بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
إعادة اكتشاف التُّراث الإسلامي
كيف غيَّرت ثقافة الطِّباعة والتَّحقيق عالمنا الفكري؟!
تأليف: د. أحمد الشَّمسيّ
الفهرس
1. مرحلة ما قبل الطباعة وسيادة النزعة المدرسية (القرنان 16 18م)
2. الحملة الفرنسية والتغلغل الأوروبي (1798 1801م)
3. عصر محمد علي وتأسيس مطبعة بولاق (1805 1840م)
4. منتصف القرن التاسع عشر وبدايات إحياء التراث (1840 1870م)
5. عصر الخديوي إسماعيل والجمعيات والمكتبات الوطنية (1860 1870م)
6. حركات الإصلاح الفكري والسلفية الأولى (أواخر القرن 19 أوائل القرن 20)
7. ظهور “المحقق” والنهج الفيلولوجي الحديث (أوائل القرن 20)
8. النقد التاريخي والفيلولوجي في العصر الحديث (العشرينيات الأربعينيات من القرن 20)
1. شبكة المحدثين والتأسيس لنقد النصوص (القرنان 17 18م)
2. جيل مطلع القرن التاسع عشر وبدايات النشر المؤسسي وبولاق
3. جيل هواة المخطوطات والجمعيات التعاونية (منتصف القرن 19م)
4. كبار الشيوخ والأساتذة في النصف الثاني من القرن 19م
5. جيل النهضة والإصلاح الفكري وشبكات النشر عابرة الأقطار (أواخر القرن 19 أوائل القرن 20)
6. جيل التحقيق الفيلولوجي والضبط العلمي والنقد التاريخي (أوائل إلى منتصف القرن 20)
1. المصطلحات التعليمية والفكرية
2. مصطلحات النشر وصناعة الطباعة
3. مصطلحات النقد النصي والفيلولوجيا
1. مرحلة الطباعة المبكرة والكتب المدرسية والتعليمية (مطبعة بولاق والبواكير)
2. عصر رفاعة الطهطاوي والجمعيات التعاونية (طباعة أمهات التراث غير المدرسية)
3. مرحلة ظهور “المحقق” والمنهج الفيلولوجي (أحمد زكي باشا وإحياء الآداب)
4. حركة التجديد الإصلاحي والشبكات عابرة الحدود (محمد عبده، طاهر الجزائري، القاسمي، رضا، الآلوسي)
5. عصر النقد الفيلولوجي والضبط العلمي الحديث (أحمد محمد شاكر ومحمود محمد شاكر)
تقديم مركز نُهُوض للدِّراسات والبُحُوث
الفصل الأول: الكُتُب المنسِيَّة
الفصل الثاني: ثقافة الكتاب في العصر الحديث
فلسفة المدرسية: الاهتمام بكُتُب العصر الحديث فقط
العِلْم الباطني: تراجع هيبة العِلْم القائم على الكُتُب
التَّيَّارات المُضادَّة: مُواجهة المدرسية والباطنية
الفصل الثالث: بدايات الطِّباعة
الطِّباعة المُبكِّرة في العالم العربي: آفاق محدودة
تطوُّر صناعة النَّشر: توسيع الإمكانيات
كيف تعمل الطِّباعة؟ دور المُصحِّح
الفصل الرابع: جيل جديد مِن مُحبِّي الكُتُب
عبد الحميد نافع وسباق المخطوطات
رجوع أحمد الحسيني إلى كُتُب التُّراث
الفصل الخامس: ظُهُور المُحقِّق
دراسات أحمد زكى المُبكِّرة والحالة الفكرية في عصره
الجمع المنهجي للمخطوطات وحفظها
الفصل السادس: الإصلاح من خلال الكُتُب
طاهر الجزائري ونشاطه مُتعدِّد الوُجُوه
الفصل السابع: الحركة الرَّجعيَّة ضِدّ ثقافة العصر الحديث
شبكة عبر وطنيّة من جامعي الكُتُب
ابن تيمية نموذج للعَالِم المُحصِّل المُدقِّق
الفصل الثامن: النقد والفيلولوجيا
اقتباسات تحتاج تعليقات
فيلم كوكو وفكرة انتقال الأفكار من شخص لآخر بشكل مُباشر
الأشخاص أهمّ من التقنية، الـ AI مثال العصر الحالي
التُّراث الإسلامي بالمُقارنة مع التُّراث اليوناني واللاتيني القديم
قصة إنقاذ المخطوطة السينائية، في مُقابل ادِّعاء إنقاذ المخطوطات الإسلامية!
العلاقة بين سعد الدين الهلالي وتصوُّر الشعراني لآراء الفقهاء!
خطورة هذه التَّصوُّرات الصوفية على الدين!
ربط الكتب المطبوعة بالزبون المضمون، في مُقابل تأثير الطباعة على المُجتمع
مُشكلة الحُرُوف المنقوطة بالنِّسبة للكُتُب وللقرآن الكريم
بدايات موجات التَّشكيك في الدِّين في العصر الحديث
استشهاد الكوثري بمخطوطات غير منشورة، ومخطوطة إنجيل مرقس!
يتتبع تاريخُ حركة النشر وتداول الكتاب العربي تحولاً فكرياً ومؤسسياً شاملاً ربط بين المتغيرات السياسية الكبرى ومسار بعث التراث الإسلامي وتحقيقه:
1. مرحلة ما قبل الطباعة وسيادة النزعة المدرسية (القرنان 16 18م)
* الظروف السياسية والمؤسسية: عقب الفتح العثماني لمصر والشام عام 1517م، تحولت القاهرة ودمشق إلى عواصم إقليمية، ونُقلت أعداد ضخمة من المخطوطات والعلماء إلى إستانبول.
* الوضع الفكري والتراثي: سادت “النزعة المدرسية” المعتمدة على المتون المختصرة والشروح والحواشي المتأخرة والتقريرات، وهُمشت أمهات الكتب المتقدمة (مثل كتاب الأم للشافعي، وتفسير الطبري، ومقدمة ابن خلدون).
* تراجع المكتبات واستنزاف المخطوطات: أدى تدهور الأوقاف واختلال نظارتها إلى تراجع المدارس الوقفية، وتلف المخطوطات بالإهمال والأرضة، أو تسرب أعداد كبرى منها بالشراء والسرقة نحو المكتبات الأوروبية.
2. الحملة الفرنسية والتغلغل الأوروبي (1798 1801م)
* السياق السياسي والعسكري: غزا نابليون بونابرت مصر عام 1798م وأدخل المطبعة الفرنسية لنشر المراسيم والدعاية السياسية.
* الأثر العلمي والاستشراقي: نَبَّهت الحملة المستشرقين (مثل جان جوزيف مارسيل) إلى إمكانية طبع النصوص العربية، ورافقتها موجة استحواذ واسعة من القناصل والأجانب (مثل سيتزن، وشيفر، وفيتزشتاين) على آلاف المخطوطات النفيسة ونقلها للغرب.
3. عصر محمد علي وتأسيس مطبعة بولاق (1805 1840م)
* التحول السياسي والتحديث: انفرد محمد علي بالحكم عام 1805م وشَرَع في بناء دولة وجيش ومدارس حديثة.
* تأسيس الطباعة الرسمية: أُرسل نيقولا مسابكي لإيطاليا لتعلم الطباعة، وأُنشئت مطبعة بولاق عام 1822م.
* طبيعة النشر الأولى: تركز النشر في بدايته على الكتب العسكرية والطبية والترجمات وصحيفة الوقائع المصرية، ثم المتون المدرسية الشائعة وقواعد النحو دون التركيز على إحياء أمهات التراث المنسية.
4. منتصف القرن التاسع عشر وبدايات إحياء التراث (1840 1870م)
* دور رفاعة الطهطاوي: استغل الطهطاوي نفوذه الحكومي -بعد عودته من فرنسا وتأسيسه مدرسة الألسن عام 1835م- للترويج لطباعة أمهات كتب التراث غير المدرسية، كـ مقدمة ابن خلدون، وخطط المقريزي، والأغاني، وتفسير الرازي.
* ظهور “الملتزمين” والمصححين: سُمح للأفراد بطبع الكتب في بولاق لحسابهم الخاص أواخر أربعينيات القرن 19، وبرزت وظيفة المصحح للتدقيق اللغوي ومقابلة النسخ (مثل نصر الهوريني ومحمد قطة العدوي).
* الغطاء الشرعي: أصدر المفتي محمد المهدي العباسي فتاوى تجيز طباعة أمات الكتب الدينية واللغوية وفق ضوابط صيانة النص.
5. عصر الخديوي إسماعيل والجمعيات والمكتبات الوطنية (1860 1870م)
* التحولات الإدارية والثقافية: التوسع في التعليم وإقامة قناة السويس وتزايد القروض والأطماع الأجنبية.
* المؤسسات الثقافية الكبرى: تأسست جمعية المعارف المصرية عام 1868م برئاسة محمد عارف باشا لنشر الكتب بالتعاون والاشتراك، وأُنشئت الكتبخانة الخديوية (دار الكتب) عام 1870م لجمع الشتات المخطوط، والمكتبة الظاهرية بدمشق عام 1879م بجهود طاهر الجزائري والوالي مدحت باشا.
* نخبة هواة المخطوطات: برز أفراد من الطبقة الإدارية والأدبية (مثل عبد الحميد بك نافع، وأحمد فكري باشا، وأحمد تيمور باشا) يجمعون المخطوطات وينسخونها وينشرونها.
6. حركات الإصلاح الفكري والسلفية الأولى (أواخر القرن 19 أوائل القرن 20)
* محمد عبده وطاهر الجزائري: قادا حركة إصلاحية لتجديد اللغة والتعليم ومحاربة الجمود المدرسي والخرافات الباطنية، والدعوة للعودة إلى مصادر الشريعة والأدب الأولى (مثل إخراج كتب الجرجاني ومقامات الهمذاني ومدونة سحنون).
* شبكة المصلحين العابرة للحدود: نشأت شبكة تضم جمال الدين القاسمي بالشام، ومحمود شكري الآلوسي بالعراق، ومحمد رشيد رضا بمصر (مطبعة ومجلة المنار)، وصديق حسن خان بالهند، لنشر كتب ابن تيمية وابن القيم والشوكاني ونقد التقليد.
7. ظهور “المحقق” والنهج الفيلولوجي الحديث (أوائل القرن 20)
* أحمد زكي باشا (شيخ العروبة): انتقل بجهود النشر من التصحيح اللغوي إلى التحقيق الفيلولوجي المنهجي؛ وصاغ مصطلح “المحقق”، واعتمد المقارنة بين النسخ، ووصف المخطوطات، ووضع حواشي الاختلافات والترقيم، وأخرج نصوصاً مثل كتاب الأصنام وكتاب التاج.
* مشروع إحياء الآداب العربية (1910م): اعتمدت الحكومة المصرية مشروعاً لتمويل تصوير وتحقيق وطبع أمهات الموسوعات مثل نهاية الأرب للنويري ومسالك الأبصار للعمري.
8. النقد التاريخي والفيلولوجي في العصر الحديث (العشرينيات الأربعينيات من القرن 20)
* السياق السياسي بعد الحرب العالمية الأولى: تفكك الدولة العثمانية، وإلغاء الخلافة، وتزايد الهيمنة الاستعمارية الغربية.
* المواجهة الفكرية والنقدية (طه حسين ومحمود شاكر): أثار كتاب طه حسين حول الشعر الجاهلي (1926م) جدلاً واسعاً؛ وواجهه محمود محمد شاكر بنقد علمي لمنهجيته وإثبات أصالة الشعر العربي والتراث استناداً إلى المعرفة باللغة ومصادر التراث المخطوطة.
* أحمد محمد شاكر والضبط العلمي: أرسى القاضي أحمد محمد شاكر معايير دقيقة في تحقيق كتب الحديث والفقه (مثل الرسالة للشافعي ومسند أحمد)، ورد على أخطاء المستشرقين والمطابع التجارية.
* عبد الرحمن المعلمي اليماني: صاغ قواعد تنظيرية لعملية “التصحيح العلمي” ونقد النصوص وطبع أمهات الكتب في دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد.
يقدم كتاب “إعادة اكتشاف التراث الإسلامي” لأحمد الشمسي شبكة تاريخية متصلة من العلماء، والناشرين، ومحبي الكتب، والمحققين الذين أسهموا في بعث التراث الإسلامي وتغيير الثقافة الفكرية عبر حركة الطباعة والتحقيق.
فيما يلي حصر شامل لأبرز الشخصيات الرئيسة مرتبة بتسلسل تاريخي يتعقب رابطة الأستاذ بالتلميذ والمعاصرين من العصر السابق للطباعة وحتى العصر الحديث:
1. شبكة المحدثين والتأسيس لنقد النصوص (القرنان 17 18م)
* إبراهيم الكوراني (ت. 1690م): يُعد حلقة وصل محورية في الحجاز بين علماء الحديث والبحث المنهجي عن الأصول المخطوطة ونقدها.
* تلامذته والمتأثرون بشبكته: أثّر إسناده ومسلكه في جيل اللاحقين مثل مرتضى الزبيدي وشاه ولي الله الدهلوي.
* معاصرون ولاحقون في هذه الشبكة العلمية:
* عبد الغني النابلسي (ت. 1731م): عالم صوفي وفقيه أثرت مصنفاته في النقاشات الفكرية للتراث.
* شاه ولي الله الدهلوي (ت. 1762م): عالم الهند الكبير الذي ارتبط بشبكة الكوراني وتعمق في تراث ابن تيمية.
* مرتضى الزبيدي (ت. 1791م): صاحب معجم “تاج العروس” وشرح الإحياء “إتحاف السادة المتقين”، ودرس على تلاميذ الكوراني واعتمد المنهج المقارن بين المخطوطات.
* محمد بن علي الشوكاني (ت. 1834م): قاضي اليمن ومؤلف “إرشاد الفحول” و”أدب الطلب”، ودعا للرجوع المباشر للمصادر الموسعة ونقد التقليد المدرسي.
2. جيل مطلع القرن التاسع عشر وبدايات النشر المؤسسي وبولاق
* الشيخ حسن العطار (ت. 1835م): شيخ الأزهر والمصلح المبكر الذي دعا لتوسيع أفق التعليم وقراءة كتب المتقدمين كـ “مقدمة ابن خلدون” و”منهاج السنة”.
* تلميذه الأبرز: رفاعة رافع الطهطاوي (ت. 1873م): درس على حسن العطار، وأرسله محمد علي إماماً للبعثة المصرية بباريس.
* سيلفستر دي ساسي (Sylvestre de Sacy) (ت. 1838م): المستشرق الفرنسي الكبير في باريس، وكان أستاذ أصول اللغة للطهطاوي أثناء بعثته.
* رفاعة الطهطاوي: أسس “مدرسة الألسن” (1835م)، وقاد حركة الترجمة والنشر الحكومي لحساب الدولة، واستغل نفوذه لطباعة أمهات كتب التراث غير المدرسية مثل “مقدمة ابن خلدون” و”خطط المقريزي” و”الأغاني”.
* مصححو مطبعة بولاق (الجيل الأول من المصححين):
* نصر الهوريني (ت. 1874م): عمل بتوجيه الطهطاوي في بولاق، وصحح “مقدمة ابن خلدون” و”القاموس المحيط” و”فوات الوفيات”.
* محمد قطة العدوي (ت. 1864م): معاصر للهوريني وشاركه تصحيح “القاموس المحيط” و”خطط المقريزي” و”ألف ليلة وليلة”.
3. جيل هواة المخطوطات والجمعيات التعاونية (منتصف القرن 19م)
* عبد الحميد بك نافع (ت. 1861/1863م): ثري إداري شغوف بجمع ونساخة المخطوطات النادرة، واستعان بالمصحح نصر الهوريني لتصحيح كتبه.
* عبد الغني بك فكري (ت. 1889م): معاصر لعبد الحميد نافع ومنافسه في سباق اقتناء ونساخة المخطوطات النفيسة (مثل ديوان البحتري).
* محمد عارف باشا (ت. 1871م): زوج أخت عبد الحميد نافع، ومؤسس جمعية المعارف المصرية (1868م) التي جمعت أعيان الدولة لتمويل ونشر أمهات الكتب التراثية التعاونية.
4. كبار الشيوخ والأساتذة في النصف الثاني من القرن 19م
* حسن الطويل (ت. 1899م): عالم أزهري مجدد ومستقل، أستاذ لجيل من كبار المصلحين.
* تلامذته المباشرون: الإمام محمد عبده، وأحمد تيمور باشا، ومحمد بخيت المطيعي.
* محمود محمد الشنقيطي (ت. 1904م): عالم موريتاني لغوي ورحالة مخطوطات حافظ للتراث.
* تلميذه الأبرز: أحمد تيمور باشا. وكان للشنقيطي تعاون علمي مع محمد عبده في إخراج كتب البلاغة.
* شمس الدين الأنبابي (ت. 1896م): شيخ الأزهر.
* تلميذه: أحمد بك الحسيني.
5. جيل النهضة والإصلاح الفكري وشبكات النشر عابرة الأقطار (أواخر القرن 19 أوائل القرن 20)
* الإمام محمد عبده (ت. 1905م): تلميذ حسن الطويل وجمال الدين الأفغاني. قاد حركة التجديد اللغوي والديني، وأنشأ “جمعية إحياء العلوم العربية” (1899م).
* تلامذته وأصحابه المقربون:
1. محمد رشيد رضا (ت. 1935م): تلميذ محمد عبده الخاص، ومؤسس مجلة ومطبعة “المنار” لنشر التراث والسلفية.
2. مصطفى لطفى المنفلوطي (ت. 1924م): تلميذ عبده والأديب المعروف.
3. علي المرصفي (ت. 1931م): أستاذ الأدب بالأزهر وتلميذ عبده.
* أحمد تيمور باشا (ت. 1930م): تلميذ حسن الطويل والشنقيطي. صاحب “الخزانة التيمورية” الشهيرة والمؤلف البحاثة. وأخته عائشة التيمورية (ت. 1902م) الشاعرة والأديبة.
* طاهر الجزائري (ت. 1920م): رائد الإصلاح بالشام ومؤسس “المكتبة الظاهرية” بدمشق.
* تلامذته والآخذون عنه: محمد كرد علي (ت. 1953م) مؤسس مجمع اللغة العربية بدمشق، ومحب الدين الخطيب (ت. 1969م) مؤسس المطبعة السلفية بالقاهرة، وعبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري.
* شبكة المصلحين وجامعي الكتب المعاصرين (شبكة عابرة للحدود):
* جمال الدين القاسمي (ت. 1914م): مصلح دمشقي وصديق طاهر الجزائري ومحمد عبده ومحمود شكري الآلوسي.
* محمود شكري الآلوسي (ت. 1924م): عالم بغدادي ومصلح (ابن أخي نعمان الآلوسي).
* محمد نصيف (ت. 1971م): وجيه وتاجر محقق بجدة مول ونشر أمهات كتب التراث بالتعاون مع القاسمي والآلوسي ومحب الدين الخطيب.
6. جيل التحقيق الفيلولوجي والضبط العلمي والنقد التاريخي (أوائل إلى منتصف القرن 20)
* أحمد زكي باشا “شيخ العروبة” (ت. 1934م): مؤسس منهج التحقيق الفيلولوجي المنهجي في العالم العربي، وصاغ مصطلح “المحقق” ونشر أمهات مثل “الأصنام” للكلبي و”التاج” للجاحظ و”مسالك الأبصار” للعمري.
* أحمد بك الحسيني (ت. 1914م): تلميذ شمس الدين الأنبابي. محامٍ وعالم أزهري ومقتنٍ للمخطوطات، حقق ونشر كتاب “الأم” للشافعي على نفقته الخاصة وألف موسوعته “مرشد الأنام”.
* عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت. 1966م): عالم ومحقق بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، وضع القواعد النظرية للتصحيح العلمي والنقد النصي.
* محمد زاهد الكوثري (ت. 1952م): وكيل المشيخة العثمانية السابق ومحقق الكتب بالقاهرة، خاض سجالات نقدية واسعة مع التيار الإصلاحي والسلفي حول النصوص المخطوطة.
* الشيخ محمد شاكر (ت. 1939م): عالم أزهري جليل ومفتي السودان السابق.
* ولداه وتلميذاه الشهيران:
1. أحمد محمد شاكر (ت. 1958م): محدث وقاضٍ ومحقق؛ أرسى معايير دقيقة في تحقيق “الرسالة” للشافعي و”مسند أحمد”.
2. محمود محمد شاكر (ت. 1997م): العلامة والنقاد الأكبر، تلميذ الشيخ سيد المرصفي. خاض سجال الشعر الجاهلي الشهير دفاعاً عن التراث العربي.
* سيد المرصفي (ت. 1931م): أستاذ الأدب العربي، وكان أستاذًا لكل من: محمود محمد شاكر وطه حسين.
* طه حسين (ت. 1973م): أديب ومفكر، تلميذ سيد المرصفي والمستشرقين (مثل مرجليوث ونالينو)؛ أثار كتابه “في الشعر الجاهلي” (1926م) السجال النقدي الحاد مع محمود شاكر والأوساط العلمية.
* عبد السلام هارون (ت. 1988م): محقق كبير، تلميذ ومتأثر بمدرسة الأخوين أحمد ومحمود شاكر وواصل مسيرتهما المنهجية في تحقيق أمهات كتب اللغة والأدب.
1. المصطلحات التعليمية والفكرية
* النزعة المدرسية (Scholasticism): نظام تعليمي وفكري شاع في العصور المتأخرة، يقوم على اقتصار الدراسة على متون مختصرة وتراكم الطبقات الشارحة عليها (الشروح والحواشي). وتتميز بالتركيز المكثف على التحليل اللغوي والمنطقي الشكلي للعبارات والتعاريف بدلاً من مناقشة المضمون أو السياق التاريخي، مما أدى إلى تهميش أمهات الكتب المتقدمة.
* الباطنية / العلم اللدني: اتجاه معرفي يعتبر أن الحقائق والعلوم الشرعية الحقيقية تُكتسب بالإلهام الإلهي المباشر أو الكشف الروحي والذوق دون الحاجة إلى الدراسة المنهجية أو المطالعة في الكتب. ويرى هذا الاتجاه أن التعلم من الكتب معرفة ظاهرية أو سطحية، مما ساهم في تراجع هيبة التراث المكتوب والتقليل من قيمته.
* الحواشي والتقريرات: طبقات كتابية تعليمية متدرجة؛ حيث يُوضع “الشرح” لتوضيح المتن المختصر، وتُكتب “الحاشية” كتعليق وتفصيل على الشرح، بينما يُعد “التقرير” طبقة ثالثة تشرح وتناقش الحاشية نفسها. أدى التزاحم في هذه الطبقات إلى إثقال النص الشكلي على حساب المضمون.
2. مصطلحات النشر وصناعة الطباعة
* المُصَحِّح (Proofreader / Corrector): وظيفة ظهرت في المراحل الأولى للطباعة العربية؛ تتركز مهمتها على التدقيق اللغوي، ومقابلة البروفات المطبوعة بالمسودة أو الأصل المخطوط لتصحيح الأخطاء المطبعية واللغوية، وتوفيق الخرم والتلفيق بين النسخ المخطوطة المقحمة لتخرج صالحة للقراءة. ولا يتجاوز دور المصحح ذلك إلى فحص نسبة النص أو ممارسة النقد النصي.
* المُلْتَزِم / الملتزمون (Subscription Publishers): أفراد أو تجار من القطاع الخاص يمولون طباعة كتب ونصوص تراثية مختارة على نفقتهم الخاصة لحسابهم التجاري باستخدام مطبعة بولاق أو المطابع الحكومية مقابل رسوم وتسهيلات، مستهدفين غالباً الكتب المدرسية أو الأدبية الأكثر طلباً في السوق.
* قَيَّد الفراغ (Colophon): النص الذي يدونه الناسخ في المخطوط أو المصحح في نهاية المطبوع، ويتضمن معلومات عن اسم الناسخ أو المصحح، وتاريخ الانتهاء من العمل، والمطبعة أو مكان النسخ، وغالباً ما يُختم بعبارات ثناء أو أبيات شعرية مسجوعة.
3. مصطلحات النقد النصي والفيلولوجيا
* المُحَقِّق (Critical Editor / Philologist): عالم أو باحث خبير يتجاوز دور المصحح اللغوي؛ حيث يمارس عملية “التحقيق” وهي منهجية فيلولوجية تقوم على مقابلة المخطوطات المتعددة، وتوثيق الاختلافات بين النسخ، والتحقق من نسبة النص إلى مؤلفه، وتوصيف المخطوطات وتأريخها بدقة.
* الفيلولوجيا / النقد النصي (Philology): العلم الذي يُعنى بالدراسة التاريخية والنقدية للنصوص المخطوطة، وفحص لغتها وأساليبها وطرق نقلها عبر العصور، بهدف تمحيص أخطاء النساخ وإعادة بناء النص الأصلي لاسترداد أقرب صورة له كما وضعها مؤلفه.
* الجهاز النقدي (Critical Apparatus): الهوامش والحواشي السفلية التي يضعها المحقق أسفل النص المطبوع، وتسجل بصورة منهجية فروق القراءات بين النسخ المخطوطة الاعتيادية، والتصحيحات، والزيادات أو السقط الوارد في أصول النص.
* مشجر المخطوطات (Stemma Codicum): رسم بياني شجري يُستخدم في النقد النصي لتتبع السلسلة النسبية بين المخطوطات المتبقية لنص معين، واكتشاف كيفية تناسل النسخ عن بعضها البعض وصولاً إلى الأصل المشترك (Archetype) لاستبعاد النسخ الفرعية المنقولة.
* سردية الانحطاط (Narrative of Decline): أطروحة تاريخية سادت لدى بعض المستشرقين والقوميين تصوّر الفكر الإسلامي بعد العصور الوسطى كأنه حالة من الجمود والركود التام والخواء الفكري في انتظار “التنوير الأوروبي”. يناقش المؤلف هذه السردية موضحاً أنها أطروحة مبسطة تُغفل الأصالة الفكرية والتطورات العلمية التي شهدتها تلك العصور.
* حساب الجُمَّل / التأريخ الشعري (Chronogram): أسلوب أدبي وحسابي يُعطى فيه كل حرف من الحروف الأبجدية قيمة عددية محددة، بحيث يُشكل مجموع أرقام الحروف في كلمة أو بيت شعري تاريخاً لحدث معين (مثل تاريخ طبع كتاب أو إنجاز تحقيق).
فيما يلي حصر للمؤلفات الرئيسة التي ورد ذكر السعي لتحقيقها وطباعتها في الكتاب، مرتبة وفق التسلسل التاريخي لحركة النشر والتطور المنهجي المذكور في أبواب الكتاب:
1. مرحلة الطباعة المبكرة والكتب المدرسية والتعليمية (مطبعة بولاق والبواكير)
| # | اسم الكتاب | اسم المؤلف | تاريخ الكتاب الأصلي | تاريخ الطباعة / التحقيق والظروف |
| 1 | القاموس المحيط (البسيط الأوقيانوس) | مجد الدين الفيروزآبادي | القرن 9هـ / (ت. 817هـ / 1414م) | طُبعت ترجمته التركية عام 1834م، وطُبع أصله العربي بجهد نصر الهوريني ومحمد قطة العدوي ببولاق (1272هـ / 1855 1856م). (وطُبع بلكنا بالأند/كلكتا 1817م).
| 2 | الآجرومية | ابن آجروم | القرن 8هـ / (ت. 723هـ / 1323م) | طُبعت ببولاق عام 1826م وعام 1837م ككتاب مدرسي.
| 3 | شرح الكفراوي على الآجرومية | حسن الكفراوي | القرن 12هـ / (ت. 1202هـ / 1788م) | طُبع ببولاق عام 1842م.
| 4 | الفوائد الضيائية (شرح الجامي على كافية ابن الحاجب) | ابن الحاجب / الشرح للجامي | القرن 7هـ / 9هـ (ت. الجامي 898هـ / 1492م) | طُبع ببولاق أربع طبعات بين عامي 1831م و1840م.
| 5 | ألفية ابن مالك (وشروحها كشرح الأشموني) | ابن مالك | القرن 7هـ / (ت. 672هـ / 1274م) | طُبعت ببولاق عام 1834م وعام 1837م للتعليم الحكومي.
| 6 | حاشية الطحطاوي على الدر المختار | أحمد بن محمد الطحطاوي | القرن 13هـ / (ت. 1231هـ / 1816م) | طُبعت ببولاق عام 1836م.
| 7 | روح البيان في تفسير القرآن | إسماعيل حقي البورصوي | القرن 12هـ / (ت. 1137هـ / 1725م) | طُبع ببولاق عام 1839م.
| 8 | الشفا بتعريف حقوق المصطفى | القاضي عياض | القرن 6هـ / (ت. 544هـ / 1149م) | طُبع ببولاق عام 1841م.
| 9 | كليلة ودمنة | ترجمة عبد الله بن المقفع | القرن 2هـ / (ت. 142هـ / 759م) | طُبع ببولاق عام 1833م وعام 1836م.
| 10 | ديوان علي بن أبي طالب (المنسوب) | منسوب للإمام علي بن أبي طالب | العصر الراشدي | طُبع ببولاق عام 1835م.
| 11 | ألف ليلة وليلة | حكايات تراثية شعبية | العصور الوسطى المتأخرة | طُبع ببولاق عام 1835م، وطبعة مبكرة بتصحيح محمد قطة العدوي عام 1863م.
| 12 | قصيدة البردة (وشروحها) | البوصيري | القرن 7هـ / (ت. 696هـ / 1296م) | طُبعت ببولاق عام 1841م.
| 13 | ملتقى الأبحر | إبراهيم الحلبي | القرن 10هـ / (ت. 956هـ / 1549م) | طُبع بتمويل الملتزم عطا بك ببولاق عام 1847م (500 نسخة).
| 14 | تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) | البيضاوي | القرن 7هـ / (ت. 685هـ / 1286م) | طُبع بتمويل الملتزم كامل أفندي ببولاق 1847/1848م، ونشره فليشر بليبتسج 1846 1848م.
| 15 | الميزان / اليواقيت والجواهر / الأنوار القدسية | عبد الوهاب الشعراني | القرن 10هـ / (ت. 973هـ / 1565م) | طُبعت بتمويل الشيخ حسن العدوي الحمزاوي مطبعة القاهرة بين 1859م و1862م.
| 16 | مجموع المتون | متون تعليمية متعددة | القرون الوسطى والحديثة | طُبع لأول مرة ببولاق عام 1858م، وإعادة طبعه أكثر من 12 مرة في القرن 19م.
| 17 | دلائل الخيرات | محمد بن سليمان الجزولي | القرن 9هـ / (ت. 870هـ / 1465م) | طُبع مراراً بطلبات الملتزمين في النصف الثاني من القرن 19م.
2. عصر رفاعة الطهطاوي والجمعيات التعاونية (طباعة أمهات التراث غير المدرسية)
| # | اسم الكتاب | اسم المؤلف | تاريخ الكتاب الأصلي | تاريخ الطباعة / التحقيق والظروف
| 18 | مقدمة ابن خلدون (وتاريخه) | عبد الرحمن بن خلدون | القرن 8هـ / (ت. 808هـ / 1406م) | طُبعت المقدمة بجهود رفاعة الطهطاوي وتصحيح نصر الهوريني ببولاق عام 1857م (والتاريخ كاملاً 1867م).
| 19 | تفسير الفخر الرازي (مفاتيح الغيب) | فخر الدين الرازي | القرن 6-7هـ / (ت. 606هـ / 1209م) | طُبع بجهود الطهطاوي وتصحيح نصر الهوريني ببولاق (1278هـ / 1861 1862م).
| 20 | الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار) | تقي الدين المقريزي | القرن 9هـ / (ت. 845هـ / 1442م) | طُبع بجهود الطهطاوي وتصحيح محمد قطة العدوي ببولاق (1270هـ / 1853م).
| 21 | مقامات الحريري | أبو محمد القاسم الحريري | القرن 6هـ / (ت. 516هـ / 1122م) | حررها سيلفستر دي ساسي بباريس 1822م، ثم طُبعت بجهود الطهطاوي ببولاق.
| 22 | كتاب الأغاني | أبو الفرج الأصفهاني | القرن 4هـ / (ت. 356هـ / 967م) | طُبع بجهود الطهطاوي وتصحيح نصر الهوريني ببولاق في 20 مجلداً (1285هـ / 1868 1869م).
| 23 | حلبة الكميت / خزانة الأدب / معاهد التنصيص | ابن حجة الحموي / العباسي | القرن 9هـ / 10هـ (ت. الحموي 837هـ) | سُمح بطبعها بجهود الطهطاوي ببولاق في ستينيات القرن 19م.
| 24 | فوات الوفيات | ابن شاكر الكتبي | القرن 8هـ / (ت. 764هـ / 1363م) | طُبع بتمويل محمد عارف باشا وتصحيح نصر الهوريني ببولاق (1283هـ / 1866م).
| 25 | الإتقان في علوم القرآن | جلال الدين السيوطي | القرن 10هـ / (ت. 911هـ / 1505م) | طُبع بالمطبعة الكاستلية بالقاهرة بتصحيح نصر الهوريني (1280هـ / 1863م).
| 26 | البيان والتبيين | الجاحظ | القرن 3هـ / (ت. 255هـ / 869م) | طُبع برعاية جمعية المعارف المصرية بالقاهرة (1287هـ / 1870م).
| 27 | أسد الغابة في معرفة الصحابة | ابن الأثير | القرن 7هـ / (ت. 630هـ / 1233م) | طُبع برعاية جمعية المعارف المصرية ببولاق في 5 مجلدات (1285 1287هـ / 1868 1871م).
| 28 | سقط الزند (وشرحه التنوير للخويي) | أبو العلاء المعري / الشرح للخويي | القرن 5هـ / 7هـ | طُبع برعاية جمعية المعارف المصرية بالقاهرة عام 1869م.
| 29 | ألف باء | البلوي | القرن 7هـ / (ت. 604هـ / 1207م) | طُبع بجهود جمعية المعارف المصرية (1287هـ / 1870م).
| 30 | مرشد الأنام إلى بر الإمام (ودليل المسافر) | أحمد بك الحسيني | العصر الحديث (ت. 1332هـ / 1914م) | أُلّف وطُبع كتاب “دليل المسافر” بالقاهرة عام 1319هـ / 1901م.
| 31 | كتاب الأم للإمام الشافعي | الإمام محمد بن إدريس الشافعي | القرن 3هـ / (ت. 204هـ / 820م) | جمع مخطوطاته وتمويل طبعه أحمد بك الحسيني، وتصحيح البلبيسي والعادلي والزناتي ببولاق في 7 مجلدات (1320 1326هـ / 1903 1908م).
