القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: ارتياض العلوم، تأليف الشيخ: مشاري الشثري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

ارتياض العلوم

تأليف الشيخ / مشاري سعد عبد الله الشثري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

دِيبَاجَةٌ. 3

حُبُّ العِلْمِ. 3

سَرَابُ العِلْمِ. 6

هَمُّ العِلْمِ. 8

محمود الطَّناحي (١٤١٩هـ): 11

عبد الوهاب المسيري (١٤٢٩هـ): 11

القفزات.. 12

الصَّوارف.. 12

شِعَابُ العِلْمِ. 14

العلمُ بمظنّة العلم: 19

العلمُ بها يؤول إلى التَّخصُّص: 19

العِلْم باللُّغة: 20

تَحْقِيقُ العِلْمِ. 21

من حيث الوظيفة: 22

من حيث المضمون: 23

في الفِقْه: 23

في أُصُول الفِقْه: 23

وفي التفسير: 24

وفي النحو: 24

وفي البلاغة: 24

وفي متن اللُّغة: 24

فَرْحَةُ العِلْمِ. 26

إثَارَةُ العِلْمِ. 30

الصِّناعة الأولى: التَّحيُّزات المعرفيّة الذِّهنيَّة: 31

الصِّناعة الثَّانية: احتفال العَقْل بالسُّؤالات: 32

الصِّناعة الثَّالثة: توخِّي موقع المادَّة مِن عمود البحث: 33

الصِّناعة الرَّابعة: تَوْسِيل المعلومة: 34

الصِّناعة الخامسة: استجلاب الأُفُق المعرفي: 34

حَيَاةُ العِلْمِ. 35

محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) 37

تَعْلِيمُ العِلْمِ. 39

دَمْعُ العِلْمِ. 42

نَجَازُ الارْتِيَاضِ44

 


 

دِيبَاجَةٌ

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ المُرَادِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ مُتَّكِئٌ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أَحْمَرَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي جِثْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ، فَقَالَ:

مَرْحَبًا بِطَالِبِ العِلْمِ.. إِنَّ طَالِبَ العِلْمِ لَتَحُفُّهُ المَلائِكَةُ، وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في المُعْجَمِ الكَبِيرِ (٧٣٤٧).

حُبُّ العِلْمِ

(أَكْثَرُ طُلَّابِ العِلْمِ يَطْلُبُونَهُ مُحَبَّةً) ابن تيمية (٧٢٨هـ)

عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: مَتَى السَّاعَةُ؟، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا أَعْدَدتَّ لَهَا؟ . قَالَ: حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ . أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٣٦٨٨) ومُسْلِمٌ (٢٦٩٣) فِي صَحِيحَيْهِمَا .

لا شيءَ يَحفِزُ على طلب العلم بعدَ ابتغاءِ مرضاة الله تعالى، وتلمُّحِ ما أعدَّه سبحانه لأهل العلم وطليته في الآخرة = مثلُ ترويض النفس على حُبِّ العلمِ والرغبةِ فيه،

يقرِّرُ ابن تيمية (٧٢٨هـ)، ويتلقَّى ذلك عنه تلميذُه وصفيُّه ابنُ القيِّم (٧٥١م)، ويبيِّن أن (الحب والإرادة أصلُ كلِّ فعلٍ ومبدؤُه).

وكلَّما ازداد حبُّ المرء للشيء نزعتْ نفسُه إلى مزيدٍ من العلم به،

وإذا كانت النَّفسُ تُقبِلُ على العلم بها تكرهه لتكون على بَصَرٍ بمفسدته فتسعى بعد ذلك في اتقائه، فإنَّها تكون أعظمَ إقبالًا على ما تحبُّه ابتغاءَ مصلحته ولذَّته،

ولن يبلغَ الطالبُ من العلم حقائقَه وأسرارَه حتى تكون (الكلمةُ الحسناءُ أشرفَ عنده من الجارية العذراء، والمعنى المقوَّمُ أحبَّ إليه من المال المكوَّم).

إنَّك لن تكونَ عالمًا حتى يصيرَ العلمُ شهوةً من شهواتك.

(من لم تَغلِبْ لذَّةُ إدراكِه للعلم وشهوتُه على لذَّةِ جسمِه وشهوةِ نفسِه = لم يَنَلْ درجةَ العلمِ أبدًا، فإذا صارت شهوتُه في العلم ولذَّتُه في إدراكه رُجِيَ له أن يكون من جُملة أهله). [مفتاح دار السعادة (١: ٤٠٠).]

وقال ابن الجوزي (٩٧٥هـ): (ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشقُ العلم). [صيد الخاطر (٤٥٦).]

وقال المُنَاوي (١٠٣١هـ): (طالبُ العلمِ المُتَلذِّدُ بفهمه لا يزالُ يطلبُ ما يزيد الْتِذَاذَهُ، فكلَّما طلبَ ازدادَ لَذَّةً، فهو يطلب نهايةَ اللَّذَّةِ، ولا نهايةَ لها!). [فيض القدير (١: ١٦٣).]

(ليس من نَظَرَ في العلم على الرَّغبة والشهوة له كمن نظر فيه على المكسيةِ به والهربِ إليه، لأن النَّفسَ لا تُسمِح بكُلِّ قواها إلَّا مع النَّشاطِ والشَّهوةِ، وهي في ذلك لنفسها مستكرِهَةٌ، ولها مكابِدةٌ). [رسائل الجاحظ (١: ٢٩٦).]

محمد كرد علي (١٣٧٢هـ) يقول: (لقد أنفقتُ في سبيل التعلُّمِ أوَّلًا، ثم التعليمِ ثانيًا، ثم نَشْرِ ما علمتُ ثالثًا نفقاتٍ لم ينفقها فيما أحسب إنسانٌ ممن عرفت من أبناء وطني). [المذكرات (١: ٣١٣).]

يقول ابنُ تيميَّة (٧٢٨هـ) في تقعيد ذلك مبيِّنًا أن حبَّ الشيء يوسِّع من دائرة السعي لتشملَ الشيءَ ومقدماتِه: (النَّفسُ إذا أحبَّت شيئًا سَعَت في حصوله بما يمكن، حتى تسعى في أمور كثيرة تكون كلُّها مقدماتٍ لتلك الغاية). [مجموع الفتاوى (١٠: ١٣٣).]

(لو ظهرتْ صورةُ العلم للأبصار لزادَ حُسنُها على صورة الشمس والقمر!). [مفتاح دار السعادة (١: ٣٢٢).]

العلمُ أشرفُ المطالب وأعلاها،

فالعلمُ بعيدُ المسلك، غائرُ المطلب، ومتى ما عريَ طالبه عن محبته انصرف عنه، ومتى ما تمكَّنتْ من قلبه محبَّتُه أقبل عليه أبدًا وزاد إليه اشتياقه،

يقول محمد الخضر حسين (١٣٧٧هـ): (يتجرع كبير الهمة مرارةً حين تقف بينه وبين جانبٍ من العلم عقبةٌ، فإذا وجد مرعى العلم خصبًا فعناؤُه فيما يدَّعونه راحةً، وانقباضه فيما يسمونه لهوًا، وألمُه في ساعةٍ ينقطع فيها عن العلم يساوي ألمَ المستهتر في الشهوات حين يقضي يومه في غير شهوة). [ رسائل الإصلاح الأعمال الكاملة لمحمد الخضر حسين (٥: ٢١٦٣).]

فقال له الشيخ: (فإنَّ نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحةً، وإذا اشتغلت نفسي بالكلام في العلم وظفرت بها يشكل عليها منه فَرِحَت به وقَوِيَت، فأوجب ذلك دفع العارض). [نقل هذه المحاورة ابن القيم في: مفتاح دار السعادة (٢: ٧١٢)، روضة المحبين (١٠٩).]

ذكر ابنُ جماعةَ (٧٣٣هـ) أن (بعضهم لا يترك الاشتغال بعُرُوضِ مَرَضٍ خفيفٍ، أو أَلْمٍ لطيفٍ، بل كان يستشفي بالعلم، ويشتغل قدر الإمكان، كما قيل: إذا مَرِضنا تداوينا بِذِكرِكُمْ … ونتركُ الذَّكَرَ أحيانًا فنتنكسُ). [تذكرة السامع والمتكلم (٥٧).]

وأذهبَ المولى بفضله عن عُبَيده حبَّ البطالة وصرفَ الأوقات سدّى.

اجعلْ طلبك للعلم تفاعلًا بينك وبينه، بينك وبين أهله.. اتخذ لك صاحبًا تذاكره، ومنافسًا تسابقه، فـ (طالب العلم لا يستمتع بعلمه حتى يجد المُشارك). [تباريح التباريح لابن عقيل الظاهري (٧٦).]

لا تقتصر في تحصيله على وسيلة واحدة، بل ازداد من وسائله وذرائعه دون مَلَلٍ ولا كَلَلٍ.

اقرأ، وتأمَّلْ، واحفظْ، واكتبْ، والحَّصْ، واشرحْ، وحاوِرْ، وناظِرْ، وابحثْ، واستشكِلْ، وانتقِدْ، وما شئتَ وراءَ ذلك،

إذا وردتَ مجلسًا فليكنْ لسانُك بالعلم ناطقًا، بُثَّ فيمن حولك بهجةَ العلم وأذِقْهُم لذَّتَه،

ويتلقَّى المزني (٢٦٤هـ) عن الشافعي (٢٠٤هـ) نحوًا من هذه الوصيَّة، فينقل عنه قولَه: (من لا يُحِبُّ العلمَ فلا خيرَ فيه، ولا يكنْ بينك وبينه معرفةٌ ولا صداقةٌ). [مناقب الشافعي للبيهقي (٢: ٤٤٤).]

قال ابن جماعة (٧٣٣هـ): (الذي ينبغي لطالب العلم ألا يخالطَ إلَّا من يفيده أو يستفيد منه. … ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: الدَّفع أسهلُ من الرَّفع ). [تذكرة السامع والمتكلم (٩٤).]

روى البخاري (٢٥٦هـ) في صحيحه [٢٣٤٨] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ كان يومًا يُحدِّثُ أنَّ رجُلًا من أهل الجنة استأذن ربَّه في الزَّرع، فقال له: ألسْتَ فيما شئتَ؟ قال: بلى، ولكنِّي أحبُّ أن أزرع. قال: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نباتُه واستواؤُه واستحصادُه، فكان أمثالَ الجبال، فيقول الله: دُونَكَ يا ابنَ آدمَ، فإنَّه لا يُشبِعُكَ شيءٌ .

قال ابن حجر (٨٥٢هـ): (في هذا الحديث من الفوائد أنَّ كلَّ ما اشتُهِيّ في الجنَّة من أمور الدنيا ممكنٌ فيها. قاله المهلَّبُ). [فتح الباري لابن حجر (٥: ٢٧).]

وقد حدَّثنا ربنا جل في علاه عن تذاكر أهل الجنة ما كان بينهم في دار الدنيا، فقال سبحانه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥٠ ٥١] الآيات، وقال سبحانه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومٍ﴾ [الطور: ٢٥ ٢٧].

قال ابن القيم (٧٥١هـ) مُعلِّقًا: (وإذا تذاكروا ما كان بينهم، فتذاكُرُهم فيما كان يشكل عليهم في الدنيا من مسائل العلم، وفهم القرآن والسنة، وصحة الأحاديث = أولى وأحرى، فإن المذاكرةَ في الدنيا في ذلك ألذُّ من الطعام والشراب والجماع، فتذاكر ذلك في الجنة أعظم لذة، وهذه لذة يختص بها أهل العلم، ويتميزون بها على من عداهم، والله المستعان). [الروح (٢: ٨٢).]

فاللَّهُمَّ وقد حبَّبتَ إلينا العلمَ في الدُّنيا، وزيَّنتَه في قُلُوبنا، فمتَّعنَا بمَجَالسِه في الجنَّة، وارزقنا مُذاكرتَه مَعَ الَّذينَ أنعَمْتَ عليهم مِن النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالحينَ، وحَسُنَ أولئك رفيقا.

سَرَابُ العِلْمِ

(الوَاصِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْعَارِفِينَ، وَالْعَارِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْفاعِلِينَ) ابن المقفّع (١٤٢هـ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٢٦٦٤).

من محفِّزات الطالب للتحصيلِ العلميّ والاستزادةِ منه امتلاكُه للسؤالات والإشكالات المستفزَّة، وكلَّما كانت أرضُ تحصيله حافلةً بالسؤالات كانت أقبَلَ لمياه العلم،

أضحى مجرَّدُ السؤال هوايةً علميَّةً للطالب

والواقع يدلُّنا على أن الأمر لا ينطوي على إشكالٍ جادٍّ، وإلّا فلو كان كذلك لأعقب الجوابَ عنه عملٌ بموجَبه،

تأمَّلتُ في باعث وجود هذا الفصيلِ الوسيليِّ من الطلبة،

فبان لي أنَّ لهذا الاهتمام بوسائل العلم دون غاياته بواعثَ عدَّةٌ، على رأسها باعثان امتزجا فأفرزا هذا الفصيل:

أولها: فضيلة العلم، وشرف أهله.

وثانيها: صعوبةُ العلم، وطول طريقه، ومشقة تحصيله.

قال الشيخ محمد رشيد رضا (١٣٥٤هـ): (قلَّما يصدقُ أحدٌ في عشق العلم وتقوى عزيمته في طلبه ولا يهتدي السبيلَ إليه، ومن الناس من يسمي التمنِّي والتشَهِّي عشقًا وعزمًا، وهو غالطٌ في ذلك).

ولا من طلبة العلم الجادِّين الذين تمثِّلُ مشاريعُهم براهينَ صدقٍ لسؤالاتهم،

وإذا تأمَّلتَ خطاب المحققين من المحصِّلين وجدتُه يُعنى بالمُحكَم من الوسائل،

وطالبُ العلمِ الحقُّ هو مَن يأنسُ بالبحث (في) العلم أشدَّ من أنسه بالحديث (عن) العلم،

ثم إنَّ طلاب العلم ليسوا على شاكلة واحدة من حيثُ التهيُّؤُ النفسيُّ والاستعدادُ الذهنيُّ، والنَّظر في الوسائل لا بُدَّ أن يكون مراعيًا لذلك، وهذا يجعل لكلِّ طالبٍ شيئًا من الاجتهاد في تحديد وسائل تحصيله،

حفظُ العلم وضبطُه، والترقِّي في تحصيله، والتلقِّي عن أشياخه العارفين به، ومذاكرة الأقران النابهين، واستشراحُ ومدارسةُ المتون والكتب المعتمدة عند أهل كل فن.. هذه ونحوها هي محكماتُ الوسائل.

ومن هنا ينبغي عليه أن يطمسَ من قاموس سؤالاته كلَّ سؤال يتعدَّى مرحلته الراهنة، لأن السبيل ستستبين له مع كلِّ ترقٍّ، فليست الخطَّةُ العلميَّةُ مما يُكتب بمداد الحبر بل إنَّما تتخلَّق بعَرَق الإنجاز.

وقال ابن الجوزي (٥٩٧هـ): (إن الله عز وجل لما أراد بقاء العلم لأنه الدليل عليه جعل بين طباع الناس وأصناف العلم مناسبةً جوهريَّةً، وعلاقةً خفيَّةً، فينجذبُ كلُّ طالب علم إلى ما يناسب جَوْهَرِيَّته، لينحفظَ بجملتهم العلم). [آفة أصحاب الحديث (١٧٧ ١٧٨).]

ما نقله أبو حيّان التوحيدي (٤١٤هـ) في وصف بلاغة أبي الفضل ابن العميد (٣٦٠هـ) بقوله: (… ألا يعلم أبو الفضل أن مذهب الجاحظ مدبَّرٌ بأشياء لا تلتقي عند كلِّ إنسانٍ، ولا تجتمعُ في صدر كلِّ أحدٍ، بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ، وهذه مفاتحُ قلَّما يملكها واحدٌ، وسواها مغالقُ قلَّما ينفكُّ منها واحدٌ). [الإمتاع والمؤانسة (١:٦٦).]

من أشدَّ ما يقطع على طالب العلم طريق تحصيله هو الإيغالَ في البحث عن إجابةٍ لسؤال الوسائل،

بل نظروا في حقيقة العلم، وعُنُوا بمحكم الوسائل، وعبَّدوا طريق تحصيلهم بها لا يتمانعُ مع ظروفهم وطباعهم وقدراتهم،

أمَّا من صرف زهرة طلبه في ملاحقة سؤال الوسائل، فهو بذلك إنَّها يسير نحو سرابٍ من العلم يظن فيه حياةٌ لطلبه، حتى إذا جاءَه لم يجده شيئا.

سئل الأديب المازني عن الكتب التي ينصح الشباب بقراءتها، فقال: (لا أشير بشيء، فما في وسعي أن أتخيّر كتابًا أو كتبا وأن أقول للشاب الناشئ: ابدأ بهذا. هذا عسيرٌ، عليَّ على الأقل، فليبدأ بما شاء كيف شاء، فإن الكتاب يهدي إلى الكتب. ولست أعرف أحدًا من ذوي الاطلاع الواسع والأثر المذكور في عالم الأدب عندنا أو عند سوانا سار على طريقة منظمة من أول الأمر، والواجب أن يتناول المرء من هنا وهاهنا ومن كل ناحية حتى تستقر ميوله، وتتجلّى نزعاته، وينفتح له الطريق الذي يقوى على السير فيه) [العُمُر الذاهب (٨٨ ٨٩).]

هَمُّ العِلْمِ

(صِنَاعَتُنَا هَذِهِ مِنَ السَّهْدِ إِلَى اللَّحْدِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ عِلْمَنَا هَذَا سَاعَةً فَلْيَتْرُكْهُ السَّاعَةَ) محمد بن الحَسَن (١٨٩ه‍).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ، وَمَا وَالاَهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ . أَخْرَجَهُ التَّرْمِذِيُ فِي جَامِعِهِ (٢٣٢٢).

(وبخاصَّةٍ في هذا العصر الذي أصبح الوقت فيه نَهْبًا مقسَّمًا بين مطالب المدنيَّة وتعقيدات الحضارة، فلا يبقى لراغب العلمِ فيه والثقافةِ إلَّا اليسير من زمنه ليفرغ فيه لما نصب نفسه له، فأصبح بذلك في حاجةٍ ملحَّةٍ إلى ما يُمَكِّنه من تحصيل الكثير في اليسير من الزمن، وإلى ما يُذَلِّلُ له الاضطلاع بالبحث الطويل الدَّقيق في الوجيز من الوقت). [من مقدمة تحقيق عبد السلام هارون لكتاب الحيوان للجاحظ (١: ٣٦).]

فهو في كلِّ علمٍ يسعى ابتداءً في تلقُّف موادِّه وتحصيل مسائله ودلائله.. هذه مرحلةٌ أولى في طلب العلم، ولهذه المرحلة ملكاتٌ إذا حصَّلها وراضَ نفسَه بها كانت أرضُ بنائه العلمي صلبةً لا تزيلها عن صلابتها عَوَادي الأيام، ومن أخصِّها: قوَّةُ الحفظ، وحسنُ الفهم، وسرعةُ التصوُّر وسلامتُه.

تعقُّبُها مرحلةٌ يُعنى فيها بدَرْسِ ما جمعه،

وها هنا ملكاتٌ تتخلَّق وتنمو متى ما التفتَ إليها الطالب وجدَّ في تحصيلها ورعايتها.. من أخصِّها: التَّحليلُ، والتَّركيبُ، والمقارنةُ، والتقويمُ.

ثم تأتي مِن بعد ذلك مرحلة الإنتاج بملكاتها من حُسنِ الإبانة عن العلم، وجَودَةٍ تصويره، وفقهِ تعليمه، وإتقانِ كتابته وتدوينه.

فمن جهة الكمِّ يكون في أوَّلِ أمرِه أكثرَ عنايةً بالجمع منه على أن يكون دارسًا مستشكِلًا، ومن جهة الكيف فليس الجمع في أوَّلِ التَّحصيلِ كالجمع آخرَه،

ففي كل مرحلة تحصيلية تزداد صورة العلم في عقل الطالب قوَّةً وتمكُّنًا، وتتنامى ملكاتُه ولا تتبدَّل، (ولهذه العلَّةِ يزدادُ الإنسانُ فهمًا كلَّما ارتاضَ وتخرَّجَ في العلوم والآداب) [تهذيب الأخلاق لمسكويه (٥).]

ومن هنا ففلاحُ طالب العلم مرهونٌ بمدى استطاعته على تقليص هموم دنياه والتقليل من نفوذ محيطه عليه،

كان الإمام الخليل بن أحمد (١٧٠هـ) يقول: (إني لأغلق عليَّ بابي، فما يجاوزُه همِّي). [سير أعلام النبلاء للذهبي (٧: ٤٣١).]

الجاحظ (٢٥٥هـ) قال: (طبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط، والذي يُعالَجَان به ويستعينان عليه متَّفَقٌ عليه، وهو فراغُ القلب للشيء والشَّهوَةُ له، وبها يكون التَّمامُ، وتظهر الفضيلة). [رسائل الجاحظ (٣: ٣٠).]

لا يتحدَّثِ الطالبُ عن رَهَقِ هذا الزمان، وتزاحمِ همومه، وتواترِ مشغلاته، واضطرابِ أحواله، لكن لِيَنظُرْ في مسافاته، فالأحداثُ الآن كهي في الزَّمَنِ الغابرِ، لكنَّ المسافاتِ يا صاحبي ليست كالمسافات!

وهذا المعنى متواترٌ في كلام العلماء، صيانةً لعلم المحصَّل من المزاحمة، والمزاحمة لا بد وأن تدخل بالنقصِ عليه.

وقال أبو عبيدة (٢٠٩هـ): (من شغل نفسه بغير المهم أضرَّ بالمهم). [الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (٢: ٢٢٧).]

جمعُ الهم إذًا هو الخلاصُ لطالب العلم من مطرقةِ تشعُّب العلم وسندانِ الأحداث المحيطة،

ومن أشدَّ موانع الهمَّ من الانجماع والعلمِ من الاجتماع: تقطُّعُ التحصيل وتعثُّرُه، فالعلمُ يحتاج من طالبه مواظبةً ليرتاضَ به، بذلك ينجمعُ همُّه، ويثبتُ علمُه، وتُضبَطُ معارفُه.. فمَن ثَبت نَبت، [اقتباسٌ من قول أبي حنيفة: (ثَبَتُّ عند حماد بن [أبي] سُليمان فنَبَتُّ). انظره في: تعليم المتعلم للزرنوجي (٤٨).]

ابن عقيل الحنبلي (١٣٥هـ): (وحصولُ الرياضة بكثرة الدّرس والمذاكرة، … وإذًا، فكلَّما كان الطالبُ أكثرَ مراسًا للعلم وأشدَّ معالجةً له كان أمكنَ فيه وأحذقَ له ممن لم يبلغ رتبته من المعالجة، وهذا شأنُ المعارفِ كلِّها، فإنَّ للمختصِّ بها المعالجِ لها من الإحاطة بلُبِّها وأطرافها ما ليس لغيره) [الواضح في أصول الفقه (١: ٥٢٧).]

(فإنَّك إذا لازمتَ الحفظَ والاشتغالَ صار لك عادَةً). [معجم البلدان لياقوت (٥: ١١٦).]

نِعْمَ الوصيَّة هذه، فالملازمة سبيل الاعتياد،

فضيلة الاعتياد.

من تلك التقنيات: التركيز على الإنجاز اليومي بقطع النظر عن نهايات المشاريع، ومُنْجَزُ طالب العلم حينئذٍ يكون بها حصَّله في يومه،

وانظرْ في واقع بعض المشاريع: التمهيد لابن عبد البر (٤٦٣هـ)، تحفة الأشراف للمزي (٧٤٢هـ)، فتح الباري لابن حجر (٨٥٢هـ)، التحرير والتنوير لابن عاشور (١٣٩٣هـ)، الأعلام للزِّرِكْلي (١٣٩٦هـ)، وغيرها.. لم تكن وليدةَ شهرٍ، ولا سنةٍ، ولكنها كانت خلاصةَ عُمْر، ومشروعَ حياة، وتعاقُبًا منتظِمًا لمنجَزَات الأيام.

استغرق تأليف التمهيد ٣٠ عامًا، و تحفة الأشراف ٢٦ عامًا وشهرين وبضعة أيام، و فتح الباري ٢٥ عامًا وبضعة أشهر، و التحرير والتنوير ٣٩ عامًا و٦ أشهر، و الأعلام أكثر من ٦٠ عامًا.

ولو أنَّا صَرَفْنَا النَّظرَ عن النِّهايات، وأحكمنا العزم، وعاقدنا الصبر، وأخذنا أنفسنا بالإنجاز اليومي ولو قَلَّ لكانت النتيجة بعد حين مذهلة.. فـ (ليس النبوغُ إلا المقدرة على تحمُّلِ الجُهد المستمر). [الجمر والرماد هشام شرابي (١٣١) نقلاً عن تشارلز ديكنز]

حدِّثني (فقط) عن إنجازك اليومي، فهو برهانُ آمالِك وعنوانُ نهاياتِك.

ومن تلك التقنيات: الانقطاعُ المرحليُّ إلى مشروع علمي متكامل يحقِّق به طالب العلم قفزةً معرفيَّةً في أحد مجالات العلم والمعرفة،

محمود الطَّناحي (١٤١٩هـ):

… فقال لي المستشرق منكِرًا متعجِّبًا: طالبٌ بدار العلوم، متخرجٌ من الأزهر، لا يعرف العَرُوض؟ فكأنَّما ألقمني الرجل أحجارَ إِمْبَابَةَ كلَّها، وعدتُُ إلى بيتي خاسئاً حسيراً، … وهكذا من انقطع إلى شيءٍ أتقنه. [في اللغة والأدب (1: ١٨١ ١٨٢).]

عبد الوهاب المسيري (١٤٢٩هـ):

… فحبستُ نفسي في غرفة لمدَّة شهرٍ كاملٍ، لا أسمع إلا الإذاعات المتحدثة بالإنجليزية، ولا أقرأ سوى الجرائد والمجلات الإنجليزية، وعُدتُّ بعد الفصل الدراسي الأول وقد تملكتُ ناصية اللُّغة بشكل أدهش أساتذتي! [رحلتي الفكرية (١٣٠).]

قال أبو هلال العسكريُّ (400هـ): (اجتهدْ في تحصيل العلم لياليَ قلائلَ، ثمَّ تذوقْ حلاوة الكرامة مُدَّةَ عمرك، وتمتَّع بلذَّة الشرف فيه بقيَّةَ أيامك، واستَبْقِ لنفسِك الذَّكرَ به بعد وفاتك). [الحث على طلب العلم (٥).]

القفزات

للقفزاتِ فقهًا ينبغي عليه مراعاته لتؤتي قفزتُه ثمرتَها.. وفقهُها مجسَّدٌ في ثلاثة أمور:

الأول: لتكنْ في كل قفزةٍ محدودَ المصادر،

الثاني: أعِدَّ مُتْكَأَ القفزة بعناية، أبلغ في ترتيبه وتطييبه، خلّصه من مكدّراتِ العصر، وسائلِ التواصل الاجتماعي، افعلْ كلّ ما يعينك على نجازِ مشروعك، ولو كلّفك الكثير، ولا تكن شحيحًا، ف (الاقتصاد الصحيح أن تنفق فيما تحتاج إليه كلّ مبلغٍ مهما يكنْ كبيرًا، وإيّاك أن تشتري شيئًا لا تحتاج إليه مهما يكن متدنيًا) قاله عمر فرُّوخ (١٤٠٨هـ) نقلًا عن عمّه حسين. [غبار السنين (٤٤).]

الثالث: لتكنْ أيَّامُ قفزتِك كالشركاء المتشاكسين، يقايض بعضُها بعضًا..

إذا فاتك نصيبُ الفجرِ فأدِّه الظهرَ، أو نصيبُ العصر فأدِّه المغرب، ولا تؤجَّلْ، فإنما سَيلُ العثرات اجتماعُ نُقَطِ التأجيل.

الصَّوارف

إنَّ من أكبر ما يواجه طالب العلم في هذا الزمن كثرة الصوارف التي تشعِّب همومه وتصرفها عن العلم، الدُّنيويَّة منها والمعرفيَّة:

أمَّا الصَّوارفُ الدنيويَّةُ فكم رأينا من طلبةِ علمٍ تخطَّفتهم يدُ الدنيا بزخرفها ومادِّيّاتها، فأقبلوا عليها، ونبذوا ما حصَّلوه من علمٍ وراءَ ظهورهم،

العلم لا يُعطيك بعضَهُ حتى تُعطيه كُلَّك،

يقول ابن كثير: (كنتُ في أول طلبي مجانبًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم إني حضرتُ درسَه بحلقة الثلاثاء من جامع دمشق، فأخذ بمجامع قلبي، ثم جئتُ إليه مرةً أخرى وهو بالمدرسة الحنبلية، فصعدت السلمَ إلى بيته، فرأيته وهو يشتغل بالعلم، وأثاثُ بيته يسير جدًّا، وله منارةٌ من طينٍ عليها سراجُه، فخطر بسرِّي علماءُ زمانه وما هم فيه من البسط في الدنيا والتوسع، ولم أنطق بذلك، فناداني الشيخ: يا إسماعيل، لا تكثر الفضول، فإن أولئك لم يذوقوا حلاوة العلم ). [انظر: المنثور من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد الله البراك (ص: ٧٥).]

قال الشوكاني (١٢٥٠هـ) في كلامٍ طويلٍ حقيقٍ بأن يكتب بماء الذهب:

(ما أحسنَ ما حكاه بعضُ أهل العلم عن الحكيم أفلاطون، فإنه قال: الفضائلُ مُرَّةُ الأوائل حُلْوَةُ العواقب، والرَّذائلُ حُلْوَةُ الأوائل مُرَّةُ العواقب . وقد صدق، فإنَّ مَن شغل أوائل عمره وعنفوان شبابه بطلب الفضائل لا بُدَّ أن يفطِمَ نفسَه عن بعض شهواتها، ويحبسَها عن الأمورِ التي يشتغل بها أترابُه ومعارفُه من الملاهي ومجالس الرَّاحَة وشهوات الشَّبَاب،

وإذا انضمَّ لذلك الطالب إلى هذه المرارة الحاصلة له بعزف النفس عن شهواتها مرارةٌ أخرى هي إعواز الحال وضيق المكسب وحقارة الدخل فإنَّه لا بُدَّ أن يجد من المرارة المتضاعفة ما يعظم عنده موقعه، لكنَّه يذهب عنه قليلًا قليلًا.

ثم إذا نال من المعارف حظًّا وأحرز منها نصيبًا ودخل في عداد أهل العلم كان متقلِّبًا في اللَّذَّاتِ النَّفسانيَّةِ التي هي اللَّذاتُ بالحقيقة،) [أدب الطلب ومنتهى الأرب (١١٩-١٢٠).]

وأمَّا الصَّوارفُ المعرفيَّةُ، فهي تلك التي تحيد بالطالب عن صلب العلم إلى هوامشه،

نَعَم، ينبغي لطالب العلم أن لَّا ينسحبَ عن واقعه فيدخلَ ذلك بالنقص على تصوراته، فإنَّ من مقاصده في تحصيل العلم أن يكون له بعد حينٍ أثرٌ في واقعه بصرف النظر عن امتدادِ ذلك الأثر أو تقلُّصِه،

الدكتور إحسان عباس (١٤٢٤هـ) أحد أعلام المحققين والأدباء المعاصرين: (… في شيءٍ خارجٍ عن اختصاصي وما أثق فيه بمعرفتي ووضوح تصوُّري، لقد كنت أغذِّي هذا الجانب لديَّ بالقراءات المستفيضة، ولكني كنتُ أُحجِمُ عن تناوله بالبحث والكتابة، ورحم الله امرءًا عرف حدَّه فوقف عنده). [بحوث ودراسات في الأدب والتاريخ (١: ٥).]

روي عن أبي حنيفة (١٥٠هـ) أنه قال: (لا يُتَرَكُ القاضي على القضاء إلَّا حولًا، لأنه إذا اشتغل بالقضاء ينسى العلم، فيعزله السلطان بعد الحول ويستبدل به حتى يشتغل بالدرس). [الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١: ٢٥٥).]

فإذا كان هذا في ولاية القضاء، وهي كما علمتَ متعلِّقةٌ بصلبِ العلم ومحكَمِه، فكيف هي الحالُ في المعارف الصارفة عن جوهر العلم؟!

هذا، وإنَّ ممَّا يعزَّزُ هذه الصوارف المعرفية ويُذْكِي نارَها: وسائلَ التواصل الحديثة بمختلف أشكالها،

يفتقدُ طالب العلم في هذا الزمان ذلك المحيط الطاهر، يوم أن كان يدرُجُ إلى مكتبته، يقرأ ويحفظ ويكتب دون أن يعلم به أحد، دون أن يكون غاية همه التغريد بفائدة من هذا الكتاب أو ذاك،

ولطالما تذكرت قول عروة بن الزبير (٩٤هـ): (إِنَّا كنا أصاغرَ قومٍ، ثم نحن اليومَ أكابرُ، وإنَّكم اليوم أصاغرُ قومٍ، وستكونون كبارًا، فتعلَّموا العِلْمَ تسودوا به قومَكم، ويحتاجون إليكم). [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1: ٣٠٩).]

وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه (٣٢هـ): (عليكم بالعلم، فإنَّ أحدَكم لا يدري متى يَفتقرُّ أو يُفتَقَرُ إلى ما عنده). [السنة للمروزي (٩٦).]

شِعَابُ العِلْمِ

(يَنْبَغِي لِمَنْ يُحِبُّ العِلْمَ أَنْ يَفْتَنَّ فِي كُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مُنْفَرِدًا غَالِبًا عَلَيْهِ مِنْهَا عِلْمٌ، يَقْصِدُهُ بِعَيْنِهِ وَيُبَالِغُ فِيهِ) المُبرِّد (٢٨٥هـ)

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي خَبَرِ مُوسَى ﷺ وَفَتَاهُ: … حتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الحَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ . أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١٢٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٣٨٠) فِي صَحِيحَيْهِمَا .

عُلُومَ الشَّريعة روابطُ متصلةٌ، (يتعلَّق بعضها ببعض، ولا يستغني منها علمٌ عن غيره)، [رسائل ابن حزم (٤: ٨١).]

نحنُ إذًا أمام ضرورتين: ضرورة التوسُّع، وضرورة التخصُّص!

من المعلوم أنَّ مصدرَ العلومِ كلِّها هو الوحي، ولم يكن المسلمون في العهد الأول يعرفون هذه العلوم بتصنيفها الحالي، بل كانت العلومُ عندهم لحمةً واحدةً،

والعلمُ كان هو الفقهَ في الدين بشتَّى موضوعاته، وإنْ كانت بعض العلوم تتمثَّل على هيئة اهتمامات عند بعض علماء الصحابة رضي الله عنهم، فلمعاذ بن جبل (١٨٠هـ) اختصاصٌ بالحلال والحرام، ولابن عباس (٦٨هـ) اختصاصٌ بالتفسير، ولزيد بن ثابت (٤٥هـ) اختصاصٌ بالفرائض، … لكنَّ هذه الاختصاصات كانت في ذهنيَّةِ ذلك العهد تُمثِّل اهتمامًا بموضوعاتٍ داخلَ علمٍ، ولم تكن تظهر بصفتها اختصاصاتٍ تُحيِّر هذه الموضوعات لتكون علومًا مفردَةً بمناهجَ مستقلَّةٍ.

جمهورَ الأحرف المنقولة عن ابن عباس رضي الله عنه (٦٨هـ) متعلقةً بالتفسير، وجمهورَ ما نقِل عن عليٍّ رضي الله عنه (١٠هـ) متعلِّقًا بالفقه، مع إمامة ابن عباس في الفقه وإمامة عليٍّ في التفسير، وهذا التمايزُ الكمِّيُّ له أثرٌ ولا بُدَّ في التصنيف العلمي،

ثمَّ إنَّه مع مرورِ الأزمنة وتعاقبِ الأجيال ظهرتْ على السطح ثغراتٌ علميَّةٌ استدعت سدَّها بإحالة العلوم التي كانت في العهد الأول مَلَكاتٍ لتكون صناعاتٍ، ففسادُ اللِّسان أفضى إلى تصنيع علوم اللُّغة، واختلال نظام الاستدلال أفضى إلى تصنيع علم أصول الفقه، وبدءُ فشوِّ الكذب كان تمهيدًا لتصنيع علوم الحديث.

وهذه العلوم في حقيقتها غاياتٌ من الوحي أو وسائلُ إليه، فلم تكن يومًا أجنبيَّةً عنه،

كانت ثنائية التخصُّص/ التوسُّع خاضعةً لاعتباراتٍ نسبيةٍ تمتزج فيها القدرة الذهنية بالحاجة المعرفية بالحقل العلمي بيئةً وطلابًا وعلماءَ،

من أولئك الزهريُّ (١٢٤هـ)، قال ليونس بن يزيد (١٥٩هـ): (… ولا تأخذِ العلمَ جملةً، فإنَّ مَن رام أخذه جملةً ذهب عنه جملةً، ولكن الشيء بعد الشيء مع اللَّيالي والأيام). [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1: ٣٥٩).]

قال حبر الأمة ابن عبَّاس رضي الله عنه (٦٨هـ): (العلمُ أكثر من أن يُحصَى، فخذوا من كلِّ شيءٍ أحسنَه). [جامع بيان العلم وفضله (١: ٣٦٣).]

يقول ابن الجوزي (٩٧٥ه): (… أليس في الحديث: منهومان لا يشبعان: طالبٌ علمٍ وطالبٌ دنيا ؟ قلتُ: أمَّا العالم فلا أقول له: اشبعْ من العلم، ولا: اقتصرْ على بعضه. بل أقول له: قَدِّم المهم، فإنَّ العاقلَ من قدَّر عمرَه وعَمِل بمقتضاه). [صيد الخاطر (١٨١ ١٨٣).]

وقال في موضعٍ آخرَ: (اعلم أنه لو اتَّسع العمر لم أمنعْ من الإيغال في كل علمٍ إلى منتهاه، غير أنَّ العمرَ قصيرٌ، والعلمَ كثيرٌ). [صيد الخاطر (٤٤٣ ٤٤٤).]

الشافعي (٢٠٤هـ): (من تعلَّم علمًا فليدقَّق فيه، لئلَّا يضيع دقيقُ العلم). [المدخل إلى علم السنن للبيهقي (ف: ١٥٢٧).]

ولما ترجم الذهبي (٧٤٨هـ) لابن الجوزي (٥٧٩هـ) مَسَّه بقوله: (ومع تبحُّر ابن الجوزي في العلوم، وكثرة اطلاعه، وسعة دائرته، لم يكن مبرِّزًا في علم من العلوم، وذلك شأنُ كلِّ مَن فرَّق نفسه في بحور العلم). [تاريخ الإسلام (12: ١١١١).]

محلُّ نقدهم هو التوجُّهَ إلى علم من العلوم مع الإعراض عن سائرها، لأنَّ الإعراضَ فرعٌ عن الجهل بحقيقة هذه العلوم التي تحيَّزت، وأنها كانت كتلةً واحدةً، آخذًا بعضُها بِحُجَز بعضٍ،

قال نقولا زيادة (١٤٢٧هـ) فيما يتعلق بالحقل التاريخي: (المؤرخ الحقيقي يجب أن يكون له اطلاع أساسي ليس من الضروري أن يكون تخصصيًا على مجرى التاريخ العام كي يستطيع أن يضع فترته في مكانها الصحيح). [مرفأ الذاكرة ضمن الأعمال الكاملة (٤٢٧). بواسطة: تأريخ التاريخ لوجيه كوثراني (٢٤٩).]

قال الراغب الأصفهاني (٥٠٢هـ): (حقُّ الإنسان ألا يترك شيئًا من العلوم أمكنه النَّظرُ فيه واتَّسعَ العمرُ له إلَّا ويخبُرُ بشمِّه عَرْفَه، وبذوقِه طِيبَه، ثم إن ساعده القَدَرُ على التَّغَذِّي به والتزوُّدِ منه فبها ونِعْمَت، وإلَّا لم يُبصَرْ – لجهله بمحلِّه وغَبَاوتِه عن منفعته – إلَّا مُعَادِيًا له بطبعه). [الذريعة إلى مكارم الشريعة (١٧٢).]

ومن الأخبار المليحة في ذلك ما حدَّث به سهل بن محمد السجستاني (٢٥٥هـ): … وأخذ الكوفي يسأل كلَّ عالم مسألةً خارجةً عن تخصُّصه، فلم يجيبوه بشيء، بل صرَّح كلٌّ منهم بعدم اختصاصه، فقال في ختم حلقة المساءلات هذه: (ما أقبح الرجلَ يتعاطى العلم خمسينَ سنةً لا يعرف إلا فنًّا واحدًا، حتَّى إذا سُئِل عن غيره لم يَجُلْ فيه ولم يَمُرَّ، ولكنَّ عالمَنا بالكوفة الكسائيَّ لو سُئِل عن كلِّ هذا لأجاب). [تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي (13: 349-350).]

التمييز الحاصل بين العلوم كان تمييزًا واعيًا، ملاحِظًا للمصدر الأساسيِّ والفرع التخصُّصيُّ، ومن هنا أمكن أن يكون لكلِّ علمٍ اختصاصٌ بحدود منهجيَّة لا اعتباطيَّة،

هُناك مساحاتٍ لا يُمكن التَّحذُّق بها إلا بتجاوز حدود التَّخصُّص، أمَّا التَّحقيق في كل علم على وجه الكمال فلا يكون إلَّا باتِّساع النَّظر ليشمل سائر العلوم.

تجد في علماء الإسلام مَن كان إمامًا في فنٍّ مع قصوره في علوم أخرى، وهذا وإن جرَّ النقص عليه في جوانبَ من أبحاث تخصُّصِه إلا أنه لم ينزع عنه الإمامة فيه،

حَمَّادُ بن أبي سليمان (١٢٠هـ): فقيهُ العراق، أنبلُ أصحاب إبراهيمَ النخعيِّ (٩٦هـ)، وأقيسُهم، وأبصرُهم بالمناظرة والرأي، وهو شيخُ فقيه الدنيا أبي حنيفة (١٥٠هـ). ومع إمامته في الفقه واتساع دائرته فيه، وتواتر الثناء عليه في ذلك، إلا أنه لم يكن ذا باعٍ في الحديث، … وهذا لم يكن قادحًا في إمامته الفقهية، لكنه أثَّرَ سلبًا في جوانبَ من فقهه لاشتراك أرضيَّة الرأي والأثر فيها.

حَفْص الدُّورِي (٢٤٦هـ): العالم الكبير، إمامٌ في القراءة مبرزٌ فيها، إلا أنه في الحديث لم يكن كذلك، حتى ضعفه الدارقطني، فقال الذهبي: (قول الدارقطني: ضعيف يُريد في ضبط الآثار، أمَّا في القراءات فثبتٌ إمامٌ. وكذلك جماعة من القُرَّاءِ أثبتٌ في القراءة دون الحديث، كنافع والكسائي وحفص، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرَّرُوها، ولم يصنعوا ذلك في الحديث، كما أن طائفةً من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يُحْكِمُوا القراءة.. وكذا شأنُ كلِّ مَن برز في فن ولم يعتن بها عداه). [سير أعلام النبلاء (١١: ٥٤٣).]

العلم بتحقيق النظر في المسائل وتحريرها.

يقول ابن العربي (٥٤٣هـ): (خذوها نصيحةٌ: كلُّ مَن نظر في علمٍ وقَصَدَ أن يأخذَ منه المقدارَ الذي يَحتاج إليه لم يحصلْ منه على شيء، وكلُّ مَن نظر فيه ليستولي عليه ربَّها حصل له منه المقدارُ الذي يحتاج إليه). [الأمد الأقصى (١: ٣٠٣).]

ابن حزم (456هـ) من إجابةٍ واعيةٍ بحجم الإشكال، فيقول أوَّلًا: (مَنِ اقتصرَ على علمٍ واحدٍ لم يطالعْ غيرَه أوشك أن يكون ضُحْكَةً، وكان ما خَفِيَ عليه من علمه الذي اقتصر عليه أكثرَ مما أدرك منه، لتعلُّقِ العلوم بعضِها ببعضٍ، وأنها دَرَجٌ بعضُها إلى بعضٍ. … لِيأخُذْ من كلِّ علمٍ بنصيب، ومقدارُ ذلك معرفتُه بأغراضِ ذلك العلم فقط، ثم يأخذ مما به ضرورةٌ إلى ما لا بُدَّ له منه بعد معرفته بأغراضه ومقاصده، ثم يعتمد العلمَ الذي يسبق فيه بطبعه وبقلبه وبحيلته، فيستكثر منه ما أمكنه) [رسائل ابن حزم (٤: ٧٨).]

ويقدِّمُ مسكويه (٤٢١هـ) رؤيةً نافعةً فيها يتعلَّق بالقدر الذي يُتلقَّى من كل علم، فيقول: (المطلوبُ من كلِّ علمٍ هو الوقوفُ على كليَّاتِه التي تشتمل على جميع أجزائه بالقوة). [الهوامل والشوامل (٢٦٩).]

قال تاج الدين السبكي (٧٧١هـ): (قُلْ ما رأيتُ سالكَ طريقٍ إلا ويستقبحُ الطريقَ التي لم يسلكْها، ولم يُفتَحْ له مِن قِبَلها، ويضع عند ذلك من غيره، لا ينجو من ذلك إلا القليلُ من أهل المعرفة والتمكين). [طبقات الشافعية الكبرى (٦: ٢٤٤).]

ولما عدَّد الغزالي (٥٠٥هـ) وظائف المتعلِّمِ ذكر منها: (أَلَا يدعَ طالب العلم فنًّا من العلوم المحمودة ولا نوعًا من أنواعها إلا وينظرُ فيه نظرًا يطَّلعُ به على مقصِدِه وغايته). [إحياء علوم الدين (١: ١٩٢). وانظر: ميزان العمل (٢٣٥ ٢٣٦).]

قال ابن الجزري (٨٣٣هـ): (لا شكَّ عند كلّ ذي لبٍّ أنَّ مَن تكلم في علم ولو كان إمامًا فيه وكان العلمُ يتعلَّقُ به علمٌ آخرُ، وهو غيرُ متقنٍ لما يتعلق به = داخَلَهُ الوهم والغلط عند حاجته إليه). [منجد المقرئين (٤٦).]

العلمُ بمظنّة العلم:

وليس القصدُ من مظانِّه أن يعلمَ طالبُ العلم الكتبَ الرئيسةَ في كلِّ علمٍ فحسب، فهذا مما يُدرَك بالورقة والورقتين، بل الشأن أن يَعلَمَ أين تُبحَثُ مشكلاتُ العلم ودقائقُه، ويَعلَمَ موقع كل كتاب من سلسلة مصادر العلم ومدى تأثره وتأثيره، وكيف يتعامل معها ويفيد منها، ويميِّز بين كتب الفن وأعلامه ومدارسه، فإن لذلك أثرًا في وزن مسائل العلم.

وقد أوفى الطناحي (١٤١٩هـ) على الغاية يوم أن قال: (معرفةُ مظنّة العلم نصفُ العلم).

فليكن تخصُّصُ الطالبِ نصفَ علمِه، ولْيُفرِّق نصفَه الآخرَ بين سائر العلوم بضبطِ أصولها، ودَرْكِ ضرورياتها وكليّاتها،

وهذا يستتبع أن يكون للطَّالب اشتغالٌ بالكُتُب واستكثارٌ منها، وكلَّما كانت الكُتُبُ دانيةً منه كان أدنى إلى عِلْم ما فيها.. قال ابن حزم (546هـ): (لا سبيلَ إلى حِفْظ المرء لجميع علمِه الذي يختصُّ به، فإذْ لا سبيلَ إلى ذلك فالكُتُبُ نِعْمَ الخازنةُ له إذا طلب).

العلمُ بها يؤول إلى التَّخصُّص:

لكلِّ تخصُّصٍ وجهًا من الارتباط بسائر العُلُوم، وعلى المتخصص أن يُلِمَّ به، وهذا الوجه يتفاوت من علمٍ إلى آخرَ، فما يحتاجه طالب الحديث من علم اللُّغة ليس على وزان ما يحتاجه طالب التفسير، وهكذا.

ما قدَّم به ابنُُ عطيّة (٥٤٢هـ) تفسيرَه الجليل المحرر الوجيز ، … قال: (ثمَّ رأيتُ أنَّ من الواجب على من احتبى، وتخيَّرَ من العلوم واجتبى، أن يعتمدَ على علمٍ من علوم الشرع، يستنفدُ فيه غاية الوسع، يجوبُ آفاقَه، ويتتبَّعُ أعماقَه، ويضبطُ أصولَه، ويُحكِمُ فصولَه، ويُلخِّصُ ما هو منه، أو يؤولُ إليه، ويَفِي بدفع الاعتراضات عليه حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون إليه في أقواله، ويحتذون على مثاله).

ما يُدرَك بمراجعة المختصِّين في العلوم الأخرى، وهذا يختصر الطريق على طالب العلم، ويدني منه ما كان بعيدًا

العِلْم باللُّغة:

فإنَّ التوسُّعَ في اللُّغة لا يزيد الناظر إلا بَصَرًا في تخصصه، أيًّا كان ذاك التخصُّص.

اختصاص اللُّغة بذلك من بين سائر العُلُوم عائدٌ إلى فِقْه منزلة العربية مِن الشَّريعة بعامَّة، فما دامت هذه الشَّريعةُ عربيَّةً، فلا يفهمها حقَّ الفَهْم إلَّا مَن فَهِمَ اللُّغةَ العربيَّةَ حقَّ الفَهْم.

[يقول الإمام الشاطبي:] (… وبيانُ تعيُّنِ هذا العِلْم أنَّ الشَّريعةَ عربيَّةٌ، فلا يفهمها حقَّ الفَهْم إلَّا مَن فَهِمَ اللُّغة العربية حقَّ الفَهْم، فإذا فرضنا مُبتدِئًا في فَهْم العربية فهو مُبتدِئٌ في فَهْم الشَّريعة، أو مُتوسِّطًا فهو مُتوسِّطٌ في فَهْم الشَّريعة، والمُتوسِّط لم يبلغ درجة النِّهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشَّريعة، فكان فهمُه فيها حُجَّةً كما كان فهم الصَّحابة وغيرهم مِن الفُصحاء الذين فهموا القُرآن حجَّةً). [الموافقاتِ (٥: ٥٢ ٥٣) بتصرُّفٍ يسير.]

بل إنَّ مَن جَهِلَ العربيَّةَ وعلومَها جرَّ ذلك عليه فسادَ الرَّأي والنَّظر،

(اللُغة هي خزانة الفكر الإنساني). [أباطيل وأسمار لمحمود شاكر (٣٤٦).]

أو العمل الصالح، ثمَّ لما بيَّن [ابنُ تيمية (728هـ)] ما امتازت به العرب في علمها قال: (العلم له مبدأٌ، وهو: قُوَّةُ العقل الذي هو الفهم والحفظ. وتمامٌ، وهو: قُوَّةُ المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهمُ من غيرهم، وأحفظُ وأقدرُ على البيان والعبارة، ولسانُهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، جمعًا وفرقًا). [اقتضاء الصراط المستقيم (١: ٤٤٧).]

قال الطناحي (١٤١٩هـ): (كان الأدبُ -وما زال- خيرَ سبيلٍ لإيصالِ المعرفة، وسرعةِ انصبابها إلى السمع، واستيلائِها على النفس، والبليغُ يضع لسانَه حيث أراد، وإنَّك لتجد كثيرًا من الدراسات قد جمعت فأوعت، لكنها لم تبلغ مبلغَها من النفع والفائدة، لجفافِها وعُسرِها). [الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم (٨٦).]

قال الشاطبي (٧٩٠هـ): (كثيرًا ما كنت أسمع أبا علي الزواوي يقول: قال بعض العلماء: لا يُسمَّى العالمُ بعلمٍ ما عالمًا بذلك العلم على الإطلاق حتى تتوفر فيه أربعة شروط: أحدها: أن يكون قد أحاط علمًا بأصول ذلك العلم على الكمال. والثاني: أن تكون له قدرةٌ على العبارة عن ذلك العلم. والثالث: أن يكون عارفًا بما يلزم عنه. والرابع: أن تكون له قدرةٌ على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم.) [الإفادات والإنشادات (١٠٧).]

فالتخصُّصُ لا مناصَ منه لطالب العلم،

تَحْقِيقُ العِلْمِ

عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهِ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً.. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ . أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٧٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٨٢) فِي صَحِيحَيْهِمَا .

فمعاني الوحي قد اكتملت بموت النبي ﷺ.

والعلومُ الخادمةُ للوحي قد تكامل تأسيسُها في الطبقات المبكرة،

فلم يبقَ إلا إغناء ذلك التأسيس، بكشف أبعاده، وتوسيع دوائر الإفادة منه، وإقامة قواعد فهمه واستثماره والتخريج عليه، وهذا مجالٌ للإبداع رحْبٌ، وطريقٌ للابتكار واسعٌ.

فإنَّ لتحصيل هذا العلم الموروث مقاصدَ، … وهذان المقصِدَان هما: الضَّبط والتَّحقيق، فالضبطُ لمقدِّماتِ ونتائجِ تلك العلوم، والتحقيقُ لتحريرِها والوقوفِ على أغوارها ومقاصدها.

وسيلة التّأصيل المرجعي، وفرقٌ بين التأصيل المرجعي والتأصيل المنهجي، فالتأصيلُ المنهجيُّ أن يكون للطالب في كلِّ مقصِدٍ منهجٌ مؤصَّلٌ وخطةٌ مرسومةٌ، أمَّا التأصيلُ المرجعيُّ فأن يتخذ من كتابٍ/ مرجعٍ مَّا أصلًا له.. وعليه، فإذا كان الحديث شاملًا لمقصِدَين، فعلى طالب العلم أن يتَّخذ له أصلين مرجعيين:

أحدهما أصلٌ مرجعيٌّ للضبط، وذلك بأن يكون له في كلِّ علمٍ أصلٌ يفيدُه الاحتواءَ على مجامع ذلك العلم ومبانيه، يضبط به مسائله ودلائله، … هذا، وإذا ضمَّ الطالبُ إلى اعتياده لهذا الأصل حفظَه له بلغ الغايةَ في الضبط، فالحفظ من أشرف صناعات العلم،

(إذا كان ما جمعتَه من العلم قليلًا وكان حفظًا كَثُرَتِ المنفعة به، وإذا كان كثيرًا غيرَ محفوظٍ قلَّت منفعتُه).

ولذا فإنِّي لا أجدُ فيها وضعه العلماء من مصنَّفاتٍ وأعمالٍ عِلمِيَّةٍ أعونَ على النبوغ العلمي من تلك الأعمال التي تحقِّقُ ذلك الطيَّ، من المتونِ والمختصراتِ الجامعةِ لأصول المسائل، الحاويةِ زُبَدَ العلوم، المهيَّأةِ للضبط، الموطَّأةِ للحفظ..

وأدنى مطالعةٍ لتراجم العلماء في مختلف القرون تدلُّك على أن حفظ المتون كان نهجًا محكمًا لا يكاد يجيدُ عنه طالبٌ للعلم، في مبتدأِ طلبه وخَبَرِه،

ليسوا نُسخًا زائدةً كما يحلو لبعض المحرومين وصفُ الحفّاظ بذلك.

قال العلَّامة ابن عثيمين (١٤٢١هـ): (قد أراد بعضُ النَّاسِ أن يمكروا بنا، قالوا: إنَّ الحفظَ لا فائدةَ فيه، وإنَّ المعنى هو الأصل ولكن الحمد لله أنه أنقذنا من هذه الفكرة، وحَفِظنا ما شاء الله أن نحفظ). وهو الذي قال: (نحن لم ينفعنا الله عز وجلَّ إلا بها حفظناه).

ومن هنا يتأكَّد عليه أن يكون له أصلٌ مرجعيٌّ للتَّحقيق، وهذا الأصلُ كما هو بيِّنٌ من السياق ليس بديلًا لأصل الضبط،

من حيث الوظيفة:

أصلُ الضبط يُراد منه أن يكون وسيلةً لضبط مسائل العلم … أمَّا أصلُ التحقيق فيُراد منه أن يرتاض الطالب بمسالك تحقيق مسائل العلم، وتحرير دلائله، من خلال نصوصه العالية، وتحريرات المحققين فيه.

من حيث المضمون:

أصلُ الضبط في كل فنٍّ لا بُدَّ أن يكون محتويًا على خلاصاتٍ مركَّزةٍ لنتاجٍ عليه ذلك الفن، ومن هنا كان من شرط أصل الضبط أن يكون متأخِّرًا نسبيًّا، لأن كتب المتأخِّرين استحوذت على غالب أصول مسائل المتقدمين مع ترتيبها واختصارها، وهذا لا تكاد تجدُه في الكتب المتقدمة.

أمَّا أصلُ التحقيق … شرطُهُ أن تكون مادَّتُه عاليةً محقَّقةً تمرِّنُ قارئها على تحقيق المسائل وتحرير الدلائل، … من خلال موازناته المحرَّرة بين اتجاهات العلماء، ونحو ذلك.

فالدَّرس في أصل الضبط للفهم والتصور، والدَّرس في أصل التحقيق للتحرير والابتكار،

أمَّا أصلُ التحقيق فغالبًا ما يكونُ كتابًا متوسِّطًا أو مبسوطًا،

أمَّا أصلُ التحقيق فلا بُدَّ أن يكون مؤثِّرًا، وتأثيره بأن يكونَ مؤسِّسًا لعلمٍ، أو أصلًا لاتجاه، أو محلَّ درس العلماء وفحصهم، أو مدارَ كتبٍ وشروحٍ وُضِعَت عليه، واعتراضاتٍ وُجِّهَت إليه، ونحو ذلك.

أمَّا أصل التحقيق فعامل الزمن هو المؤثِّر الأصيل فيه،

في الفِقْه:

من أُصُول الضَّبط: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (٦٨٣هـ) في فقه الحنفية، الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير (١٢٠١هـ) في فقه المالكية، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين للمحلي (٨٦٤هـ) في فقه الشافعية، الروض المربع شرح زاد المستقنع للبهوتي (١٠٥١هـ) في فقه الحنابلة.

ومن أُصُول التَّحقيق: شرح مختصر الطحاوي للجصَّاص (٣٧٠هـ)، مدونة سحنون (٢٤٠هـ)، الأم للشافعي (٢٠٤هـ)، المغني لابن قدامة (٦٢٠هـ).

في أُصُول الفِقْه:

من أُصُول الضَّبط: نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإسنوي (٧٧٢هـ)، البدر الطالع على جمع الجوامع للمحلي.

ومن أُصُول التَّحقيق: الرسالة للشافعي، الفصول للجصّاص، البرهان للجويني.

وفي التفسير:

من أُصُول الضَّبط: تفسير الجلالين ، أنوار التنزيل للبيضاوي (٦٨٥هـ)، التسهيل لابن جزي (٧٤٥هـ).

ومن أُصُول التَّحقيق: جامع البيان للطبري (٣١٠هـ)، وهو أمثلُ الكتب الصالحة للتَّحقيق في هذا العلم.

وفي النحو:

من أُصُول الضَّبط: منهج السالك إلى ألفية ابن مالك للأشموني (٩٠٠هـ)، التصريح بمضمون التوضيح لخالد الأزهري (٩٠٥هـ). أو المتون مجرَّدةً من هذه الشروح.

ومن أُصُول التَّحقيق: الكتاب لسيبويه (١٨٠هـ)، المقتضب للمبرد (٢٨٥هـ)، التذييل والتكميل في شرح التسهيل لأبي حيان الأندلسي (٧٤٥هـ).

وفي البلاغة:

من أُصُول الضَّبط: مختصر المعاني للتفتازاني (٧٩٣هـ) وهو شرحٌ ل تلخيص المفتاح ، شرح عقود الجمان للسيوطي (٩١١هـ). أو المتون مجرّدةً من هذه الشروح.

ومن أُصُول التَّحقيق: أسرار البلاغة للجرجاني (٤٧١هـ).

وفي متن اللُّغة:

من أُصُول الضَّبط: مختار الصحاح للرازي (٦٦٦هـ)، المصباح المنير للفيومي (٧٧٠هـ).

ومن أُصُول التَّحقيق: تهذيب اللُّغة للأزهري (٣٧٠هـ)، أساس البلاغة للزمخشري (٥٣٨هـ).

ولما حُدِّث المبرِّدُ (٢٨٥هـ) بقول أبي عمر الجرمي (٢٢٥هـ): (أنا مذ ثلاثين سنةً أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه) وكان محدِّثُه متعجِّبًا مُستنكرًا، قال له المبرِّدُ: (أنا سمعت الجرميَّ يقول هذا، وذاك أنَّ أبا عمر كان صاحبَ حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الدين والحديث، إذ كان ذلك يعني كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش).

قال الشاطبي (٧٩٠هـ) مُعلِّقًا: (المراد بذلك أنَّ سيبويه وإن تكلَّم في النحو، فقد نبَّه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل بابٍ ما يليقُ به، حتى إنَّه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني).

ولمثل هذا كان كتاب سيبويه (180هـ) من أجلّ أُصُول التَّحقيق.

فليست الكتبُ مجرَّدَ خزانةٍ تُستخلَص منها النتائج فحسب، بل هي معاملُ تدريبٍ وتمرينٍ للطالب، يديم النظر فيها ويكثر مدارستها،

كان الشافعيُّ (٢٠٤هـ) يدمن النظر في مُوطَّأ الإمام مالك (١٧٩هـ) ويقول: (ما نظرتُ في موطأ مالكٍ إلَّا ازددتُّ فهمًا). [حلية الأولياء لأبي نعيم (٧٠:٩).]

وكان المزنيُّ (٢٦٤هـ) شديدَ التعلُّق بـ رسالة الشافعي حتى قال: (أنا أنظر في كتاب الرسالة منذ خمسين سنة، ما أعلم أنِّي نظرت فيه مرةً إلا وأنا أستفيدُ شيئًا لم أكن عرفته). [طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٢: ٩٩).]

ومِن وراءِ كلِّ عالمٍ كتابٌ يستخفي بالنهلِ من معينه والعبِّ من حياضه، به تضلَّع علمُه وتضوَّع مسكُه.. فاتخذْ لك كتابًا تستخفي به من أعين الناس!

كثيرٌ هم طلَّاب العلم، لكن الجادَّ منهم قليل، والمحقِّقَ من الجادين أقل القليل..

(من يقضي زمنًا في طلب العلم، ثم ينفصلُ عنه وهو لا يستطيع أن يدفعَ عن أصوله شُبَهًا، أو يَضْرِبَ له من العمل مثلًا = ذهب وقته ضائعًا، وبقي اسم الجهل عليه واقعًا). [الأعمال الكاملة لمحمد الخضر حسين رسائل الإصلاح (٥: ٢١٣٧).]

إذا نظرنا في سير المحقِّقين من العلماء وحاولنا الوقوف على إكسير التحقيق في سيرتهم وإنتاجهم وجدناه متمثِّلًا في جملة معايير، من أخصِّها: معيار (الفَوَات)…

ومفاده أن العالم المحقَّق هو العالم الذي تحصَّل له نمطٌ من مداولة العلم والتعاطي مع مسائله تفرَّد به حتى ظُنَّ فواتُه بفواته.

ولا أكتمكَ سرًّا إن قلتُ لك بأنَّ هذا المعيارَ منتزَعٌ من إجابةٍ ذكيَّةٍ للإمام أحمد (٢٤١هـ) أجاب بها على من أنكر عليه جلوسَه عند الشافعي (٢٠٤هـ)، وتَرْكَه مجلس ابن عيينة (١٩٨هـ)، وذلك حين قال له: (اسكتْ! فإنْ فاتك حديثٌ بعلوِّ تجده بنزول، ولا يضرُّك في دينك، ولا في عقلك، ولا في فهمك، وإن فاتك أمر هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة). [انظر: آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (٥٨-٥٩)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٩: ٩٩)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥١: ٣٣١).]

العلم لا يفوت بفوات الأشخاص،

سيبويه (١٨٠هـ) ونمط ضبطه للغة العرب في كتابه، الطبري (٣١٠هـ) ونمط تصرُّفه في المخزون السَّلَفي التفسيري، عبد القاهر الجرجاني (٤٧١هـ) ونمط تذوقه البياني، الغزالي (٥٠٥هـ) ونمط تأليفه العلمي وقولبته للمعارف، ابن تيمية (٧٢٨هـ) ونمط تحقيقه للمعرفة وتصريفه للعلوم، هؤلاء وغيرهم من الأعلام المحققين، يُحصِّل الطالب بالنظرِ في نتاجهم وتحسُّسِ بذور الإبداع في أراضي مدوناتهم ما يُمكِّنه من السير على منوالهم، ويخطو به خطوات واسعة نحو التحقيق العلمي،

كما قيل: صُحْبَةُ الفُحُولِ تُفَحِّلُ.

فَرْحَةُ العِلْمِ

(لِلْعِلْمِ سَوْرَةٌ، وَلاِنْفِتَاحِهِ بَعْدَ اسْتِغْلَاقِهِ فَرْحَةٌ، لَا يَضْبِطُهَا بَشَرِيٌّ وَإِنِ اشْتَدَّتْ حُنْكَتُهُ، وَقَوِيَتْ مُنَّتُهُ، وَفَضَلَتْ قُوَّتُهُ) الجاحظ (٢٥٥هـ).

عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا المُنْذِرِ.. أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا المُنْذِرِ.. أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قُلْتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ . فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: وَاللهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٨١٠).

فجوهر المجاهدة في طلب العلم ليس في أطر النفس على قراءة أكبر قدر من الكتب، بل في أطرها على التحنُّث في محراب المعاني الغائرة والإشكالات المرهقة، ولا قرارَ لعلمِ طالبٍ لم يجعلْ من التأمُّلِ والاستنباطِ سُلَّمًا لتحصيل العلوم والمعارف، فـ (الاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين وعز الثقة). [رسائل الجاحظ (٣: ٢٩).]

وقد يأنَسُ الطالب بسرعة اقتناص عقله ومصافحة بصره لجليِّ العلوم وظاهرِ المعاني، لكنْ لِيَعلَمْ أنَّ مِن وراء جليِّها خفايًا وبواطنَ يُضَنُّ بها على غير العقول المتأمِّلَة،

لطالب العلم في تلقِّيه طريقين متوازيين، وهما: التكوين الذاتي، والتكوين الجماعي.. ولا غنى له عن أحدهما،

التكوينَ الذاتيَّ الذي ينكفئُ فيه الطالبُ على نفسه ويكون به جِلسَ مكتبته أحظى بالتأمُّل، بخلاف التكوين الجماعي الذي يكون فيه أسيرَ مصدرٍ آخرَ يَفرِض عليه نمطًا زمانيًّا ومكانيًّا ومعرفيًّا لتلقِّي المعرفة وإدارتها.

(الآفةُ العظمى … أن يقولَ الشيءَ لم يقتله علمًا). [دلائل الإعجاز للجرجاني (٣٢-٣٣).]

التأمُّلُ مشروعٌ فكرَةٍ، والاطِّلاعُ المُجرَّدُ مشروعُ معلومَةٍ، وإنَّما يحصل التَّمايُز بين الطَّلبة بقدر استحواذهم على الأفكار لا المعلومات، … وقليلٌ مِن العِلْم مع تأمُّلٍ وتفهُّمٍ خيرٌ مِن كثيرٍ لا يديرُه الطَّالبُ على فَهْمِهِ وتأمُّلِه،

لما رأى الإمام مالكٌ (١٧٩هـ) تلميذَيه وابنَي أخته مُشتغِلَينِ بعلم الحديث وهو علمٌ يحرِّضُ طالبَه على جمع الروايات وتتبع طرقها بما قد يضرُّ بفقهها وتأمُّلها قال لهما: (أراكما تحبَّان هذا الشأنَ، فإن أردتُما أن ينفعكما الله به فأقلَّا منه وتفقَّها فيه). [ترتيب المدارك للقاضي عياض (٣: ١٥٥).]

فآلَ الأمرُ إذًا إلى استثمارِ المعلومات لا استكثارِها، إلى تخثُّرِ هيئة المعلومات وتوخِّي موقعها وحسنِ التصرُّفِ فيها لا مجرَّدِ العلم بها.

كان ابن دقيق العيد (٧٠٢ه‍) يقول: (ما خرجتُ من بابٍ من أبواب الفقه واحتجتُ أن أعود إليه). [الطالع السعيد (٥٨٠).] وما ذلك إلا لأنَّه كان لا يغادر البابَ حتى يُرهِقَه تأمُّلًا، والتأمُّل خزانة العلم، لأنه يوطِّئ للعلم مكانًا راسخًا في عقل المحصِّل، وقلَّما ينسى المرء مسألةً تأمُّلها، وبقدر تأمُّلِه لها يزداد رسوخُها وتشتدُّ أواصرُها.

(٣)

فكما أن التأمُّل غايةٌ، فكذلك جمعُ المعارف والمعلومات، بل إنَّ فاعليَّةَ التأمُّلِ مشروطةٌ بتحصيل المعلومات وجمعها،

الارتياضَ بالعلم وحسنَ التصرُّف فيه لا يكون بمجرَّد تطويق المعلومات وامتلاك المصادر، بل لا يكون ذلك حتَّى تُوظَّفَ وتُستثمَرَ لبناء الأفكار والمفاهيم.

فالتحقيقُ العلمي إذًا يتعاظم بقدر استكمالِ الطالب لقوَّتي الجمع والتأمُّل،

لم يلفت نظر ابن دقيق العيد في ابن تيمية شيءٌ كقدرته الفائقة على الحفظ والاستحضار، فلم يتكلم عن قدرته في الفهم والتأمل، لأنَّ من عادة المرء إذا سئل عن شخصية ما أن يتحدث عما فاته مما تحلَّى به المسؤول، … فقال: (رأيتُ رجلًا كلُّ العُلُوم بين عينيه، يأخذ ما يُريد ويدع ما يُريد). [المقفى الكبير للمقريزي (١: ٢٨٥).]

وحُسنُ التَّصَرُّفِ هذا لا يُؤتاه الطالب بكثرة ما يحصِّله، بل بخبرته بها حصَّله وحِذْقِه فيه،

أمَّا الخبرة فتُنالُ بطولِ ملابسة العلم، وإدامةِ النظر والتأمُّل فيه،

والخبرَةُ كفيلةٌ بأن تجعلَ مِن ضيِّقِ المصادر واسعَها بتأمُّله وحسنِ تصرُّفه.

من مهارات التأمُّل الفاعلة في شتى المعارف مهارة استشكال المادة،

الأمثلَ أن يجعل القارئ من هذا الإشكال مُبتدَأَ بحثٍ وتأمُّلٍ بتثوير مكوِّنات المادَّة المشكلة، فربما كان هذا الاستشكال مبنيًّا على خطأٍ في النقل أو نقصٍ فيه، ومثلُ هذه الموادِّ تبعثُ على القراءة والتنقيب، وتُحقِّقُ لطالب العلم فوائدَ كثيرةً.

وإذا نمَّى في حواسِّهِ وصناعاته المعرفية صناعةَ الاستشكال وتعقَّبَ بها المعلوماتِ وساءَلها = تحصَّل له بكثرة تفعيله لها وارتياضه بها مِن كَشفِ مخبَّآت المعارف ما لا يحصى، وهو ما يجعل كثيرًا من الطلاب يقف على فوائد في غير مظانِّها،

تَأمُّلُ ساعةٍ خيرٌ من قراءة ليلة، والقراءةُ بلا تفكيرٍ لا توصل إلى شيء من العلم كما يقرِّر ابن باديس (١٣٥٩هـ)، وأن تقرأ كتابًا ثلاث مرات أنفع من قراءتك ثلاثة كُتُب كما يقول العقَّاد (١٣٨٣هـ).

(فَإِنَّما تُدرَك الدَّقائقُ بالتأمُّلِ.) [تعليم المتعلم للزرنوجي (٩١-٩٢).]

تقي الدين السبكي (٧٥٦هـ) … قال: (ما أنفعَ تأمُّلَ كلام العلماء رضي الله عنهم). [طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (١٠: ٢٧٥).]

وإذا كان هذا مع كلام العلماء، فكيف هي الحال مع كلام رسول الله ﷺ المعطَى جوامعَ الكَلِم؟!

بل كيف هي الحال مع كلام الله تعالى الذي نزَّله ووصفه جلَّ في علاه بأنه (أحسن الحديث)؟!

(هل خطر ببالك قطُّ أن هذه الآية تتضمَّن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إيَّاها؟!

وهكذا سائرُ آيات القرآن.. فما أشدَّها من حسرةٍ وما أعظمَها من غبنةٍ على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فَهِمَ حقائق القرآن، ولا باشرَ قلبُه أسرارَه ومعانيَه، فالله المستعان). [بدائع الفوائد (١: ٣٣٨).]

حين يترنَّحُ عقلُك من رَهَق التأمُّل في دهليز مسألةٍ مظلمةِ الآخِر، ويتهادى فكرُك ذِليلًا خلفَ أذيال قضية مغلقة، حتى إذا ما أزِفَت ساعتُك انسدَلَ لك خيطُ الفتح، وانحلَّت عُقَدُ الإشكال.. هنالك الفَرْحة.

(وكنتُ مفكِّرًا في مسألةٍ عويصةٍ من كلِّيَّاتِ الجُمَل التي تقع تحتها معانٍ عظيمةٌ كثُر فيها الشَّغْب قديمًا وحديثًا في أحكام الديانة، وهي متصرِّفَة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالتْ فكرتي فيها أيامًا وليالي، إلى أن لاح لي وجه البيان فيها، وصحَّ لي وحُقَّ لي الحقُّ يقينا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال الذي وصفنا، فبالله الذي لا إله إلا هو الواحد الأول الخالق مدبر الأمور كلِّها أُقسِمُ، الذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذٍ وأنا في تلك الحال بظَفَري بالحق فيما كنتُ مشغولَ البال به وإشراقِ الصواب لي أشدَّ من سروري بإطلاقي مما كنتُ فيه). [التقريب لحد المنطق (٦٠٩ ٦١٠).]

إثَارَةُ العِلْمِ

(اعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَشْفِي العِلَّةَ وَلَا تَنْتَهِي إِلَى ثَلَجِ اليَقِينِ حَتَّى تَتَجَاوَزَ حَدَّ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مُجْمَلًا إِلَى العِلْمِ بِهِ مُفَصَّلًا، وَحَتَّى لَا يُقْنِعَكَ إِلَّا النَّظَرُ فِي زَوَايَاهُ، وَالتَّغَلْغُلُ فِي مَكَامِنِهِ، وَحَتَّى تَكُونَ كَمَن تَتَبَّعَ الْمَاءَ حَتَّى عَرَفَ مَنْبَعَهَ، وَانْتَهَى فِي البَحْثِ عَنْ جَوْهَرِ العُودِ الَّذِي يُصْنَعُ فِيهِ إِلَى أَنْ يَعْرِفَ مَنْبِتَهُ وَمَجْرَى عُرُوقِ الشَّجَرِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ) عبد القاهر الجرجاني (٤٧١هـ)

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الأَوْسَطِ (٨٩٧).

من أجلّ مَلَكات طالب العلم: ملكة الصناعة البحثيّة،

الصناعة البحثية تفعيلٌ للمادَّة وانفعالٌ بها، كما يتقلّبُ فيها بين القراءة والجمع والتحليل والتركيب والمقارنة والتقويم،

وقال عبد الله بن المعتز (٢٩٦هـ): (لولا الخطأ ما أشرقَ نورُ الصواب، وبالتعبِ وُطِئ فراشُ الرَّاحَة، وبالبحثِ والنظرِ تُستَخرَجُ دقائق العلوم). [الفقيه والمتفقه (ف: ٦١٥). وعنه دون تصريح أبو الحسن العامري (٣٨١ه) بلفظ: (بالبحث تستخرج دفائن العلوم) الإعلام بمناقب الإسلام (١٨٥).]

والكتابة البحثية بأنواعها وخطواتها وتقسيماتها شيءٌ، والصناعة البحثية شيءٌ آخرُ.

وهذا الفصلُ يتناول الحديث عن الصناعة لا الكتابة، فالكتابة البحثية وسيلةٌ ناقلةٌ، بينما الصناعة البحثية وسيلةٌ منتِجةٌ، وربَّها كان محصَّلُ الصناعةِ البحثيَّةِ سطرًا واحدًا، لكنَّ الباحثَ احتاج للوصول إلى هذا السطر أن يقرأ عشرات وربما مئات الصفحات، كما احتاج إلى أن يستثمرَ مختلفَ حواسِّه المعرفية.

فقد لا يتهيَّأ طالب العلم للكتابة البحثية ولو بلغ من العلم منتهاه، لكنَّ خارطةَ ملكاته لا يمكن أن تخلو من ملكة الصناعة البحثية ما دام يبغي من العلم دفائنَه وجواهرَه.

من ضرورات الصناعة البحثيَّة العلمَ بمصادرِ المعرفة، ومظانِّ العلم، و(معرفةُ مظَنَّة العلم نصفُ العلم) كما يقول الطناحي (١٤١٩هـ). [في اللغة والأدب (١: ٢٨٨).]

القدرة البحثية فرعٌ عن القدرة المعرفية،

الصِّناعة الأولى: التَّحيُّزات المعرفيّة الذِّهنيَّة:

ملاحظة أنواع المعارف وأجناسها، وفرزُها.

ولها مرحلتان، قبليَّة وبعديَّة:

أمَّا القبْلِيَّة.. أن يُجهِد [الطَّالِبُ] عقلَه في وضع تمييزاتٍ تُعِينه على إنزالِ كلِّ معلومةٍ محصَّلةٍ في موضعها اللَّائقِ بها من أوعية الموضوع المراد بحثه.

وأمّا البعديّة … فلا بُدَّ أن يصادفَ من الموادِّ ما يحرِّك في ذهنه مزيدًا من التَّمييزات المعرفيَّة.

للفقه تمييزاتٍ كثيرةً تختلف باختلاف موضوعاته، فمنها التمييز بين المسائل والدلائل، المقدمات والنتائج، الآثار والمؤثرات، مواضع الوفاق والخلاف، ثمَّ تحت هذه التمييزاتِ تمييزاتٌ أخرى تتفرَّع عنها،

والتَّمييزاتُ المعرفيَّة تختلف باختلاف أغراض الباحثين، ولكلِّ علمٍ/موضوعٍ من التمييزات ما يشارك فيه غيرَه من العلوم، كما أنَّ له تمييزاتٍ خاصةً به أو هي فيه أكثر حضورًا منها في غيره،

وأهلُ كلّ فنٍّ يعلمون من القضايا الفاعلة والأوعية الحاوية في فنِّهم ما يمكِّنهم من سَبكِ تمييزاتٍ تنفخ في روح أبحاثهم حياةَ التحقيق، فليتلمَّس طالب العلم عند أهل العلوم تمييزاتِهم، وكلَّما اتَّسع اطلاعه على مختلف العلوم والمعارف اتسعت مداركُ عقله ومسالكُ بحثه.. قال الرافعي (١٣٥٦هـ): (اقرأ كلَّ ما تَصِلُ إليه يدُك، فهي طريقة شيخنا الجاحظ، وليكن غرضُك من القراءة اكتسابَ قريحة مستقلة، وفكر واسع، وملكة تقوى على الابتكار). [رسائل الرافعي (٢٢).]

وصناعة التمييزات تعين الباحث على التحليل والتركيب والتجريد، كما تعينه على التهميش والتركيز: تهميشٍ ما لا يحتاجه، والتركيزِ على ما يحتاجه،

والذهنيَّة البحثيَّة لا ينبغي أن تكون محضَ آلةٍ تجمعُ على غير قانون.

من المعلومات ما له دلالةٌ مهمَّةٌ لكنَّ حقَّه أن يُهمَّشَ في بابٍ ويُحتفَلَ به في آخرَ، وسبب ذلك (أنَّ المعلوماتِ وحداتٌ دلاليَّةٌ قابلةٌ للسير في اتجاهات مختلفة، أو قابلةٌ للتشكُّل في بُنًى أكبرَ منها، حسب احتياجات الفكر أو مقتضيات الرؤية) [قلق المعرفة لسعد البازعي (١٠٩).] ولذلك كانت الحاجةُ البحثيَّةُ لصناعة التمييزات ماسَّةً، فكما أنَّها تمكَّنُ الباحث من استثمار المعلومات، فهي كذلك تمكَّنه من ضبط مسارها.

ومن ضرورات القول في هذا السياق أنَّ وضعَ التمييزات المعرفيَّة لا يكون بمحض هوى الباحث،

قال الغزالي (٥٠٥هـ): (إذا لم تكن النفس قد ارتاضت بالعُلُوم الحقيقية البُرهانية = اكتسبت بالخاطر خيالاتٍ تظنُّها حقائقَ تَنزِلُ عليها). [ميزان العمل (٩٩).]

للتمييزاتِ في كلِّ علمٍ شروطًا وضوابطَ، وهي تُحصَّل من كتب أهله المحققين الذين أسَّسوا منهج النظر فيه وأحكموا القول في تطبيقاته، والشأن كما قال الإمام مالك (١٧٩هـ): (كلُّ علم يُسألُ عنه أهلُه) [منجد المقرئين ومرشد الطالبين لابن الجزري (٤٥).] ومن سؤالهِم سؤالُ مصنفاتهِ.

الصِّناعة الثَّانية: احتفال العَقْل بالسُّؤالات:

صناعة التمييزات تُعَدُّ حاضنةً لفوائدَ يُرادُ منها أن تكون خادمةً لمشكلة البحث،

صناعة السؤالات ليس من وظيفتها جمعُ المادَّة، وإنما الوصولُ إلى النتائج.

صناعة التمييزات بحثٌ في المقدَّمات وإن كان لها أثرٌ في الوصول إلى النتائج، وصناعة السؤالات بحثٌ في النتائج وإن كان لها أثرٌ في إيجاد المقدَّمات..

السؤالاتُ تجمع أجزاء المعرفة لتصهرها في قوالب الإجابات.

فتحصيل السؤال والتمكُّن من توليده تحقيقٌ في نفسه،

لمَّا ألف المبرِّد (٢٨٥هـ) مسائل الغلط وردَّ فيه على مسائلَ جاءت في كتاب سيبويه (١٨٠هـ)، انتهض ابنُ ولَّاد (٣٣٢هـ) للمُحاماة عن سيبويه والرَّدّ على المُبرِّد فألَّف الانتصار ، وكان مما قاله في مُقدِّمته: (ومع ردِّنا عليه فنحن معترفون بالانتفاع به، لأنَّه نبه على وجوه السؤال ومواضع الشكوك) [الانتصار لسيبويه على المبرد (٤٣).]

ومن طرائق تحصيل السؤالات إدمانُ النظر في كتب المحققين في كل علم، وإطالةُ المكث عند معالجاتهم المعرفيَّة بِنِيَّة الوقوف على سؤالاتهم والارتياض بطرائق تحصيلهم لها وسوقهم إياها وجواباتهم عنها،

الصِّناعة الثَّالثة: توخِّي موقع المادَّة مِن عمود البحث:

وذلك أن الباحث بعد رسمِه خارطةَ التَّمييزاتِ الصالحةِ لبحثه، وطلبِه المادَّةَ، ووضعِه إيَّاها في موضعها اللائق بها من تلك الخارطة = فإنَّ عليه بعد ذلك أن يسلكَ تلك الموادَ المميَّزةَ وينظِمَها في خيطِ بحثِه نظرًا دقيقًا، ويتوخَّى لكلِّ مادَّةِ موقعَها الصحيحَ، ليستبينَ منزلتَها مما قبلها، وأثرَها فيها بعدها، وتخلُّفُ ذلك كفيلٌ باضطرابِ بحثه وتخبُّطِ نتائجه.

نشر الأديب النصراني د. لويس عوض (١٤١١هـ) مقالاتٍ في جريدة الأهرام سنة ١٣٨٤هـ تحدَّث فيها عن أبي العلاء المعري (٤٤٩هـ)، … وختمها بذكر خيرٍ فيه أنَّ أبا العلاء دَرَسَ وهو صبيٌّ على راهبٍ شيئًا من الفلسفة وعلوم الأوائل بدَيْرٍ في أنطاكية .

فدارت من أجل مقالاته هذه حماليقُ أقلام شيخ العربية أبي فهر محمود شاكر (١٤١٨ﻣ)، فكتب خمسًا وعشرين مقالةً جُمِعت في كتابٍ بعنوان: أباطيل وأسمار تعرَّضَ فيها لهذا الخبر وغيره.

قام أبو فهر بمَسحٍ تاريخيٍ لثمانيةٍ وعشرينَ كاتبًا ترجم لأبي العلاء، ورتبهم ترتيبًا تاريخيًّا:

ثم أخذ يحلِّلُ موادَّ تراجمهم، مبيِّنًا مَن ذكر تلك القصة ومَن أهملها، ناصًّا على مَن ابتدأ ذكرها ومَن قلَّده، وكيف اختصر بعضهم الخبر حتى أحاله عن وجهه، وما أثر ذلك، وغير ذلك من متعلَّقات الخبر، ثم خلَصَ إلى قوله: (… حتى إذا جاء القَفْطِي (٥٦٨هـ ٦٤٦هـ) انفرد وحده برواية الخبر بلا إسنادٍ إلى أحدٍ، وفيه عِلَلٌ قادحَةٌ، فبأيٍّ وجه بعد ذلك يأتي أستاذ جامعي، فيعمد إلى خبرٍ انفرد بروايته القفطي، والثمانية الباقون نقلوا عنه نقلًا مع بعض التَّصرُّف؟ وإذن فهو خبرٌ غريبٌ لا يُسلَّم). [(١٠-١١) بتصرف.]

ومن الشواهد الأثيرة لتقنية الملاحقة التاريخية ما أبانه البقاعي (٨٨٥ه‍) من منهج ابن حجر في كتابه فتح الباري ، وذلك بقوله: (يأخذ كلام الشُّرَّاح أولًا فأولًا إلى عصره، فيبين صوابَ المصيب ووهمَ الواهم، ومن أين جاءه الغلط، وكذا فِعْلُه في الفقه، لا يسترُوحُ في شيءٍ من ذلك، بل يأخذ أولًا كلامَ الشافعي من كتبه، ثم كلامَ من بعده، طبقةً طبقةً إلى زماننا، فيطَّلع على عجائب، من غلطٍ من يتصرف بالكلام، أو انتقالِ النظر عن بعض الكلام، ونحوِ ذلك). [عنوان الزمان (١: ١٢٤) وانظر: الإخلال بالنقل في مسائل أصول الفقه لمحمدين طارق الفوزان (١: ١٦٩).]

الصِّناعة الرَّابعة: تَوْسِيل المعلومة:

فالمعلومة هنا ليست مقصودةً لذاتها، بل هي سائقةٌ إلى غيرها من المعلومات والمعارف،

فإنَّ المعلومةَ لا بُدَّ وأن يكونَ لها من العلائق ما يربطها بغيرها من مباحث العلم،

وإذًا ففي جَوْفِ كل معلومة سبيلٌ إلى غيرها،

يبغي التَّوسُّلَ بها إلى ما وراءها، و (كلُّ العلوم لا بُدَّ للسالك فيها ابتداءً من مصادراتٍ يأخذها مسلَّمَةً إلى أن تتبِرهن فيها بعد). [مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢: ٦٩). ونحوه قولُ الغزالي (٥٠٥ه): (ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مبادِ تؤخذ مسلمة بالتقليد في ذلك العلم، ويطلب برهان ثبوتها في علم آخر) المستصفى (١: ٣٨).]

ومنها: أن تكونَ المعلومةُ مسكونةً بنوعِ إجمالٍ، ويكونَ في مفرداتها بعضُ المفاتيح البحثيَّة، فيستثمرها الباحث لإقامة مشروع بحثي يتتبع فيه ذيولها.

وكثيرٌ هي المعلومات التي تصلح أن تكون وسائلَ للبحث وفواتحَ للتحقيق.

الصِّناعة الخامسة: استجلاب الأُفُق المعرفي:

هناك شريحةٌ عريضةٌ من المواد المعرفية لا تُفهَمُ حقائقُها ولا تنحلُّ إشكالاتُها حتى ينسلَّ الباحث من واقعه ليعيش في واقعها، فيقرأ الموادَّ حينئذٍ في سياقها وظرفها الحاوي لها.

وهذا الاستجلاب يكون على أحد مستويين: إمَّا على مستوى المعلومة الفَرْدة، فقد لا يمكن فهمها حتى يعرف الباحث سياقها. أو على مستوى حزمة معرفية كاملة،

يقول المسيري (١٤٢٩هـ): (أن يُدرَسَ الفكرُ في سياق الممارسات التي يقوم بها حاملو هذا الفكر، فالحركة الرومانتيكية لا يمكنُ فهمُها حتَّى الفهم إلَّا في إطار الثورة الصناعية والثورة الفرنسية والتحولات الاقتصادية والسكانية الضخمة التي شهدتها أوربة في ذلك الوقت، والفكر الصهيوني لا يمكن فهمه إلا في إطار الرؤية العنصرية الاستعمارية التي هيمنت على المجتمعات الغربية في القرن التاسع عشر). [حوارات المسيري (١: ٢٥٥).]

قال السكران حين حديثه عن تجربة الأنصاري في العمل الإسلامي، وفيه تقريرٌ وتنظيرٌ لهذه الصناعة البحثية: (… فالأفق الإشكالي لأي كتاب هو مجهر القراءة لمغزى الإجابات، وهذا أمرٌ عامٌّ في العلوم والمعارف). [المَاجَرَيات (٢٣٨).]

قال أبو الطيّب اللُّغوي (٣٥١هـ): (حريٌّ بمن عَمِيَ عن معرفة قومٍ أن يكون عن علومهم أعمى وأضلَّ سبيلًا). [مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي (٥).]

حَيَاةُ العِلْمِ

(لَقَد طَلَبْتُ العِبَادَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَشْفَى لِنَفْسِي مِنْ مُذَاكَرَةِ العِلْمِ) أم الدرداء الصغرى (٨١ھ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٢٦٩٩).

أحدَ الخُلَّصِ اقترحَ عليَّ أن نجلس لنقرأه معًا.. رَمَحَ اقتراحُه غايةَ رضاي، فهاتفتُ وراسلتُ بعض الأقران طالبًا منهم مشاركتنا.

من العبارات الذائعة في الأوساط العلمية (حَيَاةُ العلمِ مُذاكرتُه).

وقلَّما نجد للطَّالب مجلسًا راتبًا يذاكر فيه العلم مع أقرانه وأشياخه، يلاحي فيه أفذاذ الطلبة، مُستنطقًا بملاحاته مكنونَ علومهم، راجيًا بها تلقيحَ عقله وعقولهم،

[ يُلاحي معناها الأقرب: يُجادِل أو يُناقِش مناقشةً فيها شدٌّ وأخذٌ وردّ]

وقد كان للأوزاعي مذهبٌ فقهي متبوع، انتحله أهل الشام حتى المئة الرابعة، بل كان أهل المغرب يتمذهبون بفقهه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك (١٧٩هـ) رضي الله عن الجميع، [انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٠: ٥٨٣). وقال الذهبي (٧٤٨ه): (لقد كان مذهب الأوزاعي ظاهرًا بالأندلس إلى حدود العشرين ومئتين، ثم تناقص واشتهر مذهب مالك بيحيى بن يحيى اللّيثي. وكان مذهب الأوزاعي أيضًا مشهورًا بدمشق إلى حدود الأربعين وثلاث مئة) تاريخ الإسلام (٧: ١٣١).]

وذلك أنَّ أبا مسهر (٢١٨هـ) حدَّث أن سعيد بن عبد العزيز قام معاتبًا أصحاب الأوزاعي (١٥٧هـ) قائلًا لهم في زفرة مخنوقة: (ما لكم لا تجتمعون؟! ما لكم لا تتذاكرون؟!) [تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١: ٣٦١).]

وإذا نظرنا في المقابل إلى سير الأئمَّة الأربعة، وتصفَّحْنا أسباب شيوع فقههم واستقرار مذاهبهم = وجدنا من أكبر أسباب ذلك الجهدَ الذي بذله تلاميذهم، مذاكرةً لعلومهم، وضبطًا لأصولهم، وتدوينًا لمسائلهم.

هذان الإمامان الدمشقي والرازي من الأقران، وقد تلقَّى كلٌّ واحدٍ منهما عن الآخر، وإن كان الدمشقيُّ أسنَّ من الرازي، فقد وُلِد قبله، وتوفي بعده بسبعَ عشرةَ سنةً، والحظوة بالكنية حالَ تجرُّدها من النسبة لصالح الرازي، وذلك لعلوِّ كعبه واتِّساع عطائه، مع كون الدمشقيِّ أسبقَ في التكنية بها، بل إنه سبب تكنية الرازي بها،

الرازيُّ كالدمشقي ممن تلقى العلم عن الإمام أحمد (٢٤١هـ)،

فقد قصَّ عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢٩٠ﻫ) ما كان بين أبيه وأبي زرعة بقوله: (لما قدم أبو زرعة يعني الرازيَّ نزل عند أبي، فكان كثيرَ المذاكرة له، فسمعت أبي يومًا يقول: ما صليتُ غيرَ الفرض، استأثرتُ بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي ). [طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢: ٥٥). وانظره في: تاريخ دمشق (٣٨: ١٧).]

وهبْ بنُ منبِّه (١١٤هـ): (مجلسٌ يُتَنَازَعُ فيه العلمُ أحبُّ إليَّ من قدره صلاةً، لعلَّ أحدهم يسمع الكلمةَ فينتفع بها سنةً أو ما بقي من عمرهم). [مسند الدارمي (١: ٣٣٩ – رقم: ٣٣٤).]

وقد كان ابن القاسم يختم القرآن في كل يوم ختمتين، فاجتزأ منهما بواحدة، وقال لأسد بن الفرات (٢١٣ﻫ): (كنتُ أختِمُ في اليوم والليلة ختمين، فقد نزلتُ لك عن واحدةٍ رغبةٌ في إحياء العلم). [ترتيب المدارك (٣: ٢٩٧).]

محمد بن الحسن الشيباني (189هـ)

محمَّدُ بن الحسن الشيباني، صاحبُ أبي حنيفة (١٥٠ه‍)، فقيهُ العراق وفخرُ أهل الكوفة، مالئُ عينِ وقلبِ الشافعي (٢٠٤ه‍)، فقد ذكر الربيع بن سليمان (٢٧٠ه‍) أن رجلًا سأل الشافعيَّ مسألةً فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، خالفك الفقهاء. فقال الشافعي: (وهل رأيتَ فقيهًا قط؟! إلَّا أن تكون رأيتَ محمد بن الحسن، فإنَّه كان يملأ العين والقلب، وما رأيتُ مُبدَّنًا قط أذكى من محمد بن الحسن). [تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي (٢: ٥٦٦).]

[ مُبَدَّنًا يعني: ضخمَ البدن، ممتلئَ الجسد، أو سمينًا.]

وقد تلمذ له الشافعيُّ وتخرَّج به حتى قال: (أمنُّ الناس عليَّ في الفقه محمد بن الحسن).

كذلك يَزِنُ الرِّجالُ أشباهَهم،

(قال علي بن المديني: ستةٌ كادت تذهب عُقُولهم عند المُذاكرة: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود، وعبد الرزاق قال علي: من شدة شهوتهم له). [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢: ٤١٢).]

المُذاكرةُ خِزَانة العُلُوم والمعارف

وفي تعدُّدِ طرق التفاعل مع المعلومة توطيدٌ لأركانها، وفي المذاكرة بثٌّ للمعلومة واستقبالٌ لها، وفي تنوُّعِ تحرُّكات المعلومة ترسيخٌ لها..

وقد قال بعض الحُكماء: (مَن أكثرَ المذاكرةَ بالعلم لم ينسَ ما عَلِم، واستفاد ما لم يعلم). [أدب الدين والدنيا (٩٥).]

اسم، ومما جاء في جوابات الرافعي قولُه: (دَعْ

(إن استطاع أن يضمَّ إليه في الدرس تلميذًا مجتهدًا نشيطًا فذلك أنفعُ، كيلا يعتريه الملل، ويجد من يناقشه، فإنَّ المناقشةَ من أنفع الوسائل في تثبيت المسائل في الذهن، وقلَّما ينسى الإنسان مسألةَ ناقش فيها). [رسائل الرافعي (٢٢٦).]

ابن معين كان يرى العلمَ كلَّ العلمِ في جمع الأحاديث وتتبعها، وكان يجتمع هو وأحمد (٢٤١هـ) وأقرانهما لمذاكرة ذلك، ولم يكن له حظٌّ من الفقه، بخلاف الشافعي (٢٠٤هـ) الذي لم يكن مكثرًا من الحديث لكنه عرف طرق الاجتهاد وتمكن من العلم بالكتاب والسنة وبلغ ما به استطاع أن يدفع عن أهل الحديث لائمة أهل الرأي،

قال المُعلِّمي: (فكان ذنبُ الشافعي إلى ابن معين أنَّه سَلَبَهُ صاحبَه ورفيقَه وأنيسَه وصديقَه الذي كان لا يكادُ يفارقُه حضرًا وسفرًا منذ شَرَعَا في طلب الحديث، وبذلك فوَّت عليه ما كان يجده في الاجتماع والمذاكرة من فائدةٍ ولذَّةٍ). [آثار المعلمي – مجموع الرسائل الحديثية (١٥: ٣٢٣).]

المذاكرة مع أقران العلم والمعرفة من مباهج هذه الدنيا ورياضها الزاهرة،

يقول الغزالي (٥٠٥هـ): (لذَّةُ العالم في علمه، وفيها ينكشف له في كل لحظة من مشكلات الأمور وهذا لا يعرفه من لم يذق لذَّة انكشاف المشكلات. ثمَّ إنَّها لذَّةٌ لا نهاية لها، لأنَّ العلومَ لا نهاية لها، ولا مزاحمَة فيها، لأنَّ المعلومات تتسع للطلاب، وإن كثروا، بل استئناسُ العالم يزيد بكثرة شركائه إذا كان يقصد بالعلم العلمَ دونَ حطام الدنيا ورئاستها، فإن الدنيا هي التي تضيق عند المزاحمة، وأمَّا اللذات العقلية فلا تضيق بالمزاحمة، بل تزداد سعةً بكثرة الطلاب). [ميزان العمل (٦٠).]

ليتخذْ طالب العلم قرينًا للمذاكرة يشاكله علمًا وفهمًا واهتمامًا، قرينًا لا يفني وقته معه في مقدِّمات ينبغي أن تكون مطويَّةً حال المذاكرة،

كما أن على طالب العلم أن يراعي في قرين المذاكرة اعتدالَ طبعه واستقامة سلوكه، فـ (إيَّاك والمذاكرةَ مع متعنَّتٍ غيرِ مستقيمِ الطَّبعِ، فإنَّ الطبيعةَ متسرِّيّةٌ، والأخلاقَ متعدِّيّةٌ، والمجاورةَ مؤثِّرةٌ). [تعليم المتعلم للزرنوجي (٩١).]

الوزيرُ أبو عبد الله العارضُ: (… ومَن تعلم أن في مجاراته فائدةً، من عالمٍ كبيرٍ ومتعلِّمٍ صغيرٍ، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغني، ولا تحقر أحدًا فَاهَ بكلمةٍ من العلم، أو أَطَافَ بجانبٍ من الحكمة، أو حَكَمَ بحالٍ من الفضل، فالنفوس معادن) [الإمتاع والمؤانسة (٣٤٨-٣٤٩).]

وقد روى أبو منصور الأزهري (٣٧٠هـ) بإسناده إلى الرياشيِّ (٢٥٧هـ) قال: سمعتُ الأصمعيَّ (٢١٦هـ) يقول: (خيرُ العلمِ ما حاضرتَ به). [تهذيب اللغة (١: ١٤).]

ذاكرُ بها علمتْ لتطَّلعَ على ما لم تعلم، وتستدركَ به ما ليس عندك، (فإنَّه لا يُستكمَلُ علمُ الأشياء بالعقل الفَرْد). [الأدب الصغير لابن المقفع (٤٠).]

ويرحمُ الله السيِّدةَ العالمةَ الفقيهةَ أمَّ الدرداء الصغرى (٨١هـ).. أتاها عون بن عبدالله بن عتبة في نفرٍ من أصحابه وأخذوا يذاكروها العلم، ثم قال لها عونٌ: أمللناكِ يا أمَّ الدرداء.. فقالت لهم: (ما أمللتموني.. لقد طلبتُ العبادة في كل شيء، فما وجدتُ شيئًا أشفى لنفسي من مذاكرة العلم). [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١: ٣٥٦).]

تَعْلِيمُ العِلْمِ

(العَالِمُ كُلَّما بَذَلَ عِلْمَهُ لِلنَّاسِ وَأَنْفَقَ مِنْهُ تَفَجَّرَتْ يَنَابِيعُهُ، وَازْدَادَ كَثْرَةً وَقُوَّةً وَظُهُورًا، فَيَكْتَسِبُ بِتَعْلِيمِهِ حِفْظَ مَا عَلِمَهُ، وَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ عِلْمُ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) ابن القيّم (٢٥١ه)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ اللهَ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٩٩٣).

كثيرًا ما يأتي ذِكرُ التعليمِ وفضلِه حين الحديث عن زكاةِ العلم،

التعليمَ مع ذلك يُعَدُّ أحد طرق العلم للمعلم قبل المتعلم،

ففي مَعمَلِ التحضير لمجلس التعليم يجتهد المعلِّمُ في استيفاء المادَّة جمعًا وتحليلًا، فإذا ما مَثَل لطلابه وتلقَّفتْه سؤالاتهم إذا بثغرات المادَّة الملقاة تتكشَّف، وهذا التكشُّفُ هو ما يعين على تجويد المادَّة العلمية،

فما يجنيه المعلِّم إذًا من تعليمه يقع في جانبين: جانبٌ يتعلَّق بقصور جمع المادَّة، وآخرُ يتعلَّق بالقصور في الوعي بالمادَّة،

فالتعليم يقدِّم للمعلم تصوُّرًا أنضجَ حول مادَّته العلمية بتجويدِ مكوِّناتها ومَلْءِ فراغاتها.

ها هنا أمرٌ لا بُدَّ من تثبيته، وهو أنَّ ما يجنيه المعلم من تعليمه مرهونٌ بمستوى المتلقِّين، فبقدر حذقِ الطلبة، وسلامةِ تكوينهم، وتمكُّنِهم من إثارة السؤالات وتجويدها = ينتفع المعلِّم بتعليمهم ومذاكرتهم وتلقِّي سؤالاتهم.

قال الخليل (170هـ): (اجعل تعليمك دراسةً لك) [جامع بيان العلم وفضله (١: ٤٢٦).]

إنَّ مِن حصافةِ المعلِّمِ استعدادَه لسؤالات طلَّابه، واستشرافَه لمشكلاتهم، لا مجرَّدَ تلقِّيها، بل ينبغي أن يكون هو السَّابقَ لهم بحسن تحضيره وإحكام إعداده،

وممن أدرك ذلك ابن مرزوق (٨٤٢هـ)، حيث قال: (ما عرفت العلم حتى قدم عليّ هذا الشاب) يعني أبا الفضل المَشْدالِّي (٨٦٤هـ). فقيل له: كيف؟ فقال: (لأني كنت أقول فيسلَّم كلامي، فلمَّا جاء هذا شرع ينازعني، فشرعت أتحرَّزُ وانفتحتْ لي أبواب المعرفة). [الضوء اللامع (١٨٢:٩).]

الإمام أبو حنيفة (١٥٠هـ) كما وصفه صفيُّه وتلميذُه أبو يوسف (١٨٢هـ) ([كان] صبورًا على تعليم العلم، شديدَ الاحتمال لما يناله فيه).

ومنه يُعلَم أنَّ الطالبَ على ما راضَهُ به معلِّمُه، فعلى حسب ما يلقيه في ذهنه من بذور الصناعات والملكات المعرفية يكون حصادُه،

يقول العلامة عبد الحي اللكنوي: (… فلم أقرأ كتابًا إلا درَّستُه بعدَه). فكان من ثمار ذلك ما عبَّر عنه بقوله: (كلما فرغتُ من تحصيل كتابٍ شرعتُ في تدريسه) [انظر: الإمام عبد الحي اللكنوي لولي الدين الندوي (٧١).]

ابن القيم (751هـ) يقول: (العالِمُ كلَّما بذل علمَه للناس وأنفق منه تفجَّرت ينابيعه، وازداد كثرةً وقوَّةً وظهورًا، فيكتسب بتعليمه حفظَ ما علمَه، ويحصل له به علمُ ما لم يكن عنده، وربَّما تكون المسألة في نفسه غيرَ مكشوفةٍ ولا خارجةٍ عن حيِّزِ الإشكال، فإذا تكلَّم بها وعلَّمها اتَّضحتْ له وأضاءتْ وانفتحَ له منها علومٌ أُخَر. وأيضًا فإنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فكما عَلَّم الخلقَ من جهالتهم جزاه الله بأنْ علَّمَه من جهالته، كما في صحيح مسلم [٢٨٦٥] من حديث عِيَاض بن حمار عَن النَّبِي ﷺ أنه قال في حديثٍ طويلٍ: … وأنَّ الله قال لي: أَنفِقْ أُنفِقْ عَلَيْك . وهذا يتناول نفقةَ العلم: إمَّا بلفظه، وإمَّا بتنبيهه وإشارته وفحواه). [مفتاح دار السعادة (١: ٣٦٣-٣٦٤).]

وقبله قال الوزير الحنبلي ابن هبيرة (١٠٥هـ): (يحصل العلم بثلاثة أشياء). فذكر العملَ بالعلم، والتعليمَ، والتصنيفَ، ولما ذكر التعليمَ قال: (فإنه إذا علَّم الناسَ كان أدعى إلى تعليمه).

جلال أمين في سيرته الذاتية: (… وجدتُ أنَّ أفضلَ طريقةٍ لفهم المشكلة المعقَّدة أن يضطرَّ المرءُ لتدريسها، إذْ إنَّ الطلبة رقباء ممتازون على درجة فهم الأستاذ لما يقول، وهذا يجبر الأستاذ على فعل المستحيل حتى يصبح قادرًا على مواجهة أي سؤال لتوضيح ما يقوم بشرحه) [ماذا علمتني الحياة (٢٨٨).]

إنَّ لطالب العلم نصيبَه من ذلك ما دام التعليمُ ذريعةً إلى التعلُّم والتحصيل، ولا حجرَ عليه في التصدُّر لذلك ما دام غرضُه تحقيقَ قدرٍ من الإفادة والاستفادة مع تأهلّه لما تصدَّر له، فليس الأمرُ إذًا حكرًا على العُلماء البالغين من العلم ذروتَه، بل هو مشاعٌ لكلِّ مَن له حظٌّ من العلم، وقد قال الإمام مالك (١٧٩ﻫ): (لا ينبغي لأحدٍ عنده علمٌ أن يتركَ التعليم). [ترتيب المدارك للقاضي عياض (٢:٢٦).]

وإنَّما المرادُ منه التَّصدُّرُ الذي يترأَّسُ به الطالب فيكون ترؤُّسُه حائلًا بينه وبين التحصيل،

قال سفيان الثوري (١٦١هـ): (من ترأَّسَ سريعًا أضرَّ بكثيرٍ من العلم، ومن لم يترأَّسْ طلب وطلب حتى يبلغ).

والشأن كما قال الشاعر:

وإنَّ كبيرَ القوم لا علمَ عنده … صغيرٌ إذا احتفَّتْ عليه المحافِلُ

وإنَّ صغيرَ القوم والعلمُ عنده … كبيرٌ إذا رُدَّتْ إليه المسائلُ

ولم يرد في نصوص الشرع حَظْرُ التصدُّر المبكِّر، بل إنَّما حَظَرَ الشارعُ التصدُّرَ الفاقدَ لشرط الأهلية،

جاء في صحيح مسلم [٤٣٢] من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى .

القصد رعايةُ المقصود من أمر الشارع، وهو أن يكون للإمام من ينبهه إذا غفل ومِخلفه إذا احتاج.

ثمَّ إنَّ على طالب العلم أن يفقه أنَّ للتصدر مراتبَ،

فالتأهُّلُ للتعليم لا يعني التأهُّلَ للفتيا، والتأهُّلُ لتعليم صغار الطلاب لا يعني التأهُّلَ لتعليم كبارهم، والتأهُّلُ للكتابة لا يعني التأهُّلَ للمحاضرة، وهلمَّ جرًّا.

ووزن طالب العلم لمرتبته يفتقر إلى جملة معطيات، من أخصِّها: مصالحةُ النفس ومكاشفتُها في الخلوات، فربما رأى مَن يحيطُ به من الأشياخ أهليتَه وهو يرى خلاف ذلك، فليتريَّث.

ومصالحةُ النفس من أعونِ ما يديرُ به طالب العلم حالَه، فليتَّقِ الله في خطواته، ولا يجامِلْ نفسه على حساب دين الله تعالى.

ومن معطيات وزنه لمرتبته: شهادةُ أهل الفضل المتجرِّدين من حظوظ النفس،

قال ابن المقفع (١٤٢هـ): (على العاقل أن يُؤنسَ ذوي الألباب بنفسه ويُجرِّئَهم عليها حتى يصيروا حَرَسًا على سمعه وبصره ورأيه، فيستنيمَ إلى ذلك، ويُريحَ له قلبَه، ويعلمَ أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غَفَلَ عن نفسه). [الأدب الصغير (٢١).]

أبو الحسن الجِلاوي (٧٨٢هـ) كان (مُجتهدًا في تكميل الطالب). [كفاية المحتاج للتنبكتي (١: ٣٥٠).]

دَمْعُ العِلْمِ

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٢٧٢٢).

من القواعد العظيمة الأثر في شريعة الله تعالى ما اصطلح عليه الفقهاء بقولهم: (الغُنْمُ بالغُرْمِ).. وأصلُها ما جاء في المسند والسنن من قول النبي ﷺ: الخراج بالضمان .

ولا يكادُ ينفكُّ أمرٌ من أمور الدنيا والآخرة عن تسلُّط متلازمة الربح والخسارة عليه،

وكذلك العلم..

فإنَّ محصِّلَه لما كان من أعلى الناس مقامًا في الجنة لو استقام قلبُه وتجرَّد قصدُه، فإنه معرَّضٌ لأنْ يكون مبتدأَ تسعير النار لو فسدت نيته، والشأن كما قال سفيان بن عيينة (١٩٨هـ): (العلم إذا لم ينفعُكَ = ضَرَّكَ). [سير أعلام النبلاء (٨: ٤٦٢).]

وقد قال الإمامُ مالكٌ (١٧٩هـ): (لا أحبُّ الكلامَ إلا فيها تحتَه عمل، لأني رأيتَ أهل بلدنا ينهون عن الكلام إلا فيها تحته عمل). [جامع بيان العلم وفضله (٢: ١٨٩).]

فالعلم إنها شَرُف لشَرَفِ ثمرته العملية القائمة بالقلب والجوارح، فـ (الذي يفوق الناس في العلم جديرٌ أن يفوقهم في العمل) كما يقول الحسن البصري (١١٠هـ) [جامع بيان العلم وفضله (١: ٥٦٨).]

وإذًا، فالبدء بفرض القلب وواجب الروح فرضُ طالب العلم وواجبُه،

ثم لينظر بعد ذلك فيها فيه صلاح العباد، وقد قال بعض السلف: (ما تعلمتُ العلم إلا لنفسي، وما تعلمتُه ليحتاج الناس إليَّ).

جرى ذكر معروف الكرخي (٢٠٠هـ) في مجلس الإمام أحمد (٢٤١هـ)، فقال أحد الجلوس عن معروف: (قصير العِلْم)..

ثم نطق بلسان الإمامة بعد تجرِبَةٍ طويلةٍ مع العلم وأهله، تجرِبَةٍ حدَّثَ عن طرفٍ منها بقوله: (سافرتُ في طلب العلم والسُّنَّة إلى الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة، والحجاز، واليمن، والعراقين جميعًا، وأرض حوران، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف) [طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١: ١٠٩).] وبعد ذلك كلِّه يقول: (وهل يُرادُ من العلم إلاَّ ما وصل إليه معروف؟!) [سير أعلام النبلاء للذهبي (٩: ٣٤٠).]

العَلَمَ لَا يُقَوَّمُ بِطَوْلٍ وَلَا قِصَرَ، وَلَا بِضِيقٍ وَاتَّسَاعَ، بَلْ بِهَا قَامَ بِالْقَلْبِ مِنَ الْإِيهَانَ وَالْيَقِينَ،

ثم يأتي ابن الجوزي (٥٩٧هـ) ليقرِّرَ أنَّ العلمَ وحدَه قاصرٌ عن إصلاح القلب، فيقيَّدُ خاطرُه أن (الاشتغالَ بالفقه وسماعَ الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يُمزَجَ بالرقائق والنظر في سير الصالحين) [صيد الخاطر (٢٢٨).]

إنْ كان لطالب العلم همٌّ فليجمعه أولًا في همِّ صلاح القلب، وليبلُغْ تفكيرُه في ذلك مبلغَ أنفاسه، فإنه معيار صحة طلبه واستقامة قصده..

قال الشاطبي (٧٩٠هـ): (العلمُ الذي هو العلمُ المعتبرُ شَرعًا أعني الذي مدح الله ورسوله ﷺ أهله على الإطلاق هو العلمُ الباعثُ على العمل، الذي لا يُحَلِّي صاحبَهُ جاريًا مع هواهُ كيفما كان، بل هو المقيَّدُ لصاحبه بمقتضاه، الحاملُ له على قوانينه طَوْعًا أو كَرْهًا) [الموافقات (١: ٨٩).]

(فإنَّ مَن طلب العلم للآخرة كَسَرَهُ علمُه، وخشع قلبُه، واستكانت نفسه، وكان على نفسه بالمرصاد) [الكبائر للذهبي (٥٣).]

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].. فإن لم يخشَ الطالب من الله فلينظر في هذا العلم الذي يطلبه، أيُّ علمٍ هو؟ فليس هو بالذي سأل نبيُّنا المزيدَ منه، ولا الذي بشَّر بأن الحيتان تستغفر لمعلِّمه، ولا الذي من سلك سبيله سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة.

نَجَازُ الارْتِيَاضِ

(لَا يَنْبَغِي لِأُحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ) ربيعة الرَّأي (136هـ)

جاء في الصحيحين [غ: ١٠٠، م: ٢٦٧٣] من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِن العِبَادِ، وَلَكنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلْمَاءِ، حتى إذَا لَمْ يُبْقِ عالمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا، فأفتوا بغير عِلْمٍ، فضَلُّوا وأَضَلُّوا .

وقد جاء عن بعض السلف في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] أنَّ نقصَها بموت العلماء وذهاب الفقهاء، وقد تلقَّى العلماء هذا التفسير بالقبول.

الأَرْضُ تحيَى إِذَا مَا عَاشَ عَالِمُهَا … مَتَى يَمُتْ عَالَمٌ مِنْهَا يَمُتْ طَرَفُ

كَالأَرْضِ تَحْيَا إِذَا مَا الغَيْثُ حَلَّ بِهَا … وَإِنْ أَبَى عَادَ فِي أكنافِهَا التَّلَفُ

انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٧: ٢٥٦).

وطالبُ العلم إذا استحضر ذلك كان طلبُه للعلم طلبًا لبقاء هذا العلم وديمومته، طلبًا لبقاء أنوار الرسالة الإلهيَّة في الأرض،

فـ (الدُّنيا كلُّها ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلَّا ما أشرقتْ عليه شمسُ الرسالة وأُسِّسَ بنيانُه عليها، ولا بقاءَ لأهل الأرض إلَّا ما دامت آثارُ الرُّسُلِ موجودةً فيهم، فإذا دَرَسَتْ آثارُ الرُّسُلِ من الأرض وانمحَتْ بالكليَّةِ خَرَّب الله العالمَ العلويَّ والسفليَّ وأقام القيامة). [مجموع الفتاوى لابن تيمية (19: 10).]

هي رسالةٌ منه [البُخاري] لكلِّ طالبِ علمٍ أن كُنْ حافظًا للعلم بطلبك، وضامنًا لبقائه باجتهادك، فلا تضيِّعْ نفسَك، فإنَّ في تضييعها تضييعًا للناس، بل تضييعًا للدُّنيا بأسرِها فاللَّهُمَّ لا تَعْقُنا عن العلم بعائق، ولا تَمْنَعْنا عنه بمانعٍ.

وبعدُ، فهذا هو سِفْر الارتياض، ونجازُه أن يعلم طالب العلم أنَّ مبتدأ الأمر ومنتهاه: توفيقُ الله تعالى،

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading