القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: البناء العقدي للجيل الصَّاعد، تأليف: الشيخ أحمد يوسف السيد

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: البناء العقدي للجيل الصَّاعد

تأليف: الشيخ أحمد يوسف السيد

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

مُقدِّمة

عقيدة المُسلم ليست نُصُوصاً تُحفظ، ولا أقوالاً يُجادل بها، وإنَّما هي إيمان وخُشُوع وإخبات، وعمل وفاعلية وحياة، ويقين، وطمأنينة، ورضا.

كانت العقيدة التي تلقَّاها الصَّحابة عن النبي ﷺ سهلة، واضحة، متينة، راسخة، عذبة، شفافة، وهي على سهولتها ووضوحها: فاعلة حيَّة شُمُولِيَّة تملأ الرُّوح وتُغذِّيها، وتُخاطب العقل وتُنمِّيه، وتؤثر على السُّلُوك والعمل، ولا تبقى حبيسة الأذهان، حتى جعلت نفوسهم كالجبال ثباتاً، وكالشَّمس ضياءً، وكالسَّهم سداداً.

لا يخفى على أحد واقع التَّحدِّيَّات الهائلة التي تُهدِّد إيمانهم وأفكارهم، والشُّبُهات التي تنبعث لهم من كل مكان، والشَّهوات والفتن الدَّاعية إلى الانحلال والانحطاط.

لابد من البناء على أساس العلم الصحيح المبرهن.

إذا ثبتت عظمة الإسلام ومتانة عقيدته لَدَى الشَّابّ، فإنَّ من الصَّعب أن تُؤثِّر عليه شُبهة جزئية، أو أن تقضي على إيمانه فكرة باطلة، أو نزوة عابرة.

القسم الأول: مُقدِّمات عقدية منهجية مهمة

أهمية العقيدة وقيمتها وميزات عقيدتنا الإسلامية

معنى العقيدة: كلمة العقيدة في أساسها اللغوي تدل على معنى الشد، والتوثيق، والعقد، والإلزام.

يُمكننا أن نعرف العقيدة الإسلامية بأنها: الإيمان الجازم المؤكد -الذي لا يدخله الشك ولا الريب- بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبكل ما أخبر الله ورسوله عنه من تحليل الحلال وتحريم الحرام وأمور الغيب وأصول الإسلام.

ما الذي يميز العقيدة الإسلامية عن بقية العقائد؟

نمتلك الدلائل والبراهين والحجج التي تثبت صحة عقيدتنا مما لا يمتلكونه هم لعقيدتهم.

الفرق الأول: امتلاك الأدلة الواضحة على صحة (أصول العقيدة)

فالذي يميز كتابنا (القرآن) عن سائر الكتب السماوية الأخرى هو أن إثبات نسبته «كاملا بكل سوره وآياته» إلى محمد ﷺ تم عن طريق التواتر المتصل، بينما لا تمتلك الديانات الأخرى هذه الوسيلة لإثبات نسبة كتبهم إلى أنبيائهم، بل يوجد انقطاع كبير في الإسناد والاتصال.

الفرق الثاني: البرهان الذاتي «أي: مضمون القرآن ودلالته على صحة الإسلام» بعكس الكتب الأخرى:

إذا اطلعت على مضامين كتب الديانات الأخرى فستجد أشياء غريبة مستنكرة تدل على أن هناك تحريفا طال شي منها.

مثال على التناقض: هناك موضعان في الكتاب المقدس -الذي يجمع التوراة والإنجيل- يتكلمان عن رجل واحد -واسمه (أخزيا)- بمعلومتين مختلفتين متناقضتين.

سفر الملوك الثاني (٨: ٢٦) «وكان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة في أورشليم، واسم أمه عثليا بنث عمري ملك إسرائيل»

سفر أخبار الأيام الثاني (٢٢: ٢) «كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة في أورشليم، واسم أمه عثليا بنت عمري».

من أشهر الأقوال عند النصارى في حل هذه المشكلة هو أن الناسخ أخطأ وهو يكتب في أحد الموضعين، هكذا بكل بساطة!

الفرق الثالث: وضوح العقيدة وموافقتها للعقل والفطرة:

حين يؤمن النصراني بأن الله ثلاثة وواحد في نفس الوقت! فإن هذا أمر لا يمكن تصديقه إلا بإكراه العقل على قبول المستحيل!

‏طبيعة المشاكل التي يجدها الإنسان مع الإسلام ليست في الأصول وليست في ركائز العقيدة الإسلامية، ولكنها في التفاصيل الفرعية.

العقل لا يجد تكلفا في قبول الاعتقاد الإسلامي في الله سبحانه، والقرآن من أوله إلى آخره تمجيد وتعظيم وتنزيه لله سبحانه وتعالى.

أعظم آية في القرآن، كلها متعلقة بالإله من أولها إلى آخرها، وهي آية الكرسي، ولا يوجد عند أمة من الأمم المتدينة تعظيم للإله بمثل ما في آية الكرسي.

وقد صحَّ عن النبي ﷺ: أنَّ في القرآن سورة تعدل ثلث القرآن، وهي سورة الإخلاص، وإذا تأملت فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيم وتنزيه لله سبحانه وتعالى.

ما الفائدة المترتبة على وجود العقيدة الصحيحة الثابتة؟

أولا: سعادة العبودية لله

فإن أجمل شيء في هذا الوجود هو تذوق لذة التعبد لخالق كل شيء. ولذلك قال من قال من عُبَّاد المسلمين: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف). يقصد ما هم فيه من لذَّة التَّعرُّف على الله والتَّعبُّد له.

قال ابن القيم: (فإنه لا نعيم له ولا لذة، ولا ابتهاج، ولا كمال، إلا بمعرفة الله ومحبته، والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب. وقال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام، وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقا). مدارج السالكين (٢٣٩-٤٠) ط؛ طيبة.

ثانيا: الصبر على مصائب الدنيا وكوارثها ومصاعبها

إذا أصيب الإنسان بمصيبة متعلقة بالمال أو الحبيب فإنه سيفقد كل شيء، لأن حدوده متعلقة بأشياء محدودة صغيرة قريبة، فما الذي سيصبره؟ وما الأمل الباقي لديه؟ وقد قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ ‌بِٱللَّهِ ‌يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [التغابن: 11]

ثالثا: معرفة النفس والخالق والغاية

أي أن يعرف الإنسان من هو؟ ومن خالقه؟ ولماذا هو موجود؟ وإلى أين المصير؟

إنَّها من أصعب الأسئلة على من لا يمتلك العقيدة، كالملحد مثلاً.

رابعا: ضبط الأخلاق

إذا كان كثير من اللصوص والمجرمين يمارسون جرائمهم حتى مع وجود القوانين في الدول القوية لأنهم قادرون على تجاوز القوانين بحيل كثيرة؛ فإن المؤمن الصادق يخاف الله أكثر من القانون، ويمتنع عن الظلم خشية من خالقه، ويحسن إلى الناس رغبة في التقرب إلى ربه سبحانه وتعالى.

بل انظر إلى نفسك، واسألها سؤالاً صادقاً: لو التزمت بهدي المصطفى ﷺ، وأتيحت لي فرصة أن أنهب مالاً عظيماً دون أن يراني أحد؛ فهل سأقوم بهذا النهب أم سأخاف الله؟ أنت تعلم أن الجواب هو: ما دام أني متبع للنبي، مؤمن بربي، فلا يمكن أن أفعل ذلك.

حسنا: والملحد؟! ما الذي سيمنعه؟

لو قلت: القانون، فكثير منهم قادر على تجاوز القانون والاحتيال عليه.

ولو قلت الخجل الاجتماعي، فهو قادر على التستر والرياء.

ولو قلت: القيم الأخلاقية العامة، فالسؤال هو: ما الذي يجعل هذه القيم صحيحة في نظره؟ المجتمع؟ ما الذي يعطي المجتمع قيمة؟

وتأمل معي قوله تعالى: ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي ‌يُكَذِّبُ ‌بِٱلدِّينِ * فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ﴾ [الماعون]

القسم الثاني: أركان الإيمان وركائزه وبراهينه

أركان العقيدة والإيمان: مقدمة

معالم الدين مكونة من ثلاث دوائر أساسية، وهي:

  1. دائرة الإسلام.
  2. دائرة الإيمان.
  3. دائرة الإحسان.

حديث جبريل المشهور:

  1. يا محمد أخبرني عن الإسلام.
  2. فأخبرني عن الإيمان.
  3. فأخبرني عن الإحسان.
  4. فأخبرني عن الساعة.
  5. فأخبرني عن أماراتها.
  6. قال رسول الله ﷺ: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. أخرجه مسلم.

وهو حديث يُبيِّن أسس الإسلام وقواعده العظام بطريقة جميلة، وأسلوب حسن، وحدث مشوق، وهذا يدل على عناية الإسلام بأسلوب الخطاب، وطرائق التعليم.

الإيمان قول وعمل واعتقاد

تقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

لا بد من النظر إلى مجموع الأدلة القرآنية والنبوية وليس إلى دليل واحد، وهذه من أهم المنهجيات لفهم الشريعة الإسلامية.

قول الله عز وجل: ﴿‌إِنَّمَا ‌ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ﴾ [الأنفال: 2-4]

فـ (يقيمون الصلاة) عمل، والإنفاق عمل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». رواه البُخاري ومسلم.

فذكر منها إماطة الأذى عن الطريق، وإماطة الأذى: عمل وليست اعتقاداً.

حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس -وقد أخرجه البخاري ومسلم- وفيه: أن النبي ﷺ أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس.»

فالأدلة صريحة على أن العمل من الإيمان.

إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد، فإنَّ الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالاعتقاد، وإذا ذكر أحدهما منفرداً فإنه يشمل الاعتقاد والعمل.

علاقة الكتاب بحديث جبريل:

من أراد الاستزادة من فوائد الحديث فليرجع إلى كتاب (جامع العلوم والحكم) لابن رجب / شرح الحديث الثاني، وللمتخصصين يمكنهم مراجعة كتاب (شرح حديث جبريل “الإيمان الأوسط”) لابن تيمية رحمه الله تعالى.

أركان الإيمان

الركن الأول: الإيمان بالله

الإيمان بالله تعالى هو أصل الأصول، وما يليه من الأركان إنما هو فرع عن الإيمان به سبحانه وتعالى، فهو الذي أخبرنا بالملائكة والرسل واليوم الآخر والقدر، فبدون الإيمان به لا يمكن الإيمان ببقية الأركان.

أولاً: وُجُود الله وكماله وربوبيته

وجود الله قائم على مبدأ يجده الإنسان مركوزاً في عقله بحيث لا يمكنه التخلِّي عنه البتَّة، وهو مبدأ: (الاستدلال بالأثر على المؤثر)، والإنسان هو واحد من هذه الأشياء التي حدثت بعد أن لم يكن شيئاً: ﴿‌هَلۡ ‌أَتَىٰ ‌عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا﴾ [الإنسان: 1]، فيستحيل وجوده دون خالق: ﴿‌أَمۡ ‌خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ [الطور: 35]، هذا إذا نظرنا لمجرد وجوده بعد العدم، فكيف إذا نظرنا إلى إتقانه، وحسن قوامه، ودقيق صنعه، وعجيب تكوينه؟ بل لا بد أن يكون السبب مُناسباً للصفة التي نشأ عليها هذا الأمر الحادث.

إذا تأمل الإنسان في نفسه فإنه لا يحتاج -عقلاً- إلى دليل آخر على وجود الله تعالى: ﴿‌وَفِيٓ ‌أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]

قال الله تعالى: ﴿‌لَخَلۡقُ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [غافر: 57]

إذا جمع الإنسان بين التأمل في آيات النفس والآفاق فإن هذا يزيده إيمانا ويقينا: ﴿‌سَنُرِيهِمۡ ‌ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]

فوا عجبا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد؟

وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد

دلالة الفطرة على وجود الله:

الله تعالى ركز في الإنسان معنى الافتقار إليه، فهو ينشأ على هذه الفطرة، فطرة الشعور باعترافه بخالقه واحتياجه إليه.

تدل الفطرة البشرية على وجود الخالق من ثلاث جهات:

الجهة الأولى: أن هناك معارف أولية ضرورية، وهذه المعارف يستدل بها على وجود الله سبحانه من طريقين:

الطريق الأولى: من جهة النظر والاستدلال.

الطريق الثانية: أن مجرد وجود هذه الغرائز المعرفية الفطرية يدل على أن هناك من أودعها في نفس الإنسان.

الجهة الثانية من دلالة الفطرة: ضرورة الافتقار والتعبد، ولذلك تجد أن الأمم كلها من قديم الزمان وفي مختلف البلدان لها أماكن للعبادة، ولذلك نجد أسلوب خطاب الرسل عند الحديث عن هذه الحقيقة الفطرية تذكيريا لا تأسيسيا، كأنه يحيي الفطرة في النفوس، أو يوقظها، لا أنه يغرسها أو يبنيها، فتأمل.

الجهة الثالثة: الغرائز والأخلاق، فأنت تشاهد بعض الحيوانات عند ولادتها تتجه مباشرة إلى الضرع باحثة عن اللبن، من غير أن تكون الأم هي التي توجهها إليه، وأنت ترى الرضيع إذا ألقمته أمه ثديها عرف كيف يمصه ويستخرج اللبن منه.

ومن الغرائز التي أودعت في الإنسان: القيم الأخلاقية الفاضلة كاستحسان الصدق، والعدل، واستبشاع الظلم والقتل وتعذيب الأطفال، ونحو ذلك.

ثانيا: أسماء الله وصفاته

الحديث عن أسماء الله وصفاته يعد داخلا في الحديث عن كمال الله وعظمته.

معاني الأسماء الحسنى

من المهم لشباب الجيل الصاعد أن يتعرفوا على معاني الأسماء الحسنى، ويحفظوها، ويتأملوا فيها، ليتعبدوا الله تعالى بها، فتزيدهم له حباً، ومنه قرباً. ومن أسهل الكتب في ذلك مما يُناسب الجيل الصاعد -وقد قررته على نخبة منهم فأعجبهم جدا-: كتاب لأنك الله، للأستاذ: علي الفيفي، من الكتب المفيدة: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، لمحمد النجدي.

حفظ الأسماء الحسنى وإحصاؤها

ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة» والحديث صحيح أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.

قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه المنهاج – وهو شرح لصحيح الإمام مسلم-: (وأمَّا قوله ﷺ: «من أحصاها دخل الجنة» فاختلفوا في المراد بإحصائها: فقال البخاري وغيره من المحققين: معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر؛ لأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى: «من حفظها». وقيل: أحصاها: عدها في الدعاء بها، وقيل: أطاقها، أي: أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها..، وهو ضعيف، والصحيح الأول.)

تعيين الأسماء الحسنى

قال ابن تيمية رحمه الله: «تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه»

الاختلاف بين المذاهب في تأويل الأسماء والصفات

بتأثر من ثقافات وعلوم أخرى خارجة عن الصفاء الإسلامي بعد أن تمت ترجمة الفلسفة والثقافة اليونانية على وقت المأمون -الخليفة العباسي-، ونحن إذا رجعنا إلى وقت النبي ﷺ وأصحابه نرى أنهم لم يتعاملوا مع الأسماء والصفات بغير مبدأ التعظيم والتسليم، فلم يكونوا يتكلفون في معانيها أشياء غير ما يدل عليه كلام العرب، ولم يقولوا إن نصوص الصفات الإلهية من المتشابه الذي لا يفهم.

ويقولون كذلك إن الرسول ﷺ جاء مبينا للقرآن، مفسرا له، شارحا للناس ما يريده الله منهم، فلو كان يريد منا أن نتعامل مع نصوص الأسماء والصفات بطريقة تأويلية خاصة لأرشدنا إلى ذلك، خاصة وأن نصوص الصفات كثيرة جدا في القرآن الكريم.

مع الاعتراف الدائم بأننا لا ندرك كيفية هذه الأسماء والصفات في حق الله تعالى، ومع الاعتراف الدائم بأن إثبات الصفات لله محكوم بقان وهو: ﴿‌لَيۡسَ ‌كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

وأما الذي لا يسمع ولا يبصر فهو إله المشركين وليس رب العالمين، ألم يقل إبراهيم عليه السلام: ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ ‌لِمَ ‌تَعۡبُدُ ‌مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا﴾ [مريم: 42]

ثالثا: الألوهية

وهو إفراد الله تعالى بالتعبد، فإذا كان توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالملك والخلق والتدبير؛ فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، ومعنى: (لا إله إلا الله) هو: لا يوجد أحد يستحق العبادة إلا الله وحده.

إذا اعترفنا أن الله هو الخالق وحده لا شريك له فهذا يستلزم إلى أنه لا ينبغي أن يعبد إلا هو.

ضرورة فهم معنى التعبد في الإسلام

غموض مفهوم أو معنى العبادة في الديانات الأخرى غير الإسلام العظيم.

إن العبادة في الإسلام ليست مجرد ركوع وسجود وإمساك عن الطعام، بل العبادة في حقيقتها محبة وذل وانقياد لله تعالى، ولكنها لا تقبل ولا تنفع إذا لم يصاحبها إخلاص قلبي لله تعالى، فأصل العبادة الذي تنشأ عنه الأعمال الظاهرة هو الاعتراف القلبي والانقياد الباطني والتسليم لله تعالى.

إن عدم تذوق جمالية التعبد والخضوع والمحبة لله سبحانه لمن أكبر أسباب التأثر بالشبهات المثارة ضد وجوده وكماله سبحانه، ومن ثم الوصول إلى الإلحاد والإنكار.

(بدأت أعود إلى السُّنَّة، فوجدت أني كنت أجهل الناس بأخلاق محمد ﷺ، وبدأت أراجع ما قرأته عن العقيدة، فوجدت صفحات مشرقة مما كتب السلف الصالح قد مررت عليها مرور الأعمى -لا مرور الكرام- بسبب ما غطى بصري من فهوم سابقة، حتى كأني لم أقرأ قط!)

جمالية الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري صـ٤٠.

(ابن الناقة إذا فطم وفصل عن الرضاعة، يحبس في الخيمة وتترك أمه في المرعى حتى إذا طال به الحال ذكر أمه وأخذه الشوق والحنين إليها وهو آنئذ حديث عهد بالفطام، فناح وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء، فيقولون: (ألِه الفصيل)، فأمه إذن ههنا هي (إلهه) بالمعنى اللغوي، أي: ما يشوقه. ومنه قول الشاعر: أَلِهتُ إليها والرَّكائبُ وُقَّفٌ)

جمالية الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري صـ34.

(فيكون قول المؤمن: (لا إله إلا الله) تعبيراً عمَّا يجده في قلبه من تعلُّق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه إلا قصد الله.

إن المسلم إذ يشهد ألا إله إلا الله، يقر شاهداً على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله، رغبة، ورهبة، وشوقاً، ومحبة. وتلك لعمري شهادة عظيمة وخطيرة، لأنها إقرار واعتراف بشعور، لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلَّا الله، ثم الشاهد نفسه.)

جمالية الدين، معارج القلب إلى حياة الروح، لفريد الأنصاري صـ35.

من ثمرات التوحيد: التعلق بالله وحده وعدم التعلق بالخرافات

عدم التَّعلُّق بالبشر، سواء أكانوا أحياء أم أمواتا، فالله وتلا هو القادر على إغاثة الملهوف وإجابة سؤل السائلين.

ومن علامات ضعف العقيدة والإيمان في القلب: تعليق مجسمات عليها صورة عين في البيوت والمحلات التجارية لدفع العين، والحلف بغير الله تعالى.

الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة

الإيمان بالغيب مبني على مُقدِّمات وأدِلَّة قطعية تقول: إنَّ الله تعالى هو خالق السماوات والأرض، وهو يعلم الأشياء التي خلقها مما غاب عنا رؤيته ومشاهدته، ثم أخبرنا عن طريق رسله بأمور من الغيب الذي غاب عنه ملاحظته بالحس. فإذن: نحن نؤمن بالملائكة لأننا آمنا بالله عزَّ وجلَّ.

من هم الملائكة وما صفاتهم؟

هم خلق من خلق الله وجند من جنوده، كثير عددهم، لا يحصيهم إلا هو سبحانه، مخلوقون من نور، لهم وظائف كثيرة كلفهم الله بها، وهم يسبحون بالليل والنهار ويواصلون التعبد بلا فتور.

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم).

من صفاتهم: لهم أجنحة متفاوتة العدد، لا يأكلون ولا يشربون.

ما وظائف الملائكة؟

  • تربطهم بالمؤمنين من البشر علاقة محبة واهتمام.
  • الاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم.
  • ومنهم ملائكة يحضرون صلاة المسلمين ويشهدونها فيؤمنون مع الإمام ويستمعون القرآن ويسجلون الداخلين إلى الجمعة.
  • ومن وظائف الملائكة: نصرة المؤمنين وتأييدهم.
  • ومنهم ملائكة يتتبعون مجالس الذكر ويحضرونها ويتزاحمون عليها ويتنادون.
  • ومن الملائكة من هو موكل بإنزال الوحي من الله إلى أنبيائه.
  • ومنهم الموكلون بقبض الأرواح عند حلول آجالها.
  • ومن أهم أعمال الملائكة: كتابة ما يعمله البشر من أعمال وأقوال وتسجيلها في صحف.
  • ومن الوظائف الشريفة لبعض الملائكة: حمل عرش الرحمن ذي العزة والجلال.
  • ونختم بعمل من أكثر الأعمال إسعادا للمؤمنين، ألا وهو تبشيرهم عند الموت برحمة الله وجنته.

الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بالكتب

من شمولية الإسلام، أنه يجعلك تصطلح مع كل رسل الله وكتبه وليس كبقية الأديان. قارن هذا بضيق الأفق الذي تجده عند أهل الكتاب الذين يفرقون بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

مثال على هذا، كتاب بعنوان: (ربحت محمدا ولم أخسر المسيح).

كيفية الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب يكون عبر مقامين اثنين. الأول: التصديق المجمل. الثاني: التصديق المفصل.

فأما التصديق المجمل فهو الإيمان بأن الله أنزل كتبا على رسله وأنبيائه. وأما المفصل، فهو: التصديق بتفاصيل ما أخبر الله به عنها في القرآن من أسمائها وما يتعلق بها من حفظ أو تحريف ونحو ذلك.

ونحن نعلم أن الزبور أنزل على داود عليه السلام، وإذ راجعنا سفر المزامير في «الكتاب المقدس» وهو السفر المتعلق بداود عليه السلام سنجد هذا النص مكتوبا: «الصديقون منا يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد» سفر المزامير (٢٩: ٣٧).

ويمكن مراجعة كتاب (هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ؟) للدكتور منقذ السقار.

القرآن: خاتمة الكتب الإلهية للبشر والمعجزة الكبرى

إعجاز القرآن:

‏عرض الشيخ للتحدي القرآني هنا مميز جداً.

الله عزَّ وجلَّ تحدَّى كفار قريش بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل بسورة منه! وحتى تتصور عظمة هذا التحدي فاستحضر المعطيات التالية:

  • نوع الخصوم: عرب أقحاح، بضاعتهم البيان، وميدانهم اللغة والفصاحة.
  • عددهم: لا يحصى لأن التحدي كان عاما لهم ولأنصارهم، بل وحتى للجن الذين معهم.
  • صيغة التحدي: قوية واضحة مستفزة للطرف الآخر، فلو كان قادرا فلا يمكنه ألا يجيب.
  • الإغراء: لو استطعتم الإتيان بسورة مثل القرآن ينتهي الإسلام وتنتصرون أنتم.
  • المحفزات: لا تحتاجون إلى قتال ولا إلى سفك دماء ولا إجراء معارك وحروب، فقط تكلموا بألسنتكم وائتوا بمثل هذا القرآن.
  • ومما يزيد التحدي استفزازا لهم: إخبارهم بأنهم لن يستطيعوا -البتة- أن يكسبوا هذا التحدي، وأن من الخير لهم أن يتقوا النار عوضا عن ذلك.
  • النتيجة: عجز العرب، وانتصار القرآن، وشموخ الإسلام.

وكتب الدكتور محمد دراز رحمه الله مُعلِّقاً على الآية:

(فانظر أي إلهاب، وأي استفزاز: لقد أجهز عليهم بالحكم الباتِّ المؤبَّد في قوله: ولن تفعلوا، ثم هدَّدهم بالنار، ثم سوَّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألِدَّاء، وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم. ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلم يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طَوْد شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك حيلة يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعا بالقلم واللسان.

ومضى عصر القرآن والتحدي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفى البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن على ما عجز عنه أوائلهم؛ لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا أشد عجزا، وأقل طمعا في هذا المطلب العزيز فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، ..، ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها.)

النبأ العظيم، محمد دراز، طبعة دار طيبة (ص١٠٥-١٠٦)

إن هذا النوع من العظمة جعل علماء المسلمين يتساءلون: ما الذي أعجز العرب في هذا القران؟! فنتج عن بحثهم في الجواب عن ذلك: علم ضخم فخم من علوم المسلمين اسمه: (علم إعجاز القرآن).

من أهم ما ألف في هذا الباب: كتاب بيان إعجاز القرآن للخطابي، وكتاب إعجاز القرآن الكريم للباقلاني، وكتاب دلائل الإعجاز للجرجاني، وكتاب النبأ العظيم لمحمد عبدالله دراز.

(قلتُ في إعجاز القرآن وجهاً آخر، ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلَّا الشاذ من آحادهم؛ وذلك أخذه بالقلوب، وتأثيره في النفوس … فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانا.) الخطَّابي، بيان إعجاز القران، صـ70.

الركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل

نحن نؤمن بكل الرسل الذين قص الله علينا خبرهم في القرآن، فما أخبرنا به مفصلا آمنا به مفصلا، وما أخبرنا به مجملا آمنا به مجملاً.

دين الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة

يخبرنا القرآن بأن الأنبياء كلهم كانوا مسلمين لله تعالى، أديانهم قائمة على التوحيد، ويخبرنا القرآن كذلك بأن الأنبياء وإن كانوا يشتركون في التوحيد وأصل الرسالة إلا أن شرائعهم تختلف ما بين نبي وآخر، ويخبرنا القرآن أيضاً بأن النبي ﷺ بعث مُصدِّقا للأنبياء في أصل هذه الرسالة، وأن شريعته جاءت ناسخة لكل الشرائع السابقة ومهيمنة عليها.

أصناف المكذبين بالرسل والنبوات

منهم الملحدون، الذين لا يعترفون بوجود الله أصلاً. ومنهم الربوبيون الذين يؤمنون بوجود الخالق وينكرون كل الأديان. ومنهم أصحاب الأديان الذين يؤمنون بأنبياء ويكفرون بآخرين.

دلائل نبوة النبي ﷺ

ومن أجمع الكتب المتقدمة: كتاب دلائل النبوة للبيهقي، ومن أفضل الكتب المعاصرة. كتاب براهين النبوة لسامي عامري.

النبوة خبر من الأخبار، والمخبر إما أن يكون صادقا أو كاذبا، وتمييز الصادق من الكاذب في الأمور الكبيرة -مثل النبوة- سهل جدا.

قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: «النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟»

شرح الطحاوية، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، صـ١٠٩.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

«ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم؟!

وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز. وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورا؛ والكذاب يظهر في نفس ما يأمر به، وما يخبر عنه، وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله : ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة.

والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة، وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لا بد أن يتبين صدقه وكذبه من وجوه متعددة.

والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم، وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيرة؟ لا سيما والعالم لا يخلو من آثار نبي من لدن آدم إلى زماننا، وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل.

فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل وأمر بالشرك وعبادة الأوثان وإباحة الفواحش والظلم والكذب، ولم يأمر بعبادة الله ولا بالإيمان باليوم الآخر هل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو يشك في كذبه أنه نبي؟»

شرح الأصبهانية، مكتبة دار المنهاج، باختصار من (٥٣٩ -٥٤٤).

تنوع وتكامل دلائل النبوة

  • الكمال الأخلاقي.
  • الآيات الحسية.
  • الأخبار الغيبية.
  • القرآن الكريم.
  • أخبار الكتب السابقة.

وهذا غيض من فيض، ونقطة من بحر، فالعاقل حين يرى هذه الدلائل، ويجعل بينها تكاملا، فإنه لا يسعه إلا أن يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله!

الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر

‏كثرة التفاصيل التي يعرفها المسلم عن الإيمان باليوم الآخر في مُقابل الأديان الأخرى خصوصا مسحية واليهودية.

لحظة الموت والانتقال إلى الدار الآخرة

يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للإنسان عند لحظة موته. نعلم هذا بالخبر الصادق عن النبي ﷺ.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (وذلك أن من مات فقد دخل في حكم القيامة، فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة، وفيه من الدنيا أيضاً، ولكن هو أشبه بالآخرة، ثم إذا تناهت المدة المضروبة للدنيا، أمر الله بقيام الساعة، فيجمع الأولون والآخرون لميقات يوم معلوم.) النهاية في الفتن والملاحم.

ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا … والناس حولك يضحكون سروراً

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

القبر: فتنته ونعيمه وعذابه

أول ما يوضع المرء في قبره يتعرض للسُّؤال والامتحان من جهة ملائكة مخصصة لذلك، وأنه سيجيب بحسب سيره في الحياة الدنيا ، وأنه بناء على هذا الجواب سيعيش بقية حياته البرزخية في القبر.

إما نور وفسحة ونافذة إلى الجنة، وإما ظلام وضيق ونافذة إلى النيران. فالمرء – بعد سؤال الملكين- يظل إلى يوم البعث إما منعما وإما معذبا، نسأل الله العافية.

فإن كان من أصحاب الصدقات الجارية -كحفر الآبار، أو بناء المساجد، أو إنشاء المدارس التي تربي الناس على الصلاح والأخلاق-، أو كان ممن ترك علما نافعا -كالكتب أو الدروس المسجلة أو الدعاة الذين علمهم ورباهم -، أو ترك ولدا صالحا يدعو له فيا لسعده وهنائه، وهذا هو الذي خطط لمستقبله جيدا.

ومن هنا ندرك جانبا من جوانب أهمية: (الولد الصالح) إذ في ذكره لفتة مهمة في الرد على الداعين إلى ترك الزواج ونبذه، حيث لا يرون في الزواج سوى مسؤوليات وأعباء.

من أدلة الكتاب والسنة على فتنة القبر ونعيمه وعذابه وما ينفعه

قال الله سبحانه: ﴿‌يُثَبِّتُ ‌ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: 27]

وقد فسر النبي ﷺ هذه الآية وبيَّنها، كما أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما: «نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ».

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل -لمحمد ﷺ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة. فيراهما جميعا».

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: إذا خرجت روح المؤمن؛ تلقاها ملكان يصعدانها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك. قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك، وعلى جسد كنت تعمرينه. فينطلق به إلى ربه جلج، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل.

النفخ في الصور

بعد رحلة طويلة في البرزخ: يُنفخ في الصور بصوت عال مهيب صاخ صارخ، فيبعث الله معه الناس من قبورهم، وهذه النفخة التي يبعث الله بها الناس ليست الأولى، بل الثانية، وأماالأولى فهي نفخة يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض.

قال الله تعالى: ﴿‌وَنُفِخَ ‌فِي ‌ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]

البعث والحشر

في صحيح مُسلم (2859) عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض، قال ﷺ: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض.»

يُجمع الناس في ساحة الحشر، كل الناس من لدن آدم إلى نهاية الدنيا، فيقومون طويلا في موقف صعب، حيث تدنو الشمس، ويشتد الحر، فيكثر العرق الذي يرشح من الجسم.

الآمنون من الفزع الأكبر

في ذلك المقام الذي يجتمع فيه الخوف والفزع والحر وطول المقام والعطش، تفيء ثلة من الناس إلى ظل يظلهم الله به، ظليل، بعيد عن هذه الشدة والهول.

الحوض

موعد لقاء النبي ﷺ على الحوض، قوله للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (البُخاري 3792) وقوله حين زار شهداء أحد «إن موعدكم الحوض» (البُخاري 4042).

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها، فلا يظمأ أبدا» (البخاري ٦٥٧٩).

وعن ثوبان أن نبي الله ﷺ سُئل عن شراب الحوض، فقال: «أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يغتّ فيه ميزابان، يمدانه من الجنة؛ أحدهما من ذهب، والآخر من ورق» (مسلم ٢٣١٠).

عن عبدالله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال عن الحوض «من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا» (مسلم ٢٢٩٩).

وقال القاضي عياض رحمه الله: «أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول، ولا يختلف فيه، قال القاضي: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة».

النووي، شرح صحيح مسلم (10/35) إحياء التراث.

طلب الشفاعة لبدء الحساب

الناس في هذا الموقف سيعلمون أنَّ أسيادهم وملوكهم وكبراءهم في الدنيا لا حظ لهم في الآخرة، وأن الذين لهم الحظ الأوفر هم الأنبياء.

حديث الشَّفاعة المشهور الذي يقول: اذهبوا إلى محمد ﷺ. فيأتون محمدا ﷺ، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي ملذ، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شي لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب.

بدء الحساب والقضاء بين الناس وعرض الأعمال والموازين والصحف

يوم الحساب يوم طويل مليء بالأحداث والأهوال.

  • يجيء الله تبارك وتعالى بعد شفاعة النبي حلية ليقضي بين العباد.
  • يؤتى بجهنم تجرها الملائكة فيراها الخلق.
  • يحاسب الله البشر فردا فردا. ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان).
  • والحساب أنواع: فمنه الحساب اليسير -وهو العرض- وهناك حساب عسير، تعرض فيه الأعمال وتناقش.
  • يوضع الميزان فتوزن أعمال الإنسان؛ حسناته وسيئاته.
  • يفاجأ الإنسان بأن كل شيء من عمله مكتوب، ألفاظه وأعماله ومعتقداته، خطواته ونظراته، سعيه وكده، هزله وجده، كل شيء يجده أمامه.

الصراط

هو جسر مضروب على جهنم، يمر الناس فوقه كل بحسب عمله وإيمانه.

الشفاعة في الخروج من النار

هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي ﷺ، بل هي لكثير من المؤمنين، وأما الخاصة به -وهي المقام المحمود الذي وعده- فهي للأمم كلها في الفصل والقضاء والحساب بعد طول الموقف والهول.

دخول الجنة

في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فاقرءوا إن شئتم: ﴿‌فَلَا ‌تَعۡلَمُ ‌نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]» صحيح البخاري (٣٢٤٤).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مربي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط.» (صحيح مُسلم 2807)

عن صهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شي أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: «فيكشف الحجاب، فما أعطوا شي أحب إليهم من النظر إلى ربهم» صحيح مسلم (١٨١).

جهنم

للطغاة يوم ينالون فيه العقوبة، وللعاصين مكان يذوقون فيه جزاءهم، وهو مكان مهول مخيف، عذابه لا يطاق، وجحيمه لا يُحتمل.

سمَّاها الله بأسماء متعددة، كل اسم منها يدل على معنى ووصف وأثر لها، فمن أسمائها في القرآن: سقر، ولظى، والسعير، والحطمة، والجحيم، وجهنم، والنار.

الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره

لا يقدر الله شرا محضا: أخبر النبي ﷺ في حديث جبريل أن من أركان الإيمان: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره» والسؤال هنا: هل يكون من أقدار الله ما هو شر؟ الجواب: أنه قد يكون شرا بالنسبة لمن وقع عليه القدر لا أنه شر خالص من كل الجهات.

ماذا يعني الإيمان بالقدر؟ ومتى نكون مؤمنين بالقدر؟

لا يحدث شيء في هذه الدنيا إلا وقد قدره الله تعالى وكتبه قبل خلق السماوات والأرض.

هناك مقامان تجاه ما يؤلمنا من الأقدار، فالأول الصبر، وفيه معنى المنع والحبس، أي أن تمنع وتحبس نفسك عن الجزع والتسخط. والثاني الرضا. وهو مبني على تفويض الأمر لله، والتسليم له بأن ما يقدره فهو خير

ما ثمرات الإيمان بالقدر؟

  1. الصبر على المصائب والكوارث: إن صبر فإن له أجرا عظيما، فيحتمل الألم لأجل الأجر.
  2. السكينة والطمأنينة والرضا: وتأمل معي هذا الحديث العظيم الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».
  3. الأجر والثواب.
  4. إحسان التصرف واتخاذ القرار وعدم الطيش وقت المصيبة.

ما أنواع كتابة الأقدار وقسمها؟

  1. الكتابة الشاملة لمقادير الخلائق، وهي في اللوح المحفوظ.
  2. قسم الأقدار المتعلقة بكل سنة وعام وفرقها، قال تعالى: ﴿‌فِيهَا ‌يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية (أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.)
  3. كتابة أقدار الجنين في بطن أمه.

هل يصح لأحد أن يحتج على ذنوبه بالإيمان والقدر؟

لا يصح، لأن الإنسان له إرادة حقيقية يستطيع الاختيار بها، وهي الإرادة التي لأجلها خلق الله الجنة والنار.

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (احتج آدم وموسى؛ قال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ: فحج آدم موسى.)

فهذا احتجاج بالقدر على المصيبة وليس على المعصية، والمصيبة هنا هي: الخروج من الجنة، وهي ليست من إرادة آدم.

ما الأمور المعينة على الصبر والرضا بالقدر؟

  1. تذكر العاقبة، وما أعده الله عزَّ وجلَّ للصابرين.
  2. تذكر محبة الله للصابرين.
  3. اليقين بأن الله عزَّ وجلَّ عليم حكيم.
  4. الفهم التام بأن الجزع لا يفيد.

القسم الثالث: ما يضاد الإيمان ويناقضه

الأبواب المضادة للإيمان

من المهم أن يعرف الإنسان الأبواب التي تضاد إيمانه، ليستفيد أمرين:

الأول: ليحذرها ويجتنبها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه.

الثاني: ليزداد بصيرة في معالم الإيمان وحدوده؛ وبضدها تتميز الأشياء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف أنه شر، فإما أن يقع فيه، وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي عرفه … ومن نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علمه، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم … ولهذا كان الصحابة لفي أعظم إيمانا وجهادا ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي . . . ولهذا يقال: والضد يظهر حسنه الضد). (مجموع الفتاوى)

الكفر والشرك والنفاق

إن كلا من الكفر والشرك والنفاق، فيه درجات، فهناك الكفر الأكبر والكفر الأصغر، والشرك الأكبر والأصغر، والنفاق الأصغر والأكبر.

ذكر عن الحسن البصري: ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن.

ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق، قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع.

قال شيخ الإسلام ابن القيم، في كتابه مدارج السالكين:

(الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر. فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار، والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.

وأما الكفر الأكبر، فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.

فأما كفر التكذيب فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة.

وأما كفر الإباء والاستكبار فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار.

وأما كفر الإعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة.

وأما كفر الشك فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول للة جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها.

وأما كفر النفاق فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر.

وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر.

فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين. وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة.

وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله.

والشرك أنواع كثيرة، لا يحصيها إلا الله، ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتسع الكلام أعظم اتساع.

وأما النفاق: فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتل منه، وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرا ما يخفى على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.

وهو نوعان: أكبر، وأصغر: فالأكبر يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به.)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى:

(فمن النفاق ما هو أكبر، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبيّ وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله، وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول الله طليةة، ومازال بعده، بل هو أكثر منه على عهده).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الإيمان الأوسط:

(فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فإنه لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر- علما وعملا- وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا، ويرى أنه تحصيل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر).

الرياء والعمل لغير الله

يقوم بها، لا ليرضي من أمر بها، وإنما ليكتسب مكانة عند الناس وسمعة، وهذا في غاية الخطورة.

والعمل لغير الله له صورتان:

الأولى: أن يقصد غير الله بعمله ابتداء وانتهاء، فهذا رياء محض.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».

الثانية: أن يقصد الله عزَّ وجلَّ بعمله، ولكن بالإشراك مع نية أخرى. فإن شاركه الرياء من أصل العمل، يعني من أوله وابتدائه، كأن يكون قصده: وجه الله وثناء الناس، فهذا العمل باطل. قال ابن رجب: (لا نعرف عن السلف في هذا خلافاً) (جامع العلوم والحكم).

وأما إذا كان قد أنشأ العمل لوجه الله، ثم طرأت عليه نية الرياء بعد النية الصالحة فدافعها ولم يجعلها تستقر، فهذه الحال لا تضر المؤمن ولا تبطل العمل بغير خلاف كما نقل ابن رجب -أيضا-، ولا تؤثر على صاحبها من جهة الثواب والعقاب.

هذا وإن من أعظم ما يعين الإنسان على الإخلاص: معرفة الله حق المعرفة، والطمع في ثوابه، والخوف من عقابه، وعدم تعظيم الناس فوق مرتبهم -فإن هذا أصل عظيم من أصول المعاصي والذنوب-.

الخاتمة

إن علينا أن نغرس أصول العقيدة والثوابت الكبرى في عقول الجيل، وأن نعتني باللغة المقنعة المبرهنة، وأن نحرص على تحقيق الأثر العقدي المرجو من علم العقيدة، ألا وهو الإيمان بالغيب والتسليم لله ورسوله والانقياد لهما، وتحقيق العبودية لله توكلا وإنابة واعتصاما.

ولذلك فإن فهم المشتغلين بالدرس العقدي للاتجاهات العلمانية والليبرالية والإلحاد والمادية والعلموية والإنسانوية ونحوها لا يقل أهمية عن فهمهم لأقوال المعتزلة والمرجئة والقدرية والخوارج، بل الحاجة إلى فهم أقوال تلك الاتجاهات أمس، والضرورة إلى نقضها أشد … والله المستعان.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading