مشكلة الشر مشكلة مَن؟

المادة العلمية لهذا الفيديو من كتاب الدكتور سامي عامري
مشكلة الشر ووجود الله، التمهيد، مشكلة الشر مشكلة من؟، صـ24-32
رابط تحميل الكتاب http://www.aricr.org/ar/?p=580

مُقدِّمة الفيديو:

تكلمنا في الفيديو السابق عن مُشكلة الشر المنطقية، وهي المشكلة التوفيق بشكل منطقي بين حقيقة وجود الشر في العالم وحقيقة وجود الله، ولكن هناك مفهوم مُختلف لما يُسمَّى بـ مُشكلة الشر!

هذه المشكلة نستطيع أن نقسمها إلى قسمين! القسم الأول هو ما يتعلق بالمشاكل المنطقية والفلسفية بحقيقة وجود الشر في العالم، أما القسم الثاني، فهو المُتعلق بحقيقة أن كل إنسان يصيبه الشر، فكيف للإنسان أن يتأقلم مع الشر في حياته؟!

سُطُوع الإشكال:

الشر موجود في العالم مُنذ القديم، فالناس مُنذ البدء يعانون من الآلام والأوجاع ومشقات الحياة المُختلفة، ولكن نادراً ما نجد قديماً أنَّ وجود هذه الأنواع المُختلفة من الشرور والآلام في حياة الناس كانت إشكالية وُجُودية في حياتهم، ولكن بعد ما يُعرف بعصر التَّنوير الذي أفسد وعي الإنسان المُعاصر بأهم أسئلة الوُجُود والحياة، وجدنا أن مُشكلة الشر أصبح لها مساحة أكبر في حياة الناس!

تآكل غائية الحياة:

تحوّل الإنسان تدريجيًا بعد عصر التنوير عن سؤال: “لماذا نعيش؟” إلى سؤال: “كيف نعيش؟”، واحتلّت “وسائل الحياة” مكان “أغراض الحياة” لتصبح أرض هذه الدنيا سجن هذا الإنسان ومنتهى بصره، ولتغدو مواجهة المشقة في حياته عنوان معاناته؛ إذ إنّ هذه المعاناة مبرّأة في حسّه من كلّ غاية

إنّ الشرّ في حسّ الإنسان المُعاصر ليس إلّا مظهرًا من مظاهر النشوز عن معنى الحياة المُمكنة، وهو بذلك يخالف ما استقرّ في ذهنية كثير من الأمم الأخرى، ففي تلك الثقافات تمثّل صعوبات الحياة وملمّاتها مطيّة الظفر ومَهْرَ النصر، وفي مُرِّ مذاقها عذوبة النشوة ببلوغ المنشود، فالإنسان يبلغ غاية الحياة عبر التغلّب على الشر الذي يُواجهه، في حين تفقد الحياة عند الإنسان المُعاصر معناها بسبب ما فيها من شرّ يعانده، ولذلك فالشرّ دائمًا هو المُنتصر!

Peter Kreeft, Making Sense Out of Suffering (St. Anthony Messenger Press, Servant Books. Kindle Edition).

ريتشارد شويدر يقول: “المعاناة … مفصولة عن البنية الروائية لحياة الإنسان … فهي نوع من “الضوضاء”، أو تدخّل عارض في دراما حياة هذا المتألّم … ليس للمُعاناة صلة مفهومة بأية حبكة، باستثناء المقاطعة الفوضوية”

Richard A. Shweder, Nancy C. Much, Manamohan Mahapatra, and Lawrence Park, “The ‘Big Three’ of Morality (Autonomy, Community, Divinity) and the ‘Big Three’ Explanations of Suffering,” in Why Do Men Barbecue?: Recipes for Cultural Psychology, ed. Richard A. Shweder (Harvard University Press, 2003), p. 125.

الكثيرون يجعلون لحياتهم معنى بوجود الشر والارتقاء فوقه بمعاني الصبر والتضحية، في حين تُسلب الحياة دلالتها على “المعنى” بالعبثيّة الوجوديّة للشرّ في عقل الغربي وقلبه!

هنا نجد أهمية الإيمان بالله واليوم الآخر كحل وحيد يجعل الإنسان قادراً على التَّعامل مع وجود الشر والألم في حياته، فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر يؤمن أنَّ كل ما يصيبه من شر وألم في الدنيا، سيجد ما يُقابله يوم القيامة من ثواب، أما الإنسان المُعاصر الذي يؤمن بأن الحياة الدنيا هي فترة الحياة الوحيدة، وأن الموت هو نهاية الوجود، فإنه محبوس بين جُدران الميلاد والوفاة، وبالنسبة له تصبح كلّ قرصة ألم، وكلّ لسعة أنين، مُجرَّد خُسارة لدقائق من أيام فانية تسير بالإنسان إلى حتفه!

لذلك فإنّ الهُرُوب من الأذى بأنواعه، هدفٌ في ذاته، ولا يتوصّل به إلى قيمة عليا، فالحياة في ذاتها هي الغاية، وما الشرّ غير حدثٍ عرضي في كونٍ ليس إلا مادة وطاقة في حركة دؤوبة عمياء

يقول عالم الأعصاب، والمحلّل النفسي النمساوي (فكتور فرنكل): “للكثير من الناس اليوم وسائل للحياة، غير أنهم يفتقدون معنى يعيشون لأجله”

“More people today have the means to live, but no meaning to live for “.

Frankl , The Unheard Cry for Meaning (New York: Simon & Schuster, 1978), pp. 20–21.

إنّ الإنسان الأمريكي -على سبيل المثال- يستهلك 50% مما يستهلكه البشر جميعًا من الأدويّة، لكنّه لم يفلح مع ذلك في التعامل مع الألم الذي صار مصدر ذعر وهدم لحياته، وأدّى به إلى إدمان الخمر والمخدرات للهروب من واقع الألم الموجود، أو المحتمل.

Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it (Grand Rapids, MI: Zondervan/HarperCollins, 1997), p.189.

ليس للحياة في وعي الماديين معنى إلاّ ما يُكسبه الإنسان إيّاها. وإذا كانت الحياة بذاتها بلا معنى حقيقي مُطلق، فلا معنى إذن للمعاناة إلّا أن تكون مظهرًا من مظاهر عبثيّة الوجود.

وهنا نجد مرة أخرى أهمية الإيمان بالله واليوم الآخر كحل لوحيد للتعامل مع الشر في حياتنا، فالإيمان بالله واليوم الآخر يعطيان لحياة الإنسان المعنى والقيمة والغاية.

يقول الدكتور (بول براند) أحد رواد جراحة تقويم الأعضاء لمرضى الجذام، والذي أمضى نصف تاريخه العلمي الأول، في الهند، ونصفه الثاني في الولايات المتحدة الأمريكية: “لقد واجهت في الولايات المتحدة مجتمعًا يبحث بكلّ ثمن عن تفادي الألم. لقد كان المرضى يعيشون في درجة رفاه أعلى من كل من سبق لي معالجتهم، لكنّهم كانوا أدنى استعدادًا بمراحل لتحمّل الألم، وأبلغ تأثرًا به.”

Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it (Grand Rapids, MI: Zondervan/HarperCollins, 1997), p.12.

لقد فقد الإنسان قدرته على مغالبة الشرّ لأنّه فقد في ذاته حافز القدرة على استشعار أيّ معنى إيجابي للمكابدة والصراع مع أوجه النقص في حياته.

حساسية الإنسان:

لا شكّ أنّ مشكلة الشرّ أقرب تعلّقًا بالقلوب ذات الحساسيّة العالية والأنفس المرهفة التي تئنّ لدمعة طفل ووهن عجوز وصرخة منكوب. وقد آل التطور التكنولوجي في العقود الأخيرة إلى حال أكبر من الترف والرخاوة في الغرب، وتوسّعت وسائل القضاء على الأسباب المباشرة للألم من خلال المسكّنات الطبيّة والأدوية وتهيئة أسباب العيش السهل، وهو ما رفع حساسية هذا الإنسان أمام كلّ وجع يصيبه أو مرض يدهمه

تشكّل هذه الحساسيّة الوقود الأكبر لمشكلة الشرّ، إذ كيف يمكننا أن ننظر إلى العالم لنتدبّر حقيقته، وأصله، ومآله، وعيوننا مغرورقة بالدمع وفي القلب انكسار؟! إنّ البحث في الكون وغاية وجوده، والإنسان والغاية من خلقه، يجب أن يبدأ من نفس متجرّدة من العواطف المهتاجة، وتفكير سائر على سكّة العقل الرصين.

ولا يكاد يخلو كتاب غربي للإلهيين في الثيوديسيا من تقرير أنّ الحلّ المقنع لمن يغرق بين لجج الأوجاع لفقد أم أو زوجة أو غرغرة طفل في معاناة طويلة مع مرض السرطان أو غير ذلك من الأوصاب التي يتكسّر القلب عادة على صخورها الناتئة الحادةّ، هو في يد حانية تشدّ من الأزر وقلب يشارك المحزون ألمه ويرفع فيه همّته وينقذه من نصال الوحدة الحادة، وليس في مجرّد جواب فلسفي مجرّد عن أصل الوجود ومعناه.

إنّ عقيدة الإنسان المسلم نَبْعٌ لفكره وعواطفه، وهي كنزه الدفين الذي يجد فيه عند الفرح والترح، والسعة والضيق، زاده لإكمال المسير، ووقود جوارحه في سعيه إلى غايته الكبرى، والتي هي النجاح في امتحان الحياة.

قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون}

الصبر على البلاء مطلب إلهي، ووقوف المؤمن في قلب المحنة بثبات وصلابة مغروسة في الأرض المتقلقلة تحته واجبٌ لمن آمن بالنبوّة الخاتمة؛ ولذلك يبشّر صاحب البعثة الخاتمة من أفلح في استحضار عقيدته في الغيب عند هبوب الفتنة، بالأجر العميم: “مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا! إِلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِه،ِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا”.‏

توحّش الأنا:

بعد نهاية عصر القبيلة والدولة المركزيّة، تفلّتت النفس إلى حدّ بعيد من إسار الجماعة الكبرى، وغدت الذات هي الراغبة والمرغوبة، وما وراء ذلك هو “الآخر” المغاير الذي لا يشاركها الإحساس الآني بالوجع والكرب، وبذلك فقد الشرّ قيمته كمبرّر لإظهار تلاحم الجماعة وبروز معاني الأخوة والتكافل والرحمة، وفي بيئة تبتدئ “بالأنا” وتنتهي عند “الأنا”، لا يمكن للألم إلا أن يكون تعبيرًا عن انتحار بطيء للذات في كون صامت هامد.

غرور النفس:

انتهت العقلانيّة المغرورة بالإنسان المتمدّن إلى أن يرى في نفسه القدرة على الإحاطة بالكون علمًا، والقطع من خلال مداركه بالموجود والعدم، ولذلك فهو لا يجد حرجًا في نفسه أن يقطع بغياب الحكمة وراء ما لا يدركه وعيه من مظاهر، فقد أضحى هذا الإنسان سيّد الكون –في ظنّه-، ووقر في ذهنه أنّه قادر على أن ينظر إلى العالم من عَلٍ ليبصر كلّ أفراد الوجود، فما لم تدركه عينه فهو عدم، وما لم تبدُ له منه حكمة هو عين العبث.

الخاتمة:

إنّ من مآسي الإنسان الغربي المعاصر اختزاله غاية الحياة في تحقيق السعادة الآنية، وليس مع هذه الغاية أو وراءها غاية أخرى؛ ولذلك فالحياة من أجل السعادة بمعناها الأرضي البشري تضجّ من كلّ مرض أو وجع أو ألم، فليس للشرّ والمعاناة معنى في سياق هذه الحياة غير التنغيص على سير الإنسان حثيثًا نحو متعة صافية من الكدر؛ ولذلك فالشرّ ليس إلّا عنوانًا لهدم حقيقة الحياة.

ولما كان الشرُّ من أقدار الدنيا التي لا فكاك عنها، ولا مهرب منها، كانت الحياة عبثًا لا معنى يحتضنه؛ ولذلك يمثّل الدين الذي يبشّر ضمن منظومته بدار جزاء، وسيلةً لإكساب الحياة الدنيا حلّة من المعاني التي تعين على تحمّل أوضار الوجود وأثقاله.

المستقرئ للتاريخ الإسلامي يلاحظ أنّ مشكلة الشرّ قد شغلت عددًا من الطوائف، وعلى رأسها المعتزلة، لأنّها تطعن في تناسق المنظومات العقديّة لهذه الفرق، ولم تكن في المقابل سؤالًا عنيدًا بالنسبة للسنّي.

قال المستشرق الإنجليزيّ (ويليام مونتجمري وات) (William Montgomery Watt) إنّ البحث عن معالجة مشكلة الشرّ لا يوجد في الأدبيات السنيّة، وإنما هو في كتابات الطوائف البدعيّة.

Montgomery Watt, “Suffering in Sunnite Islam,” in Studia Islamica. 50 (1979), pp.5·6.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s