القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: سبيل المُصلحات: استعادة دور المرأة المُسلمة، تأليف الشيخ: أحمد يوسف السيد

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

سبيل المُصلحات: استعادة دور المرأة المُسلمة

تأليف الشيخ: أحمد يوسف السيد

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس:

مُقدِّمة المُؤلِّف5

القسم الأول: التأصيل المنهجي لقضايا المرأة. 6

الفصل الأول: مقدِّمات منهجية في التعامل مع قضايا المرأة في الإسلام. 6

المقدمة المنهجية الأولى: هوية المرأة تبدأ من: (العبوديَّة لله) قبل (الأنوثة) 6

المقدمة المنهجية الثانية: مرجعية الوحي هي الأساس الذي تُبنى عليه التصورات، وتُحاكم إليه الأفكار والمرجعيات الأخرى.. 6

المقدمة المنهجية الثالثة: الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمرأة هي جزء من منظومة تشريعية شموليَّة، تراعي مختلف العلاقات والاعتبارات.. 6

المقدمة المنهجية الرابعة: الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة جاءت لتحقيق المصالح الدنيوية والأخروية، وأعظمُها مقصد العبودية لله تعالى.. 6

المقدمة المنهجية الخامسة: التكليف الشرعي بالإصلاح مشترَكٌ بين الرجل والمرأة إلا فيما ورد فيه الاستثناء. 7

المقدمة المنهجية السادسة: الأصل في الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة في مقابل الرجل هو معيار العدل وليس المساواة . 8

المقدمة المنهجية السابعة: من نقاط الارتكاز في فهم مكانة المرأة في الإسلام النظرُ إلى ما قرَّرَه الإسلام في جميع أحوال المرأة لا في طَوْرٍ من الأطوار دون غيره. 8

المقدمة المنهجية الثامنة: أهمية المقارنة الشمولية بين حال المرأة في الإسلام وحالها في الجاهلية الأولى والجاهلية الغربية الحديثة. 8

الفصل الثاني: بيان مكانة المرأة في الإسلام من خلال النظر في نصوص الوحيين وواقع المجتمع النبوي.. 9

الجوانب الكاشفة عن مكانة المرأة في الإسلام من جهة الاختصاص9

الجانب الأول: محاربة الإسلام للعادات الجاهليَّة التي ظلمت المرأة. 9

الجانب الثاني: اختصاص الأنثى بمزيدِ اهتمامٍ وتأكيدِ عنايةٍ في بعض أحوالها 9

الجانب الثالث: تغليظ حرمة عِرضها 10

الجانب الرابع: أحكام الحماية الاستثنائية التي قرَّرها الإسلام للمرأة. 10

الجانب الخامس: أحكام التخفيف والمراعاة للمرأة. 10

الجانب السادس: الوصية الخاصة بالمرأة والإحسان إليها، وتقرير معيار من معايير التفاضل بقدر هذا الإحسان. 11

الفصل الثالث: معالم أدوار المرأة وحدودها في المجتمع النبوي.. 11

المعلَم الأول: نصرة النبي ﷺ والإسلام والتفاعل مع الأحداث المتعلقة بذلك من البيعة والهجرة والنصرة والمؤازرة ونحوها 12

أولاً: مؤازرة النبي ﷺ والصحابة في الدعوة والجهاد ونصرة الإسلام. 12

ثانيًا: الدعوة إلى اللّٰه سبحانه وتعالى.. 14

ثالثًا: المشاركة في الأحداث العامّة المتعلقة بحركة الدّعوة. 15

المعلَم الثاني: التسليم والانقياد لأمر اللّٰه ورسوله ﷺ والحرص على العمل والبذل في مختلف وجوه الخير.. 15

المعلَم الثالث: الثبات والعزة وتحمّل المسؤولية الخاصة والعامة. 16

المعلَم الرابع: تعلّمُ الدين والتفقّه فيه. 16

المعلَم الخامس: دور العناية بالأسرة والزوج وتحمّل مسؤولية البيت والأبناء. 17

المعلَم السادس: الأدوار الاجتماعية. 18

الفصل الرابع: دور النساء بعد عهد النبي ﷺ في التعليم وخدمة الإسلام. 19

الدور الأول: بثّ العلم والتعلُّم عند النساء بعد عهد النبي ﷺ20

الدور الثاني: الثبات ونصرة الدين وخدمة الإسلام. 22

القسم الثاني: استعادة دور المرأة المسلمة. 24

الفصل الأول: المرأة وخارطة المسؤوليات.. 24

المسؤولية الأولى: المسؤولية الذاتية. 24

أولاً: شواهد من الوحي على اعتبار هذه المسؤولية. 24

ثانيًا: واجبات وأعمال تندرج تحت المسؤولية الذاتية، مع ذكر النماذج والأمثلة. 25

الواجب الأول: تحقيق العبوديَّة والتسليم من خلال إصلاح القلب وتزكية النفس والعمل الصالح.. 25

الواجب الثاني: الاحتشام والعفاف وتحصين الفرج.. 26

الواجب الثالث: الحجاب.. 26

الواجب الرابع: الصبر عند المصيبة. 27

الواجب الخامس: حفظ اللسان. 28

الواجب السادس: الصدقة. 28

الواجب السابع: مراعاة الضوابط الإسلامية في الزينة. 28

الواجب الثامن: العلم والتفقه في الدين.. 28

الواجب التاسع: الثبات أمام الفتن.. 28

المسؤولية الثانية: المسؤولية الأسرية. 29

أولاً: شواهد من الوحي على أصل المسؤولية الأسرية. 29

ثانيا: واجبات وأعمال مندرجة تحت مسؤولية المرأة في الأسرة. 29

الواجب الأول: تربية الأبناء. 29

الواجب الثاني: حفظ حق الزوج وطاعته وعدم كُفران عشرته. 29

المسؤولية الثالثة: المسؤولية الإصلاحية العامة. 30

أولاً: شواهد من الوحي على المسؤولية العامة. 30

ثانيا: واجبات وأعمال مندرجة تحت المسؤولية الإصلاحية العامة. 30

الواجب الأول: الدعوة إلى اللّٰه سبحانه وتعالى.. 30

الواجب الثاني: إنكار المنكر ومحاربة الفساد. 30

الواجب الثالث: مؤازرة المصلحين ومعاونتهم وتقديم المشورة والرأي لهم. 30

الواجب الرابع: التضحية والبذل في طريق الإصلاح.. 30

الثغور الإصلاحية للمرأة المسلمة. 30

أولاً: الثغر الدعوي.. 31

ثانيًا: الثغر المعرفي.. 31

القسم الأول: المجال الشرعي31

القسم الثاني: المجال الفكري والثقافي.. 31

ثالثاً: الثغر التربوي الخاص31

رابعاً: الثغر التربوي العام. 32

الفصل الثاني: المرأة في مواجهة التحديات.. 32

أولًا: خارطة التحديات التي تواجهها المرأة المسلمة اليوم. 32

المظلّة الأولى: التحديات الفكرية. 32

أولًا: تحدّي الاتجاه النِّسوي.. 32

ثانيًا: تحدّي الاتجاه الذكوري.. 33

ثالثا: تحدّي الاتجاهات الإلحادية. 34

المظلّة الثانية: التحديات الاجتماعية. 34

أولاً: الثقافة الاجتماعية المتشددة. 34

ثانيا: الثقافة الاجتماعية الظالمة للمرأة والساحقة لها 34

ثالثا: الثقافة الاجتماعية الفردانية واللامبالية. 35

رابعا: الثقافة الاجتماعية المحاربة للتديّن.. 35

تحدّي التفاهة. 35

المظلة الثالثة: التحديات النفسية. 35

المظلة الرابعة: تحدِّي الثبات والاستقامة. 36

المظلة الخامسة: التحديات الدعويّة والإصلاحيّة. 36

ثانيًا: توصيات لمواجهة التحديات.. 37

الوصية الأولى: تعزيز اليقين بأصول الإسلام وتثبيت مرجعية الوحي37

الوصيّة الثانية: دوام استحضار النظر إلى الغايات الكبرى وإدراك الإنسان موقعه من الوجود. 37

الوصيّة الثالثة: الاستغناء القلبي والروحي38

الوصيّة الرابعة: العناية بتحصيل العلم النافع ثم العمل بمقتضى هذا العلم. 38

الوصية الخامسة: ضبط معايير النجاح والفشل وكسر عقدة الكمال. 38

الوصيّة السادسة: الانشغال في مشروع رسالي يُصهَر فيه الهم والفكر والروح.. 38

الوصيّة السابعة: تدريب النفس على المثابرة والمجاهدة والصبر، ونزع قيود التظلُّم والتَّشكِّي والتسخُّط.. 38

الوصيّة الثامنة: إيجاد بيئة صالحة مُعينة على الخير.. 38

الوصيّة التاسعة: اتخاذ القدوات الصالحة. 39

الخاتمة. 39

 


 

مُقدِّمة المُؤلِّف

في ظل واقع الأمة الذي تعيش فيه حربًا فكرية وعسكرية وثقافية وأخلاقية شاملة، ابتدأَتْ مع الاستعمار ولم تنتهِ بعد زواله؛ كانت المرأة محوراً أساسياً من محاور هذه الحرب،

ثم ورث ذلك كله المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية التي جعلت قضية المرأة ركناً من أركانها؛

تأثيرٌ ثقافي وأخلاقي كبير يقوم به كثير من مشهورات شبكات التواصل في رسم صورة المرأة المنشودة لبنات الجيل، وهي صورة قائمة على الاستكثار المادي والاستعراض والتفاهة والشهرة والسفر والمتعة والرفاهية.

تزداد الحاجة إلى المصلحات المحققات للنموذج الإسلامي الصحيح، متمثلاً في الاعتزاز بالإسلام والاستعلاء على المظاهر المادية وتحقيق العبودية لله في مختلف شؤون الحياة، مع السعي في الأعمال الإصلاحية المؤثرة في الواقع النسائي خاصة وواقع الأمة عامة، دون إخلال بمختلف دوائر المسؤولية المأمورة بها المرأة على المستوى الأسري والاجتماعي وفي الفضاء العام.

جيل المصلحات الأوّل (جيل الصحابيات).

مع استحكام الثقافة الغربية الغالبة على عقول كثير من المسلمين،

الأصل في باب المرأة في الإسلام عدم انفراده عمّا جاء في شأن الرجل، من جهة كونهما يشتركان في الغاية الكبرى من الوجود والمصير الأخروي.


