بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
العدوان على العربية عدوان على الإسلام
تأليف: عبد الرحمن رأفت الباشا
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]
الفهرس:
الْعُدْوَانُ عَلَى لُغَةِ الْقُرْآنِ
١. إحْلَالُ العَامِّيَّةِ مَحَلَّ الفُصْحَى
ب. إِحْلَالُ الْحَرْفِ الْلَّاتِينِيِّ مَحْلُ الْحَرْفِ الْعَرَبِيِّ
لُغَتُنَا لَيْسَتْ مِلْكاً لِشَعْبٍ بِعَيْنِهِ
تَفَرَّدُ لُغَتُنَا وَتَمِيُّزُهَا
فَشَعَرَ الْأَبْنَاءُ بِمَفَاخِرِ الْآبَاءِ، وَتَجَمَّعَتِ الْعَوَاطِفُ عَلَىٰ حُبِّ الْوَطَنِ الْكَبِيرِ.
وَسَعَىٰ هُوَ وَمَنْ تَلَاهُ فِي الْحُكْمِ لِمَحْوِ شَخْصِيَّةٍ إِيرلندا بِالْقَضَاءِ عَلَىٰ لُغَتِهَا
وَأَسْعَفَهُمُ الْقَدَرُ بِمُعَلِّم يُتْقِىُ لُغَةَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ؛
انْتَخَبُوهُ لِيَكُونَ أَوَّلَ رَئِيسٍ لِجُمْهُورِيَّةِ إِيرْلَنْدَا الْحُرَّةِ ذَلِكَ الْمُعَلِّمُ هُوَ الرَّئِيسُ دِيفَالِيرَا .
وَلُغَتْنَا الْعَرَبِيَّةُ – أَيُّهَا السَّادَةُ – لَيْسَتْ قَوْمِيَّةً فَحَسْبُ وَإِنَّمَا هِيَ لُغَةٌ دِينِيَّةٌ أَيْضًا.
الْعُدْوَانُ عَلَى لُغَةِ الْقُرْآنِ
وَقَدْ رَأَى هَؤُلَاءِ الْأَعَدَاءُ أَنَّ السَّيْطَرَةَ عَلَى الْأَقْوَامِ لَا تَكُونُ بِالْحَدِيدِ وَالنَّارِ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى الْعُقُولِ… وَأَنَّ السَّبِيلَ إِلَىٰ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِضْعَافِ لُغَةٍ الْأُمَّةِ وَمَحْوِهَا؛
وَابْتَدَأَتْ هَذِهِ الْحَرْبُ بِأَنْ فَرَضَ الْفَرَنْسِيُّونَ عَلَىٰ أَبْنَاءِ الْجَزَائِرِ الْمُسْلِمَةِ لُغَتْهُمُ الْفَرَنْسِيّةُ ، وَحَرَّمُوا تَدْرِيسَ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَدَارِسِ وَالْمَعَاهِدِ…
وَفَرَضَ الْإِنْكِليِزُ لُغَتَهُمُ عَلَىٰ مِصْرَ أَيْضًا، وَجَعَلُوهَا لُغَةَ التَّعْلِيمِ مُنْذُ السَّنَةِ الْأُولَىٰ فِي الْمَرْحَلَةِ الْابْتِدَائِيَّةِ إِلَىٰ نِهَايَةِ التَّعْلِيمِ الْعَالِي؛ تُدَرَّسُ بِهَا الْمَوَادُ كُلُّهَا، وَتُؤَدَّىٰ بِهَا الْامْتِحَانَاتُ جَمِيعُهَا.
وَكَانَتِ الْفِرْيَةُ الَّتِي افْتَرَاهَا شَيَاطِينُهُمْ عَلَىٰ هَذِهِ اللُّغَةِ أَنَّهَا عَقِيمٌ لَا تَلِدُ، عَجُوزٌ لَا تَقْوَىٰ، بَلِيدَةٌ لَا تَتَطَوَّرُ، صَعْبَةٌ لَا تَرْقَىٰ إِلَيْهَا الْأَفْهَامُ وَلَا تُدْرِكُهَا الْأَوْهَامُ.
١. إحْلَالُ العَامِّيَّةِ مَحَلَّ الفُصْحَى
وَكَانَتْ أُولَىٰ هَٰلِهِ الدَّعَوَاتِ الدَّعْوَةُ إِلَىٰ نَبْذِ الْفُصْحَىٰ، وَإِحْلَالِ الْعَامِيَّةِ مَحَلَّهَا، وَجَعْلِهَا لُغَةَ الْكِتَابِ كَمَا هِيَ لُغَةُ الْخِطَابِ.
وَبَدَأَتْ هَـٰذِهِ الدَّعْوَةُ سَنَةً وَاحِدَةً وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَأَلْفٍ؛ حِينَ حَضَّتْ مَجَلَّةُ الْمُقْتَطَفُ عَلَىٰ جَعْلِ لُغَةِ الْخِطَابِ لُغَةٌ لِلْكِتَابِ،
ثُمَّ أُثِيرَتْ هَـٰذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّةً أُخْرَىٰ فِي مَطْلَعِ سَنَةٍ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ؛ حِينَ أَلَّفَ وَيْلَمُور – أَحَدُ الْقُضَاةِ الْإِنْكِليزِ فِي الْمَحَاكِمِ الْمُخْتَلِطَةِ فِي مِصْرَ – كِتَابًا دَعَاهُ لُغَةَ الْقَاهِرَةِ حَضَّ فِيهِ عَلَىٰ إِحْلَالِ الْعَامِّيَّةِ مَحَلَّ الْفُصْحَىٰ، وَنَادَىٰ بِجَعْلِهَا لُغَةَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَوَضَعَ لَهَا قَوَاعِدَ وَضَوَابِطَ…
فَسَلَامَةُ مُوسَىٰ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الْيَوْمُ وَالْغَدُ :
وَكُلَّمَا زَادَتْ مَعْرِفَتِي بِأُورُوبُا؛ زَادَ حُبِّي لَهَا وَتَعَلُّقِي بِهَا، وَزَادَ شُعُورِي بِأَنَّهَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهَا…
هَٰذَا هُوَ مَذْهَبِي الَّذِي أَعْمَلُ لَهُ طَوَالَ حَيَاتِي سِرًّا وَجَهْرًا… فَأَنَا كَافِرٌ بِالشَّرْقِ مُؤْمِنٍ بِالْغَرْبِ.
وَكَانَتْ حُجَجُ الدُّعَاةِ إِلَى الْأَخْذِ بِالْعَامِيَّةِ وَإِحْلَالِهَا مَحَلَّ الْفُصْحَىٰ؛ تَدُورُ حَوْلَ الْأُمُورِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: ذَلِكَ التَّبَايُنُ الْكَبِيرُ بَيْنَ لُغَةِ الْكِتَابِ وَلُغَةِ الْخِطَابِ، مِمَّا يَجْعَلُ الْعِلْمَ وَقْفًا عَلَىٰ طَائِفَةٍ مَحْدُودَةٍ مِنَ النَّاسِ.
ثَانِيًا: فُصُورُ الْفُصْحَىٰ عَنِ الْوَفَاءِ بِحَاجَاتِ الْحَضَارَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ النَّامِيَةِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
ثَالِثًا: صُعُوبَةُ الْفُصْحَىٰ، وَتَعَذُّرُ إِتْقَانِهَا عَلَىٰ الرَّغْمِ مِنَ الْجُهُودِ السَّخِيَّةِ الَّتِي تُبْذَلُ فِي هَٰذَا السَّبِيلِ.
رَابِعًا: جُمُودُ الْفُصْحَى، وَعَدَمُ اسْتِعْدَادِهَا لِلْتَّطَوُّرِ.
فَلْتُنَاقِشْ هَٰذِهِ الْحُجَجَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً؛ لِلْكَشْفِ عَنْ زَيْفِهَا،
وَلْنُسَائِلْهُمْ عَنِ الْعَامِيَّةِ الَّتِي يُرِيدُونَنَا أَنْ نَأْخُذَ بِهَا، أَفَنَأْخُذُ عَامِيَّةَ الْعِرَاقِ الَّتِي لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا الْعِرَاقِيُونَ وَحْدَهُمْ
وَهَبْ أَنَّنَا أَخَذْنَا عَامِّيَّةَ مِصْرَ مَثَلًا؛ أَفَنَخْتَارُ عَامِّيَّةَ الْقَاهِرَةِ ، أَمْ عَامِّيَّةَ الصَّعِيدِ ؟ … وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا هُوَ أَشَدُّ بُعْدًا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفُصْحَىٰ وَالْعَامِّيَّةِ…
… فَهَلْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ مَعَ مَا تُؤَدِّي إِلَيْهِ الدَّعْوَةُ مِنْ وَأْدِ آلافِ آلافِ الْكُتُبِ الَّتِي دُوِّنَتْ بِالْفُصْحَىٰ خِلَالَ تَارِيخِنَا الْحَضَارِيِّ التَّلِيدِ، وَقَتْلِهَا مِنْ غَيْرِ ذَنْبِ جَنَتْ… وَقَطْعِ صِلَةِ الْأَبْنَاءِ بِالْآبَاءِ، وَحِرْمَانِ الْأَوَاخِرِ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَىٰ أَسَاسِ الْأَوَائِلِ…
مِنْ أَيْنَ لَهُمْ ذَلِكَ؟!!… وَهِيَ اللُّغَةُ الَّتِي امْتَدَّتْ طَاقَاتُهَا؛ حَتَّى وَسِعَتْ كِتَابَ اللَّهِ لَفْظًا وَغَايَةً…
وَغَزُرَتْ مُفْرَدَاتُهَا؛ حَتَّىٰ عَبَّرَتْ عَنْ أَدَقِّ دَقَائِقٍ الْحَيَاةِ… وَرَحُبَتْ أَسَالِيبُهَا؛ حَتَّىٰ أَفْصَحَتْ عَنْ أَنْبَلِ الْمَشَاعِرِ، وَأَسْمَىَ الْخِلَالِ.
اسْتَطَاعَتِ العَرَبِيَّةُ أَنْ تَنْشُرَ ظِلَّهَا الوَارِفَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ شُعُوبِ الأَرْضِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ أَنْ تَفْتِنَهُمْ عَنْ لُغَاتِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ.
وَحَتَّى هَبَّ أَبْنَاءُ هَذِهِ الْأَقْوَامِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ؛ يُؤَلِّفُونَ الْكُتُبَ وَيَضَعُونَ الْقَوَاعِدَ لِحِمَايَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ لُغَاتِهِمْ، وَلِصِيَانَةِ فُصْحَاهَا مِنْ عُجْمَةِ أَلْسِنَتِهِمْ.
وَمَا أَنْ أَطَلَّ الْعَصْرُ الذَّهَبِيَّ لِبَنِي الْعَبَّاسِ عَلَىٰ الْكَوْنِ، وَعَمَدَ الْخُلَفَاءُ الْعِظَامُ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَىٰ تَرْجَمَةِ الْعُلُومِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِلَىٰ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ حَتَّىٰ اسْتَجَابَتْ لَهُمْ لُغَةُ الْقُرْآنِ أَعْظَمَ الِاسْتِجَابَةِ
فَاتَسَعَتْ لِفَلْسَفَةِ الْيُونَانِ ، وَحِكْمَةِ الْهُنُودِ ، وَأَدَبِ الْفُرُسِ …
وَوَعَتْ أَعْظَمَ مَا حَفِلَ بِهِ التُّرَاثُ الْإِنْسَانِيُّ مِنْ طِبٍّ، وَكِيمِيَاءٍ وَمَا إِلَيْهِمَا مِنَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْمَعَارِفِ.
وَلَا تَزَالُ آلَافُ الْكَلِمَاتِ الْحَضَارِيَّةِ فِي اللُّغَاتِ الْأُورُبِّيَّةِ تُشِيرُ إِلَىٰ أَصْلِهَا الْعَرَبِيِّ.
ب. إِحْلَالُ الْحَرْفِ الْلَّاتِينِيِّ مَحْلُ الْحَرْفِ الْعَرَبِيِّ
وَقَدْ ظَهَرَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَكَانَ مِنْ أَوَائِلِ الْمُبَشِّرِينَ بِهَا، الْقَاضِي الْإِنْكِلِيزِيُّ وِيلْمُور نَفْسُهُ.
وَكَانَتْ حُجَّةُ الدَّاعِينَ إِلَى الْأَخْذِ بِهَاذِهِ الْبِدْعَةِ هِيَ أَنَّ رَسْمَ الْكَلِمَاتِ بِالْحَرْفِ الْعَرَبِيِّ لَا تَتَبَسَّرُ مَعَهُ قِرَاءَةُ النُّصُوصِ قِرَاءَةً مُسْتَرْسِلَةً مَضْبُوطَةً… وَأَنَّ الشَّكْلَ الَّذِي اسْتَعَاضَتْ بِهِ الْعَرَبِيَّةُ عَنْ حُرُوفِ الْحَرَكَاتِ،
فَفِي الْعَرَبِيَّةِ تِسْعَةُ أَصْوَاتٍ مُمَثَّلَةٍ فِي تِسْعَةِ حُرُوفٍ؛ لَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْحُرُوفِ اللَّاتِينِيَّةِ وَهِيَ: الْهَاءُ، وَالْحَاءُ، وَالْخَاءُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَالْعَيْنُ، وَالْغَيْنُ…
اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ تُغَايِرُ اللُّغَاتِ الْأُورُبِّيَّةَ الَّتِي تُكْتَبُ بِالْحَرْفِ اللَّاتِينِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لُغَةٌ مُعْرَبَةٌ؛ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ أَوَاخِرِ الْكَلِمَاتِ فِيهَا بِاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا مِنَ الْجُمْلَةِ وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الدَّلَالَةُ عَلَىٰ الْحَرَكَاتِ بِالْحُرُوفِ وَإِثْبَاتُهَا فِي صُلْبِ الْكَلِمَةِ؛
فَرَجَّحُوا أَنْ يَعْمَلُوا عَلَىٰ هَدْمِ هَـٰذِهِ اللُّغَةِ بِضَرَبَاتٍ صَغِيرَةٍ تَأْتِيهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا؛ بَدَلًا مِنْ هَدْمِهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي ضَرْبَةٍ قَاضِيَةٍ.
فَرْحُنَا نَسْمَعُ دَعْوَةً إِلَىٰ دِرَاسَةِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ عَلَىٰ أَسَاسٍ إِقْلِيمِيٍّ؛
وَكَمْ أَحْرَجْنَا هَؤْلَاءِ الدُّعَاةَ حِينَ كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ أَبِي الطَّيِبِ الَّذِي وُلِدَ فِي الْكُوفَةِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ ، وَغَنَّى أَعْذَبَ أَلْحَانِهِ فِي حَلَبَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ ، وَصَاغَ أَحْكَمَ قَوَافِيهِ فِي أَرْضِ الْكِنَانَةِ مِصْرَ ، وَأَعْطَى أَصْدَقَ تَأْمُّلَاتِهِ فِي بِلادِ فَارِسَ … أَهُوَ عِرَاقِيٌّ، أَمْ شَامِيٌّ؟؟… أَمَ مِصْرِيٍّ، أَمْ فَارِسِيٍّ؟؟… وَفِي أَدَبِ أَيِّ إِقْلِيم يُمْكِنُ أَنْ یُوضَعَ أَدَبُهُ؟!
وَلَيْسَ أَبُو الطَّيِّبِ بِدْعًا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُشَارِيهِ فِي هَٰذَا عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ أُدَبَائِنَا الْأَفْذَاذِ مِنْ أَمْثَالِ: أَبِي تَمَّامٍ، وَالْبُحْتُرِيِّ، وَأَبِي الْعَلَاءِ، وَمِئَاتٍ غَيْرِهِمْ مِنَ الْكُتَّابِ وَالشُّعَرَاءِ.
وَدَعْوَةٌ ثَانِيَةٌ؛ تَحُضُّ عَلَى الْعِنَايَةِ بِالْأَدَبِ الشَّعْبِيِّ
وَدَعُوَةٌ ثَالِثَةٌ؛ إِلَىٰ اصْطِنَاعِ هَٰذَا الشِّعْرِ الْمَنْثُورِ الَّذِي نَسْمَعُهُ صَبَاحَ مَسَاءَ، وَالَّذِي أَفْسَحَتْ لَهُ الْمَجَلَّاتُ وَالْجَرَائِدُ مَكَانًا رَحِيبًا عَلَىٰ صَفَحَاتِهَا عَلَىٰ الرَّغْمِ مِنْ عُرُوفِ النَّاسِ عَنْهُ، وَنُفُورِهِمْ مِنْهُ.
وَدَعْوَةٌ رَابِعَةٌ؛ تُزَيِّنُ لِلنَّاسِ تَيْسِيرَ النَّحْوِ الْعَرَبِيِّ، وَذَلِكَ بِإِيجَادِ نَحْوٍ جَدِيدٍ يَقْطَعُ صِلَةَ الْأَبْنَاءِ بِالْآبَاءِ،
وَدَعْوَةٌ خَامِسَةٌ؛ إِلَى الْإِبْقَاءِ عَلَى الْفُصْحَىٰ مَعَ إِلْغَاءِ الْإِعْرَابِ مِنْ أَوَاخِرِ الْكَلِمِ،
لُغَتُنَا لَيْسَتْ مِلْكاً لِشَعْبٍ بِعَيْنِهِ
وَإِنَّمَا هِيَ تُرَاثُ الْعَرَبِ وَالْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا عَلَىٰ اخْتِلَافِ دِيَارِهِمْ وَأَقْطَارِهِمْ
وَيُغَذُّونَ عَوَاطِفَهُمْ بِمَا وَعَاهُ مِنْ آيَاتِ الْفَنِّ وَالْجَمَالِ
تَعْتَزُّ بِهِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَتَفْخَرُ بِهِ، وَيَشْعُرُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَبْنَائِهَا؛ أَنَّ هَذَا التُّرَاثَ قِطْعَةٌ مِنْ كِيَانِهِ، وَبُضْعَةٌ مِنْ فُؤَادِهِ، وَوَسِيلَةٌ إِلَىٰ بَقَائِهِ لِأَنَّ فِيهِ حَقِيقَتَهُ وَحَقِيقَةَ أُمَّتِهِ.
تَفَرَّدُ لُغَتُنَا وَتَمِيُّزُهَا
هَذِهِ اللُّغَةَ الْكَرِيمَةَ قَدْ وُضِعَتْ بِإِلْهَامِ الْحَكِيمِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَلَتْ كَلِمَتُهُ.
إِلَّا أَنْ يَقِفَ عَلَىٰ وَاحِدٍ مِنْ عَشَرَاتٍ مُعْجَمَاتِ الْمَعَانِي الَّتِي حَفِلَتْ بِهَا الْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَّةُ، وَأَنْ يَتَصَفَّحَ فَهَارِسَ هَذِهِ الْمُعْجَمَاتِ
فَإِنَّهُ سَيَجِدُ فِيهَا مِنْ غِنَى الْمُفْرَدَاتِ، وَوَفْرَةِ الدَّلَالَاتِ، وَدِّقَّةِ التَّعْبِيرِ، وَبَرَاعَةِ التَّصْوِيرِ، مَا يُذْهِلُ لُبَّهُ.
فَالْعَرَبُ تَقُولُ:
يَدُ فُلَانٍ مِنَ اللَّحْمِ غَمِرَةٌ… وَمِنَ الزَّيْتِ قَنِمَةٌ…
وَمِنَ السَّمَكِ صَمِرَةٌ… وَمِنَ الشَّحْمِ زَهِمَةٌ…
وَمِنَ الْبَيْضِ زَهِكَةٌ… وَمِنَ الدُّهْنِ زَنِخَةٌ…
وَمِنَ الْخَلِّ خَمِطَةٌ… وَمِنَ الْعَسَلِ لَزِجَةٌ…
وَمِنَ الْفَاكِهَةِ لَزِقَةٌ… وَمِنَ الدَّمِ ضَرِجَةٌ…
وَمِنَ الْمَاءِ لَثِقَةٌ… وَمِنَ الْحَدِيدِ سَهِكَةٌ…
وَمِنَ الْبَوْلِ وَشِكَةٌ… وَمِنَ الْوَسَخِ دَرِنَةٌ.
كَمَا فَصَّلَتِ الْعَرَبُ الْكَلَامَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَأَنْوَاعِهَا، وَجَعَلَتْ لِكُلِّ نَوْعِ اسْمًا خَاصًّا بِهِ:
فَإِذَا كَانَ الْمَالُ مَوْرُوْثًا فَهْوَ: تِلَادٌ.
فَإِذَا كَانَ مُكْتَسَبًا فَهْوَ: طَارِفٌ.
فَإِذَا كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ فَهْوَ: رِكَازٌ.
فَإِذَا كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً فَهْوَ: صَامِتٌ.
فَإِذَا كَانَ إِبِلًا وَغَنَمًا فَهْوَ: نَاطِقٌ.
فَإِذَا كَانَ ضَيْعَةً وَمُسْتَعَلًا فَهْوَ: عَقَارٌ.
إِذَا كَانَتِ الْحُمَّى لَا تَدُورُ بَلْ تَكُونُ نَوْبَةً وَاحِدَةً، فَهْيَ: حُمَّى يَوْمٍ… فَإِذَا كَانَتْ نَائِبَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَهْيَ: الْوِرْدُ… فَإِذَا كَانَتْ تَنُوبُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، فَهْيَ: الْغِبُّ… فَإِذَا كَانَتْ تَنُوبُ يَوْمًا وَيَوْمَينٍ لَا، ثُمَّ تَعُودُ فِي الرَّابِعِ، فَهْيَ: الرِّبْعُ… فَإِذَا دَامَتْ وَأَقْلَقَتْ وَلَمْ تُقْلِعْ، فَهْيَ: الْمُطْبِقَةُ… فَإِذَا قَوِيَتْ وَاشْتَدَّتْ حَرَارَتُهَا وَلَمْ تُفَارِقِ الْبَدَنَ، فَهْيَ: الْمُحْرِقَةُ… فَإِذَا دَامَتْ مَعَ الصُّدَاعِ أَوِ الثِّقَلِ فِي الرَّأْسِ، وَالْحُمْرَةِ فِي الْوَجْهِ وَكَرَاهَةِ الضَّوْءِ، فَهْيَ: الْبِرْسَامُ.
فَالشَّجَاعَةُ لَهَا عِنْدَ الْعَرَبِ دَرَجَاتٌ، وَلِكُلِّ دَرَجَةٍ لَفْظٌ خَاصٌّ بِهَا…
وَالْجُودُ لَهُ مَرَاتِبُ، وَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ كَلِمَةٌ تُؤَدِّيهَا…
وَالْغَضَبُ لَهُ مَرَاحِلُ، وَلِكُلِّ مَرْحَلَةٍ حَرْفٌ يُعْرِبُ عَنْهَا. وَهَكَذَا…
وَمَنْ يَقِفْ عَلَىٰ كُتُبٍ فِقْهِ اللُّغَةِ يَجِدْ لِكُلِّ مَعْنًى يَجُولُ فِي ذِهْنِهِ لَفْظًا، وَلِكُلِّ سُؤَالٍ يَدُورُ فِي خَلَدِهِ جَوَابًا.
وَقَدْ يَقُولُ فَرِيقٌ مِمَّنْ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:
إِنَّنَا لَا نُمَارِي فِي قُدْرَةِ هَذِهِ اللُّغَةِ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَطَالِبِ الْإِنْسَانِ الْمَعَاشِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ، وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لِهَذِهِ اللُّغَةِ أَنْ تَفِيَ بِحَاجَاتِ عَصْرِ الدَّرَّةِ وَالْفَضَاءِ؟!…
كَتَبَ الْعَالِمُ الْأَدِيبُ الدُّكْتُورُ أَحْمَدُ زَكِيٍّ فِي مَجَلَّةِ الْعَرَبِيِّ بَحْثًا قَيِّمًا شَيْقًا مُسْتَفِيضًا عَنْ هَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ
عَبَّرَ فِيهِ بِلُغَةٍ عِلْمِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ فَصِيحَةٍ عَنْ حَقَائِقِ هَذِهِ الرَّحْلَةِ وَدَقَائِقِهَا؛ تَعْبِيرًا يُخَيَّلُ مَعَهُ لِلْمَرْءِ أَنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ صَنَعْنَا مَرْكَبَةَ الْفَضَاءِ لَا الْأَمْرِيكَانُ وَأَنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ صَعِدْنَا إِلَى الْقَمَرِ لَا هُمْ.
وَاللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ إِلَىٰ هَٰذَا لُغَةٌ ذَاتُ صِيَغِ ثَابِتَةِ النُّطْقِ، مَعْلُومَةِ الدَّلَالَةِ، فَمَا دَلَّ عَلَىٰ مَنْ قَامَ بِالْفِعْلِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ صِيغَ عَلَىٰ وَزْنِ فَاعِلٍ : كَعَابِدٍ، وَحَامِدٍ، وَشَاكِرٍ… وَمَا دَلَّ عَلَىٰ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ؛ صِيغَ عَلَىٰ وَزْنِ مَفْعُولٍ : كَمَعْبُودٍ، وَمَحْمُودٍ، وَمَشْكُورٍ.
ثُمَّ إِنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ تَتَمَتَّعُ بِخَاصَّةِ الْاشْتِقَاقِ الَّتِي حُرِمَتْ مِنْهَا جُلُّ اللُّغَاتِ الْحَيَّةِ وَهِيَ خَاصَّةٌ جَعَلَتْ مِنْ لُغَةِ الضَّادِ لُغَةً مَنْطِقِيَّةً،
فَلْنَأْخُذْ – مَثَلًا – مَادَّةَ النَّشْرِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ فَسَوْفَ نَجِدُ أَنَّ فِي وُسْعِنَا أَنْ نَشْتَقَّ مِنْهَا الْأَفْعَالَ الثَّلَاثَةَ: نَشَرَ، وَيَنْشُرُ، وَانْشُرُ… كَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُوَلِّدَ مِنْهَا اسْمَ الْفَاعِلِ نَاشِرٌ ، وَاسْمَ الْمَفْعُولِ مَنْشُورٌ ، وَاسْمَ الْآلَةِ مِنْشَارٌ ، وَاسْمَ الْمَكَانِ مَنْشَرٌ ، وَهَكَذَا…
بَيْنَمَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجِدَ فِي اللُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ مَثَلًا صِلَةً بَيْنَ الْأَخِ وَأُخْتِهِ، فَالْأَخُ فِي الْفَرَنْسِيَّةِ Frere وَالْأُخْتُ Soeur وَهُمَا كَلِمَتَانِ مُتَنَافِرَتَانِ فِي النُّطْقِ؛ مُتَنَا كِرَتَانِ فِي الصِّيغَةِ، لَا تَمُتُّ إِحْدَاهُمَا إِلَىٰ الْأُخْرَىٰ بِسَبَبِ.
وَمَا يُقَالُ عَنِ الْفَرَنْسِيَّةِ يُقَالُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً عَنِ الإنكليزية ، فَهِيَ لُغَةُ الْفَرْدِيَّةِ وَالشُّذُوذِ.
امْتَدَّتْ مُنْذُ النَّابِعَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَىٰ شَوْقِيٍّ في الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، وَالَّتِي يَسْتَطِيعُ الْمَلَايِينُ مِنْ أَبْنَائِنَا في الْعَصْرِ الْحَاضِرِ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَةَ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَأَنْ يَفْقَهُوا مَعَانِيَهُمَا، وَأَنْ يُدْرِكُوا هَدْيْهُمَا، وَأَنْ يَسْتَشْعِرُوا عَظَمَتَهُمَا، وَأَنْ يَتَمَلُّوْا مِمَّا حَفِلَا بِهِ مِنْ صَلَاحٍ، وَإِصْلَاحٍ.
النابغة الذبياني: هو زياد بن معاوية من فحول شعراء الجاهلية، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء وتعرض عليه أشعارها، تُوفي نحو ١٨ قبل الهجرة.
أحمد شوقي: ١٨٦٨ – ١٩٣٢م من أشهر شعراء العصر الأخير ولقب بأمير الشعراء، وهو أول من جود القصص الشعري التمثيلي بالعربية.
وَأَنْ يَقِفَ هَؤُلَاءِ الْأَبْنَاءُ عَلَىٰ الْآثَارِ الَّتِي خَلْفَهَا زُهَيْرٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ زَمَنَ بَنِي أُمِّيَّةَ ، وَأَبُو تَمَّامٍ وَالْمُتَنَبِّي فِي عُصْرِ بَنِي الْعَبَّاسِ ، وَمَنْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرَاءِ الْبَيَانِ…
هو زهير بن أبي سُلمى، شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات، يعتبر من أشعر شعراء عصره.
هو عبد الحميد الكاتب تُوفي سنة ٧٥٠م، أول من أنشأ أسلوب الرسائل في الأدب الْغَرَبِيِّ، عمل في بلاط الأمويين، وخدم مروان بن محمد آخر خلفائهم، وله ست رسائل أشهرها رسالة إلى الكتاب امتاز بلغة متينة وأسلوب رائع.
وَأَنْ يَنْتَفِعُوا مِمَّا فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ مَوْعِظَةٍ وَحِكْمَةٍ، وَأَنْ يَتَذَوَّقُوا مَا حَفِلَتْ بِهِ مِنْ فَنٍ وَجَمَالٍ…
وَأَنْ يَعِيشُوا التَّجَارِبَ الَّتِي مَرَّتْ بِأَسْلَافِهِمُ الْعِظَامِ، وَأَنْ يَحْيَوْا مَعَهُمْ بِعَوَاطِفِهِمْ وَمَشَاعِرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ…
فَمِنْ حَقٍّ أَبْنَائِنَا عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَ إِلَيْهِمُ الْأَمَانَةَ كَامِلَةً، وَأَنْ نُبَلِّغَهُمُ الرِّسَالَةَ تَامَّةً، وَأَنْ نُجَاهِدَ مِنْ أَجْلِهِمْ كَمَا جَاهَدَ آبَاؤُنَا مِنْ أَجْلِنَا.
إِنَّ مِنْ حَقٍّ أَبْنَائِنَا عَلَيْنَا؛ أَنْ نُيَسِّرَ لَهُمْ تَعْلَمَ هَـٰذِهِ الْلُّغَةِ لَا أَنْ نُمَنِّيَهُمْ بِتَيْسِيرِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا،
وَأَنْ يَضَعُوا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ أَنَّ اللُّغَةَ لَا تُعَلِّمُ إِلَا بِالْمَمَارَسَةِ وَالْمُحَاكَاةِ،
وَأَنَّهُ كَائِنٌ يُحِسُّ الْجَمَالَ فِي التَّعْبِيرِ كَمَا يُحِسُّهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَىٰ،
إِنَّ مِنْ حَقٍّ أَبْنَائِنَا عَلَىٰ رِجَالِ الدَّوْلَةِ؛ أَنْ يُوقِنُوا أَنَّنَا إِذَا عَوَّلْنَا عَلَىٰ الْمَدْرَسَةِ وَحْدَهَا فِي تَعْلِيمِ اللُّغَةِ؛ فَقَدْ تَمْضِي مِائَةُ عَامٍ قَبْلَ أَنْ تَضِيقَ الشُّقَّةُ بَيْنَ الْفُصْحَىٰ وَالْعَامِّيَّةِ
وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَىٰ تَعْلِيمِ الْفُصْحَىٰ مَا لَا تَمْلِكُهُ الْمَدَارِسُ…
وَمِنْ هُنَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَرِّمُوا عَلَيْهَا اسْتِعْمَالَ الْعَامِيَّةِ تَحْرِيمًا قَاطِعًا، وَأَنْ يَحْمِلُوهَا عَلَىٰ اسْتِعْمَالِ الْفُصْحَىٰ فِي جَمِيعِ مَا يُذَاعُ مِنْ تَمْثِيلِيَّاتِنَا،
إِنَّ مِنْ حَقٍّ أَبْنَائِنَا عَلَىٰ الْحُكُومَاتِ الْعَرَبِيَّةِ؛ أَنْ تَسُنَّ قَوَانِينَ تُلْزِمُ الْمُؤَلِّفِينَ وَالْمُتَرْجِمِينَ بِاسْتِعْمَالِ الْفُصْحَىٰ فِي كُلِّ مَا يُقَدِّمُونَهُ لِلنَّاسِ،
وَأَنْ تَنْظُرَ إلَى هَذََا الْمَوْضُوعِ كَمَا تَنظَرُ إِلَىٰ أَيِّ عَمَلِ تَخْرِيبِيِّ يَمَسُّ كِيانَ الدَّوْلَةِ وَسَلَامَةَ الْأُمَّةِ.
إنَّ مِنْ حَقٍّ أَبْنَائِنَا عَلَيْنَا؛ أَنْ يُؤْمِنَ أُدَبَاؤُنَا وَحَمَلَةُ الْأَقْلَامِ مِنَّا بِأَنَّ لَهُمُ الْيَوْمَ رِسَالَةٌ لُغَوِيَّةٌ إِلَىٰ جَانِبِ رِسَالَتِهِمُ الْفِكْرِيَّةِ،
وَبِذَلِكَ تَتَسَابُ لُغَةُ الْقُرْآنِ عَلَىٰ كُلِّ شَفَةٍ، وَتَتَرَدَّدُ عَلَىٰ كُلِّ مَسْمَعٍ، وَيُتَرَنَّمُ بِهَا فِي كُلِّ مَحْفِلٍ…
وَاللهَ نَسْأْلُ أَنْ يَرْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ فِي الْفِكْرِ، وَالْقَوْلِ، وَالْعَمَلِ… وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.
السُّؤَالُ: تُدَرِّسُ بَعْضُ الْجَامِعَاتِ فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ الْعُلُومَ بِاللُّغَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ؛
حُجَّتُهُمْ وَمَنْطِقُهُمْ…
● إِنَّ هَذِهِ العُلُومَ أَجْنَبِيَّةُ المَنْبَتِ وَالنَّشْأَةِ،
● إِنَّ تَدْرِيسَ طُلَّابِنَا هَذِهِ الْعُلُومَ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ يُؤَدِّي إِلَى عَزْلِ أَبْنَائِنَا عَنْ تَيَّارَاتِ الثَّقَافَةِ الْعَالَمِيَّةِ،
● ثُمَّ هَلْ فِي وُسْعِ لُغَتِنَا أَنْ تَفِيَ بِحَاجَاتِ هَذِهِ الْمَعَارِفِ، وَأَنْ تُعَبِّرَ عَنْهَا؟
وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا فِي هَذَا الصَّدَدِ: أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ الثَّقَافَةَ لَا تَتَوَطَّنُ فِي شَعْبٍ مِنَ الشُّعُوبِ مَا دَامَتْ لَا تُعَلَّمُ بِلُغَةِ هَذَا الشَّعْبِ…
مَاذَا كَانَ يَحْدُثُ؟ لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَخَذُوا عُلُومَ الْيُونَانِ مِنْ طِبٍّ، وَحِكْمَةٍ، وَمَنْطِقٍ، وَغَيْرِهَا فِي أَوَائِلِ نَهْضَتِهِمُ الْعِلْمِيَّةِ عَنِ الْيُونَانِ بِلُغَةِ الْيُونَانِ … أَفَمَا كَانُوا يُصْبِحُونَ ذَيْلًا وَتَبَعًا لِلْيُونَانِ؟ …
مَاذَا كَانَ يَحْدُثُ لِأُورُوبَّا؟ لَوْ أَنَّهَا أَخَذَتِ الْعُلُومَ عُلُومَ الْعَرَبِ بَعْدَ ذَلِكَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَمْ تَنْقُلْهَا إِلَىٰ لُغَاتِهَا… أَمَا كَانَتْ تُصْبِحُ ذَيْلًا لِلْمُسْلِمِينَ وَتَبَعًا لَهُمْ؟
ثُمَّ إِنَّ مَرَاجِعَ هَذِهِ الْعُلُومِ مَكْتُوبَةٌ بِالْفَرَنْسِيَّةِ، وَالإِنْكِلِيزِيَّةِ، وَالأَلْمَانِيَّةِ، وَالرُّوسِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ عَشَرَاتِ اللُّغَاتِ…
ثُمَّ إِنَّ تَدْرِيسَ أُسْتَاذٍ عَرَبِيِّ اللِّسَانِ لِطُلَّابٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ بِلِسَانِهِمْ؛ أَجْدَىٰ نَفْعًا وَأَجَدُّ بِوُصُولِ الْمَعَارِفِ إِلَيْهِمْ…
إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ اخْتُبِرَتْ فِي حَيَاتِهَا الطَّوِيلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَمَا وَنَتْ، وَلَا ضَعُفَتْ، وَلَا قَصَّرَتْ فِي الِاخْتِبَارِ…
كَانَتِ الْمَرَّةُ الْأُولَى: حِينَ أَنْزَلَ اللهُ كِتَابَهُ الْكَرِيمَ،
وَكَانَتِ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ: يَوْمَ فَتَحَ الْعَرَبُ عُيُونَهُمْ عَلَىٰ ثَقَافَاتِ الْيُونَانِ ، وَالْهُنُودِ، وَ فَارِسَ …
وَكَانَتِ الْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ: تَجْرِبَةَ جَامِعَةِ دِمَشْقَ ، وَهِيَ تَجْرِبَةٌ نَاجِحَةٌ رَائِعَةٌ رَائِدَةٌ.
فَالْجَامِعَةُ الْعِبْرِيَّةُ فِي تَلِّ أَبِيبَ ، وَالْمَعَاهِدُ الْعِلْمِيَّةُ، وَالْكُلِّيَّاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَالْمَدَارِسُ الثَّانَوِيَّةُ جَمِيعُهَا تُعَلِّمُ بِالْعِبْرِيَّةِ…
فَمَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الْعِبْرِيَّةَ لُغَةٌ مَيِّتَةٌ، وَإِنَّ زِمَامَ الثَّقَافَةِ فِي يَدِ الْأَقْوَامِ اللَّاتِينِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛
لَكِنَّ الْيَهُودَ يَعْرِفُونَ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْعُلُومِ إِلَى الْعِبْرِيَّةِ؛ يُحَوِّلُهَا مِنْ لُغَةٍ مَيِّتَةٍ إِلَى لُغَةٍ حَيَّةٍ، وَيَشْحَنُهَا بِالْمُصْطَلَحَاتِ وَالْأَسَالِيبِ.
أَمْرِيكَا تُوفِدُ طَبِيبًا خَبِيرًا بِالْمَخْطُوطَاتِ؛ لِيُزَوِّدَهَا بِمَا لَدَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ عُلُومِ الطِّبِّ؛ فَيَنْكَشِفَ أَنَّ في الظَّاهِرِيَّةِ وَحْدَهَا مِائَةً وَعِشْرِينَ كِتَابًا في الطِّبِّ وَالصَّيْدَلَةِ، وَيَنْقُلُهَا إِلَىٰ قَوْمِهِ… وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا…
المكتبة الظاهرية في دمشق، وقد كان المؤلف – رحمه الله – مديرًا لها.
فَعُلُومُ الطِّبِّ وَالصَّيْدَلَةِ وَمِئَاتُ الْعُلُومِ الْأُخْرَىٰ احْتَاجَتْ إِلَىٰ مُصْطَلَحَاتٍ… وَكُلُّهَا وَجَدَتْ مُصْطَلَحَاتِهَا فِي لُغَتِنَا؛ حَتَّىٰ أَصْبَحَتِ الْمُصْطَلَحَاتُ تُعَدُّ بِالْأُلُوفِ، وَوُضِعَتْ لِهَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ كُتُبٌ خَاصَّةٌ مِنْهَا:
كِتَابُ التَّعْرِيفَاتُ لِلْجُرْجَانِيِّ وَيَقَعُ فِي مِائَةِ صَفْحَةٍ وَنَيِّفٍ، وَ كَشَّافُ اصْطِلَاحِ الْفُنُونِ لِلتَّهَانَوِيِّ وَيَقَعُ فِي نَحْوِ أَلْفَيْ صَفْحَةٍ كَبِيرَةٍ، وَكُلِّيَّاتُ أَبِي الْبَقَاءِ،
وَالْمَرْءُ حِينَ يَقِفُ عَلَى الْمُصْطَلَحَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي اللُّغَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ تَأْخُذُهُ الدَّهْشَةُ أَيْضًا.
والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات
