعبارته أنّ روايات ابن إسحاق وإن كانت ضعيفة، ولا يُحتجّ بها إذا انفرد، إلا أنّها قد تُعتمد لتعضيد روايات أخرى من غير طريقه، لا أنّ أبا حاتم اتّهم ابن إسحاق أنّه يختلق حديثه!! وهذا أيضًا اصطلاح مشهور. وقد كان يسع السواح النقل بلا شرح، لكنّ آفة التعالم ألجأته إلى تفسير الاصطلاح بصورة تهزّ كلّ ثقة في فهمه أبجديات الدراسات الإسلاميّة.
كَتَب السواحُ: لحديث الإسراء صيَغٌ كثيرة وكلها لا أصل لها في القرآن الكريم، ففي حديث مرفوع إلى ابن عباس يصف النبيُّ البراقَ على الوجه التالي… . [السواح، الوحي والنص، ص336.]
قلتُ: هاهنا قَفَّ شعرُ رأسي! قرأ السواحُ عبارةَ: عن ابن عباس مرفوعًا في إحدى صفحات الشبكة، فنقلها حديث مرفوع إلى ابن عباس ، ولم يميّز بين هاتين الصيغتين.
عبارةَ السواح لا معنى لها أصلا في لغة أهل التخصّص. فالحديثُ المرفوع هو ما رفع الراوي إلى الرسول ﷺ، وأمّا إذا كان منتهى الإسناد هو الصحابيَّ، فالحديث عندها موقوفٌ لا مرفوع، ويُقال فيه: موقوفٌ على ابن عباس. وأمّا مرفوع إلى صحابي فعبارةٌ يكتبها مَن لا يُحسِن سَرِقةَ الكلام من الشبكة!
كَتَب السواحُ: وعروة بن الزبير الذي يعتمده ابن إسحاق في هاتين الروايتين عن عائشةَ هو أخو عبد الله بن الزبير، وقد وُلد بعد وفاة الرسول وأكثر من رواية الحديث عن خالته عائشة، وحديثه هذا مقبول وفق معايير الإسناد الصحيح المتواتر . [الوحي والنص، ص39.]
عبارة معايير الإسناد الصحيح المتواتر لا معنى لها في لغة العرب! فـ الصحيح غير المتواتر ، وعامة الصحيح غيرُ متواتر، وإن كان ما تواتر صحيحًا بالضرورة.
كَتَب السواحُ: وهناك إجماعٌ بين المفسّرين استنادًا إلى أحاديث متواترة على أنّ مَن أسكنهم إبراهيم من ذريته في الوادي القاحل هما هاجر وابنها إسماعيل. والقصة الكاملة تُروى عن الصحابي عبد الله بن عباس . [السواح، القصص القرآني ومتوازياته التوراتية، ص 58.]
لا توجد أحاديثُ متواترةٌ تنصّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أسكن ذريّته في الوادي القاحل. ويبدو أنّ فراس السواح اطّلع في بعض مواقع الشبكة على قولٍ يقرّر أنّه قد تواتر عن المفسّرين ذلك، فظنّ أنّ التواتر متعلِّقٌ بالأحاديث لا المفسّرين، وبين المعنيين برزخ واسع. والواقع أن كُتُب التواتر لا تذكر هذه القصّةَ ضِمن الأحاديث المتواترة.
كتب السواح: أخرجه الجماعة، إلا الموطأ في تخريج حديث: إنّ أحدكم إذا مات، عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي… الحديث .
السواح، الرحمن والشيطان، الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2022م)، ص 287.
كيف يكون الحديث السالف قد أخرجه الجماعة إلّا مالكًا في الموطّأ، إذا كان مالك/ الموطّأ غير داخل في الجماعة أصلا؛ إذ الجماعة في العرف العلمي اليوم -على مذهب جمهور المحدّثين-: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؟!
العرف العلمي اليوم على قول الجمهور، ومن أراد مخالفته فعليه التصريح بذلك عند استعمال المصطلح.
كيف يُستثنى الموطأ والحديث أخرجه مالك فيه؟! [رواية يحيى الليثي، (ح/ 818).]
غير أنّه لم يبلغ الحدَّ الأدنى من المؤهلات التي تسمح له بأن يُعدّ مثقفًا، فضلًا عن أن يكون قادرًا على دراسةِ أكاديمية متخصّصة.
ولا يملك سوى معرفةِ سطحية تتجاوز الجهلَ المركَّب!
إننا أمام نموذج حيّ لما يمكن تسميتُه بالإلحاد الشعبوي .
الإشكالُ هو في تَصدُّر مَن لم يُحرِز الأوليات ولا يزال بعيدًا عن الكتب التي لا يعرف حتى عناوينها، فضلًا عن مضامينها، ولا يَعرف أصحابَها ولا مناهجَهم النقد والتوثيق.
2- السواح والإسلام.. نظرات في المضمون
ومن حيث المنهج فإن أطروحته تقوم على تكذيب القرآن والطعن في ربانيته وحفظه، كما تتضمن جُرأةً في ردّ السُّنة على نحو يُذكّر بمسلكِ أكثر المستشرقين تطرفًا.
لم ينشأ خبر السيرة النبوية في لحظة ما من القرن الثاني أو الثالث؛ فقد تناقل الصحابة خبر الرسول ﷺ أثناء حياته، ومباشرة بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وتلقّى التابعون عن الصحابة أخبار السيرة، وعنهم تلقاها الجيل الثالث، كلّ طبقة عن أخرى بلا انقطاع. وأمّا آحاد أخبارها، فقد نُقلت بأسانيد تتفاوت قوّة، وهي روايات فيها الصحيح والضعيف والموضوع.
وهذا سياق تاريخيٌ/ معر فيٌّ يمنع -في مجرى العادة- أن تنشأ فيه قصّة للتاريخ الأوّل مختلقة كلّية، فضلًا عن أن تتمكّن السيرة البديلة من الطمس الكلّي للسيرة الحقيقيّة. فإذا أضفت إلى ذلك انقسام المسلمين إلى مذاهب منذ القرن الأول الهجري، وظهور الصراعات والسياسيّة بينهم، دون تكذيب أيّ منهم لأصول الرواية التراثية للسيرة؛ كان القول بالمؤامرة أبعد عن القبول،(1) وأقرب إلى المؤامرة (الحديثة) على الإسلام.
(1) See Fred M. Donner, Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Islamic Historical Writing (Princeton: The Darwin Press, 1998), 26-29.
وهو ما أقرّبه ف. إ. بيترز -وهو شكوكيّ غير منصف- في قوله: من غير المتصوّر أن الجماعة قد نسيت بالكامل ما فعله أو قاله محمد في مكة والمدينة، أو أنّ العرب -وهم أصحاب ذاكرة قويّة- قد سمحوا بأن يندثر كلّ ما يتعلّق بماضيهم المكّي أو الغربي العربي، مهما كان هذا الماضي قد غشيته الأساطير والتأويلات الخاصة .
F. E. Peters, The Quest of the Historical Muhammad, International Journal of Middle East Studies 23:3 (1991), 307.
فكيف إذا علمتَ أنّ علماء تابعي التابعين كلّهم تلاميذ لعلماء التابعين الذين تتلمذوا على علماء الصحابة؟!
وقد أدرك المستشرقون أنّ التسليم بمتانة المنهج الإسلامي في الجمع والتمحيص يلزم منه الإقرار بنبوّة محمّد ﷺ؛ فإنّ ما في السيرة الترائيّة من جمعٍ للمعجزات ووصف لأخلاق النبيّ ﷺ وطبيعة بيئته الجاهليّة التي استنارت بدعوته، دال ضرورة على صدق هذه النبوّة.
وبعض مؤلفات السيرة لم تلق انتباهًا جادًا إلى قيمتها إلّا في العقود المتأخرة، وعلى رأسها مغازي عروة بن الزبير التي أحدث علو إسنادها وطبيعة متنها أزمة في شكوكيّة المستشرقين.
See G rke and Schoeler, Die ltesten Berichte ber das Leben Muhammads: Das Korpus ‘Urwa ibn az-Zubair (Princeton: The Darwin Press, 2008), 22-37; Sean W. Anthony, Muhammad and the Empires of Faith: The Making of the Prophet of Islam (Oakland: University of California Press, 2020), 85-128.
وأمّا التشكيك في تاريخ ظهور النصّ القرآني في الحجاز، فقد نالته صدمة قويّة بعد الدراسات الباليوغرافية Paleographic studies المتأخرة من طرف المهتمين بالمصاحف الأقدم، باعتماد التأريخ بالكربون المشع radiocarbon.
Fred M. Donner, Reflections on the History and Evolution of Western Study of the Qur’an, from ca. 1900 to the Present, 34.
وقد كتب مارَين فان بتّن Marijn van Putten -أحد أبرز المستشرقين المتخصصين في مخطوطات المصاحف- على المصاحف المبكرة المحفوظة اليوم: لدينا أجزاء كبيرة من القرآن مكتملة في مخطوطات تعود إلى القرن الأول، وكلها ترجع إلى الجمع العُثمانيّ، مع نتائج كربون مُشعّ مبكرة بما يكفي لجعل التأريخ المتأخر أمرًا غير مُرجَّح. وبعبارة أخرى، لدينا دليل ورؤية واضحة لنصّ القرآن بجميع تفاصيله اللغوية كما كُتب بعد عقود قليلة من وفاة النبي ، بما يؤكّد تفاصيل الجمع القرآني، فضلًا عن خطوطه العريضة.
Marijn van Putten, Quranic Arabic, 9.
قال المستشرق غريغور شويلر Gregor Schoeler: دراسة سيرة محمد تمر حاليًا بأزمة ، ذلك يعود إلى انطلاق هذه المناهج من مقدّمة طبيعانية naturalistic تفترض -ضرورةً- بشريّة القرآن وزيف رسالة الإسلام، بما يلجئ المستشرقين إلى تطلّب أقلّ التفسيرات سوءًا لا التفسير الموافق للشواهد التاريخيّة.
Gregor Schoeler, Foundations for a New Biography of Muhammad: The Production and Evaluation of the Corpus of Traditions from Urwah b. al-Zubayr in Herbert Berg, ed. Method and Theory in the Study of Islamic Origins (Leiden: Brill, 2003), 21.
ومن أهم رموز هذا التيّار الناشئ هارولد موتسكي Harald Motzki (ت. 2019م) -وهو أبرز المستشرقين المتخصصين في دراسة الحديث النبوي على مدى العقود الأخيرة-. وقد كتب في وجوب الإفادة الجادة من كتب السيرة المتاحة، وعدم إسقاطها بدعوى تأخّر تأليفها؛ إذ إنّ المصادر المتأخرة يمكن أن تكون مأخوذة من مصادر أقدم فُقدت، وذاك ما يكسبها قيمة .
Harald Motzki, Reconstruction of a Source of Ibn Ishaq’s Life of the Prophet and Early Qur’an Exegesis (Aldershot: Ashgate, 2000), 121.
كما أسّس موتسكي منهجيّةً جديدة في توثيق الأحاديث، سمّاها: Isnad-cum-Matn ، وتمثّل مسلكًا قريبًا من المنهج الإسلامي التراثي، وإن غلا موتسكي في طلب تعدّد الطرق.
والقرائن دالة على انحسار تيار غلاة الاستشراق، لأسباب، منها دلالة مخطوطات المصاحف على أنّ القرآن كان متداولًا في النصف الأوّل من القرن السابع الميلادي، وسقوط أمل هؤلاء الباحثين في أن توفّر لهم الشواهد الأركيولوجية والنصوص التأريخية غير الإسلامية رواية بديلة عن نشأة الإسلام، وهو الوهم الذي زرع بذرته كتاب الهاجرية لباتريشيا كرون Patricia Crone.
Patricia Crone and Michael Cook, Hagarism: The Making of the Islamic World (London: Cambridge University Press, 1977).
والأمر كما قال هويلاند Hoyland -أشهر المستشرقين المهتمين بالشهادات التاريخيّة غير الإسلاميّة في العصر الإسلامي الأول-: إنّي لأتفق بصورة تامة مع القول إنّ المصادر غير الإسلامية لا يمكنها أن تقدّم رواية كاملة ومتماسكة لتاريخ الإسلام المبكّر، فضلًا عن أن تكون قادرة على دعم نسخة بديلة من تطوّره .
R. G. Hoyland, Seeing Islam as Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam (The Darwin Press, Inc.: Princeton 1997), 598.
الشطحُ هو كلام الصوفي عن وَجْدٍ، يَنطق به عن غير وعي، ويكون غالبًا مخالفًا للشريعة!
ذكرَ السواح أنّه قد جعل في مسودة كتابه الوحي والنص فصلا بعنوان هل كان محمّد مسيحيًا؟ ، ثم ألغاه تجنّبًا لإثارة الجدل مع المسلمين.
وذكر أن أنصار هذه الفرضيّة يرون الرسول ﷺ آريوسيًا. وقال إنّه يؤيّد هذه الفرضيّة.
(1) مقطع فيديو للسواح بعنوان: محمّد كان مسيحيًّا منشقًا ، مقاطع من لقاء تلفزيوني.
https://www.instagram.com/reel/DNVP9alos8B?/igsh=MXIONGg4MGR5N2MwNg==
والزعم أنّ الرسول ﷺ قد كان آريوسيًا، ادّعاه يوحنا الدمشقي النصراني في هرطقة الإسماعيليين بحديثه عن الراهب الآريوسي الذي علّم النبي العربي، وإن كان هو نفسه لم يصرّح أنّه يرى الرسول ﷺ آريوسيًا، إذ قال إنّ الرسول ﷺ أنشأ بدعة خاصة به،(2) بعد ذكره للراهب الآريوسي. ويندر أن نجد لهذه الدعوى صدى في التاريخ بعد ذلك؛(3) لسخفها، بسبب البون الشاسع بين الإسلام والآريوسية؛
(2) Peter Schadler, John of Damascus and Islam. Christian Heresiology and the Intellectual Background to Earliest Christian-Muslim Relations (Leiden, Boston: Brill, 2017), 218-219.
(3) Ibid., 198.
ولا يقول بآريوسية الإسلام إلا جاهل شعبوي.
السواح نفسه قد سجّل لقاءً مصوّرًا آخر في السنة نفسها التي سجّل فيها اللقاء السابق، وقال فيه عن فرضيّة ادّعاء نصرانيّة الرسول ﷺ -بالحرف-: أنا لا أستبعده ولا أتبنّاه لأنّه ليس لديّ وثائق!
سؤال مشروع. https://www.youtube.com/shorts/okX0zj4pJuc
وظاهر كلام السواح أنه يرى آريوسية الرسول ﷺ، فإنّه ذكر قول من قالوا بنصرانية الرسول ﷺ، وأضاف أنّهم حددوا الانتماء بالآريوسية، ثم قال إنّه يرجّح هذه الفرضيّة. وحتّى لو قلنا إنّه لا يحدّد المذهب؛ فسيبقى أنّ قوله بنصرانيّة الرسول ﷺ ضلالة علميّة لم يجترئ عليها كفّار مكة الذين اتهموا الرسول ﷺ بأنّه تعلّم من أعجمي دون أن يقولوا إنّه تبنّى مذهبه الديني.
دعواه أن رسول الله ﷺ قد عاش في الشام، فيها تربّى، وفيها اكتسب معرفته الدينية الموسوعية.
وهو ما عبّر عنه بقوله: وعلى الرغم من أنّ محمدًا قد تلقّى القسمَ الأوفر من ثقافته في الشام، على ما سنُبيّن في حينه، إلا أنه لم يختَر أن يُعلِن عن مشروعه الديني هناك، لأنه سيعامَل كغريبٍ ولن يَلقى سمعًا من أحد، ولذلك قرر أن يبدأ ذلك المشروعَ في بلده ومسقط رأسه، حيث روابطُه العائلية التي تُرجى منها فائدة . [السواح، الوحي والنص، ص 43.]
عاجلك السواحُ بالجواب في قوله: وإنّي لأفترض بثقةٍ ودون دليلٍ موضوعي، أنّ معرفةَ محمد بالشام لم تتأتَّ من عِدةِ رِحْلاتٍ تِجارية قام بها، بل من إقامة طويلة في رُبوعها حصّل خلالها ثقافتَه الموسوعية . [المصدر السابق، ص204.]
كَتَب السواحُ في مؤلَّفه الإنجيل برواية القرآن : إنَّ الاسم الذي أُطلق على نبي الإسلام يومَ مَولده هو محمد. ولا صحّة للأخبار التي تقول بأنَّ اسمه كان قِتَامة أو شيئًا من هذا القبيل. وهذه واقعة تتّفق بشأنها جميع كتب السيرة النبوية . [السواح، الإنجيل برواية القرآن (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2023م)، ص115.]
ثم عاد بعد سنواتٍ قليلة لينقُضَ ذلك بحُجّةٍ غريبة؛ إذ ذكر أنّ اسم محمّد لم يُذكَر في القرآن إلا في أربعةِ مواضع، كلُّها في العصر المدني، واستنتج من ذلك أنّ هذا الأمرَ يُعزّز رأيَ القائلين بأنّ “محمد” هو لقبٌ لا اسم، أَطلق عليه في الفترة المدنية من الدعوة . [السواح، الوحي والنص، ص150.]
التسليمُ بأنّ محمدان لقبٌ لأمراء الدولة الغسانية لا حُجّةَ فيه لمعرفةِ اسم الرسول ﷺ؛ فاللقبُ -إنْ صحّ، جدلاً- محمدان لا محمّد ، وهو لقبٌ لأمراء الدولة الغَسّانية، وما كان الرسولُ ﷺ أميرًا عند الغساسنة.
وبمراجعةِ نصِّ نولدكه، نجد أنّ نولدكه قد كتب: وكان يُطلق عليهم، كما على سواهم من أهل الطبقات العليا، لقب vir illustris (ἰλλούστριος أو ἐνδοξότατος = الأشهر). وقد نقَل السريانُ هذا اللقبَ إلى لغتهم وأطلقوه على الأمراء الغسّانيين .
نولدكه، أمراء غسان، ترجمة بندلي جوزي وقسطنطين زريق (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1933)، ص14.
ويبدو أنّ جعيط قد قرأ واحدة من الكلمتين السريانيتين على أنّها محمدان بالحرف السرياني. وأنا إلى الآن في حيرة من شأن هذا الخطأ، هل هو عن كذب أم عن جهل، فإنّ الكلمة السريانية الأولى شبيحا والثانية مشبحا لا محمدان !
نولدكه نفسُه ردّ دعوى أنّ محمّد لقبٌ لا اسم. واستدلّ لذلك بذكر محمد اسمًا للنبيّ في القرآن، وبأنّ هذا الاسم لم يظهر البتة مع أداة التعريف ال ، وبأنّ هذا الاسم معروفٌ قبل الإسلام.
Theodor N ldeke, Geschichte des Qorāns, 2nd ed., vol. 1 (Hildesheim: Georg Olms, 1970), 9.
وجاء ذكر بقية الخلفاء في النص المسّمى اليوم والذي يعود إلى حوالي 86هـ / 705م. وهو يذكر التاريخ من بدء الخلق إلى سنة 705م. وقد جاء فيه:
أتى محمّد على الأرض سنة 932 من الإسكندر بن فيلبّس المقدوني (621-620م)، ثم ملك سبع سنوات.
ثم ملك بعده أبو بكر مدّة سنتين.
ثم ملك بعده عمر مدّة اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعده عثمان مدّة اثنتي عشرة سنة، وكانوا بغير قائد أثناء حرب صفّين لعدّة سنوات.
R. G. Hoyland, Seeing Islam as Others Saw It, 141.
J. P. N. Land, Anecdota Syriaca, Tomus Primus (Lugduni Batavorum [Leiden]: E. J. Brill, 1862), Addenda et Emendanda, p. 11.
أَنكر السواحُ أن تكون سورةُ الفيل متعلقةً بحملة أبرهة على مكة لأسبابٍ، أهمّها أنّ الفيل لم يستوطن اليمنَ قط، وشحنُ الفيلة من أثيوبيا بحرًا إلى اليمن مسألةٌ بالغة الصعوبة. يضاف إلى ذلك أنه ولو كان لدى أبرهة فيلة، فإنه من غير الممكن لوجِستيًّا أن تقطع هذه الفيلةُ طريقًا صخراويًّا طوله قُرابة الألف كيلو متر، وذلك لعدم توفر الغذاء النباتي لطعامها، لأنّ الفيل يستهلك نحو 200 كغ من النباتات كلَّ يوم، وكذلك عدم توفر الماء لشربها، لأنّ الفيل يشرب نحو 40 ل من الماء يوميًّا. كما أنه بحاجة للبرد والبرك والمجمعات المائية، لأنه يفتقر إلى غدد العرق التي تسمح لبقية الثدييات بالتبرد من الحر . [السواح، الوحي والنص، ص61-60.]