 

القسم الأول: التأصيل المنهجي لقضايا المرأة

الفصل الأول: مقدِّمات منهجية في التعامل مع قضايا المرأة في الإسلام

المقدمة المنهجية الأولى: هوية المرأة تبدأ من: (العبوديَّة لله) قبل (الأنوثة)

ما هي الهوية التي ينبغي أن يقدمها الإنسان ويجعل لها الأولوية والحاكمية لتؤثر بدورها على بقية الهويات؟

هي العبودية لله سبحانه وتعالى والانتماء إلى الإسلام،

وهذا هو العهد اليومي المطلوب من المسلم تجديده عبر دعاء سيد الاستغفار الذي يُقال في كل صباح ومساء، وفيه: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ . البخاري (٦٣٢٣).

المقدمة المنهجية الثانية: مرجعية الوحي هي الأساس الذي تُبنى عليه التصورات، وتُحاكم إليه الأفكار والمرجعيات الأخرى

وهذه المرجعية ليست مختصة ببيان الأحكام الشرعية التفصيلية وحدها بل تشمل تأسيس التصورات الكلية للوجود والحياة.

ومن أهم ما اعتنى الوحي بتأسيس التصورات عنه وتصحيحها، هو الإنسان وتكليفه ودوره والغاية من وجوده،

إن حقيقة الخلاف في كثير من الإشكالات المعاصرة المتعلقة بالمرأة هو خلاف في المرجعية بالأساس.

المقدمة المنهجية الثالثة: الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمرأة هي جزء من منظومة تشريعية شموليَّة، تراعي مختلف العلاقات والاعتبارات

إن النظر الجزئي لحكم من أحكام الدين دون النظر إلى علاقته بمقاصد الدين ومجموع تشريعاته قد يؤدي إلى استنكاره ممن ضعف إيمانه.

التشريعات في الإسلام لم يُراعَ فيها الجانب الدنيوي مستقلاً عن الجانب الأخروي،

فالمرأة في الإسلام ليست كائناً فردانياً لا يُراعَى إلا هو في التشريعات والأحكام ولا تجب لها الحقوق التامّة لمجرّد كونها أنثى -كما هي بالنسبة للتيار النِّسوي-.

المقدمة المنهجية الرابعة: الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة جاءت لتحقيق المصالح الدنيوية والأخروية، وأعظمُها مقصد العبودية لله تعالى

المقصد الأساسي من وضع الأحكام الشرعية هو تعبيد الناس لله تعالى،

كثيراً من التشريعات والأحكام الشرعية قد لا يترتب عليها مصلحة دنيوية (ظاهرة)،

كما ذكر الإمام الشاطبي رحمه اللّٰه حيث قال: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلّف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا . الموافقات (٢٨٩/٢).

فإنّ من يسلك سبيل تعليل الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمرأة عبر ربطها وحصرها بالمصالح الدنيوية وحدها؛ فإنّه يخطئ من حيث يحسب أنه يحسن صنعًا.

إنّ من أعظم ما يُبرز قيمة الالتزام بالشريعة في مصالح الدنيا هو التأمّل في المفاسد المترتبة على التخلّي عنها.

المقدمة المنهجية الخامسة: التكليف الشرعي بالإصلاح مشترَكٌ بين الرجل والمرأة إلا فيما ورد فيه الاستثناء

يمتد هذا الاشتراك ليشمل التكليفات الإصلاحية والمسؤوليات المتعدّية وتحمّل مسؤولية الإسلام والتضحية في سبيله،

ومما يدل على ذلك قولُه سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]

وقولُهُ سبحانه: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].

فالمرأة كانت أول من أسلم (خديجة رضي اللّٰه عنها).

والمرأة كانت أول من قُتل في سبيل اللّٰه (سميّة رضي اللّٰه عنها).

والمرأة كانت ممن هاجر إلى الحبشة (رقية بنت رسول الله ﷺ).

والمرأة كانت ممن حضر بيعة العقبة التي كانت من أهم محطات النصرة في السيرة النبوية (أم عمارة، وأم منيع رضي اللّٰه عنهما).

والمرأة كانت ممن طلب العلم في زمن النبي ﷺ.

والمرأة كانت ممن دعا إلى اللّٰه تعالى في زمن النبي ﷺ.

والمرأة كانت تساند المجاهدين وتعالج جرحاهم وتسقي عطاشهم.

والمرأة كانت تُفتي ويصدر الناسُ عن فتواها (عائشة رضي اللّٰه عنها في استفتاء الصحابة لها).

المقدمة المنهجية السادسة: الأصل في الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة في مقابل الرجل هو معيار العدل وليس المساواة

مبدأ العدل يقتضي إعطاء كل ذي حقّ حقه، وأما المساواة فهي وإن كانت من العدل في الأصل إلا أنها ليست كذلك في جميع الأحوال،

قال اللّٰه سبحانه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ [آل عمران: ٣٦].

المقدمة المنهجية السابعة: من نقاط الارتكاز في فهم مكانة المرأة في الإسلام النظرُ إلى ما قرَّرَه الإسلام في جميع أحوال المرأة لا في طَوْرٍ من الأطوار دون غيره

جاءت الأحكام الشرعية المتعلّقة بالأنثى مراعيةً مختلف أطوارها العمرية؛ طفلةً، وشابةً، وكهلةً، وعجوزاً.

وفي المقابل نجد أن كثيرًا من الخطابات المعاصرة المهتمّة بتمكين الأنثى ونصرتها تكاد تتمحور حول (المرأة الشابة)،

وكأنّ قيمة الأنثى مرهونة بما تملكه من جمال أو قدرة إنتاجية،

قال رسول اللّٰه ﷺ: مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، أَوْ بِنْتَانِ أَوْ أُخْتَانِ، فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ، وَاتَّقَى اللهَ فِيهِنَّ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ . الترمذي (١٩١٦).

المقدمة المنهجية الثامنة: أهمية المقارنة الشمولية بين حال المرأة في الإسلام وحالها في الجاهلية الأولى والجاهلية الغربية الحديثة

قال عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ . البخاري (٤٩١٣)، ومسلم (١٤٧٩).

جاءت الشريعة بتكليف المرأة كالرجل، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]

ومنعت توريثها ظلماً وكرهاً: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]

وضربت بها مثلاً للرجال وللنساء على حدٍّ سواء: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، وكذلك: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ﴾ [التحريم: ١٢]

وأوصت بها في أكبر ملأ اجتمع فيه المسلمون زمنَ النبي ﷺ فقال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا . البخاري (٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨).

الفصل الثاني: بيان مكانة المرأة في الإسلام من خلال النظر في نصوص الوحيين وواقع المجتمع النبوي

يتضح لك من ذلك كله

يُبحث في ذلك -وبشكل أساسي- من خلال النظر إلى معنى تكريم الإنسان المسلم -بغض النظر عن كونه رجلًا أو امرأةً-، وحقيقة دوره في الوجود، والمبادئ التي يريد منه الإسلام أن يعتنقها، والمعاني التي يريد منه أن يعيش من أجلها، والأهداف التي يريد منه تحقيقها، فالمرأة (مسلمة) قبل أن تكون (امرأة).

الجوانب الكاشفة عن مكانة المرأة في الإسلام من جهة الاختصاص

الجانب الأول: محاربة الإسلام للعادات الجاهليَّة التي ظلمت المرأة

كان شأن أهل الجاهلية في نظرتهم للأنثى حين يُرزقون بها، وما تبع ذلك من وَأْدِ للبنات، وكذلك ما كان متعلّقًا بكونها جزءًا من المال الذي يورث، ومن ذلك أيضاً ما كان في الجاهلية من عاداتِ حِدَادٍ قاسيةٍ بعد وفاة الزوج، كما رَوَتْ زينب بنت أبي سَلَمَة – رضي اللّٰه تعالى عنها-:

كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوفِّيَ عَنْهَا زَوجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلاَ شَيئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةً . البخاري (٥٣٣٧) واللفظ له، ومسلم (١٤٨٩).

الحِفْشُ: البيتُ الصغيرُ الضَّيّقُ القريبُ السقفِ.

والخلاصة: أنّ أول جانب ينبغي النظر من خلاله إلى تكريم الإسلام للمرأة هو تكريمها باعتبار ما كانت عليه في الجاهلية.

الجانب الثاني: اختصاص الأنثى بمزيدِ اهتمامٍ وتأكيدِ عنايةٍ في بعض أحوالها

من ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي اللّٰه عنها أنها قالت: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ؛ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ . البخاري (٥٩٩٥) واللفظ له، ومسلم (٢٦٢٩).

ومن أعظم ما جاء في هذا الاختصاص ما ورد في تأكيد حقّ الأم زيادةً على حق الأب، كما في حديث أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أنّ رجلًا سأل الرسول ﷺ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ .

البخاري (٥٩٧١) واللفظ له، ومسلم (٢٥٤٨).

الجانب الثالث: تغليظ حرمة عِرضها

إن من الآيات ما نزل بالتركيز على حرمة عِرض النساء إذ قال اللّٰه سبحانه وتعالى فيها: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، فأتى الحكم بلفظ التأنيث لبيان شناعة القذف حين يقع على المرأة مقارنة بالرجل.

قال ابن جُزَيٍّ رحمه الله: والمحصنات يراد بهنَّ العفائف من النساء، وخصَّهنَّ بالذِكر لأن قذفهنَّ أكثر وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى؛ إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد .

التسهيل لعلوم التنزيل (٦١ /٢)، طبعة شركة دار الأرقم-بيروت.

الجانب الرابع: أحكام الحماية الاستثنائية التي قرَّرها الإسلام للمرأة

في صلح الحديبية، حيث كان من بين الشروط التي وُقِّعت بين النبي ﷺ وبين مشركي قريش أنه من جاء إلى المدينة مسلمًا من عند المشركين يُرَدُّ، فنزل حكم اللّٰه مستثنيًا النساء المؤمنات: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]

وذلك صوناً لهنّ ورعاية لضعفهنّ.

ومن مظاهر حماية المرأة في الأحكام كذلك التشديدُ الوارد في الظهار وكفارته، وهو نوع من الحماية التي خصّتها بها الشريعة؛ حفظًا لحقّها من أن يُعبَث به.

ومما يدخل في هذا الباب كذلك منعُ المرأة من السفر بلا مَحْرَم، فهو حكم اعتُبِرَ فيه معنى حماية المرأة وصيانتها لا التضييق عليها وتقييد حركتها.

الجانب الخامس: أحكام التخفيف والمراعاة للمرأة

إسقاط الجهاد عنها،

كما جاء في الحديث الصحيح حين سأل النساء النبي ﷺ عن الجهاد فقال لهنّ ﷺ: جِهَادُ كُنَّ الحَجِّ . صحيح البخاري (٢٨٧٥).

وهذا التخفيف ليس خاصًا بالأحكام المتعلقة بالمسلمات فقط، بل جاء في أحكام نساء أهل الذمة كذلك، فقد أُسقِط عنهنّ دفع الجزية، كما قال الإمام ابن القيم رحمه اللّٰه تعالى في كتابه (أحكام أهل الذمة): ولا جزيةً على صبيٍّ ولا امرأةٍ ولا مجنون، هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم، قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وقال أبو محمد في (المغني): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في هذا . أحكام أهل الذمة (٦١ /١)، طبعة عطاءات العلم.

الجانب السادس: الوصية الخاصة بالمرأة والإحسان إليها، وتقرير معيار من معايير التفاضل بقدر هذا الإحسان

قال ﷺ: اتَّقُوا اللهَ فِي الِّنسَاءِ . مسلم: (١٢١٨).

وقد كرّر ﷺ الوصية فقال: اسْتَوْصُوا بِالِّنسَاءِ خَيْرًا . البخاري (٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨).

وثبت في جامع الإمام الترمذي رحمه اللّٰه تعالى عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن النبي ﷺ قال: أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ . الترمذي (١١٦٢)، قال الإمام الترمذي رحمه اللّٰه تعالى بعده: وفي الباب عن عائشة وابن عباس. حديث أبي هريرة هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .

الفصل الثالث: معالم أدوار المرأة وحدودها في المجتمع النبوي

لا نغفل عن أن واقعنا اليوم معقّد ومختلف اختلافاً كبيراً عن واقع وطبيعة المجتمع النبوي، ولذلك فإننا حين نذكر هذه النماذج لا ننتظر من المرأة اليوم أن تقوم بكلّ ما قامت به المرأة في زمن النبي ﷺ ولكن من المهم إبراز النموذج الصحيح، ثم بعد ذلك تتمُّ مقاربة هذا النموذج في الواقع بالقدْر الممكن.

فتحرير المعاني هو الموصل إلى تمام الاستفادة من هذه المدرسة الشريفة، وكما أن تطبيقات النبي ﷺ هي المُبيِّنةُ لمطلَقَات ومُجملات القرآن فإنّ تطبيقات الصحابة مُعِينَةٌ على فهم الهَدْي النبوي ومُحْكماته وأطرافه وحواشيه.

أمّا المعالم والأدوار التي ميّزت المرأة المسلمة في وقت النبي ﷺ فهي:

أولاً: نصرة النبي ﷺ والإسلام.

ثانيا: التسليم والانقياد لأمر اللّٰه ورسوله ﷺ.

ثالثا: الثبات والعزّة وتحمّل المسؤولية الخاصة والعامة.

رابعًا: تعلُّم الدين والتفقُّه فيه.

خامساً: العناية بالأسرة والزوج وتحمّل مسؤولية البيت والأبناء.

سادسا: الأدوار الاجتماعية.

المعلَم الأول: نصرة النبي ﷺ والإسلام والتفاعل مع الأحداث المتعلقة بذلك من البيعة والهجرة والنصرة والمؤازرة ونحوها

أولاً: مؤازرة النبي ﷺ والصحابة في الدعوة والجهاد ونصرة الإسلام

المثال الأول: خديجة رضي اللّٰه عنها ومؤازرتها للنبي ﷺ:

بل كان ما بذلته من تصديق ومؤازرة ودعم لزوجها رسول اللّٰه ﷺ في بداية دعوته من أعظم الدعائم التي قامت عليها الدعوة واستمرّت.

المثال الثاني: دور أسماء بنت أبي بكر رضي اللّٰه عنهما في الهجرة:

لمّا أخذت نطاقها فجعلته للنبي ﷺ ولأبي بكر في سفرهم، جهّزت فيه ما يحتاجه النبي ﷺ من الزاد والسِّقاء، فلُقّبت بذات النطاقين.

المثال الثالث: موقف فاطمة رضي اللّٰه عنها في إزالة سَلَى الجَزُوْرِ عن ظهر النبي ﷺ:

بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ -وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ- فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ. البخاري (٥٢٠) واللفظ له، ومسلم (١٧٩٤).

وقد كان من المروءة عند العرب ومشركي قريش ألا يتعرّضوا لامرأة؛ فتركوها.

المثال الرابع: معالجة فاطمة رضي اللّٰه عنها للنبيّ ﷺ حين جُرح في أُحُد:

أخرج البخاري ومسلم عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي اللّٰه عنه أنه قال: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ . مسلم (١٧٩٠).

المثال الخامس: أم عطية رضي اللّٰه عنها وإسنادها للصحابة المجاهدين:

أخرج مسلم عن أُمِّ عَطِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنها قالت: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى . مسلم (١٨١٢).

المثال السادس: الرُّبَيِّع رضي اللّٰه عنها وخدمتها للصحابة المجاهدين:

أخرج البخاري عن الرُّبَيِّعِ رضي اللّٰه عنها أنها قالت: كُنّا نَغْزُو مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَنَسْقِي القَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ، ونَرُدُّ الجَرْحَى وَالقَتْلَى إلَى المَدِينَةِ . البخاري (٢٨٨٣).

المثال السابع: عائشة وأمُّ سُلَيم رضي اللّٰه عنهما في سقايتهما ورعايتهما للصحابة المجاهدين:

أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه أنه قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرِ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمَّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ – وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ – عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ . البخاري (٢٨٨٠)، ومسلم (١٨١١).

المثال الثامن: أُمٌّ سُلَيْم رضى اللّٰه عنها في عدد من المواقف، منها:

١. خروجها مع النبي ﷺ يوم حنين، كما أخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بِنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَومَ حُنَيْنِ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ. فَقَالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا هَذَا الخِنْجَرُ؟ . قالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إنْ دَنا مِنِّي أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ. فَجَعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ. مسلم (١٨٠٩).

٢. مؤازرتها للنبي ﷺ وتتبّعها لحاله وإعانته، يقول أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رضي اللّٰه عنه: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ . فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِطَعَامِ؟ . فَقُلْتُ: نَعَمْ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا . فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتِ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ . فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةَ فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ . فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ . فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ . فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ . فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. البخاري (٣٥٧٨)، ومسلم (٢٠٤٠).

٣. مشاركتها الطعام مع النبي ﷺ في بعض المناسبات، وذلك ما جاء عن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رضي اللّٰه عنه أنه قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ. مسلم (١٤٢٨).

المثال التاسع: هجرة الصحابيات إلى الحبشة مع أزواجهنّ رضي اللّٰه عنهم أجمعين:

وهذا موقف شريف جليل احتسبت فيه المؤمنات وكنّ خير المُعينات لأزواجهن في الثبات على دين اللّٰه والهجرة في سبيله.

المثال العاشر: مجموع حال الصحابيات في مؤازرتهنّ لأزواجهنّ وأولادهنّ في طريق الدعوة والجهاد:

لم يُنقل عن الصحابيات منعُ زوجٍ أو ولدٍ من الخروج مع رسول اللّٰه ﷺ في الجهاد الواجب في سبيل اللّٰه.

المثال الثاني عشر: المرأة التي صنعت المنبر لرسول اللّٰه ﷺ:

عن جَابر رضي اللّٰه عنه أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: إِنْ شِئْتِ . فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ. البخاري (٤٤٩).

وهذا شبيه بالمشاركة المادية لخدمة المشاريع الدعوية والإصلاحية في زمننا المعاصر.

ثانيًا: الدعوة إلى اللّٰه سبحانه وتعالى

المثال الأول: دور فاطمة مع أخيها عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنهما في دعوته إلى الدين ومن ثم إسلامه:

وهذه رواية من مرويات السيرة التي لا يُشدَّد في إسنادها وثبوتها، وقد رواها ابن إسحاق في سيرته.

المثال الثاني: دور صاحبة المَزَادَتين رضي اللّٰه عنها في دخول جميع قومها في الإسلام، وقد وردت هذه القصة في الصحيحين، وفيها:

قَالَت: الْعَجَبُ؛ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ – وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ-، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ. البخاري (٣٤٤) واللفظ له، ومسلم (٦٨٢).

المثال الثالث: دور أم سُلَيم في إسلام زوجها أبي طلحة:

عن أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه أنّ أمه قالت لأبي طلحة حين تقدم لخطبتها: مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَأَنْتَ رَجُلٌ كَافِرٌ وَلَا يَحِلَّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرِي لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَأَسْلَمَ . ابن حِبّان (٣٥٢١).

المثال الرابع: دور أم حكيم بنت الحارث مع زوجها عكرمة بن أبي جهل في دعوته إلى الإسلام:

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنِ أَبِي جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ أُمُ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ. موطّأ الإمام مالك (١٥٦٨).

ثالثًا: المشاركة في الأحداث العامّة المتعلقة بحركة الدّعوة

في (سير أعلام النبلاء) السابقين الأوّلين إلى الإسلام وهم خمسون، منهم سبعة نساء، وهنّ: أسماء بنت الصديق، وأسماء بنت سلامة التميمية، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت المجلل العامرية، وفكيهة بنت يسار، ورملة السهمية، وأميمة الخزاعية، رضوان اللّٰه عليهنّ.

لما قال النبي ﷺ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ (أي: وسطه وظهره)، بادرت أمُّ حَرَام بعد أن سمعته وقالت: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . فدعا لها رسول اللّٰه ﷺ وأصابت بمبادرتها تلك خيراً عظيما، فكانت من أوائل من غزا البحر من المسلمين، وماتت في سبيل الله. رواه البخاري (٧٠٠٢)، ومسلم (١٩١٢).

وقد أشار الإمام البخاري رحمه اللّٰه تعالى إلى هذا المعنى في صحيحه فبوّب لهذا الحديث بقوله: باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء .

نتذكر قول اللّٰه تعالى: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥].

المعلَم الثاني: التسليم والانقياد لأمر اللّٰه ورسوله ﷺ والحرص على العمل والبذل في مختلف وجوه الخير

المثال الأول: قول أم المؤمنين عائشة رضي اللّٰه عنها: يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا . البخاري (٤٧٥٨).

المثال الثاني: كانت عائشة رضي اللّٰه عنها تقول: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ؛ مِنَ الْغَلَسِ . البخاري (٥٧٨) واللفظ له، ومسلم (٦٤٥).

والغلس: اختلاط ظلمة الليل بضياء الفجر.

المثال الثالث: قول أبي سعيد الخدري -رضي اللّٰه عنه-: وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ ، رغم أنهنّ لم يكنّ -في غالبهنّ- من أهل الثّراء. مسلم (٨٨٩).

المثال الخامس: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا . قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ. مسلم (٩١٨).

المعلَم الثالث: الثبات والعزة وتحمّل المسؤولية الخاصة والعامة

إنّ المتأمّل في سِيَر الصحابيات رضوان اللّٰه تعالى عليهنّ يرى مواقف في الثبات والعزّة والإباء قلّما تصدر عن أنثى جُبِلَتْ على الضعف واللين، لكنّ الإيمان الذي اصطبغت به نفوسهنّ الشريفة ملأ قلوبهنّ عزّة وثباتا،

وقد ذكر البخاري عن الزهري في صحيحه أنه قال: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا . البخاري (٢٧٣٣).

المثال الرابع: سميّة بنت خبَّاط رضي اللّٰه عنها:

عذّب أبو جهل سميّة رضي اللّٰه عنها وساومها حتى ترجع عن دينها، فأبت وتشبّثت بإيمانها، وكان ثمن ذلك إزهاق روحها.

المثال الخامس: المرأة التي كانت تُصرع:

ورد في الصحيحين قصة المرأة السوداء التي كانت تُصْرَع، وفيها أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إِنِي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَهَ لِي. قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ . فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا. البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦).

المعلَم الرابع: تعلّمُ الدين والتفقّه فيه

١. السؤال وطلب الفتيا:

قَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ . مسلم (٣٣٢).

٢. المطالبة والحرص على نصيبهنّ من التعلّم عند رسول اللّٰه ﷺ:

ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي اللّٰه عنه أن النساء قلن للنبيّ ﷺ: غَلَبَنَا عَلَيكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَومًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوعَدَهُنَّ يَومًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ . البخاري (١٠١٠).

وأخرج مسلم في صحيحه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي فَسَمِعْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ . فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي. قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ. فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ سُحْقًا . مسلم (٢٢٩٥).

٤. المناقشة:

نُقل لنا عن عدد من أمهات المؤمنين والصحابيات نقاشهنّ في مسائل شرعية بهدف الاستفسار أو الاستزادة من الخير،

تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهمَا .

قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ . البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).

٥. العلم الذي نُقل عن مجموع مواقف النساء في وقت النبي ﷺ:

شكّلت الأحاديث المروية عن النساء في عهد النبي ﷺ جزءاً لا يتجزّأ من التراث العلمي والفقهي الذي حُفظ به الدين.

المعلَم الخامس: دور العناية بالأسرة والزوج وتحمّل مسؤولية البيت والأبناء

وصية رسول اللّٰه ﷺ حين قال: وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ . مسلم (١٨٢٩).

١. خديجة رضي اللّٰه عنها وتهيئتها البيتَ سكنًا لزوجها نبي اللّٰه ﷺ ومواساتها إياه بالنفس والمال، ورعايتها أبناءه:

قال عنها ﷺ بعد وفاتها بسنوات طويلة: مَا أَبْدَلَني اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَني النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَني النَّاسُ، وَرَزَقَني اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ . أحمد (٢٤٨٦٤).

٣. أم سُلَيم رضي اللّٰه عنها وبذلها ابنَها في سبيل اللّٰه وخدمةً لرسول اللّٰه ﷺ:

عن أنس بن مالك رضي اللّٰه أنه قال: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللهَ لَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ . وأصابته دعوة رسول اللّٰه ﷺ، فقال في آخر حياته رضي اللّٰه عنه: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ . مسلم (٢٤٨١).

ومن جميل مواقفها في تربية ابنها ما جاء في صحيح مسلم عن أنس رضي اللّٰه عنه أنه قال: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَةٍ. قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرُّ. قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا . مسلم (٢٤٨٢).

المعلَم السادس: الأدوار الاجتماعية

المثال الأول: موقف أسماء بنت عميس رضي اللّٰه عنها حين أقسمت ألا تَطعم طعاما وألا تشرب شرابا حتى تأتي رسول اللّٰه فتذكر له ما قاله لها عمر، وذلك أنه قال إنّ المهاجرين من مكّة أحقُّ برسول اللّٰه ﷺ من مهاجري الحبشة، والتي كانت أسماء منهم،

قَالَ: لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ . قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي. البخاري (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٢).

المثال الثاني: وشبيهٌ بموقف أسماء في المطالبة بالأمور الشريفة موقف أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة رضي اللّٰه عنها حين قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ. فَقَالَ: لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ؛ الْحَجّ، حَجِّ مَبْرُورٌ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجِّ بَعْدُ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. البخاري (١٨٦١).

المثال الثالث: ما ورد في أنّ امرأة ثابت بن قيس رضي اللّٰه عنهما جاءت للنبي ﷺ تريد منه أن تخلع ثابت بن قيس، وهو من خيار أصحاب النبي ﷺ المشهود لهم بالجنة [انظر صحيح البخاري (٣٦١٣)، ومسلم (١١٩).]، فقالت: يَا رَسَولَ اللهِ، ثَابِتُ بِنُ قَيسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ. وَلَكِنِّيْ أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ (البخاري ٥٢٧٥)؛ أي: كفر العشير، وفي رواية: وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ . (البخاري ٥٢٧٣) فلم تر بأسا في تصريحها بذلك، وهذا دليل على وجود الاستعداد النفسي والقبول المجتمعي للحديث بمثل هذه القضايا عند النبي ﷺ والشكوى إليه.

ومثله أيضًا موقف خنساء بنت خِذَام التي زوَّجها أبوها وهي كارهة -وكانت ثيّبًا-، فأتت النبي ﷺ تشكو إليه ذلك فردَّ عليه النبي ﷺ نكاحه. انظر صحيح البخاري (٥١٣٨).

المثال الرابع: موقف المرأة التي كانت تصلي خلف رسول اللّٰه ﷺ في المسجد فبكى ابنها أثناء الصلاة، فخفّف ﷺ صلاته لأجلها، قال ﷺ: إِنِي لَأَدْخُلُ فِي الصَلَاةِ أُرُيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَبِيِّ فَأُخَفِّفُ؛ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ . البخاري (٧٠٩)، ومسلم (٤٧٠) واللفظ له.

المثال السادس: ومن صور حضور المرأة اجتماعيا ما جاء في الحديث: لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ . وذلكِ في حديث إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ . فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. (ذئرت المرأة على زوجها: ساءت أخلاقها واجترأت) فَرَخَصَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ طَافَ بآلٍ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ . أبو داود (٢١٤٦).

المثال الثاني عشر: ما جاء في صحيح البخاري أن جاريةً لكعب بن مالك – رضي اللّٰه عنه- كانت ترعى غنمًا بسَلْعٍ، وهو جبل في المدينة. انظر صحيح البخاري (٢٣٠٤).

فلم تتولَّ الصحابيات الرئاسات العامة، أو إمامة الناس في المساجد، أو غير ذلك مما لم تجزه الشريعة للمرأة، يقول ابن قدامة رحمه اللّٰه تعالى: ولهذا لم يُوَلِّ النبيُّ ﷺ ولا أحدٌ من خُلفائه ولا مَن بَعدَهم امرأةً قضاءً ولا ولايةَ بلدٍ فيما بلغَنا، ولو جاز ذلك لم يَخْلُ منه جميع الزمان غالبًا . المغني (١٣/١٤) تحقيق التركي.

وكذلك قال الباجي وهو يتكلم عن القضاء: ويكفي في ذلك عندي عملُ مسلمين من عهد النبيِّ ﷺ، لا نعلمُ أنه قُدَّمَ لذلك في عصر من الأعصار ولا بلد من البلاد امرأةٌ، كما لم يُقدَّم للإمامة امرأةٌ . المنتقى شرح الموطّأ (١٨٢ /٥).

فهَدْيُ الصحابيات هو النموذج لمن بعدهنّ من النساء، وفيه الإرشاد والبصيرة في المساحات المختلَف فيها، والمبيّن لحدود اشتغال المرأة في الشأن العام والخاص، وهو الذي يؤسِّس للنموذج المنشود للمرأة المسلمة المعاصرة، والذي يوازن بين حقّ النفس وحقّ الزوج والولد وحقّ الأُمَّة في الدعوة والإصلاح.

الفصل الرابع: دور النساء بعد عهد النبي ﷺ في التعليم وخدمة الإسلام

هموم المرأة في تلك المرحلة كانت امتداداً حقيقيا للقضايا الكبرى التي شغلت النساء في عهد النبوّة.

من المراجع التي يحسن الاطلاعِ عليها ودراستها بالنسبة للمصلحات كتاب (الوفاء بأسماء النساء) للدكتور محمد أكرم النَّدْوِيّ، وهي موسوعة معاصرة فيها تتبُّعٌ واسع لِسِيَرِ الصحابيات والعالمات والفقيهات والمحدِّثات وغيرهن من المؤثِّرات في التاريخ الإسلامي، ويتألف من ثلاثة وأربعين مجلداً.

إلى أن وصلنا إلى مرحلة كاد ينعدم فيها حضور المرأة في مساحات الإصلاح والدعوة وبث العلم،

والواجب اليوم هو استعادة هذا الدور الأصيل.

الدور الأول: بثّ العلم والتعلُّم عند النساء بعد عهد النبي ﷺ

تابعت الصحابيات مسيرة بثّ العلم ونقل الرواية، وسارت التابعيّات على ذات النهج بعدهنّ،

وقد عُرفت بعض الصحابيات بكثرة الرواية للحديث، والاهتمام بإشاعة العلم النبوي، من أبرزهنّ: عائشة وأم سلمة رضي اللّٰه عنهما، وقد رُوِيَ في مجموع الكتب الستة عن ١١٥ صحابية، ثم اعتنت بعدهن التابعيّات وتابعيّات التابعيّات بنقل السنة كذلك، مع وجود فارق كبير في العدد بين الطبقتين، فكان مجموع روايات النساء في الكتب الستة: ٢٧٦٤ حديثًا، منها ٢٥٣٩ حديثًا عن الصحابيات، و٢٢٥ حديثًا فقط لمن جاء بعدهنّ.

أسماء بنت عميس رضي اللّٰه عنها (ت٣٩ ه):

كانت أسماء رضي اللّٰه عنها عالمة بتعبير الرؤى.

أم المؤمنين عائشة رضي اللّٰه عنها (ت٥٨ ه):

لعائشة رضي اللّٰه عنها (٢٠٨١) حديثا في الكتب الستة، وقد روى عنها خَلْقٌ كثير، أكثرهم من الرجال، … ولأم المؤمنين عائشة رضي اللّٰه عنها تلميذات كُثر ممن حملن علمها ونقلنه، منهنّ عَمْرَةُ بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وحفصة بنت سيرين، وغيرهنّ.

وقد حازت عائشة رضي اللّٰه عنها قصب السبق في الفُتيا أيضًا، قال عنها التابعيُّ الجليل مسروق: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ رَأَيتُ مَشْيَخَةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْأَكَابِرَ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ . مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٤/١٧)، تحقيق الشثري.

وقال أبو موسى الأشعري رضي اللّٰه عنه: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا . الترمذي (٣٨٨٣).

وقال عطاء بن أبي رباح: كَانَتْ عَائِشَةُ أَفْقَهَ النَّاسِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ وَأَحْسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي الْعَامَّةِ . مستدرك الحاكم (٦٨٩٧)، طبعة الرسالة.

معاذة العدوية (ت٨٣ ه):

من تلميذات عائشة رضي اللّٰه عنها، قال عنها الإمام الذهبي: السيدة العالمة، أم الصهباء العدوية البصرية، العابدة، زوجة السيد القدوة صِلَةَ بنِ أَشْيَم، روت عن علي بن أبي طالب، وعائشة، وهشام بن عامر . سير أعلام النبلاء (٥٠٨/٤)، طبعة الرسالة.

عَمْرَةُ بنت عبد الرحمن (ت ١٠٦ ه):

قال الإمام ابن حجر رحمه اللّٰه تعالى: قال أحمد بن محمد بن بكرِ الْمُقَدَّمِيٌّ: سمعت ابن المديني [من أئمة الجرح والتعديل] ذكر عمرة بنت عبد الرحمن ففخَّمَ أمرها، وقال: عَمْرَةُ أَحَدُ الثِّقَاتِ العُلَمَاءِ بِعَائِشَةَ الْأَثْبَاتِ فِيهَا“. تهذيب التهذيب (٦٨٢ / ٤) طبعة الرسالة.

وكانت عمرة بنت عبد الرحمن رحمها اللّٰه تعالى من أبرز مشايخ الإمام الزهري، وهو أحد أركان السنة والرواية ومن سادات التابعين.

شيخات أبي الوليد الطيالسي (ت٢٢٧ ه):

كان أبو الوليد الطيالسي إماما من أئمة الحديث وشيخًا للإمام البخاري وأخرج له البخاري في صحيحه، وقال عنه الإمام أحمد: شيخ الإسلام . سير أعلام النبلاء (٣٤٣/١٠)، طبعة الرسالة.

وقد روى عن كثير من النساء، قال العجلي عنه: ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان يروي عن سبعين امرأة . الثقات للعجلي ص ٤٥٨، تحقيق قلعجي.

كريمة المروزية (ت٤٦٣ ه):

يكثر ذكر كريمة المروزية عند علماء الحديث، وهي من أهم من روى صحيح البخاري، فقد رَوت عن شيخها الكُشْمِيْهَني الذي روى عن شيخه الفربري، والفربري من أهم رواة الصحيح وقد سمعه من البخاري مباشرة، فانتهى إليها رحمها اللّٰه تعالى إسنادُ صحيح البخاري، وكان المحدِّثون يقصدونها في مكة ويرتحلون إليها من مختلف البلدان ليقرأوا عليها صحيح البخاري كاملًا ولينالوا بذلك شرف عَرْض عليها، قال أبو بكر بن منصور السمعاني: سمعت الوالد يذكر كريمة ويقول: وهل رأى إنسانٌ مثل كريمة؟ . سير أعلام النبلاء (٢٣٤/١٨) طبعة الرسالة.

وقال الذهبي عنها في (سير أعلام النبلاء):

الشيخة العالمة الفاضلة المُسنِدة، أم الكِرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، المجاورة بحرم اللّٰه.

سمعتْ من أبي الهيثم الكُشْمِيْهَني صحيحَ البخاري، وسمعتْ من زاهر بن أحمد السرخسي، وعبد اللّٰه بن يوسف بن بامويه الأصبهاني.

وكانت إذا روت قابلت بأصلها، ولها فهم ومعرفة مع الخير والتعبد.

روت الصحيح مرات كثيرة؛ مرة بقراءة أبي بكر الخطيب في أيام الموسم. وماتت بكراً لم تتزوج أبداً . سير أعلام النبلاء (١٨/٢٣٣).

شُهْدَةُ الكَاتِبَةُ (ت ٥٧٤ ه):

شُهْدَةُ بنت أبي نصر الدين الدِّيْنَوَرِيِّ، قال عنها الذهبي: المُعمّرة، الكاتبة، مُسنِدةُ العراق، فخرُ النساء . سير أعلام النبلاء (٥٤٣-٥٤٢ /٢٠) طبعة الرسالة.

أم زينب فاطمة البغدادية (ت٧١٤ه):

قال ابن كثير عن فاطمة البغدادية: وفي يوم عرفة توفيت الشيخة الصالحة العابدة الناسكة: أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير، وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مؤاخاتهم النساء والمردان وتنكر أحوالهم وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا تقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيراً من (المغني) أو أكثره، وأنه كان يستعد لها؛ من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي خَتَمَتْ نساءً كثيراً القرآن، منهنّ أم عائشة بنت صديق زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب، رحمهنّ اللّٰه وأكرمهنّ برحمته وجنته آمين . البداية والنهاية (١٠٩/١٦) طبعة ابن كثير.

عائشة بنت إبراهيم زوجة الشيخ الإمام المزي (ت٧٤١ ه):

وهي أمُّ زوجة ابن كثير صاحب التفسير، قال عنها ابن كثير: كانت عديمة النظير في نساء زمانها؛ لكثرة عبادتها وتلاوتها وإقرائها القرآن العظيم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح، يعجز كثير من الرجال عن تجويده، وخَتَّمَتْ نساءً كثيرًا، وقرأ عليها من النساء خلقٌ وانتفعنَ بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا وتقللها منها . البداية والنهاية (٢٩٣/١٦) طبعة ابن كثير.

وأنبّه كذلك إلى أن بيئات طلب العلم للنساء في الزمن السابق تختلف عن بيئات الجامعات والمدارس الحديثة.

الدور الثاني: الثبات ونصرة الدين وخدمة الإسلام

المثال الأول: أُمُّ عُمَارَةَ رضي اللّٰه عنها:

وهي نُسيبةُ بنتُ كَعْبٍ بن عمرو الأنصارية، قال عنها الذهبي: الفاضلة، المجاهدة، الأنصارية، الخزرجية، النجارية، المازنية، المدنية.

شهدت أم عمارة: ليلة العقبة، وشهدت أحداً، والحديبية، ويوم حنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل، روي لها أحاديث، وقطعت يدها في الجهاد . سير أعلام النبلاء (٢٧٨/٢) طبعة الرسالة.

فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه: … ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَتَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قَالَ: فَأَبَتْ وَقَالَتْ: وَاللهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوّ اللهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَا الآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّه اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا. مسلم (٢٥٤٥).

قال ابن الأثير: والتَّوَذَّفُ: مُقاربة الخَطْوِ والتَّبختر في المَشي. وقيل: الإسراع . النهاية في غريب الحديث والأثر (١٧١/٥) طبعة العلمية.

المثال الثالث: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن رضي اللّٰه عنها:

قال عنها الذهبي: من المبايعات المجاهدات، رَوَتْ عن النبيِّ ﷺ جملة أحاديث، وقَتلت بعمود خِبائها يوم اليرموك تسعةً من الروم . سير أعلام النبلاء (٢٩٧ /٢) طبعة الرسالة.


 

القسم الثاني: استعادة دور المرأة المسلمة

الفصل الأول: المرأة وخارطة المسؤوليات

إنّ خارطة المسؤوليات الواقعة على المرأة المسلمة واسعة بقدر اتّساع وتنوّع الطاعات المأمور بها في الدين، والمحرّمات المنهيّ عنها، والمقامات التي حثّ الإسلام على بلوغها، بالإضافة إلى ما اختصّت به المرأة من مسؤوليات زائدة.

ويظهر بالاستقراء العام أنّ على المرأة ثلاثة أنواع من المسؤوليات الكبرى:

النوع الأول: المسؤولية الذاتية.

النوع الثاني: المسؤولية الأسرية.

النوع الثالث: المسؤولية الإصلاحية العامة.

وهناك أربعة ثغور تُعدّ بمثابة واجب الوقت بالنسبة للمرأة المسلمة، وهي مستمدة من المسؤوليات الثلاث الأساسية، على النحو التالي:

١. الثغر الدعوي.

٢. الثغر المعرفي.

٣. الثغر التربوي الخاص.

٤. الثغر التربوي العام.

المسؤولية الأولى: المسؤولية الذاتية

مسؤوليتها المتعلّقة بنجاتها من عذاب اللّٰه سبحانه وتعالى وفوزها برضوانه وجنته.

أولاً: شواهد من الوحي على اعتبار هذه المسؤولية

الدليل الأول: ما ورد عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن رسول اللّٰه ﷺ قام حين أنزل اللّٰه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ فصعد الصفا وهتف بالناس قائلاً: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللٰهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا . البخاري (٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٦).

الدليل الثاني: قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠].

الدليل الثالث: قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ – ٣٧].

الدليل الرابع: قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].