3. مرحلة ظهور “المحقق” والمنهج الفيلولوجي (أحمد زكي باشا وإحياء الآداب)
| # | اسم الكتاب | اسم المؤلف | تاريخ الكتاب الأصلي | تاريخ الطباعة / التحقيق والظروف
| 32 | التبر المسبوك في ذيل السلوك | شمس الدين السخاوي | القرن 9هـ / (ت. 902هـ / 1497م) | حققه وأخرجه أحمد زكي باشا كأول أعماله التحقيقية ببولاق عام 1897م.
| 33 | كتاب الأصنام | ابن الكلبي | القرن 3هـ / (ت. 204هـ / 819م) | اكتشف مخطوطته طاهر الجزائري، وحققه ونشره أحمد زكي باشا بالقاهرة عام 1914م (ضمن مشروع إحياء الآداب).
| 34 | الأدب الصغير والأدب الكبير | عبد الله بن المقفع | القرن 2هـ / (ت. 142هـ / 759م) | حققهما وأخرجهما أحمد زكي باشا عام 1329هـ / 1911م و1912م.
| 35 | كتاب التاج في أخلاق الملوك | المنسوب للجاحظ | القرن 3هـ / (ت. 255هـ / 869م) | حققه ونشره أحمد زكي باشا عام 1914م بأسلوب النقد الفيلولوجي.
| 36 | نكت الهميان في نكت العميان | خليل بن أيبك الصفدي | القرن 8هـ / (ت. 764هـ / 1363م) | حققه وطبعه أحمد زكي باشا عام 1911م بمناسبة المؤتمر الدولي للمكفوفين.
| 37 | مسالك الأبصار في ممالك الأمصار | ابن فضل الله العمري | القرن 8هـ / (ت. 749هـ / 1349م) | اكتشف زكي باشا أجزاءه بإستانبول وحقق المجلد الأول ونشره عام 1924م.
| 38 | نهاية الأرب في فنون الأدب | شهاب الدين النويري | القرن 8هـ / (ت. 733هـ / 1333م) | أسس أحمد زكي باشا مشروع طباعته الحكومي (1910م)، وصدرت المجلدات الأولى منه (1923 1934م).
4. حركة التجديد الإصلاحي والشبكات عابرة الحدود (محمد عبده، طاهر الجزائري، القاسمي، رضا، الآلوسي)
| # | اسم الكتاب | اسم المؤلف | تاريخ الكتاب الأصلي | تاريخ الطباعة / التحقيق والظروف
| 39 | دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة | عبد القاهر الجرجاني | القرن 5هـ / (ت. 471/474هـ – 1078/1081م) | حققهما محمود الشنقيطي والإمام محمد عبده ونشرتهما “جمعية إحياء العلوم العربية” بالقاهرة (1320 1321هـ / 1902 1903م).
| 40 | المخصص | ابن سيده الأندلسي | القرن 5هـ / (ت. 458هـ / 1066م) | حققه محمود الشنقيطي ونشرته جمعية إحياء العلوم العربية / بولاق في 17 مجلداً (1316 1321هـ / 1898 1903م).
| 41 | الوجيز في فقه الشافعي | أبو حامد الغزالي | القرن 5-6هـ / (ت. 505هـ / 1111م) | نشرته “شركة طبع الكتب العربية” (أحمد تيمور وعلي بهجت) بالقاهرة عام 1317هـ / 1899م.
| 42 | فتوح البلدان | أحمد بن يحيى البلاذري | القرن 3هـ / (ت. 279هـ / 892م) | نشرته “شركة طبع الكتب العربية” بالقاهرة عام 1901م.
| 43 | المدونة الكبرى | سحنون التنوخي عن الإمام مالك | القرن 3هـ / (ت. 240هـ / 854م) | سعى محمد عبده لجلب مخطوطتها الكاملة من فاس ونشرت بالقاهرة في 16 مجلداً (1323 1324هـ / 1905 1906م).
| 44 | ديوان خطب ابن نباتة | ابن نباتة الفارقي | القرن 4هـ / (ت. 374هـ / 984م) | حققه طاهر الجزائري ونشره عبد الباسط الأنسي ببيروت عام 1311هـ / 1894م.
| 45 | إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد | ابن الأكفاني | القرن 8هـ / (ت. 749هـ / 1348م) | صححه وحققه طاهر الجزائري ومحمد سليم البخاري ونُشر ببيروت/القاهرة (1894م / 1900م).
| 46 | تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين | الراغب الأصفهاني | القرن 5هـ / 11م | اعتنى بتصحيحه ومناظرته طاهر الجزائري وطُبع عام 1901م.
| 47 | روضة العقلاء ونزهة الفضلاء | ابن حبان البستي | القرن 4هـ / (ت. 354هـ / 965م) | اكتشف نسخته طاهر الجزائري ونشره أمين الخانجي بمطبعة كردستان بالقاهرة عام 1910م.
| 48 | إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول | محمد بن علي الشوكاني | القرن 13هـ / (ت. 1250هـ / 1834م) | نشرته وتداولته شبكة الإصلاحيين (رشيد رضا والقاسمي والآلوسي) بالقاهرة والهند.
| 49 | غاية الأماني في الرد على النبهاني | محمود شكري الآلوسي | العصر الحديث / (ت. 1342هـ / 1924م) | طُبع بمطبعة كردستان بالقاهرة باسم مستعار عام 1907 1909م.
| 50 | بلوغ الأرب في أحوال العرب | محمود شكري الآلوسي | العصر الحديث / (ت. 1342هـ / 1924م) | طُبع في 3 مجلدات بالقاهرة عام 1924م.
| 51 | مجموع الرسائل الأصولية (وفيه رسالة الطوفي في المصالح) | نجم الدين الطوفي | القرن 8هـ / (ت. 716هـ / 1316م) | جمعها وحققها جمال الدين القاسمي ونشرها بالقاهرة عام 1906م.
| 52 | مجموعة الرسائل الفلسفية والأخلاقية (30 رسالة) | لابن سينا، والغزالي، وابن تيمية، وابن تومرت | القرون الوسطى | جمعها القاسمي ونشرها محيي الدين صبري الكردي بالقاهرة عام 1910م.
| 53 | قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة | ابن تيمية | القرن 8هـ / (ت. 728هـ / 1328م) | اكتشفها القاسمي بدمشق، وحققها محمد رشيد رضا وطبعها بمطبعة المنار عام 1909م.
| 54 | شرح العقيدة الأصفهانية | ابن تيمية | القرن 8هـ / (ت. 728هـ / 1328م) | اكتشف القاسمي نسختها بدمشق، وطبعها محمد نصيف بمطبعة كردستان بالقاهرة عام 1911م.
| 55 | الرد على البكري (تطهير الاعتقاد / الاستغاثة) | ابن تيمية | القرن 8هـ / (ت. 728هـ / 1328م) | اكتشف القاسمي نسختها، وطُبعت بمطبعة المنار والمطبعة السلفية (1906م / 1927م).
| 56 | مقدمة في أصول التفسير | ابن تيمية | القرن 8هـ / (ت. 728هـ / 1328م) | اشترى نسختها الشطي من طاهر الجزائري، وحققها ونشرها بدمشق عام 1936م.
| 57 | إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان | ابن قيم الجوزية | القرن 8هـ / (ت. 751هـ / 1350م) | اكتشف القاسمي نسختها بدمشق ونسخها، ونشرتها مطبعة المنار بالقاهرة عام 1909م.
| 58 | البداية والنهاية | ابن كثير | القرن 8هـ / (ت. 774هـ / 1373م) | اكتشف القاسمي نسخته بحلب وطُبع لأول مرة في 9 مجلدات بحلب/القاهرة عام 1923م.
5. عصر النقد الفيلولوجي والضبط العلمي الحديث (أحمد محمد شاكر ومحمود محمد شاكر)
| # | اسم الكتاب | اسم المؤلف | تاريخ الكتاب الأصلي | تاريخ الطباعة / التحقيق والظروف
| 59 | جامع الترمذي (سنن الترمذي) | أبو عيسى الترمذي | القرن 3هـ / (ت. 279هـ / 892م) | طُبع ببولاق 1875م، وحقق المجلدات الأولى أحمد محمد شاكر تحقيقاً علمياً ونشرها بمطبعة الحلبي عام 1937م.
| 60 | الرسالة للإمام الشافعي | الإمام الشافعي | القرن 3هـ / (ت. 204هـ / 820م) | طُبعت لأول مرة 1895م، وحققها أحمد محمد شاكر تحقيقاً فيلولوجياً نموذجياً على نسخة الربيع بن سليمان بالقاهرة عام 1940م.
| 61 | مسند الإمام أحمد بن حنبل | الإمام أحمد بن حنبل | القرن 3هـ / (ت. 241هـ / 855م) | بدأ أحمد محمد شاكر تحقيقه ومراجعته الدقيقة وتخريجه، وصدرت مجلداته الأولى من دار المعارف بالقاهرة بدءاً من عام 1946م.
تقديم مركز نُهُوض للدِّراسات والبُحُوث
يستطيع قارئ اليوم أن يتصفَّح ما يشاء من كتب التراث على شاشة هاتفه الذكي، كما يستطيع أن يبحث عن مواضع ورود أي كلمة مفتاحية تثير فضولَه في مئات المراجع والمطولات ببضع نقراتٍ على لوحة المفاتيح. ولكن لم تكن الحال هكذا قبل مائتي عام، ولم تكن المشكلة هي غياب التقنيات الإلكترونية، بل غياب الكتب نفسها.
ففي مطلع القرن التاسع عشر، لم يكن تفسير الطبري ، ولا مقدمة ابن خلدون ، ولا الأم أو الرسالة للشافعي، ولا المدوَّنة لسحنون، ولا الأغاني للأصفهاني – متداولةً في أسواق الكتب والورَّاقين، فقد كان كثيرٌ من هذه الكنوز حبيسًا -دون فهرسة- في رفوف الخزائن القديمة في مكتبات المدارس الوقفيَّة وقصور الأمراء والأعيان.
وتشمل أيضًا تفاصيل قصة التدفُّق البطيء والغزير لآلاف الكتب والمخطوطات التي أصبحت في حوزة المكتبات الأوروبية في بواكير عصر الاستعمار والاستشراق، بعد أن خرجت من حوزة ملاكها الأصليين بطرق شرعية وأخرى غير شرعية.
ورغم رواج طباعة الكتب في الأوساط الأوروبية في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، فإن تقنية الطباعة لم تدخل إلى العالم الإسلامي على الفور.
ما يُعرف بـ عصر النهضة العربي، هي أن هذا العصر قد شهد موجةً غير مسبوقة من إحياء كتب التراث الإسلامي، حتى إن قرَّاء ذلك العصر -الذي يُدرس غالبًا من جهة تأثُّره بالثقافة الحديثة وجدالاتها- كانوا أعرفَ بالتراث وأوثقَ اتصالًا بجوانبه المتنوِّعة من التقليديين الذين عاشوا قبل ذلك بقرنٍ أو قرنَيْن.
وإن أردنا التبسيط، فهذا كتاب عن تاريخ الكتب، وعن رحلة المخطوطات المنسيَّة إلى المكتبات العامَّة، وعن إعادة اكتشاف كلاسيكيات التراث العربي بالأخص؛
فهو أيضًا تأريخ للتحولات الفكرية والاجتماعية والمؤسسية التي صاحبت إعادة الاكتشاف هذه.
أما مؤلف هذا الكتاب فهو البروفيسور أحمد الشمسي، الأستاذ المشارك في جامعة شيكاغو، والمتخصِّص في تاريخ الفكر الإسلامي، وفي تطوُّر مدارسه العلمية وتياراته الثقافية، بالإضافة إلى اهتمامه الخاص بالتاريخ الفكري والاجتماعي لتطور الفقه الإسلامي.
ينبع اهتمام مركز نهوض للبحوث والدراسات بترجمة هذا الكتاب ونشره من اهتمامه الأكيد بتحولات الفكر العربي في بواكير العصر الحديث، وإبراز صيغ العلاقة بالتراث والحداثة في سياق التحولات التاريخية والاجتماعية والفكرية التي شهدتها الحواضر العربية والمسلمة في القرون الماضية.
يتناول هذا الكتاب أَثَرَ ظهور الكتاب المطبوع في الثقافة التي كانت تقوم على الكتاب المخطوط، في العالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر، والكيفية التي أثّر بها ظهور المحقق في التقاليد الفكرية آنذاك.
فيعرض طيفًا من الحياة الثقافية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويتناول أثر المدرسية ، وكتب الحواشي والشروحات التي غلبت عليها في العصر الحديث، وكذلك الكيفية التي أدت بها الباطنية والمعرفة اللدنية إلى فقدان كتب التراث.
وفي أثناء ذلك التناول، يستعرض المؤلف تلك الكيفية التي تأتَّى بها مجموعة صغيرة من المحققين والمفكرين إعادة تذكير العالم الإسلامي بتراثه المنسيّ، واستغلالهم الطباعة أداةً لهم في نشر هذا التراث.
فقد كتب علماء مثل: المرتضى الزبيدي، ومحمد الشوكاني، وشاه ولي الله، وكثيرون غيرهم في القرنَيْن الثامن عشر والتاسع عشر، مُصنَّفاتٍ مهمَّة لا تُعوِزُها الأصالة، في مجالاتٍ مثل المنطق واللغة وغيرهما.
كما تطرَّق المؤلف إلى سيادة كتب الشروحات والحواشي في العصر الحديث على المتون في المناهج المدرسية؛ الأمر الذي أدى إلى تضييق الآفاق الفكرية في الأوساط العلمية الإسلامية إلى حدٍّ كبير.
وعلى صعيد آخر، ساعد الاتجاه الباطني المتنامي -الذي روَّج للتنوير الروحي بوصفه الشكل الأسمى لاكتساب العلم – على تسريع وتيرة تهميش التراث واغترابه؛
فقد انتشرت المعتقدات الصوفية التي قضت بأن الكشف يقود صاحبه إلى الحقيقة، ومن ثَمَّ فإن دراسة الكتب لا تعدو كونها مجرّد علم سطحي.
وبالإضافة إلى ذلك، افتقرت المكتبات في العالم الإسلامي – التي كانت تعاني بالفعل نقصًا حادًّا في التمويل – إلى نظام لحفظ المخطوطات وصيانتها وتأمينها.
كما لعب تأخُّر المسلمين في إدخال تقنية الطباعة دورًا سلبيًّا في هذا الصدد أيضًا.
وزاد بحث الأوروبيين المحموم عن كتب التراث الإسلامي – للاتجار فيها مقابل مبالغ باهظة كان هواة جمع الكتب والمكتبات الخاصة في الغرب على استعدادٍ لدفعها- الطين بلّةً.
والمحصلة أن النسيان قد طوى أمهات الكتب في الفقه والعقيدة والفلسفة واللغة والتصوف والتاريخ، فأضحت أسماء من غير مسميات على حدٍّ تعبير الجبرتي.
ولولا الجهود المُضنية التي بذلتها تلك الثلَّة الصغيرة من المثقفين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والوقت الذي أنفقوه في تعقُّب المخطوطات التي نجت من صروف الدهر، والعمل المضني الدؤوب على طباعتها ونشرها على الملا بأعداد كبيرة، لفَقَد العالم الإسلامي -يقينًا- جزءًا ثمينًا من تراثه العظيم بلا شكّ.
كما كان عليهم تعقُّب المخطوطات، وانتساخها – في زمن افتقر إلى فهارس المكتبات، وتقنيات التصوير الضوئي – فكان عليهم تجميع المخطوطات الكاملة متعدِّدة الأجزاء من الشذرات المتناثرة هنا وهناك، ثم العمل المضني على فكِّ رموز نصوصها، وفهم معانيها دون معاودة المعاجم وأمهات الكتب التي لم تكن متوفرةً لديهم بطبيعة الحال.
وكذلك تناول تلك الكيفية التي أدت بها جهودهم المضنية إلى تهميش التقليد الضيق المتمثّل في كتب الشروحات في العصر الحديث، والخروج إلى آفاقٍ أرحب من ذي قبل من خلال مصنفات التراث المطبوعة في المقام الأول – التي بِتنا نعدُّها اليوم أمهات الكتب في التراث الإسلامي – الأمر الذي أدى إلى حدوث تحول كبيرٍ في التقليد الفكري العربي الإسلامي.
بل كان يدور بين المدرسيين التقليديين، والإصلاحيين المجددين، الذين لقبوا بـ السلفيين في الأدبيات العلمية. والمفارقة أن كلا الفريقَيْن المتصارعَيْن كان يحمل لواء التراث، ويلوذ به، ويدافع عنه باستماتة.
منذ ما يربو على ألف عامٍ، كَتَب أبو حامد الغزالي:
أرأيتَ لو نقَصَ من الإنسان من هذه الصفات الحفظُ وحده؟ كيف يكون حالُه؟ وكان لا يحفظُ حينئذٍ ما له وما عليه، وما أصدَرَ وما أورَدَ، وما أعطَى وما أخَذ، وما رأى وما سمِع، وما قالَ وما قِيلَ له، ولم يَذكُر مَن أحسَن إليه ولا مَن أساء إليه، ولا مَن نفعَه ممَّن ضرَّه، وكان لا يهتدي الطريقَ لو سَلَكَه، ولا لِعلمٍ ولو درَسَه، ولا ينتفعُ بتحريرِه، ولا يستطيعُ أن يعتبرَ بمَن مَضى… وأعجَبُ من نعمةِ الحفظِ نعمةُ النسيان؛ فلولا النسيانُ ما سَلا الإنسانُ عن مُصيبتِه، فكان لا ينقُصُ له حسرةٌ ولا يذهَبُ عنه حقدٌ .
لكنه أشار أيضًا إلى أن الكتابة لها دور في امتداد الذاكرة الفردية عبر الزمن وعبر الأجيال إلى المجتمع بأكمله. فقد كَتَب قائلًا:
وكذلك نعمةُ الكتابةِ التي تُقيّدُ أخبارَ الماضين للباقين، وأخبارَ الباقين للآتين، وبها تخلُدُ في الكتبِ العلومُ والآدابُ، ويَعلَمُ الناسُ ذِكرَ ما يجري بينهم في الحساب والمعاملات، ولولا الكتابةُ لانقطَعَت أخبارُ بعضِ الأزمنةِ عن بعض، ودرَسَت العلومُ وضاعت الفضائلُ والآدابُ .
فيلم كوكو وفكرة انتقال الأفكار من شخص لآخر بشكل مُباشر
فإن لم تنتقل المعلومة أو الفكرة إلى شخصٍ آخر، ضاعت إلى الأبد.
يروي كتابي هذا إعادة اكتشاف التراث الإسلامي قصةَ إعادة إحياء التراث الإسلامي المكتوب بالعربية من خلال الطباعة في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين، ويحكي عن المُحققين الذين عملوا خلف الكواليس لإنجاز هذا المسعى، والتحديات الجسام التي واجهتهم خلال عملهم في تلك المشروعات، وكيف أدَّت هذه العملية إلى تغييراتٍ في رؤيتنا للتراث الفكري الإسلامي.
وقد أردتُ بكتابتي هذا الكتاب تخليدَ هذا الإنجاز الثقافي الذي غالبًا ما يتعرَّض للنسيان، وإحياء ذكرى هؤلاء العلماء والمثقفين والناشرين الذين أنجزوه.
اكتشاف مفاجئ؛ إنه مخطوط في الفقه الإسلامي، كَتَبه عالم مصري يُدعى أبو يعقوب البويطي قبل ١٢٠٠ عام، وهو مخطوط ذكرت بعض المنشورات الأكاديمية الحديثة أنه مفقود.
كان يبدو أنه دراسة كاملة لأهم المسائل في الفقه الإسلامي، تتضمَّن مناقشةً منهجيةً حول كيفية قراءة النصوص الشرعية وتفسيرها، وهو ما قد يجعله واحدًا من أقدم الكتب التي يُعثر عليها في هذا المجال.
عندما وجدتُ نسخة مخطوط ثانية للكتاب نفسه في مكتبة السليمانية بإستانبول، وهي نسخة انتُسخت عام ١٢٢٨م (الموافق ٦٢٥ه)، ولكن أضيف إلى صفحتها الأخيرة – في وقت لاحق – ملاحظة قصيرة، وهي: كتبه العبد الفقير إلى ربه عبد الرؤوف من قازان في اليوم السابع من [شهر] جمادى الآخرة ١٣٢٥ه [١٨ يوليو ١٩٠٧م] .
وهكذا تبيَّن أن مخطوط القاهرة هو نسخة من مخطوط إستانبول، ولكن ما الذي جعل مخطوطًا أُلَّف في مصر يصل إلى إستانبول، وكيف وجدت نسخته طريقَها للعودة إلى القاهرة؟
على هامش نسخة القاهرة ختمًا لمالكها، باسم أحمد بك الحسيني. وبعد شيء من البحث، اتضح أن الحسيني كان محاميًا مصريًّا، توفي عام ١٩١٤، وكان يمتلك مجموعة كبيرة من المخطوطات، وأنه سافر إلى إستانبول من أجل الحصول على النصّ الذي عثرتُ عليه في القاهرة.
حتى قابلني اسمه بشكل مفاجئ في فهرست بطاقات دار الكتب المصرية، في اسم مؤلف لكتاب مخطوط يقع في أربعة وعشرين مجلدًا، يحمل عنوانًا غريبًا هو: مرشد الأنام لبر أم الإمام ، ولشدَّة فضولي طلبت المجلد الأول، وقضيت بقية اليوم أقرأ مقدمة الحسيني المطوَّلة، وبحلول المساء أدركتُ أنني في يوم من الأيام، سأكتب الكتاب الذي بين يديك الآن.
فيمكن مثلا الحصول بسهولة على كتاب سيبويه (من أهل القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي) في النحو، أو المقالات للأشعري (من أهل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (من أهل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، أو قوت القلوب [لأبي طالب] المكي (من أهل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، أو الرسالة للشافعي (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي)، أو مقدمة ابن خلدون (من أهل القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي) في علم الاجتماع، وهي الأعمال نفسها التي أدرّسها الآن في صفوفي، باسم كتب العالم الإسلامي العظيمة .
مما دفعه إلى السعي لجمع أمهات الكتب في المذهب الشافعي الذي ينتمي إليه، ثم سعى بعد ذلك إلى إعادة إخراجها لمعاصريه على هيئة شرح ملفَّق ومستفيض على كتاب الأُم للشافعي(٣).
(٣) لعلنا إن أطلقنا على كتاب الحسيني عنوان مرشد الأنام إلى بر كتاب الأم للشافعي يكون ذلك أقرب لفهم مقصوده.
فإن الحسيني له الفضل في ترتيب وتمويل نشر كتاب الأم، الذي طُبع في سبع مجلدات، بين عامي ١٩٠٣-١٩٠٨م، وهو وقت مبكّر للغاية إن قارنَّاه بتاريخ طبع أمهات الفقه في المذاهب الأخرى. وقد أصبح كتاب الأم بعدها العدسة التي ينظر من خلالها المستشرقون الغربيون -مثل جوزيف شاخت- إلى تاريخ نشأة التشريع الإسلامي؛ لِما يحتويه من معلومات ثريَّة عن الآراء والنقاشات الفقهية في عصر الشافعي(٥).
(٥) انظر: Schacht, Origins of Muhammadan Jurisprudence.
وأدركتُ أنني كنت مخطئًا في افتراض أن كتب التراث الإسلامي التي حُقِّقت وطُبعت تدريجيًّا تعكس بشكل طبيعي حقيقة الفكر الإسلامي التقليدي.
ففقهاء الشافعية أنفسهم قبل قرن أو قرنَيْن لم يكونوا يرون أيَّ حاجة إلى قراءة ما كَتَبه الإمام الشافعي لكي يُعَدَّ أحدهم إمامًا في مذهبه.
فكثير من هذه الأعمال التي كانت منسيَّة لمدَّة طويلة احتاج نشرها – بشكل كامل ودقيق نسبيَّا- إلى تسخير مجموعة كبيرة من الموارد المالية والتنظيمية، إلى جانب المراجع اللغوية، وكذا إنفاق قدر كبير من الوقت، والالتزام التام. ولكن مَنْ سهر على ذلك والتزم به؟ وما الهدف من ذلك؟ هذه هي الأسئلة التي يسعى هذا الكتاب للإجابة عنها،
وكذا تسليط الضوء على قصص أولئك الأشخاص الذين أحدثوا هذا التغيُّر، والذين ما زالوا مجهولين حتى الآن. لقد عمل هؤلاء الأشخاص على جمع مخطوطات الكتب، وإحياء الكتابات والأفكار المنسيَّة، التي رأوا أنها يمكن أن تُسهم في بعث الثقافة الإسلامية والعربية من جديد، كما أسَّسوا مؤسسات مُكرَّسة للحفاظ على ما اكتشفوه ونشره، وعملوا على تطوير مناهج ونُظُم تحقيق ونشر، لعبت دورًا أساسيًّا في موجة طباعة كتب التراث، التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر.
لقد كان على الجميع أن يتجاوزوا تحديات هائلة، فَرَضتها قرون من الإهمال الثقافي لكتب التراث؛ كتحديد مواقع المخطوطات والحصول عليها في غياب الفهارس، وجمع شتات المخطوطات المتناثرة بعضها إلى بعضها، للحصول على نسخ كاملة.
كان إحياء كتب التراث من خلال الطباعة جزءًا من مجموعة أوسع من التغيرات الاجتماعية والثقافية آنذاك، وهي ما يطلق عليها غالبًا اسم النهضة ،
أرادوا الاعتماد على كتب التراث القديمة من أجل تقويض الفكر الإسلامي التقليدي، الذي كان سائدًا في العصر الحديث، وهو فكر كانوا يرونه مقيدًا وجامدًا، وكذلك من أجل إعادة بناء ساحة علمية يمكن أن تكون أساسًا لحداثة أصيلة.
الأشخاص أهمّ من التقنية، الـ AI مثال العصر الحالي
إن تركيزي على الأشخاص الذين كانوا وراء هذا التغيير الثقافي يعكس قناعتي بأن تقنية الطباعة لم تكن سببًا في التغيير بقدر ما كانت وسطًا ووسيلةً له. أعارض الفرضية التي تمنح الأولوية للتقنية، متجاوزة عنصر الأشخاص.
فإن هذا الكتاب يروي قصص أولئك الناس الذين سخَّروا إمكانات الطباعة المتعدِّدة الاتجاهات لتعزيز خططهم المتنوّعة، كما يوضّح كيف أن طباعة كتب التراث، التي جرى استكشافها -إلى جانب مجموعة من الظواهر الأخرى المرتبطة بها، مثل إعادة الاعتبار للغة العربية الفصحى، وتأسيس المكتبات الحديثة- حوَّلت مشهد الفكر الإسلامي في القرنَيْن التاسع عشر وأوائل العشرين بشكل دائم.
يبدأ موضوع هذا الكتاب في أوائل القرن التاسع عشر، عندما كانت ثقافة تداول الكتاب العربي الإسلامي لا تزال في معظمها عن طريق المخطوطات.
ألخّص في الفصل الأول العواملَ الرئيسة التي أعاقت توفر مثل هذه الكتب، ولا سيما النقص الهائل الذي شهدته المكتبات التقليدية، وشَرَه هواة جمع الكتب العربية من الأوروبيين وإمكاناتهم المالية الكبيرة.
أما الفصل الثاني، فيبحث في أسباب قلَّة اهتمام العرب والمسلمين بهذه الكتب: فقد كانت الأوساط العلمية السائدة في العصر الحديث تفضِّل كتب شروح المتون على كتب المتقدمين، كما قوَّض التأثير المتزايد للتصوف الباطني قبضةَ التعلُّم المستند إلى الكتب على نحو كامل.
ويصف الفصل الثالث نشأة صناعة الطباعة العربية، وما أوجدته من فرص جديدة لنشر الأفكار والكتب، سواء كانت أصيلة أو جديدة.
ويتطرق الفصل الرابع إلى نخبة بارزة من المُولعين بالكتب، مثل عبد الصمد نافع، وأحمد تيمور الذي أدى حماسه لكتب التراث – إلى جانب مكانته الاجتماعية ويُسْر حاله- إلى اكتشاف كتب تراثية مفقودة منذ فترة طويلة.
وبعد انطلاق عجلة حركة نشر النصوص التراثية وتمكُّنها من المضي قدمًا، ظهرت وظيفة المحقق، وهي وظيفة ثقافية جديدة، نشأت بسبب تحديات إعادة جمع النصوص من المخطوطات المتفرقة والتالفة، على يد أحمد زكي [باشا]، على النحو الموصوف في الفصل الخامس من هذا الكتاب.
يناقش الفصل السادس أنشطة طاهر الجزائري ومحمد عبده في التحقيق والنشر، وكلاهما آمن بقوة فصاحة اللسان، وأهمية كتب الأخلاق في مشروع تهذيب المجتمع.
وأقدِّم في الفصل السابع مجموعةً من الإصلاحيين الآخرين الأقل شهرة – مثل جمال الدين القاسمي، ومحمود شكري الآلوسي- الذين شكَّلوا شبكةً عابرةً للحدود من الأشخاص المتقاربين في التفكير، والذين كرسوا حياتهم لإنقاذ كتب التراث من النسيان.
وتُظهر الكتب التي اختاروها للنشر هدفَهم المتمثل في تحدي الأوساط العلمية السائدة في العصر الحديث، من جهتَي المنهجية والموضوع على حدٍّ سواء.
وقد وجد تركيزهم على الموضوعية وتقييم المواقف على أساس قوة الأدلَّة صدّى في الخطاب النامي لنقد النصوص، الذي يناقشه الفصل الثامن، حيث نشهد علماء في نقد النص -مثل محمود [محمد] شاكر، وأحمد [محمد] شاكر – يخوضون في قضايا الصحَّة والأصالة في مجابهة الإرث المعقَّد للاستشراق، في ظل الهيمنة الأوروبية في السياسة والاقتصاد.
فالمراد بـ الإصلاحي هنا هو أيُّ شخص يسعى إلى إصلاح شيء ما، وليس بالضرورة أن يكون تقدميًّا.
و النزعة المدرسية هي ببساطة وصف لطريقة معيَّنة في التفقه والتعلّم دون أي تعريض مبطن كما هو الحال في بعض الأحيان.
فكر العصر الحديث ، وأهم ميزات هذا الفكر هي تهميش كتب التراث.
الهدف من هذا الكتاب هو تتبُّع تطور خطابات العلماء المسلمين.
الفصل الأول: الكُتُب المنسِيَّة
إن الأمر اللافت للنظر في هذا التراث، هو حجمه أولًا، حيث يضمُّ ملايين الكتب، وإن كان معظمها قد استسلم – بمرور الوقت- لألدّ أعداء الكلمة المكتوبة؛ أَلَا وهي الرطوبة والنار والحروب والأَرَضة والحظر.
التُّراث الإسلامي بالمُقارنة مع التُّراث اليوناني واللاتيني القديم
فعدد المخطوطات التي نجت من الحقبة الواقعة بين عامي ٧٠٠-١٤٠٠م -على سبيل المثال- إلى يومنا هذا، يُقدَّر بستمائة ألف مخطوط(١). وبناءً عليه، فإن حجم مجموعة كتب التراث العربية الباقية يفوق ما تبقى من الكتب اليونانية واللاتينية مجتمعة، بأضعاف(٢).
(١) Bloom, Paper before Print, 93.
(٢) انظر: Romanov, “Algorithmic Analysis,” S245; Belinkov et al.
السمة الثانية اللافتة في هذا التراث، فهي الاستمرارية في استخدام لغة الكتابة نفسها.
نجد أن اللغة العربية الفصحى لم تشهد سوى تغيير محدود منذ أن دُوّن القرآن في القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي. ونتيجةً لذلك، يستطيع المتعلم العربي اليوم قراءةَ الكتب المكتوبة وفَهْمَها على امتداد تلك الحقبة.
وأخيرًا، لا يتميز هذا التراث بُعْده الزماني فحسب، بل يمتاز أيضًا ببُعْده الجغرافي، حيث يمتدُّ ويربط منطقة جغرافية هائلة، ينتشر بها عدد لا يُحصى من اللهجات المحلية، من منطقة الفولغا شمالا، إلى الصحراء الكبرى في إفريقيا جنوبًا، ومن إسبانيا وموريتانيا غربًا، إلى آسيا الوسطى والهند شرقًا.
يسهُل تقسيم تاريخ ثقافة الكتاب العربي الإسلامي إلى مرحلتَيْن بسيطتَيْن: المخطوط والمطبوع.
فلو افترضنا -مثلا- أن شخصًا من بغداد في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، أو من دمشق في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، استطاع أن ينتقل زمنيًّا إلى أوائل القرن التاسع عشر في الشرق الأوسط، فإنه سيجد أن عددًا كبيرًا من سمات الوسط العلمي هناك مألوفٌ لديه. فما زالت هناك حلق طلاب العلم حول المعلمين، في ساحات المساجد الموقوفة والمدارس وأروقتها، يدرسون وينسخون الكتب المرقومة بخط اليد، مستخدمين الطرائق العتيقة في التلقي والتلقين المباشرين.
ولكن الشيء الذي من شأنه أن يشدَّ انتباه هذا الزائر المفترض، هو النقص الهائل في الكتب المتوفرة. ففي حين أن بغداد ودمشق في القرون الوسطى – شأنها في ذلك شأن القاهرة وحلب وغيرها من المدن العربية-كانت لديها ثروة من المكتبات المزدهرة الموجودة في المساجد والمدارس الدينية وزوايا الصوفية والمدعمة ماليًا من خلال الأوقاف الدائمة، فإن معظم هذه المؤسسات في المشرق العربي في القرن التاسع عشر أضحت مجرَّد ذكرياتٍ لما كانت عليه، أو اختفت تمامًا من الوجود، ولم تعُد محتوياتها متاحةً للعلماء أو العامَّة، ولم يبقَ غير صدى عظمة التراث البالي.
وقد اعترف المؤرخ المصري الجبرتي (١٧٥٤-١٨٢٢ أو ١٨٢٥م) بذلك، فبعد أن بدأ كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار بسرد مجموعة من كنوز كتب التاريخ، قال:
قلت: وهذه صارت أسماء من غير مسميات؛ فإنَّا لم نَرَ من ذلك إلا بعض أجزاء بقيت في بعض خزائن كتب الأوقاف بالمدارس، مما تداولته أيدي الصحافيين وباعها القومة والمباشرون، ونُقلت إلى بلاد المغرب والسودان، ثم ذهبت بقايا البقايا في الفتن والحروب، وأخذ الفرنسيس ما وجدوه إلى بلادهم (٣).
(٣) الجبرتي، عجائب الآثار (نشرة بولاق)، ج ١، ص٦.
ذكر الرحالة الفرنسي قسطنطين فرانسوا دي تشاسيبوف (Constantin Fran ois) (١٧٥٧-١٨٢٠م)، في رحلاته في مصر وسوريا في ثمانينيات القرن الثامن عشر، أن الكتب بكل أنواعها نادرة للغاية، والسبب في ذلك جليّ؛ فالكتب في هذه البلدان مخطوطة، وكتابتها بالطبع بطيئة وصعبة ومُكلّفة، والعمل فيها لعدَّة أشهر لا ينتج سوى نسخة واحدة (٤).
(٤) Chasseb uf, Travels through Syria and Egypt, 2:450.
غير أن فرضية تشاسيبوف هذه بأن ندرة الكتب العربية تعود بشكل طبيعي إلى صعوبة إنتاج المخطوطات غير صحيحة.
وقد فسَّر كاترمير انهيار عالم الكتاب بالإشارة إلى سلسلة من الكوارث، من حروب وحرائق دمَّرت المكتبات الواسعة في العصر القديم، وبخاصة الدمار الذي أحدثه المغول في مكتبات بغداد عام ١٢٥٨م(٦).
(٦) Quatrem re, “M moire sur le go t des livres chez les Orientaux.
لقد تمكِّن واقع الهيمنة السياسية والاقتصادية الأوروبية في القرن التاسع عشر من بسطِ نفوذٍ مطلقٍ في مركز التعليم والإنتاج العلمي الإسلامي،
ولكنها مثَّلت أيضًا مخزنًا لموروث علمي ثقافي لا يزال مجهولًا إلى حدٍّ كبير. فقد تمكَّن المستشرقون الذين رافقوا نابليون في غزوه لمصر، في عام ١٧٩٨م، وكذلك جامعو الكتب، الذين كانوا في الغالب إداريين، أو قناصل للمستعمر، أو متعاونين معهم، تمكَّنوا من جمع ثروات هائلة، وتحقيق مسيرة مهنية ناجحة، من خلال استحواذٍ منهجيٍّ واسع النطاق على المخطوطات العربية، لصالح مكتبات أوروبا، ثم أمريكا الشمالية(٧).
(٧) للمزيد عن جامعي الكتب العربية من الأوروبيين في القرنَيْن السابع عشر والثامن عشر، انظر: Bevilacqua, Republic of Arabic Letters. ولكن هؤلاء مجرَّد هواة مقارنة بأقرانهم المتأخرين، انظر – على سبيل المثال – وصف طريقة عمل بول لوكاس (١٦٦٤-١٧٣٧م) في Dyab, D’Alep Paris.
فعندما وصل الطبيب الألماني أولريش جاسبر سيتزن (Ulrich Jasper) (١٧٦٧-١٨١١م)-وهو مغامر ومستشرق هاو – إلى القاهرة عام ١٨٠٧م، شرع في القيام بما فعله سابقًا في الأناضول وسوريا، وهو شراء أكبر عدد ممكن من المخطوطات العربية، وإرسالها إلى سيّده، الأمير أوجست (August) في إمارة غوتا الألمانية، الذي أنشأ واحدةً من أكبر مجموعات المخطوطات العربية في أوروبا(٩).
(٩) Pertsch, Die orientalischen Handschriften der herzoglichen Bibliothek zu Gotha.
ولكن سيتزن لاحظ أن حصوله على المخطوطات واجه صعوبة أكبر مما كنت أتوقع، فهناك أحد عشر بائعًا للكتب في سوق الخليلي، وهو أكثر مما في حلب، ولكنهم يزعمون أن الفرنسيين أخذوا جميع المخطوطات، وأن سعر المخطوطات التي لا تزال متاحةً أصبح مكلفًا للغاية بسبب ندرتها (١٠).
(١٠) Seetzen, Reisen, 3:165.
فقد اعتنى جان جوزيف مارسيل (Jean-Joseph) (١٧٧٦-١٨٥٦م)-المتخصص في اللغة العربية، والمسؤول عن المطبعة والمطبوعات العربية التي أنتجتها الحملة الفرنسية- بجمع المخطوطات التي عثر عليها في المباني التي دمَّرها الفرنسيون، ومن بينها جزء من الجامع الأزهر الذي قصفته المدفعية الفرنسية. كما أخذ من المسجد المركزي في القاهرة القديمة (الفسطاط) أجزاءً ثمينةً لمخطوطات تُعَدُّ من أقدم المصاحف الباقية(١١).
(١١) هذه الأجزاء من المخطوطات موجودة الآن في سان بطرسبرغ، وهي جزء من المجموعة المدروسة في: D roche, La transmission crite du Coran.
ولكن على الرغم مما ذكر من أن الفرنسيين أخذوا من المباني التي دُمرت في القتال حمولة ثلاثين بعيرًا من المخطوطات، فقد تمكَّن سيتزن من الحصول على ١٥٧٤ مخطوطة وإرسالها في أقل من عامَيْن(١٢) (ولإيضاح الصورة: فإن دار الكتب المصرية في أوائل القرن العشرين، وبعد عقود من الاستحواذ المنهجي على المخطوطات، كانت لا تزال تمتلك أقل من ٢٠,٠٠٠ مخطوطة)(١٣).
(١٢) Seetzen, Reisen, 3:386, 1:xli.
(١٣) سيد، دار الكتب المصرية، ص٣١.
كان سيتزن متخصصًا في جمع المخطوطات خبيرًا في ذلك؛ فعند زيارته لجامع عمرو في الفسطاط، وجد المزيد من شذرات المصاحف القديمة التي كان مارسيل قد أخذ جزءًا كبيرًا منها لمتحفه الشرقي الصغير (١٥). وعلى الفور، أدرك سيتزن قدمها، فحاول رشوة قيّمات المسجد للسماح له بسرقتها، وعندما رفضن ذلك بسبب أنها جزء من وقف المسجد، عزى رفضهنَّ إلى تعصبهنَّ الديني(١٦).
(١٥) D roche, La transmission crite du Coran, 11.
(١٦) Seetzen, Reisen, 3:389-90.
وقد استخدم جان لوي أسيلين دي شرفيل (Jean Louis Asselin de Cherville) نفوذَه السياسي للحصول على بقايا المخطوطات، بعدما نُبُّه إلى وجود أجزاء ثمينة منها، وقد انتهى المطاف بهذه الأجزاء بعد وفاته إلى ما يُعرف الآن بالمكتبة الوطنية (Biblioth que nationale de France) الفرنسية بباريس(١٨).
(١٨) D roche, La transmission crite du Coran, 14; Deh rain, “Asselin de Cherville.”
ومن المُسهمين المهمّين فيما تمتلكه المكتبة الوطنية الفرنسية من المخطوطات العربية: تشارلز هنري أوغست شيفر (Charles-Henri-Auguste Schefer) (١٨٢٠-١٨٩٨م)(١٩). حيث خدم شيفر بين عامي ١٨٤٣-١٨٥٧ م في السلك الدبلوماسي الفرنسي في عددٍ كبيرٍ من دول الشرق الأوسط، تمكَّن خلالها من جمع أكثر من ٨٠٠ مخطوطة بالعربية والفارسية والتركية، انتهى مطاف ٢٥٠ مخطوطة عربية منها في المكتبة الوطنية الفرنسية، ويُعَدُّ بعضها من أنفس المخطوطات العربية المعروفة، مثل نسخة كتاب مقامات الحريري، التي كُتبت في القرن الثاني عشر(٢٠).
(١٩) انظر: Nasiri-Moghaddam, “Schefer.”
(٢٠) Paris: Biblioth que nationale de France, Arabe 5847.
ويطابق هذا الاستيلاء الواسع النطاق على المخطوطات العربية من قِبَل القوات الفرنسية في مصر أعمال السلب التي قام بها البريطانيون في مكتبة المغول الإمبراطورية، في الهند عام ١٨٥٨م. فقد جرى أخذ أكثر من ٢٩٠٠ مخطوطة من المكتبة، بينها ٢٠٠ مخطوط فريد، وضمّها إلى مكتبة مكتب الهند (هي اليوم جزء من المكتبة البريطانية)(٢١).
(٢١) Sims-Williams, “Arabic and Persian Collections of the India Office Library,” 50; Seyller, “Inspection and Valuation of Manuscripts”; Mufti, Forget English!, 41-51.
ويُعَدُّ يَوهان غوتفريد فيتزشتاين (Johann Gottfried Wetzstein) (١٨١٥-١٩٠٥م) مثالًا جيدًا على ذلك، فبعد دراسته للاهوت البروتستانتي واللغات السامية في ليبتسج على يد هاينريش ليبرشت فلايشر في برلين، ثم عمل قنصلا لبروسيا في دمشق، بين عامي ١٨٤٩-١٨٦١م، وخلال فترة عمله، اشترى أكثر من ٢٥٠٠ مخطوطة، باعها بعد ذلك للمكتبة الملكية في برلين ومكتبة الجامعة في توبنغن(٢٢).
(٢٢) Klemm, Refaiya 1853, 21.
لقد أحدث تدفُّق عشرات الآلاف من المخطوطات العربية خارج العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر فرقًا كبيرًا في وسط الكتابة العربية. وقد لاحظ المستشرق المجري إجناز جولدتسيهر (Ignaz Goldziher) (١٨٥٠-١٩٢١م) عام ١٨٧٤م، بعد إقامة طويلة في الشرق الأوسط وعودته إلى أوروبا، أن:
المخطوطات القيِّمة والمفيدة بحقٍّ تتزايد ندرتها في أسواق الكتب العربية؛ لأن الأوروبيين المولعين بجمع الكتب نقلوها شيئًا فشيئًا لضمِّها إلى مجموعات الكتب الضخمة في أوروبا؛ ولهذا ينبغي أن نبحث عن المخطوطات ذات الأهمية العلمية – العربية منها على الأقل- في المتحف البريطاني أو المكتب الهندي في لندن، أو في بودليان في أكسفورد، أو في رفاعية في ليبتسج، أو في ليغاتوم وارنريانوم Legatum Warnerianum في ليدن، أو في مجموعات شبرنجر-فيتزشتاين Sprenger-Wetzstein و بيترمان Petermann في برلين، بدلا من مكانها الأصلي. لقد نقلت المنافسة الأوروبية الشديدة في المعرفة – إلى جانب السخاء في الإنفاق- أقدمَ مصادر فقه اللغة العربية والعلوم الإسلامية وأهمَّها من وطنها الأصلي إلى [أوروبا]، حيث وجدت هذه الدراسات وطنًا جديدًا في العقود الماضية (٢٧).
(٢٧) Mestyan, “Ign c Goldziher’s Report,” 454.
ولمَّا كان البحث الأوروبي ثم الأمريكي عن المخطوطات العربية يسعى وراء أقدم المخطوطات المتاحة خاصَة، وهي التي لم يتبق منها سوى نسخ قليلة، فإن هذا السعي والنفوذ المالي والسياسي الذي كان وراءه، كل ذلك أدى إلى استنزافٍ كبيرٍ لكتب التراث(٢٨).
(٢٨) انتبه محمد راغب الطباخ أيضًا، سنة ١٩٣٧م، لدور المكتبات الأوروبية في استنزاف مخطوطات العالم العربي، وذلك في مقاله دار الكتب في حلب قديمًا وحديثًا .
لا بدَّ أن الاستشراق -بوصفه محاولةً منهجيةً لمعرفة تاريخ وأفكار المجتمعات المتعلمة خارج أوروبا- كان يبدو شيئًا مدهشًا وغريبًا بلا هدف في الوقت نفسِه بالنسبة إلى أشخاص مثل الميقاتي.
بالطبع، كان هناك مبشرون من عدَّة طوائف مسيحية سعوا إلى كسب أتباع من المسلمين، ومن ثَمَّ كان لديهم مصلحة أساسية في الفكر الإسلامي، ولكن من المؤكَّد أن معظم جامعي الكتب من المستشرقين لم يكونوا من المنتمين إلى هذه الفئة.
ففي عام ١٨٥٣م، حدَّد النمساوي ألويس شبرنجر (Aloys Sprenger) (١٨١٣-١٨٩٣م) – أحد أكثر الأوروبيين شراهةً في جمع الكتب، والذي أصبحت مجموعته المهمَّة من المخطوطات الآن جزءًا من مكتبة Staatsbibliothek في برلين – الأساس المنطقي لجمع الكتب العربية قائلًا:
قبل قرن أو قرنَيْن من الزمان، اعتقد الناس أنهم لو كان بإمكانهم فهم لغة الطيور، فإن هذه الطيور الزاهدة سوف تكشف لهم عن مخابئ الكنوز، وتعلِّمهم أسرار الطبيعة، وتفسِّر لهم أهم التساؤلات المتعلِّقة بالوجود، وعلى هذا المنوال سار بعض الأشخاص فظنوا أن كل علمٍ تحت الشمس محبوس داخل تلك المخطوطات الشرقية القديمة الجليلة الشكل. وقد نقب كلٌّ من علماء الطبيعة والمستشرقين في مجالاتهم الخاصة بهم، فما وجدوا شيئًا من الكنوز، ولكن كلا الطرفين جعل التربة خصبةً. فعلى الرغم من أن علماء الطبيعة لم يتعلموا أيَّ سِر من أحاديث الطيور، فإنهم أسَّسوا علمًا نبيلًا من خلال تشريح أجسادها ودراستها، والمقارنة بين وظائف أعضائها، ومراقبة عاداتها، ومتابعة توزيعها الجغرافي.
والإنسان أنبل من الطيور وأحقُّ منها بالدراسة، وفلسفة التاريخ أعلى مرتبةً في البحث من فلسفة الطبيعة، فمعرفة أدب الشرق تظهر لنا الإنسان متجليًا في إبداعه الخاص، في ظل ظروف غامضة وخلال فترة أطول مما يظهره لنا الأدب الأوروبي (٣٠).
(٣٠) Sprenger, “Catalogues of Oriental Libraries,” 535.
فقد رأى جامعو الكتب هؤلاء في الكتب الشرقية مادة خامًا لبناء نسخة من الصرح الثقافي الإسلامي، محشوَّة ومُحنَّطة، من أجل وضعها في المتحف العقلي للفكر الأوروبي.
ومن العبارات التي يجترّها صيادو الكتب المستشرقون في العالم الإسلامي الادعاءُ بأنهم كانوا ينقذون المخطوطات التي كانت على وشك التلف، وكان ذلك بمثابة المعادل الأكاديمي لنظرية عبء الرجل الأبيض (White Man’s Burden)(٣١).
(٣١) نظرية عبء الرجل الأبيض: هي نظرية عنصرية راجت في أوروبا في القرن التاسع عشر، وتنصُّ على تفوُّق العِرق الأبيض على ما عداه من الأعراق. ومن ثَمَّ أناطت بعنق الرجل الأبيض مهام إكساب بقية الأعراق التنوير والحضارة والمدنية. وكانت هذه النظرية بمثابة الأساس الأخلاقي المبرر للاستعمار. (المترجم)
فإن واجب رعاية إرث أشقائنا الشرقيين يقع على عاتق الإنسان الأوروبي المستنير، وكل من وجد فرصةً يجب عليه أن يحافظ على أكبر عدد ممكن من الكتب الجيدة (٣٢).
(٣٢) Sprenger, Catalogue of the Bibliotheca Orientalis Sprengeriana, v.
كما روى جان جوزيف مارسيل بطولة إنقاذ المخطوطات العربية من النار التي نشبت في الجامع الأزهر، بعد أن قام مواطنوه من الجنود الفرنسيين بقصفه(٣٣)، وكيف قام في الفسطاط بإنقاذ مصحف مخطوط من الإهمال والرطوبة، على الرغم من أنه ظلَّ قيد الاستخدام في المكان نفسِه أكثر من ألف عام على الأرجح(٣٤).
(٣٣) تاجر، حركة الترجمة، ص١٥.
(٣٤) Tillier, review of D roche, La transmission crite du Coran, 112-13.
قصة إنقاذ المخطوطة السينائية، في مُقابل ادِّعاء إنقاذ المخطوطات الإسلامية!
وبطبيعة الحال، فإن موضوع الإنقاذ ليس خاصًا باقتناء المخطوطات العربية فحسب، فهو موجود أيضًا – على سبيل المثال – في الحكاية المذهلة التي ذكرها قسطنطين فون تشيندورف (Constantin von Tischendorf) عام ١٨٤٤ م عن إنقاذ المخطوطة السينائية Codex Sinaiticus(35) من الرهبان في مصر، وهي واحدة من أقدم نسخ العهد الجديد وأكثرها أصالةً، زاعمًا أنهم كانوا على وشك حرقها، رغم أنهم حرصوا على الحفاظ عليها مدَّة ١٥٠٠ سنة(٣٦)!
(٣٥) الكتاب السينائي أو المخطوطة السينائية: من أنفس نسخ العهد الجديد وأقدمها، أهداها قسطنطين إلى قيصر روسيا، ثم اشتراها المتحف البريطاني عقب قيام الثورة البلشفية بمبلغ ١٠٠ ألف جنيه إسترليني بعد أن فُتح باب التبرعات لاستكمال هذا المبلغ الذي كان آنذاك فوق طاقة المتحف. (المترجم)
(٣٦) Parker, Codex Sinaiticus, 130; Soskice, Sisters of Sinai, 119-22.
ولقد سبق لي أن أشرتُ إلى استعداد سيتزن وشيرفيل لسرقة المخطوطات من المكتبات الموقوفة (وقد أعرب سيتزن صراحةً عن استعداده لشراء الكتب المسروقة في رسالة إلى هامر بورجستال (Hammer-Purgstall)(٣٧). ثم إن وفرة أختام الأوقاف في المخطوطات المحفوظة في المكتبات الغربية تشير إلى أن قلَّة الوازع الأخلاقي لديهما لم تكن بأيِّ حال من الأحوال شيئًا استثنائيًّا.
(٣٧) Hammer-Purgstall, Erinnerungen und Briefe, 2:828.
وبالفعل، فقد ذكر المؤرخ السوري محمد كرد علي (١٨٧٦-١٩٥٣م) أن القنصل البروسي فيتزشتاين وظف وكيلا محليًا كان يقوم بسرقة الكتب من المكتبات الخاصة والموقوفة في دمشق بشكل منتظم(٣٨).
(٣٨) كرد علي، خطط الشام، ج ٦، ص١٩٣.
حالة العالم المصري أمين المدني الحلواني (المتوفى ١٨٩٨م)، … وتمكَّن المدني من بيع ٦٦٤ من مخطوطاته لدار بريل للنشر (Brill)(٣٩)، بعد وساطة الكونت السويدي كارلو لاندبرج (Carlo Landberg) (١٨٤٨-١٩٢٤م)، الذي كان خبيرا في تجارة المخطوطات. باعت بريل هذه المخطوطات فيما بعد لمكتبة جامعة ليدن، كما باعت ١١٧١ مخطوطة أخرى حصلت عليها من المدني لاحقًا لجامع الكتب الأمريكي روبرت غاريت (Robert Garrett) (١٨٧٥-١٩٦١م)، الذي تبرع بها لاحقًا لجامعة Princeton University برينستون(٤٠).
(٣٩) قائمة هذه المخطوطات موجودة في: Landberg, Catalogue de manuscrits arabes.
(٤٠) Hitti, Faris, and ‘Abd al-Malik, Descriptive Catalog of the Garrett Collection, ili.
إن المكتبات الأوروبية في القرن التاسع عشر كانت على استعدادٍ لدفع مبالغ مالية هائلة، لزيادة مجموعاتها من المخطوطات العربية، مما حوَّل عددًا كبيرًا من المستشرقين المذكورين سابقًا إلى أثرياء، فكان هذا حافزًا آخر بالإضافة إلى دوافعهم الأخرى.
سعي مكتبة ولاية بافاريا عام ١٨٥٨م إلى الحصول على مجموعة كتب المستشرق الفرنسي كواتريمر (Quatrem re)، التي كانت تتألَّف من ١٢٥٠ مخطوطة ونحو ٣٠ ألف كتاب مطبوع. ولتمويل عملية الشراء، باعت المكتبة جزءًا كبيرًا من مجموعتها الموجودة، ومن ضمنها نسختها من إنجيل غوتنبرغ (Gutenberg Bible)(٤٢).
(٤٢) Rebhan, Die Wunder der Sch pfung, 19-22; Roman, Development of Islamic Library Collections, 117.
وفي عام ١٨٨٤م، اشترت مكتبة في برلين ١٠٥٢ جزءًا من المخطوطات العربية من لاندبرج (الذي ربما حصل عليها أصلًا من المدني) بمبلغ مذهل قدره ٧٠,٠٠٠ مارك، أي ما يعادل راتب عامل ألماني عادي لقرن من الزمان في ذلك الوقت(٤٣).
(٤٣) Ahlwardt, Kurzes Verzeichniss der Landbergsc’ hen Sammlung, iii.
الضعف الشديد الذي أصاب مراكز ثقافة الكتاب المحليَّة.
وقد وثَّق السياسي والمؤرخ المصري علي مبارك (١٨٢٣ أو ١٨٢٤-١٨٩٣م) لاختفاء المدرسة -المستودع الرئيس للكتب في الشرق الأوسط قبل العصر الحديث- بالتفصيل، وذلك في كتابه الضخم عن خطط القاهرة.
وأعرب مبارك عن أسفه لفقدان المؤسسات المُكرَّسة للتعليم، التي كانت تقدِّم أجورًا للقائمين عليها، وعزا انهيارها إلى ما لحق أوقافها من التغيرات والأطماع التي لم تجد لها رادعًا.
ويقول إنه بين القرنَيْن الخامس عشر والثامن عشر:
قد أُهمل أمر المدارس وامتدَّت أيدي الأطماع إلى أوقافها وتصرَّف فيها النظَّار على خلاف شروط وقفها، وامتنع الصرف على المدرسين والطلبة والخدمة؛ فأخذوا في مفارقتها، وصار ذلك يزيد كل سنة عمَّا قبلها لكثرة الاضطرابات الحاصلة بالبلاد حتى انقطع التدريس فيها بالكلية وبيعت كتبها وانتهبت (٤٩).
(٤٩) مبارك، الخطط، ج ١، ص٨٧-٨٨. انظر أيضًا: Paton, History of the Egyptian Revolution, 2:462.
إن اختفاء المدارس والمؤسسات الأخرى، التي كانت تحتوي على مكتبات شبه عامَّة في هذه الفترة الزمنية، كان مقرونًا بشكل مباشر بتوطيد الحكم العثماني في سوريا ومصر. فبعد الفتح العثماني لهذه البلاد عام ١٥١٧م، انتقل المركز السياسي والاقتصادي للمنطقة إلى إستانبول، فنقص عندها دور المركزَيْن السابقَيْن للثقافة العربية، القاهرة ودمشق، اللتين تحوَّلتا إلى مجرَّد عواصم إقليمية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الواقف الأصلي كثيرًا ما يعيّن ذريته للإشراف على الوقف، مما قد يُشعرهم لاحقًا بأن لهم الحقَّ في التصرف فيه، فيقودهم ذلك – في كثيرٍ من الأحيان- إلى إحداث تغييرٍ كبيرٍ في طبيعة الوقف؛
ولكن غياب الرقابة الفعَّالة كان يعني أن بإمكان الموظف الفاسد نَهْب مقتنيات المكتبة بسهولة نسبيًّا.
ولكن ما نقول في الكتب وودائع العلم هل حفظناها كما كان ينبغي أن نحفظها؟ أو أضعناها كما لا ينبغي أن نضيعها؟! ضاعت كتب العلم وفارقت ديارنا نفائسه، فإذا أردت أن تبحث عن كتاب نادر أو مؤلَّف فاخر أو مصنَّف جليل أو أثر مفيد، فاذهب إلى خزائن بلاد أوروبا تجد ذلك فيها (٧٠).
(٧٠) Abduh, “Travels in Europe,” 169 (English) and 176 (Arabic), replacing “archives” in ElAriss’s translation with “libraries.”
وكان لإنشاء مكتبات حديثة، مستوحاة من مكتبات البحوث الأوروبية وعلى غرارها، دورٌ مهمٌّ في هذه الجهود، فقد أبهرت تقنيات جمع المعرفة وتخزينها بشكل منهجي، وتسهيل الوصول إليها، زوَّارَ أوروبا من الشرق الأوسط بقدر ما فعلت معالمها الهندسية.
يبدو أن المؤلف نسخ عناوين هذه الكتب، التي يذكرها علم الدين في المكتبة الباريسية، من موسوعة أسماء الكتب والمراجع الشهيرة كشف الظنون ، للكاتب العثماني كاتب جلبي، في القرن السابع عشر الميلادي، والمعروف في اللغة العربية باسم حاجي خليفة (المتوفى ١٠٦٧ ه/ ١٦٥٧م)(٧٥).
(٧٥) قارن – على سبيل المثال- بين عناوين تفاسير القرآن في: مبارك، علم الدين، ج٤، ص١٢٦٥؛ وحاجي خليفة، كشف الظنون (نشرة الأدكاوي)، ج ١، ص٤٢٧-٤٤٢.
عُيّن شخص يدعى ابن السليماني مسؤولا عن ثلاث مكتبات (مكتبة مجمع السلطان حسن، ومكتبتَيْن أُخريين لمدرستَيْن بائدتَيْن، هما: أزبك بن ططخ، وقايتباي المحمودي)، غير أن هذا الشخص لجأ إلى بيع عصير قصب السكر، تحت درج مسجد سلطان حسن، لتحسين مرتبه الضئيل، كما ضمَّ إلى هذا العمل بيعَ المخطوطات من المكتبات الثلاث، مما استنزف محتوياتها بشكل ملموس(٨٠).
(٨٠) دي طرازي، خزائن الكتب، ج ١ ، ص ١٩٠؛ سيد، دار الكتب المصرية، ص٢٢.
وبعد اعتلاء الخديوي إسماعيل عرش مصر، عام ١٨٦٣م، اقترح مبارك إنشاء مكتبة وطنية مصرية على نموذج المكتبة الوطنية الفرنسية. وفي ٢٣ مارس ١٨٧٠م، أصدر الخديوي أمرًا تنفيذيًّا بـ جمع المخطوطات النفيسة التي لم تصل إليها يد التبديد، مما حبسه السلاطين والأمراء والعلماء والمؤلفون على المساجد والأضرحة ومعاهد العلم، ليكون من مجموع هذا الشتات نواة لمكتبة عامَّة (٨١).
(٨١) سيد، دار الكتب المصرية، ص٢١.
ثم أُعيدت تسمية المكتبة الخديوية لتصبح دار الكتب السلطانية أولًا، وبعد الاستقلال الرسمي لمصر عام ١٩٢٢م صار اسمها دار الكتب المصرية.
الفصل الثاني: ثقافة الكتاب في العصر الحديث
العلماء في هذه الفترة لم يظهروا اهتمامًا كبيرًا بكتب التراث المتقدمة. وهذا يعود إلى أن الثقافة العلمية يومها كانت تركز على ركيزتَيْن اثنتَيْن: الاعتماد على المدرسيَّة النصيَّة، وعلم الباطن (المعرفة الباطنية).
فلسفة المدرسية: الاهتمام بكُتُب العصر الحديث فقط
يبدأ العصر الحديث من القرن السادس عشر الميلادي، وهو عصر الكشوف الجغرافية، وهو يوازي القرن العاشر الهجري، أي منذ قيام الدولة العثمانية على وجه التقريب. (المترجم)
الذي يتمثَّل في حلق للعلم كانت تُعقد عادةً في المدارس الدينية أو المساجد أو في البيوت، يقوم خلالها المعلم أو مساعدُه بقراءة النص الذي يجري تدريسه جهرًا، بينما يقوم الطلاب بمقارنة نسخهم، التي نسخوها بأيديهم قبل الدرس أو اشتروها من ناسخ محترف، بقراءة المعلم وتصحيح أي أخطاء فيها، وربما تحشيتها بما يفيدونه من شرح المعلم على النص.
كانت تشمل أيضًا الحفاظ عليه، من خلال انتساخ نسخ أخرى، خالية من الأخطاء، ومن ثَمَّ الانضمام إلى سلسلة سَنَد رواته من الحاضر حتى مؤلّفه.
فكانت نصوص التعليم هذه مكسوَّة بعدَّة طبقات من الشروح المتأخرة عنها: فتجد أولًا الشرح الرئيس الذي يكون بقلم مؤلف المتن، أو أحد العلماء المتأخرين، وهو الغالب؛ ثم تجد الحاشية التي تكون عادة تعليقًا على الشرح؛ وتجد – في بعض الأحيان- طبقة ثالثة تُسمَّى بالتقرير.
فإن الكتب التي نعدُّها اليوم العمود الفقري في مختلف التخصُّصات -في العقائد السُنية مثل مؤلفات: الأشعري (المتوفى ٣٢٤ه/ ٩٣٥م)، والماتريدي (المتوفى ٣٣٣ه/ ٩٤٤م)، والباقلاني (المتوفى ٤٠٣ه/ ١٠١٣م)، والجويني (المتوفى ٤٧٨ه/ ١٠٨٥م)، والغزالي (المتوفى ٥٠٥ه/ ١١١١م)، وابن تيمية (المتوفى ٧٢٨ه/ ١٣٢٨م)- كانت غائبة إلى حدٍّ كبيرٍ عن هذه المكتبات، وكذلك كتب الطوائف الأخرى من غير أهل السُّنة.
كما تشير إلى ذلك هذه الشكوى التي جأر بها محمد عبده عام ١٩٠٢م:
وأصبح الباحث عن كتاب المدونة لمالك، رحمه اللّٰه تعالى، أو كتاب الأُم للشافعي، رحمه اللّٰه تعالى، أو بعض كتب الأمهات في فقه الحنفية، كطالب المصحف في بيت الزنديق … حتى إنك لا تجد اليوم في أيديهم كتابًا من كتب أبي الحسن الأشعري ولا أبي منصور الماتريدي، ولا تكاد ترى مؤلفًا من مؤلفات أبي بكر الباقلاني أو أبي إسحاق الاسفراييني، وإذا بحثت عن كتب هؤلاء الأئمَّة في مكاتب المسلمين، أعياك البحث ولا تكاد تجد نسخةً صحيحةً من كتاب (١٢).
(١٢) عبده، الإسلام والنصرانية، ضمن الأعمال الكاملة، ج٣، ص٣٣٨ و٣٥٩.
يعود تاريخ نشوء كتابة الشروح على متون التعليم المختصرة إلى القرن الثالث الهجري/ القرن التاسع الميلادي على الأقل، أما الحواشي فلم تظهر على هيئة وسيلة أساسية في التعليم إلًا في العصر الحديث. ويمكن وصف المادة العلمية الناتجة في هذه الفترة بأنها ذات طبيعة مدرسية (scholastic).(١٥)
(١٥) لمصطلح ( المدرسية) scholasticism أصول في تاريخ الفكر الأوروبي. ولا أقصد استخدامه هنا كمصطلح إساءة – كما يُستخدم أحيانًا- بل أودُّ أن أسلط الضوء على أوجه الشَّبه الواضحة بين علماء المسلمين في العصر الحديث ونظرائهم الأوروبيين في العصور الوسطى المتأخرة في أسلوبهم في قراءة النصوص، واعتمادهم على البلاغة والمنطق الأرسطي لفهم النصوص، وثقافة الإنتاج النصي على هيئة شروح متعدِّدة الطبقات، والشواغل النظرية الواضحة في هذه التعليقات. عن المدرسية الأوروبية، انظر – على سبيل المثال- بيتر لومبارد Peter Lombard وجُمله، وهو الكتاب اللاهوتي الأُم في العصور الوسطى، الذي شكَّل أساسًا لمئات التعليقات والمعاجم. انظر : Evans and Rosemann, Mediaeval Commentaries on the Sentences of Peter Lombard.
فأنت إن أمعنت النظر في أي كتاب منها، وجدت جزءًا كبيرًا من التعليقات – وخاصةً في الحواشي – مكرسًا لتحليل كلمات المتن من الناحية اللغوية، وهو ما يدلُّ على أن الغاية المنشودة من دراسة النصوص -بل المعنى الحقيقي لإتقانها أيضًا- لم تكن إلَّا الإحاطة الشاملة بمعاني كل كلمة وإعرابها.
وبالإضافة إلى الناحيتَيْن المعجمية والبلاغية، كان المنطق الأرسطي بمثابة الأداة الرئيسة الثالثة للنظر في النصوص؛ فقد أُعيدت صياغة العبارات بناءً على القياس المنطقي، والتُمِسَت التعاريف المُحكَمة للمصطلحات المستخدمة في النص، وزعموا أن المنطق يوفر -كالبلاغة- علمًا مساعدًا ضروريًّا لفهم النصوص بشكل موضوعي.
وتمثّل رواية الناشر السوري محمد منير آغا (المتوفى ١٩٤٨م) عن شرح النصوص والتدريس إبان دراسته في أواخر القرن التاسع عشر – مثالًا بليغًا لهذه الطريقة الشكلية في دراسة النصوص، بحيث يقول:
حضرت في الأزهر العقائد النسفية أول سنة جئت مصر على أستاذ جليل القدر له شهرة عظيمة إذ ذاك، وقد بلغ من العمر ما ينوف على السبعين، وكنا نرى أن هذا السن أكسبه خبرة في التدريس وحسن أسلوب في التعليم يتخرج على يديه الطالب في أمدٍ وجيز، ولكن بربك قل لي: كيف يكون حال الطالب المسكين؟ إذا كنا قد قرأنا في جملة قال أهل الحق: حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق خلافًا للسوفسطائية فاستغرقت قراءة هذه الجملة خمسة عشر يومًا من عنفوان شبابنا حتى إذا كمل البحث عليها -بحثًا جمع علومًا لا علاقة لها في علم التوحيد أصلا إلَّا نزرات يسيرة تمرُّ بين فينة وأخرى- قلنا: قد مررنا من عقبة كؤود، وقطعنا المفاوز ولله الحمد، وكان حضور الطلاب يومئذ اختياريًّا، فحضر جمع من إخواننا كانوا غائبين في القرى والبلدان، فأثبتوا للشيخ معذرة حصلت له القناعة بأنها مشروعة، وطلبوا منه ألَّا يحرمهم من هذه الفائدة الجزيلة فيعيد لهم هذه الجملة، فما وسعه إلا تلبية طلبهم، فأعاد ما قرَّره كله في المدَّة نفسِها أو تزيد عليها بيسير، وهكذا دواليك حتى تمَّ العام الدراسي ونحن لم نقطع مقدمة هذا الكتاب. قد يستغرب السامع روايتي هذه، ولكنها الحقيقة الناصعة؛ لأن المشايخ يقصرون سعيهم على مناقشة الألفاظ ومحاكمة ما يقوله الشارح وما يقرره أرباب الحواشي والتعاليق، ويدور النزاع والخصام بينها [والطالب في حيرة من أمره] (٢٢).
(٢٢) منير آغا، نموذج، ص٤١-٤٢.
ألّف العالم اليمنى ابن المقرئ (المتوفى ٨٣٧ه/١٤٣٣م) كتابًا مبسطا في تعليم الفقه يحتوي ضمنيَّا – عند قراءته عموديًّا- على أربعة كتب أخرى في العروض والقوافي والتاريخ والنحو(٢٨).
(٢٨) ابن المقرئ، عنوان الشرف الوافي. لم أطلع على أي دراسة باللغة العربية لهذا الكتاب، ولكن يمكنك مراجعة Bronner, Extreme Poetry للمزيد عنه.
فمثل هذه العروض للقدرة الإبداعية في الأدب، وبخاصة من قِبَل أساتذة مثل الشربيني أو البربير (المتوفى ١٢٢٦ه/ ١٨١١م)(٣٤)، كانت في كثيرٍ من الأحيان مصوغةً بشكل مثير للإعجاب ومُسلِّ للغاية، ولكنها -كما هي الحال في دروس منير آغا- كانت تهتمُّ بالملامح الشكلية على حساب المضمون.
ويستدلُ أنصار التعلُّم عن طريق كتب الشروح والحواشي – المفضَّلة في العصر الحديث – على تفوُّق طريقتهم هذه على طريقة التلقي المباشر من كتب التراث بدون وساطة، بالإشارة إلى سلسلة إسنادهم غير المنقطعة. ولا تضمن هذه الاستمرارية – حسب رأيهم – الدقَّة في نصِّ المتن المنقول فحسب، بل تضمن أيضًا الحفاظ على فهم معناه فهمًا صحيحًا.
فالموقف المشترك بين فقهاء أهل السُّنة في فترة العصر الحديث هو أن كبار الفقهاء في القرنَيْن السادس والسابع الهجريَّيْن/ الثاني عشر والثالث عشر الميلادتَيْن كانوا آخر جيلٍ يمتلك الشروط المطلوبة للقيام بشيء من الاجتهاد المباشر من نصوص الوحي(٣٧)،
فمن خلال رفع مجموعة صغيرة من الكتب، التي يعرفها ويقرؤها الجميع، إلى درجة من التشريف والتعظيم ، كان بالإمكان ضمان استمرار العلم، حتى في حال نقص المراجع.
ظهورُ الفكر الباطني، … وهو فكر يعتقد أن الإلهام الإلهي هو الطريقة الوحيدة لتحقيق المعرفة، وهي أسمى مرتبة من طريقة الكتب، التي يُنظر إليها على أنها شكل مزيف من المعرفة.
العِلْم الباطني: تراجع هيبة العِلْم القائم على الكُتُب
هل يمكن للكتاب أن يحمل بين طياته الحقيقة؟ وهل يمكن للقارئ الوصول إلى الحقيقة من خلال القراءة؟
صحيح أن الثقافة الإسلامية المكتوبة حافظت دائمًا على الرواية الشفهية، التي تميزت بها، وبخاصة في تحفيظ القرآن الكريم ورواية الحديث النبوي، وأن الرواية الشفهية ظلَّت مرتبطةً ارتباطًا كبيرًا بمفهوم القدرة على فهم النصوص على حقيقتها؛
فأطلقوا لقب الصُّحُفيون على أولئك الذين أخذوا العلم عن الكتب دون معلم، ورأوا أنهم أكثر عرضةً لإساءة فهم النصوص التي يقرؤونها.
يندر أن يُعَدَّ شخص عصاميٌّ استمدَّ معرفته في مجالٍ ما من قراءاته الشخصية دون دراسة رسميَّة خبيرًا في هذا المجال.
قصة مقتل الجاحظ بسبب كتبه الكثيرة المكدَّسة التي انهارت عليه جزءٌ لا يتجزّأ من سُمعته بأنه فريد من نوعه، من حيثُ سَعة علمه.
وهذا التصوير للتعلُّم المبنىِّ على الكتب على أنه شكلٌ من أشكال المعرفة المزيفة(٤٢)، رأيٌ قال به أفلاطون(٤٣) قديمًا، ثم جاء الأفلاطونيون الجدد بعده -مثل أفلوطين (المتوفى ٢٧٠م)، وبرقليس (المتوفى ٤٨٥م)- فقاموا ببلورته، مؤكدين أن المعرفة الحقيقية لا يمكن أن يجدها المرء في الكتب(٤٤)، كان يحمل قناعةً قويةً بأن الفلسفة الحقيقية ليست في صفحات الكتب، ولا يمكن العثور عليها بين طياتها.
(٤٢) Pellat, “Al-J hiz,” 81.
(٤٣) Plato, Phaedrus 274e-275b.
(٤٤) Rappe, Reading Neoplatonism, ix, 3, 21.
ويُعَدُّ ابن عربي (المتوفى ٦٣٨ه/ ١٢٤٠م) أكثر صوفيي الأفلاطونية الجديدة تأثيرًا في العصر الحديث، من حيثُ مكانة الكتاب وعلاقته بالمعرفة. ويفصح ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية في عدَّة مواضع عن المنهج الذي سلكه في تأليف كتابه، ويعلن في أحد هذه المواضع: فوالله ما كتبت منه حرفًا إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني (٤٦).
(٤٦) ابن عربي، الفتوحات المكية، ج٣، ص٥٠٤.
يجزم النسفي (المتوفى ٥٣٧ه/ ١١٤٢م) – في مقدمة عقيدته- بأن الإلهام ليس من أسباب المعرفة بصحَّة الشيء (٤٧).
(٤٧) النسفي، العقائد النسفية، ص١٩.
فيقول السبكي عن الإلهام: ليس بحجَّة؛ لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره، خلافًا لبعض الصوفية (٥٠).
(٥٠) السبكي، جمع الجوامع، ص ١١١، وانظر أيضًا: السبكي، شرح مختصر ابن الحاجب، ج ٤، ص٥٨٧-٥٩١.
فإن ابن عربي كان يرى -مع ذلك- أن معرفة الرازي ناقصة، ونصحه باكتساب المعرفة الحقيقية من خلال الكشف، فيقول له:
الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن اللّٰه عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ. فإن مَنْ كان علمه مستفادًا من نقل أو شيخ، فما برح عن الأخذ عن المحدثات، وذلك معلول عند أهل اللّٰه عز وجل، ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها، فاته حظُّه من ربّه عز وجل؛ لأن العلوم المتعلَّقة بالمحدثات يفني الرجل عُمره فيها، ولا يبلغ إلى حقيقتها، ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل اللّٰه عز وجل، لأوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى، فتأخذ عنه العلم بالأمور من طريق الإلهام الصحيح، من غير تعب ولا نصب ولا سهر، كما أخذه الخضر عليه السلام، فلا علم إلَّا ما كان عن كشف وشهود، لا عن نظر وفكر وظن وتخمين (٥٥).
(٥٥) منقول في: الشعراني، الطبقات الكبرى، ج ١، ص١٤.
في حين نجد أن ابن حزم (المتوفى ٤٥٦ه/ ١٠٦٤م) يؤكّد – قبله بقرنين من الزمان- أنه لا يتوصل إلى العلوم إلّا بطلب، ولا يكون الطلب سماع وقراءة وكتاب، لا بدَّ من هذه الثلاث خصال، وإلا فلا سبيل دونها إلى شيء من العلوم البتة (٥٦)،
(٥٦) ابن حزم، رسائل ابن حزم، ج ٤، ص ٦٥.
في البداية، لم تجد أفكار ابن عربي قبولا في العالم العربي، فقد رفضها علماء السُّنة الكبار وقتها وعدّوها زندقة.
وقد كان العالم المصري عبد الوهاب الشعراني (المتوفى ٩٧٣ه/ ١٥٦٥م) أهمَّ شخصية في عملية بعث هذه الأفكار،
اعتنق الشعراني التصوف لأسباب مشابهة تمامًا للغزالي؛ بمعنى أنه وجد في التصوف الجانبَ الروحي الذي يفتقر إليه المجال العلمي الصرف(٦١).
(٦١) الشعراني، لطائف المنن، ج ١ ، ص٤٨.
وبعد سرد تحصيله من التعليم المبنيِّ على كتب العلوم الإسلامية، روى أولَ لقاء له مع شيخه الصوفي المعروف علي الخواص (المتوفى ٩٣٩ه/ ١٥٣٢-١٥٣٣ م)، الذي كان أُمِيَّا (اسم الخواص نسبة إلى تضفير خوص النخيل الذي كان يعمل فيه)، فكان أول شيء طلبه من الشعراني هو أن يتخلَّص من كتبه الثمينة، فيذكر الشعراني:
أنه أمرني في أول اجتماعي عليه ببيع جميع كتبي والتصدُّق بثمنها على المحاويج ففعلت، وكانت كتبًا نفيسة … فصار عندي التفات إليها لكثرة تعبي فيها وكتابة الحواشي والتقييدات عليها، حتى كأني سُلبت العلم (٦٣).
تصوَّر كيف يُخضع عالم مثقف نفسَه لشيخٍ أُمِّيّ، دون أدنى نقاش، وكيف يسعى هذا الشيخ أولا إلى محو التحصيل العلمي لمريده بالكامل، والقضاء على مكتبته، وارتباطه بها، ثم استئصال أي فكرة مبنيَّة على النظر العلمي المنطقي(٦٥).
(٦٥) انظر أيضًا: الشعراني، لطائف المنن، ج١ ، ص٣٨.
فتجد أن الصوفي المغربي المعظَّم الدباغ (المتوفى ١٧٢٠م) لم يكن أُميًّا فحسب، بل لم يكن يحفظ أيَّ جزء من القرآن إطلاقًا(٦٧)، كما أن العالم المصري إبراهيم الباجوري (١٧٦٣ أو ١٧٦٤-١٨٦٠ م) – وهو أحد أكثر العلماء تأثيرًا- لم يجد حرجًا في التباهي بأن شيخه الروحي أُميٌّ(٦٨).
(٦٧) انظر: السجلماسي اللمطي، الإبريز، ص١٣ . انظر أيضًا: O’Fahey, Enigmatic Saint, 43. للمزيد عن أهمية الإبريز عند صوفية غرب إفريقيا. أشكر جنان ديلجادو Janan Delgado لتنبيهي إلى هذا النص.
(٦٨) Spevack, Archetypal Sunni Scholar, 90.
كما تجد تبجيلًا لهؤلاء الشيوخ الصوفيين في التراجم التي وضعها لهم أتباعهم، تصورهم على أنهم يشبهون الأنبياء في أُميتهم؛
وللبرهنة على صحَّة ادعائهم هذا، تجدهم يلجؤون إلى استخدام الكرامات؛ الطريقة المُثلى بين الصوفية في العصر الحديث (في محاكاة أخرى لنموذج الأنبياء).
كان الصوفيون المتقدمون – مثل عبد القادر الجيلاني- يستخدمون استعارة: كالميت عند مُغسله للإشارة إلى الاستسلام الذي ينبغي أن يتحلَّى به الصوفي الطامح إلى قدر اللّٰه [تعالى](٧٠). فنقل الشعراني هذه الاستعارة إلى العلاقة بين المريد الصوفي وشيخه(٧١).
(٧٠) الجيلاني، فتوح الغيب، ص٩.
(٧١) الشعراني، الأنوار القدسية، ج ١، ص١٨٩ . أصبح هذا الاستخدام واسع الانتشار، انظر: جمال، نصيحة المريد، ص٣٥١؛
شكَّ المريد في وقوع شيخه في شيء غير مشروع هو ببساطة دليل على الحالة الروحية البائسة للمريد، ولا يمكن للمريد أن يصل إلى تلك المكانة السامية المرجوَّة إلّا إذا رأى شيخه وليًّا من أولياء اللّٰه(٧٣).
(٧٣) جمال، نصيحة المريد، ص ٣٥١؛ الكردي، تنوير القلوب، ص٥٨٧.
الشيخ الوليُّ هو المعيار المطلق، الذي يجب على المريد استخدامه في تقييم مستوى تقدُّمه(٧٤).
ويتجلّى هذا الإهمال للتسلسل الزمني عند الصوفية في العصر الحديث بأوضح صوره في تغييرهم لمعنى الإسناد في نقل العلم.
فتجد أنه على الرغم من أن سلاسل أسانيد الحديث كانت تضمُّ عشرة رواة على الأقل، بين النبي [ﷺ] وزمن الشعراني، فإن الشعراني يدَّعي أنه ليس بينه وبين النبي [ﷺ] إلَّا شخصان فقط؛ لأن روحَي شيخه وشيخ شيخه التقتا بالنبي محمد [ﷺ] وتلقتا عنه شخصيًّا يقظةً لا حلمًا(٧٧).
(٧٧) الشعراني، لطائف المنن، ج ١ ، ص٢٦-٢٧.
وقد امتدَّ هذا الاتصال المباشر بالنبي [ﷺ]-لا التلقي عنه فقط – ليشمل جميع الموتى ممَّن يحسب من الأتقياء، فهؤلاء عند الصوفية في العصر الحديث يمكن للمرء أن يقابلهم، بل ويدرس عليهم(٧٨)، كما أنهم ما زالوا يتمتَّعون بقوى خارقة تمكِّنهم من الخروج من قبورهم لتحقيق رغبات المريدين(٧٩).
(٧٨) الشعراني، الإنصاف، ص ٤١؛ الشعراني، الطبقات الكبرى، ج١، ص٣٢٦، وج٢، ص٢٧١.
(٧٩) الباجوري، حاشية الإمام الباجوري، ص٢٥٢. للمزيد عن ظهور هذه الأفكار حتى القرن العشرين، انظر: الكردي، تنوير القلوب، ص٤٩٦.
ويقول الشعراني أيضًا: إن لديه سندًا بمصافحة النبي [ﷺ] فيه ثلاثة وسطاء فقط؛ اثنان من البشر وواحد من الجنّ، الذين صافحوا النبي [ﷺ] في حياته قبل تسعمائة عام. وعلى الرغم من أن رواية الحديث عن طريق الجن لم تكن جديدة تمامًا، فإنها انتشرت انتشارًا واسعًا في زمن الشعراني، وأسهمت في مزيدٍ من انهيار علم الحديث بوصفه تخصُّصًا في نقد النصوص والتاريخ.
فالشعراني في كتابه الميزان -وهو من كتب الفقه واسعة الانتشار – بدأ بدعوى عجيبة؛ وهي أن جميع الأئمَّة المسلمين المجتهدين مصيبون في آرائهم، على الرغم من الاختلافات الظاهرة بينهم، وأن الطعن في أيِّ رأي من آرائهم يشبه الطعن فيما جاء به الأنبياء مع اختلاف شرائعهم(٨٢).
(٨٢) الشعراني، الميزان، ج ١ ، ص٥٩-٦٢، وبخاصة ص٦٢.
العلاقة بين سعد الدين الهلالي وتصوُّر الشعراني لآراء الفقهاء!
ويؤكِّد -بناءً على هذه الرؤية- أن سائر أئمَّة المسلمين على هدى من ربِّهم في كل حينٍ وأوانٍ، وكل من لم يصل إلى هذا الاعتقاد من طريق الكشف والعيان وجب عليه اعتقاد ذلك عن طريق التسليم والإيمان (٨٤).
(٨٤) الشعراني، الميزان، ج ١، ص٦٢.
كما نجد إخضاع الفقه لهذا الإلهام متجليًا أيضًا في دعوى العالم الهندي شاه ولي اللّٰه الدهلوي (١٧٠٣-١٧٦٢م) أنه عند زيارته للكعبة في مكة كشف اللّٰه له بالإلهام الرباني أنه أسقط التكاليف عن أوليائه(٨٥).
(٨٥) ولي الله، فيوض الحرمين، ص٢٣. من الواضح أن العنوان مستقى من الفتوحات المكية لابن عربي؛ لأنهما مترادفان.
وقد استمرَّ تأثير هذه الأفكار في الفقه إلى وقت متأخر، فنجدها في كتابات المفتي الأكبر المصري الشهير محمد عليش (١٨٠٢-١٨٨٢م) في أواخر القرن التاسع عشر.
خطورة هذه التَّصوُّرات الصوفية على الدين!
ففي معرض ردّه على دعوات تجديد الاجتهاد الفقهي دون التقيُّد بالمذاهب الفقهية السابقة، نجده يستشهد بدعوى الشعراني، التي ينقلها عن شيخه الأُميِّ الخواص، أنه لا يمكن معارضة آراء أئمَّة المذاهب؛ لأنهم اجتمعوا [بالنبي] محمد [ﷺ] في أحلامهم وعرضوا عليه آراءهم، ووافق عليها شخصيًّا(٨٦).
(٨٦) عليش، فتح العلي المالك، ج١ ، ص٩٢، نقل كلام الشعراني في الميزان، ج١، ص١٨٢.
ونجد الشيء نفسَه عند العالم المصري الباجوري، في القرن التاسع عشر،
ونتيجة لذلك، نجده يقبل الأحاديث الضعيفة على أساس أنها يمكن أن تكون مأخوذة مباشرة عن النبي [ﷺ](٩١)،
(٩١) الباجوري، تحفة المريد، ص٥٦-٦٩.
وتحت غطاء الكشف والإلهام الروحيَّيْن، أصبح يمكن تبرير علوم التنجيم والعرافة، التي لم يكن لها إلّا وجود هامشي في العالم الإسلامي المتعلم،
ويقدّم علم الجفر مثالًا جيدًا لانتشار العرافة، فهو علم ترجع جذوره في الإسلام إلى الاتجاهات الشيعية الباطنية، التي كانت تعتقد -على سبيل المثال- أن الأئمَّة الشيعة قد ورثوا كتابًا في أسرار الحروف، دفنه موسى [عليه السلام]، واكتشفه محمد [ﷺ]، الذي سلَّمه إلى صهره عليَّ [رضي اللّٰه عنه](٩٧).
(٩٧) الكافي، أصول الكليني، ص١٧٢.
ولكن القوة التي تحتويها العرافة لا علاقة لها بالتقوى، ولا نِعم الله، فكل من يعرف اسم اللّٰه الأعظم – على سبيل المثال- سيكون قادرًا على تحقيق الرغبات، في الخير كانت أو في الشر(١٠٠).
(١٠٠) البوني، شمس المعارف، ص٦٩.
وقد لاحظ الدبلوماسي البريطاني باتون -الذي ذكرنا أنه زار مكتبة الأحمدية في حلب في الفصل السابق- التأثيرَ الكبير لعلم الجفر في ممارسة الطب، واصفًا المشهد التالي في مكتب طبيب دمشقي:
عندما دخل المريض سأله الطبيب: ما اسمك؟ ، فأجاب مثلا: خليل . وما اسم أبيك؟ ، قاسم . واسم أمك؟ ، فاطمة . ثم قام بعدها بحساب عدد لكلِّ من هذه الأسماء، فوجد اشتراكًا في النجوم، وجسَّ نبضه، وفحص لسانه، وبعد القيام برحلة قصيرة في الأبراج، خرجت الوصفة الطبية الناجعة (١٠٣)!
(١٠٣) Paton, Modern Syrians, 197.
ثم إن تغلغل هذه المعرفة إلى جانب المدرسية داخل الأوساط العلمية في العصر الحديث قد أدي إلى انخفاض قيمة التعلم القائم على الكتب، والحط من منزلة ذلك العالم واسع الاطلاع وصاحب الذهن العلمي المتقد، الذي كان حاضرًا عبر العصور المختلفة، والذي يمتلك نظرةً تاريخيةً شاملةً للكتب التي درسها؛ وبدلًا من ذلك، أصبح المثل الأعلى هو ذلك الشيخ المعلم المتحذلق أو أصحاب الكشف.
التَّيَّارات المُضادَّة: مُواجهة المدرسية والباطنية
ولنأخذ حسن العطار (١٧٦٦-١٨٣٥م) مثالًا على ذلك، وهو صورة نمطية لعلماء العصر الحديث، حيث تلقى تعليمه في الأزهر، قبل أن يُعيَّن شيخًا له عام ١٨٣٠م.
ففي حاشية كَتَبها قبل تعيينه شيخًا للأزهر، نجده يشيد بسعة القراءة والمعرفة عند العلماء المتقدمين، مثل القرافي (المتوفى ٦٨٤ه/ ١٢٨٥م)، ويشكو من الحال التي عليها علماء عصره:
بل اقتصرنا على النظر في كتب محصورة ألّفها المتأخرون … نكرِّرها طول العمر، ولا تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها، حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب (١٠٧).
(١٠٧) العطار، حاشية على المحلي، ج٢، ص٢٢٥-٢٢٦.
ويذهب الكوراني -في أكثر من عشرين صفحة – إلى تبرئة ابن تيمية وتلميذه من تهمة التجسيم.(114) وقد كان لهذه التبرئة – المبنيَّة على البحث العلمي السليم في الكتب المتوفرة- آثارٌ كبيرةٌ في الفكر الإسلامي الحديث، حيث أزالت وصمة العار عمَّن يمكن القول إنه سيصبح أكثر مؤلفي العصر الوسيط تأثيرًا في العصر الحديث(١١٥).
(١١٤) الكوراني، العين والأثر، وجه الورقة ٥٦، ظهر الورقة ٦٧.
(١١٥) للمزيد عن تبرئة الكوراني لابن تيمية وأثرها في سُمعة هذا الأخير، انظر: الكردي، الفوائد المدنية، ص١١٥-١٣٣. وللمزيد عن دور الكوراني في تعريف شاه ولي اللّٰه بابن تيمية، انظر: الفريوائي، شيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٦٥ . وانظر أيضًا البحث الموسع عن مكانة ابن تيمية العلمية في الأوساط العلمية التي تلت الكوراني وأهميته عند علماء الإصلاح في الفصل السابع.
أما الشخصية الرئيسة الثانية في حركة إحياء التراث، فهي شخصية مرتضى الزبيدي (١٧٣٢-١٧٩١م)، وهو واحد من أعظم اللغويين العرب في العصر الحديث إن لم يكن أعظمهم، وهو يشتهر بمعجمه الضخم: تاج العروس، وشرحه لكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، الذي يحمل عنوان إتحاف السادة المتقين.
كانت دراسة الزبيدي على يد تلاميذ الكوراني، وهو كثيرًا ما يستشهد بابن تيمية في مختلف السياقات، مما يشير إلى سَعة معرفته بمؤلفاته، وهو لا يستشهد به على أساس أنه مرجعية علمية مقبولة فحسب، بل على أساس أنه من كبار أئمَّة الإسلام(١٢٤)، ولعل هذا من الآثار المترتبة على تبرئة الكوراني لابن تيمية، التي سبقت الإشارة إليها.
(١٢٤) الزبيدي، إتحاف السادة، ج ١، ص ١٨٠.
محمد الشوكاني (١٧٦٠-١٨٣٤م)، الذي شغل منصب القاضي الكبير في اليمن أربعين عامًا تقريبًا، وألَّف نحو ٢٥٠ كتابًا خلال مسيرته العلمية.
ولكن الأمر يختلف حين ننظر في رسالته أدب الطلب التي كتبها لطلاب العلم، والتي تضع هذه المناهج في إطار رؤية أوسع بكثيرٍ مما كان معهودًا في أوساط التعليم. حيث يؤكّد الشوكاني على الدور المهم للمُعلِّم في التوجيه في مراحل التعلَّم المبكّرة، ويشدِّد على أنه ينبغي على الطالب المبتدئ في علمٍ من العلوم أن يبدأ بحفظ متن مختصر فيه، ثم دراسة شرح مناسب له على أحد الشيوخ(١٢٨)،
(١٢٨) الشوكاني، أدب الطلب، ص ١٩٠.
فيحثّ الشوكاني الطلابَ على النظر في الكتب العظيمة في السير والتراجم، مثل سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام للذهبي (من أهل القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)، التي تحتوي على سِيَر علماء وشخصيات أخرى بارزة، منذ ظهور الإسلام إلى زمن المؤلف، وكذا كتاب تاريخ الطبري(١٢٩)، الذي عاش في أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. أما النوع الثاني من العمق الضروري لتحصيل العلم الحقيقي، فيتمثَّل في التحلي بنظرة نقديَّة تجاه الآراء الفقهية السائدة. ولتحقيق هذا العمق في مجال الفقه، أوصى الشوكاني بالنظر المستقل في الكتب الموسعة، ككتب ابن المنذر (المتوفى ٣١٨ه/ ٩٣٠م)، وابن حزم، وابن تيمية؛ لأن هؤلاء العلماء مارسوا ما أسماه الشوكاني بالتحقيق. ويعني التحقيق – في استخدام الشوكاني- دراسة الأدلَّة التي بُنيت عليها الآراء، وإخضاع أقوال المذاهب للتدقيق من خلال عرضها على الأدلَّة التاريخية والنظر العقلي(١٣٠).
(١٢٩) الشوكاني، أدب الطلب، ص٢٠٣.
(١٣٠) الشوكاني، أدب الطلب، ص٢٠٤-٢٠٦.
إن الهدف الأسمى في التعليم عند الشوكاني هو الوصول إلى مرتبة ذلك العالِم الذي يستطيع تفسير نصوص الوحي دون قيود، ودون الاعتماد على الآراء السابقة، أي مرتبة المجتهد المطلق الذي له دراية بالتراث العربي الإسلامي كله، من فنون الشريعة واللغة العربية والأدب.
ثم إن أسلوب الشوكاني يختلف اختلافًا كبيرًا عن التيار السائد في تلك المرحلة، من ناحية الحثّ على دراسة الآراء العقدية للفرق الإسلامية من كتابات أصحابها، ضمان فهمها فهمًا صحيحًا(١٣٦).
(١٣٦) الشوكاني، أدب الطلب، ص ١٩٦-١٩٨ .
إن غرض الشوكاني من هذه المجموعة الواسعة والمذهلة من المصادر هو تحقيق الإنصاف، ويعني مصطلح التحقيق هذا -كما في مقدمة الكتاب- النظر في الأقوال التي وضعها الأصوليون المسلمون عبر التاريخ، ثم اختيار الأقوال الصحيحة منها والدفاع عنها، دون الالتزام بمذهب معيَّن أو شيخ بذاته(١٤٠).
(١٤٠) الشوكاني، إرشاد الفحول، ج ١، ص٥٤.
لقد تميزت الأوساط العلمية العربية الإسلامية – على أبواب عصر الطباعة-بسمتَيْن كان لهما آثار كبيرة في ثقافة الكتاب: الأولى هيمنة المدرسية، المتمثِّلة في المتون التعليمية المُحلَّاة بطبقات من الشروحِ والحواشي والتعليقات التي كُتبت في العصر الحديث. وكانت الثانية ظهور الفكر الباطني على أنه الهدف الأسمى للمتعلم، وهو فكر يحتقر منهج التعلّم المبنيّ على الكتب، ويعدّه ذا طبيعة قاصرة، مقارنة بالبصيرة المستقاة من الإلهام الرباني المباشر، أو من الخضوع لمرشدٍ روحيِّ من أهل الكشف. وقد تمكَّن التأثير المشترك لهاتين السمتَيْن من الحدِّ من اتصال الفكر الإسلامي في فترة العصر الحديث بنظيره في العصر الوسيط.
الفصل الثالث: بدايات الطِّباعة
سيتطرق هذا الفصل إلى الوسائل المتغيّرة في نسخ الإنتاج الثقافي: استخدام وسيلة الطباعة في نسخ الكتب.
الطِّباعة المُبكِّرة في العالم العربي: آفاق محدودة
كانت ثورة الطباعة، التي افتتحها يوهانس غوتنبرغ (Johannes Gutenberg) (المتوفى ١٤٦٨م)، محوريةً في التكوين الثقافي لأوروبا الحديثة، وفي غضون عقود من وفاة غوتنبرغ، وصلت تكنولوجيا الطباعة إلى إستانبول أيضًا، على يد لاجئين يهود من الأندلس(1).
غير أن الكتب العربية لم تكن تُطبع في الشرق الأوسط بأعداد كبيرة حتى القرن الثامن عشر، ولم تهيمن الطباعة على إنتاج الكتب العربية الإسلامية إلّا في القرن التاسع عشر.
ويعزو كثير من الباحثين هذا التأخُّر في اعتماد الطباعة في العالم الإسلامي إلى المراسيم التي أصدرها السلطانان العثمانيان بايزيد الثاني (حكم بين ١٤٨١-١٥١٢م) وسليم الأول (حكم بين ١٥١٢-١٥٢٠م)، في عامي ١٤٨٥ و١٥١٥م على الترتيب، والتي تمنع طباعة الخط العربي داخل الإمبراطورية. ولكن هذا الادعاء غير صحيح، لعدم وجود وثائق تتعلَّق بهذا الحظر مباشرة، كما بيَّنته كاثرين شوارتز (Kathryn Schwartz)(٣).
(٣) Schwartz, “Meaningful Mediums,” chap. 2.
السلطات العثمانية في القرنَيْن الخامس عشر والسادس عشر قد حظرت عددًا كبيرًا من الابتكارات في البداية، ولكن هذه الابتكارات سرعان ما أصبحت جزءًا لا يتجزَّأ من ثقافة الشرق الأوسط. وأبرز مثالَيْن على ذلك: القهوة التي وصلت إلى الإمبراطورية من اليمن عبر مصر، والتبغ الذي جلبه التجار الأوروبيون من القارة الأمريكية(٤).
(٤) Michot, Against Smoking; Michot, L’opium et le caf ; and Hattox, Coffee and Coffeehouses.
الطباعة كانت تشكِّل تهديدًا لمكانة نسَّاخ الكتب في الأوساط العلمية، ومن ثَمَّ فإنها أثارت عداء شريحة مؤثرة من المجتمع؛
كما أن طبيعة الكتابة العربية، بحروفها المتغيّرة الشكل واتصال بعضها ببعض، جعلت إنتاجها في شكلٍ مطبوع صعب المنال؛
الطباعة تحتاج إلى تكاليف كبيرة من أجل تأمين الآلات اللازمة، والتنضيد الأوَّلي والتدقيق اللغوي لكل كتاب جديد يراد طبعه، ولكن بعد ذلك، كل نسخة إضافية هي عبارة عن زيادة في الربح وإنقاص في التكلفة.
نقطة ضعف صناعة نسخ المخطوطات تكْمُن في الندرة، والاعتماد على الطلب الفردي، فإذا كانت سوق الكتاب صغيرةً، قد يكون نسخ الكتب باليد أكثر اقتصادًا؛ لأن الطلب المحدود يتطلَّب بيع الكتب المطبوعة بسعرٍ أعلى من أجل تعويض تكلفة الإنتاج الأوليَّة العالية. ولا يمكن للطباعة أن تتفوَّق على النسخ اليدوي اقتصاديًا، إلَّا إذا كان عدد القراء كبيرًا بم بكفي لجني عائدٍ ماليًّ يسدُّ هذه التكلفة.
وعندما بدأت طباعة الكتب باللغة العربية أخيرًا في القرن الثامن عشر، كان استخدام هذه التقنية في البداية إما في أوساط الطوائف غير المسلمة (مثل نصارى الشام، الذين جرى تمويل مطابعهم من التبرعات الأوروبية، وليس بناءً على الطلب المحلي)(٨)،
(٨) Walbiner, “Christians of Bil d al-Shm,” 11-12.
لا يمكن تحديد نسبة القراء في البلدان الإسلامية قبل أواخر القرن التاسع عشر بدقَّة؛ وذلك لأن معنى القدرة على القراءة يشمل أشكالا مختلفة؛ فعدد كبير من الناس كان لديهم أساسيات الكتابة والقراءة ويمكنهم قراءة القرآن، ولكن القليل منهم كان يمكنه أن يقرأ كتابًا بأكمله. وهذا هو سبب الفارق في تقديرات نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة في مصر حوالي عام ١٨٠٠م، التي تتراوح بين الواحد والثلاثين بالمائة. فإذا أخذنا بالنسبة الدنيا، فستكون النسبة المحتملة لقراء الكتب المطبوعة مجرَّد أربعين ألف شخص. انظر:
Hanna, “Literacy among Artisans and Tradesmen,” 319- 320.
وللمزيد عن تقدير نسبة سكان مصر في عام ١٨٠٠ م، انظر:
McCarthy, “Nineteenth-Century Egyptian Population,” 6.
أما الكتب الإسلامية، فاستمرَّ نَسْخُها باليد فقط، ولم يبدأ إنتاجها في المطابع إلّا في القرن التاسع عشر، بالتوازي مع صعود جيل جديد من القرَّاء، وكانت مصر مركز هذا التطوُّر.
عندما غزت القوات الفرنسية مصر في عام ١٧٩٨ م تحت قيادة نابليون، أحضرت معها العديد من الأدوات التي تحتاج إليها الدولة الحديثة، وكان من بين هذه الأدوات مطبعة كان الغرض منها بث الدعاية الثورية الفرنسية مباشرةً إلى الشعب المصري بلغته الأُم، العربية.
وفي عام ١٨٠١م، ذكرت صحيفة كورير دي ليجيبت Courier de [‘Egypte أنه عندما قام خليل البكري (المتوفى ١٨٠٨م) – وهو عالم مصري عيَّنه الفرنسيون في الديوان الذي كانوا يحكمون مصر من خلاله- بزيارة المطبعة الفرنسية في القاهرة:
طالب بمعرفة مدى تأثير الطباعة في حضارة شعبٍ ما، وبدا أنه يفهم ويقدِّر الأسباب التي أُعطيت له، وبخاصَّة سهولة طبع ونشر عددٍ كبير من نسخ الكتب القيمة، التي لا يمكن أن تعرفها إلَّا قلَّة قليلة في ثقافة المخطوطات؛ وكذا استحالة فقدان أو تلف كل هذه النسخ مهما كانت الظروف، وهو ما يمكن أن يحدث لأفضل المخطوطات. ثم قال: إن هناك العديد من الكتب العربية القيِّمة التي يتجاهلها كثيرٌ من الناس، والتي سيكون طبعها مفيدًا للغاية في هذا البلد، وأنه يتمنَّى بصدق أن تُنشر على نطاق واسع من خلال الطباعة (١٠).
(١٠) Courier de l’ gypte, 24 Pluviose IX [February 13, 1801], 4.
فبعد الانسحاب الفرنسي من مصر عام ١٨٠١م، نجح محمد علي – وهو ضابط ألباني في الجيش العثماني – في فرض نفسه حاكمًا لمصر المستقلَّة بلا منازع، وشرع في بناء دولة حديثة على النموذج الأوروبي في مصر. وكانت العناصر الأساسية في مشروع بناء هذه الدولة هي: تدريب الضباط العسكريين والأطباء والمهندسين، وتشكيل نظام حكومي، وإنشاء نظام تعليمي للدولة(١٢).
(١٢) انظر على سبيل المثال: Fahmy, All the Pasha’s Men. [تُرجم الكتاب إلى العربية بعنوان كل رجال الباشا، وصدر عن دار الشروق بالقاهرة عام ٢٠٠١م. (المترجم)].
أرسل محمد علي -عام ١٨١٥م- السوري نيقولا مسابكي (المتوفى ١٨٣٠م)، البالغ من العمر خمسة عشر عامًا يومها، إلى إيطاليا لتعلَّم حرفة الطباعة(١٣).
(١٣) Al-Tahtāwi, Imam in Paris, 17-22.
وبمجرَّد عودته إلى مصر بعد أربع سنوات، شرع في الإشراف على إنشاء مطبعة حكومية في بولاق بمنطقة ميناء القاهرة(١٤)، وكان أول كتاب طُبع هناك قاموس إيطالي عربي، طبع عام ١٨٢٢م.
(١٤) تغيَّر اسم مطبعة بولاق وملكيتها عدَّة مرات في القرن التاسع عشر؛ ولذلك فإن الفهرس يشير إلى المطبعة بـ بولاق فقط. للمزيد عن تاريخ هذه المطبعة، انظر: صابات، تاريخ الطباعة، ص١٤٥-٢٦٨.
وكان الغرض من هذه المطبوعات أن تكون بمثابة كتب مدرسية لخدمة طبقة العسكر ورجال الدولة الناشئة، التي ستشكل حجر الأساس للدولة المصرية.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد أسهم إطلاق جريدة ومجلة حكومية (الوقائع المصرية) عام ١٨٢٨م في فتح مجال مستمر للتواصل، سهل نشر المراسيم والأفكار الرسمية بسرعة وعلى نطاق واسع.(17)
(١٧) عمارة، رفاعة الطهطاوي، ص ٧٧-٨١.
في البداية، لم يكن هناك أيُّ اهتمام يُذكَر بطبع كتب اللغة العربية أو في مجال العلوم الإسلامية(١٨)، فلم تُطبع غير أجزاء من القرآن الكريم سنة ١٨٣٣م(١٩)،
(١٨) رضوان، تاريخ مطبعة بولاق، ص٣٣.
(١٩) Albin, “Printing of the Qur’ n,” 269-70.
والسبب في طبع هذه الأعمال هو الطلب الكبير المستمر الذي كان عليها؛ إذ كانت الكتب المدرسية المستخدمة في المدارس الحكومية التي تأسَّست حديثًا يومها.
تطوُّر صناعة النَّشر: توسيع الإمكانيات
عدد الكتب المطبوعة، التي ارتفعت من متوسط ٣١ عنوانًا سنويًّا قبل عام ١٨٥٠م، إلى حوالي ١٩١ عنوانًا بين عامي ١٨٥٠-١٩٠٠م.
وبما أن معظم هؤلاء الناشرين من رجال الأعمال، فقد كانوا يسعون إلى توفير الكتب المعروفة في السوق التي يكثر الطلب عليها، مثل: مجموع المتون، الذي طُبع في مجلد واحد عام ١٨٥٨م، ويضمُّ مجموعةً من المتون التي كانت تُدرَّس في المنهج الدراسي في العصر الحديث، وتغطي -بإيجازٍ – موضوعات مثل: العقيدة، وأشعار في مدح [النبي] محمد [ﷺ] والفرائض، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، والنحو، وبناء الجملة، والبلاغة، والمنطق، والفلسفة، والمناظرة، وأحكام تجويد القرآن. وهو الذي ذكر طه حسين أنه كان عليه حفظه عام ١٩٠٢م، استعدادًا لدخول الأزهر(٤٦).
(٤٦) حسين، الأيام، ج١: ٦٧ (الفصل الثاني عشر).
ربط الكتب المطبوعة بالزبون المضمون، في مُقابل تأثير الطباعة على المُجتمع
كانت الكتب المدرسية المطبوعة تختصُّ بزبائن مضمونين بين صفوف الطلاب،
إن وجود مطبعة مملوكة للدولة كان يعني تحكُّم الدولة في إنتاج الكتب، وتقرير ما يصلح طبعه منها وما لا يصلح.
ووفقًا لقانون صادر عام ١٨٢٣ م، كان يتعيَّن النظر في جميع ما يطبعه الأوروبيون في بولاق من أجل معرفة محتواه السياسي والديني، وهو قانون صدر بعد محاولة مُدرس إيطالي في مدرسة حكومية في بولاق طباعة قصيدة بعنوان ديانة الشرقيين تسيء إلى الإسلام(٥٠).
(٥٠) رضوان، تاريخ مطبعة بولاق، ص ١٠٠.
ففي البداية إذن، كان الشيء الوحيد الذي تغيَّر في ثقافة الكتاب العربي هو الشكل، لا المحتوى.
وكان الطهطاوي قد سافر إلى فرنسا بصفته إمامًا لأربعة وأربعين طالبًا مبتعثًا من طرف محمد علي عام ١٨٢٦م، بهدف تزويد الخبراء الحكوميين بتدريب أوروبي حديث(٥٨). وسرعان ما أتقن الطهطاوي اللغة الفرنسية وأثبت أنه مترجم موهوب للغاية، وبعد عودته إلى مصر عام ١٨٣١م، أصبح رائدًا لحركة بارزة في ترجمة الكتب من اللغات الأوروبية إلى العربية، فأسَّس مدرسة الألسن عام ١٨٣٥م، وهي أول مؤسسة متخصَّصة في تدريب المترجمين المحترفين(٥٩).
(٥٨) Al-Tahtāwi, Imam in Paris, 15-26.
(٥٩) ترجمت هذه الحركة – بقيادة الطهطاوي – ألفي عمل إلى العربية من اللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والتركية العثمانية. انظر مقدمة المترجم لكتاب الطهطاوي: Țahtawi, Imam in Paris, 46.
وبعد رجوعه إلى مصر، قدَّم إلى محمد علي خطةً مُحكَمةً لجمع جميع القطع الأثرية التاريخية الموجودة في مصر، وتخزينها في مدرسته للغات التي جرى افتتاحها حديثًا(٦١)، في محاولة واضحة لوقف استمرار تدفُّق القطع الأثرية المصرية إلى الخارج.
(٦١) عمارة، رفاعة الطهطاوي، ص٥٧ -٧٤؛ Reid, Whose Pharaohs?, 50-57.
وفي أثناء وجوده في باريس، درس الطهطاوي أيضًا مع أكبر مستشرق في عصره: أنطوان إسحاق سيلفستر دي ساسي (١٧٥٨-١٨٣٨م)(٦٢)، الذي يبدو أنه قد قام بتوجيهه ليصبح وسيطًا ثقافيًّا؛ نظرًا لدوره في ترجمة العلوم الفرنسية إلى اللغة العربية.
(٦٢) انظر: الطهطاوي، الإبريز، في: الأعمال الكاملة، ج٢، ص٧٠ و٢١٣ و٢٢٦.
كان المستشرقون الذين التقى بهم الطهطاوي في فرنسا معجبين أيضًا بابن خلدون، فعندما قرأ الطهطاوي عن مونتسكيو (Montesquieu) في باريس، كان أساتذته يصفونه بأنه ابن خلدون الفرنسي، كما يصفون ابن خلدون بأنه مونتسكيو الشرق(67)، وهي مقارنة تعود إلى المستشرق النمساوي هامر-بورجستال، الذي تعرَّف إلى كتاب ابن خلدون في إستانبول(٦٨).
(٦٧) الطهطاوي، الإبريز، في: الأعمال الكاملة، ج٢، ص٢٢٢.
(٦٨) Hammer-Purgstall, Erinnerungen und Briefe, 2:854n1412.
ومن بين الكتب التي نجح الطهطاوي في الحصول على الموافقة على طبعها في بولاق: الخطط للمقريزي، وهو كتاب من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي يؤرخ للعمران في القاهرة؛ وتفسير القرآن لفخر الدين الرازي، وهو أوسع التفاسير المطبوعة وأقدمها في ذلك الوقت؛ ومقامات الحريري التي كانت وما زالت تحظى بشعبية مستمرة عبر العصور؛ ومجموعتان لمقتطفات من الشعر العربي من القرنَيْن الخامس عشر والسادس عشر على التوالي(٧١)؛ وكتاب الأغاني للأصفهاني في عشرين مجلدًا، الذي حاول سيتزن البحث عنه في مصر قبل نصف قرن من الزمان؛ وتاريخ ابن خلدون بمقدمته(٧٢).
(٧١) ابن حجة الحموي (ت ٨٣٧ه/ ١٤٣٤م)، خزانة الأدب؛ والعباسي (ت ٩٦٣ه/ ١٥٥٥م أو ١٥٥٦ م)، معاهد التنصيص.
(٧٢) مبارك، الخطط، ج ١٣، ص ٥٥-٥٦؛ Verdery, “Publications of the Bulaq Press.”
وتُعَدُّ طبعة بولاق لمقدمة ابن خلدون -التي ظهرت أولا في مجلد مستقل عام ١٨٥٧م، ثم في المجلد الأول من تاريخه الكامل عام ١٨٦٧م- مثالًا جيدًا يوضّح رحلة انتقال كتب التراث من شكل المخطوطات إلى الشكل المطبوع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وعلى الرغم من أن الطهطاوي لعب دورًا حاسمًا في طبع هذه الكتب، فلا يوجد دليل على أنه شارك في تحرير نصوصها بنفسه، فقد كان يقوم بهذا العمل أحد موظفي مطبعة بولاق، وهو الذي يطلق عليه اسم المُصحّح ، وقد قام بتصحيح المقدمة نصر الهوريني (المتوفى ١٨٧٤م)، الذي مدحه إجناز جولدتسيهر على أنه ثاني اثنين من أفضل المُصحّحين في بلاد المسلمين (والآخر هو أحمد فارس الشدياق)(٧٣).
(٧٣) Mestyan, “Ign c Goldziher’s Report,” 456.
كيف تعمل الطِّباعة؟ دور المُصحِّح
كتب الناسخ في قيود فراغ المخطوطات اسْمَه(٧٧)، وربما مكان النَّسْخ وتاريخه، ويضيف أيضًا – في بعض الأحيان- بعض المعلومات عن المخطوطة التي استخدمها، وبخاصة إذا كانت نسخة بخطّ المؤلف، وهي النسخة التي يُنظر إليها – بطبيعة الحال – على أنها كنز.
(٧٧) لمَّا لم أعثر على ذكر لامرأة عملت في التصحيح؛ لذا فإن تناولي للمصححين سيقتصر على استخدام ضمائر المذكر فحسب.
أما قيود الفراغ في الكتب المطبوعة، فتذكر عادة اسم المُصحح، واسم المطبعة، وتاريخ الطبع. وقد تشتمل أيضًا على اسم الحاكم الحالي (مع الإسراف في الثناء عليه)، واسم رئيس المطبعة (مع مزيد من الثناء)، وكلمات مسجوعة ومُنمَّقة للغاية في محاسن الكتاب. ولقد جرت العادة في الاستشهاد الأكاديمي الحديث -في بعض الأحيان- بأن بطلق لقب محقق على هؤلاء المصححين.
غير أن هذه التسمية قد تخفي الفروق الموجودة بين دور المصحح ودور المحقق، أو المحرر، وهذا الأخير لم يظهر إلّا بعد عام ١٩١١م.
ولكن الحقيقة هي أن جذور هذا المصطلح تعود إلى ثقافة النَّسْخ في عصر المخطوطات: فالفعل صحَّح ومصدره تصحيح مصطلحات قديمة كانت تُستخدم في مهمة تنقيح نُسخ المخطوطات من الأخطاء.
إن أول وصف لدور المصحح في طباعة الكتب يعود إلى ما كتبه المصحح اليمني عبد الرحمن المعلمي (١٨٩٥-١٩٦٦م) في الهند في أوائل الثلاثينيات،(٨٢)
(٨٢) استقينا هذا الوصف من رسالة المعلمي: أصول التصحيح العلمي، الموجودة في: مجموع رسائل في تحقيق وتصحيح النصوص، ص١٧-٣١.
يشير المعلمي إلى ثلاث مراحل من التصحيح: ففي بداية عملية الطباعة، يتم نسخ مخطوطة جديدة، يطلق عليها المعلمي المسودة ، وهي معتمدة على مخطوطة موجودة الأصل ، ثم تبدأ الخطوة الأولى في التصحيح، وهي تصحيح المقابلة ، ويتم خلالها مقابلة النسخة الجديدة على الأصل، لضمان أنها نسخة طبق الأصل لها. ومن أجل تحقيق هذا الغرض، يقوم أحدهم بقراءة المخطوطة الأصل، بينما يتتبع المصحح القراءة في نسخة المسودة، مصححًا أي أخطاء. أما الخطوة الثانية، التي يسميها المعلمي بـ تصحيح حقيقي أو تصحيح علمي ، فتتضمَّن مقابلة المسودة على مخطوطات أخرى من الكتاب من أجل تقييد أي اختلافات أو إضافة أي زيادات مفيدة قد تحتوي عليها المخطوطات الأخرى.
وبمجرَّد إعداد بعض الصفحات، تتم طباعة التجارب عليها (بروف)، ثم يقوم أحدهم بقراءتها على المصحح من أجل إصلاح ما قد يكون من الأخطاء في ألواح الحروف، وهذه الخطوة الثالثة من التصحيح هي ما يطلق عليه المعلمي مصطلح التصحيح المطبعي .
كان لازمًا على المطابع اتخاذ قرارات طباعة الكتب دون معرفة شاملة بالمخطوطات الموجودة، تمامًا كما كانت عليه الحال في عصر النهضة في أوروبا.
مُشكلة الحُرُوف المنقوطة بالنِّسبة للكُتُب وللقرآن الكريم
ويُعَدُّ الغموض الموجود في رسم الخط العربي من المصاعب الأخرى المتأصلة في عملية تحقيق المخطوطات العربية، فكثير من حروفه متشابهة، ولا يمكن التمييز بينها إلَّا من خلال وضع النقاط فوق الحرف أو تحته. ويمكن بسهولة نسيان هذه النقاط أو وضعها في غير محلها، كما أنها قد تختفي أو تُمحى بسبب عدَّة عوامل.
وهكذا، أدى إنشاء المطابع الخاصة إلى الزيادة في وضع القيود المالية على الطباعة، فقد كانت هذه المطابع تحت ضغوط تحقيق الربح، ومن ثَمَّ كانت على استعداد للتضحية بالمعايير العلمية التي كانت تلتزمها المطبعة الحكومية في بولاق.
وعلى الرغم من أن علم الإملاء العربي ظل ثابتا بشكل ملحوظ مدَّة الألف ومئتي سنة التي سبقت الهوريني، فإن صناعة المخطوطات كانت تحتوي على الكثير من الاختلافات في النسخ.
كان من الصعب الحصول على معلومات عن المخطوطات الموجودة ومواقعها، في غياب مكتبات مفهرسة.
كانت هناك ندرة في المراجع المعتمدة في المفردات المتخصّصة، وبخاصة في أسماء الأعلام والأماكن.
لم يكن هناك علم متطور في البحث عن أصول الكلمات واشتقاقها (فيلولوجيا) للمساعدة في حل مشاكل النصوص التي لا تُعد ولا تُحصى.
الفصل الرابع: جيل جديد مِن مُحبِّي الكُتُب
فسرعان ما بدأت تقنية الطباعة تُستخدم لنشر أنواع مختلفة جدًّا من الكتب، تلك الكتب التي كانت قد نُسيت أو كادت أن تُفقد. وقد مثَّل روَّاد هذه الموجة من طباعة وتحقيق الكتب غير التقليدية في مصر طبقةً جديدةً من المثقفين،
وقد دشَّنت هذه الفئة الجديدة من المثقفين ثقافةً تثمِّن اللغة العربية الفصيحة، والمخطوطات النادرة، والدقة اللغوية.
وكان هذا هو عهد أبناء محمد علي: سعيد (حكم من عام ١٨٥٤م إلى عام ١٨٦٣م) وإسماعيل (حكم من عام ١٨٦٣م إلى عام ١٨٧٩م)، الذي شهدت فيه مصر تحولًا كبيرًا بسبب مشاريع التحديث الطموحة التي شملت بناء السكك الحديدية وخطوط التلغراف، والأهم من ذلك كله قناة السويس. وهي مشاريع كانت تعِد بمصر قوية وحديثة، ولكنها أرست – في الوقت ذاته، ودون قصد- حجر الأساس للنفوذ والاحتلال الأجنبي، بسبب القروض الكبيرة من البنوك الأوروبية التي لم يكن من الممكن سدادها بعد ذلك.
وإلى جانب مشاريع البنية التحتية الكبرى هذه، كانت الدولة المصرية تمرُّ بتحوُّل جذريّ، فالهيكل الإداري القديم الذي كانت أسرة الحاكم وأقاربه يترأسونه، تحوَّل إلى إدارة منظَّمة يسيّرها موظفون مدنيون تدرَّب معظمهم في نظام المدارس العامَّة المؤسس حديثًا أو في مؤسسات تعليمية أخرى غير تقليدية.
أُسست جمعية المعارف المصرية عام ١٨٦٨م على يد محمد عارف باشا (المتوفى ١٨٧١ م)، وهو مسؤول حكومي رفيع المستوى.
وكان تأسيسها أيضًا تحت الرعاية الرمزية لتوفيق باشا (١٨٥٢-١٨٩٢م)، الذي كان يومها وليّ عهد مصر المرتقب، ثم الخديوي فيها. كان هدف الجمعية الحفاظ على الكتب المهمَّة عن طريق الطباعة التي تُعَدُّ من أقوى الأسباب لحفظها من الضياع، وتبادلها مع الطالبين للاستضاءة بأنوار العلوم (٨). وقد كانت في شكل تعاونية، فكان على من يريد أن يصبح عضوًا فيها أن يشتري حصة فيها تمنحه خصمًا على الكتب التي تنشرها الجمعية.
(٨) المنيني، شرح اليميني، ج١: [٢٤٣] (ص٦).
أصبحت الجمعية تضمُّ ١١٠٠ عضو، بالإضافة إلى ممثلين في القاهرة والإسكندرية ومدن مختلفة في دلتا النيل وإستانبول. وهذا عدد كبير جدًّا إذا أخذنا بالاعتبار عدد سكان مصر الذي كان صغيرًا نسبيَّا في ذلك الوقت (حوالي ستة ملايين نسمة)، وكذا المعدل المنخفض للمُلمّين بالقراءة والكتابة (ربما حوالي خمسة في المئة)، ولا سيما بالنسبة إلى مجتمع ينشر في المقام الأول كتبًا كان عمرها خمسة قرون على الأقل.
فقد كان معظم أعضاء الجمعية من النخبة المسؤولين من جميع فروع الحكومة والطبقات الحاكمة. فكان من بينهم أفراد من العائلة المالكة، والحاكم المصري في السودان، وإداريو القصر، وموظفون حكوميون من وزارات المالية والزراعة والحرب، ومسؤولون عن الاتصالات والسكك الحديدية والجمارك وقوات الشرطة.
أما ثاني أكبر مجموعة من المشتركين في الجمعية، فكانت تتألَّف من أشخاص يعملون في مهن مرتبطة بإنتاج المعرفة والترجمة والنشر من معلمين ومصححين، وكُتَّاب الصحف، والمجلات، ومحرريها.
المثقف الإصلاحي رفاعة الطهطاوي والمؤلف والناشر الشامي أحمد فارس الشدياق.
إن أول ما يشد الانتباه في هذه القائمة هو الوجود الهامشي للعلماء الذين كانوا من قبل حاملي راية التعليم العربي الإسلامي؛ فباستثناء ستة من المشايخ الكبار، لم تشمل القائمة إلَّا شخصًا واحدًا ذُكر أنه طالب أزهري. ولعل السبب في هذا الوجود الهامشي يعود إلى محدودية الوسائل المادية عند الطلاب الأزهريين وحتى عند المعلمين.
الانتشار التدريجي للهجات العاميَّة في المناطق غير الناطقة باللغة العربية، الذي تسارع بفعل الغزو المغولي للشرق في القرن الثالث عشر والفتوحات العثمانية للأراضي الناطقة باللغة العربية في القرن السادس عشر، قد أدى بطبيعة الحال إلى تآكل الصلة بين المسؤولين الحكوميين واللغة العربية(١٩)، وبخاصة في حاضرة فكرية مثل إستانبول.
عبد الحميد نافع وسباق المخطوطات
عبد الحميد نافع بك (توفي بين عامي ١٨٦١-١٨٦٣م)، وهو شقيق زوجة محمد عارف مؤسس جمعية المعارف المصرية.
إن نافعًا وزملاءه من صائدي الكتب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يكونوا مجرَّد مهتمين بالآثار، بل كانوا يرون في هذه الكتب شريان الحياة الثقافي لمصر الحديثة، ونموذجًا للغة أسمى بكثيرٍ من اللغة العربية السائدة في العصر الحديث، ومصدرًا للمُثُل الجمالية والأخلاقية المناسبة لمجتمع حديث.
وقد سمحت الاكتشافات الأدبية في هذا العصر للمشاركين في المجالس الأدبية بتخيُّل أنفسهم نسخًا للشخصيات التي عاشت في العصر الوسيط، فقد أصبحت عادة نافع في تلقيب معاصريه بألقاب قديمة موضةً ثقافيةً، أدت إلى إنتاج الكثير من الشعر والخصومات والجدالات العامَّة، وبخاصة عندما يُطلق اللقب بناءً على هيئة الشخص الخارجية، كما كان الحال بالنسبة إلى واحدٍ من الشخصيات الفكرية الذي كان يتدحدح في مشيته كما يتدحدح البط،(٢٨) فلُقّب بـ ابن بطوطة (الرحالة المغربي الشهير في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي).
(٢٨) أحمد تيمور، تراجم، ص١١٢-١١٤ ،٩٣.
ويبدو أن مكتبتي فكري ونافع، إلى جانب مكتبة الطهطاوي، كانت أكبر مجموعات المخطوطات الخاصَّة في مصر خلال حياتهم، ولكن الأوليين تبعثرتا بعد وفاة صاحبيهما بوقت قصير.
وعلى النقيض من ذلك، فقد حافظت عائلة الطهطاوي على مكتبته بعد وفاته، وهي لا تزال سليمة حتى يومنا هذا، إلَّا أنه ما زال يكتنفها الكثير من الغموض بسبب صعوبة الوصول إليها، فهي موجودة في مدينة سوهاج، موطن العائلة وعاصمة محافظة سوهاج في صعيد مصر(٣٨).
(٣٨) انظر: يوسف زيدان، فهرس مخطوطات مكتبة رفاعة رافع الطهطاوي.
كان أحمد تيمور (١٨٧١-١٩٣٠م) شخصيةً بارزةً من الجيل الناشئ من هواة جمع الكتب، الجيل النخبوي الذي له علاقات مباشرة بالدولة،
ينحدر تيمور من عائلة حسيبة نسيبة، فجدُّه محمد تيمور كاشف -وهو كرديٌّ من منطقة الموصل – كان في الجيش العثماني ووصل إلى مصر مع محمد علي بعد انسحاب الفرنسيين من البلاد في عام ١٨٠١م، وأصبح مستشارًا مقربًا لكلِّ من محمد علي وابنه إبراهيم(٤٠).
(٤٠) أحمد تيمور، تاريخ الأسرة التيمورية، ص٦٧-٦٩.
وإليك سردًا للتكوين الفكري الذي تلقّاه في صغره، كَتَبه بيده في السنوات الأخيرة من عمره:
فإني كنت خرجت من المدارس بعد تلقي ما يتلقَّى بها من العلوم المعروفة وأنا في سن العشرين. وقد علق بالعقيدة شيء من آثار التربية بهذه المدارس، إلَّا أني كنت مولعًا من الصغر بالإسلام ومحاسنه، والمطالعة في السيرة النبوية، ومناقب الأصحاب والخلفاء الراشدين، فكان ينشرح صدري لأشياء وينقبض من أشياء تعرض لي فيها شبهات، ثم كنت أعرض ما يظهر لي من مكارم الشريعة ومقاصدها على ما عليه الناس من البدع والمحدثات التي تمسكّوا بها، وجعلوها من الأصول الدينية، فأجد التناقض والتصادم، فصرت أتردَّد على كثيرٍ من كبار علماء الأزهر وغيرهم، لعلّي أجد عندهم مفرجًا، فأراهم أحرص من العامَّة على هذه الخزعبلات،
… حتى أرشدني بعض الأصحاب للمترجَم [وهو حسن الطويل، أستاذ تيمور]، فأخذت في السؤال عنه من أهل العلم، فكانوا ينفّرونني منه، حتى بالغ بعضهم -عامله اللّٰه بما يستحقّ – ورماه بالزندقة، فقلت: إذا كنت لم أجد طَلبتي عند من تسمونهم بالصلاح والورع، فلعلي أصيبها عند الزنادقة. ثم سعيت في الاجتماع به،
… وأنا في كلُّ هذه المدّة أستوضح منه ما أشكل عليَّ فيحله لي، فكان اجتماعي به ومصاحبتي إياه من أكبر نِعم اللّٰه عليَّ في ديني […] وكان رحمه اللّٰه سُنيَّ العقيدة، صوفيَّ المشرب، لا يحيد عن الشرع قيد إصبع، آخذًا بمذهب الإمام ابن تيمية في مسألة الاستغاثة بالقبور والاستشفاء بالموتى (٤٥).
(٤٥) أحمد تيمور، تراجم، ص١٢٦-١٢٧.
بدايات موجات التَّشكيك في الدِّين في العصر الحديث
لا نعرف بالضبط ما الذي أزعج أحمد تيمور خلال تعليمه، ولكن ليس من المستغرب أن يؤدي الالتحاق بمدرسة فرنسية خاصة في أواخر القرن التاسع عشر إلى الشعور بالانفصام الثقافي لدى تلميذ مصريّ ذكيّ.
ولكنه أخيرًا وجد مبتغاه في حسن الطويل (١٨٣٤-١٨٩٩م)(٤٦)، الذي كان قد جمع بين عالم الأزهر وعالم الإدارة في الدولة.
تخرج الطويل ليصبح مدرسًا في الأزهر، حيث درَّس جيلَيْن من الطلاب، من بينهم مفتيان من مفتي مصر: محمد عبده (انظر الفصل السادس)، ومحمد بخيت المطيعي (١٨٥٤-١٩٣٥م).
وفي سنواته الأخيرة، درَّس في كلية دار العلوم الجديدة، التي تأسَّست عام ١٨٧٢م بمبادرة من علي مبارك (كما كانت الحال مع مكتبة الخديوي عام ١٨٧٠م)، والتي قدَّمت تعليم العلوم الإنسانية العربية والإسلامية بطرائق حديثة(٤٧).
محمد محمود الشنقيطي التركزي (١٨٢٩ أو ١٨٣٠-١٩٠٤م)، الذي تعود أصوله إلى بلاد شنقيط، موريتانيا اليوم. لعب الموريتانيون -ولا سيما علماء شنقيط- دورًا مهمَّا في الساحة العلمية العربية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وقد سهلت عزلتهم النسبيَّة، إلى جانب المؤسسات التعليمية المتينة المختلفة جدَّا عن تلك الموجودة في قلب العالم العربي الإسلامي، الحفاظ على المعرفة التي أصبحت نادرة أو منقرضةً في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، وبخاصة في الشعر، الذي كان الشنقيطي يحفظ منه الكثير.
وتُعَدُّ مكتبة تيمور أهمّ إرث تركه من خلفه، وهي تقع في حي الزمالك الراقي في القاهرة، وكانت مفتوحة أمام جميع الباحثين المهتمين، وكانت تحتوي على حوالي خمسة عشر ألف كتاب، نصفها تقريبًا في شكل مخطوطات، والنصف الآخر أعمال مطبوعة في العالم العربي وفي أوروبا.
كما أن كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي (١٨٩٣-١٩٧٦م) كان أيضًا من المراجع التي اعتمدت على مكتبة تيمور، وهو أفضل كتاب تراجم حديث للمشاهير من العرب والمستعربين والمستشرقين منذ ظهور الإسلام حتى زمن المؤلف(٧٠).
(٧٠) انظر مقدمة الأعلام للزركلي (نشرة ٢٠٠٢م)، ج١، ص١٧.
رجوع أحمد الحسيني إلى كُتُب التُّراث
يُعَدُّ أحمد بك الحسيني (١٨٥٤-١٩١٤م) واحدًا من أهم هواة جمع كتب التراث المصريين في هذا الجيل (وإن كان أكثر اهتمامه موجهًا إلى الكتب الدينية لا كتب الأدب)،
وُلِدَ الحسيني في القاهرة في عائلة ذات نفوذ، يعود نسبها إلى النبي [ﷺ]،
ثم أصبح أحد أبرز المحامين في عصره، وكان عضوًا مؤسسًا لنقابة المحامين المصريين.
الحسيني يذكر عدم رضاه عن دراسته لبقاء العديد من الأسئلة في ذهنه دون حلّ. ولحلُها كان عليه اللجوء إلى كتب العلماء المتقدمين من القرون الأولى للإسلام:
ويوضّح الحسيني ببراعة اتساع نطاق مطالعته من خلال دمج عناوين الكتب التي جمعها في قوله:
حتى تهذَّبت بتهذيب المهذب، لإدراك غاية المطلب، وأعددت العدَّة لتحصيل المعتمد والشامل، وتنبَّهت بإبانة البيان والتنبيه المجموع الكامل .
وتحتوي هذه الجملة على عناوين أحد عشر كتابًا من كتب الفقه الإسلامي المتقدمة، وتمتدُّ القائمة على صفحة كاملة(٨٥). (٨٥) الحسيني، مرشد الأنام، ج١: ١٨.
التهذيب، التهذيب في فقه الإمام الشافعي، ألّفه قبل ٥١٦هـ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرّاء البغوي، الملقب بمحيي السنة ٥١٦هـ/١١٢٢م.
المهذب، المهذب في فقه الإمام الشافعي، ويُسمّى أيضًا: المهذب في المذهب بدأه سنة ٤٥٥هـ، وفرغ منه سنة ٤٦٩هـ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي ٤٧٦هـ/١٠٨٣م.
غاية المطلب، نهاية المطلب في دراية المذهب، النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الملقب بإمام الحرمين ٤٧٨هـ/١٠٨٥م.
العُدّة، العُدّة، وهو شرحٌ لكتاب الإبانة للفوراني، أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الآملي الشافعي، المعروف بصاحب العُدّة ٤٩٨هـ/١١٠٥م.
المعتمد، المعتمد في الخلاف، أبو نصر محمد بن هبة الله بن ثابت البندنيجي، المعروف بفقيه الحرم ٤٩٥هـ/١١٠١ ١١٠٢م.
الشامل، الشامل في فروع الشافعية، أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي، المعروف بابن الصبّاغ ٤٧٧هـ/١٠٨٤م.
الإبانة، الإبانة عن أحكام فروع الديانة، أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني المروزي ٤٦١هـ/١٠٦٨ ١٠٦٩م.
البيان، البيان في مذهب الإمام الشافعي، وهو شرح المهذب ، استغرق تأليفه ست سنوات، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران العمراني اليمني ٥٥٨هـ/١١٦٣م.
التنبيه، التنبيه في الفقه الشافعي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي ٤٧٦هـ/١٠٨٣م.
المجموع، المجموع شرح المهذب، ألّفه في القرن السابع الهجري، ولم يتمه؛ كتبه قبل وفاته سنة ٦٧٦هـ، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن مُرّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة النووي الحوراني الدمشقي ٦٧٦هـ/١٢٧٧م.
الكامل، الكامل في الفقه الشافعي، أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي، المعروف بابن الصبّاغ.
وعلى الرغم من أن علماء العصر الحديث استمروا في الاستشهاد بأقوال المتقدمين والاعتماد عليها، فقد أصبح من الواضح للحسيني أن قلَّة منهم فقط قرأت بالفعل كتب هؤلاء المتقدمين مباشرة. وبالفعل، فإن الوسط العلمي السائد يومها – كما رأينا في الفصل الثاني – لم يكن يشجّع على النظر المباشر في أمهات الكتب، وكانت القراءة في شروح المتأخرين وحواشيهم وحواشي الحواشي ذروة ما يسمو إليه العالِم. وكانت نتيجة ذلك أن فهم المتأخرين لمواقف المتقدمين واختلافاتهم كان سطحيًّا في أحسن الأحوال، وخطأ للغاية في أسوأ الأحوال(٨٧).
(٨٧) الحسيني، مرشد الأنام، ج١: ١٩.
ولمعالجة هذا الوضع، شرع الحسيني في الخطوة الأولى في هذا الشأن، وهي نشر الكتاب الأصل في فقه المذهب الشافعي الذي كان يتبعه، وهو كتاب، أو مجموعة كتب – بتعبير أدق – جمعها تلاميذ الشافعي وأُطلق عليها اسم الأُم ، ولم يكن يومها قد نُشر من أمهات كتب الفقه الإسلامي سوى القليل(٨٩). وكان قد انقطع الرجوع إلى كتاب الأم وتداوله خمسمئة سنة على الأقل(٩٠).
(٨٩) الكتابان الآخران من أمهات الكتب هما: الموطأ للإمام مالك بن أنس (المتوفى ١٧٩ه/ ٧٩٥م)، وكتاب الخراج لأبي يوسف (المتوفى ١٨٢ه/ ٧٩٨م)، اللذان طُبعا في عامي ١٨٦٤ و١٨٨٥م على التوالي… وكذلك كتاب الشافعي في أصول الفقه الرسالة عام ١٨٩٥م.
(٩٠) ابن حجر، الإمتاع، ص١٠٣.
كان التحدي الأول الذي واجهه الحسيني هو جمع مخطوطة كاملة للكتاب، فعلى الرغم من أن الكتاب كان قد أُلِّف في الأصل في مصر، حيث أمضى الشافعي السنوات الأخيرة من حياته، فإن المخطوطتَيْن الوحيدتَيْن الباقيتَيْن كانتا موجودتَيْن في مكتبة طوب قابي سراي في إستانبول التي لم تكن مفتوحة الأبواب للجميع في ذلك الوقت، وفي مكتبة مدرسة المحمودية في المدينة.
نُشر كتاب الأم في مطبعة بولاق في أربع مجلدات مركَّبة بين عامي ١٩٠٣-١٩٠٨م، ويعود الفضل الأول في جمع النص الكامل للكتاب وتحقيقه وطبعه ونشره -كما جاء في مقدمة الكتاب ومقدمة المصححين- إلى الحسيني الذي اضطر إلى بيع ثلاثين فدانًا من الأراضي الزراعية لتغطية التكلفة الكبيرة لهذا العمل(١٠٠).
(١٠٠) الشافعي، الأم (نشرة بولاق)، صفحة العنوان، ج٤، ص٤١٤.
ففي عام ١٩٤٢م، انتقد الشيخ محمد زاهد الكوثري (١٨٧٩-١٩٥٢م) – العالم التركي الشهير المنفي إلى القاهرة (انظر الفصل الثامن)- الطبعة لتصحيحها خطأ نحويًا زعم أن الشافعي ارتكبه، واتهم الحسيني بالتصرف في النص الموجود في المخطوطة(١٠١).
(١٠١) الكوثري، تأنيب الخطيب، ص ٤٩-٥٠.
إن معارضة عالم من العلماء التقليديين لنشر كتاب الأم يمكن فهمها، فالرجوع المباشر إلى كتب الشافعي المبكِّرة تجاوزٌ فعليٌّ لأسس التدرُّج في التعلُّم وللريادة الدينية التي كانت في يد علماء الشافعية في عصره، الذين كانت معرفتهم بهذه الكتب معرفة ثانوية في أحسن تقدير.
ولكن الشيء الذي ميَّزه عن أقرانه من التقليديين هو إصراره على إعطاء الأولوية لكتب المتقدمين، وانفتاحه على العلوم الحديثة واعتماده عليها. وهذا الأخير يتضح في كتابه عن الخمر، حيث تجد وصفًا مفصلًا للتركيب الكيميائي للكحول وآثاره في جسم الإنسان، مع الاستشهاد بنقول من الدراسات العلمية حول هذا الموضوع. كما يقدِّم الحسيني في كتابه في بيان حكم زكاة أموال الأوراق دراسةً في العملات العالمية، ونجد في كتابه دليل المسافر مقدمةً في الجغرافيا الحديثة، بالإضافة إلى قائمة بالإحداثيات لتحديد جهة القبلة في القارات السبع كلها.
بقي الحسيني منسيًّا تمامًا في تاريخ مصر الثقافي، وقد يبدو هذا شيئًا غريبًا؛ ولكن الحقيقة هي أن الحسيني لم يتمكَّن من تأسيس سلسلة متابعين له؛ ولم يجمع مجموعةً من الطلاب حوله.
الفصل الخامس: ظُهُور المُحقِّق
وتتجلَّى هذه التحديات واضحةً في مسيرة أحمد زكي باشا (١٨٦٧-١٩٣٤م)، الذي كانت له قدمٌ في البيروقراطية، وقدمٌ أخرى في عالم المعرفة، مثله في ذلك مثل أحمد تيمور وأحمد الحسيني.
والأهم من ذلك أنه أسَّس نموذجًا لفاعلِ ثقافيِّ جديدٍ ومهمِّ للغاية، أعني المحقق .
دراسات أحمد زكى المُبكِّرة والحالة الفكرية في عصره
وعمل مترجمًا في الحكومة المصرية من الفرنسية إلى العربية (ثم أضاف لاحقًا الإسبانية والإيطالية والإنجليزية إلى مجموعة اللغات التي كان يجيدها).
ومع ذلك، يبدو أن مصطلح الموسوعة جاء نتيجةً لسوء قراءةٍ وقعت عرضًا، إلَّا أنها لم تخلُ من إبداعٍ: فالعنوان الفرعي الفعلي لكتاب طاشكُبري زاده لم يكن في موسوعات العلوم ، بل -كما جاء في الطبعات المنشورة من هذا الكتاب- في موضوعات العلوم .
وأكّد زكي على أهمية الموسوعات عندما أشار إلى أهمية دائرة معارف القرن الثامن عشر لديدروت Diderot Encyclop die في الفكر الغربي تحديدًا، بوصفها رابطةً تُجمع فيها معرفة معيَّنة، وتُصنَّف وتؤسَّس لتكون أساسًا لمزيد من الدراسات(١١).
(١١) زكي، موسوعات العلوم، ص١١.
فقد ذكَر زكي تفسير الطبري (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) بوصفه أحد أكثر التفاسير شمولًا، والذي يُعَدُّ اليوم -بحقِّ – إمام التفاسير. ومع ذلك، لم يتعرَّف زكى على تفسير الطبري إلَّا من خلال السيوطى، ولم يره بنفسه من قبل(٢٠).
(٢٠) زكي، موسوعات العلوم، ص٦٢-٦٣.
وبعد أكثر من عقدٍ من الزمان، طُبع تفسير الطبري أخيرًا في القاهرة للمرة الأولى، وفرَض نفسه، واحتلْ المكانة اللائقة به بوصفه من أمهات كتب التفسير(٢١).
(٢١) ليس ثَمَّ مخطوطة كاملة للكتاب، ولكن يمكن إعادة بنائه من خلال الأجزاء المتفرقة الباقية منه. وعن وصف لهذه المخطوطات، انظر: مقدمة محقق تفسير الطبري (نشرة التركي)، ج ١ ، ص٦٣-١١٠.
شارك زكي في إنشاء أول جامعة حديثة في مصر عام ١٩٠٨م (الجامعة المصرية آنذاك، وهي جامعة القاهرة الآن)، وشغَل منصب أستاذ كرسي الحضارة الإسلامية بها من جهة.
فقد أبدى اهتمامًا كبيرًا بمصنَّفات كبار المستشرقين، مظهرًا إعجابه بها، كما سعى إلى ربط دراساته بدراساتهم.
ففي بداية كلمته أمام الحضور في مؤتمر لندن، اقترح زكي اقتراحًا معقولًا، وإن لم يخلُ من مثاليَّة، فكان اقتراحه بقضي بأن يُعقد المؤتمر الدولي المقبل للمستشرقين في بلدٍ إسلاميِّ كي يتسنَّى للعلماء المسلمين المشاركة فيه.
واعتاد زكي -بوصفه عالمًا متخصصًا في التراث العربي – ممارسات المحققين من المستشرقين وأعرافهم، بما في ذلك إعداد توصيفٍ واضعٍ للمخطوطات المستخدمة في عملية التحقيق، والجهاز النقدي (critical apparatus)، وأراد تطبيق هذه الممارسات على الكتاب الذي موَّل عملية طباعته.
الجمع المنهجي للمخطوطات وحفظها
فقد اعتاد قراءة صفحة الوفيات في جريدة الأهرام؛ إذ ربما وجد إشارةً ما دالةً على وجود مكتبات خاصَّة لأحد أولئك المتوفين، فيشتريها بالجملة. ونجح زكي في جمع ستِّ مكتباتٍ كاملةٍ – على الأقل – بهذه الطريقة(٣٤).
(٣٤) الجندي، أحمد زكي، ص ٣٧، ١٠٩-١١٠.
وبدأ التقرير بالقول: إن المكتبات نلعب دورًا حاسمًا في التقدُّم الفكري للمجتمع،
أمناء المكتبات، الذين كانوا يتقاضون رواتبَ هزيلةً، ولم يكونوا مؤهلين للاضطلاع بأداء واجباتهم؛ لذا فليس من المستغرب – وفقًا لزكي – أن المكتبة الوطنية الفرنسية قد نجحت في اقتناء عدد كبير من المخطوطات التي حملت أختام بعض المكتبات العثمانية. وبيعَت من قِبل أمناء المكتبات، أو سُرقت أمام أعينهم البائسة.
إلَّا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من إلغاء الخلاف العثمانية وضعا حدًّا لذلك المشروع.
والحقُّ أنه مع إنشاء الجمهورية التركية، وسعي أتاتورك الحثيث لنزع الصبغة الشرقية عن البلاد لاحقًا، أضحت مكتبات المخطوطات في إستانبول بعيدة عن متناول العلماء العرب.
وضمَّت مجموعة المخطوطات الخاصة بمكتبة طوب قابي سراي أربعة عشر ألف مُصنَّف كُتبت بالعربية والفارسية والتركية، واختيرت بعناية، إما لندرتها أو لجمالها أو لقدمها. وجُمعت من مختلف بقاع العالم الإسلامي من قِبل أقوى دولة إسلامية في التاريخ، ثم جرى حظر الاطلاع عليها للقراءة لقرون(٥٤).
(٥٤) ظل الوصول إلى المكتبات السُّلطانية -لسوء الحظ – يمثل مشكلة بعد زيارة زكي وحتى بعد إنشاء الجمهورية التركية، حيث ألحقت المخطوطات بمتحف طوب قابي سراي، وجرى التعامل معها على أنها تحفٌ وآثارٌ ينبغي حفظها وعرضها في متحف، لا بوصفها كتبًا ينبغي قراءتها.
عُرِض اسم أحمد زكي على نحو بارز على غلاف كل كتابٍ منها، ووُصِف إسهامه في إخراجها وطباعتها بمصطلح تحقيق .
كلمة تحقيق سبقت اعتماد المطبوعات بقرونٍ بوصفها مصطلحًا عامَّا لفحص الأدلَّة المتعلِّقة بالدعاوى والمواقف. وربما يكون هذا التحقيق إمَّا جهودًا علمية لتقييم الآراء من خلال الأدلة العقلية أو النقلية، وإمَّا نوعًا من معاينة الحقيقة معاينة مباشرة في تجارب الكشف الصوفي. واستخدم زكي المصطلح لنشاطه الخاص بالمعنى الأول.
واستلزم التحقيق العلمي تقييم المخطوطات، وتحرِّي فروق النسخ وترجيح القراءة الأصوب استنادًا إلى معرفة المحقق الخاصة.
وكان الشاغل الأول الذي سعى زكى إلى التحقُّق منه -على حدٍّ وصفه- هو نسبة الكتاب إلى مؤلفه. وكان الشاغل الثاني هو تحقيق عنوانه. أمَّا الشاغل الثالث، فكان صحَّة الكلمات واستقامة الأسلوب في المخطوطات الثلاث التي كانت بحوزته.
ابتكر زكي شخصية ثقافيةً جديدة، من خلال اعتماد مصطلح التحقيق وصفّ لدور المحقق بوصفه وسيطًا بين المخطوطة والنشرة المطبوعة،
وانتقد بعض المراقبين ما عدّوه إهدارًا لأموال الدولة من أجل إحياء الخرافات العربية ، بينما اعترض آخرون ووصفوا إسهام الحكومة بأنه استثمار ضئيل للغاية.
واحتوى هذا المجلد الأول – الذي تناول الجغرافيا- على وصفٍ لفلسطين، بما في ذلك المسجد الأقصى، فقرَّر زكي مقابلة الوصف على الأصل، فسافر إلى القدس عام ١٩٢٣م(٧٧).
(٧٧) العمري، مسالك الأبصار (نشرة ١٩٢٤م)، مقدمة المحقق، ص١٢٥.
فعندما ذكر العمري أن شيخه كان يعتقد أن الأرض كرويَّة وأن هناك أراضيَ أخرى ونباتاتٍ وحيواناتٍ وشعوبًا موجودة على الجانب الآخر من العالم المعروف، عدَّ زكي هذا القول دليلا على أن العلماء المسلمين وضعوا نظرية لوجود العالم الجديد قبل قرن ونصف القرن من ميلاد كريستوفر كولومبوس (Christopher Columbus)(٧٨).
(٧٨) العمري، المصدر نفسه، ص٣١.
واحتوت مكتبته على ١٤٨٢ مخطوطًا و٦٧٣٥ كتابًا عربيًّا مطبوعًا و٣٠١٤ كتابًا أجنبيًّا(٨٧)، وأسهمت مكتبة زكي إسهامًا لم ينقطع، فقد سمح زكي للجمهور بالاطلاع على ذخائر مكتبته في حياته بالفعل، وبعد وفاته أضحت مكتبته جزءًا من دار الكتب المصرية.
(٨٧) سيد، دار الكتب المصرية، ص٦٠-٨٢.
وعادة ما يسهل تحقيق الكتاب إلى حدِّ كبيرٍ إذا اعتمد المحقق على مخطوطات متعدّدة من الكتاب.
الفصل السادس: الإصلاح من خلال الكُتُب
بيد أن بعض العلماء المعمَّمين من الإصلاحيين المُتدينين سرعان ما أدركوا الإمكانات القوية للطباعة لخدمة هدفهم المتمثِّل في التغيير الاجتماعي والثقافي المتجذّر محليًا.
ويركّز هذا الفصل على اثنين من هؤلاء الإصلاحيين: المصري محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥م)، والسوري طاهر الجزائري (١٨٥٢-١٩٢٠م).
وكان عبده يرى أن تخلُّف المجتمعات العربية الإسلامية متجذرٌ في تخلَّف لغتها جزئيًا.
ذهب عبده إلى أن الإصرار المدرسي على التعاطي مع التراث الفكري الحديث بوصفه تراثًا موثوقًا دون العودة إلى الكتاب والسُّنة أدى إلى اضمحلال اللغة.
ولمَّا شرع عبده في التدريس في الجامع الأزهر عام ١٨٧٧م، اقتصر في دروسه على المنهج التقليدي في حلقته الدراسية، إلَّا أنه ألقى دروسًا إضافيةً في منزله، درَّس فيها الكتب التي لم تكن جزءًا من منهج الأزهر الدراسي، والتي عكست أهدافه الإصلاحية وعملت على تعزيزها.
وكان أحد المصنفات التي اختارها هو مقدمة ابن خلدون، التي أتاحت له تعريف طلابه بالتاريخ بوصفه تطوراتٍ تجري بين الجماعات البشرية وداخلها، ويحكم صعودها وسقوطها قوانينُ واضحة. ومن ثَمَّ غرست شعورًا أصيلًا بالسياسة كان غائبًا عن المنهج المدرسي.
وكان عبده من أنصار عُرابي في ثورته ضد الخديوي، كما وقف ضد التدخل السياسي الأوروبي في مصر. وعندما هُزم عرابي على يد جيش الاحتلال البريطاني – الذي نجح في احتلال مصر عام ١٨٨٢م- نُفي عبده من مصر، فقضى بعض الوقت في باريس، حيث أسَّس -بالاشتراك مع الأفغاني- مجلةً إصلاحيةً دينيةً مناهضة للاستعمار أسماها العُروة الوثقى . ثم انتقل إلى بيروت، حيث درَّس في المدرسة السلطانية الجديدة بين عامي ١٨٨٥-١٨٨٨م. عندئذٍ اكتشف عددًا كبيرًا من كتب التراث فنسخها بخطّ يدِه، وعلَّق عليها تعليقاتِ تفسيريةً، ثم درَّسها في فصوله الدراسية، ثم نشرها مطبوعةً بأخَرةٍ.
وكان العمل الأدبي الثاني الذي حقّقه هو نهج البلاغة، وهو مجموع من الخطب المنسوبة لعلي بن أبي طالب – صهر النبي وخليفته الذي اشتهر بفصاحته- جمعها الشّريف الرضي (المتوفى ٤٠٦ه/ ١٠١٦م). ومجدَّدًا، أضاف عبده شرحًا أساسيًّا على النصّ لمساعدة أولئك الذين تقطَّعت بهم السُّبل عن العربية الفصحى، أو على حدّ وصفه: انقطاع أهل جيلنا عن أصل لسانِنا .
وفي مقدمته لهذا الكتاب، روى عبده خبر وقوعه مصادفةً على مخطوطةٍ للكتاب، واصفًا أثر كلمات عليِّ القوية في نفسِه على أنها كانت أشبه برؤية معركةٍ شرسةٍ تسحق فيها قوى الحق والفصاحة قوى الباطل والشك والرذيلة(١٤). وتوضحٍ هذه الصورة الارتباطَ الوثيق الذي رآه عبده بين الأخلاق والفصاحة واللغة السليمة.
(١٤) انظر: عبده، الأعمال الكاملة، ج٢، ص٤٠٩.
زار عبده أيضًا – في أثناء إقامته في بيروت- طرابلس الشام، حيث التقى بـ[محمد] رشيد رضا (١٨٦٥-١٩٣٥ م)، وهو سليل عائلة علميَّة محليَّة.
وكان كلُّ من عبده ورضا من أشد المعجبين بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي بوصفه رائعةً من روائع الأخلاق والفضائل، ونموذجًا يُحتذى مثالُه للنثر العربي(١٨).
(١٨) رضا، المنار والأزهر، ص ١٤٠-١٤٢، ١٤٣-١٤٧، ١٨٨.
وعلى أية حال، فقد ازدهرت أحوال عبده بعد عودته إلى مصر عام ١٨٨٨م مجددًا. ففي عام ١٨٩٩م، عُيّن مُفتيًا للديار المصرية. واستخدم عبده منصبه للدعوة إلى إجراء إصلاحاتٍ في نظام التعليم. ولعب دورًا محوريًّا في إنشاء المكتبة الأزهرية الموحَّدة،
كما كان القوة الدَّافعة وراء إدخال الأدب العربي بوصفه موضوعًا للدراسة في الأزهر. ووفقًا للكاتب والمترجم المصري العظيم المنفلوطي (المتوفى ١٩٢٤م) – الذي كان طالبًا في الأزهر قبل الإصلاحات التي أدخلها عبده- فقد رفض علماء الأزهر اقتراح عبده بتدريس الأدب في الأزهر، بوصفه مسعى تافهًا في مدرسة مقتصرة على تدريس علوم الدين: فلو عثر الشيوخ على كتاب شعرٍ أو أدبٍ منثور مع طالبٍ عندهم، فكأنهم عثروا على الدينار في حقيبة السَّارق، أو الزجاجة [يعني قنينة الخمر] في جيب الغلام، أو العشيق في خِدر الفتاة (٢٣).
(٢٣) المنفلوطي، النظرات، ج ١، ص٩-١٠.
على هذا النحو وصف المنفلوطي عالمًا فكريًّا كان فيه العلماء خبراء في الإعراب وتحليل الأساليب بلاغيًّا، إلَّا أنهم -مع ذلك- كانوا عاجزين عن التَّعبير عن أفكارهم بوضوح وفصاحةٍ، وهو ما يعكس الانشغالات الفكرية في العصر الحديث.
أضحى المنفلوطي تلميذًا مخلصًا لعبده، ونظر إلى الأدب – مثله في ذلك مثل أستاذه- على أنه عنصرٌ حاسمٌ في تنمية الفرد أخلاقيًّا؛ لأنه – أي الأدب- يولد تأثيرات إنسانية مثل الرحمة ويجسّد الفضائل. وفوق ذلك، فإنه يربط الكلمات بمعانيها، بينما يتَّسم الانحلال الأخلاقي بالفصل بين الكلمات والمعاني، الأمر الذي سمح للعوام بتسمية الكرم إسرافًا، والحِلم جُبنًا (٢٥).
(٢٥) المنفلوطي، النظرات، ج ١، ص١٧-١٨.
واستطاع عبده تعيين أستاذين للأدب العربي في الأزهر. كان أولهما سيد بن علي المرصفي (المتوفى ١٩٣١م)، وكان طه حسين من أبرز طلابه.
وكان مدرس الأدب الثاني في الأزهر هو العالم الموريتاني محمد محمود الشنقيطي التركزي (الذي قدمنا الحديث عنه في الفصل الرابع بوصفه مدرسًا لأحمد تيمور). واضطلع الشنقيطي بدورٍ مهمِّ في جمعية إحياء العلوم العربية، وهي جمعية أنشأها عبده عام ١٨٩٩م لتحقيق المتون التراثية المنسيَّة وتمويل نشرها(٣٠).
(٣٠) عبده، الأعمال الكاملة، ج ١ ، ص١٩٦-١٩٧.
عبَّر عبده عن سخطه من هذا الوضع بقوله:
بل فُقِدت كتبُ السَّلف الأولين – رضي اللّٰه عنهم- وأصبح الباحث عن كتاب المدوَّنة لمالك – رحمه اللّٰه تعالى – أو كتاب الأم للشافعي – رحمه اللّٰه تعالى – أو بعض كتب الأمهات في الفقه كطالب المصحف في بيت الزنديق! تجد جزءًا من الكتاب في قُطرٍ، وجزأه الآخر في قُطرٍ آخر. فإذا اجتمعت لك أجزاء الكتاب وجدت ما عرَض لها من نسخ النسَّاخِ حائلًا بينك وبين الاستفادة منها… أهمل المسلمون علوم دينهم والنظر في أقوال سلفهم… كُتِبَ على القرآن تفاسير كثيرة في القرن الثالث من الهجرة وما بعده إلى السادس، منها تفسير الطبري(٣٦) … وكثير غيرها، وفيها من آراء أولئك الأئمَّة… ما لا غنَّى لطلب علم الدين عنها. فهل يجد الباحث المُجِد نسخةً من هذه الكتب الجليلة إلا بطريق المصادفة وحسن الاتفاق؟ هل يليق بأُمَّة تدَّعي أنها على دين، وأن لها فيه سلفًا أن تهجر آثار سلفها، طُعمةً للعُثِّ وفراشًا للتراب؟ (٣٧).
(٣٧) عبده، الإسلام والنصرانية، في: الأعمال الكاملة، ج٣، ص٣٣٨، ٣٥٩-٣٦٠.
وكان آخر كتابٍ ساعد على نشره هو مدونة سحنون (المتوفى ٢٤٠ه/٨٥٤م)، وهو كتابٌ متعدِّد الأجزاء، ضمَّ بين دفّتيه آراء مالك بن أنس في الفقه، وهو أحد أقدم كتب الفقه الإسلامي، كما أنه النصُّ المؤسِّس للفقه المالكي(٣٨).
(٣٨) انظر: عبد الله، مالك والمدينة، ص٦٣-٧٠.
رأى عددٌ كبيرٌ من زملائه المحافظين في الأزهر أن إصلاحاته مشبوهةٌ بالكليَّة، وأن اهتمامه بالأدب يتعارض مع الدين التعارض كله، بدلًا من كون الأدب – كما رآه عبده- ضروريًّا لبُعْده الأخلاقي. وعلى هذا النحو اتهم شيخ الأزهر عبد الرحمن الشربيني (المتوفى ١٩٠٨م) عبده -في حياته-بتحويل الأزهر إلى مدرسة فلسفةٍ وآدابٍ، تُحارب الدين وتُطفئ نورَه (٤١).
(٤١) رضا، تاريخ الأستاذ الإمام، ج ١، ص٥٠٣.
لم يكن الأزهر منبرًا لنشر كتبِ التراث قبل عبده، كما لم يصبح كذلك من بعده. بل نظر الأزهر إلى نفسِه – بوصفه معهدًا دينيًّا- في المقام الأول على أنه حاملُ تقليدٍ دينيِّ خالدٍ يمكن إتقانه من خلال دراسة نصوص مناهجه فحسب.
فإذا كان هناك متنٌ ما قد خرج من المنهج، فمن المحتمل أن يكون ذلك قد جرى لسبب وجيهِ؛ فربما كان هذا المتن دون المستوى مثلًا، أو ضلَّ مؤلفه سواء السَّبيل.
طاهر الجزائري المصلح النشط الذي أطلق عليه محمد عبده سوريا .
طاهر الجزائري ونشاطه مُتعدِّد الوُجُوه
لم يكن مفكِّرًا عامَّا بقدر ما كان عالمًا مُلمًّا بأدبيات التراث المخطوط إلمامًا عميقًا، وموجهًا لعملية إعادة اكتشاف النصوص التراثية على حدٍّ سواء، ومن وراء ستار.
وُلِد الجزائري في دمشق عام ١٨٥٢م. وكانت أسرته جزءًا من موجة المهاجرين الجزائريين الذين طرقوا أبواب دمشق لاجئين في أعقاب هزيمة الأمير عبد القادر على أيدي الفرنسيين عام ١٨٤٧م، وأضحى والده شخصيةً بارزةً في دمشق، وعمل قاضيًا بها.
وغطَّى التعليم الرسمي لطاهر الجزائري العلوم الإسلامية بالإضافة إلى اللغات العربية والتركية والفارسية، وكذلك العلوم الطبيعية. ولمَّا انتهى الجزائري من دراسته، لزم مجالس الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني (١٨٠٧ -١٨٨١م)، وكان من أوائل العلماء والمصلحين السوريين.
وتألّفت النزعة الإصلاحية لدى الميداني من معارضته الشديدة لما رآه خُرافةً في التدين الشعبي(٥١).
(٥١) محمد كرد علي، كنوز الأجداد، ص ٥-٦.
وقد درَس الميداني على ابن عابدين (المتوفى ١٨٣٦م)، وكان أعظم مؤلفي متون الشروح في الفقه في القرن التاسع عشر، وتوضّح كتاباته أنه كان منغمسًا في الأدب الحديث ومقتصرًا عليه(٥٣).
(٥٣) انظر، على سبيل المثال: الميداني، شرح العقيدة الطحاوية، ٧٤-٧٥. وللاطلاع على قائمة الكتب التي درسها، انظر: الميداني، اللباب، ج١: ٣٩-٤٤.
وقد صادف الجزائري إجناز جولدتسيهر (Ignaz Goldziher) في زيارة إلى دمشق عام ١٨٧٣م، فلفت انتباهه إلى الأوساط الأكاديمية الغربيَّة(٥٤).
وأبدى الجزائري اهتمامه بالمخطوطات النادرة والمبكّرة خاصةً، وتوفر -في الأخير – على تأليفِ فهرس ضمَّ أندر وأهم المخطوطات التي صادفها في حياته(٥٦).
(٥٦) طاهر الجزائري، فهرس منتخبات لنوادر الكتب.
وعندما التقى الجزائري بجولدتسيهر، كان الأخير في زيارة إلى دمشق، وكان كلا الرجليْن في أوائل العقد الثالث من عُمريهما. وقد مثَّل الجزائري بابًا دلَف منه جولدتسيهر إلى الحياة الفكرية للمدينة، فاصطحبه الجزائري إلى الصالونات الأدبية والمكتبات بالمدينة. وأطلق جولدتسيهر فيما بعد على هذه الفترة لقب الأجمل في حياته، وعدَّ النزعة الإصلاحية التي صادفها بين المثقفين السوريين المسلمين نموذجًا جديرًا بأن يحتذي مثالَه اليهود المعاصرون(٥٧).
(٥٧) Goldziher, Tagebuch, 64.
وربطت بين الرجلين أواصرُ صداقة دامت مدى حياتيهما. فبعد ما يقرب من ثلاثة عقود من زيارته إلى دمشق، كتب جولدتسيهر رسالةً مؤثرةً إلى الجزائري يقول له فيها:
أرجو أنه ما انمحى من قلبكم خيال صاحبكم المجري الذي كان يستجير بشامِكم في سنة ١٢٩٠ه(٥٩)، مقتبسًا من أنوار علمائها، وكثيرًا ما تداول بين فضلائها وأدبائها، وصاحبكم يومًا فيومًا مستأنسًا بمجاورتكم ومذاكرتكم. وكنَّا إذ ذاك – أنتم وعبدكم الكاتب – في عنفوان شبابنا، متبحِّرين في العلوم الشَّريفة، مُستغرقين في بحور الآداب الظريفة. والآن هيهات بعد مرور سبعة وعشرين عامًا من الأحوال، وهن عظمي واشتعل رأسي شيبًا. أما والله ما اندرَس ذكر الصَّاحبين المنيرين من نفسي وفؤادي مع أني:
لقد عِيل صبري بعدكم وتكاثرت … همومي ولكن المحبَّ صبورُ (٦٠).
(٦٠) جولدتسيهر، من عالم غربي إلى عالم شرقي ، ص ٣٢١. وبيت الشعر مقتبس من قصيدة لعرقلة الكلبي (المتوفى ٥٦٧ه/ ١١٧١م)، وهو أحد شعراء بلاط صلاح الدين الأيوبي؛ انظر: ابن شاكر، فوات الوفيات، ج١، ص١٤٧.
وتوضّح الرواية التالية لتلميذه محمد كرد علي نهجَه في هذا الصدد: ومن عادة الشيخ أن يصحَب الفرق المختلفة، مهما كان لون طريقتهم ونحلتهم، حتى الملاحدة وأرباب الطَّرق (٦٥).
(٦٥) كرد علي، كنوز الأجداد، ص ١٥.
كان التدخل الإصلاحي الفعلي الوحيد الذي قام به الجزائري في هذه المجموعة الصوفية – بحسب رواية كرد علي – هو تشجيع أعضاء الجماعة على قراءة الكتب الجيّدة حتى يخدموا هذه الكتب الخدمة اللائقة ، وذلك من خلال قراءة النُّسَخ المطبوعة قراءةً نقديةً، ومعارضتها على المخطوطات، والاستفادة من الأدوات الأخرى، مثل مراجعة أمهات الكتب، لتخليص النصِّ من الفساد والأوهام.
وكان محب الدين الخطيب (١٨٨٦-١٩٦٩م) واحدًا من هؤلاء الطلاب، وكان في الثالثة عشرة من عمره آنئذٍ، وكان والده أبو الفتح مديرًا للمكتبة الظاهرية منذ عام ١٨٧٩م، وظلَّ في منصبه حتى عام ١٨٩٧م.
وحمله الجزائري على نسخ المخطوطات المحفوظة في المكتبة الظاهرية – ولا سيما كتب ابن تيمية- لتوسيع آفاقه الفكرية،
وأصبح آخرون من تلامذة الجزائري علماء في الأدب العربي والطب والعلوم الطبيعية في الجامعة الأمريكية في بيروت. وفضلًا عن ذلك، حضر بعض أكثر المفكرين السوريين تأثيرًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين صالونات الجزائري الأسبوعية.
وتكشف تحقيقات الجزائري عن دافع إصلاحيِّ لنشر أعمالٍ مفيدةِ اجتماعيًّا، واهتمامٍ بنقد النصّ، حيث كان يحرص عَلى معاودة أقدم المخطوطات المتاحة، وأكثرها جدارةً بالثقة.
تلميذ الجزائري محمد كرد علي، الذي أسَّس المجمع العلمي العربي [وهو اليوم مجمع اللغة العربية في دمشق].
وحدَّد الجزائري في ملحوظاته كتب التراث التي عدَّها مُفيدة في مهمَّة الإصلاح الفكري والمجتمعي ووصفها، بل اقتبس منها أحيانًا فقراتٍ متصلةً بهذا الصدد خاصةً.
ومن السمات البارزة لملحوظات الجزائري اقتباساتُه من المناقشات العلمية من كتب التراث؛ كي يقيم البرهان على أن الرؤى العلمية لم تكن غائبةً عن التراث الإسلامي، حتى لو ظهرت على هذا النحو في أواخر القرن التاسع عشر.
ففي حين أصرَّ بعض العلماء المسلمين المعاصرين على أن الأرض مسطحة (٩٠)، اقتبس الجزائري قولا لابن تيمية (من أهل القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي) مفادُه أن الأرضَ فضلا عن سائر الكواكب الأخرى كرويةٌ(٩١).
(٩١) طاهر الجزائري، التذكرة، ج ١ ، ص٤٩.
استشهد الجزائري بمناقشةٍ لابن عربي (من أهل القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي) عن التطور من الجمادات إلى الإنسان، حيث ادَّعى ابن عربي – فيما ادعى – أن القِردَة تشكّل حلقة الوصل بين الحيوانات والإنسان(٩٣). ومن الواضح أن هذه الملحوظة مرتبطة بالسجالات التي دارت حول أفكار داروين (Darwin) بالعربية آنذاك(٩٤).
(٩٣) طاهر الجزائري، التذكرة، ج١ ، ص٧٦.
(٩٤) انظر: Elshakry, Reading Darwin in Arabic.
فقد لاذ الجزائري – فيما يتعلّق بابن عربي- بالمفكر الهندي والمصلح صدِّيق حسن خان (١٨٣٢- ١٨٩٠م)،
كما ادَّعى أن هجومَ ابن تيمية على ابن عربي لم يكن نابعًا من منافسةٍ شخصيةٍ كانت بينهما، بل من نقدٍ مبدئيٍّ لابن تيمية لمواقف ابن عربي(٩٦).
(٩٦) طاهر الجزائري، التذكرة، ج ١ ، ص٤٦-٤٧. انظر: خان، التاج المكلل، ص١٦٨-١٦٩.
فقد نسَخ الجزائري مُصنَّفاته وباعها بأبخس الأثمان لباعة الكتب المخطوطة المحليين توسُّلًا لنشر أفكار ابن تيمية الحقيقية على نطاقٍ أوسع(٩٨).
وفي مصر، لقي الجزائري ترحيبًا حارًّا من أهلها. وكانت القاهرة في أوائل القرن العشرين مركزًا لا يُبارى لطباعة الكتب العربية في العالم.
وباع الجزائري كتبَه لعلية القوم من هواة جمع الكتب من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي، اللذين فتحا أبواب مكتبتَيْهما الخاصَّة أمام الجمهور في حياتيهما. ورفَض الجزائري – في الوقت نفسه- عروضًا أعلى قيمةً بكثير لبيع كتبه للمكتبات الأوروبية؛ لأنه كان يودُّ لو بقيت كُتبه في ديار العرب والمسلمين(٩٩).
(٩٩) كرد علي، كنوز الأجداد، ص١٢.
وباع الجزائري لزكي النسخة الفريدة من كتاب ابن الكلبي (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) المسمَّى كتاب الأصنام، وهو كتاب عن أديان العرب في الجاهلية في شبه الجزيرة العربية، ثم حقّقه زكي ونشره لاحقًا.
وبعد مضي خمس سنوات من وفاة الجزائري، نشر الباحث السويدي هنريك صموئيل نيبيرج (Henrik Samuel Nyberg) (١٨٨٩-١٩٧٤م) أخيرًا نصَّ [ابن] الخياط. وعلى الرغم من أنه أقرَّ في مقدمته بأن فضل اكتشاف هذا الكتاب يعود إلى الجزائري، فإن المراجع حتى يومنا هذا تدَّعي أن نيبيرج هو من اكتشف الكتابَ وحقَّقه !
وكان الجزائري نسيجَ وحدِه. ووُصفَ بأنه لم يتزوج قطُّ طيلة حياته، وكان يرتدي أسمالا مُمزَّقة ويحمل في جيبه ورقة وقلمًا وسكينًا صغيرًا وخيطًا (للتجليد)، وبعض الخبز والجبن الجاف في جيبٍ آخر.
وقيل: إنه كان يقضى لياليه في المسامرة مع أصدقائه، ثم كان يستغرق في القراءة والكتابة حتى يحين وقت صلاة الفجر، ثم ينام بعد الصلاة. وكان يحافظ على عاداته الليلية من خلال الإفراط في شرب السجائر والقهوة، وكان يلفُّ من السجائر كميَّة تعادل استهلاكه أسبوعًا في كل مرة توفيرًا للوقت(١١٠).
(١١٠) كرد علي، كنوز الأجداد، ص٢١-٢٢.
حتى أُثِر عنه قوله: الإتقان لا حدَّ له، والأغلاط تُصحَّحٍ مع الزمان (١١١).
(١١١) كرد علي، المصدر نفسه، ص١١.
وكان هذا الموقف البراغماتي متجذِّرًا جزيًا في إحباطه الناجم عن معرفته بالعدد المذهل لكتب التراث غير المنشورة، التي كان يعتقد أنه ينبغي أن تُنشر لإعلام المجتمع وتشكيله في ذلك العصر.
فكتب الجزائري غاضبًا لزكي: لقد أسأت إلى الأمة العربية بإبطائك في إخراج الكتب للناس. وإذا ادَّعيت أنك تقصد فقط نشرها سالمةً من الخطأ، مشفوعةً كلها باختلاف النسخ والتعاليق، فالتأنُّق لا حدَّ له. ويكفي أن ينتفع الناس بالموجود (١١٣).
(١١٣) المصدر نفسه، ص ١١ .
وفي الأخير، عاد الجزائري إلى موطنه دمشق في أعقاب الاستقلال بين نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الاحتلال الفرنسي عام ١٩٢٠م. حيث عُيّن عضوًا فخريًّا في المجمع العلمي العربي، إلا أنه ما لبث أن تُوفى بعد صراع قصير مع مرض غامض، يُعتقد أنه كان سرطان الرئة.
نصدَّر الجزائري -الراهب وعاشق الكتب- ومحمد عبده -السياسي ورجل الدين المصلح- مشهد علماء المسلمين في بداية القرن العشرين؛
وبالإضافة إلى ذلك، كان كلٌّ من الجزائري وعبده مُعلِّمين أنفَقَا جزءًا كبيرًا من وقتَيْهما، وبدَّدا طاقتَيْهما في تدريس الطلاب، وإنشاء مؤسَّسات تعليمية، وإصلاح المؤسسات التعليمية القائمة بالفعل، فضلا عن تصنيف الكتب المدرسية المُخصَّصة للتدريس(١١٦).
(١١٦) انظر على سبيل المثال: محمد عبده، رسالة التوحيد؛ طاهر الجزائري، تمهيد العروض؛ طاهر الجزائري، الجواهر الكلامية.
الفصل السابع: الحركة الرَّجعيَّة ضِدّ ثقافة العصر الحديث
كان الدافع خلف اكتشاف النصوص المنسيَّة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين -وإعادة إدخالها في التداول الثقافي على نحو فعَّال- مناهضًا للتقليد؛ بمعنى أن هذا الدافع اشتمل ضمنيًّا على ادعاء يقضي بأن التقليد آنذاك -المتجسّد في دواوين الفقه في العصر الحديث- قد أخفق في الحفاظ على جميع المعرفة القيِّمة في التداول العلمي.
هذا الفصل يركّز على البحث عن المصنفات المتعلَّقة بالفكر الديني ونشرها، وممارسات العلماء المسلمين الإصلاحيين.
وقد نأت بنفسِها عن التيار العلمي السَّائد في أيامها من خلال مهاجمة المعتقدات والممارسات الصوفية الباطنية بوصفها خرافاتٍ، ومجافيةً للعقل، ومخالفةً للمُثُل الإسلامية.
ولقّب بعض هؤلاء الإصلاحيين أنفسهم بـ السَّلفيِّين ، أو أولئك الذين يسعون إلى تقليدِ السَّلف، على الأقل منذ بداية القرن العشرين فصاعدًا.
بيد أنهم لم يكونوا بدائيين أو متشدّدين يرغبون في تصفية جميع التطورات الفكرية بين عصرهم وبين عصر النبوَّة.
كما أولى هؤلاء المصلحون قدرًا كبيرًا من الاهتمام بمصنفات العالم الدمشقي ابن تيمية، حيث رأوا فيه روحًا مُلهمةً، بيد أنهم نشروا أيضًا أعمالا لمفكرين مثل: ابن سينا، ومِسكَويه، والغزالي، وابن عربي؛ ليس لأنهم اتفقوا بالضرورة مع جميع الأفكار التي طرحها أولئك المؤلفون؛ بل لأنهم كانوا على ثقةٍ من أنه سيجري تمييز الحق من الباطل حتى ولو غابت الشروح على هذه المتون.
شبكة عبر وطنيّة من جامعي الكُتُب
العالم الهندي والمسؤول الحكومي صدِّيق حسن خان، … كان خان قد سافر بنيَّة الحج إلى مكَّة والمدينة عام ١٨٦٩م، واغتنم هذه الفرصة للبحث عن مخطوطات الكتب النادرة آنئذٍ وشرائها، بما في ذلك أعمال المصلح اليمني الشوكاني وابن تيمية، بل إنه نسخ بخطه نقد الأخير للمنطقيين المسمَّى كتاب الرد على المنطقيين.
أحد الناشطين في هذه الشبكة. واشتملت هذه المصنفات على تفسير ابن كثير (المتوفى ٧٧٤ه/ ١٣٧٣ م)، الذي كان خان يعرفه، إلا أنه لم يستطع اقتناء نسخة منه، على الرغم من صلاته الشخصية الواسعة، وثروته الطائلة(٦).
(٦) خان، قصد السبيل، ص ١٤، حاشية ١.
وكان أحمد بن عيسى (١٨٣٧-١٩١١م) – وهو أحد العلماء من جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، استقرَّ في مكَّة واكتسب رزقَه من العمل بالتجارة- مصدرًا مهمَّا لكتب التراث للمُصلحين من أمثال خان.
أرسل إلى خان مجموعة من الكتب التي تضمَّنت أعظم إبداعات ابن تيمية حول الانسجام بين العقل والشَّرع، وهو كتابه المسمَّى درء تعارض العقل والنقل، ونقده الواسع لعقيدة الشيعة الاثني عشرية المسمَّى منهاج الشُنة، فضلًا عن شرحِ صوفيّ لتلميذه ابن قيم الجوزية المسمَّى مدارج السالكين. كما تضمَّنت تلك الشحنة مُصنَّفاتٍ لأحمد بن حنبل (المتوفى ٢٤١ه/ ٨٥٥م)، والطبري (المتوفى ٣١٠ه/ ٩٢٣م)، وموفَّق الدين بن قُدامة (المتوفى ٦٢٠ه/ ١٢٢٣م)، وأبى عثمان الصابوني (المتوفى ٤٤٩ه/ ١٠٥٧م)(٨).
(٨) هذه الكتب هي: الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل، وعقيدة الطبري، وإثبات صفة العلو لابن قدامة، وعقيدة الصابوني. انظر: خان وابن عيسى، الرسائل المتبادلة بين الشيخين، ص٧٦، ٧٨-٧٩، ٨٦.
وعلى الرغم من مكتبته الواسعة واستخدامه كتب التراث في كتاباته الخاصَّة، فإن خان لم يقتنِ كتابًا تراثيًّا واحدًا مطبوعًا. فهذه الخطوة – أعني طباعة كتب التراث- سيُقدم عليها الجيل التالي من العلماء الإصلاحيين، وعلى رأسهم محمود شكري الآلوسي (١٨٥٦-١٩٢٤م).
كان الآلوسي سليلَ عائلةٍ علميةٍ بارزةٍ في بغداد. وكان جدُّه محمود شهاب الدين الآلوسي (١٨٠٢-١٨٥٤م) قد صنَّف تفسيرًا للقرآن في ثلاثين مجلدًا(١١).
(١١) محمود شهاب الدين الألوسي، روح المعاني.
كما صنَّف عمُّه نعمان خير الدين الآلوسي (١٨٣٦-١٨٩٩م) كتابًا في الدفاع عن ابن تيمية، صار مرجعًا أساسيًّا في هذا الصدد(١٢).
(١٢) نعمان الآلوسي، جلاء العينين، وسيأتي الحديث عنه.
جسَّد حجاج الآلوسي في ردِّه على النبهاني برنامجه الإصلاحي -الذي تشارك فيه مع عددٍ كبيرٍ من معاصريه- فقد انتقد تقديس المقامات والأضرحة الشعبيَّة، ودافع عن ابن تيمية، وبرَّر الاجتهاد والتفكير المستقلّ.
وتعاون الآلوسي -في هذه المساعي – تعاونًا وثيقًا مع جمال الدين القاسمي (١٨٦٦-١٩١٤م)، الطالب الدمشقي، وتلميذ طاهر الجزائري.
أيَّ تفاعل مباشر مع أدبيات التراث كان يُعَدُّ تحايلًا على بنية السُّلطة المدرسيَّة في العصر الحديث، ومن ثَمَّ كان يُنظر إليه على أنه تهديدٌ عميقٌ للوضع الراهن.
كما نَشَر القاسمي مجموعًا من ثلاثين رسالة في الفلسفة، ومكارم الأخلاق، والعقيدة، والتصوف، والفقه، لمجموعة متنوّعة من المؤلفين، بمن فيهم: ابن سينا، وابن عربي، ويحيى بن عدي، وابن تومرت، وفخر الدين الرازي، وأبو شامة، وابن تيمية، والغزالي(٤٠).
فإن احتمال الخسارة كان ماثلًا أمام أعينهم أيضًا، ولا سيما متي تعلَّق الأمر بالمصنفات الكبيرة، أو على وجه الخصوص، تلك التي وصلتنا على هيئة أجزاء.
واعتمد القاسمي والآلوسي على أربعة أفراد – خاصةً- لتوفير التمويل اللازم لنشر كتب التراث. كان على رأسهم عبد القادر التلمساني (لم أقف على تاريخ وفاته)، وكان تاجرَ منسوجاتٍ ثريًّا من أهل جدة، تلقى تعليمه في الأزهر، وكان أشدَّ حماسةً للكتب من زميله التاجر والعالم أحمد بن عيسى الذي كان وكيل صدِّيق حسن خان والآلوسي في شراء المخطوطات.
أما ثانيهم فكان تلميذ التلمساني محمد نصيف (١٨٨٥-١٩٧١م)، وكان أيضًا تاجرًا مقيمًا في جدة، وأنشأ مكتبةً خاصةً كبيرة من المصنفات المطبوعة والمخطوطة.
ابن تيمية نموذج للعَالِم المُحصِّل المُدقِّق
ولعِب ابن تيمية – العالم الشامي المتفنِّن في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي-دورًا مركزيًّا على كلتا الجبهتَيْن عند الإصلاحيين في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين، تمامًا كما فعَل في القرنَيْن الحادي عشر والثاني عشر الهجرتَّيْن/ السابع عشر والثامن عشر الميلاديَّيْن.
ولم تُطبَع أيٌّ من كتابات ابن تيمية الغزيرة حتى أوائل القرن العشرين(٤٨)، نظرًا لأن ابن تيمية قد اتُّهم بالزندقة (وهو الاتهام الذي روَّج له ناقده الرئيس [ابن حجر] الهيتمي من أهل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي) خاصةً، ولم تكن كتاباته متاحةً على نطاقٍ واسع بحالٍ من الأحوال. ويُعَدُّ كتاب نعمان الآلوسي عن ابن تيمية -المسمَّى جلاء العينين في محاكمة الأحمدين – فحصًا دقيقًا لحجج أحمد (الهيتمي) ضد ابن تيمية(٤٩).
(٤٨) سلامة، معجم ما طُبع، ص ٣٥-٣٧.
والواجب على طالب النَّجاة في الدَّارين ألَّا يحكمَ لأحدٍ من المدعين بلا سماعِ كلام الخصمَيْن. وها أنا بتوفيقه -سُبحانه- قد ذكرت كلام الشيخَيْن، وتصفَّحت نصوص الطرفَيْن، متجنبًا عن داء العصبيَّة، متنحيًا عن حمَّى الغيرة الجاهليَّة (٥٠).
(٥٠) نعمان الآلوسي، جلاء العينين، ص٥٥٧.
كانت التُّهم الأوَّليَّة التي وجَّهها الهيتمي لابن تيمية متعلَّقة بانتقاد الأخير لعلماء الصوفية، ولم يسمِّهم (ولكن ابن عربي كان على رأسهم بلا شكّ)، كما اتهمه بالتجسيم في معرض حديثه عن الذَّات والصفات الإلهية، فضلًا عن اتهامه بالخروج عن إجماع الفقهاء في بعض المسائل. ودحض نعمان ادعاءاتِ الهيتمي في جميع هذه المجالات، ساخرًا من إخفاقه في الاستشهاد بكتابات ابن تيمية على نحو مباشر(٥١)، ومدافعًا عن حق ابن تيمية في تطوير مواقفه وانتقاد مواقف الآخرين طالما أن نقده مؤسَّسٌ على دليل(٥٢).
(٥١) نعمان الآلوسي، جلاء العينين (نشرة آل زهوي)، على سبيل المثال، ص١١٤. وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود لاحقًا، هاجم ابن أخي نعمان – أعني محمود شكري – النبهاني بسبب الخطأ نفسه بالضبط، أي الاستناد إلى المصادر الثانوية ونسبة ابن تيمية إلى الزندقة بدلًا من قراءة كتابات الأخير مباشرة، ولا سيما بعد أن أضحت متاحةً على نحو متزايد في المطبوعات في عصر النبهاني. انظر: النبهاني، شواهد الحق، ص ١٣٠؛ محمود شكري الآلوسي، غاية الأماني (نشرة الغيهب)، ج1، ص٤٩٢.
(٥٢) نعمان الآلوسي، جلاء العينين (نشرة آل زهوي)، ص١٧٧.
كما لفت الآلوسي الانتباه إلى استشهاد ابن تيمية الدقيق وعزوه الآراء السابقة له، على النقيض من اعتماد الهيتمي على مصادرَ ادَّعت النقل عن ابن تيمية.
وقد اتصل أتباع ابن عبد الوهاب بأفكار ابن تيمية على نحوٍ أساسيٍّ من خلال كتابات ابن القيم في العقيدة، ولا سيما قصيدته النونيَّة(٥٦) التي كانت معروفةً على نطاقٍ واسع في نجد(٥٧).
(٥٦) الاسم مشتقٌّ من قافية القصيدة التي جرت على حرف النون. والعنوان الحقيقي للقصيدة هو الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية.
(٥٧) انظر مقدمة المحققين لكتاب ابن القيم، الكافية الشافية، ج ١ ، ص٢٦-٣٣.
بدأت موجة المطبوعات لكتب ابن تيمية بنشر مجموعة مختارة من رسائله في عام ١٩٠٠م(٦٠). وعلى مدى نصف القرن التالي، طُبع أكثر من ١٣٠ كتابًا لابن تيمية في مصر(٦١).
(٦٠) معراج الوصول، والحسبة في الإسلام، والواسطة.
(٦١) سلامة، معجم ما طُبع، ص٣٥.
وبالإضافة إلى تأثير فكر ابن تيمية نفسه، كان لنشر كتاباته آثار مضاعفة مهمَّة من خلال لفت الانتباه إلى عددٍ لا يُحصى من العلماء والكتب التي ذكرها في مصنفاته. فعلى سبيل المثال، وصف محمد محيي الدين عبد الحميد (١٩٠٠-١٩٧٣م) -وكان أحد أكثر المحققين الناشطين في تحقيق كتب التراث بين العقدين الثالث والسابع في القرن الماضي- قراءته لنشرة منهاج السُّنة، ودهشته من طائفة المؤلفين والآراء التي عالجها ابن تيمية.
وأخذت إشارات ابن تيمية المتكررة لكتاب الأشعري (من أهل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي) المسمَّى مقالات الإسلاميين بلبِّه، ومن ثَمَّ قرَّر تحقيق هذا الكتاب ونشره.
وأخيرًا، كشف تنقيبُ القاسمي في المخطوطة الدمشقية من كتاب الكواكب الدراري عن كتابٍ آخر لابن تيمية، وهو كتاب لم يصلنا من خلال مصدرٍ آخر؛ وهو كتابه المسمَّى قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة. ويُعَدُّ هذا العمل حُجَّة ابن تيمية الكبرى ضد التوسل بغير الله، كالتوسُّل بالموتى من الأولياء بوصفهم وسطاء بين المؤمن وربه على سبيل المثال.
ففي عام ١٩١١م، وجَد القاسمي -في أثناء فحصه للمكتبة الخاصة للعالم الدمشقي محمد جميل الشطّي (١٨٨٢-١٩٥٩م)- كتابًا لابن تيمية، وهو كتابه المسمَّى الرد على البكري، وهاجم فيه ابن تيمية ممارسة التوسُّل بالأولياء (أو أي شخص آخر من دون اللّه) وسيلةً لاستجابة الدعاء.
ومن الأمثلة على ذلك قضية الطلاق، حيث وجد القاسمي كتابًا فريدًا لا بن القيم بعنوان إغاثة اللهفان، في مكتبة جدِّه الخاصَّة(٩٤). وكان ابن تيمية وابن القيم مهتمَّيْن بالعواقب الاجتماعية السَّلبية المترتِّبة على طلاق الرجال زوجاتهم طلاقًا غير رجعيٌّ من خلال يمين الطلاق الثلاث.
(٩٤) ابن القيم، إغاثة اللهفان. وانظر أيضًا: العجمي، الرسائل المتبادلة بين القاسمي والآلوسي، ص٧٥.
وقال ابن القيم في الكتاب الذي اكتشفه القاسمي: إن الطلاق في سورة الغضب لا يقع. ونسخ القاسمي النصَّ، وصحَّح النسخة التي انتسخها بنفسه، ثم أرسلها إلى مصر، حيث نشرتها مطبعة المنار(٩٦). وتبنَّى المصلحون المسلمون حِجاج ابن تيمية واستخدموه لتحدي قانون الطلاق السائد بوصفه رأيًا شرعيًّا لم ينعقد عليه إجماع الفقهاء، كما أن له آثارًا ضارة على الصعيد الاجتماعي(٩٧).
(٩٦) العجمي، الرسائل المتبادلة بين القاسمي والآلوسي، ص٧٦، ٩٤.
ومع ذلك، فإن المدارس الحديثة لم تكن مقيدة بالإجازات والرواية المتصلة، ومن ثَمَّ كان يمكن إدخال المواد الجديدة إلى مناهجها بسهولة أكبر.
وعلى الرغم من أن ردود الأفعال تجاه الأولياء وعادات زيارة أضرحتهم يمكن إرجاعها إلى حقبةٍ مبكرةٍ من تاريخ الإسلام، فإن التبجيل المؤسَّسي للأولياء – سواء كانوا أحياءً أم أمواتًا- وزيارات الأضرحة والمقامات، أضحت جزءًا رئيسًا من الحياة الدينية في الإسلام في العصر الحديث.
واحتوت زيارة قبور الأولياء على طقوس دينية مُتقنة، فكان المتبركون بالزيارة يطوفون حول الضريح على غرار الطواف حول الكعبة في مكة أثناء الحج، ويتوسَّلون خلال طوافهم إلى الوليِّ المتوفَّى ليشفع لهم عند اللّٰه فيستجيب دعاءهم(١٠٨)، كما كانوا يجلبون الأضحياتِ إلى المقام ويضحون بها باسم الولي(١٠٩).
(١٠٨) انظر على سبيل المثال: عويس، رسائل إلى الإمام الشافعي؛ نعمان الآلوسي، جلاء العينين (نشرة آل زهوي)، ص ٥١٠.
(١٠٩) انظر السيرة الذاتية لصحفي مصري وصف الأضاحي عند ضريح السيد البدوي في طنطا في: الجداوي، كنت قبوريًّا، ص١٦-١٧. وانظر أيضًا: الجبرتي، عجائب الآثار، ج٢، ص٢٤٩. وعن الدفاع عن هذه المعتقدات وغيرها من ممارسات الصوفية -التي ندَّد بها الإصلاحيون- انظر الدِّير شَوي، ردود على شبهات السلفية.
لم يكن تقديس الأولياء متعلقًا بسلطة الأموات فحسب، بل كان يخدم المصالح الاقتصادية للأحياء؛ إذ تنافست الطُّرق الصوفية – التي كان يرأسها شيوخ تلك الطرق بالوراثة- على السيطرة على الأضرحة المربحة وأوقافها وصناديق النذور بها(١١٠).
(١١٠) الجبرتي، عجائب الآثار، ج٣، ص٤٢٥-٤٢٦.
وتوضِّح قصةٌ تربويةٌ رواها عبد الغني النابلسي -وكان أحد أئمَّة المتصوفة في العصر الحديث- قوة هذا الدور الوسيط الذي اضطلع به الأولياء:
وكذلك وقع للسيد محمد الحنفي الشاذلي أنه كان يهدي من مصر إلى الروضة ماشيًا على الماء هو وجماعته، فكان يقول لهم قولوا: يا حنفي، وامشوا خلفي، وإياكم أن تقولوا: يا اللّٰه تغرقوا! فخالفهم شخصٌ منهم وقال: يا اللّٰه. فزلقت رجله فنزل إلى لحيته في الماء. فالتفت إليه الشيخ وقال له: يا ولدى، إنك لا تعرف اللّٰه تعالى، حتى تمشي باسمه على الماء، فاصبر حتى أعرِّفك بعظمة اللّٰه ثم أُسقط الوسائط (١١١).
(١١١) النابلسي، كشف النور، ص٢١.
وخصّص نعمان الآلوسي جزءًا مطولا من كتابه عن ابن تيمية لمناقشة مسألة زيارة الأضرحة(112)، واقتبس عن والده محمود شهاب الدين قوله في هذه الممارسة وتبريرها الباطني:
(١١٢) نعمان الآلوسي، جلاء العينين (نشرة آل زهوي)، ص٤٢٣-٥١٣.
ورأيتُ كثيرًا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء. ومنهم من يُثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم؛ لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم. والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبُتَ ذلك بالكشف. قاتلهم اللّٰه تعالى ما أجهَلهم وأكثر افترائهم. ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكَّلون بأشكال مختلفة … وكل ذلك باطلٌ لا أصلَ له في الكتاب والشُّنة وكلام سلف الأُمَّة. وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكةً لأهل الأديان المنسوخة في اليهود والنصارى، وكذا لأهل النِّحل والدَّهرية، نسأل اللّٰه تعالى العفو والعافية (١١٣).
(١١٣) نعمان الآلوسي، جلاء العينين (نشرة آل زهوي)، ص ٤٧٨، نقلا عن: محمود شهاب الدين الآلوسي، روح المعاني (نشرة ١٩٢٦م)، ج١٧، ص٢١٣.
وشاعَت بين الناس الادعاءات القائلة: إن اللٰه قد فوَّض ملكَه وخلقَه إلى أوليائه، الذين يسعُهم أن يؤثروا -من ثَمَّ- في أي شيء من الحياة والموت إلى المناخ والطقس والحروب(١١٥).
(١١٥) عن مجموعة من هذه الادعاءات، انظر العمل الجدلي: محمد لوح، تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، ج١، ص١٣٤-١٧٢.
حتى إن عبد الوهاب الشعراني (الذي عرضنا له في الفصل الثاني) احتفى بقوة الولاية من خلال سرد قصة شيخ صوفي يدعى يوسف الكوراني، الذي ما إن خرج من خلوته – وكان مشحونًا بالطاقة الروحية- حتى حوَّل كلبًا إلى وليٍّ بمجرَّد أن نظر إليه. ونتيجة لذلك:
صار الناس يهرعون إليه [أي الكلب!] في قضاء حوائجهم. فلمَّا مرِض ذلك الكلب، اجتمع حوله الكلاب يبكون ويُظهرون الحزن عليه. فلمَّا مات أظهروا البكاء والويل. وألهم اللّٰه تعالى بعض الناس فدفنوه فكانت الكلاب تزور قبره! (١١٦).
(١١٦) الشعراني، الطبقات الكبرى (نشرة العجماوي)، ج٢، ص٩١-٩١.
نُشِر الكتاب الذي احتوى على هذه الرواية عام ١٨٨٢م؛ وبحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، أصبحت تلك الرواية محرجةً للغاية، حتى إن القائمين على نشرةٍ جديدةٍ من هذا الكتاب رأوا حذفها بالكُليَّة(١١٧).
(١١٧) قارن الشعراني، الطبقات الكبرى (نشرة السايح ووهبة)، ج٢، ص١٣٢-١٣٤.
فقد انطوت الولاية عند الصوفية – في عيون الإصلاحيين- على إساءة استخدام السلطة على العوام الجهال، حيث سعى الصوفية للسيطرة على حياتهم من خلال ترسيخ إيمانهم بالخرافات التي تضمَّنها تقديس الأولياء في طياتِه، وأدى ذلك إلى تشويه العقيدة الإسلامية كي تستوعب المظهر النمطي للكشف والكرامات عند المتصوفة.
وقصَّ رضا في روايته أنه كان قد انتهى لتوه من قراءة الفصل المتعلّق بواجب المسلم في النهي عن المنكر في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، فلمَّا وجد هذه الطقوس ممزوجة باللهو، والسجود لغير الله، لم يُطِق السكوت.
فاعترض رضا على طقوس العبادات المبتدعة التي طوَّرها المتصوفة، مثل طقوس الدراويش، وردّ على شيخه قائلًا: إنها في الواقع أسوأ بكثير من جلوس العوام على المقاهي واستماعهم إلى الموسيقى للترفيه؛ ذلك أن المتصوفة عدُّوا هذه الأشكال من العبادة أقوى وأعمق من العبادات التي أمر بها النبي [ﷺ] نفسه(١٢٠).
(١٢٠) رضا، المنار والأزهر، ص١٧٢-١٧٣.
وفي حين أن معظم الإصلاحيين وصفوا ممارسات الصوفية بأنها غير إسلامية وجادلوا بأنها أضرَّت بالتوحيد في قلب الإسلام، فقد عدَّ ابن عبد الوهاب الممارسين لها كفارًا صريحين في الكفر، وتحالف مع آل محمد بن سعود (المتوفى ١٧٦٥م)، فأعلن الحرب عليهم، سواء في مصنَّفاته أو على الأرض(١٢٥).
(١٢٥) ابن غنام، تاريخ نجد، ص٤٩-٧٨، ص٢٢٦-٢٤٢.
وعلى هذا النحو انفصل ابن عبد الوهاب عن الإصلاحيين المعاصرين؛ لأنهم نظروا إليه على أنه كفَّر إخوانهم المسلمين، وأباح دماءهم. فانتقدوا أفعاله على الرغم من أنه كان يشاركهم في النقد الأساسي للممارسات الصوفية(١٢٦).
(١٢٦) انظر: ابن حميد، السحب الوابلة، ج٣، ص٩٧٣، عن نقد ابن عبد الوهاب لابن فيروز (١٧٢٩ أو ١٧٣٠-١٨٠١ أو ١٨٠٢م). وعن شيخه محمد بن سليمان الكردي، انظر: دحلان، الدرر السنية، ص٤٧. وعن الشوكاني، انظر: Haykel, Revival and Reform, 129.
وشكَّل ابن تيمية أهمَّ نموذج استلهمه الإصلاحيون؛ إذ لم يقدّم لهم نموذجًا للعالم المستبصر الذي لا يكلّ ولا يملّ فحسب، بل قدّم لهم أيضًا تحليلًا واسعًا لأصول الفكر الإسلامي. فسلَّطوا الضوء على استعداده للتعامل مع أفكار كل دين، وكل فلسفة وكل مدرسة كلامية، كما سلَّطوا الضوء أيضًا على إصراره على حمل آراء خصومه على محمل الجدّ. وهي ممارسة تناقضت مع ممارسات منتقديه. وقدَّم مثال ابن تيمية -بالنسبة إلى المفكرين مثل الآلوسي والقاسمي – درسًا حاسمًا لتشكيل المسلم الحديث، ولم يكن المحك ما الذي يفكّر فيه بالضرورة، بل الكيفية التي يجادل بها(١٣٠).
(١٣٠) عن مثالٍ مثيرٍ للاختلاف في المعتقدات الكلامية لكلُّ من ابن تيمية والقاسمي، انظر للأخير: تاريخ الجهمية والمعتزلة.
الفصل الثامن: النقد والفيلولوجيا
أثَّرت الحرب العالمية الأولى وتداعياتها في جميع مجالات الحياة السياسية والثقافية في الشرق الأوسط. ولمَّا تفكَّكت الدولة العثمانية، تقاسمت بريطانيا وفرنسا ولاياتها العربية، وحوَّلتها إلى مُستعمراتٍ لهما، بينما تحوَّل قلب الأناضول -بقيادة مصطفى كمال أتاتورك – إلى تركيا الحديثة. وتضمَّن برنامج أتاتورك -العلماني الخشِن – الإلغاء الشامل لمؤسسات التعليم الديني الإسلامي، واستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي -الذي كانت تُكتَب به التركية العثمانية- لكتابة التركية الحديثة، وهي أعمال أدَّت إلى محو التراث الأدبي بالكليَّة.
وأدَّت نهاية الخلافة العثمانية – بوصفها رمزًا للوحدة الإسلامية-بالإضافة إلى هيمنة القوى الأوروبية – شبه العالمية- على جميع أنحاء الشرق الأوسط، أدت إلى اضطرابٍ اعترى الفكر العربي الإسلامي.
وكان المستشرقون الأوروبيون قد طبَّقوا بالفعل منذ جيلٍ مضى المناهجَ الفيلولوجية -التي طوَّروها لدراسة الكلاسيكيات اليونانية والرومانية- لتحليل النصوص العربية، ومن ثَمَّ زادت وتيرة تعرُّض العلماء المسلمين لهذه المناهج، والنظريات الكامنة وراءها على نحو مباشر، ولا سيما من خلال التعليم الجامعي على أيدي المستشرقين إلى حدٍّ كبير.
في عام ١٩٢٥م، دلَف محمود شاكر (١٩٠٩-١٩٩٧م) -الذي لمَّا يكمِل من عمره ستة عشر ربيعًا وقتئذٍ- إلى المكتبة السَّلفية التي كان يملكها محبُّ الدين الخطيب في القاهرة. وكانت تلك المكتبة تقع على مرمى حجر من مبنى دار الكتب المصرية.
ومحمود شاكر هو ابن الشيخ محمد شاكر (١٨٦٦-١٩٣٩م)، وكان عالمًا أزهريًا بارزًا ذا ميولِ إصلاحيَّة.
فإن شغفَه سرعان ما تحوَّل من الرياضيات إلى الشعر العربي القديم لمَّا اعتاد زيارة هذه المكتبة، ولا سيما بعد أن درس الشعر على يد سيد المرصفي، وكان المعلم الأكثر تأثيرًا في الشعر العربي في مصر آنذاك.
وعلى أية حال، فقد التقى شاكر داخل المكتبة أستاذَه أحمد تيمور، … الذي أعطاه نسخةً من العدد الأخير من مجلة الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وأيرلندا (Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland). وتضمّن العدد مقالا عن أصول الشعر الجاهلي كتبه ديفيد صموئيل مرجليوث (David Samuel Margoliouth) (١٨٥٨-١٩٤٠م)، وكان أستاذا للغة العربية في جامعة أكسفورد (University of Oxford)(٤).
(٤) Margoliouth, “Origins of Arabic Poetry.”
وذهب مرجليوث في هذا المقال إلى أنه على النقيض من الاعتقاد السَّائد، فقد دَرَسَ شِعرُ ما قبل الإسلام. كما ذهب إلى أن القصائد المنسوبة إلى شعراء الجاهلية قد أُلّفت في الواقع بين القرنَيْن الثاني والثالث الهجريَّيْن، ونُحِلَت إلى شعراء الجاهلية.
ولكن صروف الدهر التي ترفع قومًا وتخفض آخرين قد أنزلت بنا، وبلغتِنا، وبأدبنا، وتاريخِنا، وديننا، ما يُبيح لمثل هذا المسكين وأشباهه من المستشرقين أن يتكلَّموا في شعرنا، وأدبنا، وتاريخِنا، ودينِنا، وأن يجدوا فينا من يستمع إليهم (٥).
(٥) محمود شاكر، المتنبي، ص١٢.
بعد ذلك بعام واحدٍ، التحق شاكر بجامعة القاهرة لدراسة الأدب العربي، نحضر – في الوقت المناسب تمامًا- سلسلةً من المحاضرات في الشعر الجاهلي ألقاها أستاذه المرموق طه حسين، ثم نشرها بأخرةٍ بوصفها دراسةً مثيرةً للجدل(٦).
(٦) حسين، في الشعر الجاهلي. انظر أيضًا: محمود شاكر، المتنبي، ص ٣١.
وكرَّر حسين -سواء في المحاضرات أو الكتاب- ادعاءات مرجوليوث نفسها، الأمر الذي أثار فضيحةً. وذلك آن إحدى الدعاوى التي ادعاها حسين في كتابه هي أن الرواية الإسلامية المتعلّقة ببناء إبراهيم وابنه إسماعيل [عليهما السلام] الكعبة في مكَّة ما هي إلا حديث خُرافة(٧).
(٧) Ayalon, “Revisiting Tah Husayn’s Fi al-Shi’r al-J hili.”
ومع ذلك – وبعيدًا عن نقاطٍ معينةٍ في العقيدة- فقد كان موقف طه حسين على الصعيد المنهجي هو الذي أثار قلقَ كثيرٍ من المراقبين. ففي مقدمة دراسته، قسَّم حسين العلماء العرب المعاصرين إلى معسكرين: التقليديين من أنصار القديم ، والحداثيين من أنصار الجديد ، ووصف الصنف الأول بأنه تبنَّى على نحو أعمى التقليد العربي الإسلامي، سواء في الفقه أو في تاريخ الأدب(٨).
(٨) حسين، في الشعر الجاهلي، ص١٤-١٧.
وفضلًا عن ذلك، رأى حسين أن منهج الشك المنهجي الذي طوّره ديكارت (Descartes) هو وحده الذي يمكن التعويل عليه في دراسةٍ موضوعيةٍ حقيقيةٍ، ليس في الفلسفة فحسب، بل في التاريخ أيضًا(٩).
(٩) حسين، المصدر نفسه، ص١٤-١٧.
وكان الطالب الآخر الوحيد في الصفّ الذي كان يساوره شكٌّ فيما يتعلَّق بمحاضرات الأستاذ هو محمود محمد الخضيري (لم أقِف على تاريخ وفاته)، وكان طالبًا في قسم الفلسفة.
أولًا: كانت أطروحة طه حسين عبارة عن سطو على فرضيَّة مرجوليوث، مع حذف بعض الأدلَّة الأقل إقناعًا التي ساقها الأخير، وإضافة غيرها، إلا أن حسينًا في دراسته لم يُشِر إلى دراسة مرجوليوث قطُّ.
ثانيًا: كانت معرفة حسين بالشعر الجاهلي محدودةً.
وواجه شاكر أستاذَه، إلا أن حسينًا رفض انتقاداته. فحكَّم شاكر بعد ذلك مستشرقَيْن كانا يدرّسان في جامعة القاهرة في ذلك الوقت، وهما: السويسري رودولف تشودي (Rudolph Tschudi) (١٨٨٤-١٩٦٠م)، والإيطالي كارلو ألفونسو نالينو (Carlo Alfonso Nallino) (١٨٧٢-١٩٣٨م)، إلا أنه وجد أن همَّهما الأساسي كان التستُّر على قضية انتحال حسين لمقال مرجوليوث. وأفضى اشمئزاز شاكر مما وقعٍ له إلى تركه الجامعة، فتخلَّى بذلك عن الدرجة الجامعية والأكاديمية بصفة عامَّة(١١).
(١١) محمود شاكر، المصدر نفسه، ص١٧-١٩.
ونشر زميله الخضيري ترجمة موجزة لمقالة مرجوليوث لفضح أوجه التشابه بينها وبين ودراسة طه حسين(١٣). كما ترجم خطاب ديكارت Discourse إلى العربية لشرح أفكار ديكارت(١٤).
(١٣) الخضيري، رأي الأستاذ مرجوليوث. وقّع المؤلف باسم م. م. خ. . وربما لجأ إلى ذلك لإخفاء هويته، فقد كان طالبًا في السنة الثانية في ذلك الوقت. وعرَّف شاكر به بوضوح في: المتنبي، ص١٤.
(١٤) ديكارت، مقال عن المنهج.
الدراسة العلمية للشعر العربي لم تنحَز إلى فرضية طه حسين قطّ، بل انحازت إلى تلميذه المراهق المتمرِّد محمود شاكر،
ستشتمل أعمال شاكر اللاحقة على بعض أفضل التحقيقات التاريخية للأدب العربي التي كُتِبت على الإطلاق(١٦).
(١٦) انظر على سبيل المثال: المتنبي؛ أباطيل وأسمار؛ قضية الشعر الجاهلي.
وتعكس هذه الرؤية الراديكالية فقدان الذاكرة الثقافي الذي طبقته الدولة في تركيا-أتاتورك، حيث أدى استبدال الأبجدية إلى جعل الماضي غير مقروء مجازيًا وحرفيًّا. أعرب شاكر عن أسفه قائلًا:
لأن هذا الأعجم وأشباهه يدرسون آدابنا وشعرنا وتاريخنا كأنه نقشٌ على مقبرة عادية قديمة، مكتوبة بلغة ماتت ومات أهلها، وطمرها تراب القرون. هؤلاء الأجانب ومن تبعهم يدرسون أدبَنا وشعرَنا وتاريخَنا كما لو كانت نقوشًا على قبور قديمة، مكتوبةً بلغة ميتة، لشعب هلك منذ زمن بعيد، مغطى بتراب القرون (١٨).
(١٨) محمود شاكر، المتنبي، ص١٣.
ففي صالون أدبي، قال الكاتب عباس محمود العقاد (١٨٨٩-١٩٦٤م) هازئًا: إنه إذا طبَّق المرء شكوك حسين على حسين نفسه، سينتهي الأمر بالتشكيك في وجوده هو شخصيًّا، كما شكَّك في وجود الشعر الجاهلي.
واستلهم صديقه إبراهيم المازني (١٨٨٩-١٩٤٩م) الفكرة، فكتب مقالًا فكاهيًّا، تمثَّل فيه مؤرخًا مصريًّا من القرن الثالث والعشرين يدرس نقديًّا شخصية طه حسين التاريخية، فيتوصل إلى نتيجة مفادها أن هناك عددًا من الكُتَّاب كلهم يُدعَى طه حسين، أو في الواقع لم يكن هناك شخصٌ تاريخيٌّ يُدعَى طه حسين، بل كان اسمًا مستعارًا استخدمه عددٌ من الكتَّاب.
ففي سبتمبر من عام ١٩٣٢م، نَشَر زكي مقالًا مستفيضًا قال فيه: إن ضريح السيدة زينب لم يحتو -خلافًا للاعتقاد السائد – على رُفات حفيدة النبي [ﷺ] قطُّ.
فأولًا – حسِب قوله- لم تُشِر الروايات التاريخية المعروفة عن حياة السيدة زينب إلى أنها قد سافرت إلى مصر قطُّ. وثانيًا: لم يذكر المؤرخون القدامى الذي أرَّخوا للقاهرة وخططها قبرها المفترَض، كما لم يصفه الرحالة الذين زاروا القاهرة. كما خلت من وصفه كتب الزيارات التي اهتمَّت بذكر قبور الأولياء والأعلام.
وفي نوفمبر / تشرين الثاني من عام ١٩٣٢م، ردّ شخص يُدعى محمد غالب عبد اللّٰه على مقال زكي.
وفيما تعلّق بالمصادر، لم يذكر عبد اللّٰه في مقالته سوى ثلاث مُصنَّفات للصوفي عبد الوهاب الشعراني (من أهل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي) … الذي ذكر أن شيخه الصوفي الخواص أخبره أن السيدة زينب المدفونة في قناطر السِّباع [بالقاهرة] هي ابنة الإمام علي ولا ريب .
وتصاعد الجدل بعد ثلاثة أسابيع، عندما قدَّم مسؤولٌ من وزارة الداخلية استفسارًا رسميًّا إلى مفتي مصر السابق (وتلميذ محمد عبده) محمد بخيت المطيعي، طالبًا حكمه في مسألة دفن السيدة زينب في الضريح المنسوب إليها في القاهرة، وطلب إليه تحديد الأدلة التاريخية المتعلّقة بهذه القضية.
فأجاب بخيت بالصيغة التقليدية للفتوى مستشهدًا بمصادره. ثم خلص في جوابه إلى أن المؤرخين القدامى، وكذلك علماء القرن التاسع عشر الجبرتي وعلي مبارك، أجمعوا على أن زينب حفيدة النبي [ﷺ] لم تطأ قدماها أرض مصر قطّ. وأشار إلى أن الذين يظنون أن الضريح للسيدة زينب بالفعل يحتجون بالادعاءات الصوفية القائمة على الكشف، ومن ثَمَّ فليس لحِجاجِهم قيمة تاريخية تُذكَر(٣٦).
(٣٦) بخيت، الأسئلة والأجوبة.
وشكّلت الأدلة التاريخية القوية التي جمعها قاسم العمود الفقري لجميع الحجج التي احتجَّ بها من جاء بعده ممَّن أرادوا إقامة البرهان على تاريخية ضريح السيدة زينب في القاهرة حتى يوم الناس هذا.
فلا وجود لرحلة الكهيني المفترضة في مجموعة عارف حكمت في المدينة المنورة، كما لم يُعثر عليها في أيّ مكان آخر؛ والأمر نفسه ينطبق على رسالة ابن طولون، التي لم يقدِّم قاسم أيَّ معلومات عن المكان الذي يحتفظ بها. وفي الوقت نفسه، لم يحتو كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر على الادعاء الذي نَسَبه قاسم إليه، كما أن مكتبة الخالدي لم تقتن يومًا نسخةً من تاريخ دمشق لابن عساكر.
وأخيرًا، يبدو أن الركن الأساسي الذي استند إليه قاسم – أخبار الزينبات- مُختلقّ بالكامل.
وفي الخاتمة، استبق قاسم الاعتراض على أن العبيدلي لم يُعرف عنه أنه كتب كتابًا بعنوان أخبار الزينبات من خلال الإشارة إلى مصدر مصطنع ينسب هذا العمل إلى العبيدلي (٤٤). إن هذا العمل الدؤوب، وهذه الدقَّة في التزوير التي أظهرها قاسم، يدلّان على حجم التحدي الذي مثَّله المنهج التاريخي النقدي، الذي استخدمه أمثال زكي وبخيت بإزاء مواقف المحافظين في العصر الحديث والإلحاح الذي سعى به الأخيرون إلى مكافحته، فاستخدموا نقد النص بإزاء خصومهم لإضفاء المصداقية على دفاعاتهم.
في الوقت نفسه تقريبًا، طعن زكي أيضًا في صحَّة مزار مهم آخر في القاهرة، وهو الضريح المزعوم لرأس الحسين، حفيد النبي [ﷺ] (وشقيق السيدة زينب)، الذي يُعتقد أنه استُشهد في أواخر القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي في العراق.
ولكن وَصَف زكي قصة انتقال رأس الحسين إلى القاهرة في القرن الحادي عشر بوصفها:
أسطورة وقرت في الصدور ورسخت في الأذهان، وزادها مرور الزمان تمكينًا وتأييدًا، فتناقلتها الكافَّة جيلًا بعد جيل، وأخذها الأخلاف عن الأسلاف قضيةً مُسلمةً لا تقبل نقدًا ولا نقضًا (٤٧).
(٤٧) الجندي، أحمد زكي، ص١٤٧-١٤٨.
وكان ابن تيمية قد أشار بالفعل في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي إلى أن الضريح المزعوم لرأس الحسين يفتقر إلى أيٍّ أساس تاريخيٍّ، ولكن ثقل التقاليد، وقصص القصَّاص التي روّجها الصوفية – وفقًا لزكي – جعلت هذا الضريح مقدسًا ومحصنا ضد النقد التاريخي(٤٨).
(٤٨) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٧، ص٢٥٧-٢٥٩.
استشهاد الكوثري بمخطوطات غير منشورة، ومخطوطة إنجيل مرقس!
إن إغراء استخدام عدد كبير من المخطوطات العربية التي لم تكن قد طُبعت بعدُ – ولم يطلع عليها أحد- بوصفها ستارًا من الدخان للتغطية على مواقف جدليَّة تفتقر إلى الأدلة الكافية، لم تؤثر في شخصيات ثانوية مثل قاسم فحسب، بل أثرت أيضًا في أكثر علماء المخطوطات علمًا وتحصيلًا في الجيل الذي خلف طاهر الجزائري؛ أعني المهاجر العثماني محمد زاهد الكوثري.
ولم يكن من الممكن إزالة الفساد من بعض المصنفات -من الناحية العقدية-من خلال إضافة الكثير من الحواشي فحسب، بل كان الكوثري يعتقد أنه يجب حظر نشر مثل هذه المصنفات تمامًا.
وكان الكوثري قارتًا واسع الاطلاع، والطاقة الهائلة التي جلبها الكوثري إلى هذه السجالات مذهلة حقًّا، إلا أنها مثيرة للسخط في آنٍ معًا. وجعل العدد المذهل من المؤلفات – ولا سيما المخطوطات غير المنشورة- التي دأب على الاستشهاد بها، التحقّقَ من صحَّة ادعاءاته مهمةً عسيرةً حقًّا.
وعلى أية حال، فقد استمرَّ الكوثري في استخدام لقبه الرسمي مساعد شيخ الإسلام في الدولة العثمانية حتى بعد انهيار الدولة، على نحوٍ يشي بحنين صاحبه لبِنية مؤسَّسية، ومن ثَمَّ السلطة الدينية التي تمثلها، والتي اختفت من المشهد.
وكما لحظ أحد أصدقائه: وهكذا شأن التعصُّب، دائمًا يبعد صاحبه عن الحق ولو كان من كبار العلماء، كصديقنا الشيخ محمد زاهد الكوثري (٧٤).
(٧٤) الغماري، سبيل التوفيق، ص ٨١.
فقد تأثَّر نقد النص في الغرب -في هذه الفترة- تأثرًا شديدًا بكتيّبٍ لعالم التراث الإغريقي-الروماني (الكلاسيكيات) الألماني بول ماس (Paul Maas) (١٨٨٠-١٩٦٤م) في نقد النصوص نُشِر عام ١٩٢٧م. وكان مكمن القوة في هذا الكتاب هو الوضوح الذي اقترب به المؤلف من تنظيم المهمَّة الفوضوية المتمثلة في تحقيق نصٌ على أساس مخطوطات مختلفة ومُتفاوتة في الدقَّة، واختزال العملية في مجموعة من الفرضيات والإجراءات التي تسمح للمحقق-الناقد بإعادة بناء النص الأصيل، أو على الأقل إعادة بناء نصّ أقرب ما يكون إلى الأصل، مقارنةً بالمخطوطات الباقية من الكتاب، كل على حدة.
واعتمد كتيّب ماس على التطورات المنهجية في القرن التاسع عشر، لا سيما تلك المرتبطة بعالم الكلاسيكيات الألماني كارل لاكمان (Karl Lachmann).
كان لاكمان قد قسَّم مهمةَ ناقد النصوص إلى مرحلتَيْن متمايزتَيْن: المراجعة وتقضي بتجميع فروق النسخ من المخطوطات المتنوعة الباقية للنص، والتصحيح (emendation)، أي صياغة قراءة أفضل قد لا توجد في المخطوطات
ومن ثَمَّ فإن نقد النص فنٌّ، وليس علمًا، ومن ثَمَّ لا يخضع للتقدُّم المنهجي(٧٦).
(٧٦) Timpanaro, Genesis of Lachmann’s Method, 43.
وكانت فكرته المركزية تقضي بأن تجميع فروق النسخ بين المخطوطات يمكن أن يُستخدَم لإنشاء علاقات أنساب بين المخطوطات(٧٧). ومن ثَمَّ يمكن بعد ذلك ترتيبها في رسم بيانيِّ يشبه شجرة العائلة(٧٨). فإذا اتفقت فروع مختلفة من المشجر على قراءةٍ بعينها، فلا بدَّ أن هذه القراءة كانت موجودةً في أقرب سلفٍ مشترك لها.
(٧٧) انظر Lachmann, Kleinere Schriften, esp. 1:81-114 (“Der Nibelungen Lied; Der Edel Stein”).
(٧٨) المُشجَّر: هو تصور للعلاقات بين المخطوطات التي تصورها لاكمان. لم يخترع لاكمان المشجر (stemmata)، وكذلك لم يصنع مشجرًا بنفسه. انظر Timpanaro, Genesis of Lachmann’s Method, 90-96.
وما إن يجري بناء النموذج الأصلي من خلال هذه المعايير الموضوعية، حتى يصل النص إلى حالة تُعَدُّ الأقرب إلى حالته الأصيلة التي يمكن تحقيقها من خلال المعلومات الواردة في المخطوطات فحسب.
وخير مثال لما يمكن أن يحقّقه مشروع تحقيق تحت إشراف رسمي هو ما يُسمَّى بالطبعة السُلطانية من كتاب صحيح البخاري (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) (٩٧). وصدرت هذه الطبعة بتكليفٍ من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام ١٨٩٣م، ونُفّذت في مصر تحت إشراف شيخ الجامع الأزهر حسونة النواوي، بمعاونة لجنة مؤلفة من ستة عشر عالمًا أزهريًّا، وضمَّت في عضويتها حسن الطويل (انظر بشأنه الفصل الرابع) وكان أستاذا لأحمد تيمور. وهذه النشرة جديرة بالذكر حقًّا، ليس فقط بسبب دقتها، الأمر الذي جعلها النشرة القياسية للكتاب حتى يوم الناس هذا، بل بسبب مخطوطة اليونيني الأسطورية التي استندت إليها أيضًا.
وكان شرف الدين اليونيني (المتوفى ٧٠١ه/ ١٣٠١م) -وكان معدودًا من كبار علماء الحديث في عصره – قد تقصَّى جميع فروق النُّسَخِ الموجودة في مخطوطات صحيح البخاري التي استطاع أن يصل إليها، حيث سجَّلها جميعًا على هوامش مخطوطته الخاصَّة. وكانت التحفة الفيلولوجية الناتجة هي المخطوطة الأكثر أهميةً والأكثر شهرةً لكتاب صحيح البخاري.
ولكن في العقد الرابع من القرن المنصرم، بدأ التعبير عن تقليدٍ عربيِّ أصيلٍ لنقد النصوص صراحةً، ووضعه بإزاء تقاليد المستشرقين، بالتوازي مع الانتقادات المتزايدة للطبعات التجارية الرديئة التي أخرجتها المطابع الخاصَّة. ولعل أول من وضع اللبنة الأولى في هذا التقليد هو العالم اليمني عبد الرحمن المعلمي، وكان يعمل مساعدًا بدائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد-الهند بين عامي ١٩٢٧-١٩٥٢م.
وقد كتب المعلمي – في أوائل العقد الرابع من القرن الماضي – سلسلةً من الكتب حول التحديات والمناهج وأفضل الممارسات الجديرة باحتذاء مثالِها في تحقيق كتب التراث العربية(١٠١).
(١٠١) نُشرت هذه الكتب بعد وفاته. لمعرفة تواريخها، انظر مقدمة المحقق للمعلمي، مجموع الرسائل، ص٨.
وبينما كان المعلمي يكتب أطروحاته في نقد النص في الهند، كان المستشرق الألماني جوتهلف برجشتراسر (Gotthelf Bergstrasser) (١٨٨٦-١٩٣٣م) يُلقي سلسلةً من المحاضرات في جامعة القاهرة في عامي ١٩٣١-١٩٣٢م، وقد نُشِرت هذه المحاضرات في النهاية بعنوان أصول نقد النص ونشر الكتب.
ففي حين أن هناك فجوةً زمنيةً واسعةً وأجيالا لا حصر لها من الرُّهبان النسَّاخ -الذين كانوا يعملون إلى حدٌّ كبيرٍ بمعزِلٍ عن بعضهم بعضًا- يفصلون عادةً بين الأجيال الأولى من نُقاد النصوص المُحدَثين وبين مؤلفي هذه النصوص اليونانية واللاتينية القديمة، فإن المحقّقين العرب في القرن العشرين وقفوا على مسافةٍ أقرب بكثير إلى المؤلفين العرب المسلمين القدامى. وتضمَّنت مجموعة المخطوطات الباقية نُسخًا بخطّ المؤلف ونسخًا مقابلةً عليها، وإبرازات متعدِّدة للمؤلف الواحد، ونُسخًا قوبلت على أكثر من نسخة، أو جرى تصحيحها من قِبَل النسَّاخ بصمتٍ؛ أعني دون أن يذكر أولئك النسَّاخ ما قاموا به من إجراءاتٍ لتصحيح نسخهم.
وقد أشاد أحمد أمين (١٨٨٦-١٩٥٤م) … مدَّعيّا أن المستشرقين هم أولُ من أخرج مثل هذه النشرات العلمية وهم الذين وضعوا قواعدها، موضحًا كيفية جمع المخطوطات من جميع أنحاء العالم، والمخطوطات التي يجب استبعادها، وكيفية تمييز القراءة الصحيحة من بين القراءات الخاطئة. ثم ذكر محاضرات برجشتراسر على أنها النقطة المحورية التي اشتهرت بها هذه الطريقة المتقدمة في مصر.
وفي المقابل، رفض أمين النشرات المصرية السابقة لكتب التراث بوصفها نتاج عمل ناشرين جهلة منعدمي الضَمير، وتغصُّ نشراتهم بالأخطاء، وغالبًا ما تكون غير مفهومة، كما أنهم أخرجوها دون أدنى قدر من الاهتمام العلمي(١٢٢).
(١٢٢) مقدمة أمين للصولي، أخبار أبي تمام، ص ١-٣.
ويبدو من قبيل الإنصاف القول: إن طبعات المستشرقين لكتب التراث – بصفة عامَّة- كانت أفضل من مثيلتها التي أخرجتها دور النشر المصرية. وقد لا يكون هذا مفاجئًا؛ نظرًا لوجود عددٍ قليلٍ نسبيًا من نشرات المستشرقين. وكما ذكرنا سابقًا، فقد شغل محققوها -بصفة عامَّة- مناصبَ أكاديمية سمحت لهم بقضاء سنواتٍ في جمع المخطوطات وتحقيق نصِّ واحدٍ فحسب.
وسُرعان ما لقِيَت المشاعر التي عيَّر عنها أمين وتلاميذه ردَّ فعل قوِيًّا من جانب أحمد شاكر (١٨٩٢-١٩٥٨م)، وهو الأخ الأكبر لمحمود شاكر، الناقد الشاب لطه حسين الذي عرضنا له آنفًا. كان أحمد شاكر آنذاك خريجًا أزهريًّا، وقاضيًا في محكمة شرعية، ومحققًا نشطًا لمتون التراث. وكتب مقالًا من ٤٥ صفحة عن طبيعة النقد النصي وتقاليد نقد النص عند العرب وفيلولوجيا المستشرقين، في مقدمة النشرة الصادرة عام ١٩٣٧م من كتاب سُنَن الترمذي (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي)(١٢٤).
(١٢٤) الترمذي، الجامع الصحيح، ج ١ ، ص ١-١٠٣ أعيد طبع الصفحات (ج١ ، ص١٦-٦١) على نحو منفصل في: أحمد شاكر، تصحيح الكتب.
وتمثَّل هدف أحمد شاكر الأسمى في تجريد الاستشراق من هالة السِّحْر التي ينسبها إليه أقرانه، وذلك من خلال إظهار أن هناك بعض السّمات الجديرة بالثناء في نشرات المستشرقين، مثل: الفهارس والأجهزة النقدية والمعلومات المتعلّقة بالمخطوطات المعوَّل عليها في طباعة الكتاب. ومع ذلك، فإن نشرات المستشرقين خضعت للقيود عينها، ونقاط الضعف عينها التي لم تبرأ منها جميع الدراسات المستندة إلى الفيلولوجيا.
ووفقًا لشاكر، كان المؤلفون المسلمون القدامى مُدركين بوضوح للتحديات التي يطرحها نقد النص، وطوروا ممارسات للتغلُّب عليها. فقد لحظ اللغوي الأخفش (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) أنه: إذا نُسِخ الكتاب ولم يُعارَض، ثم نُسِخ ولم يُعارَض، خرج أعجميًّا .
وأثنى شاكر على المستشرقين لعادتهم بالاعتناء بصنع الفهارس والكشَّافات في نشراتهم، الأمر الذي جعل نشراتهم أكثر سهولةً في الاستخدام، بيد أنه – أعني شاكرًا- بذل أيضًا جهدًا كبيرًا لإثبات أن المؤلفين العرب القدامى، سعوا -بدورهم- إلى ضمان تسهيل عثور القارئ على ضالته بالوسيلة نفسها في مُصنَّفاتهم، لا سيما من خلال الترتيب الأبجدي.
ومع ذلك، ذكَّر شاكر قرَّاءه بأن المستشرقينِ ليسوا علماء موضوعيين بإزاء أهل الحضارة غير الموضوعيين ضربة لازب، بل إن لدى المستشرقين أيضًا برامجهم الخاصة؛ فبعضهم كانوا من المبشّرين أو المتعاطفين مع النشاط التبشيري على الأقل. وغالبًا ما كانت رعايتهم وتفانيهم في تحقيق النصوص مصحوبةً بتفسيرٍ متحيزً ضدها.
وبعضهم الآخر لم يُعرَف عنه أنه متحيزٌ أيديولوجيًّا، إلا أنهم كانوا يفتقرون إلى الإلمام باللغة، أو إلى حد الكفاية في المعرفة بالموضوع، أو الاعتماد المفرط على مُصنَّفات الرعيل الأول من أسلافهم المستشرقين، الذين لم يكن الصواب حليفَهم دائمًا(١٣١).
(١٣١) مقدمة شاكر للترمذي، الجامع الصحيح، ج١، ص١٩.
ومن وجهة نظر شاكر، فإن الحُجيَّة الفريدة التي منحها معاصروه لدراسات المستشرقين لا تعود إلى معايير موضوعية، بل إنها تعكس الظروف التاريخية للاستعمار، قال شاكر:
قد والله غُزينا في عُقر دارِنا، وفي نفوسِنا، وفي عقائدِنا، وفي كل ما يقدِّسه الإسلام وبفخر به المسلمون، وكان قومُنا ضِعافًا، والضَّعيف مُغرَى أبدًا بتقليد القوي وتمجيده .
وأكَّد شاكر -بوصفه عالمًا- على أنَّه:
ولكنّي رجل أتعصُّب لديني ولُغتي أشدَّ العصبيَة. وأعرف معنى العصبيَّة وحدَّها، وأن ليس معناها العدوان، وأن ليس في الخروج عنها إلا الذُّل والاستسلام. وإنما معناها الاحتفاظ بمآثرنا ومفاخرنا وحوطها والذَّود عنها (١٣٢).
(١٣٢) مقدمة شاكر للترمذي، الجامع الصحيح، ج ١، ص٢٠.
وعلى النقيض من ذلك، فإن عددًا كبيرًا من إخوانه العرب المسلمين هم جاهلون بآثار أسلافهم، فاستطرد شاكر قائلاً:
ثم راح ناسٌ منَّا جهلوا آثار سلفهم الصالح، واستهوتهم أوروبا بجبروتها وقوتها حتى عبدوها، وحتى كادوا أن يفقدوا مقومات الأُمم، من دينٍ ولغةٍ وعصبيةٍ ومجدٍ؛ ليكونوا مجددين ومثقفين! راح هؤلاء هجيراهم وديدنهم الإشادة بالمستشرقين، ولا تصحيح إلا ما صحَّح المستشرقون، ولا لغة إلا ما ارتضى المستشرقون، والرأي الصَّحيح في فهم القرآن ما فهم المستشرقون، والحديث الثَّابت ما أثبت المستشرقون ووقَر في نفوسهم، وأُشرِبوا في قلوبهم أن كلَّ المستشرقين حذام والقول ما قالت حذام (١٣٣).
(١٣٣) مقدمة شاكر للترمذي، الجامع الصحيح، ج١، ص٦٠-٦١.
تحوَّلت نقاط قوة المستشرقين في الدراسات النقدية للنصوص إلى ادعاءٍ بالإلمام المتفوق والمتميز بالتراث الإسلامي وفهمه.
وعلى أية حال، فلم تصبح نشرة أحمد شاكر -التي صدرت عام ١٩٤٠م- من كتاب الرسالة للشافعي تحفته الشخصية في فن التحقيق فحسب، بل إنها أضحت أيضًا علامةً بارزةً في تاريخ التحقيق النقدي في العالم العربي.
وأدت معرفة شاكر العميقة بالشافعي وبمصنفاته إلى اختياره القراءات التي قد تبدو لغيره وكأنها أخطاء ارتكبها النسَّاخ، ولكن سرعان ما تبيَّن أنها مفرداتٌ عتيقةٌ للغة العربية المبكّرة في الحجاز(١٣٨).
(١٣٨) الطناحي، مدخل إلى تاريخ نشر التراث، ص٩٢-٩٤.
وألهمت مشاهدة عبد السلام هارون لابن عمته الأكبر أحمد شاكر عاكفًا على إعدادِ نشرته من الرسالة التعلُّقَ بكتب التراث وحب التحقيق(١٣٩). ولم يزل هارون يحقّقُ وينشر ما حقَّقه حتى أخرج عددًا كبيرًا من النشرات لأمهات الكتب، الأمر الذي جعله واحدًا من أعلام المحققين في جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية.
(١٣٩) مقدمة هارون لأحمد شاكر، كلمة الحق، ص ٤. وشارك جد عبد السلام هارون والأخوين شاكر، أعني الشيخ هارون عبد الرزاق (١٨٢٣-١٩١٨م)، في تحقيق الطبعة السُّلطانية من صحيح البخاري (انظر: البخاري، صحيح البخاري (نشرة المكاوي وآخرين)، ج ١، ص٣)، وساعد علي مبارك في كتابة كتابه المشهور الخطط التوفيقية (انظر: الطناحي، في اللغة والأدب، ج ١، ص٢٩٢). وحقَّق والد عبد السلام هارون، الشيخ محمد هارون، كتاب ابن الديبع الشيباني، المسمَّى تيسير الوصول (١٩١٢م). لكن هذه الطبعات المبكّرة كانت بدائيةً من الناحية الفنيَّة، مقارنةً بأعمال أحمد شاكر.
إن السمات المميزة للمحقق الخبير اليوم هي إتقان اللغة العربية، وسَعة الباع في التخصُّص، والمعرفة التامَّة بالمؤلف، والحكم الرشيد عند الاختيار بين فروق النسخ المجمعة من مخطوطاتٍ متعدِّدة.
لقد تغيَّرت أنواع الكتب التي قَرئت، ودُرِّست، ونُوقِشت، وجرى تداولها،
كما تغيَّر الجمهور المتلقي لتلك الكتب أيضًا، فلم يعُد يُهيمن عليه المدرسيون التقليديون، بعد أن تضخَّمت صفوف جمهور القرَّاء العرب بسبب ارتفاع معدلات أعداد المتعلمين.
الأطروحة المسمَّاة بسردية الانحطاط (narrative of decline)، الذي شهدته الثقافة الإسلامية في أواخر القرون الوسطى، وعلى حدِّ وصف المستشرق الإسكتلندي إلياس جب (١٨٥٧-١٩٠١م) (Elias Gibb)،
وفقًا لهذه الرواية، فإن الإسلام -الذي تُعومل معه على أنه ظاهرة ثقافية وتاريخية موحَدة- قد شهد عصرًا ذهبيَّا كلاسيكيًّا، إلا أنه اضمحل بعد ذلك حتى وصل إلى حدٍّ لم يجدِ معه الإحياء إلا عن طريق الحقْنِ بالثقافة الغربية الواهبة للحياة.
فلم يكن تفسير الطبري (من أهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) معروفًا تمامًا في تسعينيات القرن التاسع عشر، ولكن ما إن اكتُشِف النص وطُبع في عام ١٩٠٣م، حتى أضحى التفسيرَ الأُم للقرآن.
وعلى النقيض من ذلك، فإن تفسير الماتريدي -وهو المعاصر للطبري- ظلَّ تفسيرًا مجهولًا بالكليَّة، ليس لأنه كان أقلَّ جودةً، ولكن بسبب تاريخ نشره المتعثِّر. فقد طُبع المجلد الأول منه في عام ١٩٧١م، ثم طبع مجددًا في عام ١٩٨٢م. وظهرت أول نشرة كاملة -لكنها كانت سقيمة- في عام ٢٠٠٤م، ولم تظهر نشرة نقدية منه حتى عام ٢٠١١م.
ومن التطورات الأخرى الجديرة بالملاحظة تزايد مشاركة المرأة في تحقيق التراث. ففي حين أن أبحاثي عن الحقبة حتى منتصف القرن العشرين لم تكشف عن دورٍ ذي بال لمُحققة مهمةٍ لكتب التراث، فإن عددًا لا بأس به من النشرات التي أُخرجت برعاية الجامعات الحديثة في جميع أنحاء العالم الإسلامي اضطلعت بها باحثاتٌ من النساء(١٦).
(١٦) الطناحي، بنت الشاطئ وتحقيق التراث.
ومن الأمثلة المهمَّة على هؤلاء المحققات: عائشة عبد الرحمن (١٩١٣-١٩٩٨م)، الملقَّبة ببنت الشاطئ(١٧)؛ وفوقية محمود، الأستاذة في جامعة عين شمس في مصر(١٨)؛ ووداد القاضي، أستاذتي في جامعة شيكاغو.
(١٧) انظر على سبيل المثال: بنت الشاطئ، [رسالة] الغفران: دراسة نقدية، وكذلك نشراتها لكتاب المحكم لابن سيده ومقدمة ابن الصَّلاح.
(١٨) انظر على سبيل المثال: نشراتها لكتاب الإبانة للأشعري، والكافية للجويني.
شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أيضًا إنشاء مؤسَّسات جديدة مهمَّة للحفاظ على المخطوطات التراثية ونشرها. فبعد فترة وجيزة من افتتاح جامعة الدول العربية، تأسَّس معهد المخطوطات العربية في القاهرة عام ١٩٤٦م. وكان الهدف من إنشاء المعهد فهرسة مجموعات المخطوطات العربية حول العالم، ونشر فهرس موحَّد لهذه المخطوطات.
ثم أُنشئت مجلة المعهد، مجلة معهد المخطوطات العربية، في عام ١٩٥٥م بوصفها ساحةً فكريةً لمناقشة الجوانب المادية واللغوية لتحقيق المخطوطات العربية.
وجعلت قواعد البيانات الرقمية المجانية والمفتوحة -مثل المكتبة الشاملة- مجموعةً كبيرةً من النصوص التراثية ميسَّرة للبحث فيها.
منذ قرن ونصف القرن فحسب، كانت هذه الوفرة من النصوص التراثية التي يسهل الوصول إليها تبدو حلمًا مستحيلا.
ونتيجةً لذلك، فإننا ما زلنا نرى الماضي بعيون محققي كتب التراث في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين؛ وهي حقيقة يُعَدُّ الاعتراف بها أمرًا ضروريًّا للحصول على رؤيةٍ مُستنيرةٍ ونقديةٍ لهذه المجموعة من كتب التراث.
الحمد لله رب العالمين