اكتُشِفَ مؤخرًا ما يُرجِّعُ دخولَ أبرهةَ قلبَ الجزيرةِ العربية بِفِيَلةٍ، فقد عثَرَت البَعثةُ الفرنسيّة السُّعودية على نقشٍ عند آبارِ حمى، نجران، كُتِبَ عليه: أبرهةُ زيبمان، مَلِك ، وكانت هذه البَعثةُ قد عثَرَت سنة 2014 بالقرب منه (على بُعد نحو مئةٍ مترِ) على صوَر ثلاثةِ فِيَلةٍ. وحتّى لو لم يَصِحَّ ربطُ الفِيَلةِ بحملةِ أبرهةَ؛ يبقى مع ذلك أنّ هذا النّقشَ دالُّ على دُخول الفيَلة تلك المنطقةَ.
المعلومات التالية، وصور النقوش، عن مقال منير أرباش، مؤرخ متخصص في النقوش، ومدير وحدة بحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، على موقع (ArcheOrient) الذي يُشرف عليه مجموعة من الباحثين من جامعة ليون 2 الفرنسية، لنشر الاكتشافات الأركيولوجية الحديثة والأبحاث.
Mounir Arbach ,De la gravure rupestre aux traditions arabes et coranique ,Arch Orient – Le Blog 4 ,octobre 2019,
https://archeorient.hypotheses.org/12504
وسبق أن عَثر ج. دايتون J. Dayton في ستينيات القرن الميلادي الماضي، في وادي القرى، في العُلا، شماليّ المدينة، على نقشٍ لفيلٍ كبيرٍ على صخرةٍ ضخمةٍ. علمًا أنّ الفِيَلةَ قد انقرضَتْ من شبه الجزيرة العربية، منذ قُرابة 200 ألفِ سنةٍ. وهو ما يدلُّ على أنّ هذه الفيَلةَ واردةٌ إلى هذه المنطقة من منطقة مجاورة لها.
دراسة تاريخ الجزيرة العربية في ضوء النقوش التي تذكر أبرهة، والتي تشير إلى أنّه وسّع سلطانه ليشمل مساحات جديدة في شمال شرق الجزيرة العربيّة وشمالها وشمال غربها، ولا سيّما هَجَر (في شرق الجزيرة)، وطَّيِّئ (في شمال الجزيرة)، ويَثْرِب (في شمالها الغربي)، ترجّح صحة تاريخيّة غزو أبرهة للكعبة. وهو ما انتهى إليه عدد من المستشرقين في ضوء البحث التاريخي الصرف.
Christian Robin, L’Arabie la veille de l’Islam: la campagne d’Abraha contre la Mecque, ou la guerre des p lerinages Publications de l’Acad mie des Inscriptions et Belles-Lettres, 21 no. (2010): 213-242.
بل نقل دانيال أ. بيك Daniel A Beck في كتابه: تطوّر القرآن المبكّر -بعد اعتراضه هو نفسه على تاريخية قصّة غزو أبرهة الكعبة- أنّ هذا قول عامة المستشرقين: …مع ذلك، لا يزال معظم النقّاد -بصورة لافتة للنظر- يقبلون بسهولة قصة اعتداء أبرهة بالفيلة على مكّة باعتبارها حقيقة تاريخية ومحلّ إشارة أصلية للسورة رقم 105 من القرآن .
Daniel A Beck, Evolution of the Early Qur’an: From anonymous apocalypse to charismatic prophet, New York: Peter Lang, 2008, p.8.
عَرّف السواح الوحي أنّه فيضُ صادر عن الله يتوسط العقلَ الفعّال الذي يُدعى بروح القدس أو الروح الأمين… وهذا الفيض يهبط على قلب النبي الذي يُحوّله إلى كلام مفهوم لسامعه . [السواح، الوحي والنص، ص147.]
ولذلك انتهى السواحُ إلى أنّ الكائن النوراني الذي ظهر لمريم ليس واحدًا من الملائكة، بل هو رُوح الله نفسه، أي حضور الله القادر والفعّال في العالم المخلوق، وقد اتخذ هنا هيئةً بشرية ليكون قادرًا على التواصل مع مريم. فرُوحُ الله هو الوسيط بين عالم الألوهة الخافي وعالم الإنسان والظواهر الطبيعية، ومن خلال هذا الرُّوح خلق العالَمَ ويعمل على حفظه وتسييره . [السواح، الإنجيل برواية القرآن، ص209. غايَر السواحُ في هذا الكتابِ بين روح الله وجبريل، غير أنّه في كتاب الوحي والنص طابق بينهما!]
وهكذا لم يبقَ من الإسلام شيءٌ؛ فهاهنا نفْيُ التوحيد، والقولُ بالتجسّد، ونفْيُ حقيقة الوحي اللفظي.
وصَف القرآن جبريل أنّه ﴿عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (التكوير / 20) لا أنّه جزءٌ من ذي العرش أو ظلُّ لذي العرش.
التمييز بين الملائكة وجبريل لا يُقصَد به نفيُ ملائكيته، وإنّما هذا من بابِ ذكرِ الخاص بعد العام، لتعظيم أمره، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ (الأحزاب / 7)؛ ومثل قوله تعالى عن الجنّة: ﴿فِيهِمَا فَٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (الرحمن /68).
ميكال/ ميكائيل، مَلَكٌ من الملائكة عند المسلمين وأهل الكتاب، ومع ذلك ذكَره القرآنُ بعد ذِكر الملائكة: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ﴾ (البقرة/ 98).
جاء في سِفْرِ أخنوخ الذي يعكس مساحةً واسعة من الرؤية الدينية اليهودية باعتراف السواح -وإنْ لم يكن من ضمن القائمة القانونية للتناخ- تعريفُ جبريل أنّه أحد الملائكة المقدّسة (أخنوخ 7/20).
ذكَر السواحُ أنّ حكماء التَّلْمود منذ القرن الثالث طابقوا بين الشكينة والروح القدس، متجاهلا أنّ الروح القدس (רוּחַ קֹדֶשׁ) في اليهودية هو غيرُ جبريل. والتَّلمود يميز بينهما.
اختلف النقادُ في أصل اسم جبريل، والشائعُ أنّه بمعنى رجل الله من جَذر جبر (גבר)، وإن قيل أيضًا إنّه بمعنى قوّة الله . والمسألة بعيدة عن الحسم.
David Brown, commentary on Luke, in Robert Jamieson, A. R. Fausset, and David Brown, Commentary: Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments, vol. 2, New Testament (Hartford: The S. Scranton Company, n.d.), 97.
أسماء الملائكة لا تُفهم بالمعنى السطحي الحرفي، فإنّه من المشهور أنّ ميكائيل -مثلا- بمعنى مَن مِثْل الله ، ومع ذلك فلا أحد يقول إنّ هذا الملك فَيْضٌ إلهي. والأمرُ بالمثل مع الملك أوريئيل (אוריאל) والذي يعني اسمُه نور الله .
والقرآنُ الذي يزعم السواحُ -كذِبًا- أنّه يؤمن به يُخبرنا عن الملائكة بقوله: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر / 4). وجبريلُ هو القائل عن نفسه والملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (مريم/ 64). والملائكةُ تنزل على الأرض لما هو ليس بأعظم من وحي الأنبياء، مثل تثبيت عامة المؤمنين: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت/ 30).
جعلوا الظنَّ أصلَ الاجتهاد. والظنُّ أَكذبُ الحديث!
كَتَب السواحُ: قال ابن هشام نقلا عن عمرو بن ميمون أنّ الله قد أرسل لخديجة مع جبريل سلامًا خاصًّا منها: “أتى جبريلُ رسولَ الله فقال: أقرئ خديجةَ السلامَ من ربها، فقال رسول الله: يا خديجة، هذا جبريلُ يقرئك السلامَ من ربك، فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام.” هذه الألفةُ بين جبريل وبيت النبوّة هي نتاجُ خطابٍ شعبوي يتخلل السيرةَ، حوَّله من وسيط للوحي القرآني إلى صديقٍ للعائلة، وأخرجه من جلالِ الأسطورة إلى هزْلِ الخرافة . [السواح، الوحي والنص، ص41-40.]
هذا الخبر أخرجه البخاري ومسلم بأسانيد كالشمس؛ لمن يعرف مراتب الأسانيد، وهو في السلام على عائشة رضي الله عنها لا خديجة رضي الله عنها.
رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، (ح/3217)، وكتاب المناقب، باب فضل عائشة رضي الله عنها، (ح/ 3768)، وكتاب الأدب، باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفًا، (ح/ 6201)، وكتاب الاستئذان، باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال، (ح/ 6249)، وباب إذا قال فلان يقرئك السلام (ح/ 6253).
رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فِي فضل عائشة رضي اللّه تعالى عنهما، (ح/ 2447).
وأمّا رواية ابن إسحاق، والتي هي في خديجة رضي الله عنها، فضعيفة إذ هي عن مجهول: قَالَ ابْنُ هِشَام: وَحَدَّثَنِي مَنْ أثِقُ بِهِ .
والسلام من الله لعباده هو التَّحِيَّةُ بالكَرامَةِ عَلى انْتِفاءِ كُلِّ شائِب مِن مَضَرَّةٍ .
(2) البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، 1404ه/ 1984م)، 332/10.
وقد ثبَت في القرآن أنّ الرِّضوان والسلام فضيلةٌ لعموم المؤمنين، فضلا عن المجتبين منهم، كما في قوله تعالى: ﴿سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد/ 24)، وقد تخصّ الآياتُ الأخرى بذلك طائفةً منهم، كما في قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود/ 48)، وقوله: ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم/ 15)، وقوله: ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (الصافات/ 109)، وقوله: ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ﴾ (الصافات/ 120)، وقوله: ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات/ 130)، وقوله: ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات/ 181).
لا تُخفي تقريراتُ السواح في كتبه تكذيبَه لنبوّة نبيّنا ﷺ -وإنْ لم يعلن ذلك بصريحِ العبارة-؛ فقد اتّهم الرسول ﷺ مرارًا بالترويج لأساطير الشرق الأدنى، ومنها قصص التوراة عن النبيين. ولكنّه هو نفسه يسعى إلى إيهامنا هنا أنّه ينزّه الرسولَ ﷺ أنْ يفعل ما يكذّب صدقَ نبوّته!
الفعل من جهة الجاني قبيحٌ، ومن جهة من يسترد حقّه عدل.
وأمّا العفوُ فهو حقُّ للمعتدَى عليه، إن شاء عفا وإن شاء طالَب بحقه.
وقد أَظهر رسولُ الله ﷺ مُعظمَ صوَرِ العفو يومَ فتحٍ مكّةَ، إذ عفا عن أهلها جميعًا إلا قلّةِ معدودة على أصابع اليد كانوا يسعَون إلى سفكِ دمه ومَن معه، وأسرفوا في هجائه ودعوته.
تحريف القرآن.. أسروا أم أسرّوا؟
اتّهم السواحُ الصحابة أنّهم حرّفوا القرآن في قوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةً ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (يوسف/ 19)؛ إذ الآية -بزعمه- تخبر أنّ القافلة أَسَرَت يوسُف لا أنّ بعض أفرادها أسرّوا خبر يوسف عن غيرهم.
قراءة (أسرّوه) بتشديد الراء ثابتةٌ عند القرّاء السَّبعة، والعشرة، والتشكيك في أصالة هذه القراءة مردودٌ، لأنه يؤدي إلى إنكار التواتر، والتواترُ حُجّةً قاطعة.
فالقافلةُ قد وجدَتْ هذا الفتى الذي يبدو أنّه من أسرةٍ ذات شأن، وكان الواجبُ أن تُخبر القافلةُ الأُسَر الساكنةَ عند البئر ليستردّ الفتى أهلُهُ، لكنّ القافلةَ لم تفعل ذلك، ليكون الفتى بضاعةً للبيع بعد مغادرة المكان.
اهتم فراس السواح، ككثيرِ من دعاة الإلحاد في العالم العربيِّ، بإنكارِ وجود المسجد الأقصى القرآني -الوارد في سورة الإسراء- في القدس.
غربةُ السواحِ عن معاني الألفاظ الشرعية وأصولها اللغوية، أصلُ فسادِ كثيرٍ ممّا يقول. ومن ذلك أنّه فهِم من كلمةِ مسجد في سورة الإسراء أنّها تشير إلى بناءٍ بجدران وسقف! وكلمةُ مسجد لغةً اسمُ مكان : مَفعِل من فعَل.
الحديثُ الذي استنكره السواحُ، رواه مسلمٌ بعبارةِ: إنما يسافر إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء فُسمّيت القدسُ باسمها المشهور في القرن السابع الميلادي.
رواه مسلم، كتاب الحج، باب لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، (ح/ 1397)
التسميةُ الدينيّة للمسجد الذي أقامه سليمانُ عليه السلام بَيت المَقدس أصلُها قديمٌ لا إسلاميٌّ حادث، فالمسجدُ الذي بناه سليمانُ عليه السلام يُسمّيه اليهودُ في نصوصهم בֵּית הַמִּקְדָּשׁ (بيت همقداش) أي بَيت المَقدس -وإنْ ألصقوه بالهيكل المزعوم المنسوب إلى سليمانَ عليه السلام-.
Mishnah tractate Middot.
وأصلُ هذه التسميةِ موجودٌ في كلام الرسول ﷺ؛ فقد صحّ عن الرسول ﷺ قوله: إنّ سليمانَ بن داود عليه السلام لما بَنى بَيتَ المقدس سأل الله عز وجل خلالا ثلاثةً . فسمّى الرسولُ ﷺ مسجدَ سليمانَ عليه السلام ببيت المقدس. والظاهرُ أنّ القُدْس اختصارٌ لاسم بَيت المقدس .
رواه النسائي، كتاب المساجد، باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه، (ح/ 692).
المسجدُ الأقصى عند المسلمين ليس هو المسجد القِبْلي المعروف اليوم إعلاميًّا باسم المسجد الأقصى ، وإنّما هو يضمّ المسجدَ القِبْليَّ وما حوله، أي ما يُعرَف عند الناس ب الحرم القدسي بأكمله.
شهِد على وجودِ مسجدِ المسلمين في مكانه الحالي، قبل خلافةِ عبد الملك بن مروان، الأسقفُ أركلف Arculf الذي زار القُدْسَ نحوَ 680م، وبقي في أورشليم 9 أشهُرٍ. وقد قال عمّا رآه(1): بالقرب من السُّور من جهة الشرق، في ذلك الموضع الشهير الذي كان يقوم فيه فيما مضى الهيكلُ العظيم، بنى السراسنةُ(2) الآن بيتًا للصلاة مستطيلا، جمعوه من ألواحٍ منصوبة وعوارضَ خشبٍ كبيرةِ فوق بعض الأطلال الباقية. وهم يرتادونه، ويُقال إنّ هذا المبنى يسَع ثلاثةَ آلافِ شخص .(3)
(1) أملى أركلف هذا الكلام على الراهب أدومنان -رئيس دير أيونا- الذي دونه في كتابه عن الأماكن المقدسة – De locis sanctis.
(2) السراسنة Saraceni: لقب المسلمين عند غير المسلمين في القرن السابع، وكان قبل ذلك يُطلق على القبائل العربية أو من سكن في الجزيرة العربية الصحراوية والبتراء المجاورة لها.
(3) Adomn n, De locis sanctis, 1. 14 (English tr: John Wilkinson, Jerusalem Pilgrims Before the Crusades, Ariel Publishing House, 1977, 95).
فلم يتجاوز فعل عبد الملك بن مروان تطوير المسجد البسيط الذي أقامه (=جَدَّدَه) عمر رضي الله عنه، ولم يُحدث مسجدًا جديدًا.
ما ذكره الكتّاب النصارى من أنّ المسجد الأقصى مبنى على الهيكل أصله أغراض جدليّة في خصومة النصارى مع اليهود.
See Othman Ismael Al Tel, Historical Narratives on Reconstruction of al-Aqsa Mosque in Early Islam, Journal of Al-Tamaddun 16, no. 2(2021): 59-73.
وقد قال المستشرقُ كريسوال Creswell -المهتمُّ بتاريخ المسجد الأقصى- تعقيبًا على شهادة أركلف: لذلك لا يوجد أيُّ سببِ للشك في أنّ عُمَر قد شيَّد مسجدًا بُدائيًّا بسقفٍ من الخشب في مِنطقةِ الهيكل .
K. A. C. Creswell, Early Muslim Architecture, vol. 1, part 1; vol. 2, part 2 (Oxford: Clarendon Press, 1969), 34.
والشهادةُ الإسلاميّة الترائيّة لبناء عُمَر رضي الله عنه للمسجد الأقصى بعد فتح القُدْس مدعومة من مصادرَ غير إسلامية؛ منها:
شهادةُ المؤرّخ البيزنطي Theophanes (ت.201هـ/ 817م)، التي ذكر فيها أنّ عُمَر قد بنى المسجد.
K. A. C. Creswell, Early Muslim Architecture, vol. 1, part 1; vol. 2, part 2 (Oxford: Clarendon Press, 1969), 188-189.
شهادةُ التاريخ الأرمني المنسوب إلى سيبيوس (والذي يؤرّخ للفترة من 480 إلى 661م)، والذي يعود تأليفُه إلى زمنٍ قريبٍ جدًّا من سنةِ 41هـ/ 661م، أي عند أحداث الفتنة الكبرى بين الصحابة رضي الله عنهم إثر استشهاد علي رضي الله عنه، وقبل اعتلاء عبد الملك بن مروان سُدّةَ الحُكم. وهو كتابٌ ينقُل عن مصادرَ أبكر، أهلُها شهودُ عِيانٍ للأحداث.(2) وقد جاء فيه ذِكرُ بناء الإسماعيليين (أي المسلمين) لمسجدٍ في التلّة التي يوجد فيها المسجدُ اليوم.(3)
(2) Stephen J. Shoemaker, A Prophet Has Appeared. The Rise of Islam Through Christian and Jewish Eyes, A Sourcebook (University of California Press,2021), 62.
(3) Ibid. 66.
ترجيح الممكن على الممكن في الغار!
وإذا وقفْنا عند حدود القرآن، فإنّ أقصى ما يمكن قولُه هو أنّ السواحَ رجّح ممكنًا على ممكن، وهو أنّ مَن رافق النبي ﷺ رجلٌ مستأجر ليدلّه في طريق هجرته إلى المدينة، لا صاحبُه النصيرُ عند الشدة، دون دليل مرجّح جادٍّ.
وإذا كان القرآنُ لم يصرّح باسم الصاحب، فالواجبُ الرجوعُ إلى كُتُب الحديث المسنَدة التي فصّلَتْ ما جاء مجملا. وقد صح فيها أنّ أبا بكر رضي الله عنه هو صاحب رسول الله ﷺ في الغار.
علمًا أنّ في كُتُب الشيعة رواياتٍ تصرّح أنّ الصاحبَ في الغار هو أبو بكر، ومن ذلك ما جاء في كتاب الكافي للكُلَيني: عن أبي عبد الله قال: سمعتُ أبا جعفر يقول: إن رسول الله – صلى الله عليه وآله – أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اُسْكُن فإن الله معنا . [الكُليني، الكافي، 286/8.]
كَتَب السواحُ: لطالما رأيتُ في سورة المسد خطابًا يتسم بالغضب والحَنَق والرغبة في الانتقام، ومشاعر سلبية تجاه شخص بشري لا يمكن بحال أن تنسبها لخطاب إلهي. ولذلك فقد تشكّل لديّ رأيٌ مفادُه أنّ هذه السورةَ هي حديثٌ ينطق به محمدٌ بعد الإهانة التي وجّهها له أبو لهب، وجَد طريقَه إلى القرآن خلال عملية الجمع . [السواح، الوحي والنص، ص 73.]
ثم بشّرَنا السواحُ أنّه قد اهتدى إلى التفسير السليم للسورة، وهو أنّ كُنيةَ أبي لهب لا تشير إلى شخصٍ بعينه، وإنّما هو البخيلُ الذي يدخُل النارَ، وامرأتُه تحمل الحطب وتُوقِده عليه يومَ القيامة! [المصدر السابق، ص 74.]
وهذا من جنس وعيدِ فِرْعَونَ بالنار؛ فإنّ فِرْعَونَ لقبٌ لحاكم مِصرَ، وجاء الإخبارُ بكفره وعناده والإعلامُ بعذابه، ومن ذلك أمره سبحانه لموسى وهارون عليهما السلام أنْ يقولا لفِرْعَونَ، تهديدًا له: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ (طه/ 48). ولا فارق أن يكون الإخبارُ بهلاكِ عدو الله بلقبه أو كُنيته.
ثم إنّ الله -جلّ وعلا- لم يوكل النساءَ بتعذيبٍ أزواجهنّ يومَ القيامة لبُخلهم، ومثلُ ذلك لو كان، لجاء الخبرُ به في الوحي لكثرة البخلاء في الدنيا!
فالجوابُ النبوي لمَن طلبوا منه الرُّقيَّ في السماء لا يشير إلى امتناع ذلك عقلاً بسبب طبيعة السماء الرُّوحيّة؛ وإنّما لأنّ النبيَّ لا يملك أن يفعل الخوارقَ على ما يطلبه الناسُ، وإنّما هو بشرٌ محدودُ القدرة، والرسولُ لا يفعل إلا ما يؤمر به.
القرآنُ نفسُه مُخبرٌ بتكذيبِ السواح! فقد قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾ (الجن/ 26-27).
إنّ هناك فرقًا بين عِلم الله المطلَق بالغيب وبين اطّلاع بعض خَلقِه على شيءٍ منه.
إن ما جاء في السيرة من اضطهاد قريش للمسلمين هو الأمر المستشرَف في بيئة تعظم الأصنام وتعتزّ بدين الآباء، خرجت فيها قلّة تدعو إلى دين جديد.
وبناء الفعل للمجهول (وَأُخْرِجُوا)، يدلّ على أنّ خروجهم عن غير إقبالِ نفْسٍ منهم، وإنّما هو بسببِ بغي أهل مكةَ عليهم؛ أي إنّ الظلم قد أخرجهم لا أنّهم سيقوا قهرًا ليخرجوا.
فالجهةُ منفكّة بين الأمرين -كما يقول المناطقة-؛ إذ الإخراجُ من مكة لا ينفي الاضطهاد قبل ذلك.
القرآن عند المسلمين هو كتاب الله الذي أنزله جبريل على قلبِ خاتم النبيين ﷺ لهداية البشَر أجمعين، وهو كتابٌ منزَّه عن الخطأ ومبرَّأ من التحريف، وهو كلامُ ربّ العالمين.
حديثَ السواح الأوسعَ والأصرح فيه رميٌ للقرآن بكلّ نَقيصةِ قيلت في كتاب.
الطاعنون في القرآن فريقان:
الفريق الأول: المجاهرون بعداوة القرآن والإيمان. وهؤلاء خطرُهم هيّن.
الفريق الثاني: وهو الأخطر؛ يطعن في القرآن من داخل (الإسلام) تحت شعار التجديد . يخشون مصادمة الجماهير فيلجؤون إلى دسّ طعونهم خُفية، ويتسترون بعنوان تنزيه القرآن عن خرافات التراث والتراثيين .
ومن أعلام الفريق الثاني، فراس السواح.
قراءة كتابه تكشِف بوضوح أنه يتبنّى أشهرَ الطعون الإلحادية والاستشراقية والتنصيريّة الموجهة ضد القرآن.
الإسلامُ ليس إلا حركةً إصلاحيّة داخل النصرانيّة. [السواح، الوحي والنص، ص205.]
صَهَر القرآنُ الديانات الشرق أوسطية في بوتقة واحدة، وخرج بتركيب جديد كلَّ الجدَّة لا يشبه أيًّا منها . [السواح، الله والكون والإنسان، ص58.]
القرآنُ فيه أخبارٌ موافِقةٌ لما جاء في الكتاب المقدس ولما جاء في مصادرَ متأخرةٍ جدًّا. وتفسيرُ ذلك عند السواح هو بالقول إنّ القرآن اختار تجميعَ المتفرق التاريخي الديني للمِنطقة، بما فيه من أساطيرَ وخرافاتٍ، ليصوغ روايةً جديدة، دون اعتبارٍ للصدق والكذب التاريخيين. [السواح، الإنجيل برواية القرآن، ص 38.]
القرآنُ كلُّه أساطيرُ: أسطورة الخلْق والتكوين، وجنّة عدن، وعصيان الإنسان الأول وسقوطه، وتمرّد الملاك إبليس وتحوّله إلى شيطان، والطوفان الكبير، وقَصص الأنبياء، وما جرى لهم مع أقوامهم، وتدمير المدن العاصية التي لم تستجب لرسالة الأنبياء. [السواح، الله والكون والإنسان، ص66.]
لا يختلف موقفُ السواح من القرآن عن موقف كفّارٍ مكّةَ القائلين: ﴿وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان/ 5). إلّا أنّ السواحَ لا يحمل حياءَ وثنيي مكّةَ الذين علموا أنّ محمدًا ﷺ لا قِبَل له بمعرفة هذه الأخبار، فقالوا إنّها قد أُمليت عليه من أهل الكتاب، في حين أنّ السواحَ نسَب هذه المعرفة إلى دراسة الرسول ﷺ لها في سِنِيه الطويلة التي أمضاها -بزعم السواح- في الشام!
ترتيبُ الآيات في سوَر القرآن اجتهاديًّ من اللجنة التي جمعت المصحف برئاسة زيدٍ رضي اللّه عنه. [السواح، الوحي والنص، ص166-165.]
ترتيبُ اللجنة لسوَر القرآن هو أسوأ ترتيب وأبعدُه عن المنطق. [المصدر السابق، ص168.]
القراءاتُ أكذوبةٌ، وإنّما هي آراءٌ اجتهادية لجامعي المصحف.
القرآن نصّ مقدّس، ولا يمكن فهمه إلاّ بعد إسقاط القداسة عنه.
فراس السواح -الجزء الثالث.. تأويل النص القرآني. مركز تكوين. لقاء صورة وصوت مع السواح.
https://www.youtube.com/watch?v=mFlnpx4sEXs
فهْمُ القرآن عبر اللغات الأعجمية، وفي مقدّمتها السريانية، أنفعُ في كثير من الأحيان من الرجوع إلى قواميس اللغة العربية. [المصدر السابق، ص195.]
يعتقد المسلمون أن سيرة الرسول ﷺ قد حُفظت لكل جيل، إذ لا يمكن للإنسان أن يؤمن بنبي الله من غير أن يعرف خبرَه، وما دعا إليه الناسَ. ويرى أهلُ الإسلام أنّ المسلمين منذ عصر الصحابة بذلوا غايةَ جهدهم في حفظِ هذه السيرة وصيانتها من التحريف والتبديل، وأنهم أنشؤوا علومًا خاصةً لتمحيص أخبارِ رسول الله ﷺ وتنقيتِها من الدخيل. ويؤكّدون أنّه لا يوجد نبيٍّ أو عظيم في تاريخ البشرية حُفظت سيرتُه كما حُفظت سيرةُ الرسول ﷺ.
لقد جَمَع شبهاتِ المستشرقين من مختلِف الاتجاهات، وضلالاتِ الإلحاد الشعبوي، ومنكَراتِ المنَصِّرين، وصاغ منها -في عامة كلامه- موقفًا ينتهي إلى إنكارِ إمكان العلم بسيرة رسول اللّه ﷺ.
لقد رفع السواحُ شعارَ تنقيح السيرة ، إلّا أنّ همَّه كان التبديدَ؛ فإنّ للتنقيح أصولاً ومعالمَ لم نرَها في كتابه.
تنقسم الاتّجاهاتُ النقديّة في دراسة السيرة النبويّة إلى ثلاث تياراتٍ رئيسة:
1. الاتجاه التراثي الإسلامي: وهو الذي أقام قواعدَ وأصولاً لدراسةِ مادّة السيرة، معتمدًا على كُتُب الحديث والمغازي والشمائل وغيرها، لاستخلاص الأخبار المتعلّقة برسول الله ﷺ منذ أربعةَ عشَرَ قرنًا. ويقوم هذا المنهجُ على القواعد التالية:
المادّة التاريخية المحفوظة فيها الصحيحُ والضعيف والموضوع.
تمييز الصحيح عن غيره ممكنٌ بالتزام قواعدَ منهجيّةٍ منضبطة.
الصحيح من هذه المادة يتيح تغطيةَ مساحةٍ واسعة من حياة النبي ﷺ.
2. تيار المراجعين: ظهَر في سبعينيات القرن الميلادي الماضي، وينطلق من مقدّمة ترى أنّ وثائق السيرة لا تقدّم تاريخًا حقيقيَّا للماضي، بل هي نِتاجُ أجيالٍ إسلاميّة متأخّرة حاولَتْ أن تُنشئ ما سمّاه وانسبرو تاريخ خَلاص (Heilsgeschichte)، أي تاريخ التدخل الإلهي.
3. تيار عامّة المستشرقين: يرفض الرؤيةَ التراثيّة الإسلاميّة التي تقرّر موثوقيّةَ السيرة بعد تمحيصها، كما يرفض أيضًا الموقفَ المتشدّد لتيار المراجعين الذي يُسقط وثائقَ السيرة جملةً وتفصيلا. غير أنّ هذا التيارَ متباينٌ داخليًّا، فدرجاتُ الشكّ فيه متفاوتة.
تبنّى السواح المذاهب الثلاثة السالفة المتضادّة:
القَبول: مدَح السواحُ منهجَ علماءِ الإسلام في نقد الأخبار النبويّة وتمحيصها، إذ أثنى على منهج علماء الحديث بقوله: خلال القرون الأولى الهجرية عاش الإسلامُ فترةً إبداعية قلّ نظيرُها؛ فقد نشأ علمُ الحديث عندما قام بحّاثة متخصّصون منذ القرن الثاني بجمع أقوال الرسول وأحاديثه وَفقَ أساليبَ دقيقةٍ في التقصّي . [السواح، الله والكون والإنسان، ص54.]
الشكوكية الغالية: ذَكَر السواحُ أنّنا لا نكاد نعرف عن السيرة النبويّة شيئًا، وأنّ شخصيةَ الرسول ﷺ محجوبةٌ وراء ستار كثيف من التقاليد التراثية التي صنعها المخيال الجمعي . [السواح، الوحي والنص، ص33.]
لا توجد مرحلة من حياة النبي ﷺ كما وردت في كُتُب السيرة يمكن الاطمئنانُ إليها كاملةً.
فقد اتّهم الصحابة باختلاق الأحاديث،(4) ورأى أنّ جامعي السيرة خضعوا لإملاءاتِ سياسية ومذهبية، ومن ثمّ سلَب كبارَ الصحابة -كأبي بكر وعُمَرَ وعثمانَ وعليِّ رضي الله عنهم- فضائلَهم بدعوى أنّها استُعملت في الجدل السُّنّي الشيعي!(5)
(4) المصدر السابق، ص46-45.
(5) المصدر السابق، ص99 وما بعده.
زعَم أنّ فتحَ مكّةَ نفسَه -وهو الحدثُ المركزي في السيرة المدنيّة- لا ذِكرَ له في القرآن نصًّا ولا إشارة، مما يُفضي عنده إلى أنّه خبر مختلَق. [المصدر السابق، ص51-50.]
وقد صرَّح السواحُ بلسانه على إحدى الفضائيات، بقوله: ما يُدعى بالحديث النبوي يجب نسفُه من أساسه، كلَّه.. كلَّ الحديث موضوعٌ على الرسول .
رابط الفيديو المصور له، تحت عنوان: كلّ الأحاديث النبوية غير صحيحة ويجب التخلّص منها:
https://www.facebook.com/reel/174260181139875/
وتبلغ الشناعة أقصاها بتقرير السواح أنّه يرفض الحديث المتواتر كما الآحاد. [السواح، الرحمن والشيطان، ص 287. الهامش.]
وهذا خبال لا يطيقه الخيال لمن يعرف أنّ المتواتر هو ما يرويه الجمع الكثير عن مثله من أول السند إلى منتهاه، وتحيل العادة تواطؤهم على الكذب، ويكون مستند الخبر الحس.
رفض السنّة المتواترة يقتضي رفض القرآن المتواتر، وجميع الروايات عن الماضي والحاضر؛ لأنّها كلّها لا تخرج عن الآحاد والمتواتر، وهو ما يلتزم به السواح.
وقد بلغ به ذلك أن انّهم الأمويين بادّعاء أنّ معاويةَ بن أبي سفيان صحابيٌّ وكاتبٌ للوحي (الوحي والنص، ص105)، على الرغم من أنّ ثبوت صحبته للنبي ﷺ وتوثيقَ دَوره في عصر الخلفاء الراشدين أمرٌ لا جدال فيه تاريخيًّا، بل إنّ خصومه من عامة الشيعة -رغم شدّة خلافهم معه- لم ينكروا إسلامَه زمنَ الرسول ﷺ ولُقياه له، وهما شرطا الصحبة عند عامة العلماء -مع شرط الوفاة على الإسلام-.
ومن غرائب تناقضه أيضًا أنّه أثبت خبرَ وجودِ صورةٍ لعيسى عليه السلام في مكة لتأييدِ رؤيته العقدية، مستندًا إلى أخبار مكة للأزرقي، بل زعَم أنّ هذه الصورةَ ظلّت موجودة حتى فتح مكة، مع أنّه في الوقت نفسِه يشكك في أصل خبرِ فتح مكة! [السواح، الوحي والنص، ص390.]
وهذا كلُّه يجعل منهجه أقربَ إلى ما يمكن وصفُه ب المنهج الانتقائي الرغبوي الذي يبدأ من النتيجة المرادِ إثباتها، ثم يبحث عن رواياتِ تدعَمها، من غير مراعاةٍ للمنهجية العلمية التي تُلزم الباحثَ بتأسيس قواعدَ ثابتةٍ في التعامل مع الوثائق التاريخية قبل التعاطي النقدي مع مادتها، قَبولا ورفضًا.
أَجهلٌ ولا دينيّةٌ وخَوَرٌ؟! قد جَمَعتَ إذن كلَّ السَّوءات!
أنا لا أعرف بعُمقٍ ما هو الحقُّ، ولكنني في الوقت نفسِه أعرف بأنّني لا أعرف، على عكس الكثيرين . (السواح، اللّه والكون والإنسان، ص22-23) وهو تواضُعٌ مسرحيّ ؛ فإنّ السواحَ لا يكاد يطرَح سؤالاً إلّا يجيب عنه بالتفصيل الجازم، إلّا ما ندر. ومن يقرأ كُتُبَه، ويُصدِّق ما فيها، فسينتهي إلى الردّة عن الإسلام ضرورةً؛ فإنّ حديثه صريحٌ وجازم في تكذيبٍ أصول الإسلام.
وخلاصة ما سبق في النقاط التالية:
1. الكتابُ الوحيد الذي ألّفه السواحُ لدراسة الإسلام وتاريخه المبكّر دراسةً نقدية هو كتابُه الأخير الوحي والنص ، وفيه حشو كثير، ومناقشةٌ سطحيّة لأصول المسائل.
2. فراس السواح، كاتبٌ دخيل على الدراسات الإسلاميّة، يجهل أبسطَ قواعدِ الدراسات التاريخية، حتّى إنّه لا يميّز بين المصادر التاريخيّة الأصليّة والأبحاثِ المتأخّرة التي بُنيت على هذه المصادر.
3. حِرْصُ السواح على إظهارِ معرفته بالكتب والمصطلحات فضَح جهلَه بهما؛ فقد وقع في أخطاءٍ شنيعةٍ لا يقع في مثلها المبتدئ في هذه المباحث.
4. لم يقدّم فراس السواح منهجًا عِلميًّا لقراءة السيرة، بقواعدَ منهجيةٍ مطّردة، وإنما وصَم السيرةَ بأنها خرافيّةٌ، ثم انتقى منها ما يوافق مذهبَه! وردّ الرواياتِ السائغةَ بأخرى لا تفوقها سَواغًا أو هي بلا سَواغِ تاريخي أو لُغوي.
5. قدّم السوّاحُ قراءةً راديكالية للسيرة النبوية، وعلى رأس ذلك دعواه أنّ الرسول ﷺ نصراني، وشاميُّ المنشأ حيث اكتسب معرفة موسوعيّة بثقافة أهل الكتاب، دون أنْ يعرض لذلك حُججًا تاريخيّةً تدعمُها!
6. أخَذ السواحُ من مذهب المراجعين الاستشراقي كلَّ سَوءاته المنهجية، وزاد عليه منكَراتٍ أخرى، وإنْ كان لم يقرأ شيئًا لهذا التيّار أو لغيرِه؛ فجاء حديثُه عن السيرة سطحيًّا وشظويًّا بلا أصولٍ ترفعه ولا روابطَ تجمعها.
7. اختلف الباحثون في السيرة النبويّة إلى ثلاثة مذاهب: مذهب علماء الإسلام الذين يرون إمكان معرفة حقيقة سيرة الرسول ﷺ باعتماد المادة التاريخية المحفوظة، بعد تمحيصها، ومذهب المستشرقين المراجعين الذين ردّوا كلّ مراجع السيرة التراثيّة ، ومذهب جمهور المستشرقين الذين ذهبوا إلى إمكان العلم ببعض خبر السيرة مع وجوب رفض عامة التراث. وللسواح أقوال متناقضة، تشير إلى تبنيه هذه المدارس كلّها!
السواح والنصرانية.. باحث لم يقرأ!
ألَّف السّوّاحُ كتابين في موضوعين يُعدّان من أهمّ الموضوعات المتعلّقة بالنصرانيّة.
أوّلُهما فيما يُعرف أكاديميًّا ب بحث يسوع التاريخي (Quest for the historical Jesus)، أي الكشف عن الصورة التاريخيّة للمسيح عليه السلام من خلال أقدم الوثائق التاريخيّة، خصوصًا العهدَ الجديد، وتمييزها عن يسوع الإيمان أو المسيح كما تُصوِّره العقيدةُ النصرانيّة.
أمّا الكتابُ الآخَرُ فعنوانه كاشف عن مُراد مؤلِّفه، إذ تناوَل فيه ما سمّاه ألغاز العهد الجديد ، وهو في معضلات هذا النصّ وطلب معالجة الإشكالات التي استعصت على أهل النظر والتحقيق.
وسيكون بحثنا متعلّقًا بمراجعة كتابين للسواح: الوجه الآخر للمسيح: موقف يسوع من اليهودية – مقدمة في الغنوصية و ألغاز الإنجيل .
1- السواح والنصرانية.. نظرات في الشكل
إن الدراسات المتعلّقة بالنصرانيّة باتت شديدة الدقّة، ولم يعد متاحًا التعمّقُ فيها إلا لمن يمتلك أدواتِ علميّةً مخصوصة.
بدأَت الكتابةُ العلميّة الغربيّة في موضوعِ يسوع التاريخي منذ القرن الثامنَ عشَرَ. ونحن اليومَ على أعتابٍ ما يُعرف بالموجة الرابعة من مَوجات البحث في هذا المجال. وأمّا موضوع معضلات العهد الجديد ، فبابٌ تمّ الخوضُ فيه منذ القرن الثاني للميلاد إلى يومنا هذا، وتجد مادتَه مبسوطةً في دراساتِ نقدِ نصوص الكتاب المقدس، وفي المؤلَّفات التي تتناول ما يُعرف أحيانًا ب النقد الأعلى و النقد الأدنى ، وفي الأبحاث التاريخية أو اللغوية للعهد الجديد، بل في الدراسات المتعلّقة بأركيولوجيا الكتاب المقدس. هذا مَيدانُ بحثٍ واسعٌ ومتشعِّبٌ يمتدّ على مساحةِ رَحبَة من العلوم الكتابية Biblical والتاريخية.
والناظرُ في أسماءِ مَراجع كتابَي السّوّاح، لن يجد عنتًا في اكتشافِ فَقرها عددًا وقيمة علميّة.
يبدو أنّ السواح قد أدرك سَوأة الجهل بالمؤلّفات العلمية. ولذلك حاول في أكثر من موضع الإحالة إلى كتب لم يستفد منها شيئًا، بل لم يقرأها على الأرجح، وهو ما يتّضح من إحالته إلى مؤلفات دون ذكر الصفحات ذات الصلة، رغم أنّ الدقّة العلمية تقتضي ذلك. وهذا الصنيع معروف عند بعض من يريدون التظاهر بسعة الاطلاع؛ فيضعون أسماء مراجع عامة، دون أن تكون الإحالة حقيقية أو موثقة بدقة.
لا شكّ أنّ السواح قد اطلع على العهد الجديد، فهو كثيرًا ما ينقُل عنه. كما يبدو أنه اطّلع على عددٍ من نصوص الفرق الهرطقيّة. لكنّ هذا لا يكفى بحالِ من الأحوال؛
ولا أقصد بذلك فقط النصوصَ الغنوصيّة المكتشَفة حديثًا، والتي لا يمكن فَهمُ كلمةٍ واحدة منها دون الإحاطة بما كُتِب عن الغنوصيّة من دراساتٍ حديثة، بل أعني حتى العهد الجديد نفسه، إذ لا يُقبل اليومَ أنْ يُقرأ قراءةً سطحيّة أفقيّة تعتمد على الترجمة العربيّة أو الإنجليزيّة دون الرجوع إلى لغاته الأصلية وسياقاته التاريخية.
يوسيفوس: أحال السّوّاحُ مرارًا إلى كتابين من كُتُب المؤرخ اليهودي يوسيفوس: عاديات اليهود و حروب اليهود ، لكنْ لا بالعودة إلى نصوص يوسيفوس نفسِها، وإنما بالاعتماد على كتابين ثانويين هما: الدم المقدس وكتاب طابور.
النقاد متفقون على أهميّة كتابات يوسيفوس في القرن الأول.
يوسابيوس: كتاباتُ يوسابيوس في القرن الرابع، خاصةً كتابَه المرجعي الأوّلي تاريخ الكنيسة ، ركنٌ أساسيّ في دراسةِ سيرةِ يسوعَ والبحث عن يسوع التاريخي. وقد كان السواح ينقل عن يوسابيوس من خلال هذه الوسائط اللا علميّة.
ومن العجائب أنّ السواحَ كان يكتُب اسمَ يوسابيوس على أكثرَ من صورةٍ (كتاب ألغاز الإنجيل ص 143: أوزيبيوس، ص 167 و171 أوزيب القيساري. كتاب الوجه الآخر ص 143: أوزيب القيصاري، ص 22: أوزيبوس، وكَتَب أمامه كأنه لا يعرفه! ولعلّه لا يعرفه! وهذه عجيبةُ العجائب.
وأنا هنا أسأل السواحَ، بجِدّ، لا طلبًا للإحراج، وإنّما غَيرةً على جناب العلم: لِمَ لَمْ أرَ في كتابك إحالةً إلى أعلام النقّاد في دراسات البحث عن يسوعَ التاريخي؟!
فإنّي لم أرَ اسم إ. ب. ساندرز E. P. Sanders ولا جون دومينيك كروسان John Dominic Crossan ولا جيمس د. ج. دان James D.G. Dunn ولا خصمَيه ن. ت. رايت N.T. Wright ولاري و. هرتادو Larry W. Hurtado، ولا غيرهم من الأعلام الذين لا يمكن تجاوزُ ذِكرهم في بحثٍ تأسيسي عن يسوعَ التاريخي.
ولم أرَ موسوعاتٍ للكتاب المقدس أو معاجمَ أو كُتُبَ تأريخٍ أو تنظيرٍ وتأصيلٍ من الموجة الأولى إلى اليوم، من هيرمان صاموئيل ريماروس Hermann Samuel Reimarus إلى جيمس كروسلي James Crossley.
أظهر جهلا بيّنًا بعلم النقد النصي.
وقد كانت أمامه ثلاثة سبل لتجاوز الخبط في هذا البحث: إمّا أن يقرأ في هذا المجال حتى يملك أدواته ويتحدّث فيه بلغة أهل التخصّص، أو أن يحيل إلى أهل الفنّ، أو أن ينصرف تمامًا عن تناول القضايا المرتبطة بالتحريف.
والكتبُ المرجعية في هذا البابِ معروفةٌ، مألوفة، وعلى رأسها نصُّ Nestle-Aland الذي بلغ اليومَ مراجعتَه الثامنةَ والعشرين، ونصُّ UBS الذي ستُنشر مراجعته السادسة قريبًا، إضافةُ إلى النصوص النقدية الأخرى التي بدأت تظهر في الساحة، مثل نصِّ Michael W. Holmes.
فإنْ عجَز الباحثُ عن التعامل مع هذه النصوص، يمكنه أنْ يُحيل إلى الدراسات التي علَّقَتْ عليها، ككتاب بروس ميتزجر Bruce Metzger أو أعمال فيليب كومفورت Philip Comfort لمرتجمي الكتاب المقدس، بعهدَيه، ففيها تنبيهاتٌ سهلة العبارة إلى المواضع المحرَّفة.
فليس له عُذرٌ في ترك الاستفادة من الترجمات الحديثة التي توضّح الحذفَ في الهوامش، والموجَّهةِ إلى العوامِّ، مثل الترجمات الإنجليزيّة: NET البروتستانتية أو الكاثوليكية، أو الفرنسية، مثل La Traduction cum nique de la Bible : TOB.
وبالتوازي مع ذلك، كان بإمكانه الرجوعُ إلى شُروحِ العهد الجديد النقدية التي تتميز بذِكرِ الإشكالات النصية وبيانِ مؤيداتِ أصالة النص أو دلائلِ تزييفه.
يقسّم النقّاد كُتُب شروح أسفار العهد الجديد إلى ثلاثة أنواع: التفاسير الشعبية popular commentaries للعامة، والتفاسير الرعوية pastoral commentaries للدعوة في الكنائس، والتفاسير النقديّة Critical commentaries وهي خاصة بالمتخصصين والأكاديميين، وأهم ما تتميّز به التعليق على النصوص في أصلها اليوناني مع التنبيه إلى اختلاف المخطوطات والشواهد الآبائية والترجمات القديمة، خاصة اللاتينية القديمة والقبطية والسريانيّة.
لا يكاد يَسْلَم للسواح حديث في هذا الشأن دون خطأ في الحكم أو التوثيق أو فهم كلام النقاد.
ذكَر يوسابيوس أنّ قسطنطين أمَره بالإشراف على إعدادِ 50 نسخةً من الأسفار المقدسة ثم توزيعِها.
Eusebius, The Life of Constantine, 4.36.
فقد شكّك كثيرٌ من النقّاد في أن تكون هذه النُّسخُ شاملةً للعهدَ الجديد، ولذلك ذهَب فريقٌ منهم إلى أنّ هذه النُّسخَ كانت تشمل حصرًا أسفارَ العهد القديم، أو كانت كُتُبَ صلواتٍ -كما هو قولَ هنريخ شوماخر Heinrich Schumacher.
Heinrich Schumacher, A Handbook of Scripture Study (St. Louis: B. Herder Book Co., 1922), 1/47.
هذه الأسفارَ قد حُرّفت لأجلٍ نُصرةِ عقائدَ ما. وكان من أوّلِ مَن ألَّف في ذلك ليك Lake: أثَر النقدِ النصي في تفسير العهد الجديد (2) حيث أشار المؤلَفُ إلى بعض التّحريفات العقدية، ثمّ نشَرج. رندل هاريس J. Rendel Harris مقالين له أشار فيهما إلى تحريفات مرقيونيّة وأخرى.(3) ثم تناول هذا الأمر برنيت ستريتر Burnett Streeter في كتابه الشهير الأناجيل الأربعة (4) رغم أنّ المادة الأساسية لهذا الكتابِ كانت حول المشكلة السينوبتية.
(2) Kirsopp Lake, The Influence of Textual Criticism on the Exegesis of the New Testament (Parker and Sons, Oxford, 1904).
(3) J. Rendel Harris, New Points of View in Textual Criticism, The Expositor 8/7 (1914) 316-34; idem, Was the Diatessaron Anti-Judaic? HTR 18(1925) 103-09.
(4) B. H. Streeter, The Four Gospels: A Study of Origins Treating of the Manuscript Tradition, Sources, Authorship, and Dates (London: Macmillan, 1924).
بحث ليون رايت Leon Wright حول تغيير كلمات المسيح في كتابات القرن الثاني، ومنها كتاباتُ الآباء الرسل والدفاعيين النصارى.
Leon Wright, Alterations of the Words of Jesus as Quoted in the Literature of the Second Century (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1952).
وكانت البدايةُ الجادة لسقوطِ دعوى هورت في استبعاد التحريف العقدي مع نشْرِ إلدون إب سنةَ 1966 دراستَه حول نصِّ سِفْر أعمال الرسل في مخطوطةِ بيزا، وفيها ذهَب إلى أنّ قُرابة 40% من التحريفات في أعمال الرسل تعود إلى النزوع إلى معاداة اليهود بسبب استحضار الجماعة النصرانية لدور اليهود في مؤامرةِ طلب صَلب المسيح عليه السلام.
Eldon J. Epp, The Theological Tendency of Codex Cantabrigiensis in Acts (Cambridge: Cambridge University Press, 1966).
ولخَص جوهرَ أطروحته في قوله: قام النساخُ أحيانًا بتغييرِ كلماتِ نصوصهم المقدسة لجعلها أكثرَ وضوحًا في أرثوذوكسيتها ولمنع إساءةِ استخدامها من قِبل المسيحيين الذين تبنَّوا آراءً منحرفة .
Bart Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The Effect of Early Christological Controversies on the Text of the New Testament, p.xi. Scribes occasionally altered the words of their sacred texts to make them more patently orthodox and to prevent their misuse by Christians who espoused aberrant views .
عملية تحريف الأناجيل لم تكن في أيٌّ من صوَرها عمليةَ منهجية، تعمَد إلى رفع كل الإشكاليات، وإنما عامة التحريفات فردية، لمواجهةِ مشكلاتِ خاصة، وهو أمرٌ من السهل إدراكُه بمراجعة الاختلافات بين المخطوطات اليونانية القديمة. كما أنّ هذه التحريفات -كما يقول بارت إيرمان- لم تصدر عن توجيه من سلطة سياسيّة أو دينيّة، وإنّما تمّ التحريف بصورة فرديّة، بدوافع ذاتيّة من النّسّاخ.
Interview with Bart Ehrman in Miguel Conner, ed. Voices of Gnosticism: Interviews with Elaine Pagels, Marvin Meyer, Bart Ehrman, Bruce Chilton, and Other Leading Scholars (Bardic Press: 2011), 56.
كَتَب السواحُ عن نصِّ مَرقُس 1/5: قامت الترجمةُ الكاثوليكية الجديدة بتغييرِ موقع هذه القصة من بلدة جَدَرة البعيدة عن بحر الجليل إلى بلدةِ جراسة الواقعة على شاطئه، فقالت: “في ناحية الجراسيين” بدلاً من “في ناحية الجَدريين”، وهذا نموذجُ آخَرُ عن استمرارِ عملية التحرير في العهد الجديد . [السواح، الوجه الآخر للمسيح، ص23.]
السواح يجهل حقيقتَها، متصورًا أنّ الترجمة الكاثوليكية الجديدة قرّرت في النصف الثاني من القرن العشرين أنْ تتجاوز المشكلةَ الجغرافية في هذا النص بتحريفها.
رفَض أوريجانوس في بداية القرن الثالث الميلادي اختيارَ جدارا أو جراسا لأنّه لا وجودَ لهما بالقرب من ضِفّة البحيرة. ورأى أنّ القراءة الصحيحة هي كورةُ الجرجسيين،(3) وهو ما يرفضه النقّاد المعاصرون، بل اتهمه كثيرٌ منهم أنّه قد اختلق هذه القراءةَ من عنده.(4)
(3) Origen, Comm. Jo., 6.41
(4) See T. Baarda, Gadarenes, Gerasenes, Gergesenes and the Diatessaron traditions in E. E. Ellis and M. Wilcox, eds., Neotestamentica et Semitica (Edinburgh: T. & T. Clark, 1969) 181-197.
والحقيقةُ أنّ الأصل العبري لإشعياء 1/42 يذكر عبدي بالعبرية، بنفس الأحرف العربية (עבדי) إلا أنّ النص اليوناني لإنجيل متّى قد اعتمد كلمةَ (παῖς) التي تعني عبد وكذلك فتى .
ولذلك فإنّ اتهام الترجمات العربيّة بالتحريف بهذه الصورة غيرُ سليم. كما أنّ قَول السواح إنّ كل الترجمات العربية اعتمدت عبارةَ فتاي لا عبدي غيرُ صحيح؛ فالترجمةُ الكاثوليكية اليسوعية الشهيرة اعتمدت عبارةَ عبدي في متّى 18/12.
تكرّر من السواح التأكيدُ أنّ إنجيلَ لُوقا هو الوحيدُ الذي يَذكر ارتفاعَ المسيح إلى السماء بعد قيامته من بين الأناجيل الأربعة، دون أن يُظهر أدنى معرفةِ بأنّ عبارةً وأُصعد إلى السماء في لوقا 51/24 مشكوكٌ في أصالتها بين النقّاد؛ فإنّها غيرُ موجودة في المخطوطة السينائية ومخطوطةِ بيزا ومخطوطاتٍ من الترجمة اللاتينية القديمة والمخطوطةِ السينائية السريانية.
وجهلُ السواحِ بهذا الجدل صادمٌ، وسيئه قراءتُه نصَّ العهد الجديد على طريقة الهواة، دون وسائطَ علميّة.
ألم يسمع السواحُ بإجماع النقّاد أنّ هذه القصةَ محرَّفةٌ وليست جزءًا من إنجيل يوحنا.
لا يخلو عملُ الباحث المجتهد الجاد من خطأ، فالقُصورُ مُلازمٌ للعمل البشري. لكنّ هذه الحقيقةَ لا تُخفي أنّ من الأخطاء ما لا يُغتفر، خاصةً إذا تكرَّر الخطأُ نفسُه أو تكرَّر جنسُه؛ فعندئذٍ لا نكون أمام زَلَّةٍ عارضة نتجت عن سهو أو غفلة أو عجلة، بل أمام مظهر من مظاهر الهشاشة العلمية للمؤلّف.
اسمُ الأبيونيين أُطلق على فرقة مهرطقة منبوذة من عموم الكنائس. وقد اختلف الآباءُ في تفسيره؛ فمنهم مَن قال إنّه من اسمُ زعيمِ هذه الطائفة إبيون ، مثل هيبوليتُس،(2) وترتليان،(3) وهيلاري،(4) وفيلاستريوس،(5) وإبيفانيوس،(6) وجيروم،(7)
(2) Hippolytus, Ref. 7.35.
(3) Tertullian, De praescr. 33. 3-5.
(4) Hilary of Poitiers, De trin. 1.26
(5) Philastrius, De haer. 37.
(6) Epiphanius, Pan. 30.17.2.
(7) Jerome, Epist. 112.13.1.
ومنهم مَن قال إنّه بمعنى الفقراء، مثل أوريجانوس(1) ويوسابيوس.(2)
(1) Origen, Contra cels. 2.1
(2) Eusebius, Hist. eccl. 3.27.6.
وأمّا الاسم الذي عُرفوا به مع اسم مسيحيين ، فهو نصارى لا أبيونيون .
فهذا خطأٌ صادم وشنيع لأنّ الأبيونيين من أشهر الفرق المهرطقة. ويمتنع على العقل أن يصدّق أن يقع في هذا الخطأ مَن زعم أنّه درَس تاريخ الكنائس الأولى!
قال السواحُ في كتابه ألغاز الإنجيل : جرى إقرارُ الأناجيل الأربعةِ المقبولة رسميًّا من قِبل الكنيسة في أواخر القرن الثاني الميلادي . [السواح، ألغاز الإنجيل، ص32.]
هذا كلامٌ لا يقوله مَن درَس شيئًا من مباحثِ تقنين أسفار العهد الجديد؛ فإنّ كلمة رسميًّا تعكس قرارًا مباشرًا من الكنيسة.
شروحَ إنجيل يوحنا المعاصرةَ مع مقدماتها النقديةِ، بالإضافة إلى الدراساتِ المتعلّقة بتاريخِ هذا الإنجيل، تَشهد أنّ جماهير النقّاد قد اتّجهوا إلى حصرِ تأليف هذا الإنجيل في نهايةِ القرن الأوّل إثرَ اكتشافِ البردية 52 ونشْرِ كولن ه. روبرتس دراسةً عنها سنةَ 1935م.
Colin H. Roberts, An Unpublished Fragment of the Fourth Gospel in the John Rylands Library (Manchester: The Manchester University Press, 1935).
ومن الجليِّ أنّ السواحَ لم يتجاهل شهادةَ النقاد عن قصد، وإنما غفَل عنها لعدم اطلاعه على كلام النقاد المتخصصين في المباحث الإنجيلية.
وقد نقل الناقد الكندي برنييه Bernier الإجماع على أنّ الفصل 21 متأخر عن بقية نص إنجيل يوحنا.
Jonathan Bernier, The Quest for the Historical Jesus after the Demise of Authenticity (New York: Bloomsbury Publishing, 2016), 48.
من المستقِرّ في الدراسات الدينية النصرانيّة أنّ اصطلاح التبنّي -والذي يقابل في الإنجليزيّة (adoption)، ومنه اشتُقّ اصطلاحُ مذهب التبنّوية (adoptionism)- لا يُقصد به محضُ اعتبارِ المسيح البشري ابنّا لله على الفَهم اليهودي، وإنّما يشير إلى ما تبنّاه كثيرٌ من الهراطقة قديمًا من أنّ رُوحًا إلهية حلّت في عيسى البشري عند ميلاده أو تعميده، بتبنّيه لاحقًا من الله.
ذهب فريق من هؤلاء الباحثين إلى أنّه وإن كان الفصل 21 من إنجيل يوحنا خاتمة ثانية متأخرة، إلّا أنّه من إملاء مؤلف هذا الإنجيل. وهو قول بلا دليل، ويخالف عادة الكُتّاب في إعادة تحرير كلامهم ليكون متناسقًا، فلا يضمّ خاتمتين اثنتين، بالإضافة إلى أنّ معجم ألفاظ الفصل 21 مخالف لمعجم بقية الفصول، بما يكشف اختلاف المؤلفَين.
كَتَب السواحُ: وترسّخ مفهومُ الثالوث الذي لم يقُل به أصحابُ الأناجيل ولا بُولُس الرسول ولا حتى مَجْمَع نيقية، كما ترسّخت عبادةُ السيدة مريمَ التي أعطاها أحدُ المجامع المتأخرة لقبَ “أم الله” . [السواح، الله والكون والإنسان، ص18.]
وقال السواحُ عن مريمَ: …امرأة بتول مقدسة لم تقترف خطيئةً قط. وبما أنّها حمَلَت بيسوع وتجسّدت فيها كلمةُ الله، فقد دعاها مجمعُ خلقيدونيا عام 451م بأمّ الله، وذلك تكريمًا لها، لأنّ المسيحين يؤمنون بأنّ الله لم يلد ولم يولد، كما هو حالُ المسلمين. ولكي أقرّبَ لقبَ “أم الله” إلى الذهنية الإسلامية، أستشهدُ بلقبِ “أم أبيها” الذي يطلقه المسلمون الشيعةُ على السيدة فاطمةَ الزهراء، بنتِ الرسول الكريم وأم الحسن والحسين. فهذا اللقبُ لا يعدو أن يكون صيغةً كلامية من أجل التعبير عن المكانة العالية للسيدة فاطمة التي لم يبرُز في خَلَد أحدٍ في أي زمن من الأزمنة أنْ يضاهيَها في مكانةٍ أعلى من مكانة أبيها، ولا حتى في مكانةِ تعادله. وهناك أحاديثُ نبوية يتداولها الشيعةُ تقرن بين السيدة فاطمةَ الزهراء والسيدةِ مريمَ . [السواح، الإنجيل برواية القرآن، ص 218-219.]
تعني كلمةُ (τόκος) (توكُوس) اليونانيةُ يُنجِب أو يَلد . وتتكون كلمةُ ثيوتوكوس من دمجٍ كلمةِ ثيوس -بمعنى إله- ب توكس ، وتعني من أنجبَت الإله، أو والدته، من فِعلِ الولادة، لا من طابَع الأمومة.
لقب Θεοτόκος (والدة الإله). فهذا المقصودُ به أنّ مريمَ ولدَت الابنَ، الذي هو عندهم الإلهُ المتجسّد، أيْ إنّها ولدَت يسوعَ المسيح بما فيه من لاهوتٍ وناسوت.
ولذلك لا تَليق البتّة مساواةُ هذا المصطلح المُشكِل جدًّا بعبارةِ أمّ أبيها التكريميّةِ، المجازيّة؛ فإنّ مصطلحَ ثيوتوكوس غيرُ مجازي؛ فإنّ مريمَ قد أخرجَتْ من رَحِمها اللاهوتَ المتجسّد، على المعنى الحرفيِّ للعبارة!
ثمّ إنّ لَقبَ ثيوتوكوس قد أُطلق على مريمَ رسميًّا في مَجمع أفسس 431م، وأمّا مَجمعُ خلقيدونيا 451م فقد اكتفى بتأكيده.
زعْمُ السواحِ أنّ إبيفانيوس هو سببُ ترسيخٍ عقيدةِ العذرية الدائمة لمريمَ عليها السلام perpetual virginity of Mary في الكنيسة، لا حُجّةَ له؛ فإنّ السببَ الأكبر لترسيخِ هذه العقيدة، هو تبنّي الكنيسةِ لإنجيلِ يعقوب الأوّلي Protoevangelium والذي بلغ سلطانُه في الكنيسة الأولى درجة استثنائيّة جعلت الناقدَ بيتر فوستر يقول إنّ هذا الإنجيلَ: يكاد يكون قانونيًّا (almost Canonical).
Paul Foster, The Protevangelium of James, The Expository Times 118, no. 12 (2007): 582.
آريوس ليبي وليس إسكندريًّا.
خصمُ آريوس في مجمع نيقية لم يكن أثناسيوس، وإنّما هو بطريرك الإسكندريّة ألكسندروس Ἀλέξανδρος الأوّلُ.
وقد كان أثناسيوس في مجمع نيقية مجرّد شماس. وكما يقول هانسون Hanson عن أثناسيوس -في كتابه المرجعي عن الآريوسية ومعاركها اللاهوتية-: من المؤكَّد أنّه لم يكن له أي دور بارز أو فعّال، على الرغم من الأساطير المتأخرة التي تقول ذلك واقتناع بعض العلماء بأنه كان الروح المحرّكة في المجمع. ما كان يُسمح البتّة للشمّاس من قِبل الأساقفة بأن يقوم بدور بارز في مناسبة كهذه .
R. P. C. Hanson, The Search for the Christian Doctrine of God: The Arian Controversy, 318-381 (Edinburgh: T&T Clark, 1988), 157.
آريوس أقربُ إلى أثناسيوس منه إلى الإسلام؛ فإنّه كان يرى الابنَ خالقًا للكون، ولم يتحرّج من وصفه بأنّه إلهٌ كامل (πλήρης θεὸς)، كما في رسالته إلى يوسابيوس النيقوميدي.
Theodoret, Hist. eccl. 1.51.S; Parmentier and Scheidweiler, Theodoret. Kirchengeschichte, 2nd edition (GCS 44; Berlin: Akademie Verlag, 1954), 25-26.
أصبحَت النصرانيةُ الدينَ الرسمي للدولة بعد مَوتِ قسطنطين بعقود، سنة 380م، في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، إثرَ إصدارِ مرسومٍ تسالونيكي Edict of Thessalonica.
إيهامُ الاطّلاع والاستقراء الذي يمارسه السواحُ مرارًا، مؤذِ للنظر!
من المشهور أن ترجمة New Revised Standard Version تكاد تكون الترجمة المعيارية في عالم الأكاديميا. وقد وصفها عالم النقد النصّي للعهد الجديد غوردون د. في Gordon D. Fee ومعه مارك ل. شتراس Mark L. Strauss في كتابهما الهام كيف تختار ترجمةً ملائمة: دليل لفهم نسخ الكتاب المقدّس ولاستخدامها بأنها من أكثر الترجمات الحرفيّة موثوقيّة، وهي تُحظى باحترام واسع بين علماء الكتاب المقدّس .
Gordon D. Fee and Mark L. Strauss, How to Choose a Translation for All Its Worth: A Guide to Understanding and Using Bible Versions (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2007), 156.
وينافس هذه الترجمة المرتبة الأولى The English Standard Version وThe New International Version.
أمّا الإحالةُ إلى الصاحب، فهي تَصرُّفٌ لو أتى به تلميذٌ في مدرسةِ إعدادية لَعَنّفه معلمُه بشدة.
وعلَّق في الهامش: عن صفحةِ الباحثِ عمر حكمت الخوري على الفيس بوك، وهو اختصاصيٌّ باللغات السامية العربية في ألمانيا . [السواح، الوحي والنص، ص197.]
وقد كان عليه الإحالةُ إلى المعاجم العبرية التي اعتنت بذكر مشتركها مع العربية، وأهمُّها معجمُ المستشرق Heinrich Friedrich Gesenius المكتوبُ بالألمانية بعنوانِ (Hebr isch-Deutsches Handw rterbuch ber das Alte Testament) وصدر لاحقًا في أكثرَ من ترجمةِ إنجليزية، من أهمها الترجمةُ المهذّبة المعروفة والمتاحة مطبوعةً وعلى الشبكة، والتي قام عليها Francis Brown و S. R. Driver وCharles A. Briggs.
فإنْ لم يعرفْها، فلينقُل من الكتاب المعروف معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية للدكتور حازم علي كمال الدين.
حازم علي كمال الدين، معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية (القاهرة: مكتبة الآداب، 1429ه/ 2008م).
إنّ الترجمة الإنجليزية لمدراش تكوين (=برشيت) متاحة للاقتباس. وقد كان بإمكان السواح العودة إلى ترجمة الحِبر ه. فريدمان أو الترجمةِ الأحدث للناقد المعروف جاكوب نوزنر Jacob Neusner:
Genesis Rabbah: The Judaic Commentary to the Book of Genesis, A New American Translation .
See Encyclopedia Judaica (Detroit: Thomson Gale, 2006), 14/185.
إنّ أبسط وأسرع نظرةٍ إلى أسماء المدراشات تكشف أنّ هذه المدراشات تُسمّى -عادةً- باسم السِّفر الذي تفسّره أو باسم الكلمةِ الأولى فيه. فعندما نقول: مدراش برشيت (מִדְרַשׁ בְּרֵאשִׁית)، فإننا نقصد مدراش سفر التكوين، وكلمةُ برشيت (בְּרֵאשִׁית) هي أولُ كلمةٍ في سِفر التكوين، وعادةً ما يُسمّى السِّفرُ بهذا الاسم.
والاستثناء أن تُنسَب المدراشاتُ إلى شخص. ومثالُ ذلك مدراشُ تنحوما (מִדְרַשׁ תַּנְחוּמָא) نسبةً إلى الحاخام تنحوما بن أبّا (תַּנְחוּמָא בַּר אַבָּא)، ولكنْ من المتفق عليه أنّ تنحوما لم يَكثُب هذه المدراشاتِ، وإنْ تكرَّرت فيها عبارةُ قال الحاخام تنحوما (אָמַר רַבִּי תַּנְחוּמָא).
ووجهُ الاستفزاز هنا هو أنّ هذه المشكلةَ قد سال الحِبرُ فيها وحولها طويلاً في القرن العشرين، عند الشرّاح وعلماء اللغة اليونانيّة، حتّى إنها سُمّيت في الدوائر العلمية Johannine Theos Debate ، كما اشتُهر الأمرُ في الدوائر السُّغوية عند الجدل حول Colwell’s Rule ، إشارةً إلى القاعدة التي وضَعها إ. سي. كولويل Ernest Cadman Colwel، والتي يُستدَلّ بها في تعريف الاسم النكرة إذا سبق الفعل ضمن شروط معينة.
Ernest Cadman Colwell, A Definite Rule for the Use of the Article in the Greek New Testament, Journal of Biblical Literature 52 (1933): 12-21.
أهمّها كتابُ الحقيقة في الترجمة: الدقّة والتحيّز في الترجمات الإنجليزية للعهد الجديد ، الصادرُ منذ أكثرَ من عقدين، والذي ذاع أمرُه بين غير المتخصصين في الغرب رغم نَفَسه العلميّ الجاد.
Jason David BeDuhn, Truth in Translation Accuracy and Bias in English Translations of the New Testament (Bloomsbury Publishing, 2003), 113 ff.
قال السواحُ: من الصعب العثورُ على جَذرٍ عربي للاسم عيسى، ومعظمُ مفسري القرآن يرون أنه مشتقٌ من الاسم الآرامي-السرياني “يشوع”، وهو ترجمةٌ للاسم العبري “يشوع” المختصر عن الاسم الكامل “يهوشوا”، أي “خلاص يهوه”، أو “يهوه مخلص” . [السواح، الإنجيل برواية القرآن، ص98.]
معظم دارسي القرآن في الشرق والغرب لا يقولون إنّ عيسى مشتق لغة من يسوع ، وإنّما هم متحيّرون في أصل اسم عيسى للفارق بين بنية عيسى و يسوع ، ولأنّ اسم يشوع بعهده السرياني معروف قبل الإسلام في البلاد العربية. ولذلك قال آرثر جفري Arthur Jeffery: لا يزالُ الاسمُ مُعضلة للبحث العلميّ .
Arthur Jeffery, The Foreign Vocabulary of the Qur’ăn (Oriental Institute Baroda, 1938), 219.
يُنظر بحث هذه المسألة، وما رجّحته في موضوع اسم عيسى في القرآن: سامي عامري، شبهات تاريخية حول القرآن الكريم (الكويت: مركز رواسخ، 1443ه/ 2022م)، ص 165-172.
الاسم العبري: يشوع (יֵשׁוּעַ) لا يشوا-وا!
الاسم اليوناني هو ييسوس Ἰησοῦς لا ياسو ولا ياسوس .
فيرمش نفسُه تَراجَع عن قوله السابق في أنّ كلمةَ نجار تعني مثقف في كتابه اللاحق (The Changing Faces of Jesus) علمًا أنّ السواح كان في هوامشه ينقُل عن هذا الكتاب! فكيف ينسب إليه ما تبرّأ منه؟!
Some years ago, I pointed out that in Talmudic Aramaic, the words ‘carpenter’ or ‘son of a carpenter’ (naggar or bar naggar) can also denote a scholar or a learned man. On reflection, I now consider that the probability of this surmise is extremely limited. G za Vermes, The Changing Faces of Jesus (London: Penguin, 2001), 154.
الكلمةُ التي أوردها مؤلَفُ إنجيلِ متّى هي ὡσαννά (أوصنّا)، ولا معنى لها في اليونانية، وإنّما هي نقحرة للعبارة العبريّة הוֹשִׁיעָה נָּא (هوشيعا نا)، عِلمًا أنّ اليونانيّة ليس فيها حرفُ الشين. والعبارةُ العبريّة تعني: خلِّصنا أرجوك/ أو الآن .
الجهل بأسئلة النقاد وواقع البحث الأكاديمي
المسائلُ الإشكالية بحقَّ، فلم يكَد يتناول السواحُ بالنظر شيئًا، مثل إشكاليةِ استعادةِ النص الأصلي للعهد الجديد، وتمييزِ رسائل بُولس الأصيلة عن المزيفة، وتاريخ تقنينِ العهد الجديد، وقواعدِ التقنين…
وقد ألّف بارت إيرمان -الأكاديميُّ اللا أدريّ، وأحدُ أبرز خصوم النصرانية اليوم، وأحدُ أعلام البحث عن يسوع التاريخي – كتابَه هل وُجِد يسوع؟ منذ سنواتِ قليلة لنقضٍ هذه الدعوى التي كرّرها السواحُ وملاحدةُ الغرب على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنّ الأكاديميين لا يخوضون في هذه الأقوال الشاطحة.
وختم إيرمان كتابَه بقوله: في رأيي، إنَّ أنصار خرافيّةِ يسوع يقومون -وبشكلٍ يثير المفارقة- بالإساءة إلى [الملاحدة] الإنسانويين الذين يكتبون لهم. فباتخاذهم موقفًا لا يكاد يقبله أحدٌ غيرهم، يُعرِّضون أنفسهم للسخرية ولاتهاماتٍ بعدم النزاهة الفكرية .
Bart D. Ehrman. Did Jesus Exist? The Historical Argument for Jesus of Nazareth (New York: HarperOne, 2012), 334.
فقد صدرت بعده دراسات كثيرة جادة مثل كتابات طوني بورك Tony Burke أو الكتاب المشترك أناجيل الطفولة: قصص وهويّات .
Claire Clivaz, Andreas Dettwiler, Luc Devillers and Enrico Norelli, eds. Infancy Gospels: Stories and Identities (Mohr Siebeck, 2011).
الدراساتُ الجادة حول إنجيل متّى المنحول نادرةٌ. ومَن لم يقرأ كتابَ Libri de Nativitate Marie: Pseudo-Matthaei Evangelium, textus et commentarius فقد فاته ما يجعل كلامه علميًّا.
Jan Gijsel, ed. Libri de Nativitate Marie: Pseudo-Matthaei Evangelium, textus et commentarius: Libellus de Nativitate Sanctae Mariae, textus et commentaries (Turnhout: Brepols, 1997).
الكتابُ السالف جَمَع عشراتِ المخطوطات اللاتينيةِ من مختلِف الدول الأوروبية. ونشَر مؤلَفُه لا حقًا مقالاً بعنوان: شواهدُ جديدة لمتّى المنحول .
Jan Gijsel, Nouveaux t moins du pseudo-Matthieu. Sacris Erudiri 41 (2002): 273-300.
كَتَب السواحُ عن إنجيل الطفولة العربي : …الإنجيل العربي، وهو من الأناجيل المنحولة، وَجدتُ ترجمةً له إلى العربية ربما تعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي، أمّا أصله فمفقودٌ . [السواح، الله والكون والإنسان، ص 136.]
لا توجد أيُّ مخطوطة لهذا الإنجيل يُرجِعها النقّادُ بعد دراستها إلى ما قبل الإسلام.
ولكن بعد أنْ حصلْتُ على نسخةٍ من المخطوطة مباشَرةً من مكتبةِ الفاتيكان، تبيّن بوضوح من خطها أنّها متأخرةٌ جدًّا عن البَعثة النبوية.
كَتَب السواحُ: هذه الأسفار ال 27 لم تدخل في الكتاب المقدس المسيحي دُفعةً واحدة، وإنّما على مراحلَ امتدّت عبر ثلاثةَ عشَرَ قرنًا من تاريخ الكنيسة المسيحية، وذلك فيما بين أواخرِ القرن الثاني عندما وُضِع أوّلُ كتالوجٍ قانوني للعهد الجديد، وعام 1546م عندما انعقد المجمعُ التريدنتيني وأقرّ الصيغةَ التي نعرفها اليومَ للكتاب . [السواح، الإنجيل برواية القرآن، ص27.
هذا الكتالوجَ هو: القائمةُ الواردة في المخطوطة/ الشَذْرة الموراتورية Muratorian fragment. وقد كان من السائد سابقًا تأريخُ النص الأصلي لهذه الوثيقة بالقرن الثاني، غير أنّ كثيرًا من الدراسات الأحدث تميل إلى ردّ النص إلى القرن الرابع.
وكان ج. دونالدسون من أوائل النقّاد الذين استنكروا ردَّ نص القانون الموراتوري إلى القرن الثاني. ومن أدلّته على ذلك أنّ عبارةَ (ecclesiastica disciplina) الواردةَ في نص القانون لا تُعرف في كتاباتِ دفاعيي القرن الثاني، كما لم يجِدْ عبارةً موازيةً (sedente cathedra Urbis Romae ecclesiae) عند ترتليان.
Albert C. Sundberg, Canon Muratori: A Fourth-Century List , The Harvard Theological Review, Vol. 66, No. 1 (Jan., 1973), 12.
ولا يزال القولُ إنّ نصَّ هذه الوثيقةِ متأخرٌ يكتسب مزيدًا من الأنصار والدراسات النقدية العلمية، وآخرُها كتابُ الشظية الموراتورية (The Muratorian Fragment) الذي نُشر منذ سنواتٍ قليلة، للناقدة كورير، أستاذ دراسات الأسفار المقدسة في جامعة شيكاغو، في أكثرَ من خَمسِمائةِ صفحةٍ دلَّلَتْ فيها على أنّ هذا النصَّ يعود إلى القرن الرابع أو بدايةِ الخامس، ببيانِ أنّنا لا نجد مُوازيًا له إلا بدايةً من القرن الرابع، خاصةً دعوى عَلاقةِ هرماس ببيوس، واعتبارَ ملتياديز Miltiades مُهَرطقًا، واستعمالَ تسميةِ الكنيسة الكاثوليكية.
Clare K. Rothschild, The Muratorian Fragment (T bingen: Mohr Siebeck, 2021).
وإنّه لمن العسير -وربّما المستحيل- العثور على من يصرّح بغنوصيّة الرسالة الأولى ليسوع من بين الأكاديميين، بالمعنى المتميّز للغنوصيّة، خاصة على المستوى الكوزمولوجي، والذي اعتبره السواح أبرز معالم الغنوصيّة.
Mark L. Strauss, Four Portraits, One Jesus: A Survey of Jesus and the Gospels (Zondervan Academic: 2020), 435-438.
ومن الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق: لماذا نقَل السواحُ إنجيلَ مرقس كاملا في كتابه؟!
ومن المعلوم أنّ النقل الحرفي للنصوص الطويلة ليس من منهج البحث العلمي، بل تكفي في مثل هذه المواضع الإشارةُ إلى موطن النص مع تلخيص مضمونه، إلّا لضرورةٍ.
ومن مظاهر الحشو أيضًا، عرضُ السواحِ ترجمةَ إنجيل توما كاملةً عن الإنجليزية، رغم أنه لا يَعرف لغةَ هذا النص الأصلية.
والحشوُ مَنْفَقةٌ للسلعة، مقبرةٌ للعلم!
نسخ السواح في كتابه الإنجيل برواية القرآن إنجيل متّى كاملا في ختام الكتاب، من الصفحة 221-266، على مدى 46 صفحة كاملة!
2- السواح والنصرانية.. نظرات في المضمون
أَظهَر السواحُ إدراكًا للإشكال المنهجي الأكبر الذي يواجه دراسةَ العهد الجديد والبحثَ في يسوعَ التاريخي، والمتمثّل في الفصل بين الحدثِ التاريخي في سيرةِ يسوعَ والحدثِ الذي أضافه الموروثُ الكنسي بُغْيةَ مواءمةِ السيرة مع المعطيات اللاهوتية والتراثية. [انظر السواح، ألغاز الإنجيل، ص296.]
الإشكال الذي حيّر العلماء ليس في تقديم أقوال يسوع على أقوال غيره؛ فذاك أمر بيّن، وإنّما في تحديد معيار أصالة هذه الأقوال ذاتها، وهي القضية التي شغلت الموجة الثالثة من البحث في يسوع التاريخي. فمع وجود هذا التضارب الكبير، كيف يمكن تمييز ما هو أصيل مما هو مضاف؟
وقد رفَض السواحُ أن يسلّم للخبر القرآني عن المسيح عليه السلامُ، ولا أن يَحتجّ به في أيِّ مبحثٍ من مباحثه، كما لم يرضَ أن يكون موافقًا لإحدى المدارس الكبرى في هذا المجال، بل اختار أن يكذّب بالوحي وأن يشذّ عن الجماعة العلميّة.
فالقرآنُ قدَّم عيسى عليه السلام نبيًّا من بني إسرائيل، جاء لتجديد التوحيد، والحفاظِ على شريعة التوراة مع بعض التخفيف في أحكامها، وأَخبر عن نبيِّ آخَرَ في آخِرِ الزمان، تمهيدًا للرسالة الخاتمة. أمّا جمهورُ الباحثين اليومَ فيرَون أنّ يسوع بشَّر بنهاية الزمان، أو كان ثائرًا من بني إسرائيل يسعى لهدم التقاليد بقوة، أو غير ذلك من النظريات المعروفة والمتداوَلة في كتب المتخصصين.
See Craig A. Evans and W. David O. Taylor, A History of the Quests for the Historical Jesus, 2 vols. (Waco, TX: Baylor University Press, 2021-2022).
كما كرّر السواحُ حديثه عن موقف المسيح من شريعة التوراة، وجعَل همَّه استعراضَ النصوص التي تدعو إلى تجاوزها، متجاهلا النصوصَ التي تدعو إلى الالتزام بها. ومن المعلوم لدى الباحثين أنّ العهد الجديد يتضمن خليطًا: نصوصًا تؤكد الشريعة، وثانيةً تنتقدها، وثالثةً تعدّل بعضَ أحكامها.
وأهمُّ من ذلك أنّ القول بأنّ المسيح جاء لإسقاط الشريعة بالمعنى المرقيوني الذي يقترحه السواحُ أمرٌ لا دليل عليه. فمَرقيونُ لم يكُن يرى الشريعةَ مرحلةً من مراحل التدبير الإلهي، بل اعتبرها -في المشهور عنه- نتاجَ سلطان الشيطان على البشرية قبل المسيح. بينما النصوصُ الإنجيلية في مجملها تُنكِر على اليهود تمسُّكَهم بحرْف الشريعة دون رُوحِها، ولم تكن دعوة المسيح -بحسبها- دعوةً مرقيونية.
وأمّا زعْمُ السواح أنّ غنوصيّة يوحنا المَعْمَدان (يحيى عليه السلامُ) ثابتةٌ تاريخيًّا، ودليلُه أنّ المَعْمَدان هو مؤسسُ طائفةِ المندائيين الغنوصيّة، فمجازفة أخرى منه؛ فإنّ هذه النسبةَ محَلُّ إشكالٍ ولا سبيل إلى القَطع بها أو تأسيس نظريّةٍ راديكالية -كغنوصيّة المَعْمَدان- عليها، خاصةً أنّ عامة النقّاد على أنّ انتساب المندائيين إلى المَعْمَدان انتحالٌ باطل.
ناقشتُ في كتابي الوجود التاريخي للأنبياء الوجود التاريخي ليحيى عليه السلام، ونقلت في ذلك إجماع النقّاد على ذلك وشهادة الأناجيل ويوسيفوس. ووضعت عنوانًا فرعيًا: (المندائيون أتباع المسيح)، وفي ختامه علامة استفهام. وفي المكتبة الأكاديمية، وضعُ علامة استفهام أمام عنوان، تنبيه على استشكال الكاتب للدعوى وعدم قطعه بها، ونقلت شهادة صاحب كتاب أصول الصابئة (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية في أنّ كلّ الشأن التاريخي للمندائين محلّ شك (ص426، ط1). ثمّ لمّا لخصت حديثي على أدلة تاريخية المعمدان (ص248)، لم أشر إلى المندائيين لغياب الدليل الظاهر على ذلك، ومع ذلك فقد ذهب بعض الملاحدة الشعبوين إلى القول إنّني جعلت المندائيين حجّة لتاريخية يحيى عليه السلام رغم عدم صحّة ذلك تاريخيًا؛ لأنّ نسبة المندائيين إلى المعمدان لا تصحّ! فماذا تراهم يقولون في أمر السواح الذي جزم بهذه العلاقة، وأسّس عليها دعوى غنوصيّة المعمدان؟! علمًا أنّ ثبوت هذه العلاقة لا يلزم منه القول بغنوصيّة المعمدان، كما أنّ ثبوت علاقة عيسى عليه السلام بالنيقولاويين لا يُثبت أنّه ادّعى الألوهيّة؛ إذ الواجب تعقّب صورة المندائية في القرن الأول، زمن المسيح عليه السلام، إن ثبت وجود أهلها في عصر المسيح عليه السلام وبيئته.
قد تكلَّف القولَ بلا برهانِ أو دليل، فشدَّ عن الوسط الأكاديمي في الشرق والغرب.
بين خرافة الإنجيل السري ودعوى الكشف عن مؤلَّفِ إنجيل يوحنا
شَكّلَت شخصيةُ مؤلِّف الإنجيل الرابع، المعروفِ بإنجيل يوحنا، إشكاليةً كبرى في دراسات العهد الجديد منذ القرن التاسعَ عشَرَ، وذلك لأسبابٍ متعدّدة، من أهمّها اختلافُ هذا الإنجيل اختلافًا بيِّنًا عن بقيةِ الأناجيل الثلاثة، وهو ما يجعل أيَّ محاولةٍ للجمع بين قَبولِ إنجيل يوحنا مع الأناجيل الإزائية الثلاثة أمرًا مشكِلا.
أشار السواحُ إلى اكتشافِ ما سُمّي إنجيل مرقس السري ، وأنّه يعود إلى مرقس تلميذٍ بطرس. وخلاصةُ هذا الكشف هي أنّ الباحث مورتون سميث أعلن سنة 1958 أنّه عثر في دَيرِ مار سابا في فِلَسطين على رسالةٍ باليونانية كَتَبها كليمنضس الإسكندريُّ إلى شخصٍ يُدعى ثيودور، يجيبه فيها عن أسئلةٍ تتعلّق بوجودِ نسخةِ أخرى من إنجيل مرقس تتضمّن أحداثًا غيرَ موجودةٍ في الإنجيل المعروف في القرن الثاني، وهو ذاتُه الإنجيل المتداوَل اليوم. [انظر السواح، ألغاز الإنجيل، ص33-25.]
فقد لخص جي. ك. إليوت J. K. Elliott الموقف في كتابه (The Apocryphal New Testament) بالقول إنّ أصالة هذا النص وقيمته محط ارتياب عند كثيرٍ من النقّاد.
J. K. Elliott, The Apocryphal New Testament: A Collection of Apocryphal Christian Literature in an English Translation (Oxford: Clarendon Press, 1993; repr., 2005), 148.
بل إنّ القضيةِ وصلَتْ ببعضهم إلى اتهامٍ مورتون سميث نفسه باختلاق النص، وهو ما بسَط القولَ فيه ستيفن كارلسون Stephen Carlson في كتابه سنة 2005، وهو أيضًا ما انتهى إليه بيتر جيفري في كتابه (The Secret Gospel of Mark Unveiled). كما وصَف جاكوب نوزنر -تلميذُ مورتون!- هذه الرسالةَ بأنّها أعظمُ تزويرٍ في القرن ، وأنّ مورتون أساء إلى نزاهة البحث عن يسوعَ التاريخي.
Jacob Neusner, Are There Really Tannaitic Parallels to the Gospels? A Refutation of Morton Smith (Atlanta: Scholars Press, 1993), 28.
ثم إنّه لو سلَّمنا بصحةِ نسبةِ الرسالة إلى كليمنضس، فسيبقى الاحتمالُ الأرجح أنّ الإنجيل السرّي متأخرٌ، ومتأثرٌ بالأناجيل الأربعة أو الإنجيل الرابع -لا العكس-. وهو ما ذهَب إليه ريموند براون (Raymond Brown) وروبرت غرانت Robert Grant وغيرهما، وهو ما يفقده أي قيمة تاريخية جادة.
Raymond E. Brown, The Relation of the ‘Secret Gospel of Mark’ to the Fourth Gospel, Catholic Biblical Quarterly 36 (1974): 466-485.
Robert M. Grant, Morton Smith’s Two Books, Anglican Theological Review 56(1974): 61.
وحتى إذا سلَّمنا جدلاً بأن مورتون سميث لم يَختلق النص، وافترضنا صحّةَ نسبةِ الكلام إلى كليمنضس، يبقى أنّ إثباتَ نسبته إلى مرقسَ محالٌ؛ فليس في رسالة كليمنضس ما يُثبت تاريخيًّا صحّةَ هذه النسبة.
عامة النقّاد يرفضون أصلا نسبةَ الإنجيل الرابع إلى يوحنا ابن زبدي، فهُم على القول إنّ المؤلَف مجهول!
أشار مايكل كروغر إلى وجود 23 مرشحًا ليكونَ مؤلُفَ إنجيل يوحنّا كما في مؤلفات الباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع.
Michael Kruger, The Question of Canon (Downers Grove, IL: Inter Varsity Press, 2013), 136.
وشهادةُ إيرينيئوس نفسُها محَلُّ شكٍّ. يقول الأبُ الدكتور ريموند براون: لقد اقتُرح أنّ إيرينيئوس كان مخطئًا بشأنِ عَلاقةِ بوليكاربوس بيوحنا، كما كان يَظهر أنه مخطئٌ في مسائلَ أخرى. ففي “ضد الهرطقات” 4 .33 .5 يقول إنّ بابياس سمع يوحنا؛ لكنّ هذا يتعارض مع شهادةِ بابياس نفسِه، وهو ما سارع يوسابيوس إلى الإشارة إليه (تاريخ الكنيسة 2 .39 .3). فإذا كان بابياس عرَف يوحنا فقط عبر وسطاء، وكان إيرينيئوس يُبسِّط العَلاقةَ بين بابياس ويوحنا، فكيف نضمن أنه لم يُبسِّط أيضًا العَلاقةَ بين بوليكاربوس ويوحنا؟ بالطبع، إيرينيئوس يقول إنه عرَف بوليكاربوس شخصيًّا، لكنه لا يدّعي أنه عرَف بابياس. ومع ذلك، فإنّ كَونَ إيرينيئوس كان صغيرَ السن جدًّا في الوقت الذي زعم أنَّه عرَف فيه بوليكاربوس، يجعل احتمالَ وقوع الالتباس قائمًا على الأقل .
Raymond E. Brown, The Gospel According to John (I-Xii) (Doubleday & Co., Garden City, New York, 1966), Ixxxix- xc.
رغم أنّه منح نفسه لقبًا علميًا تخصّصيًا، وهو أنّه باحث في كتاب العهد الجديد بما يوازي في العرف الغربي اصطلاح (New Testament scholar).
فراس السواح واليهودية.. اضطرابُ تائه
ألّف السواح مجموعة من الكتب في الدراسات اليهودية، هي: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم و آرام دمشق وإسرائيل: في التاريخ والتاريخ التوراتي و تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود .
ومن الممكن تلخيصُ ما انتهى إليه السواح في كلماته التالية: لقد أراد أُصحابُ النظرية الأركيولوجية الحديثة إنقاذ ما تبقّى من السمعة التاريخية للرواية التوراتية، عن طريقِ إثباتِ جوهرِ الرواية وإسقاطِ تفاصيلها جميعِها. ولكنّ النتائج التي خرجوا بها قد دقَّت، وإلى الأبد، المِسمارَ الأخير في نَعْش هذه الروايةِ بجوهرها وتفاصيلها جميعها، وقدَّمت لنا المادةَ اللازمة لكتابةِ تاريخ فِلَسطين في عصر الحديد الأول والثاني، ودراسةِ مسألةِ أصولِ إسرائيلَ بشكلِ علميٍّ مستقل عن التوراة. وهذا ما قام به على أكمل وجهِ الباحث توماس ل. تومسون في كتابه (The Early History of the Israelite People) الصادر عام 1992 . [السواح، آرام دمشق وإسرائيل، ص179.]
وذاك أقصى الشكوكيّة الدينيّة؛ إذ تجعل الشكَّ حجةً لليقين في ماض كثيرٌ منه مستورٌ، مع إسرافٍ في القراءة التآمريّة للتاريخ.
وقد تناول الأركيولوجيٌّ ويليام ديفر -اللا أدريُّ، المفارِقُ للنصرانية منذ شبابه- أثَرَ الأيديولوجيا على الباحثين المعاصرين في كتابه ما الذي عرفه مؤلّفو الكتاب المقدس؟ ومتى عرفوه؟ ؛ منكرًا على الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس بريبةٍ متطرفة، مشحونة عقَديًّا، هذا الغلوَّ؛ متسائلاً: لماذا دائمًا يتمّ التعاملُ مع النصوص الكتابية من خلال “تأويلات الشك” النموذجية لما بعد الحداثة، ولكن يتم أخذُ النصوص غير الكتابية على ظاهرها؟ يبدو أن الكتاب المقدس يُدان تلقائيًا حتّى تثبت براءتُه .
William G. Dever, What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It? (Michigan: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2001), 128.
وقد كان فنكلشتاين يتحرّج من إثباتِ تاريخيةِ داودَ عليه السلام، غيرَ أنّه بعد اكتشافِ نقش تل دان صرّح بتاريخيّةِ داودَ وسليمانَ عليهما السلامُ، كما في كتابه داود وسليمان .
Israel Finkelstein and Neil Asher Silberman, David and Solomon: In Search of the Bible’s Sacred Kings and the Roots of the Western Tradition (Free Press, 2007).
ومن الظريف في هذا السياق أنّ السواح الذي بلَغ سنّ 84 وعاش هذه التحوّلات، لا يزال يخرج في الفضائيات ليَجزم أنّ البحث الأركيولوجي لا يَشهد لأيّ نبيِّ بالوجود.
ومن أوجه التدليس فيما كتبه السواح، تجاهلُه تفصيل الخلاف بين ما يُعرف بالتيار الوسطي في دراسات أركيولوجيا الكتاب المقدّس ومخالفيهم، والتنوّع الداخليّ ضمنه؛ بما يظهر طبيعة اللايقين في البحث الأثري، وشطط من يزعمون نهاية البحث الأركيولوجي التوراتي ؛ فإنّ هذا التيار يقف موقفًا وسطًا بين تيار الحد الأدنى الذي يرى أنّه لا تكاد توجد حقيقة تاريخية في نصوص الكتاب المقدّس، و تيار الحد الأقصى الذي يعتقد أنّ جلّ ما ورد في التراث صحيح أو قريب من الصحيح. والتيار الوسطي يميّز بين المستويات المختلفة من الموثوقية.
ولعلّ من أعظمِ أوجُهِ التلبيس الذي مارسه فراس السواح، ومَن سار على نهجه من أيقونات اللادينية والإلحاد في العالَم العربيِّ، هو تقديم الأركيولوجيا كأنها عِلمٌ صارمٌ أقربُ إلى الرياضيات. وهم وإنْ لم يصرّحوا بذلك لفظًا، إلا أنّ مضمونَ خطابهم يوحي بهذا المعنى.
إذ إنّ مجال الظنّ والخيال فيها واسعٌ جدًّا، وكثيرٌ من التفسيرات القديمة للتاريخ بُنيت على شواهدَ صغيرةٍ ومحدودة، نسَج الباحثون حولها قصصًا طويلةً وسردياتٍ شاملةً.
ولذلك ذهب فريق من الباحثين في الغرب إلى القول إنّ الأركيولوجيا ليست علمًا بالمعنى الصُّلب للكلمة، بل هي أقربُ إلى الفن art. وهو ما يدافع عنه تيارُ (Post-Processual Archaeology) الذي يزعم إمكانَ إقامةِ أركيولوجيا علميّةِ، بالمعنى الصارم للعِلَميّة .
See Michael Shanks, Post Processual Archaeology and After, in Handbook of Archacological Theories, ed. R. Alexander Bentley, Herbert D. G. Maschner, and Christopher Chippindale (Lanham, MD: AltaMira Press, 2008), 133-144.
وهو أيضًا ما أقرّ به ويليام ديفر، بقوله: العلماء الجيّدون، الصادقون، سيظلون مختلفين حول تفسير البقايا الأثرية؛ ببساطة لأنّ الأركيولوجيا ليست علمًا. إنّها فن. وأحيانًا لا ترقى إلى أن تكون فنَّا جيدًا
(simply because archaeology is not a science. It is an art. And sometimes it is not even a very good art). William Dever, Is This Man a Biblical Archaeologist? BAR Interviews William Dever, Part 1, Biblical Archaeology Review 22, no. 4 (1996): 30-39.
أمّا خطابُ الهواة فيَخشى التصريحَ بهذه الحقيقة، بل يَعتبر أيَّ كلامٍ عن قصور الأركيولوجيا هجومًا على العِلم أو انتقاصًا من قيمته، كأنّ الناقدَ يريد نصرةَ الدين ضدّ العِلم . والحالُ أنّ الأمر ليس كذلك، لأنّ جوهر القضية لا يتعلق بالصراع بين العلم والإيمان، وإنما بطبيعة المعرفة الأركيولوجية نفسها.
فلو جمَعْنا كلَّ الشواهد الأثرية والتاريخية المباشِرة، الصريحة، والمتقاطعة مع نصوص الكتاب المقدّس -سواءٌ من جهة الإثبات أو من جهة النفي- لوجدناها قليلةً ومشتَتةً، ولا تُكوِّن بحالٍ من الأحوال سرديةً مكتملةً أو شِبهَ مكتملةِ، بل لا تقترب حتى من ذلك.
ومعلوم أنّ تأثير الأبحاث العلميّة يُقاس كيفيًّا بما يُظهره النقّاد من متابعة أو معارضة لبحث ما، وأمّا كَمَّا فمن خلال عدد الاقتباس منه في الأبحاث العلميّة.
كَتَب السواحُ مقالا في ثلاثين صفحةً عن أورشليمَ في عصرِ مملكةِ يهوذا.
Firas Sawah, Jerusalem in the Age of The Kingdom of Judah, in Thomas L. Thompson, ed., Jerusalem in Ancient History and Tradition, with the collaboration of Salma Khadra Jayyusi (London: T&T Clark International, 2003), 114-144.
وليس في هذا المقال كشفٌ لجديد، وإنّما هو تكرارٌ لما قيل من أنّ أورشليمَ القرن العاشر (زمن المملكة الموحدة) كانت بلدةً صغيرة، ولم تتحوَّل إلى مدينةٍ حقيقيّة إلا في أواخرِ القرن الثامن قبل الميلاد، حين أصبحت مركزًا إقليميَّا مُهمًّا وعاصمةً مملكةِ يهوذا الناشئة.
لقد كرَّر فيه الأقوالَ المشهورة في نشأة الهُوية اليهودية في السبي وبعد العودة منه مباشَرةً، وأنّ اليهود تبنَّوا عبادةَ أحدِ الآلهة الكنعانية، وأنّ التوحيد طارئٌ في السبي بعد سقوطِ يهوذا؛ فالهُويةُ الدينية والعِرقيةُ اليهودية ابتداعٌ ظهَر في العصر الفارسي. وجعَل جوهرَ مقالته أنّ علينا أن نُقِيم فَهمَنا لتشكّل الهُويّة اليهودية على سِفرَي عزرا ونحميا.
والبحثُ بِرُمَته بلا هوامشَ، ولا إحالات إلى دراسات علميّةِ مخصوصة؛ لأنّه ملخَّصٌ للفكر الشائع بين الأركيولوجيين.
والحقيقة هي أنّ السواح كان مسبوقًا في شأن فلسطين القديمة في ضوء الدراسات الأركيولوجيّة الأحدث في ذلك بعدد من الكتّاب، منهم الدكتور محمد بيومي مهران في سلسلته بنو إسرائيل التي صدرت في مجلّدات، وقد أظهر فيها معرفةً واسعةً بأطروحات البحث الأكاديمي على مدى القرن العشرين حتى زمن تأليفها، وإن لم يستسلم لتقريرات الباحثين الغربيين بلا مراجعة.
و مهران رجلٌ أكاديميٌّ؛ فقد درَّس تاريخَ مِصرَ والشرقِ الأدنى القديمِ في كليّةِ الآداب بجامعةِ الإسكندريّة، وله إلمامٌ جيّدٌ بالمكتبة الإنجليزية والجرمانية، وأَشرف على مجموعةٍ من الرسائل الجامعية في هذا التخصّص بمصر.
وأمّا المؤلفات في تاريخ أورشليم حصرًا، فكثيرة، منها كتاب الأركيولوجية جودي ماغنس (Jodi Magness: Jerusalem Through the Ages )، وقبله كتاب هانزولف بلودهورن Hanswulf Bloedhorn وكاثرينا غالور Katharina Galor. كما صدرت في القرن الميلادي الماضي مجموعة مؤلفات عن الحفر الأركيولوجي في أورشليم القديمة، مثل (The Archaeology of the Land of Israel: From the Prehistoric Beginnings to the End of the First Temple Period)، وموسوعة (Encyclopedia of Archaeological Excavations in the Holy Land).
لا يجادل باحثٌ جادٌ وموضوعيٌّ في أنّ توراة اليهود قد خالفت صحيحَ التاريخ في غير موضع.
تابع السواحُ مَن أنكر خبرَ يعقوبَ عليه السلامُ وبنيه وموسى عليه السلامُ وخروجِه من مِصرَ مع بني إسرائيلَ؛ إذ لا يعترف بوجودِ بني إسرائيلَ (يعقوب) عليه السلامُ ابتداءً.
ولذلك ثار بعنفٍ ضدّ الاستدلال بنصب مرنبتاح ابن رمسيس الثاني، والذي جاء فيه ذِكرُ إسرائيلَ ؛ مؤكدًا أنّه لا يمكن بأيِّ حالِ حملَ هذه الكلمةِ على أنّها تُشير إلى مَن دخَل من ذريّةِ يعقوبَ عليه السلامُ كنعانَ.
قولُ السواح إنّ كلمة إسرائيل هنا لا تشير إلى ذريّة يعقوب عليه السلام -أيًّا كان تفسير الاسم في النصب- يعني أنه يبتدئ من النتيجة، ولا يطلبها.
والتفسير التاريخي غير المتكلّف لما جاء في النصب هو ما صرّح به الأركيولوجي ويليام ديفر في تلخيصه موقف عامة النقاد من نص اللوحة: يتفق جميعُ العلماء على أنّ التاريخ محدَّدٌ في هامش بأقلَّ من خمسٍ سنواتٍ بحساب فلكيّ، وأنّ قراءة “إسرائيل” مؤكدةٌ؛ وأنّ “إسرائيل” متبوعةٌ بعلامةٍ مصرية للأمم أو علامةٍ محددةٍ لـ “شعوب”، بدلاً من علامةِ مملكةٍ أو دولة-مدينة أو ما شابه ذلك؛ وبالتالي فلا بدّ أن هذه العلامةَ متعلّقةٌ بتعيينِ مجموعةٍ عِرقيّةِ خاصّةِ؛ وأنّ هذا الكِيانَ -أيَّا كان- كان متميزًا في أذهان المصريين عن الكنعانيين والحوريين والشاسو البدو أو غيرِهم من الجماعات في كنعانَ المعروفةِ لدى المصريين والمذكورةِ في هذا النص وغيرِه من النصوص المصرية .
William G. Dever, What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It?, 118.
وقد فصّل كنيث كتشن، عالمُ المصريات الكبير، الجوابَ ببيانه أنّ أسماء الأماكن المجاورة لمصر في النقوش المصريّة موجودةٌ بعينها في الأماكن التي نعرفها لاحقًا دون تغييرٍ في المكان أو في دَلالة الاسم، بما يجعل تكلَّفَ تغييرِ مكانٍ ما سُمىّ إسرائيل بلا حجّةٍ ورغبويًّا لتكذيب التوراة: في الواقع، إنه مجرد تهرّب من دليل واضح جدًا. فالمصادر المصرية تذكر دمشق في حديثها عن دمشق، في مكانها المعروفة. والأمر نفسه مع ذكر المصريينَ -مَثَلا- لأوغاريت، وصور، وصيدون، وبيبلوس، وبابل، وحتي، واش، وكي، وحلب، وعشرات الأماكن الأخرى خارج فلسطين، ولا واحد من هذه الأسماء خضع لأي “تحويل دلالي” متخيّل أو “إزاحة” إقليمية. الأمر نفسه ينطبق داخل فلسطين الغربية والشرقية، سواء كانت مستوطنات أو مناطق: مجدو، وتعنك، وشونم، وبيت شان، ودوثان، وبيلا، وغزة، وبيت حورون، وجبعون، وعراد، إلخ، كلها أسماء مذكورة في الكتاب المقدس العبري، ومكانها في المواقع نفسها المعروفة. وكذلك الحال مع موآب، سعير/ أدوم، وبع-عيمق (“الوادي” بامتياز) أو سهل يزرعيل. لم يتغير شيء هنا. أمّا في جَزَر وأشقلون على لوحة مرنبتاح، فلا يوجد سبب واقعي واحد للشك في إشارته إلى إسرائيل كجار لجزر وأشقلون، في مرتفعات السهل الساحلي الغربي لفلسطين. هناك كان موقع إسرائيل عند مرنبتاح، هناك كانت إسرائيل (ولا حقًا يهوذا + إسرائيل) لبقية تاريخه التقليدي حتى الترحيل بواسطة أشور في 720/721 وبابل في 605-586… كانت إسرائيل لوحة مرنبتاح، وبشكل واضح جدًا في تحديدها، شعبًا (= جماعة قبلية)، لا إقليمًا أو مدينة-دولة؛ والتصريحات النادرة على العكس من ذلك هراء محض، خاصة مع المستوى العالي جدًا من الدقة الكتابية الذي أظهره هذا النصب التذكاري .
K.A. Kitchen, On the Reliability of the Old Testament (Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans, 2003), 451-452.
خاصةً أنّنا نَعلَم أنّ عامة المتخصصين يُثبتون خلافَ ما يزعمه السواحُ؛ فإنْ كان قولُه عن جهل، فتلك رَزيّةٌ، وإن كانْ عن تدليس، فالرزيّةُ أعظمُ!
يقول هذا النقشُ الذي دقّق كلماته الظاهرةَ والساقطة من الأجزاء الضائعة عالما النقوش القديمة جوزيف نافه وأبراهام بيران:
Cited in Israel Finkelstein, Neil Asher Silberman, David and Solomon (New York: Simon and Schuster, 2007), pp.264-265.
كُتِب هذا النقشُ لتمجيدِ ملكِ آرام حزائيل -على الأرجح-، وذلك في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد. وقد افتخر فيه بانتصاره على ملك إسرائيل ومن معه؛ مصرِّحًا أنه قتَل يهورام وأخزيا. ولهذا النقش أربعُ ميزاتٍ عظيمة عند مناقشةِ تاريخيةِ شخصيةٍ داودَ عليه السلام:
صرَّح هذا النقشُ باسم داودَ عليه السلامُ في عبارةِ بيت داود .
وردَتْ عبارةُ بيت داود في الإشارة إلى قومِ داودَ عليه السلامُ والسلالةِ الحاكمة بعده، في مواضعَ كثيرةٍ في العهد القديم.
Israel Finkelstein and Neil Asher Silberman, David and Solomon: In Search of the Bible’s Sacred Kings and the Roots of the Western Tradition (New York: Free Press, 2006), 263.
نُقِشَ النصُّ بعد قُرابة قرنٍ أو قرنٍ ونصفٍ فقط من وفاةِ داودَ عليه السلامُ.
كانت الصدمةُ شديدةً على عامة الأركيولوجيين؛ بما اضطَرّ كثيرًا منهم إلى الإقرار بوجودِ داودَ عليه السلامُ، وعلى رأسهم إسرائيل فنكلشتاين -الأركيولوجيُّ المعروف بتشكيكه في الرواية التوراتية لنشأةِ بني إسرائيل.
فنكلشتاين صراحةً قوةَ دَلالةِ نقشِ تلِّ دان على وجودِ داودَ -عليه السلام-، بقوله: هل بإمكان الأركيولوجيا أن تُظهِر أنّ داودَ وسُليمانَ شخصيتان تاريخيتان؟ بينما الجدالُ مُستَعِرٌ، غيَّرَ اكتشافٌ من حفريات المنطقة القديمة لتلِّ دان في شمال إسرائيل، بالقرب من واحدٍ من منابع نهر الأردن، طبيعةَ الجدال حول الوجود التاريخي لداودَ وسُليمانَ .
Israel Finkelstein and Neil Asher Silberman, David and Solomon: In Search of the Bible’s Sacred Kings and the Roots of the Western Tradition (New York: Free Press, 2006), 266.
ثم أضاف: باختصارٍ، يُقدّم نقشُ تلِّ دان شهادةً مستقلةً على الوجود التاريخي لسُلالةٍ حاكمةٍ أُسِّست من طرَفِ حاكم اسمُه داودُ، بعد أجيالٍ قليلةٍ من العصر الذي من المفترَض أنّه عاش فيه .
Israel Finkelstein and Neil Asher Silberman, David and Solomon: In Search of the Bible’s Sacred Kings and the Roots of the Western Tradition (New York: Free Press, 2006), 263.
وعلَّق الأركيولوجيُّ وليام ديفر على نقشِ تلِّ دان بقوله إنّ عامةَ كِبارِ العلماء المتخصصين في النقوش القديمة (وكلّهم ليسوا من أنصار التوراة) على أنّ هذا النقشَ يتحدّث عن بيتِ داودَ؛ بما يشير إلى وجودِ حاكم اسمُه داودُ.
William Dever, What did the Biblical Writers Know and When did they Know it?, pp.128-129.
حتّى لو سلّمنا أنّ بيتدود اسم لمكان؛ فسيبقى أنّ تسمية هذا المكان باسم بيت داود ، نسبة إلى داود، أرجح. ولا إشكال عندها لإثبات تاريخية داود عليه السلام من هذا الاسم، سواء كان بيتدود اسمًا لسلالة حاكمة أو منطقة.
نكرُّر عبارة بيت داود في الكتاب المقدس أكثر من عشرين مرّة، يزيد رجحان قراءة بيت داود قوّة.
مشكلة غياب الشاهد الخارجي على وجود منطقة باسم بيتدود ، أو بعبارة الناقدين دافيد فريدمان David Freedman وجفري جيوغجان Jeffrey Geoghegan: لا يوجد أيّ مكان يُعرف بـ “بيتدود” في أيّ نص أو تراث أو نقش . فافتراض قراءة بعيدة لا يدعمها التاريخ، ولا سياق الكلام في النقش، تكلّفٌ غير منصف.
David Noel Freedman and Jeffrey C. Geoghegan. ‘House of David’ Is There! Biblical Archaeology Review 21.2 (1995): 78-79.
3- زواجُ سُلَيمانَ عليه السلامُ
لم يَرِد الخبرُ التوراتي عن زواج سليمان عليه السلام من ابنة الفرعون في القرآن ولا في السنة النبوية، ولذلك ليس في ردّه تاريخيًّا ما يطعن في الإسلام.
وقد ردّ عالِمُ المصريات الكبير كنيث كيتشن على هذا الطرح ببيانٍ وافٍ، وهو الباحثُ الموسوعي في المصريات على خلافِ عامةِ رؤوسِ تيارِ الحدّ الأدنى الذين لا مشاركةَ لهم في عِلم المصريات. فقد كَتَب موضحًا أنّه وإنْ كان من عادة الفراعنة في عصورٍ قديمة ألّا يُزوِّجوا بناتهم للأجانب، إلّا أنّ هذا لم يكن العُرفَ السائد زمن سليمانَ عليه السلام. فمن المتفق عليه أنّ سليمان عليه السلام قد عاش في القرن العاشر قبل الميلاد -إنْ صحّ خبرُ التوراة عنه-، وهذه الفترةُ تحديدًا، وما بعدها بقرونِ، شهدت الاستثناء، حيث زوَّج الفراعنةُ بعضَ بناتهم للأجانب.
يقول كيتشن: فترة الأسَر الحاديةِ والعشرين، حتى الثالثةِ والعشرين، هي، تحديدًا ما نجد فيه أن بنات الملوك المصريين قد تزوّجْنَ من الكهنة والملوك الأجانب .
K. A. Kitchen, On the Reliability of the Old Testament (Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans, 2003), p.111.
أنكر السواحُ على التناخ خبرَها عن ملكة سبأ التي عاشت في زمن سليمان عليه السلام، وهو الخبر الذي ورد أيضًا في القرآن الكريم.
هذا الاعتراضُ لا يقوم على دليلٍ تاريخيِّ متين؛ فإنّ مملكةَ سبأ أقدمُ من القرن الرابع قبل الميلاد، يقينًا. ورغم أنّ إسرائيل فنكلشتاين يُنكر تاريخيةَ وجودِ مملكةٍ في سبأ زمنَ سليمانَ عليه السلام، إلا أنه قال: رغم أنّ الأبحاث الأركيولوجية الحديثة قد كَشفَتْ -على ما يبدو- بقايا أقدمَ من العصر الحديدي في اليمن، فمن الواضح أنّ مملكةَ سبأ قد بدأتْ في الازدهار فقط من القرن الثامن قبل الميلاد فصاعدًا . فالمملكةُ على هذا الفَهم قد وُجدت قبل القرن الثامن.
Israel Finkelstein, Neil Asher Silberman, David and Solomon, pp. 170-171
وقد كان بحثُ كنيث كيتشن الرائعُ حول تاريخ البلاد العربية القديمة، من أهم الدراسات التي بيِّنَتْ أنّ مملكةَ سبأ تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وأنّها كانت راسخةَ الأركان في القرن العاشر قبل الميلاد.
Kenneth A. Kitchen, Documentation for ancient Arabia. Part 1, Chronological framework & historical sources (Liverpool: University of Liverpool Press, 1994).
وممّا استدلّ به لذلك استمرارُ ظاهرةِ تقنياتِ الريّ وهندستِها -نفسِها- منذ منتصف الألفية الثانية، عند دراسةِ مأرب والمناطقِ السبئية الأخرى.
Ibid., 131.
كما أشار لفراني في مقالته التجارة المبكّرة للقوافل بين جنوبِ البلاد العربية وبلادِ ما بين النهرين إلى نشر نصوص جديدةٍ تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. وهي تضم المعلوماتِ الأقدمَ عن تجارة القوافل العربية في بلاد ما بين النهرين. وهي نصوصٌ صدرَتْ عن ملك سهو Suhu (عند حدود سوريا والعراق اليوم)، وتصِف قافلةً فيها 200 جمَل جاءتْ من سبأ.
Mario Liverani, Early Caravan Trade between South Arabia and Mesopotamia, Yemen 1(1992): 111-115.
كما كشفَتْ نقوشُ آشور ناصربال الثاني (859-883 ق.م) وسَلَفِه توكولتي نينورتا الثاني (884-890 ق.م) أنّه منذ بدايةِ القرن التاسع قبل الميلاد كانت مِنطقةُ هندانو المذكورة في نصوص ملكِ سهو مخرجَ أهمّ طُرقِ القوافل من البلاد العربية إلى بلاد الرافدين. ولذلك نبّه لفراني إلى أنّ تحليلَ نصوص الجزية يدفع تاريخَ معرفتنا بالتجارة بين سبأ وبلاد الرافدين إلى قُرابةِ سنة 890 ق.م، أي بعد عقودٍ قليلةٍ من وفاةِ سليمان عليه السلام.
شهِد السواح لسَواغِ القول بالوجود التاريخي لداود وسليمان عليهم السلام، وإنْ رأى أنّه لا يمكَن التُبُتُ من ذلك تاريخيًّا. وفسَّر غيابَ ما عمَّره سليمانُ عليه السلام بقوله: وبما أنّ المدينة السُّلَيمانيةَ قد زالت مع المدينة اليبوسية بسبدِ اقتلاع الحجارة لاستعمالها في إعادةِ البناء، كما أسلفنا، فإنّ عِلمَ الآثار لا يستطيع إعطاءَ فكرةٍ عن أبنية سليمان وقصوره الفارهة التي أطنب كُتّابُ التوراة في وصفها . [السواح، الحدث التوراتي، ص 123.]
شهد السواحُ مرارًا لصحّةِ أخبار التوراة عن مسائلَ تفصيليةِ قديمة، مثل سقوط السامرّة في الزمن المذكور في التوراة، وقال في ذلك: وتأتي نتائج التنقيبات الأثرية في اتّفاقٍ مع الرواية التوراتية . [المصدر السابق، ص137.]
وقال في بيت العاج الذي بناه آخاب في القرن التاسع قبل الميلاد، كما هو مذكورٌ في سِفر الملوك الأول 39/22: ولعل أهمَّ ما عُثر عليه في خرائب القصر المعزو لآخاب، كَميةٌ كبيرة من المنحوتات العاجية البارزة، مما تُزيَن به قطعُ الأثاث والجدران. وبذلك توضح المقصود “بقصر العاج” الذي يقول سفر الملوك الأول 39 /22 أن الملك آخاب قد بناه في السامرّة . [المصدر السابق، ص136.]
بل شهِد لصحّة التوراة أركيولوجيّا في خبرِ دقيقِ من الألفية الثانية قبل الميلاد (القرن 12 ق.م)، والذي يذكر أنّ الفِلَسطينيين أصلُهم من كريت وجُزر بحر إيجة التي كانت تُسمّى في نصوص الشرق القديم ومصر بكفتور أو كيفتو، فقد جاء في سفر إرمياء 4/47: لأنّ الربَّ يُهلك الفلَسطينيين، بقيةَ جَزيرةٍ كَفْتُورَ ، وسفر عاموس 7 /9: أَلَم أُصْعِدْ إسرائيلَ من أرض مِصرَ، والفِلَسطينيين من كَفْتُورَ . [المصدر السابق، ص156-155.]
الأركيولوجيا التوراتية والطعنُ غيرُ المباشر في القرآن
أمّا في العالَم العربيِّ، فلم يُعرف هذا الصدامُ إلا في وقتٍ متأخر. وكانت عبارةُ طه حسين الشهيرةُ في كتابه في الشعر الجاهلي : للتوراة أن تحدّثنا عن إبراهيمَ وإسماعيلَ، وللقرآن أن يُحدّثنا أيضًا، ولكنّ وُرودَ هذين الاسمين في التوراةِ والقرآنِ لا يكفي لإثباتِ وجودهما التاريخي . [طه حسين، في الشعر الجاهلي (مطبعة دار الكتب، 1926)، ص29.]
الملاحدةُ العرب يرفعون شعارَ العلم والكشف التاريخي في مجادَلةِ الدين، فقد اتّخذوا من الأركيولوجيا واجهةً للطعن في القرآن، غير أنّ حساسية الوضع في المجتمعات العربية جعلتهم يبدؤون أوّلا بالطعن في الكتاب المقدّس طلبًا للطعن فيما يوازيه في القرآن.
في هذا المشهد برَز اسمان: خزعل الماجدي وفراس السواح.
مستخدمًا الكتابَ المقدّس واجهةً للطعن في القرآن.
وقد نثر السواح طعنه في الإسلام في مجموع كتبه حتّى لا ينتبه القرّاء إلى أنها تقدّم أطروحة شديدة الطعن في رسالة الوحي الخاتمة.
التوحيد: لم يَظهر التوحيدُ في اليهود إلّا إثرَ السبي البابلي،
وما هو بتوحيدٍ على الحقيقة؛ فإنّه مجرّدُ تصوُّرٍ دينيِّ يَحصُر العبادة في الإله القومي لإسرائيل، والذي هو خَصمُ الأمم الأخرى. [السواح، الوحي والنص، ص230.]
إلهُ أنبياء التوراة: إلهُ التوراة مستورَدٌ من البيئة المجاورة، فهو أعلى الآلهة الفِلَسطينية في بيئتها الشركيّة. فلسنا هنا أمام تحريف اليهود لخبر التوراة الإلهيّة عن ربّ العالمين، وإنّما اليهود لم يعرفوا الله -سبحانه- أصلا. [السواح، آرام دمشق وإسرائيل، ص 291.]
إبراهيمُ عليه السلام وبنوه: خبرُ إبراهيمَ عليه السلامُ وبنيه إلى يعقوب عليه السلام وخروجِه إلى مِصرَ، عبارة عن مجموعةِ قِصص مستوحاةٍ من ماض خرافي . [السواح، الوجه الآخر للمسيح، ص 100.]
بنو إسرائيل: كلّ ما قاله القرآن عن بني إسرائيل، باطلٌ، كليّةً أو منسوبٌ إلى غير أهله؛ فإنّ اسم إسرائيل لم يظهر إلا بدايةً من القرن التاسع قبل الميلاد، وهم قومٌ من الوثنيين الذين لم يعرفوا النبوّةَ في عامة تاريخهم، وكانوا مشركين، يعبدون الأوثان. [السواح، تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود، ص146.]
موسى عليه السلام: موسى شخصيةٌ غيرُ تاريخية، بمعنى أنّه لا يتوافر لدينا أيُّ دليلٍ على أنه وُجد في زمنٍ ما، كما أننا لا نستطيع أن نجزم بأنه لم يوجد. كل ما يمكنا القولُ بشأنه هو أنّه شخصيةٌ ملحميةٌ، والشخصياتُ الملحمية ربما كانت ذاتَ أصلٍ تاريخيِّ، ولكنّ هذا الأصلَ يغيب غالبًا وراء غِلالاتٍ ميثولوجيةٍ كثيفة . بمعنى أنّ موسى عليه السلامُ إمّا شخصيّةٌ خرافيةٌ بقَطع، وإمّا شخصيّةٌ مشكوكٌ في وجودها، وكلا القولين تكذيبٌ للقرآن. [السواح، الله والكون والإنسان، ص80.]
الخروجُ من مِصرَ، والتيه: قصّةُ خروجٍ بني إسرائيلَ من مِصرَ، وتيهِهم أربعينَ سنة، قصّةٌ ملحميّةٌ أسطوريّة. وافتراضُ صلتها بالتاريخ لا يتجاوز القولَ إنّ قلّةً من الآسيويين التحقوا بكنعانَ عندما خرجوا من مِصرَ في القرن الثالثَ عشَرَ قبل الميلاد، غير أنّهم لا يُمثِّلون بأيِّ حالٍ مجموعَ بني إسرائيل القرآنيين. [السواح، الوجه الآخر للمسيح، ص100.]
توراةُ موسى عليه السلامُ: لم تنزل على موسى عليه السلامُ توراةٌ، ولا توجد توراةٌ إلا ما كتبه اليهودُ بعد قرونٍ طُوالٍ من العصر المفترض لموسى عليه السلام. وقد سرَق عزرا -الذي ابتدأ عمليةَ تحرير التوراة في القرن الخامس قبل الميلاد- التوحيدَ من الديانة الزرادشتية، ولم يكن حافظًا لتراثِ إسرائيليِّ سالف، وإنّما صنَع تاريخًا دينيًّا مزيّفًا. [المصدر السابق، ص104.]
داودُ وسُلَيمانُ: داودُ وسُلَيمانُ عليهما السلامُ اختلاقٌ أسطوريٌّ متأخرٌ من اليهود ؛ لإنشاءِ قِصص ملحميّة. وكلّ دعوى تدّعي وجودَ مُلكٍ سياسيِّ لدوادَ وسليمانَ عليهما السلامُ محضُ خرافةٍ.(3) وكذلك الحالُ مع قصّةِ زيارةِ ملكةِ سبأ سليمانَ عليه السلامُ.(4)
(3) السواح، آرام دمشق وإسرائيل، ص271.
(4) Firas Sawah, Jerusalem in the Age of The Kingdom of Judah, 133-134.
وأضيف: عيسى ويحيى عليهما السلام: ورد خبرهما في العهد الجديد. وهما على غير معتقد الإسلام؛ فقد كانا يدعوان إلى الغنوصيّة الخرافية الشاطحة.
إذا صدَّقنا مذهبَ السواح، لزمنا تكذيبُ عامة القرآن؛ لأنَّ من كذَّب السرديةَ القرآنية لتاريخ النبوة وبني إسرائيل، فقد كذَّب كلَّ أخبار القرآن عن الماضي، خاصةً قصصَ الأنبياء، كما كذَّب إخبارَ القرآن أنّ الرسالة الخاتمة استمرارٌ لرسالة الأنبياء السابقين.
فأخبارُ الأنبياء في القرآن يمكن تقسيمُها إلى ثلاثةِ أصناف:
أخبارٌ كبرى يشهد لها التاريخُ، مثل وجودِ عيسى عليه السلامُ ويحيى عليه السلامُ وداودَ عليه السلامُ، وأخرى تفصيليّةٌ مثل الخلاف بين النصارى حول صلب المسيح.
أخبارٌ تؤيّدها قرائنُ تاريخيةٌ، مثل بعضٍ تفاصيلِ قصةِ موسى عليه السلام، بما يوافق ما هو معروفٌ عن الحضارة المصرية القديمة، كما نبَّه إلى ذلك عددٌ من علماء المصريات.
أخبار لا تتقاطع مع التاريخ ولا تتعارض معه، أي لا توجد شواهد تؤيّدها أو تنفيها، مثل قصة يونس عليه السلام أو قصص أنبياء لم ترد أخبارهم في التوراة، كنبي اللّه صالح عليه السلام.
أطروحة السواح في خدمة الصهيونية
ومع ذلك، يجد القارئ في بعض كتاباته ما يُوهم بأنّه مسلمٌ أو يؤمن بقداسة القرآن، وليس لذلك تفسيرٌ إلا جُبنُه عن التصريح بمعتقَده في المساحات الشعبيّة أو في السياقات التي يُطلب فيها منه بيانُ موقفه من القرآن.
وحالُ الرجل -كما ذكرنا- لا يخفى على كل بصير؛ فإن لم يكن ما نقلتُه سابقًا عنه من التكذيب الصريح للإسلام، فلا يُقال إنّ أبا جهل كان مكذبًا للإسلام!
فإنّ إهمالَ البيان يُتيح لهم أن يتسللوا إلى الأمّة تحت غطاء التجديد ، وهم في الحقيقة يُروِّجون للانسلاخ من الدين كلِّه.
بينما السواحُ وأمثاله، وإنْ أنكروا على اليهود أن يكونوا ورَثةَ داودَ عليه السلام، بحجّةِ أنّ داود عليه السلام شخصيةٌ أسطورية، إلّا أنّهم يقررون بعبارةٍ صريحةِ أنّ اليهود الذين ظهروا في الألفية الأولى قبل الميلاد لم يأتوا من خارج فِلَسطين، بل هم من أبناء الأرض، أي هم فِلَسطينيون أقحاحٌ اخترعوا سرديّةً دينيةً ملفَّقةً تزعم أنهم جاؤوا من خارجها (مِصر). وهو ما ينتهي إلى منح اليهود شرعيةً عِرقيّةً لم يدّعوها أصلا!
وقد علِمتَ -في الفصل الأول- أنّ السواح يُنكِر وجودَ الأقصى في القدس، بل يُنكِر أيَّ صلةٍ للرسالة الخاتمة بالقدس، ويزعم أنّ ما يُعرف اليومَ بالمسجد الأقصى مَبنيٌ على أساساتِ هيكل اليهود (وإن لم يَنسُب هذا الهيكلَ إلى سليمانَ عليه السلام).
ليست للسواح مشاركةٌ علميّةٌ جادّةٌ في الدراسات التوراتية وتاريخ اليهوديّة؛ فما ألَّفه مجرّدُ تلخيص لأبحاث التيارات الشكوكيّة الغربيّة.
اتّخذ السواحُ التوراةَ واجهةً للتشكيك في قَصص القرآن، من خلال الطعن في الأخبار التاريخيّة التوراتية التي لها مُوازٍ في القرآن.
فراس السواح.. الإلحادُ هو الحلّ!
لم يؤلّف السواح كتابًا في بيان رؤيته العقدية الخاصة، رغم كثرة مؤلفاته في الموضوع الديني، وكثرة تساؤل القرّاء حول انتمائه العقدي، خاصة مع اتهامه بالإلحاد من كثير من المطّلعين على تصريحاته الصحفيّة.
الصورة الكبرى لرؤيته العقديّة لم تتضح بعد، وهو ما يوجب علينا الرجوع إلى كتبه المتعلّقة بأصل الدين والميثولوجيا؛ لعلنا نطلع على حقيقة معتقده فيها.
ولذلك سنراجع الكتب التالية: الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الأفكار الدينية ، و دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني ، و لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة ، و مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة: سوريا وبلاد الرافدين ، و الأسطورة والمعنى: دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية و التاو تي-تشينغ: إنجيل الحكمة التاوية في الصين .
الروح القلِقة والإبهامُ المريب
وُلد فراس السواح في 1360هـ / 1947م، أي السَّنة التي أعلن فيها الجنرالُ كاترو استقلال سوريا رسميًّا، بعد الاحتلال العسكري. ونشَأ في بيئةِ تتنازعها الثقافةُ الإسلامية الشعبيّة من جهةٍ وآثارُ الاحتلال الفرنسي المنحوتةُ في الواقع التعليمي والثقافي من جهةٍ أخرى. وقد تملَّكَتْ نفسَه رُوحُ التغريب، رغم أنّ جدَّه أزهريٌّ.
وكان مَيلُه عن التديّن عميقًا حتى ذَكَر أنّه لمّا كان يُهيئ نفسَه لامتحاناتِ شهادةٍ الدراسة الابتدائية في المسجد، كان يُغادِر ساحةَ الصلاة قبل إقامةِ الصلوات حتى لا يُؤنِّبه أحدٌ لأنّه لا يلتحق بالمصلين أثناء تأديتها جماعةً! [السواح، دين الإنسان، ص13.]
وقد تجاهل السواحُ ما يعرفه حتى صبيانُ المسلمين من تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، أي إنّ النفس الإنسانية مطبوعةٌ في داخلها على معرفة الخير والشر، ومدفوعةٌ إلى الخير بدافع الفطرة الأولى التي جُبلَتْ عليها: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
واتجه -كما يروي عن نفسه- إلى دراسةِ الفلسفة الغربية، يقرأ شَتاتًا وشذَراتٍ من هنا وهناك دون انتظامٍ منهجي، في حالةِ انبهارٍ ب ثقافة الغالب ، محتقِرًا ما سمّاه الفلسفةَ العربية ؛ إذ هي -في رأيه- مجرّدُ محاولةِ للتوفيق بين الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي، جعلَتْ نفسَها أسيرةً لمقدمةٍ إيمانيةِ أولى، بخلاف الفلسفة الغربية التي يراها منطلقةً -بصدق- من الشك. [السواح، الله والكون والإنسان، ص 16.]
لقد أبعد السواحُ فكرةَ الإله الواحد عن عقله وقلبه، فوجَد نفسَه في هُوّةٍ بين التوحيد والإلحاد الماديّ الصريح، ليختارَ في النهاية إلحادًا رُوحيًّا لا يؤمن بالله.
ولا أظنه اتّبع هذا الأسلوبَ الغائم إلا رغبة في تحاشي مصادمة عقل القارئ المسلِم، ومحاولةً للتسلل إلى وعيه بخفاءٍ ليَبُثَّ فيه أفكارَه الحالية.
ومن صوَرٍ تَجمُّلِ السواح بما لا يملك، قولُه الصريحُ إنّه لا توجد ديانةٌ أفضلُ من أخرى، وإنّ جميعَ الأديان تعبيراتٌ عن الأشواق النفسية ذاتها عند البشر، وأنها طرقٌ متعددةٌ إلى الحقيقة الواحدة.
والحقيقةُ أنّ السواح، كغيره من الباحثين، مُشبَّعٌ بتصوراتٍ وخلفياتٍ ذهنيةٍ سابقة، ولا يستطيع أيُّ باحثٍ -بطبيعة الحال- أن يَبدأ دراستَه للدين من فراغ مُطلَق.
ومن طبيعة الرؤّية أن تَنشأ من هُويّةٍ فكريةٍ أو ثقافيةِ معينة، وهذا التموضعُ هو في ذاته انحيازٌ معرفي. ولذلك فالمسألةُ ليست في الادعاء بأنّ البحث يبدأ بعقلٍ فارغٍ من الآراء المسبقة، وإنما في أنْ يُصارِحَ الباحثُ قارئَه بالمقدمات التي يَنطلق منها، خاصةً إذا كانت هذه المقدماتُ من جنس المسائل البرهانية.
وما قرره السواحُ في كُتُبه لا يختلف في جوهره عن مذهب دوكينز.
ويَستشهد السواحُ بحديثِ أحدِ علماءِ الوراثة عن جينة الإله لإثباتِ أصالةِ الإحساس الديني.(1) وهي دعوى من جنس العلم الزائف (pseudo-science) الذي يؤكّد السواحُ خصومتَه معه؛ فإنّ دعوى عالِم الجينات دين هامر أنّ جين (VMAT2)(2) مرتبطٌ بالإيمان بالله -أو بدقةٍ- تفسير الشعور الديني عند البشر(3)، لا سبيل إلى البرهنة عليها تجريبيًّا.(4)
(1) السواح، اللّٰه والكون والإنسان، ص33.
(2) Vesicular Monoamine Transporter 2
(3) Dean Hamer, The God Gene: How Faith is Hardwired into our Genes (New York: Doubleday, 2004).
(4) يبدو أنّ السواح لم يقرأ الكتاب، فإنّه أحال إلى مقال في مجلة تايم يتحدّث عن هذه النظرية، في حين أنّ صاحبها قد نشرها في كتاب!
وأكَّد ذلك بقوله: في المرحلة الأبكر من تاريخ الدين لم يعتقد الإنسانُ بوجودِ آلهة، وإنما بوجودِ قوةٍ غامضةٍ مقدَّسةٍ تسري في مظاهر العالم المادي وتَبُثّ فيه الحركةَ والحياة. ويختلف مفهومُ “القوة” عن مفهوم “الإله” في أنّ القوة لا تمتلك شخصيةً مثل الإله، بل هي أقربُ إلى مفهوم الطاقة في العلم الحديث . وهو بهذا التقرير يؤكّد أصالة الإلحاد في تاريخ الإنسان. [السواح، الله والكون والإنسان، ص34.]
ودخولُ التوحيد مسرحَ الوجود لم يَتمّ بالفطرة الأولى، ولا بإنباء الوحي، وإنّما أدركَتْه عقولٌ متميّزةٌ بجهدها الخاص، منذ زمن قريب، كان أوّلها زرادشت. [السواح، الله والكون والإنسان، ص80.]
ويَشرَح السواحُ موقفه من الوحي في كلماته التالية: بوّابات الاتصال بين المُقدّس والدنيوي أو بين الإلهي والإنساني ليست مُوصدة. وأقصى حالةٍ لهذا التواصل هي حالةُ النبي الذي يكون في أشد حالاتِ إحساسه بحضورِ الإلهي في قلبه، راغبًا في تَلمُّسٍ ومعرفةِ المشيئة الإلهية؛ فتنبثق في أعماق نفسه معاني يعبر عنها هو بكلمات. فالوحيُ والحالة هذه استنارةٌ تَحصُل في جَنَباتِ النبي وهو في أقصى حالاتِ البحث عن الحقيقة . فالوحيُ حالةُ تَخمُر في ذهن مَن يرى نفسَه نبيًّا، وليس هو الإنباء حقيقةً عن الله. [السواح، الله والكون والإنسان، ص19.]
إنّ بَذرة التوحيد كامنةً داخل الديانات القديمة الشركيّة التي عادةً ما تُوصف بالبُدائية، كما دلّل على ذلك فِلهلم شْمِت Wilhelm Schmidt.
أصّل شميت ذلك في مؤلّفه الضخم Der Ursprung der Gottesidee (أصل فكرة الله). ولكنّ الإنصاف يقتضي الإقرار أنّ إثبات سبق التوحيد عسير أركيولوجيًّا وأنثروبولوجيًّا.
إن قراءةَ موقفه من الإيمان بخالقٍ أَخرج الوجودَ من العدم، أَورَثَتْ حكمتُه هذا الوجودَ معنّى، تُظهر أنّ الإلحاد هو مذهبُه؛ فقد صرَّح أنّ الكون مُستغنٍ عن الخالق؛ إذ يَخلق نفسَه من خلال قوانينه اللا زمانية.
إذ هو يعرض دعوى لا زمنية القوانين كأنّها حقيقةٌ علمية، مع أنها دعوى لا علميّةٌ؛ فإنّ الكون إمّا أنْ يبدأ بالانفجار العظيم، أو أن تَسبقه أكوانٌ سالفةٌ قبل هذا الانفجار. أمّا الجمعُ بين بدايةٍ واحدةٍ للكون المادي عند الانفجار العظيم مع افتراضٍ وجودِ قوانينَ سابقةٍ قائمةٍ في عالم المُثُل ، فليس قولا فيزيائيًّا، كما لا يتوافق مع الرؤية الدينية.
وأصل خطئه هنا عدم تمييزه بين العدم الفلسفي، والذي هو غياب الشيء من حيث هو، والعدم عند الفيزيائيين، وهو الفراغ الكمّي Quantum Vacuum، وهو مستوى من الطاقة منخفض جدًا يزعم فريق من الفيزيائيين أنّه خلاق بقوانينه السارية فيه.
والخَلقُ في الرؤية الإسلامية مرتبط بالفعل الإلهي المباشر: كُنْ فيكون ، لا بعمل قوانينَ أزلية.
سخر الفيلسوف كيث وارد Keith Ward من هذا ((الوجود العدمي)) مَجمع النيقيضين-، قائلا: في فرضية التذبذب الكمومي، لا يمكن للكون أن يظهر للوجود إلا أن توجد مجموعة متوازنة تمامًا من القوى الأساسية، واحتمال محدد دقيق لتذبذبات معينة تقع ضمن هذه المجموعة، وزمكان من الممكن أن تقع فيه التذبذبات. إنه (لا شيء) بالغُ التعقيد والضبط! .
Keith Ward, God, Chance and Necessity (Oxford: One World, 1996), 40.
يُجيبنا فراس السواح عند سؤاله عن كتاب التاو-تي-تشينغ Tao Te Ching (الذي تَرجمه إلى العربية، وهو من أهمَّ كُتُبِ التاوية) بقوله عن سببِ إعجابه بهذا الكتاب: كلمةُ “إعجاب” لا تكفي، فأنا أرى فيه دواءً شافيًا لكلِّ أمراضٍ حضارةٍ إنسانيةٍ ضلّت طريقَها . [السواح، الله والكون والإنسان، ص212.]
فالتاويةُ -عند السواح- هي الحلُّ! وهي التي تَهدينا الطريقَ بعد أنّ فشلت البشريةُ في مسيرةٍ طويلة مع الأنبياء!
إنها رؤيةٌ لا تؤمن بإلهِ، ولا نبوةٍ، ولا كتاب مقدس.
الاستسلام للطبيعة بهذا المعنى لا يُميّز الإنسانَ عن البهيمة التي تتبع غرائزها بغير معارضة.
لقد رفَض السواحُ الإيمانَ بالوحي والنبوة، وردّ الإسلامَ إلى خرافاتِ اليهودية والنصرانيّة، ثم قدَّم التاويةَ بديلًا لاعقلانيًّا لطالبي الاستنارة. وهو هروبٌ من الوضوح إلى الغموض، ومن الوجود إلى العدم، ومن الغاية إلى التيه.
سُئل السواحُ في صحيفة إماراتية: هل تشعر بأنك على حقّ في كلُّ ما تكتب؟ . فأجاب: لست بداعيةٍ أو مبشّر، ولا أروّج لأيديولوجيةٍ ما أراها الصراطَ المستقيم. أنا مجرد باحث، أقرأ وأحلل وأضع النتائج التي أتوصل إليها بين يدي القارئ. أما أنني على حقّ أو على خطأ، أنا لم أَعرف بعدُ ما هو “الحقُّ” حتى أَشعر بأني على “حقٍّ” فيما أكتب .
لا يوجد أديان للإنسان وإنما دين واحد . حوار مع فراس السواح. مقابلة منشورة في مجلة أصداء فلكية الإماراتية بتاريخ 23 ديسمبر 2009.
http://www.maaber.org/issue_february10/lookout2.htm
عادة النفوس مَيلُها إلى العاطفة أكثر من ميلها إلى البرهان، ووجد هذا الأسلوبُ رَواجًا بين الناس.
وهو الأسلوب نفسه الذي شاع عند بعض المعاصرين من الملاحدة: نسبيةٌ مائعةً في فلسفة العلوم، ويقينٌ دوغمائيٌّ في قضايا العقيدة والأخلاق.
…ولذلك أَطلقْتُ على أحدٍ مؤلفاتي عنوانَ “دين الإنسان” لا أديان الإنسان، وأوضحْتُ في هذا الكتابِ الوَحدةَ الجوهرية التي تجمع الأديانَ في واحدٍ، وتجمع البشر إلى خالقهم .
لا يوجد أديان للإنسان وإنما دين واحد . حوار مع فراس السواح. مقابلة منشورة في مجلة أصداء فلكية الإماراتية بتاريخ 23 ديسمبر 2009.
http://www.maaber.org/issue_february10/lookout2.htm
فهذه الأديانُ -عندها- لا تتساوى لأنّها تَهدي الإنسانَ إلى الحقيقة، وإنّما تتساوى لأنّها كلّها وهمٌ نفسيٌّ.
إنّ تنوير العقول يكون بمواجهة الواقع كما هو، بشجاعةِ من يبغي النجاةَ لنفسه والاستنارةَ للعالم.
فإنّي أدعو كلَّ مَن أراد أن يُعقّب على هذا الكتاب ألّا يَركنَ إلى النَّهجِ الإلحادي التقليدي في إظهار الجزع وتكلُّف الدمع بُكاءً على التنوير الذي تحاربه أقلام الظلام ! فذاك لن ينال من نقدنا للسواح بشيء؛ فإنّ هذا الكتاب قائمٌ على تتبُع الأفكار والنصوص، ونقدِها تفصيلا، وبيانِ الخللِ المعرفي في البنية العلميّة للسواح، والخللِ المنهجي في كتاباته؛ فمَن رام الدفاعَ عن السواح؛ فليُعِدَّ للنقد التفصيلي جوابًا، ولا يتترّس بستار المظلوميّة .
وأخيرًا، رسالتي إلى الخاصة والعامة في هذا الكتابِ هي استعجالُ تطهيرِ الواقع الثقافي من زَغَلِ العلم، فإنّه غُثاءٌ ساربٌ على وجهِ المكتبة العربيّة، يحمل في قلبه آفتين، المعرفة الزائفة المتبجّحة والجُرأة على الإسلام بطلبِ نقض حقائقه. وإذا كان السواحُ يمثّل الجيلَ الذي صبَغه المحتلُّ بصبغته، وصاغه علَى صورةٍ تجمع السطحيّة والدهريّة، فالواجبُ أن يَظهر اليومَ جيلٌ من الباحثين أوفياءَ للحقيقة، جامعين بين الانتماءِ الواعي للإسلام -عن فَهم وتدبُّر- والقدرةِ على الإفادةِ من المكتبة الغربية -بوعي ودون انسلاخ-.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