الدليل الخامس: قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وَٱلصَّائِمِينَ وَٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِظَاتِ وَٱلذَّاكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].

قال ابن عاشور في تفسيره للآية متحدثًا عن شريعة الإسلام: الأصلُ في شرائعها أن تعُمَّ الرجالَ والنساءَ إلا ما نص على تخصيصه بأحد الصنفين، ولعل بهذه الآية وأمثالها تقرَّرَ أصل التسوية فأغنى عن التنبيه عليه في معظم أقوال القرآن والسنة، ولعل هذا هو وجهُ تعدادِ الصفات المذكورة في هذه الآية لئلا يتوهم التسوية في خصوص صفةٍ واحدةٍ . التحرير والتنوير (ج ٢١-٢٠/٢٢).

ثانيًا: واجبات وأعمال تندرج تحت المسؤولية الذاتية، مع ذكر النماذج والأمثلة

الواجب الأول: تحقيق العبوديَّة والتسليم من خلال إصلاح القلب وتزكية النفس والعمل الصالح

ومن ذلك قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].

وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].

وكذلك: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].

وقوله جلّ وعلا: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: ١٩٥].

وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلَةً فَقَالَ: أَلَا تُصَلَّيَانِ؟ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٌّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. البخاري (١١٢٧).

شواهد على تطبيق مبدأ العبودية والتسليم والعمل الصالح:

الشاهد الثاني: امتثال النساء المباشر لأمر النبي ﷺ بالصدقة:

فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ . فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ . قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ. البخاري (٩٦١)، ومسلم (٨٨٥).

الواجب الثاني: الاحتشام والعفاف وتحصين الفرج

الأدلة القرآنية في باب الحشمة والعفاف كثيرة، وقد أسّس القرآن لمركزية هذا الواجب بالنسبة للمرأة في مواضع متكررة، فذكر سبحانه في سورة النور: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وفي تتمة الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].

وامتدح سبحانه الصدّيقة مريم ابنة عمران فقال: ﴿وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، وقال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢].

وقول النبي ﷺ: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا (أي في عصره): قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا . مسلم (٢١٢٨).

الواجب الثالث: الحجاب

هذا الواجب مرتبط بالواجب السابق المتعلّق بالاحتشام والعفاف لكنه أُفرِدَ لمركزيَّته، فالحجاب عبادة تتعبَّد بها المرأة لله سبحانه وتعالى وتتقرَّب بها إليه،

قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].

نبتت نابتةٌ منحرفةٌ في هذا الزمن شكّكت في هذه الفَريضَةِ، … وهي في الحقيقة زندَقةٌ مغلّفةٌ بالنظريات التأويلية للنص الشرعي.

شواهد على تطبيق واجب الاحتشام والعفاف وتحصين الفرج والحجاب:

الشاهد الأول: عن عَائِشَةَ رضي اللّٰه عنها قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ . متلفعات أي: متلففات متغطيات. البخاري (٣٧٢)، ومسلم (٦٤٥).

الشاهد الثالث: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، قَالَ: نَرَى – وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِجَالِ. البخاري (٨٧٠).

الواجب الرابع: الصبر عند المصيبة

ونظراً لطبيعتها الانفعالية التي تجعلها أكثر عرضة للوقوع فيما ينافي الصبر من الأقوال والأفعال،

قولُ أبي موسى الأشعري رضي اللّٰه عنه: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ . البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤).

والصَّالِقَةُ: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة.

والحَالِقَةُ: هي من تحلق رأسها عند المصيبة.

والشَّاقَّةُ: هي التي تشقُّ ثيابها.

وعن أم عطية رضي اللّٰه تعالى عنها أنها قالت: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْبَيْعَةِ أَلَّا نَنُوحَ . البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦).

وقَالَ ﷺ: النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ . مسلم (٩٣٤).

شواهد على تحقيق واجب الصبر عند المصيبة:

الشاهد الثاني: عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: أُصِيبَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ: وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ؟ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ . البخاري (٦٥٥٠).

الشاهد الثالث: عن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قال: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا . قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. البخاري (١٣٠١).

الواجب الخامس: حفظ اللسان

قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحُجُرَات: ١١]، فخصّ اللّٰه النساء بالذكر في هذا الموضع مما يدلّ على الحاجة إلى زيادة التنبّه والحذر.

شواهد على تحقيق واجب حفظ اللسان:

موقف زينب رضي اللّٰه عنها في حادثة الإفك، حين سألها النبي ﷺ عن عائشة في خضم حادثة الإفك (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا). وقد أكبرت عائشة موقف زينب هذا فيما بعد، فقالت: فَعَصَمَهَا اللَهُ بِالْوَرَعِ . البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).

الواجب السادس: الصدقة

شواهد على تحقيق واجب الصدقة:

الشاهد الثاني: عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ . مسلم (١٠٠١).

الواجب السابع: مراعاة الضوابط الإسلامية في الزينة

أباحت الشريعة للمرأة ما لم تُبحه للرجل في أمور الزينة؛ مراعاةً لفطرتها وحبّها للتجمّل والتزيّن، فجوّزت لها لبس الذهب والحرير.

جاء عن ابن عمر رضي اللّٰه عنهما أنه قال: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ . البخاري (٥٩٤٧)، ومسلم (٢١٢٤).

الواجب الثامن: العلم والتفقه في الدين

وقد قال اللّٰه سبحانه وتعالى لزوجات النبي ﷺ: ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤]

والعلم المقصود هنا هو العلم الذي لا يسع المرأةَ جهلُهُ والذي لا يُمكِنُها أداء واجباتها الشرعية بدونه، وفي مقدمته: ما يتعلّق بالله ومعرفته والتقرّب إليه، ثم ما يتعلّق بالأحكام الفقهيَّة المرتبطة بها.

الواجب التاسع: الثبات أمام الفتن

عن ابن عمر رضي اللّٰه عنهما أن النبي ﷺ قال: يَنْزِلُ الدَّجَالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرٍّ قَنَاةَ، فَيَكُونُ أكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إلَيْهِ النِّسَاءُ، حَتّى إِنّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ، وَإِلَى أمِّهِ، وَابْنَتِهِ، وَأُخْتِهِ، وَعَمَّتِهِ، فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا؛ مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ . أحمد (٥٣٥٣).

المسؤولية الثانية: المسؤولية الأسرية

وتتفاوت درجتها بحسب موقع المرأة داخل الأسرة.

أولاً: شواهد من الوحي على أصل المسؤولية الأسرية

الدليل الأول: حديث ابن عمر رضي اللّٰه عنهما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا . البخاري (٢٤٠٩).

وفي لفظ مسلم: وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ . مسلم (١٨٢٩).

قال الإمام الخطّابي رحمه الله: معنى الراعي ههنا الحافظُ المؤتمَنُ على ما يَلِيهِ، يأمرُهم بالنصيحة فيما يَلُونَهُ ويحذِّرهم أن يخونوا فيما وكل إليهم منه أو يضيِّعوا . معالم السنن [شرح سنن أبي داود] (٢/٣)، طبعة المطبعة العلمية بحلب.

الدليل الثاني: قال سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].

الدليل الرابع: قول النبي ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ . البخاري (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨).

ثانيا: واجبات وأعمال مندرجة تحت مسؤولية المرأة في الأسرة

الواجب الأول: تربية الأبناء

الواجب الثاني: حفظ حق الزوج وطاعته وعدم كُفران عشرته

قوله تعالى: ﴿فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، قال الإمام الطبري رحمه الله: وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ يعني: مطيعات لله ولأزواجهنّ . تفسير الطبري (٦٩١/٦)، طبعة هجر.

والصفة الثانية المذكورة في الآية هي حفظ الغيب، وهي من أعظم ما تُمتدح به المرأة المؤمنة، فحقّها على زوجها أن تحفظ غيبته في نفسها ومالها، وتحفظ أمانته وتصون عرضها في غيابه كأشدّ ما تصونه وقت حضوره.

ولعظيمِ حقّ الزوج في الشريعة جاء الحديث الصحيح عن النبي ﷺ الذي قال فيه: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ . البخاري (٣٢٣٧)، ومسلم (١٤٣٦).

شواهد على واجب القيام بحقّ الزوج وطاعته:

الشاهد الأول: في علاقة أم الدرداء مع زوجها أبي الدرداء رضي اللّٰه عنهما

وكانت أم الدرداء تكثر من رواية أحاديثه عن النبي ﷺ، فكانت أحيانًا تستعيض عن قول: (حدَّثني أبو الدرداء) بقولها: (حدَّثني سيدي)، كما في صحيح مسلم عن أم الدرداء أنها قالت: حَدَّثْنِي سَيِّدِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ . مسلم (٢٧٣٢).

المسؤولية الثالثة: المسؤولية الإصلاحية العامة

أولاً: شواهد من الوحي على المسؤولية العامة

الدليل الأول: قال اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].

الدليل الثاني: قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

ثانيا: واجبات وأعمال مندرجة تحت المسؤولية الإصلاحية العامة

الواجب الأول: الدعوة إلى اللّٰه سبحانه وتعالى

قال اللّٰه سبحانه وتعالى آمراً نبيّه: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].

الواجب الثاني: إنكار المنكر ومحاربة الفساد

وهناك رسالة كتبها الدكتور فضل إلهي، عنوانها: (مسؤولية المرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، جمع فيها قرابة سبعين شاهدًا في دور المرأة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي رسالة لطيفة تصلح للاستئناس.

الواجب الثالث: مؤازرة المصلحين ومعاونتهم وتقديم المشورة والرأي لهم

الواجب الرابع: التضحية والبذل في طريق الإصلاح

الثغور الإصلاحية للمرأة المسلمة

ينبغي أن يُعلَم أنّ مشهد الإصلاح المنشود لن يكتمل إلا بانضمام الشقّ النسائي إلى ركب الإصلاح في الأمة،

والتفصيل في كيفية اختيار الثغر الإصلاحي يُرجع فيه إلى كتاب (بوصلة المصلح).

أما الثغور الإصلاحية الأساسية للمرأة المسلمة فهي:

١. الثغر الدعوي.

٢. الثغر المعرفي.

٣. الثغر التربوي الخاص.

٤. الثغر التربوي العام.

أولاً: الثغر الدعوي

يعتني القائمون على هذا الثغر بإحياء القلوب وتزكيتها وتنمية الإيمان فيها، ويعدّ هذا الثغر من أهم ثغور الإصلاح وأكثرها حساسية، ويُحتاج فيه إلى نخب نسائية تمتلك علما شرعيّاً وفقهاً في الدين ومراتِبِه ووعياً بالواقع.

ثانيًا: الثغر المعرفي

وينقسم إلى قسمين:

١. المجال الشرعي.

٢. المجال الفكري والثقافي.

القسم الأول: المجال الشرعي

والمجال الشرعي لا يقتصر على باب أحكام المرأة فقط، بل يدخل فيه سائر أبواب العلم، فكل ما هو مُمتدَح في الشريعة يمكن للمرأة دراسته والتعمق فيه.

القسم الثاني: المجال الفكري والثقافي

نظراً لكثرة الإشكالات الفكريَّة المتعلِّقة بباب المرأة وقضاياها، ولأنّ معالجة هذه القضايا من جهة المرأة نفسها يمنح الخطاب – في بعض جوانبه- تأثيراً قد لا يبلغه خطاب كثير من الرجال.

وتُعدّ منصّات التواصل الاجتماعي من أكثر الوسائل تأثيراً في هذا الباب.

ثالثاً: الثغر التربوي الخاص

وهو دور المرأة داخل أسرتها،

ونظراً لطبيعة واقعنا الذي ازدادت فيه الروافد المؤثرة في الطفل وتنوّعت مصادر تلقيه بات هذا الدور أكثر حساسية؛

ففي مراحل سابقة من التاريخ الإسلامي كانت الأسرة الممتدة تخفف عن الأم أعباء تربوية كبيرة.

رابعاً: الثغر التربوي العام

والمتمثل في المحاضن التربوية والملتقيات النسائية التي تُرعَى من خلالها الأجيال الصاعدة من الإناث،

فالحاجة إلى المحاضن التربوية النسائية بصورتيها: الواقعية والإلكترونية ملحّة جداً.

الفصل الثاني: المرأة في مواجهة التحديات

فأُولى خطوات المواجهة الوعيُ بوجود هذه التحديات، ثمّ إدراك مدى تنوّعها وتعقيدها وتعدّد روافدها، ومن ثَمَّ السعيُ في مواجهتها ومعالجتها.

وواقعنا اليوم المليء بالتحديات يُعدُّ -وبلا شك – أصعب زمنٍ مرّ على المرأة المسلمة من جهة التهديد لأصول ثوابتها ومبادئها.

أولًا: خارطة التحديات التي تواجهها المرأة المسلمة اليوم

وفيما يلي بيان لجملة من هذه التحديات وموقعها ومدى حساسيتها في واقع المرأة المسلمة، ويمكن تقسيم هذه التحديات إلى خمس مظلّات أساسية، وهي:

١. التحديات الفكرية.

٢. التحديات الاجتماعية.

٣. التحديات النفسية.

٤. تحدي الثبات والاستقامة.

٥. التحديات الدعوية والإصلاحية.

المظلّة الأولى: التحديات الفكرية

هناك ثلاث تحديات أساسية تهدّد المرأة المسلمة تحت مظلّة الأفكار والاتجاهات وهي:

١. تحدِّي الاتجاه النِّسوي.

٢. تحدّي الاتجاه الذكوري.

٣. تحدّي الاتجاهات الإلحادية.

أولًا: تحدّي الاتجاه النِّسوي

عانت المرأة الغربية قديما من الظلم وحرمان الحقوق الاجتماعية والسياسية، وكان هذا تمثلاً عمليا للنظرة الدونيّة للمرأة في المدونة الفلسفية الغربية ونصوص الكتاب المقدّس -المحرّف- الذي اعتبرها أصل الخطيئة.

استحالت هذه الفكرة إلى حِراك منظّم ورؤية كُلّيَّة تُرتِّبُ العقلَ وفقاً لمقولاتها التأسيسية، وقد تبنّت هذه الرؤيةَ بعضُ المنظمات الدولية، وحُمِلَتْ عبر التشريعات القانونية، واللوبيات، والسلطات الرقابية، والسفارات، والمراكزُ الثقافية، وصارت من أولويات العمل الغربي في العالم العربي والإسلامي.

ومن أهم المقولات التأسيسية للحركة النسوية:

١. الحرية المطلقة.

٢. المساواة بين الجنسين.

٣. افتراض الصراع ورفض السلطة.

٤. معاداة الأبوية.

٥. نسبية القيم والأخلاق.

ومما زاد الأمرَ خطورةً أنْ نشأَ عن ذلك كله سياق نسوي (إسلامي)

واستخدم النقض والتشكيك بالتراث الفقهي الإسلامي المتعلّق بالمرأة، بل ربما وصفه بـ: (الفقه الإسلامي الذكوري).

وقد أسهم في تعزيز هذه المقولات طبيعةُ الحياة الحديثة المُؤَسَّسة على غير النظام الإسلامي الصافي،

وهذا التحدّي يتطلّب معالجةً جذريةً لنظرة المرأة للحياة وللدنيا وللآخرة وللواجبات والحقوق على ضوء ما ذُكر في مقدمات هذا الكتاب وثناياه.

ثانيًا: تحدّي الاتجاه الذكوري

نشأتْ بعض الاتجاهات الذكورية العلمانية المكرَّسة لإهانة المرأة والتقليل من شأنها.

وكما أفرز التيار النسوي العلماني نسخة متأسلمة تروّج للنسوية تحت غطاء شرعي فقد أفرز التيار الذكوري العلماني كذلك نسخة ذكورية متأسلمة تتبنّى تأصيلاً شرعياً منحرفًا يسعى لإهانة المرأة وقمعها كذلك.

ومن الإشكالات المنبثقة عن التيار الذكوري: أنه يصف كل محاولة للتجديد والإصلاح في باب المرأة بالنسوية.

ثالثا: تحدّي الاتجاهات الإلحادية

والتي غالبا ما تَلِجُ من بوابة مظلومية المرأة في الإسلام ، وكذلك موجة التشكيك المتعلّقة بحجيّة السنة وغيرها.

المظلّة الثانية: التحديات الاجتماعية

وهي من أوسع التحديات وأكثرها تشعّبا وتعقيدًا؛ إذ تتداخل فيها العادات والتقاليد مع المفاهيم الاجتماعية للتيارات الفكرية المعاصرة كالنسوية والذكورية، بالإضافة إلى تداخلها مع طبيعة أنظمة الدولة الحديثة وقوانينها.

ويمكن تقسيم الثقافات الاجتماعية التي تشكّل تحديًّا للمرأة المسلمة على النحو التالي:

١. ثقافة اجتماعية متشدّدة.

٢. ثقافة اجتماعية ظالمة للمرأة وساحقة لها.

٣. ثقافة اجتماعية فردانية ولا مبالية.

٤. ثقافة اجتماعية محاربة للتدين.

أولاً: الثقافة الاجتماعية المتشددة

إن من أعظم صور تثبيت الناس على الحق تطهيرَهُ من الزيادة فيه، ولذلك ذمّ الإسلام صور التشدّد وحارب الغلوَّ في الدين بنفس درجة محاربته للتمييع والتهاون،

ومن صور الثقافة الاجتماعية المتشدِّدة رسمُ إطار ضيّق للمرأة واختزالُ جميع أدوارها في دور واحد لا تتجاوزه وهو دور طاعة الزوج والقيام بحقه،

ومن صور الثقافة الشرعية المتشدَّدة أيضًا التشديدُ في تعليم المرأة،

في كثير من الأحيان يُرسم إطار ضيّق تُحصَر فيه المرأة، ويكون أقصى ما تصل إليه في العلم الشرعي هو القدر المتعلّق بها من الأحكام الفقهية الأساسية،

على أنّنا ننبّه أنه ليس من التشديد أن تُمنَع المرأة عن بعض الخيارات التعليمية الأكاديمية إذا كانت البيئة التعليمية فيها إشكالات شرعية.

ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى نساء متعلّمات قويّات في الحق يواجهن المشكلات التي تتعرّض لها بنات جنسهنّ ويسعين في اقتراح الحلول وتطبيقها.

ثانيا: الثقافة الاجتماعية الظالمة للمرأة والساحقة لها

المسار الأول: ظلم المرأة وتعنيفها، والشدّة في التعامل معها، والنظر إليها بدونية واحتقار.

المسار الثاني: عدم مراعاة خصوصية المرأة وحاجاتها النفسية والفيزيولوجية، وبالتالي إقحامها في مساراتٍ ينتج عنها ظلم حقيقي لها.

ثالثا: الثقافة الاجتماعية الفردانية واللامبالية

رابعا: الثقافة الاجتماعية المحاربة للتديّن

إنّ مما خلّفه الاستعمار وأدواته ورموزه ومفكّروه في عالمنا العربي والإسلامي أنْ تركَ لنا بعض البُؤَر الاجتماعية الفاسدة، والتي تنظر إلى التديّن باعتباره تشدّداً محضاً وإرهابًا،

فبداية مشوار التحديات بالنسبة للمرأة المسلمة قد يبدأ من دائرتها الضيّقة،

ومن هنا ينبغي تعزيز القوّة الإيمانية لدى أفراد المجتمع، وتعزيز المسؤولية الذاتية كذلك، فيتحمّل الإنسان مسؤولية إيمانه وثباته فيما بينه وبين ربّه مهما كانت الظروف والبيئات المحيطة به صعبة، والأسوة في ذلك امرأة فرعون رضي اللّٰه تعالى عنها وأرضاها إذ قالت: ﴿رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١].

وفي المقابل فإنّ وجود المرأة في بيئة صالحة ومعينة من أعظم النِّعَم التي تُرزَقها في هذا الزمن، غير أنّ ذلك ليس بكافٍ لصلاح حالها واستقامتها، كما جاء في كتاب اللّٰه سبحانه وتعالى في شأن امرأة نوح وامرأة لوط فقد كانتا في خير بيئة ومع خير أزواج وكلّ أسباب الصلاح والاستقامة كانت متوفرّة لهما، إلّا أنّهما اختارتا الانحراف.

تحدّي التفاهة

تحدي التفاهة المنتشرة في فضاءات شبكات التواصل، والتي صار الرموز التافهون فيها نجوما لامعة.

وفي هذا السياق، قال النبي ﷺ: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ . قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ . ابن ماجه (٤٠٣٦).

وقد ذكرتها في كتابي (مقاومة التفاهة

وهذا التحدّي لا يمكن مواجهته من الناحية المعرفية وحدها، ولا من الناحية النفسية وحدها، وإنما يحتاج أن ينتهض الإنسان بنفسه انتهاضاً كُليّا لإصلاح قلبه وفكره ومفاهيمه، ولا بُدّ على الفتاة كذلك أن تختار الصديقات المتجاوزات لهذه المشكلة.

المظلة الثالثة: التحديات النفسية

ولما تفرضه شبكات التواصل من أضواء جاذبة وأجواء تنافسية وحياة مثالية غير مطابقة للواقع ولفطرة الإنسان وطبيعته المتّسمة بالنقص،

ومعالجة جذور الإشكالات فيه والسعي لامتلاك مفاتيح الطمأنينة والاستقرار والسكينة، التي هي من أعظم ما يفتقده الإنسان في هذا الزمن المعاصر.

وابتداء إصلاح النفس لمواجهة التحديات النفسية يكون من تحقيق القناعة الداخلية، وعدم الارتهان لرضا الآخرين، أو للمعايير المصدّرة في شبكات التواصل.

كثيراً من المفسرين فسّروا الحياة الطيبة في قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، بالقناعة، ورجّح ذلك الإمام الطبري في تفسيره، فقال بعد أن ذكر خلاف المفسّرين فيها: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنّعه اللّٰه بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشه باتّباعه بُغيَة ما فاته منها، وحرصه على ما لعلّه لا يدركه فيها . تفسير الطبري (ج ٣٥٤/١٤)، طبعة هجر.

في ضبط مفهوم النجاح، فتظّل المرأة تتساءل: ما النجاح؟ وما الذي يضمن لي أني قد نجحت فعلاً؟ كيف أتخلّص من شعوري الدائم بالفشل أو التقصير؟ .

ومن الظواهر النفسية الحرجة التي انتشرت بين النساء في هذا الزمن بشكل غير مسبوق الوسواسُ القهريُّ بمختلف درجاته وصوره،

وهو من جملة كيد الشيطان بالإنسان المؤمن.

ومن الإشكالات أيضًا السعيُ لإثبات الذات وجذب الانتباه، ومحاولة البقاء دائمًا محطّ الاهتمام،

سلسلة (سويّة المؤمن).

المظلة الرابعة: تحدِّي الثبات والاستقامة

فالواقع بما فيه من انتشار محمومٍ للشهوات، وقلّة في النماذج والقدوات، وشحّ في أعداد السالكين لطريق الثبات والاستقامة؛ صار واقعا مرتعا للفتن والتحديات،

وهذا القرار في حقّ المرأة أشد صعوبة وأعلى كلفة.

المظلة الخامسة: التحديات الدعويّة والإصلاحيّة

فالتفرّق والاختلاف والتنازع عنوان من عناوين العصر لم تسلم منه السياقات الإسلامية،

خاصةً وأنّ كثيراً من الناس لا يُحسن تقييم الأفضل والأسوأ بمجموع الحال، وإنما يتطلّب حُكما قاطعا فاصلاً يقضي بتفضيل جماعةٍ على أخرى أو سياق على آخر، والذي ينظر بهذه العقلية سيقع في إشكالات كبيرة جداً،

وتصنيف الناس وتبديعهم وما إلى ذلك،

والإنسان مطالبٌ بأن يُكثر من الاستهداء بالله تعالى وطلب البصيرة، ومطالب بأن يعتنيَ بالمحكمات ويجتنب المتشابهات، وأن يصحّح نيّته دائما.

خارطة واسعة متشعّبة يقف الإنسان أمامها موقفين: إما اليأس والإحباط والاعتقاد أنه لا جدوى من العمل أمام كل هذه التحديات، وإمّا استيعاب الواقع بما فيه من تحديات والاستعداد بناءً على ذلك لمزيد من البذل والعمل، وهو ما يُنتظر من المؤمن الموقن الذي يُحسن الظن بالله ويتوكّل عليه.

ثانيًا: توصيات لمواجهة التحديات

الوصية الأولى: تعزيز اليقين بأصول الإسلام وتثبيت مرجعية الوحي

ضعف التديّن وقلّة الاستمداد من مرجعية الوحي يضعفان مناعة النفس عند ورود المؤثرات الخارجية،

ولتعزيز اليقين وتثبيت مرجعية الوحي وسائل عديدة؛

منها ما هو معرفيٌّ مرتبطٌ بالعقل (مثل دراسة أصول الإسلام: دلائل وجود اللّٰه وكماله، وإثبات نبوة محمد ﷺ ودلائل ربانية القرآن، وغير ذلك من الأبواب التي تعزّز اليقين بصحة الدين وربّانيته وكونه مرجعية ثابتة ومهيمنة).

ومنها ما هو معرفيّ مرتبطٌ بالقلب (مثل العلم بأسماء اللّٰه وصفاته وسننه، والعلاقة الوطيدة بكتابه تدبّراً واستهداءً وعملاً، وكثرة ذكره سبحانه، والتفكر في مخلوقاته).

تُراجَع حلقة (اليقين) من سلسلة (زاد المصلحين)، وأمّا من الناحية المعرفية العقلية فيُنصح بكتاب (دلائل أصول الإسلام).

الوصيّة الثانية: دوام استحضار النظر إلى الغايات الكبرى وإدراك الإنسان موقعه من الوجود

فإنّ التطلّع إلى هدف كبير يهوّن على الإنسان ما يلقاه في طريقه من العوائق، ويجعله يرى الأشياء بحجمها الحقيقي دون تضخيم ولا مبالغة.

فمن أهم المهمّات إدراكُ الإنسان موقعه من الوجود، والنظر إلى نفسه على أنه كائن بشري واحد من أصل مليارات البشر الذين مرُّوا على الأرض، وأنه مغادر يوما كما غادروا، ويعلم أنه في مرحلة عبور مؤقتة، فيعطي التحديات والمشكلات حجمها الحقيقي، ويدرك أنه ليس أول من يواجه مثل هذه التحديات وليس الأخير،

وإن كان الحديث في هذا الباب سهلاً فإنّ التحقق العملي به ليس كذلك.

ومن المهم التنبيه إلى أنّ دوام الاستحضار للغايات الكبرى ليس قراراً آنيا يتّخذه المرء متى ما أراد، وإنما هو هبةٌ من اللّٰه سبحانه وتعالى نتيجة لما يكون عليه المؤمن في حياته من صدق وإخلاص لله سبحانه وتعالى في القول والعمل ودوام إنابة وخشوع وخضوع.

الوصيّة الثالثة: الاستغناء القلبي والروحي

حديثنا متعلّق بقضية إيمانية قلبية، تورث صاحبها غنى في النفس ورضًا بما آتاه الله، وتمنعه من بيع الآخرة بِعَرَضٍ من الدنيا مهما كان مُزَيَّنًا ومُبهرَجا،

قال اللّٰه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ [الحِجر: ٨٧ – ٨٨].

الوصيّة الرابعة: العناية بتحصيل العلم النافع ثم العمل بمقتضى هذا العلم

من أشرف ما يقوم به الإنسان أن يتعلّم مراد اللّٰه منه، ثم يعمل وفق هذا المراد،

فإنّ الوعي بالواقع ومعرفة أصول الأفكار والاتجاهات وبناء أساس فكري متين قائم على أُسس صحيحة؛ من أهم ما يُحصّن الإنسان ويعصمه من التأثّر بالانحرافات الفكرية المعاصرة.

الوصية الخامسة: ضبط معايير النجاح والفشل وكسر عقدة الكمال

قال النبي ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا – أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا – كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا . أبو داود (١٠٩٦).

وقال ﷺ أيضًا: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ . قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ للهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ . البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦).

الوصيّة السادسة: الانشغال في مشروع رسالي يُصهَر فيه الهم والفكر والروح

لو كان لدى الإنسان أهدافٌ كبرى، ومشاريع يسعى لتحقيق الأهداف من خلالها، ثم وظّف طاقاته وفكره وجهده وماله لإنجاح هذه المشاريع؛ فإنّ هذا من أعظم ما يعينه على تجاوز كثير من التحديات المحيطة به.

الوصيّة السابعة: تدريب النفس على المثابرة والمجاهدة والصبر، ونزع قيود التظلُّم والتَّشكِّي والتسخُّط

قال النبي ﷺ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ . البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣). وقال أيضًا ﷺ: والصَّبْرُ ضِيَاءُ . مسلم (٢٢٣).

الوصيّة الثامنة: إيجاد بيئة صالحة مُعينة على الخير

ومن المهم للمرأة ألّا تتطلّب الكمال في البيئات الصالحة،

ومن المهم أن يكون هذا الصلاح متعلّقاً بالباطن ومرتبطا بحقائق العبودية لله سبحانه وتعالى،

كما قال سبحانه: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].

الوصيّة التاسعة: اتخاذ القدوات الصالحة

وإذا كانت هذه القدوات من المعاصرات اللاتي يمكن مخالطتهنّ ومعايشتهنّ والاقتراب منهنّ فهذا خيرٌ وبركة، فإذا لم يحصل ذلك فيمكن الاستغناء بسِيَر الصالحات على مرّ التاريخ،

ولا يشترط أن يكون الاقتداء بالصالحات المعاصرات كليّا، بل يصحّ أن يكون في باب من الأبواب أو خصلة من الخصال دون غيرها كالإيمان أو العلم أو الصبر أو القوّة أو غير ذلك من معاني الخير، شريطةَ أن يكون اقتداءً واعيًا بعيداً عن التقديس أو تطلّب المثالية.

الخاتمة

وفي الختام يمكن تلخيص القضايا الكبرى التي أصّل لها الكتاب في ثلاث نقاط رئيسية على النحو التالي:

أولاً: أن العبودية لله تعالى هي الغاية العظمى من خلق المرأة.

ثانيًا: أن من الأخطاء الكبيرة التي أوقعت كثيرًا من النساء في فخ النسوية نظرَهُنّ إلى باب المرأة بعين الحقوق فقط، وحصر هذه الحقوق في الدار الدنيوية.

ثالثا: أن واقع المسلمين اليوم يحتاج إلى إصلاح داخلي شمولي، وأن المرأة جزء أساسي من هذا الإصلاح.

وصَلِّ اللهمَّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة