القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: أنا الإسلام، جمع وترتيب: د. جمال الهميلي وآخرون

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

أنا الإسلام

جمع وترتيب / د. جمال الهميلي وآخرون

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

المُقدِّمة. 4

الباب الأوَّل: أركان الإسلام. 5

الفصل الأول: الشهادتين.. 5

الفصل الثاني: إقامة الصَّلاة 6

الفصل الثالث: إيتاء الزَّكاة 8

الفصل الرابع: الحج. 9

الفصل الخامس: صوم رمضان. 10

الباب الثاني: أركان الإيمان. 12

الفصل الأول: الإيمان بالله.. 14

الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة. 15

الفصل الثالث: الإيمان بالكتب.. 17

الفصل الرابع: الإيمان بالرسل. 18

الفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر. 20

الفصل السادس: الإيمان بالقدر. 22

الباب الثالث: رسول الإسلام. 23

الفصل الأول: الطفل اليتيم. 23

الفصل الثاني: الرِّسالة. 25

الفصل الثالث: الصِّراع في مكَّة. 27

الفصل الرابع: الفرج والمخرج. 28

الفصل الخامس: البناء والمُواجهة. 31

الفصل السادس: الغزوات النبوية. 32

الفصل السابع: النهاية. 34

الباب الرابع: دستور الإسلام. 36

الفصل الأول: الإعجاز العلمي في القرآن. 38

الفصل الثاني: تفسير أعظم سورة 38

الفصل الثالث: تفسير أفضل آية وأقصر سورة 38

تفسیر أقصر سورة 39

الفصل الرابع: تفسير سورتي العصر والإخلاص39

الفصل الخامس: تفسير المعوذات.. 40

الباب الخامس: من أخلاق الإسلام. 41

الفصل الأول: الصبر. 42

الفصل الثاني: التوبة. 42

الفصل الثالث: الصِّدق. 44

الفصل الرابع: مُراقبة الله.. 44

الفصل الخامس: التَّوكُّل على الله.. 45

الباب السادس: البناء الاقتصادي في الإسلام. 46

الباب السابع: البناء الاجتماعي في الإسلام. 47

الفصل الأول: دائرة الأسرة السَّعيدة 48

الفصل الثاني: المُجتمع. 48

الباب الثامن: من المنهيات في الإسلام. 49

الفصل الأول: الظُّلم. 49

الفصل الثاني: أم الخبائث.. 50

الفصل الثالث: السِّحر والشَّعوذة 51

الباب التاسع: المصير المحتوم. 53

الفصل الأول: بداية النِّهاية. 53

الفصل الثاني: النار والجنة. 55

 

 

 

المُقدِّمة

جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب ﷺ فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأي آية؟ قال: قوله: “اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” فقال عمر ﷺ: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ: عشية عرفة في يوم جمعة وفي رواية أخرى قال عمر ﷺ: كلاهما عيد والحمد لله. يعني أن يوم عرفة لنا (نحن المسلمون) عيد وكذلك يوم الجمعة.

إنّ الله أكمل الدين ليكون ديناً شاملاً لكل أنواع الشمول: شمولية الزمان، وشمولية المكان، وشمولية الموضوعات،

فشمولية الزمان تعني أنه دين صالح لكل زمان، فهو دين الماضي ودين الحاضر ودين المستقبل،

أما شمولية المكان فتعني أن هذا الدين مناسب لكل مكان في هذه الأرض المعمورة، فحيثما وجد إنسان فهو مدعو إلى الإيمان بالله والالتزام بالإسلام،

أما شمولية الموضوعات ففيه تنظيم لتعامل الإنسان مع نفسه ومع الآخرين، ليس البشر فقط بل حتى مع الحيوانات والجمادات والنباتات

قال رسول الله ﷺ: “حق المسلم على المسلم ست. قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلّم عليه. وإذا دعاك فأجبه. وإذا استنصحك فانصح له. وإذا عطس فحمد الله فشمّته وإذا مرض فعده. وإذا مات فاتبعه”.

تأمل هذا الحديث الشريف: “إنَّ من أحبكم إلِّي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا”

وضع الإسلام الحدود والعقوبات لكل من يتجاوز ويعتدي على الآخرين أو يرتكب جريمة، فمن معجزات هذا الدين التشريع الحكيم في العقوبات،

كما نظم الإسلام الأمور الاقتصادية في التعامل بين الناس عموماً، فوضع الزكاة وهي مقدار معين من أموال الأغنياء يأخذ منهم ليعطى للفقراء والمحتاجين، مساهمة في تطهير النفوس، وتحقيق التكافل الاجتماعي، كما أنَّ الإسلام رغب في الصدقات وحث عليها ورتب عليها الأجر الكبير، وفي المقابل نحى عن الربا والغش والتلاعب في الأوزان وغيرها مما هو منثور في كتب الإسلام الاقتصادية.

كما نظم الإسلام العلاقات السياسية بين الحاكم والمحكوم وبين حقوق وواجبات كل فريق، ورسم طريقة التعامل مع الآخرين في حالة السلم والحرب، وطبّق ذلك الرسول الكريم ﷺ وصحابته الكرام من بعده وأمته.

الباب الأوَّل: أركان الإسلام

في الإسلام هناك أركان وأسس تمثل الأعمدة والقواعد التي يقوم عليها، وفقدُ واحد منها أو أكثر يعني فقد شيء كبير ومهم من الدين وربما فقدُ الدين بالكامل،

القصة كما رواها عمر بن الخطاب حيث قال:

“بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا نعرفه، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، … ثم قال: يا عمر، هل تدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.”

الفصل الأول: الشهادتين

وهاتان الشهادتان هما:

١. شهادة أن لا إله إلا الله ٢. شهادة أن محمداً رسول الله.

فالشهادة الأولى تعني: نفي الإلهية لغير الله وإثباتها لله وحده فلا معبود بحق إلا الله.

فالله هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي يرزق، وهو الذي يعطى، ومن الطبيعي أن الذي خلق ورزق وأعطى هو الذي يستحق أن نتوجه له بالشكر والعرفان والعبادة، وهكذا يتحرر الإنسان ويصبح عبداً لله وحده

ومن مستلزمات هذه الشهادة أن تكون حياة العبد كلها وفق مراد الله،

وهذا هو منهج إبراهيم ﷺ كما قال الله في كتابه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

ولما كان منهج إبراهيم ﷺ هو المنهج السليم فقد أمر الله نبيه محمد ﷺ بإتباع ملَّته فقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

وهذا هو منهج الركب الكريم ركب الأنبياء والصالحين على مر الدهور والسنين، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

أما الشهادة الثانية “أشهد أن محمداً رسول الله” فهي تعني: الإقرار محمد بن عبد الله ﷺ بالرسالة وبأنه نبي مرسل من الله إلى الناس كافة، فهو وإن كان واحداً من البشر إلا أن الله أختاره ليكون رسولاً للعالمين.

ومن مقتضيات ذلك تصديقه في كل ما أخبر به من أخبار سابقه وحالية ومستقبلية، ومن مقتضيات ذلك طاعته في أمره به والالتزام به وتجنب كل ما نهى عنه فهو لا يتكلم من عند نفسه، بل كما قال ربنا وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ومن هنا فالمسلم الحق هو الذي يلتزم بكل ما أمر به رسوله ﷺ بقدر استطاعته، وينتهي عن كل ما نحى عنه رسوله، ومن مستلزمات الشهادة لمحمد بالرسالة ألا نعبد الله إلا بالطريقة التي يرسمها لنا،

الفصل الثاني: إقامة الصَّلاة

فالحمد لله خمس صلوات أداءً وخمسون أجراً،

والصلاة الواجبة هي خمس صلوات في اليوم والليلة فقد جاء أعرابي فقال: يا رسول الله ﷺ، ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟ قال: “خمس صلوات في اليوم والليلة” قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: “لا، إلاّ أن تطوّع شيئًا“.

ولكل صلاة عدد معين من الركعات بينها الرسول الكريم ﷺ

ومن رحمة رب العالمين وفضله أن شرع لنا صلوات أخرى نافلة، ليست فرضاً وإنما زيادة خير لمن يرغب، وفتح باب للتنافس، وجبراً لما قد يحصل من تقصير في الصلوات المفروضة، ومن هذه النوافل السنن الرواتب وهي: ركعتين قبل الفجر وأربع ركعات قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء

ومما يشرع في أداء الصلاة وخاصة للرجال أن تصلى جماعة في المسجد بحيث يكون هناك التقاء بين المسلمين وتعارف وتبادل الأخبار وغيرها.

ومن هنا فقد شرع الإسلام شروطاً للصلاة تكون قبل البدء بالصلاة وهي:

دخول وقت الصلاة، فلكل صلاة وقت معين كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا

ستر العورة وهو اللبس الذي يستر بدن المصلي ويفضل التزين للصلاة لقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

طهارة المكان والثياب والبدن.

الطهارة من الحدث وهو على نوعين: حدث أكبر وهو ما يوجب الغسل (مثل الجماع والاحتلام) وحدث اصغر وهو ما يوجب الوضوء فقط (مثل البول والغائط)، والتطهر من الحدث الأكبر يكون بالغسل وهو تعميم البدن بالماء، أما التطهر من الحدث الصغر فيكون بالوضوء على النحو التالي: غسل الكفين ثم المضمضة والاستنشاق ثم غسل الوجه ثم غسل اليدين إلى المرفقين ثم مسح الرأس والأذنين وأخيرا غسل القدمين إلى الكعبين.

ومما يشرع بعد الصلاة قراءة أذكار معينة علمنا إياها رسولنا ﷺ منها:

قول: (استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام).

وقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ)

وقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون).

ثم يقول: (سبحان الله والحمد لله والله أكبر) ٣٣ مرة، ويقول بعدها مرة واحدة (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).

ومما تجدر الإشارة إليه في موضوع الصلاة قضية الخشوع في الصلاة وهي تعني التدبر والتفكر فيما يقرأ العبد في صلاته من آيات شريفة وأذكار جميلة، فإن منزلة الخشوع منزلة عظيمة ويكفي فيها أن الله قد أعدها أول صفات أهل الفلاح من المؤمنين فقال في كتابه العزيز: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، ومما يعين بعد الله على الخشوع كثرة الطاعات والابتعاد عن السيئات ومعرفة معاني الآيات.

وفي ختام موضوع الصلاة نقول: لئن كانت الشهادتان هما مدخل الإسلام فإن الصلاة هي ركنه العملي العظيم فهي تمثل الصلة بالرب سبحانه، وهي الركن الوحيد الذي يتكرر يومياً ولا يسقط عن العبد في سفره ولا مرضه إلا إذا عجز عنها، كل هذا – والله أعلم – لعلم الله سبحانه بحاجتنا الدائمة إليها، فهي الأنس والراحة للمسلم، فما أعظمها من نعمة وما أسعدنا بها، فالحمد لله على فريضة الصلاة.

الفصل الثالث: إيتاء الزَّكاة

والإسلام دين يسعى في تزكية النفس والارتقاء بما من خلال برامج عملية أوجبها على أتباعه، وهي في الوقت ذاته تسهم بدرجة كبيرة في تنمية المجتمع وزيادة الترابط بين أفراده، وفائدة أخرى: وهي تحريك المال حتى لا يبقى في أيدي أناس معينين، وفائدة أيضاً: وهي المساهمة في توفير حياة كريمة لكل أتباعه دون قدح في كرامة الإنسان أو إقلالٍ من شأنه، ومن تلك البرامج (الزكاة). والزكاة هي مقدار معين من مال الأغنياء فرضه الله عليهم، يُؤخذ منهم فيعطى للفقراء والمستحقين.

والزكاة لا تؤخذ من كل من لديه مال، بل ممن يملك مقدار معين يسمى (النصاب)، كما أن هذا النصاب يكون من المال الزائد لدى الغني وليس من ماله اليومي، وثمة شرط آخر وهو أن يمر على هذا المال سنة كاملة دون أن يحتاج إليه، والمبلغ الذي يؤخذ من الغني بعد توفر هذه الشروط تكون نسبته قليلة فهي 2.5% فقط،

قال رسول الله ﷺ حين أرسل الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﷺ إلى اليمن للدعوة إلى الله حيث قال له: “إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه هو شهادة أن لا آله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب

الفصل الرابع: الحج

وهو واجب على كل مسلم ومسلمة مستطيع لقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا والفرض مرة واحدة في العمر؛ لما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: “يا أيَها النَّاس قد فرض الله عليكم الحجّ فحُجُّوا” فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله ﷺ؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله ﷺ: “لو قلتُ نعم لوجبت، ولما استطعتم…

ومع أنه فرض فإن الله يعطي عليه الأجر الكبير فقد قال ﷺ “الحج المرور ليس له إلا الجنة” والحجّ المبرور هو الذي اجتمعت فيه أمور وهي:

الأول: الإخلاص لله تعالى وهو أن يريد المسلم من حجّه ابتغاء رضوان الله ولا يريد رياءً ولا سمعةً ولا نزهةً.

الثاني: تكون صفة الحجّ على هدي النبي ﷺ وشرعه.

الثالث: يحجّ بمال مباح ليس حراماً.

الرابع: أن يجتنب فيه الرفث والفسوق والجدال لقول الله تعالى: فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ.

الرفث: الجماع ودواعيه. والفسوق: قد يكون بالقول المحرّم، كالغيبة والنميمة والكذب أو بالفعل: كالنظر إلى النساء وما أشبه ذلك. والجدال: المجادلة والمنازعة بين الناس في الحجّ، هذه تُنقص الحجّ كثيراً.

أما قصة الحج فقد بدأت مع خليل الرحمن إبراهيم منذ قدم الزمان حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهَّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذَّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ

والحج هو: قصد مكة للتعبد لله سبحانه بأداء المناسك. فهو رحلة ربانية من بدايتها إلى نهايتها، فتبدأ بإخلاص النية لله تعالى، ثم تتجه إلى مكان محدد (مكة المكرمة)؛ لأداء مناسك محددة بطريقة مرسومة من قبل الرب سبحانه ثم تنتهي بالعودة إلى البلد ودعاء الله بالاستجابة والقبول.

ومن منافع الحجّ اجتماع المسلمين في هذه المشاعر العظيمة، وتحديد لرابطة الإسلام وأخوة الدين، والتعارف والتقارب بين أفراد الأمّة الإسلامية المتفرقة في أقاصي الدنيا،

الفصل الخامس: صوم رمضان

لقد شاء الله أن يكون نزول القرآن الكريم في شهر رمضان (الشهر التاسع من الأشهر العربية) قال الله تعالى “شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن“، ولما كانت تلك نعمة ربانية عظمى فإنَّ واجبنا نحو النعمة هو شكر الرب سبحانه ومن الشكر (العمل الصالح) ومن هنا فإن المسلمين يصومون ذلك الشهر استجابة لله وطاعة لأمره وأداءً لفرضه عليهم.

فصيام شهر رمضان واجب على كل مسلم ومسلمة (غير حائض ولا نُفساء) بالغ عاقل في كل عام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

وعدَّه الرسول الكريم ﷺ من أركان الإسلام ومبانيه العظام فقال: بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان.

المسافر والمريض له أن يفطر في رمضان ويصوم بعد ذلك متى شاء، فالله يريد بالمسلمين اليسر ولا يريد بجم العسر والتضييق. قال تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

والصوم هو: الامتناع عن المفطرات من أذان الفجر (قبل طلوع الشمس) إلى غروب الشمس

أما المفطرات فهي ثلاثة أساسية: 1. الأكل. 2. الشرب. 3. الجماع.

بالإضافة إلى تحقيق الاستجابة لله في صيام رمضان فإن فضله كبير وأجره جزيل فمن ذلك قول الرسول الكريم ﷺ: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه“. إيماناً بأن الله أوجبه واحتساباً أي طلباً للأجر من الله وحده،

وشرع قيام الليل وهي: صلاة تؤدى في ليالي رمضان، ورغَّب في المحافظة عليها طيلة الشهر الكريم فقال ﷺ: “من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه“، كذلك الصدقات، وقراءة القرآن الكريم بالتدبر، والإكثار من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والاستغفار،، والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأيتام، وفي المقابل فقد حذر من السلوكيات المشينة فقال ﷺ: “من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” وقول الزور هو: القول الباطل وقال أيضاً ﷺ: “الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم” وهذه السلوكيات يرفضها الإسلام في رمضان وغيرها ولكنها تتأكد أكثر في رمضان.

ولقد فتح الله لعباده المسلمين باب خير آخر بأن شرع لهم الصيام طيلة العام (عدا أيام العيدين)، ورغَّب فيه دون أن يفرضه عليهم فقال: ﷺ: “من صام يوما في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً“،

قال تعالى: ” إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

ليلة القدر هي الليلة التي أنزل الله فيها القرآن الكريم لذلك فقد ضاعف الله فيها الأجر للعاملين بأكثر من ألف شهر (أكثر من ٨٣ سنة) وبمعنى آخر من عمل صالحاً في تلك الليلة فإن أجر ذلك العمل أكثر من أجر نفس العمل لأكثر من ١٠٠٠ شهر! في تلك الليلة، وفضل آخر أخبر به الرسول الكريم ﷺ فقال: “من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه“.

الباب الثاني: أركان الإيمان

فكرت لماذا أعيش؟ وبعد طول تفكير وتأمل لم أجد إلا إجابة واحدة على هذا السؤال الكبير وهي أني أعيش لكي أموت! فقررت أن أختصر الطريق وأموت من الآن.

وفي الجانب الآخر، نقرأ لسير أناس لم يملكوا المال الكثير ولم يحصلوا على الشهرة العظيمة ومع ذلك كان يقول أحدهم: نحن في سعادة لو علم عنها الملوك وأبناؤهم لقاتلونا عليها بالسيوف.

إن الفرق بين الفريق الأول والفريق الثاني هو ما في القلوب، فالفريق الأول قلوبهم خاوية من الإيمان، والفريق الآخر قلوبهم مملوءة بالإيمان، فخسر السعادة الفريق الأول وفاز بها الفريق الثاني، ولعل السر في ذلك أن السعادة تكون في القلب والقلب لا يسيطر عليه إلا خالقه سبحانه،

وقد رسم لنا الله طريق السعادة وطريق الحياة الطيبة، كما بيَّن طريق التعاسة والحياة النكد وعلى العبد أن يختار أي الطريقين يريد قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

فقد ذكر الله سبحانه شرطين للحصول على الحياة الطيبة السعيدة هما: الإيمان + العمل الصالح.

القلوب وبيده تصريفها كما يشاء. وأما الفريق الآخر: فيقول الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى فالقاعدة الربانية لكل من أعرض عن ذكر الله تقول: أنه سيعيش ولكن حياته ستكون ضنكا، والضنك هو: الحياة بلا اطمئنان ولا راحة ولا سعادة، فهو لن يموت (إلا أن يشاء الله) ولكنه سيعيش بهذه الصورة.

أما الإيمان فقد بينه الرسول الكريم ﷺ حين سأله جبريل ﷺ: ما الإيمان؟ فقال ﷺ: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره” فهي ستة أركان للإيمان.

هل الإيمان يزيد وينقص؟

والجواب: نعم إنه قابل للزيادة والنقص على حسب ما وقر في قلب العبد وعلى مقدار أعماله، وبالجملة فالإيمان يزيد بالطاعات (مثل الصلوات والصيام، وقراءة القرآن ومساعدة المسلمين، والصدق والإخلاص و …) وينقص بالمعاصي (مثل الزنا وشرب الخمر، والغيبة والنميمة، والغش والكذب و …)، فعلينا ملاحظة أنفسنا في كل وقت والسعي الحثيث نحو زيادة الطاعات، والتقليل من المعاصي والمبادرة للتوبة منها.

أما العمل الصالح فهو كل عمل يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة، الفردية، أو الجماعية، بشرط أن تكون الله وحده وليس لغيره،

فمن رحمة الله بعبادة أنه فتح لهم باباً عظيماً لكسب الأجور ألا وهو تحويل العادات إلى عبادات، فالأكل والشرب والنوم وملاعبة الأولاد والزوجة وغيرها كثيرة في حياتنا، فكل هذا يمكنك أن تحصل منه على أجر رباني يزيد من إيمانك وذلك بشرطين:

أولهما: ألا يكون العمل معصية بذاته مثل: الكذب والنميمة وشرب الخمر

وثانيهما: أن يخلص النية في عمله لله فلا يكون قصده غير رضا الله.

أما ثمرات الإيمان فهي أكثر من أن تحصى وسنكتفي بذكر أهمها:

الإجابة عن الأسئلة المحيرة لكل إنسان، وهذه الأسئلة هي التي سببت القلق لدى الكثير لعدم معرفة الإجابة الصحيحة عليها وهي: من الذي خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وما مصيرنا بعد الموت والإيمان الصحيح يجيب عنها

الراحة والاطمئنان لكل ما يحدث للعبد في حياته لعلمه بأن المتصرف في هذا الكون هو أرحم الراحمين، بل إنه (المؤمن) يحصل على الخير في كل أموره خيرها وشرها، كما قال الرسول الكريم ﷺ: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سرَّاء شكر فكان خير له وإن إصابته ضرَّاء شكر فكان خيراً وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن

الفصل الأول: الإيمان بالله

ومن هنا كان مفتاح الإيمان وأول أركانه وبابه الذي يدخل منه لبقية الأركان بل وللحياة كلها هو (الإيمان بالله)، لذا كان جواب الرسول العظيم ﷺ حين سأله جبريل ﷺ عن الإيمان قال: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.” فبدأ بالإيمان بالله فمن لم يؤمن بالله لا يمكن أن يؤمن بكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، والعكس صحيح

ولما كان يتعذر وجود قائدين للسيارة أو للسفينة أو للطائرة أو للمركبة أو للدراجة أو في أي عمل فكيف بتسيير أمور الكون بانتظام وتدبير ودقة فلابد أن يكون ذلك لخالق واحد وليس أكثر، كما قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

ومن الأدلة على الإيمان بالله: النظر والتفكر في المخلوقات عموماً وفي الإنسان خصوصاً،

والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور ذكرها سلفنا الصالح وعملوا بها وبينها علماؤنا هي:

١_ الإيمان بوحدانية الله.

٢_ الإيمان بربوبيته.

٣_ الإيمان بأسمائه وصفاته.

٤_ الإيمان بألوهيته.

ولما كان الله هو الخالق سبحانه فهو الوحيد الذي يستحق أن يعبد، وهذا أحد معاني الإيمان بالله وهو الإيمان بألوهيته، والمقصود بما أن تكون عبادتنا وتوجهنا في أعمالنا وفي كل عباداتنا لله وحده لا شريك له، وهذا النوع من التوحيد هو الذي رفضه المشركون على عهد رسول الله ﷺ فإنهم أقروا بالإيمان بوجود الله ولكنهم أشركوا مع الله في عباداتهم.

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ

الدعاء لا يكون إلا لله كما قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وقال تعالى: وأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا

والخوف من الله: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

والرجاء والمحبة الكاملة وغيرها من الأعمال القلبية كلها تُصرف لله وفي الله كما قال الرسول الكريم ﷺ: “من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان“.

كذلك الصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة وقراءة القرآن. وغيرها من أعمال الجوارح كلها تكون للّه وحده لا شريك له.

أما الإيمان بأسمائه وصفاته فمعناه: أن نوقن أن لله أسماءً وصفاتٍ تليق به سبحانه، ولا نستطيع أن نحيط بكل أسمائه وصفاته بل لنا أن نؤمن بما أخبرنا به عن نفسه في كتابه (القرآن الكريم) وعلى لسان رسوله ﷺ فنتقيد بذلك ولا نتجاوزه إلى غيره،

وأسماء الله كثيرة لا نعرفها كلها منها ما أشير إليه في الحديث حيث قال الرسول الكريم ﷺ: “إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة.”

أما الإيمان بالصفات فيقتضي الإيمان بالصفة وبآثارها ونتعبد الله بتلك الصفة،

الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة

من هم الملائكة؟ ومن أين خلقوا؟ وكم عددهم؟ وما وظائفهم؟ وما ثمار الإيمان بهم؟ وهل لديهم القدرة على مساعدة البشر، وما مقدار قوتهم؟

والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان الستة قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواَ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ

وقال أيضاً: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

والإيمان بالملائكة يعني: الإيمان بوجودهم كما ذكره الله عنهم في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.

خلق الله الملائكة من النور، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: “خلقت الملائكة من نور. وخلق الجان من مارج من نار. وخلق آدم مما وصف لكم“.

خلقت الملائكة قبل خلق آدم ﷺ بدليل قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

عدد الملائكة كثير جداً لا يحصيهُم إلا من خلقهم سبحانه، فقد قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جَنُودُ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ

وقال ﷺ في وصف البيت المعمور في السماء وهو بيت يقابل الكعبة في الأرض: “يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه“.

أنَّهم معصومون من الذنوب والمعاصي لا يقربونها، قال تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

لهم قدرة على التشكل بصورة بشر،

الملائكة لا يأكلون ولا يشربون،

أما وظائف وأعمال الملائكة فهي كثيرة منها:

حفظ العباد: قال تعالى: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة

كتابة وإحصاء أعمال المكلفين من خير أو شر، قال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال تعالى: كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون

الاستغفار للمؤمنين، قال تعالى: ويستغفرون للذين آمنوا

(…) وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال له: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري، فقال له الأعمى: قد كنت أعمى فردَّ الله علي بصري وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.

ومن الإيمان بالملائكة الإيمان بمن ذكر الله لنا اسمه في القرآن والسنة الصحيحة. ومنهم:

جبريل عليه السلام أمين الوحي، وميكال أمين القطر، قال تعالى: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين

وممن ذكر اسمه في السنة المطهرة منكر ونكير عليهما السلام، وهما الملكان الموكلان بسؤال العبد في قبره كما قال رسول الله ﷺ: (إذا قُبر أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير..).

بعض ثمرات الإيمان بالملائكة الكرام عليهم السلام:

تعظيم الخالق سبحانه حيث خلق هذا الخلق العظيم والكثير، فهو على كل شيء قدير.

دفع الغرور عن النفس، والافتخار بالعمل، فالملائكة على دوام طاعتهم خاضعين له سبحانه كما قال تعالى: يسبحون الليل والنهار لا يفترون

الفصل الثالث: الإيمان بالكتب

الخالق سبحانه لم يترك عباده هملاً بلا منهج ولا كتاب، فمن رحمته وحكمته أن أرسل لنا كتباً مع أنبياءه ورسله توضّح لكل البشرية الطريق القويم والحق المبين، ولما كان محمداً ﷺ آخر الرسل والأنبياء، ورسالته شاملة لجميع الرسالات السابقة، كان من أركان الإيمان عندنا (نحن المسلمين) الإيمان بكل الكتب السماوية السابقة، فمن مزايا ديننا الإسلامي أنّه يدعو أتباعه للإيمان بجميع الكتب السماوية بلا استثناء، يدعو إلى الإيمان بالتوراة المنزّلة على موسى ﷺ، وبالإنجيل المنزّل على عيسى ﷺ، و الزبور المنزّل على داود ﷺ، والقرآن المنزّل على محمد ﷺ،

إن الإيمان بالكتب يتضمن عدة أمور منها:

التصديق واليقين بأن الله أنزل كتباً على أنبيائه رحمة للخلق وهداية لهم، ليصلوا بما إلى السعادتين في الدنيا وفي الآخرة.

ومن أجل مصلحة البشرية، ومن حكمة الباري سبحانه أن تكفل الله بحفظ آخر كتبه ودستور البشرية الدائم (القرآن الكريم) حتى لا يحدث له ما حدث للكتب السابقة من تحريف حين وُكِل حفظها للبشر فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

فالقرآن مهيمن وهذا أشمل من معنى التصديق، فالهيمنة تشمل التصديق وغيرها من المعاني من السّيطرة والرّقابة والحفظ والشّهادة،

وللإيمان بالكتب ثمرات كثيرة منها:

العلم بعناية الله لعبادة حيث أنزل لهم كتباً.

الفصل الرابع: الإيمان بالرسل

لقد اقتضت حكمة الباري سبحانه وعدله ألا يعذب أحد من الناس حتى تقوم عليه الحجة، ومن أجْلِ إقامة الحجة فقد تكفل الله بإرسال الرسل كما قال تعالى في كتابه الكريم: رَُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِتَلًا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

والإيمان بالرسل يتضمن:

الإيمان بأن الله أرسل رسولاً أو نذيراً لكل أمة وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: “وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ وقال أيضا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَا أَنِ أَعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ لذا كان عدد الأنبياء والرسل كثير.

الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام بلا تفريق بينهم في الإيمان، فالكل مرسل من عند الله كما قال تعالى في كتابه العزيز: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلَّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.. فقوله “لا نفرق بين أحد من رسله” بمعنى أنا لا نفرق بينهم من ناحية الإيمان بجم وإن اختلفوا في أزمانهم وشرائعهم.

الإيمان بأن الله فِضْلٌ بعض الرسل على بعض كما قال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

وقال أيضاً: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ..

النبوة والرسالة اصطفاء من الله تعالى لا تنال بالعمل ولا بالقول ولا بأي طريق آخر، فهي منّة ونعمة من الله يهبها لمن يشاء من عباده قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

كما قال تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ

الأنبياء والرسل بشر مثل بقية البشر يأكلون ويشربون ويتعبون ويتزوجون.. إلخ وفرقهم الأساسي أنهم يوحي إليهم من الله فلا علم لهم إلا ما علمهم الله كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهَكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ..، ويقول تعالى معاتباً بعض الكفار: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ حَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيْقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ

الأنبياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ومن باب أولى نفع الغير أو دفع الشر عنهم، فتلك مسألة يختص بها الله وحده دون غيره كما قال تعالى: ” قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، والخطاب في الآية لنبينا محمد ﷺ وكذلك بقية الأنبياء.

كل الأنبياء يُعطَون من الآيات والدلائل والبراهين التي تؤيد نبوتهم وتجعل الناس يؤمنون بأنهم أنبياء يوحى إليه من الله، وهذه الآيات والمعجزات تختلف باختلاف الأنبياء والرسل، وباختلاف الأقوام، وباختلاف الأزمان، أي بحسب ما يقتضيه الحال، قال الرسول ﷺ: “ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن، أو آمن، عليه البشر “.

دين الأنبياء واحد ودعوتهم واحدة لكل البشر، فقد كان خطاب الأنبياء للناس كافة ولكل قوم “أن اعبدوا الله” كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، نعم قد تختلف الشرائع والقوانين ولكن تبقى القضية الأساسية وهي عبادة الله وحده لا شريك له فالأنبياء كأنهم أخوة لأب واحد وأمهات مختلفة كما قال الرسول الكريم ﷺ: “الأنبياء أخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد“.

من الحكم الربانية، ومن علم الله المطلق بكل ما حدث وسيحدث في العالم فقد ختم الرسالة والنبوة في محمد فكان هو آخر الأنبياء والرسل الكرام عليهم السلام فلا نبي ولا رسول بعده كما قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، وقال : “إن مثلي مثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين” ومن لوازم ختم النبوة والرسالة محمد أن كانت رسالته للناس كافة بخلاف الأنبياء قبله فقد كان النبي يرسل لقومه خاصة كما قال ﷺ: “أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي“، وذكر منها: “وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة“.

من مهام الأنبياء تبيين الخير للناس وتحذيرهم من كل شر كما قال ﷺ: “إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم“،

الفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر

جاء أحد الكفار إلى الرسول ﷺ وقد أخذ عظماً وفتته أمام الرسول ﷺ وقال: يا محمد هل يستطيع ربك أن يحيي هذه؟ فقال الرسول ﷺ: نعم يحييها ويدخلك النار. ثم أنزل الله هذه الآيات: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ إلى آخر السورة.

إنه أكثر الأركان ارتباطاً مع الإيمان بالله، فكثيراً ما نقرأ في القرآن الكريم “من آمن بالله واليوم الآخر“، “لمن آمن بالله واليوم الآخر“، “لمن كان يرجو الله والدار الآخرة“، وغيرها كثير.

ومن الدلائل على أهمية هذا الركن وشأنه العظيم: تعدد أسمائه في الكتاب والسنة حيث إنه ذكر بأكثر من (٥٠) خمسين اسماً، ولا توجد قضية في القرآن والسنة ذُكرت بهذا الكم من الأسماء.

الإنسان يمر بخمس مراحل:

١. مرحلة العدم: حيث الإنسان لم يخلق بعد كما قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينَ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا

2. مرحلة الحمل: حين يكون الإنسان في بطن أمه: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ

3. مرحلة الدنيا: حين يخرج الإنسان من بطن أمه: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وهذه المرحلة هي التي عليها مدار السعادة أو الشقاء وهي دار الامتحان والاختبار.

4. مرحلة البرزخ: وهي من بعد موت الإنسان إلى حين قيام الساعة أي مرحلة وضع الإنسان في قبره لحين بعثه من جديد قال تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

5. مرحلة يوم القيامة: قال تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ، وهي آخر المرحل وفيها السعادة أو الشقاء الأبدي والذي لا بعده سعادة أو شقاء.

والإيمان باليوم الآخر يتعلق بالمرحلة الرابعة والمرحلة الخامسة (البرزخ ويوم القيامة).

الإيمان بأن جميع البشر بل والمخلوقات ستموت حتى الملائكة الكرام عليهم السلام فإن الله قد كتب الفناء على الجميع فلا يبقى إلا هو سبحانه كما قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وقال تعالى: ” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.

تبدأ قيامة كل عبد بعد موته مباشرة وبمعنى آخر فالقيامة على نوعين: قيامة خاصة لكل عبد وهي التي تبدأ بعد موته وقيامة عامة لكل المخلوقات حين يشاء الله.

الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأنه حق كما أخبر بذلك القرآن الكريم وبين ذلك الرسول العظيم ﷺ.

الإيمان بما يسبق قيام الساعة مما صح في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ والتي ذكرها العلماء رحمهم الله تحت مسمى: علامات الساعة،

لا يعلم وقت القيامة الكبرى (الساعة) إلا الله وحده، فلا نبي مرسل ولا ملك مقرب،

اليقين التام بأن بعد البعث يأتي الجزاء والمناقشة والسؤال، وفق قواعد ربانية بينها القرآن الكريم والسنة النبوية

الناس من حيث الجزاء بعد الحساب والمناقشة على قسمين لا ثالث لهما: فريق في الجنة وفريق في النار (السعير) وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ

الإيمان بأن هذا الجزاء للعباد سيكون هو مصيرهم الأبدي، فهم خالدون مخلدون فيه إما نعيم دائم وإما عذاب دائم لا ينتهي، قال تعالى عن الكافرين: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وقال عن المؤمنين: ” وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا

الفصل السادس: الإيمان بالقدر

والنصوص المخبرة عن قدر الله ووجوب الإيمان به كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: ” إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ. وقوله: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا.

الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أركان:

الركن الأول: العلم: وهو الإيمان بعلم الله الشامل المحيط،

الركن الثاني: الكتابة: وهي الإيمان بأنّ الله كتب مقادير كلّ شيء إلى قيام الساعة،

الركن الثالث: المشيئة: الإيمان بمشيئة الله العامة وقدرته الكاملة النافذة، فكل ما حدث في السماوات والأرض كبير أو صغير، عظيم أو حقير فإنّه بمشيئة الله تعالى وقدره وتحت سمعه وبصره قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وقال سبحانه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ

الركن الرابع: الخلق: أي أن الله خالق كل شيء ومقدره وميسره لما خلق له كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ

أما ثمار الإيمان بالقدر فهي كثيرة:

الرضا والطمأنينة لعلمه بل يقينه أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه،

والإنسان إذا رضي بالقدر استراح من الحزن والهمّ قال رسول الله ﷺ: “المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنّي فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل. فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان“،

الباب الثالث: رسول الإسلام

الفصل الأول: الطفل اليتيم

تبدأ قصتنا عام ٥٧٠م وفي شبه الجزيرة العربية وهي في غرب قارة آسيا، وعند الكعبة المشرفة حيث كانت تعيش قبيلة تسمى قبيلة قريش، وهم سادة مكة والمتولين أمرها وأمر البيت المقدس (الكعبة) الذي كان العرب يحجون إليه ويعظمونه، لذا كانت هذه القبيلة أشرف قبائل العرب وأفضلها.

وها هو سيد قبيلة قريش في زمانه (عبد المطلب) يختار لولده عبد الله وكان لديه ١٠ من الأبناء آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا،

ثبت لها أنها حامل من زوجها عبد الله، وخلال تلك الفترة وفي شهر فبراير أو أوائل مارس سنة ٥٧١ م حدثت قصة عجيبة في مكة:

ذلك أن أبرهة بن الصباح الحبشي، النائب العام عن النجاشي على اليمن (جنوب شبه الجزيرة العربية)، لما رأى العرب يحجون إلى الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء (عاصمة اليمن)، وأراد أن يصرف حج العرب إليها، وسمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلًا فلطخ قبلتها بالعذرة. ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، وسار بجيش كبير. عدده ستون ألف جندي. إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلاً من أكبر الفيلة،

في وادى مُحَسِّر (بين مزدلفة ومنى وادي قريب من الكعبة) برك الفيل، ولم يقم ليتقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبيناهم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول.

ونظراً لأهمية هذا الحدث العظيم فقد أرّخ العرب هذا العام وأسموه بعام الفيل، وفي هذا العام وبعد خمسين يوماً أو أكثر بقليل أي في عام ٥٧١ م وفي مكة وُلدَت آمنة بنت وهب وليدها الوحيد وأرسلته إلى جده عبد المطلب الذي أسماه محمد لعله يكثر حامدوه،

لقد كان من عادة العرب أن يعطوا أبنائهم الصغار إلى مرضعات ثقات في الصحراء يتولَّين أمر إرضاعهم ورعايتهم حتى سن معين، وكان من نصيب محمد ﷺ مرضعة تسمى (حليمة السعدية)

وبدأ الطفل يكبر ليصبح شاباً وقد أصبح أفضل قريشٍ أخلاقاً فقد عرف بينهم ﺑ “الصادق الأمين“، وفي الخامسة والعشرين من عمره تسمع به امرأة شريفة في قريش لها تجارة رابحة تسمى (خديجة) فتطلب منه أن يخرج في تجارتها وتعطيه أفضل ما تعطي غيره فوافق وخرج في مالها، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.

وفي سن الخامسة والعشرين خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها،

وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسباً وثروةً وعقلاً، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.

وكل أولاده ﷺ منها سوى إبراهيم، ولدت له: أولاً القاسم، ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله ﷺ، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن

الفصل الثاني: الرِّسالة

حين بلغ محمد ﷺ سن السابعة والثلاثين حبّب الله إليه العزلة عن قومه، والمكث بعيداً عنهم في غار حراء في جبل النور

وبعد سنتان ونصف من ذلك ظهرت علامة أخرى فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت وظهرت حقيقة، واستمر الوضع هذا لمدة ستة أشهر، ثم حين بلغ الأربعين من عمره وفي شهر رمضان وفي غار حراء حدث الأمر الخطير، فقد جاءه الحق كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها حيث قالت:

حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: (ما أنا بقارئ)، قال: (فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلْقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: (زَمَّلُونِي زملوني)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: (ما لي؟) فأخبرها الخبر، (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به (ورقة بن نوفل ابن أسد) ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية، يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَدّعا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: (أو مخرجيّ هم؟) قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحي.

ولنعد محمد ﷺ حيث يقول: (جاورت بحراء شهراً فلما قضيت هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت على نفسي فذهبت مسرعاً إلى أهلق وقلت: (زملوني، زملوني)، فدثروني فنزلت قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدْثَرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.

وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول ﷺ الإسلام أولاً على ألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء جَمْعٌ عُرِفوا بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي ﷺ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة وابن عمه علي بن أبي طالب. وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول ﷺ، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. وهؤلاء هم أول من أسلم.

ومرت ثلاثة أعوام، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بها النبي ﷺ، إلا أنها عرفت لدى قريش، وفشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس، لكنهم لم يهتموا به كثيرًا حيث لم يتعرض رسول الله ﷺ لدينهم، ولم يتكلم في آلهتهم، ثم نزل قول الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقاً لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.

وبعد تأكد النبي ﷺ من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه، صعد النبي ﷺ ذات يوم على الصفا (جبل صغير قرب الكعبة)، ثم جعل ينادى قريشاً والقبائل في مكة فلما سمعوا قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش. فلما اجتمعوا قال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟).

قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا.

قال: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فقال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا).

ثم ذكرهم بأسمائهم حتى بلّغ ابنته فقال: يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، أنقذى نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً، ولا أغنى عنك من الله شيئاً.

وهكذا جهر الرسول ﷺ بالدعوة وبدأ بإعلانها على الملأ فزاد عدد المسلمين، وهنا بدأت قريش تعلن حربها للدين الجديد،

وكانت زِنِّيرَةُ أمَةً رومية قد أسلمت فعذبت في الله، وأصيبت في بصرها حتى عميت، فقيل لها: أصابتك اللات والعزى، فقالت: لا والله ما أصابتني، وهذا من الله، وإن شاء كشفه، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا بعض سحر محمد.

الفصل الثالث: الصِّراع في مكَّة

كانت امرأة أبي لهب، أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان لا تقل عن زوجها في عداوة النبي ﷺ فقد كانت تحمل الشوك، وتضعه في طريق النبي ﷺ وعلى بابه ليلًا، وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها، وتطيل عليه الافتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربًا شعواء على النبي ﷺ؛ ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب،

ومن باب الأخذ بالأسباب أمر الرسول الكريم ﷺ صحابته بالهجرة إلى الحبشة لوجود ملكٍ لا يُظلم عنده أحد،

فمع هذا التعذيب والتنكيل وبعد ست سنوات من البعثة يسلم اثنين من كبار رجالات قريش ومن أشدهم قوة ومنعة هما حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب،

ويروي لنا ابن عباس كيف كان إسلام عمر فتحاً فقال: سألت عمر بن الخطاب: لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ـ ثم قص عليه قصة إسلامه. وقال في آخره: قلت – أي حين أسلمت: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: (بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم)، قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فخرجنا في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله ﷺ(الفاروق) يومئذ،

واشتد الحصار، وقُطِع الطعام عن بني هاشم، فلم يكن المشركون يتركون طعامًا يدخل مكة ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يبكون من الجوع. ومر عامان أو ثلاثة أعوام والأمر على ذلك، وفي محرم سنة عشر من النبوة نقضت الصحيفة وفك الحصار.

ولم تنته الشدائد على الرسول الكريم ﷺ فقد حدث أمر أحزنه حزناً شديداً، ففي شهر رجب من السنة العاشرة للهجرة مرض أبو طالب، ثم لم يدم طويلاً فوافته المنية وتوفي، فحزن عليه الرسول ﷺ، ولم تمض ثلاثة أيام حتى توفيت خديجة زوج الرسول الكريم ﷺ ويزداد الحزن على الرسول العظيم ﷺ

وبعد موت أبي طالب زادت أذية قريش لرسولنا الكريم ﷺ وللرعيل الأول، حينها قرر الخروج من مكة والدعوة لعلها تجد قبولاً أكثر من قريش، وفي شوال سنة عشر من النبوة (٦١٩م) خرج النبي ﷺ إلى الطائف،

الفصل الرابع: الفرج والمخرج

نحن الآن في السنة العاشرة من البعثة (٦١٩م)، وعلى مقربة من شهر ذي الحج حيث يتوافد العرب إلى مكة للحج، فقد قرر الرسول ﷺ أن يعرض نفسه على الأفراد والقبائل، ويدعوهم إلى الإسلام،

ففي سنة ١١ من البعثة وفي موسم الحج عاد الرسول الكريم ﷺ يعرض نفسه على القبائل،

فخرج ليلة ومعه أبو بكر وعلى، فمر على عدة قبائل فلم تجب ثم مر رسول الله ﷺ، فسمع أصوات رجال يتكلمون فذهب حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب (المدينة المنورة) فلما لحقهم رسول الله ﷺ قال لهم: (من أنتم؟) قالوا: نفر من الخزرج، قال: (من موالي اليهود؟) أي حلفائهم، قالوا: نعم. قال: (أفلا تجلسون أكلمكم؟) قالوا: بلى، فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود (كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة، أن نبيًا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج)، فلا تسبقنكم اليهود إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا.

وفي موسم عام ١٢ من البعثة (٦٢١ م) التقى ١٢ رجلاً من المدينة بالرسول الكريم ﷺ وبايعوه عند العقبة وسميت بيعة العقبة الأولى، يرويها أحد الحاضرين وهو عبادة بن الصامت فيقول: أن رسول الله ﷺ قال: (تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وقّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه). قال: فبايعناه على ذلك.

وبعد تمام البيعة أرسل الرسول معهم إلى يثرب أول سفير في الإسلام ليعلمهم دينهم الجديد ويدعو بقية أهل يثرب. وكان صاحب هذا الشرف مصعب بن عمير ﷺ، فذهب معهم فأحسن التعليم وأجاد في الدعوة، وقبل حلول موسم الحج التالي. أي حج السنة الثالثة عشرة. عاد مصعب إلى مكة يحمل إلى رسول الله ﷺ بشائر النصر، ويقص عليه خبر إسلام أهل يثرب.

في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة (٦٢٢م) حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفساً من المسلمين من أهل يثرب يقول أحد فرسان بيعة العقبة الثانية:

خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ، نتسلل، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشَّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، وامرأتان من نسائنا، وحضر الرسول ﷺ ومعه عمه العباس فتكلم رسول الله ﷺ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبناءكم). فأخذ البراء بن مَعْرُور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع أُزْرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الخُلُقَة، ورثناها كابرًا عن كابر.

قال: فاعترض القول. والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التَّيَّهَان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها -يعنى اليهود – فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله إن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال: (بل الدَّمُ الدَّمُ، والهدْمُ الهُدْمُ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم).

وفعلاً بدأ المسلمون الهجرة إلى يثرب على شكل أفراد أو مجموعات صغيرة،

الخطر، وفي يوم الخميس ٢٦ من شهر صفر سنة ١٤ من البعثة، الموافق ١٢ من شهر سبتمبر سنة ٦٢٢م – أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى – عقد في (دار الندوة) أخطر اجتماع حيث توافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعاً على حامل لواء الدعوة الجديدة محمد ﷺ قبل أن يهاجر إلى يثرب وتزداد شوكته، وكان القرار التاريخي هو أن يأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جلداً، ثم يُعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يذهبوا إليه، فيضربوه بما ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلا يقدر قبيلته على حرب قومهم جميعًا، فيرضون بالفدية، ويعطوها.

وفي ليلة ٢٧ من شهر صفر سنة ١٤ من النبوة، الموافق ١٢/١٣ سبتمبر سنة ٦٢٢م، خرج الرسول ﷺ وجعل على فراشه علياً ومر بين الفتيان الذي أتوا لقتله وهو يقرأ قوله تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فهم لا يبصرون، واختار شخصاً خبيراً بالطرق ليدله على طريق مختلف إلى يثرب (المدينة المنورة).

وفي يوم الجمعة (١٢ ربيع الأول سنة ١ هـ/ الموافق ٢٧ سبتمبر سنة ٦٢٢م) دخل رسول الله ﷺ يثرب، وسميت المدينة المنورة.

الفصل الخامس: البناء والمُواجهة

دخل رسول الإسلام المدينة وأول خطوة خطاها رسول الله ﷺ بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول:

اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمهَاجِرَة

ولم يكن المسجد موضعاً لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، وميدان يلتقي فيه المسلمون لتذويب ما بينهم من أحقاد وخلافات، وزرع الحب والأخوة والترابط، ومقر لإدارة جميع شؤون الدولة الجديدة، ومع هذا كله كان دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون.

ثم كانت الخطوة الثانية التي لم تر البشرية مثلها ولم تعرف لها شبيه، ألا وهي خطوة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فقد آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخي بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة.، ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون ويكون أساس الولاء والبراء هو الدين.

أقرب الناس للمسلمين في المدينة هم ا اليهود وإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول الله ﷺ معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام.

على دورهم في مكة قرروا اغتيال الرسول ﷺ ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله ﷺ من مكائد قريش ما جعله يضع حراسة عليه حتى نزل قوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فقال ﷺ: (يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل).

لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فكان المسلمون يأتون للرسول ﷺ ويستأذنوه في قتال الكفار والمعتدين فيقول: لم يُأذن لي بعد حتى أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم، قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

فاختار الرسول الكريم ﷺ أن يعترض قوافل قريش في الطريق والاستيلاء، عليها نظراً للظلم الذي تعرض له الصحابة الكرام، ونحب قريش لأموالهم لرد جزءٍ من تلك الأموال.

في صفر سنة ٢ هـ، الموافق أغسطس سنة ٦٢٣م، خرج رسول الله ﷺ بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش، فكانت هذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ.

الفصل السادس: الغزوات النبوية

علم الرسول الكريم ﷺ بخروج قافلة كبيرة لقريش بقيادة أبي سفيان، تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها: ألف بعير مملوءة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي. ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلا، فقال لصحابته: ” هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها”. أي تصيبوا منها.

علم أبو سفيان بخروج النبي ﷺ فغير طريق القافلة فنجت، وأخبر قريشاً بذلك وحثهم على العودة ولكنهم رفضوا وأصروا على القتال والقضاء على الرسول الكريم ﷺ، وهنا وقف الرسول الكريم ليستشير صحابته في القتال حيث أنعم خرجوا للقافلة وليس لمقاتلة جيشٍ كبير، فأجمعوا على القتال والجهاد في سبيل الله عندها انطلق الجيش الإسلامي للمواجهة.

وكان ذلك ليلة الجمعة، السابع عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وفي صباح ذلك اليوم بدأت المعركة الأولى بين المسلمين وكفار قريش وأوحى الله إلى ملائكته: أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواً الَّذِينَ آمَنُواْ سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ، وأوحى إلى رسوله: أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائكَةِ مُرْدِفِينَ، أي إنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضًا أرسالاً، لا يأتون دفعة واحدة. ونصر الله المؤمنين نصرًا عظيما.

حاول بعض فئات اليهود التعرض للمسلمين والنيل منهم والتحرش بنسائهم (أي إنهم نقضوا العهد) فما كان من الرسول الكريم إلا أن حاصرهم ثم أبعد بعضهم عن المدينة.

ثم تتابعت الغزوات والحروب بين الرسول الكريم وقريش، فجاءت غزوة أحد في شوال من سنة ٣هـ وانكسر فيها المسلمون واستشهد منهم ٧٠ رجلاً منهم حمزة عم الرسول الكريم ﷺ،

واستمر الحال على ذلك حتى سنة ٥ هـ، حيث خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة، يحرضونهم على غزو الرسول ﷺ، ويوالونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان (قبيلة كثيرة العدد) ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب، وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي ﷺ والمسلمين، فقد قدم المدينة لغزوها حوالي عشرة آلاف مقاتل من مختلف المناطق وكان قائدهم أبي سفيان. ولما علم الرسول ﷺ بذلك سارع إلى التشاور مع أصحابه في خطة الدفاع عن المدينة، فقال سلمان الفارسي ﷺ: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا (حفرة كبيرة) حول مساكننا. وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك.

وفي هذه الأثناء نقض من بقي من اليهود العهد مع الرسول ﷺ، فاشتد الأمر على أهل المدينة حتى وصف الله هذا الموقف في كتابه بقوله: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، وكان الرسول ﷺ وصحابته يكثرون من دعاء الله وطلب النصرة منه، فأجاب الله دعاءهم ونصرهم، ففرق شمل أعدائهم وأرسل عليهم ريحاً شديدة باردة فرَّقتهم واقتلعت خيامهم، فقرروا الانسحاب والعودة إلى الديار وترك المدينة.

وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله إلى المدينة من تلك الغزوة، جاءه جبريل فأمره بالخروج إلى اليهود الذين نقضوا العهد أثناء غزوة الأحزاب، فتحرك الرسول الكريم ﷺ ومعه صحابته نحو آخر مجموعة من اليهود في المدينة المتحصنين في ديارهم، فحاصرهم حتى استسلموا ونزلوا على حكم الرسول ﷺ. لقد كانت غزوة الأحزاب هي آخر غزوة تغزوها قريش ضد الرسول الكريم ﷺ.

رأى رسول الله ﷺ في المنام وهو بالمدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلَّق بعضهم وقصَّر بعضهم،

وفي يوم الاثنين ١ من شهر ١١ من السنة ٦هـ خرج الرسول ﷺ من المدينة متوجهاً إلى مكة لأداء العمرة ومعه ١٥٠٠ من صحابته بلا سلاح إلا سلاح المسافر. وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كان في مكان يسمى الحديبية،

فحزن المسلمون لذلك الصلح حيث أنعم لن يعتمروا، كما أن فيه إشارة ضعف وخاصة البند الأخير، لكن الرسول ﷺ المؤيد بالوحي طمأنهم وقال لمن حاوره: (إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً). وفي طريق عودة المسلمين إلى المدينة نزل قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا

الفصل السابع: النهاية

خروج اليهود من المدينة لم يكن يعني خروجهم من الجزيرة، فهم لا يزالون في منطقة خيبر المحصنة والتي تبعد عن المدينة حوالي ١٠٠ كم وكانت منطلقاً لتخطيط اليهود وتدبير مكائدهم ضد المسلمين، فقرر الرسول الكريم ﷺ أن يغزو خيبر ويفتحها، فتجهز وأخبر أصحابه بذلك فخرجوا جميعاً في بداية العام السابع من الهجرة.

وبعد أكثر من شهر فتح الله على رسوله ﷺ خيبر وحصل منها على غنائم كثيرة ووفيرة، وخرج اليهود بعدها من جزيرة العرب بشكل نهائي.

جاءت سنة ٨ من الهجرة وفيها حدث أمر عظيم:

فلقد كان الصلح بين الرسول وقريش يقتضي ألا يعين أي من الطرفين على حرب المحالفين للطرف الآخر، لكن قريشاً نقضت العهد وأعانت بعض العرب على المحالفين للرسول الكريم ﷺ، ووصل الخبر إلى الرسول فتجهز وأعد الجيش للزحف على مكة ومباغتة أهلها، ولما كان الجيش الإسلامي على مشارف مكة علمت قريشاً بالأمر وأيقنت أنه لا قِبَل لها بمقاتلة الجيش الإسلامي فأعلنت استسلامها.

وفي يوم ١٧ رمضان عام ٨ من الهجرة دخل رسول الله ﷺ مكة، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: جَاء الْحَقُّ وَرَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهْوُقًا، قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ، والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم صلى بالكعبة وخاطب قريشاً قائلاً: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: (فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: “لاَ تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمْ” اذهبوا فأنتم الطلقاء)،

ومع الانتصار النبوي على قريش بدأت وفود القبائل في الجزيرة العربية تأتي إلى المدينة وتعلن إسلامها أمام الرسول الكريم حتى سمي عام ٩ هـ بعام الوفود وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وتضاعف عدد المسلمين حتى أن الجيش الإسلامي الذي كان قوامه عشرة آلاف مقاتل في غزوة الفتح (٨ هـ) يصبح أكثر من مئة ألف في حجة الوداع (١٠ هـ).

وفي شهر ذو القعدة من عام ١٠هـ خرج الموكب الكريم متوجهاً إلى مكة لأداء مناسك الحج اقتداءً بالرسول الكريم ﷺ، ووصل إلى مكة وفي يوم عرفة (٩ ذي الحجة) خطب الرسول الكريم خطبته العظيمة ومما جاء فيها: “أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا،

وبعد أن فرغ النبي ﷺ من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا.

في شهر صفر سنة ١١هـ – وكان يوم الاثنين – شهد رسول الله ﷺ جنازة في البقيع، فلما رجع، وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، وارتفعت حرارته،

وجاء اليوم الأخير فبينما المسلمون في صلاة الفجر ليوم الاثنين – وأبو بكر يصلي بهم – كشف الرسول ﷺ ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، ولما ارتفع الضحى، دعا النبي ﷺ فاطمة فسَارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها، فسارها بشيء فضحكت، قالت عائشة: فسألنا عن ذلك – أي فيما بعد – فقالت: سارنيَّ النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت.

وبدأ الاحتصار بسيد البشر، فجعل يُدخِل يديه في الماء فيمسح به وجهه، يقول: “لا إله إلا الله، إن للموت سكرات”، حتى رفع يده أو أصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى. اللهم، الرفيق الأعلى).

كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. إننا لله وإنا إليه راجعون.

وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١هـ، وقد تم له ﷺ ثلاث وستون عاماً وزادت أربعة أيام.

اسأل الله أن يحشرنا في زمرته وأن يرزقنا شفاعته وإتباع سنته،

الباب الرابع: دستور الإسلام

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

1. إنه كتاب منزل من عند الله: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ

2. أنه مبارك: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ، فهو مبارك أي كثير البركة والخير في كل وجه.

٣. أنه محفوظ بحفظ الله له كما ذكرنا سابقاً، وهذا يعني سلامة المنهج على مدار التاريخ البشري، إنه الحفظ الرباني للقرآن الكريم كما قال تعالى عنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، فهو الدستور الدائم والمنهج الخالد للبشرية أجمعين، لذا تكفل الله بحفظه فلا لا تحريف ولا تبديل ولا تغيير ولا باطل: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ

وقال تعالى: قُلْ لئنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا

وقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

القرآن الكريم هو: كلام الله العظيم وصراطه المستقيم، وهو أساس رسالة التوحيد، وحجة الرسول ﷺ الدامغة وآيته الكبرى، وهو المصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، وهو الرحمة المهداة للناس، والنور المبين للأمة،

وتلاوة كتاب الله من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وهو التجارة الرابحة التي لن تبور قال تعالى: إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور، كما أن في قراءته الأجر الكبير فقد قال ﷺ: “من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: “ألم” حرف، ولكن “ألف” حرف، و”لام” حرف، و”ميم” حرف“، وأشار ﷺ إلى منزلة من يكون ماهرًا في القرآن بقوله: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” والسفرة الكرام البررة هم الملائكة الكرام، وإليك بشرى نبوية أخرى: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها) فكلما كانت القراءة في الدنيا أكثر كانت المنزلة في الجنة أعلى، فالحمد لله

ثم إنَّ هُناك درجة أعلى من القراءة فقط ألا وهي تعلمه، فقد قال ﷺ: “تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شافعاً لأصحابه“، ومن شفع له القرآن فلابد أن يكون من الناجين،

قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) فإن أخير هذه الأمة هو كما قال المصطفى ﷺ: “خيركم مَن تَعلمَ القرآن وعلَّمه” فحصل من الآية والحديث أن أخير الناس أجمعين هو مَن تَعلم القرآن وعلَّمه، لذا جاء الحث على الاجتماع لتعلم القرآن ففي الحديث عن الحبيب ﷺ: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده“.

لقد أشار الله في كتابه أنه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر فقال: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ

التحذير والنهي عن الإعراض عن التدبر في القرآن الكريم قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

الفصل الأول: الإعجاز العلمي في القرآن

ووجوه الإعجاز في القرآن الكريم كثيرة وغير محصورة، ومن وجوه الإعجاز والتي ظهرت في الفترة الأخيرة: الإعجاز العلمي.

قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْأَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

الفصل الثاني: تفسير أعظم سورة

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) الفاتحة

السورة الوحيدة التي يجب قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة ولا تصح الصلاة بغيرها لقول الرسول ﷺ: “من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج” وأم القرآن هي الفاتحة وخداج يعني ناقصة.

العبادة هي التي من أجلها خلقنا الله وأوجدنا في هذه الحياة الدنيا، العبادة بمعناها الواسع الذي يشمل الصلاة والصيام.. كما يشمل المعاملات مع الناس، والأخلاق الحسنة كما يشمل المعاملات الاقتصادية، فالعبادة تشمل الحياة كلها، وما أجمل أن يكون ذلك كله لله وحده، ولما كان هذا صعب على النفس أمرنا الله أن نطلب العون منه وحده لتحقيق ذلك الهدف النبيل فهو القادر على إعانتك على تحقيق العبادة له.

الفصل الثالث: تفسير أفضل آية وأقصر سورة

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ البقرة: ٢٥٥

١ / أنها أعظم آية في القرآن كما أخبر بذلك الرسول ﷺ.

٢ / أنها تحفظ العبد الذي يقرأها حين يذهب إلى فراشه للنوم الليل كله حتى يصبح كما أخبر بذلك الرسول ﷺ.

٣ / قال الرسول ﷺ: “من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة فلا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت

تفسیر أقصر سورة

أما أقصر سورة في القرآن الكريم فهي سورة الكوثر، قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.

والكوثر هو: الخير الكثير ومن الخير الكثير ما يعطيه الله لرسوله ﷺ يوم القيامة نمر يقال له (الكوثر) طوله شهر، وعرضه شهر، ماءه أشد بياضاً من اللبن، وطعمه أحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من يشرب منه لا يظمأ بعده أبدا نسأل الله أن يرزقنا ذلك.

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر“: هكذا تكون مقابلة النعم بالعمل الصالح مثل (الصلاة) و (الذبح) وأن تكون لله لا لغيره لأنه هو صاحب الفضل والنعم.

إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ“: أي أن مَن أبغضك ودُمَّك وانتقص منك هو الأبتر أي المقطوع من كل خير، مقطوع العمل ومقطوع الذكر الحسن. وأما محمد فهو المستمر ذكره، والمستمر أجر عمله، والمستمر أثره حتى تقوم الساعة.

الفصل الرابع: تفسير سورتي العصر والإخلاص

سنتحدث عن سورة كلماتها قليلة لكنها تحمل معاني عظيمة لا يستغني عنها كل إنسان،

وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) العصر

يقسم الله بالزمان الذي يعيش فيه الإنسان ويحقق فيه ما يريد وبه يحصل على السعادة أو العكس، وحينما يقسم الله بشيء فهذا إشارة على أهمية ما سيذكر بعده.

وأما السورة الثانية التي سنتحدث عنها فهي سورة تعدل ثلث القرآن إنما سورة الإخلاص:

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)

ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال (قل هو الله أحد تعدل ثُلث القران) وقال أيضاً: من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة.

الفصل الخامس: تفسير المعوذات

سورة الفلق: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)

عن عقبه بن عامر رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرا بالمعوذات في دبر كل صلاة.

الفلق هو الصبح الذي يأتي بعد ليل مظلم وأمس.

وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ” وهو الليل إذا أقبل.

وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ” وهي السواحر التي تنفث بكلمات غريبة وعجيبة ويعقدن عقداً للوصول إلى مطلبهم.

سورة الناس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَٰهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)

القسم الأول: “قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس”

يبين الاستعاذة بالرب سبحانه، الرب الراعي والحامي لعباده، والملك الحاكم المتصرف في ملكه. وكل ما سوى الله مملوك له. والإله هو المستعلي المسير للأمور كما يشاء.

القسم الثاني: “من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس”

يبين المستعاذ منه، أو عدوك الذي يريد منك معصية (الرب) و(الملك) و(الإله) وهنا يبين لنا الله صفة هذا العدو (الوسواس الخناس) الوسواس هو الصوت الخفي، والخناس هو الاختفاء والتراجع، فهو كما قال الرسول ﷺ: “الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا غفل وسوس

اسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا وأن يرزقنا تلاوته في الليل والنهار على الوجه الذي يرضيهِ عنا.

الباب الخامس: من أخلاق الإسلام

إن لمكارم الأخلاق وحسن الخلق شأن عظيم في الإسلام؛ ذلك أن الخُلُق يعتبر التطبيق العملي لما يحمله العبد من مبادئ ونظريات وقناعات، فعلى مقدار إيمان العبد تكون أخلاقه وعلى مقدار يقينه تكون سلوكياته،

ولنبدأ بتلك الآيات البينات من كلام رب الأرض والسموات: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧).

هل لاحظت تكرار القسم بعدة مخلوقات؟

فَالْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” ذلك هو المقسوم عليه!

إنما طبيعة النفس البشرية. فالله قد بين أن لديها قابلية لسلوك الطريقين: طريق (فُجُورَهَا) وطريق (تَقْوَاهَا). وليس لأحد أن يقول: أنه لا يستطيع السير على الطريق الصحيح لأن النفس لديها القدرة على الانحراف عن صراط الله المستقيم ولديها القدرة أيضاً على سلوك الطريق المستقيم.

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زُكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا

فالقاعدة الربانية تقول: من زكى نفسه أفلح، ومن دسَّ نفسه أي أهملها وخذها فقد خاب وخسر.

وسائل التزكية وهي بالعموم تعتمد على أمرين اثنين:

١ / فعل الطاعات تقرباً على الله.

٢ / تجنب المنكرات خوفاً من عقاب الله.

وفي الختام ندعو بما كان يدعو به الرسول الكريم ﷺ: اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهِرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللّهُمّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَّكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.

الفصل الأول: الصبر

الصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، ومن باب أولى ضبط النفس عن التصرفات العملية من ضرب ومشاجرة وغيرها، وقد ورد في فضل الصبر والصابرين نصوص كثيرة منها:

العبد الصابر في معية الله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

الصابرون يحبهم الله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ

أجر الصابرين بلا حساب قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ

الفصل الثاني: التوبة

قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

وقال تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَّامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالحِاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

يمكن أن نقول أن التوبة مطلوبة من عدة أمور:

الذنوب والمعاصي بمختلف أشكالها وأنواعها وصغيرها وكبيرها، ومن أنواع المعاصي ثلاثة:

معاصي قلبية مثل الكبر والحسد و …

ومعاصي اللسان مثل الكذب والغيبة و …

ومعاصي الجوارح الأخرى غير اللسان مثل النظر المحرم والسماع المحرم و …

قال النبيُّ ﷺ: “ألا أُعلِّمُك شيئًا إذا قُلتَه برئتَ من قليلِه وكثيرِه قال قُلِ اللهمَّ إني أعوذُ بك أنْ أُشركَ وأنا أعلم، وأستغفرُك مِمَّا لا أعلمُ” صحيح الجامع الصغير ٣٧٣١.

من المعروف أن شروط التوبة أربعة:

رد الحقوق إلى أصحابها إذا كان الذنب يتعلق بآدمي، أو التحلل منه.

الإقلاع عن الذنب.

الندم على فعل الذنب.

العزم على عدم العودة.

وهناك طرق كثيرة لصناعة الإرادة منها:

تذكر فوائد وحسنات التوبة ونتائجها الجميلة وقد ذكرنا شيئاً من ذلك.

استعراض نتائج الاستمرار في المعصية

فطريق التوبة مستمر حتى آخر العمر ومعركتك مع الشيطان حتى آخر نفس في هذه الحياة،

وإياك ثُم إياك أن تُعطي فرصة للشيطان ليُدخل اليأس إلى قلبك وأعلم أن الاستسلام هو بداية الهزيمة،

وآخر البشارات قوله ﷺ: فيما يحكي عن ربّه عزّ وجلّ قال: “أذنب عبدٌ ذنبًا”. فقال: “اللهمّ! اغفِرْ لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أنّ له ربًّا يغفر الذنبَ، ويأخذ بالذنبِ. ثم عاد فأذنب. فقال: أي ربّ! اغفرْ لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا. فعلم أنّ له ربًّا يغفرُ الذنبَ، ويأخذُ بالذنبِ. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربّ! اغفرْ لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنبَ عبدي ذنبًا. فعلم أنّ له ربًّا يغفرُ الذنبَ، ويأخذ بالذنبِ. اعملْ ما شئت فقد غفرتُ لك.” مسلم ٢٧٥٨.

الفصل الثالث: الصِّدق

بيان ثواب الصادقين كما قال تعالى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

ويتحدث الرسول الكريم ﷺ عن تلك الصفة ويبين أنها الطريق الموصل إلى البر والذي يهدي إلى الجنة حيث قال: “عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ (أي يبالغ فيه ويجتهد) حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.

وزيادة في التنفير قوله ﷺ: “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان

وإن من أعظم صور الصدق: الصدق في العهد والوعد، فالصدق في الوعد وفي العهد من فضائل الأخلاق التي يتحلى بها المؤمنون كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وقال تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

الفصل الرابع: مُراقبة الله

إن ثمة رابط مهم بين هؤلاء الثلاثة ألا وهو “مراقبة الله“، فكل واحد منهم راقب الله وفكر في عمله فالأول راقب الله في والديه، والثاني تذكر مراقبة الله بسب كلمة قالتها المرأة، والثالث راقب الله في أجرة العامل مع أنه عمل به وزاد المال إلا انه أعطاه كل المال ولم يأخذ منه شيء.

حديث رسول الله ﷺ قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد لله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك.

ومما يذكر في السيرة أن ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ وقال الثاني: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم. فانزل الله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ، نعم والله “بلى” وليس سماع فقط بل أضاف “وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ” فمع السماع الكتابة تمهيداً للمحاسبة والجزاء يوم القيامة.

وإليك أخي العزيز هذه الآية العظيمة: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ

ومن عدله أن جعل على العبد شهوداً يوم القيامة وهي:

1. الأرض: قرأ رسول الإسلام ﷺ هذه الآية: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا قال: “أتدرون ما أخبارها؟“. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: “فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عَمِل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها“.

2. الملائكة الكرام.

3. الجوارح: واستمع لذلك الموقف الذي أضحك النبي الكريم ﷺ فعن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: “أتدرون مم أضحك؟” قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: “من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تحرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: لا أجيز عليّ إلا شاهدًا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حَسِيبًا، وبالكرام الكاتبين شهوداً. فيختم على فيه، ويُقال لأركانه: انطقي. فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لَكُنْ وسُحقًا، فعنكنّ كنتُ أناضل“.

4. الله: فقد جاء في دستور الإسلام: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ

الفصل الخامس: التَّوكُّل على الله

ويذكر العلماء أن جامع هذه الصفات الأربع هو الصفة الأخيرة: ” التوكِل على الله “، لأن من لا يسأل أحداً الكي فهو متعلق بالله، ومن لا يطلب من الناس الرقية فهو يطلب من رب الناس، ومن لا يتشاءم (وهو أمر قلبي) فقلبه متفائل لتوكله واعتماده على الله، فكان جامع تلك الصفات هو التوكِل على الله.

لذا كانت منزلة التوكِل منزلة عظيمة فقد أمر الله بما في كتابه يقول الله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ والتَّوكُّل على الله هو: الاعتماد على الله عز وجل مع الأخذ بالأسباب.

حديث النبي ﷺ الذي رواه عمر ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً“. فهي تغدو وتذهب في أول النهار تطلب الرزق تاركة أوكارها وهذا فعل السبب،

فلابد من بذل الأسباب (رمي الحبة) وهو الأمر المقدور ثم تسليم غير المقدور إلى القادر سبحانه.

والإصرار، نحو العمل. وعلى هذا سار الرسل والأنبياء الكرام، فهذا نبي الله هو ﷺ يقول: “إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ” وهذا موسى ﷺ يقول: “يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ” وغيرهم.

قال تعالى: “وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ“. أي من يحقق التوكل بمعناه الصحيح فإن الله حسبه أي كافيه كل أموره الدينية والدنيوية، ومن كان الله كافيه كيف ستكون حياته؟

الباب السادس: البناء الاقتصادي في الإسلام

العالم اليوم أصبح جزيرة أغنياء تحيط بها بحار من الفقراء“. هكذا قال أحد خبراء الاقتصاد العالميين، وهذا الكلام ليس مبالغًا فيه إذا علمنا أنه يعيش فوق كوكب الأرض. مليار من البشر يبلغ عدد سكان الدول النامية منها ٤،٣ ملياراً، يعيش منها ما يقارب ٣ مليارات تحت خط الفقر وهو دولاران فقط في اليوم، ومن بين هؤلاء هنالك ١،٢ مليار يحصلون على أقل من دولار واحد يوميًا. أي بنسبة ٢١٪ من سكان العالم وفق إحصاءات البنك الدولي: أي ربع سكان العالم، وأن هناك أكثر من ١٠ ملايين طفل يموتون سنويًا بسبب الفقر.

لقد قدم الإسلام للبشرية نموذجاً رائعاً، وهذا النموذج يعتمد على عدة ثوابت منها:

الدعوة إلى العمل (مهما كان) وبيان أن العمل شرف،

قال رسول الإسلام ﷺ: “اليد العليا خير من اليد السفلى

الإرشاد إلى الأكل من عمل اليد وأنه من أفضل الطعام فقد قال رسول الإسلام ﷺ: “ما أكل أحداً طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده

توضيح أن العمل مارسه أفضل الخلق وهم الرسل والأنبياء،

النهى عن المسألة وذمها والوعيد الشديد لمن يمارسها فقد قال رسول الإسلام ﷺ: “لأَنْ يحطب أحدكم على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه” وقال أيضاً: ” من سأل الناس أموالهم تَكثُّراً فإنما يسأل جمراً، فليستقلَّ، أو ليستكثر“.

تحريم الغش والكذب والخداع والغصب والسلب والسرقة والنصب والمقامرة والربا في المعاملات عموماً،

والإسلام يعترف بالتفاوت المالي بين الناس فمن المستحيل أن يكون الجميع بنفس المستوى من المعيشة، لذا شرع مبدأ التكافل الاجتماعي المالي

1. إيجاب الزكاة على الأغنياء وجعلها من أركان الإسلام

٢. الدعوة إلى الإنفاق والتصدق

٣. الحث على الإنفاق على فئات معينة معرضة للفقر مثل الأيتام والمساكين والأرامل،

الباب السابع: البناء الاجتماعي في الإسلام

ولا أظن أننا نبالغ حينما نقول إن من أهم الأسباب في هذا التخبط الاجتماعي للعالم هو فقدان المنهج الصحيح والذي يحقق للإنسان الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي،

فمن مستلزمات الرسالة الحق والدين الحق أن يُرشد العبد ويُبين له كيف يكون: “البناء الاجتماعي السعيد” الملتزم بقواعد الفضيلة والمبتعد عن الرذيلة.

الفصل الأول: دائرة الأسرة السَّعيدة

الزواج ضرورة اجتماعية لبناء الحياة، وتكوين الأسر والبيوت، وتنظيم أقوى العلاقات، واستقامة الحال، وهدوء البال، وراحة الضمير.

يبدأ الزواج بالاختيار وغالباً يكون الرجل هو الطرف الأول في بداية الاختيار، لذا فقد حث رسولنا الزوج بحسن الاختيار فقال: “تنكح المرأة لأربع: لملها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين

حث الوالدين على الرعاية والاهتمام بالأبناء، وحسن التربية. وفي المقابل فقد أوجب الإسلام على الأبناء حقوقاً للوالدين، وبين أن حق الوالدين كبير فمن ذلك: الإحسان إليهما قولاً وفعلاً بالمال والبدن، وامتثال أمرهما في غير معصية الله،

قرن الله الإحسان إليهما مع الأمر بعبادته قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أَفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا

إن لبر الوالدين منزلة عظيمة وثمار جليلة ليس في الآخرة فقط بل حتى في الدنيا، فهي تزيد في الرزق وتبارك في العمر والعمل،

الفصل الثاني: المُجتمع

جاء رجل إلى رسول الإسلام ﷺ فقال: يا رسول الله إن فلانة فذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال ﷺ: هي في النار. قال: يا رسول الله فإن فلانة فذكر من قلة صيامها وصلاتها لكنها لا تؤذي جيرانها. قال ﷺ: هي في الجنة.

ألزم المسلم بحقوق لأخيه تسهم في زيادة الترابط والتآخي والمحبة، وتجعله يشارك أخاه في أفراحه وأحزانه وهمومه ومشاكله، فمن تلك الحقوق: السلام وهي التحية التي تعبر عن الحب والقبول، وكذلك تبادل الزيارات وخاصة في المناسبات سواء كان حزينة مثل حين يكون أحدهما مريض فمن المعروف أن المريض يحتاج إلى من يتحدث معه ويرفع معنوياته ويواسيه ويشد من أزره،

وباكتمال تلك الدوائر الأربعة (الأسرة والأقارب، الجيران، المجتمع القريب، المجتمع الكبير) تكون صورة المجتمع الحقيقي السعيد الملتزم بالمنهج الرباني يكون بناء المجتمع في الإسلام قد تمت.

ومن أجل حماية هذا المجتمع من العابثين، فقد شرع الإسلام العقوبات والحدود التي تكفل حرية الإنسان وتضمن له دينه ونفسه وماله وعقله وكل ضرورياته، وتعاقب كل من يعتدِ على ذلك،

إن ما ذكرناه ليس صورة مثالية ولا حلم يراود المصلحين العقلاء من العالمين، لكنها حقيقة قابلة للتطبيق بل طبقها المسلمون في فترة من الزمن وكانت نتائجها تذهل المنصفين من والباحثين،

الباب الثامن: من المنهيات في الإسلام

الإسلام دين للناس كافة، لذا كان في الإسلام ترغيب وترهيب، فهو قد رغَّب وحثَّ على الكثير من الأعمال ورتب عليها الأجور العظيمة، وفي المقابل حذر من بعض الأعمال والسلوكيات ورتب عليها العقوبات.

الفصل الأول: الظُّلم

أي ظلم المرأة لسعيد ﷺ، كيف لا وقد قال الرسول الكريم ﷺ: “ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزقي لأنصرنك ولو بعد حين.”

أما الظلم فهو: تجاوز الحد والتعدي على حقوق الغير بغير وجه حق.

في الوضوء، فمن زاد عن غسل أعضاءه ثلاث مرات قال عنه الرسول الكريم ﷺ: “فقد تعدى وأساء وظلم” ومن باب أولى الأمور الأخرى في حياتنا اليومية.

قال ﷺ: “من اقتطع حق أمرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرّم عليه الجنة“. فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: “وإن كان قضيباً من أراك“. وقضيب الأراك هو عود من نبات يسمى الأراك يستخدم في السواك.

وأما أنواع الظلم، فقد بين العلماء رحمهم الله أن الظلم على ثلاثة أنواع:

١ / ظلم الإنسان بينه وبين الله، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق.

٢ / ظلم الإنسان بينه وبين الناس.

3 / ظلم العبد لنفسه بعمل المعاصي والتقصير في الطاعات.

ونظراً لخطورة الظلم وعواقبه المشينة فقد ذُكر في القرآن الكريم في أكثر من ١٩٠ موضعاً وفي أكثر من ١٠٠ من الأحاديث النبوية الشريفة وبطرق متنوعة ومختلفة.

في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا“.

قال الرسول الكريم ﷺ: ” من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه “.

قال رسول الله ﷺ: “أتدرون من المفلس؟!” قالوا المفلس من لا درهم له ولا متاع. قال: “المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، فيأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثم طُرِح في النار.”

الحديث عن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة

عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: “لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء“.

الفصل الثاني: أم الخبائث

الخمر: كل ما خامر العقل (امتزج معه) وغطاه على سبيل اللذة والطرب. فهي تغطي العقل فيصبح الإنسان تقريباً بلا عقل أي أنه لا يتصرف بعقل.

أما حكم شرب الخمر، فهو حرام بإجماع المسلمين قديماً وحديثاً سلفاً وخلفاً بل هو من كبائر الذنوب،

يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْحَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْحَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ

عن أنس رضي الله عنه قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمرة عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له.

أول الآثار السلبية وأخطرها على المسلم هو الأثر الإيماني فهو معصية بل من كبائر المعاصي، والمعصية تضعف الإيمان بل قد تذهبه مؤقتاً كما قال ﷺ: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن“.

أما آثاره السلبية على الجسد فهي كثيرة بل وعلى كل جزء من أجزاء الجسد،

الفصل الثالث: السِّحر والشَّعوذة

السحر في اللغة: ما خفي سببه لعموم الناس. فيعتبرونه أمراً خارقاً للعادة.

أمّا شرعاً فإنّه ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: عُقَد ورُقى أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين ليسلطهم على المسحور ويلحقون الضرر به.

القسم الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله.

فالأول: شرك وكفر، وعمل يعتبر كفراً يخرج من ملة الإسلام، … وأما القسم الثاني فهو عدوانٌ وفسق.

الإسلام عدّ السحر من الجرائم الكبيرة فقد قال رسول الله ﷺ: “اجتنبوا السبع الموبقات” قالوا: وما هنَّ يا رسول الله ﷺ؟ قال: “الشرك بالله والسحر …”

وحديث خطير أيضاً يقول فيه الرسول الكريم ﷺ: “من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد“.

وحتى لا تختلط الأمور فلابد من بيان الفرق بين السحر والمعجزة النبوية من عدة وجوه:

أولاً: السحر يُتعلّم من السحرة والشياطين، أمّا المعجزة فهي هبة ومنحة من الله لأنبيائه ورسله

ثانياً: إنّ السحر يظهر على يد الكافر والفاسق الفاجر والمعجزة تظهر على يد الأنبياء والأنبياء أفضل النّاس خُلُقًا وصدقا وأدبا وأمانة وإشفاقاً ورفقا وبعداً عن الدناءات والكذب والتمويه،

ثالثاً: المعجزة على حقيقتها وباطنها كظاهرها وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها ولا يستطيع الآخرين مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ولو أجهدوا أنفسهم، ومخاريق السحرة وتخيلاتهم إنَّما هي نوع من الحيلة لإظهار أمور وإيهام النَّاس.

رابعاً: أنَّ المعجزة لا يمكن إبطالها أمَّا السحر فيمكن إبطاله بساحر مثله أو أعلم منه، وإمَّا أن يبطله أهل التقى والإيمان بما أعطاهم الله من اليقين وبما يتلونه من آيات الكتاب، والأدعية والأذكار.

وعلاج السَّحر والوقاية منه يكون بالطرق المشروعة،

في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث.

قال ﷺ: إنَّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة

وفي حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيِّ من أوَّلها حتى تختم: “الله لا إله إلاّ هو الحيُّ القيوم”. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربكَ شيطان حتى تُصبحَ، فقال النبيُّ ﷺ: “أما إنّه قد صدقكَ وهو كذوب أتعلَمُ من تُخاطِبُ منذُ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هريرة؟” قال: لا، قال: “ذاكَ شيطانٌ“.

قول: “لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير“، في اليوم مئة مرة، ففي الحديث أنّ رسول الله ﷺ بيَّن أنها حرزٌ من الشيطان.

الباب التاسع: المصير المحتوم

الفصل الأول: بداية النِّهاية

تبدأ تلك الرحلة بنهاية علامات الساعة حينها يأذن الله بالنفخ في الصور، والصور عرَّفه رسول ﷺ الإسلام فقد جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما الصور؟! فقال: “قرن نفخ فيه” وصاحب هذا القرن هو إسرافيل. وقد حدد لنا المصطفى ﷺ اليوم الذي يأمر الله فيه إسرافيل بالنفخ في الصور، وقال ﷺ: “خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة”. فيأمر الله جل وعلا إسرافيل بالنفخ في يوم جمعة،

بعد هذه النفخة يحدث انقلاب هائل في الكون عامة، فتُكوَّر الشمس (الشمس التي تمدنا الآن بالضوء والدفء والحرارة) قال تعالى: “إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ“، أي أظلمت وذهب ضوئها، والنجوم تتناثر ويذهب بريقها، والجبال العظيمة تدك فتصبح قطع صغيرة متناثرة وتتحول البحار إلى نار مشتعلة،

ثم يموت الناس الملوك والضعفاء، والأغنياء والفقراء، والصالحون، والمفسدون، الذكور والإناث الصغير والكبير وحتى الملائكة الكرام جبريل وإسرافيل وملك الموت. فالكل يموت ولا يبقى إلى الواحد الحي الذي لا يموت سبحانه فيطوي السموات والأرض، بيمينه ويهتف بصوته جل جلاله ويقول أنا الملك،

وبعد مدةٍ الله أعلم بما يأذن الله ببعث الخلق من جديد (إحيائهم بعد موتهم) فينزل من السماء ماءً فتنبت به الأجسام في القبور تحت باطن الأرض فيكتمل خلق كل إنسان من لدن آدم إلى يوم القيامة في قبورهم وحينئذ يأمر إسرافيل بعد ما يحييه أن يلتقم الصور وينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح.. أرواح المؤمنين لها نور وأرواح المشركين لها ظلمة! فتسرى الأرواح إلى الأجساد التي اكتملت كما يسرى السم في اللديغ، وحينئذ يأمر الله جل وعلا الأرض أن تتزلزل وأن تتشقق ليخرج منها الناس من آدم عليه السلام إلى آخر رجل قامت عليه القيامة.

والجنوب والغرب والشرق، تتشقق تلكم القبور ويخرج الناس حفاة (بلا نعال) عراة (بلا ملابس) من هنا وهنالك، شاخصي الأبصار إلى اتجاه واحد لا يلتفتون يميناً ولا يساراً إلى هذا الداعي الملك الكريم الذي جاء بأمر رب العالمين ليقود الناس جميعاً إلى أرض جديدة منبسطة لم يطأها أحد من قبل بقدميه ألا وهي أرض المحشر.

عراة الرجال والنساء حتى أن عائشة (زوج رسولنا ) تستغرب ذلك، فقالت: يا رسول الله الرجال والنساء ينظروا بعضهم إلى بعض قال: “يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك

فإذا وصل الناس إلى أرض المحشر ازداد الهم والكرب والغم ولم لا؟! وقد وقفوا قياماً طويلاً.. طويلاً! وتدنوا الشمس من الخلق

في هذا الموقف ينادى الحق جل جلاله على أناس ليظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله – نسأل الله أن نكون منهم – أتدري من هم؟ استمع إلى رسولك ﷺ حيث قال: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” فهلا حرص كل منا أن يكون من أولئك.

في هذا الكرب ينطلق بعض الناس ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟!! ألا ترون ما قد بلغنا؟!! ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ليقضى بينكم؟!!

فلا يتقدم للشفاعة يومئذ إلا صاحبها. سيد ولد آدم محمد بن عبد الله ﷺ

وأول ما يحاسب عنه العبد هو الصلاة ففي الحديث: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة)، أما ما يُسأل عنه العبد ويحاسب عليه فهو أربعة أمور ذكرها رسولنا ﷺ: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟

فإذا فرغ الله جل وعلا من حساب العباد فيما يتعلق بحقوقه أذن لدواوين المظاليم أن تنصب للقصاص وأداء الحقوق كما قال ﷺ: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة

فإذا انقضى الحساب أمر الله ﷺ أن بوزن الأعمال، فإذا وزنت الأعمال، وتقرر الجزاء، ما بقى إلا أن يلقى كل واحد مصيره فيأمر الملك جل وعلا أن ينصب الصراط على متن جهنم

الفصل الثاني: النار والجنة

مما يدفع العبد للسير في طريق ما معرفة نهاية الطريق، وأيضاً معرفة نتائج ترك عن هذا الطريق وسلوك الطريق الآخر، فكل إنسان في هذه الحياة يسير ويعمل ويبذل وأمام ناظريه النهاية حيث سيكون واحد من اثنين إما جنة بما فيها من نعيم نسأل الله أن نكون وإياكم من أهلها أو نار والعياذ بالله،

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “يُؤتى بأنعم النّاس يومَ القيامة من أهل النّار فيُصبَغُ في النّار صِبغَةً ثُمَّ يُقالُ: يا ابنَ آدَمَ هلْ رأيتَ خيراً قَطُ؟ هلْ مرَّ بِكَ نَعيمٌ قَطُ؟ فيقولُ: لا والله يا ربُّ، ويُؤتى بأشدِّ النّاس بُؤساً في الدنيا من أهل الجنّة فيُصبَغُ في الجنّة صِبْغَةً فيقال: يا ابن آدم هل رأيتَ بُؤساً قَطُ؟ هل مرّ بك شدَّةٌ قطُ؟ فيقولُ لا والله يا ربُّ ما مرَّبي بُؤسٌ قطُ ولا رأيتُ شِدَّةً قط

وبعد هذا العذاب لنتعرف ماذا يتمنى أهل النار:

يطلب أهل النَّار من الله الخروج منها كما في الآية الكريمة: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ

يتمنى أهل النَّار الموت والهلاك قال الله تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ

تخفيف العذاب ولو ليوم واحد: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفَّفُ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ

يقول رسول الإسلام ﷺ: إذا دخل أهلُ الجنّة الجنّة يقولُ الله عزَّ وجل: تُريدون شيئاً أزِيدُكم؟ فيقولون ألمْ تُبيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألم تُدخِلنا الجنّة؟ وتُنَجَّنا من النَّار؟ قال: فيُكشَفُ الحجاب فما أعطُوا شيئاً أحبُّ إليهم من النظر إلى ربِّهم، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَة.

وآخر النعم هي الرضوان الرباني، قال رسول الله ﷺ: “إِنَّ اللهَ يقولُ لأهل الجنّة: يا أهل الجنَّةِ فيقولون: لبَّيكَ ربَّنا وسَعْدَيكَ والخير في يديك. فيقولُ: هل رَضِيتمْ؟ فيقولونَ: وما لنا لا نرضى؟ يا ربّ وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من خلقك فيقولُ: ألا أُعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربّ وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقولُ أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخطُ عليكم بعدَهُ أبداً“.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading