القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: الطريق إلى مكة، تأليف: محمد أسد (ليوبولد فايس)

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

الطريق إلى مكة

تأليف: محمد أسد (ليوبولد فايس)

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]

الفهرس

تعليقاتي على الكتاب.. 2

الكتاب وَجْبَة تاريخيَّة وحضاريَّة دَسِمَة. 3

نبذة مُختصرة عن المؤلِّف3

شاهد على القرن العشرين.. 4

مُقَدِّمَةٌ. 5

الفَصْل الأوَّل: العَطَشُ6

الفَصْل الثَّاني: بِدَايَةُ الطَّرِيقِ.. 9

الفَصْل الثَّالِث: رِيَاحٌ.. 11

الفَصْل الرَّابِع: أصْوَاتٌ.. 16

الفَصْل الخَامِس: رُوْحٌ وَجَسَدٌ. 20

الفَصْل السَّادِس: أَحْلَامٌ. 24

الفَصْل السَّابِع: مُنْتَصَفُ الطَّرِيقِ.. 26

الفَصْل الثَّامِن: جِنّ.. 31

الفَصْل التَّاسِع: رِسَالَةٌ فَارِسِيَّةٌ. 32

الفَصْل العَاشِر: دَجَّالٌ. 36

الفَصْل الحَادِي عَشَر: جِهَادٌ. 44

الفَصْل الثَّانِي عَشَر: نِهَايَةُ الطَّرِيق.. 47

المُؤلِّف في سُطُور. 52

  

تعليقاتي على الكتاب

فيه كلّ ما يُميِّز السِّير الذاتية.

الكتاب أقرب للرِّواية ويصلح أن يكون سيناريو فيلم.

أسلوب السرد والكتابة بديع، خصوصاً الانتقال بين الماضي والحاضر.

حياة المؤلِّف لم تكن عادية، ومثل هذه الحيوات جديرة بالتَّدوين.

طابع الإثارة في الكتاب رائع، والمخاطر التي تعرَّض لها، تجعلك تقرأ وأنت تترقَّب كيف سينجو.

المعلومات الهامة في الغالب مذكورة ضمن سياق درامي غير مُباشر.

أي كتاب يُضحكني ويُبكيني ويُحرِّك مشاعري وعاطفتي يستحق القراءة.

علاقة الأخوة الرَّاسخة بين محمد أسد وزيد جديرة بالتأمُّل.

من أهمّ النِّقاط على الإطلاق: تلقِّيه الإسلام عن مُسلمين من كل أنحاء العالم الإسلامي.

جولاته في البلاد العربية والإسلامية: فلسطين، الأردن، سوريا، العراق، إيران، أفغانستان، مصر، الجزيرة العربية، الكويت، ليبيا.

الشخصيات العظيمة التي التقى بها:

o الأمير شكيب أرسلان.

o الشيخ مصطفى المراغي.

o السيد أحمد الشريف السنوسي.

o عمر المُختار.

هذا الكتاب يؤكِّد على أنَّ:

o العالم كله يُمكنه أن يتغيَّر بالكامل في مائة عام فقط!

o فرد واحد قادر على إحداث الكثير من التَّغيير!

ليس كل ما قاله عن الإسلام صحيحاً، وبعضه خاطئ قطعاً، مثل كلامه عن المسيح الدجال.

هذه الخُلاصة تحتوي على ما يجب أن تطلع عليه من كلامه، لا أنني أوافقه.

العيب الوحيد البارز في الكتاب: كلامه عن النساء.

أشعر أن الكتاب يحتاج إلى تنقيح: وأنه ليس مناسباً للنِّساء.

 

الكتاب وَجْبَة تاريخيَّة وحضاريَّة دَسِمَة

لا يحكي فقط رحلة محمد أسد إلى مكة، بل يمرّ على عالم كامل كان يخرج من أنقاض الحرب العالمية الأولى: أوروبا المصدومة بعد الحرب، والشرق الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية، وإلغاء الخلافة، وصعود القومية التركية وإفسادات أتاتورك، ثم بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين، وتمدّد النفوذ البريطاني والفرنسي في بلاد العرب، ومقاومة الإنجليز في مصر، واضطراب العراق والشام تحت نظام الانتداب، وصراع ابن سعود مع آل الرشيد في نجد، ثم قتاله ضد أتباع الشريف حسين المدعومين من بريطانيا في الحجاز، ثم ظهور حركة إخوان من أطاع الله النجدية ودورها في الفتوحات السعودية ثم صدامها مع ابن سعود، وكذلك الانقلاب العسكري في إيران وصعود رضا خان، والمقاومة السنوسية في ليبيا، وجهاد عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي. ولهذا فالكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة حيّة على ولادة الشرق الأوسط الحديث من رحم انهيار العالم القديم.

نبذة مُختصرة عن المؤلِّف

محمد أسد هو الاسم الإسلامي لـ ليوبولد فايس، وُلد سنة 1900م في مدينة لِفِيف، وكانت آنذاك ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية، في أسرة يهودية. عمل صحفيًا ومراسلًا في الشرق الأوسط في العشرينيات، وتأثر بالحياة الإسلامية والعربية، ثم أسلم سنة 1926م واتخذ اسم محمد أسد.

اشتهر بكتابه الطريق إلى مكة، وهو سيرة ذاتية روى فيها رحلته الفكرية والروحية من أوروبا إلى الإسلام، وتجواله في بلاد العرب، وحجه إلى مكة. نُشر الكتاب بالإنجليزية سنة 1954م.

لم يكن مجرد رحّالة؛ بل صار كاتبًا ومفكرًا ومترجمًا للقرآن بالإنجليزية في كتابه The Message of the Qur an، كما عمل لاحقًا في خدمة دولة باكستان دبلوماسيًا، ومثّلها فترة في الأمم المتحدة. توفي سنة 1992م.

يمكن وصفه باختصار بأنه: مثقف أوروبي يهودي الأصل، أسلم عن قناعة، وحاول أن يشرح الإسلام للعقل الغربي بلغة أدبية وفكرية مؤثرة.

 

شاهد على القرن العشرين

وُلد محمد أسد سنة 1900م، وتوفي سنة 1992م؛ ولذلك فهو عاش تقريبًا القرن العشرين كله، وشهد تحوُّلات كُبرى غيّرت وجه العالم الإسلامي والغربي معًا. وكان اسمه قبل الإسلام ليوبولد فايس، ثم أسلم سنة 1926م واتخذ اسم محمد أسد.

في طفولته وشبابه المبكر، وقعت الحرب العالمية الأولى بين سنتي 1914م و1918م. كانت هذه الحرب من أهم الأحداث التي أنهت العالم الأوروبي القديم؛ إذ سقطت بعدها إمبراطوريات كبرى مثل الدولة العثمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية التي وُلد أسد في نطاقها. وهذا مهم لفهم خلفيته؛ لأنه نشأ في أوروبا وهي خارجة من صدمة حضارية وسياسية كبيرة.

بعد الحرب العالمية الأولى، بدأ عصر جديد في الشرق الأوسط: ضعف الدولة العثمانية ثم سقوطها، وظهور الانتدابات الأوروبية، وإعادة رسم حدود بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية. وفي هذه الأجواء جاء محمد أسد إلى الشرق مراسلًا وصحفيًا، فاقترب من المجتمعات العربية والإسلامية قبل أن يدخل في الإسلام سنة 1926م.

ومن الأحداث المهمة في زمنه أيضًا توحيد المملكة العربية السعودية. فقد انتهت مراحل التوحيد بإعلان قيام المملكة العربية السعودية يوم 23 سبتمبر 1932م على يد الملك عبد العزيز بن سعود، بعد توحيد الحجاز ونجد ومناطق أخرى. وهذا الحدث شديد الصلة بكتاب الطريق إلى مكة؛ لأن أسد عاش فترة من حياته في الجزيرة العربية، واحتك بعالمها السياسي والاجتماعي والديني في زمن التكوين السعودي الحديث.

ثم عاش محمد أسد مرحلة الحرب العالمية الثانية بين سنتي 1939م و1945م، وهي الحرب التي غيّرت ميزان القوى العالمي، وأدت بعد ذلك إلى صُعُود الولايات المُتَّحدة والاتِّحاد السوفيتي، وبداية النِّظام الدولي الحديث.

وبعد الحرب العالمية الثانية، شهد أسد أحداثًا كبرى أخرى، منها نهاية الاستعمار الأوروبي في بلاد كثيرة، وقيام دولة باكستان سنة 1947م، وقد ارتبط بها محمد أسد لاحقًا وعمل في خدمتها دبلوماسيًا ومفكرًا سياسيًا. كما شهد قيام دولة إسرائيل سنة 1948م، وبداية الصراع العربي الإسرائيلي بصورته الحديثة.

إذن يمكن أن نقول باختصار: محمد أسد عاش في زمن انهيار الإمبراطوريات القديمة، والحربين العالميتين، وسقوط الدولة العثمانية، وولادة الدولة السعودية الحديثة، وصعود الحركات القومية والاستقلالية في العالم الإسلامي، ثم ظهور باكستان وإسرائيل. وكل هذه الأحداث جعلت تجربته في الطريق إلى مكة ليست مجرد رحلة شخصية إلى الإسلام، بل شهادة على عالم قديم كان ينهار، وعالم جديد كان يتشكّل.

مُقَدِّمَةٌ

فذلك الإيمان حلَّ عليَّ عبر رحلة السنين دون أن أسعى إليه. حكايتي ببساطة هي حكاية اكتشاف رجل أوروبي للإسلام كدينٍ متكاملٍ في أي مجتمع إسلامي.

اعتقد كل من عرفني في البداية أنني لست إلا خبيراً أوروبياً يعمل لدى حكومة شرقية

بدأت حياتي العملية في باكورة شبابي مراسلاً للصحف الأوروبية من دول الشرق الأوسط، وبعد أعوام من الترحال والتنقل المتواصل بين دول الشرق الأوسط اعتنقت الإسلام عام ١٩٢٦، وعشت بعد ذلك ستة أعوام في أماكن مختلفة من الجزيرة العربية شرفت خلالها بصداقة الملك ابن سعود، ثم توجهت بعد ذلك إلى الهند، والتقيت هناك بالشاعر والفيلسوف الإسلامي والأب الروحي لمشروع إقامة دولة باكستان الإسلامية محمد إقبال،

وأن أبقى معه بالهند لبلورة التصور الفكري لإقامة دولة إسلامية مستقلة تحمل اسم باكستان، والتي لم تكن في ذلك الوقت إلا حُلماً يراود خياله.

ومع مضي الأعوام اكتسبت شهرة واسعة كشارح ومفسر للشريعة والثقافة الإسلامية. ولما تحقق الحلم وأُعلِنَ عن قيام دولة باكستان الإسلامية المستقلة عام ١٩٤٧، كلفتني الحكومة الوليدة بإنشاء إدارة خاصة تسعى لإحياء النهضة الإسلامية

فقد كان تحولاً واعياً وإرادياً عن ثقافة وفكر معينين تشبعت بهما من مولدي إلى شبابي، إلى ثقافة أخرى وفكر آخر مغايرين كلية لما درجت عليه،

وكيف أمكنه أن يبدل إرثه الثقافي الغربي ويعتنق الإسلام، وتساءلوا عن ذلك الدافع الذي يجعله يتقبل مفاهيم دينية واجتماعية أدنى في نظرهم بمراحل كثيرة من كل المفاهيم الغربية المتحضرة (ويؤمن أهل الغرب بذلك بيقين تام يتجاوز احتمال المراجعة).

حتى إنهم أصبحوا عاجزين – ولو نظرياً – عن قبول فكرة وجود قيم إيجابية في ثقافات أخرى تقع خارج محيطهم الثقافي والفكري والمعرفي؟

يؤمن المواطن الغربي أن نمط الحياة لديه هو النمط الوحيد الصالح والملائم للحياة، وأنه النموذج الأوحد الذي لا بد أن تُقاس عليه أية أنماط أخرى، ويستتبع ذلك بالطبع أن أية مفاهيم معرفية أو ثقافية أو أنساق اجتماعية أو قيم أخلاقية تختلف عن النمط الغربي إنما تنتمي إلى مستوى أدنى من الحياة.

أصبح الغرب فقط أكثر تسامحاً. وأذكرك أن ذلك التسامح لم يشمل نظرته إلى الإسلام بقدر ما شمل الحضارات الشرقية الأخرى، التي تقدم نوعاً من الجاذبية الروحية للغرب الجائع روحياً، وهي توجهات روحية بعيدة كل البعد عن جوهر التقدم الغربي مما لا يشكل أي تحد للقيم الغربية.

ويرجع ذلك – فيما أظن – إلى أن قيم الإسلام قريبة قرباً شديداً من جوهر تلك القيم السائدة في الغرب مما يشكل تحدياً حقيقياً لمفاهيم غربية عديدة، روحية واجتماعية.

فما يعتقده الغرب تجاه الإسلام في عصرنا الحالي ترجع جذوره إلى الانطباعات التي تولدت بين الأمم الأوروبية في أثناء الحروب الصليبية.

لقد خاضت الأمم الأوروبية تلك الحرب متفقة لأول مرة على هدف واحد،

الفرانك والسكسون والجرمان والبورقان والصقليون والنورمان واللومباردية، ممالك إقطاعية ودول ومدن من شذرات الإمبراطورية الرومانية وبقاياها بعد انهيارها النهائي، ولم يكن يربط ذلك الخليط المتباين إلا رابط واحد، هو أنها جميعاً تعتنق الديانة المسيحية.

مفهوم سياسي ديني للمسيحانية ولد بدوره المفهوم الثقافي لـ أوروبا ككل.

فحتى يستمر الزخم الداعي لاستمرار الحرب الصليبية، دمغوا الرسول بأوصاف كريهة، وادعوا أنه معاد للمسيح، ووُصفتْ ديانته بأشنع الأوصاف، وأنها منبع الشرور اللاأخلاقية والانحراف والشذوذ.

لقد كانت كراهية الإسلام ومعاداته هي مهد الحضارة الأوروبية التي رُبيَت عليه.

أشباح وظلال الحروب الصليبية ما زالت تحوم في الغرب حتى اليوم، وما زالوا يتعاملون مع الإسلام برؤية تحمل بقايا ذلك الشبح العنيد.

فأنا لم أتحول إلى الإسلام لأني عشت زمناً طويلاً بين مسلمين – بل على العكس – قررت أن أعيش بينهم لأني اعتنقت الإسلام.

هذه ليست قصة حياتي بأجمعها، ولكنها عن السنوات التي قضيتها بالجزيرة العربية قبل أن أنتقل إلى الهند – تلك السنوات المثيرة التي قضيتها مرتحلاً بين كل دول المنطقة على وجه التقريب من أقصى صحراء ليبيا حتى مرتفعات باميرز المغطاة بالجليد في أفغانستان، وبين مضيق البوسفور حتى بحر العرب.

الجزيرة العربية الموصوفة والمصورة في هذا الكتاب لم يعد لها وجود. تداعى تفردها وتكاملها تحت تيار النفط المتدفق وما جلبه من عوائد. بساطتها التامة اختفت وتلاشت، واختفت معها الجوانب الإنسانية الفريدة من الفطرة.

الفَصْل الأوَّل: العَطَشُ

قررت أن أزور واحات تايما القديمة،

واحات تايما المذكورة باسم تيما في العهد القديم والتي قال عنها النبي أشعيا: (وشعب تيما الذي أعطاه ماء حين كان عطشاً). جعل ماء تايما الغزير وآبارها العظيمة التي لا مثيل لها في كل الجزيرة العربية، منطقة تجارية كبيرة قبل الإسلام فكانت مقصد ومحط ترحال القوافل السارية في أرجاء الجزيرة العربية وموطناً للثقافة العربية المبكرة.

كان صبياً مقاتلاً ضمن فرقة غير نظامية من قوات الجمال الراكبة كانت تمولها الحكومة التركية في شبه جزيرة سيناء أثناء الحرب العالمية الأولى؛

تساقطت قطرات على بقعة من حشائش جافة بين قدمي، مجموعة من سيقان الحشائش الجافة الباهتة، صفراء ذابلة بلا حياة تحت حرارة شمس لافحة. حين تساقطت عليها قطرات الماء، بدا كما لو كانت رعشة تسري في أنصال أوراقها الجافة المتغضنة، رأيت أوراقها وأنا مشدوه وهي تتفتح ببطء وارتجاف.

لا تحس بعظمة الحياة وسطوتها، إلا في الصحراء، الاحتفاظ بالحياة صعب وعسير في الصحراء، والحياة فيها كالهبة، كالكنز، ودائماً حافلة بالمفاجآت.

لا تسمع أبداً حديثاً تافهاً يخلو من معنى، ولا ثرثرة خاوية لإزجاء الوقت: فالمرء لا يسعه الثرثرة بلا معنى في ترحاله عبر الصحراء.

أجنبي قادم من بلاد العراق التي يحتلها البريطانيون، وقد يكون (قرأت أفكاره التي ارتسمت على صفحات وجهه) كافراً يقتحم أرض الجزيرة خفية.

فهم في تلقائيتهم وفطرتهم يرون الرجل في الملك قبل أن يروا الملك في الرجل، كانوا يجلونه بلا جدال في إطار ما تفرضه البيئة الصحراوية.

كان أول لقاء لي بالملك عبد العزيز بن سعود في مكة مع بدايات عام ١٩٢٧، كان ذلك بعد اعتنقي الإسلام بعدة أشهر. وكان أيضاً بعد موت زوجتي المفاجئ؛

انحنيت أمامه، مد يده ورفع هامتي بلطف وابتسامة دافئة تضيء وجهه قائلاً: نحن أهل نجد لا نحب أن ينحني رجل أمام رجل آخر، لا ينحني الرجل لغير الله ،

حين دخلت عليه، نهض فارداً ذراعيه في ترحيب قائلاً: أهلاً وسهلاً ، وهي تعني للضيف أنه إنما نزل بين أهل له، وأنه يخطو في سهولة ويسر حيث شاء، وهي من أقدم وأحر عبارات الترحيب العربية.

ذهبت إليه ذات يوم وأنا أبيت النية أن استأذنه في السماح لي بالرحيل في رحلة طويلة إلى أعماق الجزيرة العربية لمشاهدة مناطقها المختلفة، وكان أملي ضعيفاً في نيل تلك الموافقة؛ فلم يكن ابن سعود يسمح للأجانب بزيارة نجد كعُرف متوارث أصبح له قوة القانون.

قلت: إن لم يكن لديكم مانع، فمن الأفضل لي قطع تلك المسافة على ناقة، وذلك أفضل لي من كل الجوانب يا طويل العمر .

ضحك ابن سعود قائلاً: أبك هذا الشوق إلى مشاهدة عيون أبناء شعبي من البدو؟ لا بد أن أحذرك مقدماً: فالبدو أناس متخلفون، ونجد أرض صحراوية بلا جمال يميزها عن غيرها، … على أي حال أتمنى ألا يعتريك الندم على معرفتك بشعبي: إنهم فقراء، وجهلاء، إلا أن قلوبهم مليئة بالإخلاص .

كثرة الهدايا والهبات والأموال التي يغدقها عليهم ابن سعود في سخاء جعلتهم يعتمدون كلياً على كرمه حتى إنهم فقدوا أي دافع للعمل على تحسين نمط حياتهم بالكد والجهد، وانزلقوا بالتدريج إلى حالة المتلقين لإعانات، وبذلك ظلوا قانعين وراضين بجهلهم وكسلهم.

رحت أغير وضع جسمي مرة بعد أخرى حتى لا تدفنني الرمال الهائجة. لم أصب بخوف ولا وجل، فلم تكن أول عاصفة أصادفها. مكثت منبطحاً، محكماً لف العباءة حول رأسي ووجهي، ولم يكن هناك ما أفعله غير الانتظار،

مكثت عدة أشهر في إحدى المدن – مثل المدينة على سبيل المثال التي كان لي بها زوجة عربية وطفل ومكتبة مليئة بالكتب عن التاريخ المبكر للإسلام

دعوت من أعماقي: يا رب، لا تجعلني أنتهي بهذه الوسيلة.. .

بكيت، إلا أن عيني الجافتين المتورمتين لم يكن بهما دمعة واحدة.

كم مضى عليَّ من زمن حين بكيت آخر مرة..

إلا أنني كنت أتوق إلى الحياة.

همس هاتف بداخلي: أسرع، تناول البندقية قبل أن تفقد القدرة نهائياً على تحريك يدك، ثم شعرت بشفتيّ تنفرجان وتتمتمان كلمات دون صوت، كلمات تأتي من حشايا وأعماق ميتة في ثنايا عقلي: لنبلونكم.. سنبلونكم.. ، اكتسبت الكلمات التي كانت غامضة شكلاً وصوتاً وتدفقت في شكل ومعنى.. في آية من آيات القرآن، راحت تترى على شفتي وفي أعماقي:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [سورة البقرة: 155-157]. صدق الله العظيم.

كانت رائحة القهوة الطازجة مثل حضن امرأة.

قلت له: لماذا يا أخي نعرض أنفسنا لهذه المهالك بدلاً من المكوث في بيوتنا مثل العقلاء من الناس؟ رد زيد: لأنه لا يليق بنا أن ننتظر في بيوتنا حتى تتيبس أعضاؤنا وتجتاحنا الشيخوخة. عدا ذلك، ألا يموت الناس أيضاً في بيوتهم؟ .

كنت قد جربت الأفيون مرة أو مرتين (دون الشعور بأي متعة)، إلا أن تجربة الحشيش بدت لي شاذة وغير مغرية.

وما رأيك بالبدو الذين يعيشون على حدود الربع الخالي الذين لم يروا زجاجاً في حياتهم حتى أنهم ظنوا أن زجاج نظارتك مصنوع من الماء المجمد؟

كان بدوياً متعصباً ينتمي إلى تنظيم الإخوان في الريان. قرر أن يتركنا في الصحراء؛ لأن معنا آلة مكروهة تصنع صوراً والصور محرمة دينياً.

لأنه كما قال: من العار والحرام صنع صور للأحياء (قياساً على فهم خاطئ لحديث للرسول (ص) – من أن رسم الكائنات الحية حرام، ولا تحتوي الشريعة الإسلامية على أي تحريم في هذا الشأن).

الفَصْل الثَّاني: بِدَايَةُ الطَّرِيقِ

حين تنضج القهوة يضيف إليها عدداً من حبوب الهيل التي تزيد القهوة مرارة؛ لأنه، طبقاً للقول الشائع في الجزيرة العربية، لا بد أن تكون القهوة الجيدة مرة كالموت ملتهبة كالعشق .

منذ عامين، حين اتخذت زوجة من بنات المدينة، رغبت أن تهبني ابناً. وقد وهبتني ابناً، طلال، بدأت بعدها أشعر أن العرب هم أهلي وعشيرتي وأصهاري وإخوتي في الإسلام.

بدأت أنظر إلى نفسي بعين مغايرة من بعيد، أتصفح نفسي كمن يفر صفحات كتاب ليختار من بين محتوياته ما يصلح للقراءة، وبدأت أدرك أن حياتي لم تكن لتأخذ مساراً مختلفاً عما هي عليه الآن، أبداً.

ترى أهي كتل شهبية من كواكب مدمرة، أم شذرات كوارث كونية تسبح في فراغ الكون الهائل؟ لو سألت زيداً، سيرد بأنها ليست إلا رماحاً من نار ترجم بها الملائكة الشياطين الذين يحاولون التسلل في ليالٍ معينة إلى السماء للتجسس على الأسرار الإلهية..

طفولة سعيدة كانت، مشبعة حتى بعد انقضائها. كان أبواي يعيشان عيشة رغدة، وعاشا الجانب الأعظم من حياتهما من أجل أطفالهما.

وربما كان ميله إلى الوحدة ناتجاً من إدراكه الدائم أن اهتماماته الحقيقية قد خذلته.

كان أبوه – جدي – حَبْراً يهودياً

فعاونه على متابعة دراسته بجامعة أوكسفورد، وتخرج فيها كباحث واعد، ثم تحول إلى المسيحية. وبعث وثيقة طلاق إلى زوجته اليهودية، ثم تزوج فتاة مسيحية من طبقة النبلاء،

لم يكن أبي من الذين يستسلمون بسهولة، فبينما كان يدرس التلمود بالنهار، كان يقضي أغلب الليل في الدراسات التي يحبها سراً،

ولكن جدي رضخ في النهاية ووافق على أن يترك أبي الدراسات الدينية، وأن يكمل تعليمه الجامعي.

فعلى الرغم من أن تلك الطقوس شكلت حياة أسلافهم الأوائل، فإنهم لم يبذلوا أي جهد لتوافق حياتهم اليومية تعاليم الدين أو حتى بالالتزام الأخلاقي الذي تمليه عليهم تلك التعاليم. في مثل ذلك المجتمع تراجعت مفاهيم العقيدة الدينية وتقلصت إلى موقف من اثنين: ممارسة طقوس جامدة من قِبل المتمسكين بالتعود لإرثهم الديني، أو لا مبالاة ساخرة من قبل الأكثر تحرراً الذين يعتبرون الدين خرافة عفى عليها الزمن والتي يتقبلونها في بعض المناسبات كمظاهر لا بد منها إلا أنهم يسخرون منها سراً، كما لو كانت موقفاً عقلياً لا يمكن الدفاع عنه.

على أية حال أصر أبي أن أواظب على دراسة النصوص الدينية لساعات طويلة كل يوم. وهكذا، وجدت نفسي وأنا في سن الثالثة عشرة أقرأ العبرية بطلاقة وأتحدثها بإتقان، كما ألممت بالآرامية (وهو ما يفسر سرعة إتقاني للعربية بعد ذلك). ودرست التوراة في نصوصها الأصلية، والمشنا، والجيمارا.. وهي نصوص التلمود وتفسيره.. أصبحت عالماً بمضامينها، وكان بإمكاني شرح الفرق بين التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي بإتقان وتمكن وثقة، ثم انغمست في دراسة التفسير المعقد للتوراة المسمى ترجوم درسته كما لو كنت أكرس نفسي لمنصب ديني.

مالت نصوص التوراة التي تؤرخ لنسل إبراهيم إلى إبراز الرب لا كخالق وحافظ لكل خلقه من البشر، بل كرب قبلي يسخر كل المخلوقات لخدمة ما يحتاجه الشعب المختار

اندلعت ثورة بالنمسا بعد التحاقي بالجيش بعدة أسابيع، وانهارت الإمبراطورية النمسوية، كما انتهت الحرب العالمية الأولى.

كنت شغوفاً بالتوصل إلى جوانب حميمة محببة إلى نفسي من الحياة، وأن أقتحم تلك الجوانب دون أن أضفي على نفسي وسائل مصطنعة كما يفعل كثيرون، وأن أصل بنفسي إلى مثل روحية حقيقية كنت أوقن أنها موجودة إلا أنني لم أتوصل إليها بعد.

كل القيم الأخلاقية التي اعتنقتها الأمم الأوروبية على مدى قرون عديدة أصبحت هشة متداعية تحت وطأة التداعيات المرعبة لما حدث بين عامي ١٩١٤ و١٩١٨ وهي السنوات التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى،

الصفات المدعاة من البشر على الرب تقف دائماً في مقارنة جادة ومتناقضة مع البؤس الواقع في عالم البشر من حولنا.

كانت علوم التحليل النفسي في ذلك الوقت تشكل ثورة فكرية عظمى حتى إنني أحسست في أعماقي أن تلك العلوم قد فتحت مغاليق أبواب المعرفة التي كانت موصدة وأنها تبشر بتغيير تفكير الإنسان ومعرفته بذاته ومجتمعه.

عجرفة وتعالي العلم الجديد، الذي حاول أن يختزل ألغاز الذات البشرية ويحولها إلى سلاسل من ردود الأفعال العصبية.

الفردية المخيفة والعزلة التي فصلت البشر عن البشر قد يحطمها التحام رجل وامرأة.

امرئ أستطيع أمامه أن أسرد الأفكار التي ترد إلى ذهني واحدة بعد أخرى بلا تزويق، فقد ترى عيناه ما بتلك الأفكار وأراها أنا من جديد وبذلك يساعدني على اصطياد أطراف حياتي وهي تمر من شبكات كلامي.

الفَصْل الثَّالِث: رِيَاحٌ

قلوبنا تدرك ما نريد، حتى لو كانت أفكارنا أبطأ في ملاحقة ما تريده قلوبنا،

كانت سنوات عجيبة تلك السنوات التي شكلت واستهلت عشرينيات القرن العشرين في وسط أوروبا. كان الجو العام يسوده انعدام الأمان الاجتماعي والأخلاقي، وأدى إلى شيوع اليأس الذي عبر عن نفسه في أعمال موسيقية تجريبية تتسم بالجرأة، وعبر اليأس عن نفسه في التصوير والفنون التشكيلية والمسرح، كما بدا في تلمس اتجاهات جديدة دارت حول تساؤلات رائدة عن شكل الحضارة المطلوبة،

إلههم الحقيقي لم يعد إلهاً روحياً: بل أصبح إلههم البحث عن الراحة والرفاهية.

وكأنهم باتوا لا يؤمنون إلا بمعتقد إيجابي واحد: هو عبادة التقدم المادي، والإيمان بأنه لا يوجد أي هدف للحياة أهم من تحويلها بصفة دائمة ومستمرة إلى حياة سهلة ومريحة، أو كما يذكر المصطلح الذي ساد: الاستقلال عن الطبيعة . كانت معابد وكنائس تلك العقيدة هي المصانع العملاقة، ودور السينما، والمعامل الكيميائية، والمراقص، والكهرباء، كما كان قساوستهم ومبشروهم هم رجال البنوك، والمهندسون، والساسة، ونجوم الأفلام، والإحصائيون، وكبار رجال الصناعة، ورجال الطيران، ومفوضو الأحزاب الشيوعية.

كان الناتج بشراً تنحصر أخلاقهم في إحراز المنفعة ومثلهم الأعلى للحق هو النجاح المادي.

كانت أوروبا هي بداية ونهاية تفكيرنا: حتى اكتشفت الحكيم لاو – تسي، وأنا في سن السابعة عشرة أو نحوها.

كان لاو – تسي بمثابة نافذة أتطلع من زجاجها النقي إلى حياة بعيدة عن ضيق الرؤى ومخاوف الذات، والهواجس الطفولية التي ترغم البشر إلى محاولة تأمين وجودهم في كل لحظة عن طريق تحسين الوسائل المادية بأي ثمن،

كان من الحماقة بالطبع أن أتوقع إمكانية تغيير البشر لأهدافهم، وبالتالي توجهاتهم ومسعاهم بمجرد أن يبشرهم أحد بذلك، كانت رؤية لاو – تسي تذهب إلى أن المبشر لا بد أن يفتح نفسه للحياة بدلاً من جذبها ومحاولة قهرها بالعنف.

الافتراض الساذج بأنه من الممكن انتشال الحياة من فوضاها الحالية والارتقاء بها إلى الأفضل لو تم تغيير الأحوال الاقتصادية والسياسية إلى الأفضل.

ثم في أحد أيام ربيع عام ١٩٢٢، تلقيت رسالة من خالي دوريان، كان خالي دوريان أصغر أشقاء أمي، ربطتني به علاقة صداقة أكثر منها قرابة. كان طبيباً نفسياً وأحد تلاميذ عالم النفس الشهير (فرويد)، وكان في ذلك الوقت يشغل وظيفة طبيب نفسي في مصحة عقلية في مدينة القدس. ولأنه لم يكن صهيونياً ولا يتعاطف مع المخططات الصهيونية – كما كان لا يميل إلى العرب، فقد شعر بوحدة وعزلة في عالم لا يفعل به إلا أن يعمل ويتلقى أجراً.

إغراءات البلاد التي ترتبط في ذهني – وذهن كل الأوروبيين – بالجو الرومنطيقي لحكايات ألف ليلة وليلة؛

والآن، كنت على سطح سفينة في طريقي إلى الشرق،

سمعت من خلفي صوتاً عميقاً ممتلئاً يقول: صباح الخير استدرت وتعرفت على الفور على رفيقي في السفر ذي الرداء الكنسي الأسود، والذي قابلته في الليلة الماضية، وجه ودود تعلوه ابتسامة محببة جعلتني أميل إليه بسهولة. كان قساً جزويتياً نصف بولندي ونصف فرنسي ويعمل معلماً للتاريخ في واحدة من كليات مدينة الإسكندرية، وكان عائداً إليها بعد انقضاء إجازته.

أنت تعرف أن أعمق رموز الطموح البشري هو رمز الجنة، ستجده في كل الديانات في صور تخيلية مختلفة، إلا أن المعنى هو ذات المعنى، وهو تحديداً، الرغبة في التحرر من القدر والمصير. البشر في الجنة بلا مصير؛

تعيشون على وهم عمره آلاف السنين، وهو أن الذكاء وحده يمكن أن يقود الإنسان في جهاده، إلا أن الذكاء لا يمكن أن يقود الإنسان إلى معرفة الروح؛

رفع القس كتفيه بأسف، بدا وكأنه يريد أن يقول: (إذا لم يكن المرء قادراً على معرفة الرب بنفسه، فمن الأفضل أن يترك نفسه لينقاد إلى تجارب الآخرين الذين يعرفون الله بقلوبهم).

بعد عدة أيام أخرى رسونا في الإسكندرية، وفي مساء اليوم نفسه كنت متوجهاً إلى فلسطين. انطلق القطار بنا من الإسكندرية في عصر ذلك اليوم عبر أرض دلتا النيل المنبسطة.

انتهت رحلة القطار في مدينة القنطرة، وعبر ركاب القطار القناة في صندل بحري. كان قطار فلسطين سيبدأ رحلته بعد ساعة.

نهض البدوي الذي كان جالساً أمامي ببطء وأزاح غطاء رأسه عن وجهه وفتح نافذة القطار المجاورة له، كان وجهه نحيلاً داكناً حاد الملامح، يشبه وجوه الصقور الحادة. اشترى فطيرة، ثم هم بالجلوس، حين وقعت عيناه عليّ؛ دون أن ينطق بكلمة، قسم الفطيرة نصفين وقدم لي نصفها، حين لاحظ ترددي ودهشتي، ابتسم – لاحظت أن ابتسامته تليق بوجهه كما كانت لائقة عليه النظرات الصقرية الحادة – قال كلمة لم أفهم معناها في ذلك الوقت.. ولكني أعرف الآن أنها كانت تفضل. أخذت نصف الفطيرة وهززت رأسي شاكراً. مسافر آخر يرتدي ملابس أوروبية وطربوشاً أحمر – تدخل مترجماً: وبإنجليزية متعثرة قال: يقول لك أنت على سفر وهو على سفر، وطريقكما واحد .

حين أفكر الآن في ذلك الحدث الصغير، يتبين لي أن كل الحب الذي أحببته للشخصية العربية بعد ذلك، لا بد وأنه قد تأثر تأثراً كبيراً تلك الواقعة الصغيرة.

ما أشعرني بأنفاس الإنسانية الحرة الخالية من أية عاهات وعلل نفسية بشرية.

حدثني رجل عجوز آخر عن التسليم لله، كطريق وحيد يحقق به المرء صلة وثيقة بالله، ومن ثمّ، مع مصيره وقدره.

قائدهم، الذي كان يقف بين السجدة والسجدة حافي القدمين على سجادة صلاته، مغمض العينين وذراعاه مضمومتان إلى صدره، يحرك شفتيه بلا صوت ويبدو عليه الاستغراق التام فيما يفعل: كان يصلي بكل وجدانه.

هل نعتقد حقاً أن الله ينتظر منك أن تظهر له إيمانك بتكرار الركوع والسجود؟ ألا يكون من الأفضل أن تنظر إلى داخلك وتصلي إلى ربك بقلبك وأنت ساكن؟ لماذا كل هذه الحركات بالجسد؟

(بأي وسيلة أخرى تعتقد أننا يمكن أن نعبد الله؟ ألم يخلق لنا الروح والجسد معاً؟ وكونه خلقنا جسداً وروحاً، ألا يجب علينا أن نصلي بالجسد والروح؟ اسمع، سأخبرك لماذا نصلي نحن المسلمين كما نصلي. نتوجه إلى الكعبة، وهي أول بيت لله في مكة، ونعلم أن وجه كل المسلمين في أي موضع كانوا من الأرض تتوجه إليه أثناء الصلاة، فنشعر أننا جسر واحد، نتوجه إلى مركز واحد بفكرنا ووجداننا. نبدأ أولاً بالوقوف منتصبين، ونتلو بعض آيات القرآن، واضعين نصب أعيننا أنها كلام الله، أُنزِلَ للبشر لهدايتهم ونفعهم في الحياة الدنيا. ثم نقول الله أكبر مذكرين أنفسنا أنه لا يوجد من يستحق العبادة غير الله وحده، ثم نركع أمامه لأننا نجله فوق كل شيء، ونسبح بعظمته وقدرته. ثم نسجد على الأرض وجباهنا على أديمها حتى نشعر أننا لسنا إلا تراباً، وأننا لا شيء أمامه، وأنه خالقنا والحافظ لنا، ثم نرفع وجوهنا ونجلس، وندعوه أن يغفر لنا، وأن ينزل رحمته وسكينته علينا، وأن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يهبنا الصحة والرزق، ثم نسجد من جديد على الأرض ونمس الأرض بجباهنا اعترافاً بعظمته وقدرته. ثم نجلس وندعوه أن يصلي على النبي محمد (ص) الذي بلَّغ رسالة الله إلينا، كما ندعوه أن يصلي على الأنبياء الذين سبقوا محمد (ص)، وأن يباركنا ويبارك كل من اهتدى بهديه، ثم ندعوه أن يرزقنا من خير الدنيا وحسناتها، وأن يهبنا حسنات الآخرة، ثم نختم صلاتنا بأن ندير رؤوسنا إلى اليمين ثم إلى اليسار، قائلين في اتجاه، السلام عليكم ورحمة الله – وهكذا نحيي كل من اتبعوا الحق، أينما كانوا. هكذا صلى نبينا، وهكذا علَّم من آمنوا كيف يصلون في كل عصر وفي كل آن؛ فهم يسلمون أرواحهم وأبدانهم لله – وذلك هو ما يعنيه الإسلام – فيكون البشر في علاقة سلام مع الله ومع ما قدره لهم).

بعد ذلك بسنوات أيقنت أن ذلك الشرح البسيط من الحاج قد فتح لي أول باب الإسلام،

على الجانب الآخر وفي ساحتها الواسعة، يظهر الموضع الذي كان به هيكل سليمان؛ والمسجد الأقصى – وهو الأقدس بعد الكعبة ومسجد الرسول بالمدينة – ينهض على الحافة الأبعد، وفي منتصف الساحة مسجد قبة الصخرة،

داوود وعصر داوود، مثله مثل إبراهيم وعصره، كانا أقرب إلى جذورها العربية وبالتالي أقرب إلى بدو العرب المعاصرين منهم إلى اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم من سلالتهم.

كان هناك أيضاً اليهود: يهود فلسطين يرتدون عباءات واسعة ويضعون الطرابيش على رؤوسهم، أما وجوههم فتماثل بشدة وجوه العرب؛ أما يهود بولندا وروسيا فقد كان يبدو عليهم أنهم حملوا معهم كثيراً من ضيق حياتهم الماضية في أوروبا وكانوا يطلبون مساواتهم بيهود المغرب وتونس الفخورين بالبرنس المغربي الأبيض المميز للبلاد التي أتوا منها.

ما الذي كان يعرفه الأوروبي العادي عن العرب في تلك الأيام؟ عملياً: لا شيء حين هاجر اليهودي الأوروبي إلى فلسطين جاء مصحوباً بمفاهيم عاطفية مغلوطة، ولو كان لديه حسن نية وذكاء ذهن، كان سيقر أنه لم يكن لديه فكرة عن الوجود العربي بها. أنا أيضاً قبل أن آتي إلى فلسطين، لم أعرف أبداً أنها أرض عربية تخص العرب.

لم يكن اليهود يأتون إلى فلسطين كما يعود الغائب إلى منزله، بل كانوا يحاولون ويسعون أن يجعلوها منازلهم مخدوعين بالنموذج الأوروبي.

كان وعد بلفور الذي صدر عام ١٩١٧ واعداً اليهود بوطن قومي في فلسطين مناورة سياسية في غاية القسوة والوحشية، وتم إصداره لترسيخ السياسة التي اتبعتها كل القوى الاستعمارية، وهي سياسة فرق تسد . فيما يخص فلسطين كان ذلك هو القرار الأقسى والأكثر إثماً؛ ففي عام ١٩١٦ وعد البريطانيون شريف مكة وهو الشريف حسين بدولة عربية مستقلة من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي مقابل تحالفه معهم ضد العثمانيين الأتراك. ثم حنثوا بوعدهم بعد ذلك بعام باتفاقية أخرى أقاموها مع فرنسا تحمل اسم سايكس – بيكو (أطلقت فيها بريطانيا يد فرنسا في سوريا ولبنان) كما تضمنت الاتفاقية استثناء فلسطين من وعدهم للشريف حسين.

ومع أنني كنت يهودياً، فإنني تبنيت موقفاً معادياً للصهيونية، وأدنت الموقف اللاأخلاقي للقوة العظمى التي تدفع بالمهاجرين اليهود من كل أنحاء الأرض حتى يصبحوا أغلبية وينتزعوا الأرض والبلاد من أصحابها الشرعيين الذين يحيون فيها من أزمان سحيقة.

لم يهتموا بأي قدر بما يشغل فكر العرب ولم يكلف أحد نفسه عناء تعلم اللغة العربية، تقبلوا جميعاً بلا أي قدر من التشكك أن فلسطين حق لهم وأنها إرثهم التوراتي.

ألم يؤرقك الجانب الأخلاقي من المشكلة في أي وقت؟ ألا تظن أنه من الخطأ من جانبكم طرد شعب عاش طول عمره في هذا البلد؟ .

أجاب وايزمان رافعاً حاجبيه في تحفز: ولكنها أرضنا، نحن لا نفعل أكثر من استرداد ما سُلِبَ منا بطريق الخطأ .

ألا تعتقد أن العرب بإمكانهم بالمنطق ذاته المطالبة بإسبانية – فهم على الأقل حكموا إسبانيا لمدة سبعمائة عام، وخرجوا منها من خمسمائة عام فقط؟ .

هل هم فاقدو البصر بدرجة ميؤوس منها لما يمكن أن تؤدي إليه سياستهم في المستقبل من آلام؟ معاناة، ومرارة، وكراهية ستتكون وتولد في نفوس العرب ضد جزيرة يهودية صغيرة – حتى لو نجحوا مرحلياً – وسط بحر عربي معاد؟

وتعجبت أيضاً، كيف لأمة، عانت مثل تلك المعاناة العسيرة ووقعت عليها مظالم عديدة في مسيرة هجراتها الطويلة المؤسفة، ثم توقع الظلم الذي عانت منه، برؤية أحادية الجانب، على أمة أخرى، بريئة من الآلام والفظائع والويلات التي تعرض لها اليهود في أرجاء العالم.

كان ذا إيمان ديني قوي – مثله مثل يهود أوروبا الأرثوذوكس – إلا أنه لم يقبل المخطط الصهيوني، كان يؤمن بأن عودة شعبه إلى أرض الميعاد لا بد أن تنتظر حتى تتحقق عودة المسيح كما ورد في التوراة.

قال في أكثر من مناسبة: نحن اليهود طردنا من الأرض المقدسة وتشتتنا في جميع أرجاء العالم لأننا رسبنا في أداء المهمة التي كلفنا الرب بها.

لم يتبق لنا إلا أن ننقي ونطهر قلوبنا، وحين نصبح مستحقين تلك الأمانة من جديد، وأن نكون حملة رسالته، فإنه سيرسل مسيحه ليقود عبيده إلى الأرض الموعودة.. .

كان آراء جاكوب دي هان السياسية سبباً في أن يكون مكروهاً بشدة من قِبل الصهاينة (وبالفعل، بعد مغادرتي لفلسطين بفترة وجيزة، أصبت بصدمة حين علمت أنه اغتيل بإطلاق الرصاص عليه من قِبل إرهابيين صهاينة).

أما مع العرب فقد وجدت لديهم ما كنت أبحث عنه بعقلي الباطن دون أن أحسه بشكل ظاهر: وجدت لديهم سهولة معنوية وفكرية في التعامل مع كل مشاكل الوجود

بمرور الوقت أحسست بضرورة فهم روح تلك الشعوب المسلمة: لم يكن ذلك بسبب أن ديانتهم جذبت اهتمامي (في ذلك الوقت لم أكن أعرف إلا القليل عن الإسلام)، ولكن لأني وجدت لديهم تلاحماً عضوياً بين الفكر والحواس الذي فقدناه نحن الأوروبيين.

الفَصْل الرَّابِع: أصْوَاتٌ

أما عرب الصحراء فلا يوجد في صحاريهم وبواديهم الواسعة الممتدة ما يغري بالحلم: الصحراء قاسية واضحة كالنهار

نتيجة لذلك لم يتقدم في الإنجاز المادي بنفس سرعة الرجل الغربي – إلا أنه احتفظ بروحه سليمة.

تساءلت في داخلي بفضول، إلى أي مدى يستطيع زيد وقومه أن يحافظوا على سلامة أرواحهم في مواجهة الخطر المتسلل إليهم والذي يكاد أن يطبق عليهم في قسوة وشراسة؟

آلاف القوى – سياسية، واجتماعية، واقتصادية – تحاول اقتحام أبواب العالم الإسلامي.

هل سيرضخ لغرب القرن العشرين، وإن خضع، ألن يفقد تقاليده وجذوره الروحية؟

شهدت حصار الغرب للحياة الثقافية الإسلامية وللاستقلال السياسي للعرب والمسلمين.

وبينما أبدى الرأي العام الغربي خارج بريطانيا تعاطفاً تجاه الكفاح الإيرلندي للاستقلال عن بريطانيا. كما تعاطف الرأي العام الغربي (خارج ألمانيا وروسيا) مع أحلام بولندا في الاستقلال، إلا أن ذلك التعاطف الغربي لم يمتد ليشمل تطلعات المجتمعات الإسلامية.

متجاهلين أن كل تدخل مباشر أو غير مباشر من خارج البلاد لا يؤدي إلا إلى تعويق تطور ونمو أي مجتمع إسلامي بعكس ما يدَّعون لا يرى الدارسون إلا خطوط السكك الحديد التي مدتها القوى الاستعمارية، ولكنهم لا يرون ما دمره المستعمر من الصناعات الوطنية، ويحصون أعداداً من كيلو – واط خطوط الكهرباء، ولا يرون ما يدمرونه من اعتزاز قومي وروح قومية.

لم تمر أبداً في أذهانهم فكرة أن أكثر العلل والآفات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الشرق الأوسط ليست إلا نتيجة مباشرة للمصالح الغربية، وعدا ذلك، يهدف التدخل الغربي بشكل أو بآخر إلى توسيع وزيادة بؤر الاضطرابات الداخلية لتصعيب سيطرة الشعوب المعنية على مقدراتها.

ولم تسمح أحوال خالي دوريان المالية بتمويل تلك الجولة، إلا أنه قدم لي مبلغاً مالياً صغيراً يكفي لدفع ثمن السفر من القدس إلى القاهرة بالقطار وما يعينني على المعيشة لمدة أسبوعين بالقاهرة.

وجدت مسكناً بسيطاً في القاهرة في حارة ضيقة يحيا بها الفنانون البسطاء، وبعض أصحاب المحلات الصغيرة من اليونانيين.

لا بد أن تكون قوي العزيمة والإرادة حتى تظل بمنأى عن أسر تلك الأحضان الدافئة وتفر من نداءات متكررة: يا حبيبي و سعادتك .

كيف يمتلك المصريون تلك القدرة على الضحك؟ كيف يسايرون الأيام والزمن يوماً بعد يوم فوق شوارع القاهرة، منتصبي القامة بخطوات مرحة في قمصانهم الطويلة التي يسمونها جلابية المخططة عادة بكل ألوان الطيف – مرحين، عقولهم حرة، حتى يعتقد المرء أن كل ذلك الفقر الطاحن وعدم الرضا والاضطرابات السياسية لا تؤخذ بجدية إلا بشكل نسبي،

مقابل المنزل الذي كنت أقطن به في القاهرة، مقابله تماماً في تلك الحارة الضيقة أو الممر، كان هناك مسجد صغير ذو مئذنة قصيرة كنت أسمع منها الأذان للصلاة خمس مرات كل يوم.

تلك الصفات الجمالية الصوتية التي تميز الأذان إنما هي ناتجة عن توهج إيماني، لا عن نوع من الصنعة الفنية.

جعلني توحد الأذان أدرك في تلك الأيام عمق التوحد الإسلامي بين كل الشعوب الإسلامية، وأدرك أن الاختلافات مصطنعة ولا معنى لها. تميز ذلك التوحد عقيدة واحدة، وتوحد أساليب التفكير، والتمييز بين الصواب والخطأ والحلال والحرام، وإدراك واحد لما يجب أن يكون عليه صلاح الحياة.

الاشتراك في رؤية واحدة إلى الهدف من الوجود، رؤية تزيل كل الحواجز التي يمكن أن تعزل فرداً عن فرد آخر من بني البشر.

كانت العاصمة عمان في ذلك الوقت – قد بنيت على حطام المستعمرة اليونانية القديمة التي أسسها بطليموس فيلادلفيوس وأسماها فيلادلفيا

وشرح لي الدكتور رضا طبيعة المشكلة قائلاً: أولئك النجديون الوهابيون لعبوا دوراً في الإسلام لا يقل عن دور الإصلاحيين البيوريتانيين في العالم المسيحي، فبقدر ما منعوا كل تقديس للأولياء والأسلاف الصالحين، ونهوا عن كل الخرافات الغيبية الغامضة التي تسللت إلى الإسلام عبر القرون؛ كانوا بنفس القدر أعداءً للعائلة الشريفة التي يتزعمها الشريف حسين ملك الحجاز، ووالد الأمير عبد الله، وطبقاً لما ذكره لي رضا توفيق بك، فإن وجهات النظر الدينية التي تبناها الوهابيون لا يمكن رفضها، لأنهم اقتربوا بالفعل من روح القرآن ومضمونه أكثر من أية اتجاهات أخرى كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وأنها من الممكن أن تؤدي مع مضي الزمن إلى تنقية الفكر الإسلامي من كل ما علق به من مدخلات، إلا أن تطرفهم الشديد، أدى إلى نفور كثير من المسلمين مما تدعو إليه الحركة الوهابية،

وبالرغم من عدم تقبل كثير من العرب للدور الذي لعبه في تنفيذ السياسة البريطانية في تمرد العائلة الشريفة بالجزيرة وعبر الأردن ضد الحكم التركي لصالح البريطانيين مما اعتبر خيانة مسلمين لمسلمين آخرين، إلا أنه اكتسب مكانة متميزة بسبب دوره الذي أداه للقضية العربية ضد الصهيونية، إلا أنه سيأتي يوم تؤدي فيه مواقفه المتغيرة مع التغيرات السياسية إلى جعل اسمه مكروهاً ومبغوضاً في كل أرجاء العالم العربي.

المصاعب الإدارية في الدولة الوليدة، بسبب اعتياد كل فرد على حمل السلاح، وعدم انصياع أي بدوي إلى أي قانون إلا قانون عشيرته.

تناقشنا حول طبائع القبائل البدوية العنيدة التي اعتادت على قتال بعضها لأتفه الأسباب.

لم تكن هناك إلا وسيلة واحدة لوضع حد لتلك الانشقاقات: وهي تزويج شاب من القبيلة صاحبة الثأر من فتاة عذراء من القبيلة التي عليها الثأر، وتعد دماء العذرية رمزاً للدم المطلوب من القبيلة التي عليها الدم.

حين لاحظ إعجابي الواضح بابنه، قال الأمير عبد الله: إنه مثل أي صبي عربي آخر، يكبر وفكرة واحدة في رأسه: الحرية، إننا لا نعتقد أننا بلا أخطاء، إلا أننا نحب أن نرتكب أخطاءنا بأنفسنا، وبذلك تتعلم كيف تتجنب الوقوع فيها من جديد

قررت أن أبدأ بسوريا، إلا أن السلطات الفرنسية التي كانت تحتل سوريا وتواجه بعداء شديد من قبل شعب سوريا، رفضت إعطاء تأشيرة دخول لشخص يحمل الجنسية النمسوية حيث كانت النمسا معادية لفرنسا في الحرب العالمية الأولى،

وأوشكت على مواصلة سيري، نادتني امرأة منهن: يا سيدي، ترتاح قليلاً؟ كما لو كانت تتنبأ بعطشي، مدت إبريقاً مليئاً بالماء البارد تجاهي، شربت حتى الارتواء، سألني أحد الرجال – وكان من الواضح أنه زوج السيدة التي سقتني – ألا تأكل معنا كسرة خبز، وتقضي ليلك عندنا ؟

لم يسألني أحد منهم من أكون، وإلى أين أمضي، أو ما عملي.. وبقيت الليل عندهم ضيفاً عليهم.

إن تكن ضيفاً على العرب؛ فهو شيء ذائع الصيت ومعروف لأطفال مدارس أوروبا.

إنها حريتهم الدفينة. متحررون من مشاعر عدم الثقة ويفتحون حياتهم بكل سهولة أمام ضيفهم. إنهم لا يحتاجون إلى جدران سميكة مثل تلك التي يقيمها أبناء الغرب بينهم وبين جيرانهم.

أما أنا فقد أعطوني ملعقة، إلا أني رفضتها وحاولت أن آكل مثلهم بنجاح مما أسعد مضيفي لمحاكاتي لهم في طريقتهم الطيبة في تناول الطعام.

كانوا في غاية الفقر، وعلى الرغم من ذلك بدا عليهم أنهم لا يريدون أكثر من تلك الأكواخ في العراء، وتلك الملابس البسيطة التي محيت ألوانها، وحفن من الدقيق لعمل الخبز، والسمك الذي يصطادونه: ودائماً يبدو عليهم أن لديهم ما يزيد على حاجتهم حتى إنهم يصرون على استضافة الغريب ليشاركهم طعامهم القليل.

نادتني العجوز بصوت مرتعش: هل تعطي جرعة ماء لامرأة عجوز يا بني؟ ، ناولتها وعاء الماء المعلق بكتفي وكنت قد ملأته قبلها بالماء البارد. شربت حتى ارتوت ثم أعادته إليَّ قائلة: باركك الله، وحماك وهداك إلى ما تسعى إليه .

والعرب يحبون التملق، كما يحبون التقاط صور لهم؛

أوليت صاحب الدار الدرزي ثقتي وطلبت منه النصح وكنت على يقين أن العرب لا يخونون ضيوفهم،

ما أجمل الراحة بعد العناء،

أولئك البدو لا يعرفون لغو الحديث، ولا الكلام لمجرد الكلام، فذلك علامة تآكل روحي؛ ذكروني بوصف الجنة في آية من آيات القرآن تقول: (لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) [سورة الواقعة: 25].

ذهبت مع صديقي ومضيفي إلى الجامع الأموي يوم الجمعة.

الأعمدة الرخامية التي تعلوها قبة عظيمة كانت تلمع تحت ضوء الشمس الساقط من النوافذ.

يسمع المرء صوت الإمام العجوز من أعماق صحن الجامع الواسع، يتلو آيات من القرآن؛ وحين يركع أو يسجد، يتبعه كل المصلين كرجل واحد، يركعون ويسجدون لله كما لو كان حاضراً أمام أعينهم.

في تلك اللحظة أدركت مدى قرب الله منهم وقربهم منه. بدا لي أن صلاتهم لا تنفصل عن حياتهم اليومية؛ بل كانت جزءاً منها – لا تعينهم صلاتهم على نسيان الحياة، بل تعمقها أكثر بذكرهم لله.

إنكم تشعرون أن الله قريب منكم، أتمنى أن يملأني أنا أيضاً مثل ذلك الشعور .

كانت لغتي العربية تسعفني في تبادل الحديث، إلا أنها كانت أضعف من أن تمكنني من قراءة القرآن، لذا لجأت إلى ترجمتين لمعاني القرآن – واحدة فرنسية والأخرى ألمانية

أما ما عدا القرآن، فقد اعتمدت فيه على أعمال المستشرقين الأوروبيين، وعلى ما يشرحه لي صديقي.

لم يبد لي الإسلام ديناً بالمعنى المتعارف عليه بين الناس لكلمة دين، بل بدا لي أسلوباً للحياة؛ ليس نظاماً لاهوتياً بقدر ما هو سلوك فرد ومجتمع يرتكز على الوعي بوجود الله الواحد. لم أجد في أي آية من آيات القرآن أي إشارة إلى احتياج البشر إلى الخلاص الروحي. ولا يوجد ذكر لخطيئة أولى موروثة تقف حائلاً بين المرء وقدره الذي قدره الله له – ولا يبقى لابن آدم إلا عمله الذي سعى إليه. ولا توجد حاجة للترهب والزهد لفتح أبواب خفية لتحقيق الخلاص: الخلاص حق مكفول لكل البشر بالولادة، والخطيئة لا تعني إلا ابتعاد الناس عن الفطرة التي خلقهم الله عليها. لم أجد أي أثر يدل على الثنائية في الطبيعة البشرية: فالبدن والروح يعملان في المنظور الإسلامي كوحدة واحدة متكاملة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

بدأت أدرك أنه حيث إن البشر وحدة متكاملة من بدن وروح – وقد أكد الإسلام على ذلك – لا يوجد وجه من أوجه الحياة يمكن أن نعده مهمشاً بل إن كل جوانب حياة البشر تأتي في صلب اهتمامات الدين. في كل المجالات، لم يدع القرآن المسلمين ينسون أن الحياة الدنيا ليست إلا مرحلة في طريق البشر نحو تحقيق وجود أسمى وأبقى، وأن الهدف النهائي ذا سمة روحية. ويرى أن الرخاء المادي لا ضرر منه إلا أنه ليس غاية في ذاته: لذلك لا بد أن تقنن شهية الإنسان وشهواته ويتم السيطرة عليها بوعي أخلاقي من الفرد. وهذا الوعي لا يوجه إلى الله فقط بل يوجه أيضاً إلى علاقته بغيره من البشر؛ لا من أجل الكمال الديني وحده، بل لخلق حالة اجتماعية تؤدي إلى تطور روحي للمجتمع بأجمعه، حتى يتمكن المجتمع كله من أن يحيا حياة كاملة…

الفَصْل الخَامِس: رُوْحٌ وَجَسَدٌ

كان قد خفف من وطأة الانتقال من عالم العرب عائداً إلى أوروبا بقائي لشهور في تركيا بعد أن غادرت سوريا في خريف عام ١٩٢٣. لم يكن مصطفى كمال أتاتورك في تلك الأيام قد بدأ حركته الإصلاحية ، وكانت تركيا ما زالت تحيا بكل تقاليدها الموروثة الأصيلة، ولانتمائها حتى ذلك الوقت إلى العالم الإسلامي

حياتي بين العرب غيرت منهجي ورؤيتي لما كنت أعده مهما وضرورياً للحياة.

فمن شهور عديدة مضت اكتشفت العلاقة بين الاطمئنان النفسي والعاطفي السائد في نفوس العرب وبين عقيدة الإسلام التي يؤمنون بها، كما بدأ يتبلور في يقيني أن نقص واتقاد التكامل النفسي الداخلي للأوروبيين وحالة الفوضى اللاأخلاقية التي تسيطر عليهم قد تكون ناتجة عن عدم وجود إيمان ديني وقد تكونت الحضارة الأوروبية الحديثة في غيابه.

وهكذا، في الوقت الذي لم يفكر فيه المجتمع الغربي في وجود الإله، لم يترك له مكاناً في أنساقه الفكرية. في الأعوام المبكرة من شبابي أصابني الإحباط وخيبة الأمل في العقيدة اليهودية التي أنتمي إليها، واتجه فكري إلى المسيحية بعد أن وجدت أن المفهوم المسيحي للإله يتميز عن المفهوم التوراتي؛ لأنه لم يقصر اهتمامات الإله في مجموعة معينة من الناس ترى أنها وحدها شعب الله المختار ، ووجدت أن الإله في المسيحية يضفي أبوته على كل البشر.

عاونهم الموقف التاريخي العتيق للكنيسة على ترسيخ ذلك الاتجاه في التفريق بين (ما لله، وما لقيصر)، ونتج من ذلك الفصل ترك الجانب الاجتماعي والاقتصادي يعاني من فراغ ديني، وما ترتب على ذلك من غياب الأخلاق في الممارسات السياسية المسيحية والمعاملات الاقتصادية مع باقي دول العالم. ومثل ذلك فشلاً في تحقيق ما هدفت إليه رسالة المسيح، أو أي دين آخر، فالهدف الجوهري لأي دين هو تعليم البشر، ليس فقط كيف يدركون ويشعرون، بل الأهم كيف يعيشون معيشة صحيحة وينظمون العلاقات المتبادلة بطريقة سوية لا غبن فيها.

وبفقد إيمانه، فقد اقتناعه بأن الكون والوجود تعبير لقوة خلق واحدة وأن الوجود وحدة عضوية واحدة، وبفقده تلك القناعة، عاش في خواء روحي وأخلاقي.

عالم يعاني من غليان وتقلبات عنيفة: هذا هو عالمنا الغربي. إراقة دماء، عنف ينتشر على نطاق واسع، تدمير وانهيار قيم اجتماعية كثيرة، صدامات بين النظريات والمفاهيم والمناهج والمذاهب، صراعات وحروب مريرة لإيجاد سبل أخرى للحياة: كلها علامات بارزة في حياة الغرب المعاصرة.

ومن بين دخان مجازر الحرب العالمية الأولى، كان اقتناعي في شبابي المبكر أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده قد تبلور إلى اقتناع فكري بأن عبادة التقدم المادي ليس إلا بديلاً شبحياً للإيمان السابق القديم بالقيم المجردة، وأن الإيمان الزائف بالمادة يجعلهم يعتقدون أنهم سيقهرون كل المصاعب التي تواجههم حالياً.

هذه الصحراء هي التي يمكن أن تشكل وجدانك، في مشاقها ومصاعبها واتساعها، تنزع منك الصحراء رغبتك في فهم الصغائر، وتنزع عنك كل الأوهام التي تدفعها الطبيعة وتأسر بها ذهن البشر وتدفعهم إلى تكوين تصورات خاصة تبعد عن الحقائق الكلية.

منذ أن بدأ وعي البشر في التكون، كانت الصحراء مهد كل إيمان بالخالق الواحد.

ظهر ذلك في المفهوم الإغريقي القديم عن مويرا كقوة غير محددة أعلى من آلهة جبال الأوليمب،

في زاوية مائلة من صفحة السماء رأيت نجمة الصباح التي يسميه العرب الزهرة ، أو النجم الأبرق. إن سألتهم عنها سيقولون لك إن النجم الأبرق أو (الزهرة) كان في سالف الزمان امرأة..

بدأ الملاكان الأرضيان يعيان أن في أول ليلة لهما على الأرض اقترفا كبيرتين – هما القتل والزنا – وأن افتخارهما بنقائهما لم يكن له أي معنى ما داما خاليين من الرغبات..

ولكن لأن عيون البشر لا ترى الملائكة، حوّل الله المتألقة إلى نجم في السماء ليراها البشر ويتذكرون القصة، ويتذكرون مصير هاروت وماروت.

ويعود الإطار العام للأسطورة إلى زمن أقدم من زمن ظهور الإسلام، ويبدو أنها مستمدة من أساطير أقدم نسجها الساميون حول ربتهم عشتار ، ثم نسجها الإغريق حول ربتهم أفروديت ، ونسبت الاثنتان، عشتار وأفروديت إلى الكوكب الذي نعرفه اليوم باسم الزهرة. أما القصة بالشكل الذي سمعتها بها، قصة هاروت وماروت، فهي ليست إلا من نتاج الفكر الإسلامي، وهي تصوير لفكرة أن النقاء الخالص، أو الخلو من الذنوب والمعاصي، لا يحمل أي قيمة أخلاقية ما دام ذلك النقاء موجوداً في غياب الدوافع والرغبات والشهوات: فالاختيار بين الصواب والخطأ يتطلب وجود منطق أخلاقي.

في الإحساس بالاحتياج في وجود الإغراء والإغواء لإشباع ذلك الاحتياج ينشأ الصراع الذي يضع البشر في موضع الاختبار والاختيار الأخلاقي؛ أي أن البشر وجود وكينونة أخلاقية، إلا أنهم وهبوا روحاً.

على أساس من ذلك المفهوم، كان الإسلام وحده من بين كل الديانات السماوية، الذي اعتبر روح البشر أحد جوانب وجودهم وأنها ليست مكوناً مستقلاً بذاته، وبالتالي، لا ينفصل النمو ولا السمو الروحي للمسلم عن أوجه وجوده الأخرى أي وجوده الدنيوي.

لذلك اعتبر الإسلام الرغبات الجسدية جزءاً متكاملاً من طبيعة خلق الإنسان، وأن تلك الرغبات ليست وليدة الخطيئة الأولى – وهو مفهوم يتناقض مع مفاهيم المسيحية – بل إن رغبات البدن مكون إيجابي، خلقها الله في البشر ليقبلوها ويمارسوها في أوجهها الصحيحة: ومن ثم، فمشكلة البشر ليست في كبت احتياجات الجسد، بل على الأصح، في كيفية توظيفها في شكل يتكامل مع متطلباته والتزاماته الروحية، وبطريقة تجعل من الحياة حياة كاملة وصحيحة.

ويعلن الإسلام أن جذور المبدأ التوحيدي للوجود لدى البشر موجودة بالفطرة البشرية بعكس المفهوم المسيحي الذي يرى أن الإنسان يولد وهو يحمل ذنب الخطيئة الأولى ، وبعكس التعاليم الهندوسية أيضاً التي ترى أن البشر بطبيعتهم الخلقية أدنياء ومذنبون، ولا بد لهم أن يجاهدوا بكل عنت ومعاناة عبر سلسلة طويلة من التجسد وحلول الروح في كائنات مختلفة حتى تحقق هدفها النهائي للوصول إلى الكمال، أما في القرآن، فيقول الله جل شأنه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [سورة التين: 4]. والتقويم ليس إلا حالة من النقاء لا يلوثها ولا يدنسها إلا السلوك السيئ للإنسان – (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [سورة التين: 5-6].

كلهم متساوون كرجال بالرغم من اختلاف وظائفهم ومراكزهم. وكيف يكون الأمر غير ذلك في بلاد لا يوجه فيها الحديث لأي رجل مهم مهما يكن وضعه بلقب سيدي حيث لا سيادة إلا لله؟

لم يبد في نظري أن هناك أي تعارض أو تناقض حين سمعت بدوي أمي ينشد أبياتاً من الشعر لأحد كبار شعراء العرب الذي عاش بالقرن العاشر – بالتأكيد لم يبد لي أن هناك أي تناقض مثلما أجد تناقضاً على سبيل المثال إذا سمعت فلاحاً من بافاريا في شمال أوروبا ينشد أبياتاً لـ جوته أو لأحد كبار الشعراء الإنجليز مثل ويليام بلاك أو شيللي. فعلى الرغم من انتشار التعليم بالغرب، فإن الثقافة الغربية الرفيعة غير متاحة للأوروبي العادي أو الأمريكي، بينما نجد أن شريحة عظمى من غير المتعلمين تعليماً عالياً، بل من الأميين المسلمين يشاركون بوعي في النهل من الإنجاز الثقافي الرفيع لماضيهم،

وبالرغم من أن المسلمين المعاصرين فقدوا تلك القدرة الإبداعية الخلاقة التي جعلت من إرثهم الثقافي ذلك الإرث العظيم، إلا أنهم ما زالوا على اتصال مباشر ووثيق بتلك المنابع والذرى السامية الرفيعة لأسلافهم.

ضحكت من إصراره على هذا الأمر، وقلت: عندي زوجة في المدينة كما تعلم، لماذا يتحتم عليَّ أن أتزوج بأخرى؟ .

رد بسرعة: لماذا؟ فليحمني الله – زوجة واحدة – وأنت ما زلت في شبابك؟ لماذا؟

واعتاد بدوي من قبيلة مطير اسمه فهد على قضاء عدة ساعات معي يومياً لإعداد القهوة ويسليني بحكايات طريفة عن رحلاته الاستكشافية مع لورانس أثناء الحرب العظمى.

كان هناك انطباع بالتسليم الجميل في صوت زيد، تسليم لا يتضمن أكثر من قبول حدث وقع ولا يمكن تغييره. ذلك التسليم الذي يتصف به المسلمون إزاء حتمية أحداث الماضي، وهو التسليم بأن ما حدث كان لا بد أن يحدث وبالكيفية التي حدث بها، لا بغيرها – وهو ما يخطئ الغربيون في فهمه بأنه نوع من الجبرية القدرية الموروثة في الإسلام. والحقيقة أن تسليم المسلم خاص بالماضي الذي انتهى لا بالمستقبل: أي أنه ليس رفضاً للفعل أو تجنب العمل والسعي، وهو لا يخرج عن كونه اعتبار ما حدث ليس إلا مشيئة الله.

من مائتي عام مضت حين ظهر المصلح التصحيحي محمد بن عبد الوهاب، وأثار ذلك قبائل كثيرة قاومت إصلاحاته – كانت قبائل مسلمة اسماً فقط – فقد دعا إلى ممارسة الدين في شكله النقي، كانت الحركة التصحيحية قد بزغت من بيت آل سعود الذي لم يكن مشهوراً في ذلك الوقت، ودعم زعماء مدينة صغيرة، هي مدينة دارية، المصلح محمد بن عبد الوهاب بالأسلحة النارية مما دفع الحركة الإصلاحية إلى موقف قوي، وخلال بضعة عقود جمع حوله أغلب مناطق شبه الجزيرة وعرفت الحركة باسم الوهابية .

على الرغم من ذلك، لم يكن الوهابيون بالتأكيد طائفة مستقلة. فالطائفة الدينية تقتضي وجود تعاليم مستقلة قاصرة على أتباعها. أما في الوهابية لم تكن هناك تعاليم خاصة – على العكس: سعت تلك الحركة إلى نبذ كل المدخلات الغريبة والإضافات التي تسللت إلى الفكر الإسلامي عبر قرون طويلة، ودعت إلى العودة إلى جوهر تعاليم الإسلام كما جاء بها الرسول. كان سعي الحركة إلى إجلاء وجه الدين وجوهره من كل ما شابه عبر القرون دون حلول وسطية ولا مساومة، سعياً عظيماً ومحاولة جليلة، وكان من الممكن أن تؤدي تلك الدعوة مع مرور الزمن إلى تحرير الإسلام تحريراً كلياً من كل ما شابه من مدخلات وخرافات أخفت الوجه الحقيقي للإسلام.

وفي الحقيقة، كانت كل الحركات الإسلامية التصحيحية في العصور الحديثة، بدءاً من حركة أهل الحديث في الهند، والحركة السنوسية في شمال أفريقيا، وأفكار ودعوة جمال الدين الأفغاني، وأفكار محمد عبده المصري، كانت كلها حركات تصحيحية تستمد قوتها من قوة الدفع الروحية التي انطلقت في القرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب.

جاء القصور من ضيق النظر الذي اتسم به اتباع الحركة وسعيهم إلى إجبار الناس على أداء الشعائر الدينية حرفياً وبالأمر، متجاهلين أهمية النفاذ إلى الجوهر الروحي ومحتواه. القصور الثاني يعود كلياً إلى الشخصية العربية ذاتها، وهو تعصب الشخصية العربية وإحساسها بصواب الذات؛ والتي لا تسمع ولا تقبل وجود اختلاف مع الآخر:

من قرنين على وجه التقريب – كان عرب نجد أبعد عن الإسلام من أي شعوب إسلامية أخرى؛ وبعد ظهور محمد بن عبد الوهاب، اعتبروا أنفسهم لا مجرد أبطال وقادة للحركة الإصلاحية، بل أصحاب العقيدة الوحيدين والقيمين عليها.

تسرب الفساد إلى المعنى الروحي للحركة الوهابية – وهو الشوق والرغبة في تجديد المجتمع الإسلامي، في اللحظة التي سعت فيها إلى تحقيق أهدافها بالحصول على القوة الاجتماعية والسياسية وكان ذلك عند تأسيس المملكة في نهاية القرن الثامن عشر وامتداد الحركة إلى أغلب أرجاء الجزيرة مع بدايات القرن التاسع عشر.

الفَصْل السَّادِس: أَحْلَامٌ

فبمجرد أن ينتهي المصلون من أداء صلاة العشاء في مسجد القلعة. نجتمع حول الملك في إحدى الغرف نستمع على مدى ساعة إلى أحداث من سيرة الرسول أو تفسير لآيات القرآن.

رد الأمير: هذا حقيقي، إلا أنني لدي بصيرة خاصة؛ فقد رأيت حلماً في الأسبوع الماضي وهبني تلك البصيرة فيما يخصك.. كنت أقف في ذلك الحلم أمام مسجد وأنا أنظر إلى المئذنة، وفجأة ظهر رجل في شرفة المئذنة، كور كفيه حول فمه وراح يرفع الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله – وحين دققت النظر، وجدت أن المؤذن هو أنت. حين استيقظت، تأكدت على وجه اليقين – على الرغم من أنني لم أشك في ذلك قط – أنك مسلم حقيقي. فحلم يعلو فيه اسم الله لا يمكن أن يكون هراء .

وصاح عبد العزيز بأعلى صوته من أسفل، هلموا يا رجال الرياض، ها أنذا، عبد العزيز، ابن عبد الرحمن آل سعود، حاكمكم الشرعي

كان ذلك عام ١٩٠١، كان عمره آنذاك واحداً وعشرين عاماً.

لجوؤهم إلى نقل ولائهم إلى جانب آخر سيهددهم بفقد ممتلكاتهم المستقرة من منازل وقطعان إبل وأغنام: ولا يوجد ما هو أعز وأغلى على البدوي من ممتلكاته.

جعل ابن سعود من مسألة استقرار البدو من أهم نقاط برنامجه. وقد دعم هذا الاتجاه ما تنص عليه تعاليم الإسلام، التي كانت تعلي من شأن المستقر على المرتحل.

أما قمة توسعات ابن سعود فقد حدثت في ١٩٢٥ – ١٩٢٤، حين غزا الحجاز، بما فيها من مدن، مكة والمدينة وجدة، وطرد أسرة الشريف حسين التي كانت قد استولت على السلطة في الحجاز بعد ثورة الشريف حسين بدعم بريطاني ضد السلطة التركية عام ١٩١٦،

في الوقت الذي كانت فيه أغلب الدول العربية والإسلامية ترزح تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، أملاً لدى الشعوب العربية والإسلامية بأنه أخيراً ظهر القائد العربي الذي سيخلص كل الأمة العربية من نير العبودية والاحتلال الأجنبي، كما نظرت إليه شعوب الدول الإسلامية غير العربية نظرتها إلى من يعيد إحياء قوة الإسلام إلى كامل مجدها بتأسيسه دولة تعتمد في حكمها روح نصوص القرآن، إلا أن تلك الآمال لم تتحقق. فكلما زادت قوته وتمكنت، كان يتضح أكثر أن ابن سعود لم يكن أكثر من ملك، لا يهدف إلى ما هو أكثر مما استهدفه كثير من حكام الشرق الذين حكموا بلادهم حكماً أوتوقراطياً من قبله.

كان يؤدي الصلوات الخمس بمنتهى الالتزام ويقضي الساعات الطويلة من الليل في تعبد وتهجد؛ إلا أنه لم يرد إلى ذهنه أن الصلاة وسيلة لا غاية في ذاتها.

كان يحب الحديث عن مسؤولية الحاكم تجاه.. أتذكر حواراً دار مع الملك عن الإسراف الزائد وغياب الرؤية الإدارية الصحيحة. كان ذلك بمكة، في أواخر عام ١٩٢٨، حين كان قائد حركة الاستقلال السوري الشهير، شكيب أرسلان يقوم بزيارة الملك. وقدمني ابن سعود إليه بهذه الكلمات: هذا محمد أسد، ابننا، عاد لتوه من المنطقة الجنوبية. إنه يهوى الرحيل بين مناطق البدو .

أثار ذلك على الفور فضول الأمير شكيب أرسلان الذي لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان متعدد الاهتمامات ودارساً رفيع المستوى واسع الاطلاع والمعرفة، وأراد أن يعرف انطباعاتي حين علم أنني أوروبي واعتنقت الإسلام.

نحن أهل نجد لا نخشى شيئاً من قبضاتنا: فهي نظيفة، ولذلك نأكل بعزيمة بملء القبضة .

حين انضممنا إلى ابن سعود ضد ابن رشيد في تلك الأيام المبكرة؛ وحين ركبنا معه، تحت رايات كتب عليها لا إله إلا الله، ضد خائن الإسلام الشريف حسين،

الفَصْل السَّابِع: مُنْتَصَفُ الطَّرِيقِ

شرحت له كيف أن أعداداً كبيرة من أبناء الغرب كفوا عن الإيمان بأن الكتب المقدسة – كتبهم أو كتب غيرهم من شعوب – هي كلمة الله الحقة، ولا يرون فيها إلا تاريخاً بشرياً لتطلع البشر الديني وتطوره عبر العصور.

وجدت المسلمين يعيشون بطريقة مختلفة عما يعتبره الأوروبيون الطريقة المثلى للحياة؛ وكنت كلما عرفت شيئاً جديداً من تعاليم الإسلام، أشعر أنى أكتشف شيئاً طالما كنت أعرفه داخلي دون أن أدرك ذلك..).

تلك الراحة وذلك الرضا اللذين يعبران عن التوافق الساحر بين الذات الإنسانية والعالم الذي يحيط بها..

الشهر الجديد هو شهر رمضان، وهو الشهر الذي له قدسية خاصة في التقويم الإسلامي. ففي هذا الشهر احتفاء بذكرى مرت عليها ثلاثة عشر قرناً، حين نزل أول وحي على محمد (ص) بالقرآن. وفي هذا الشهر يصوم المسلمون صياماً كلياً عن الطعام والشراب، رجالاً ونساء باستثناء المرضى، لا يأكلون ولا يشربون (ولا حتى يدخنون) من لحظة انبلاج ضوء الفجر حتى غروب الشمس لمدة ثلاثين يوماً تقريباً.

علمت أن هناك هدفين من شهر رمضان: الأول هو الامتناع عن الطعام والشراب يشعر كل امرئ بما يشعره الفقير والجائع، ويغرس هذا المسؤولية الاجتماعية في الوعي البشري كفرض ديني.

والهدف الثاني هو التعود على ضبط الذات والسيطرة على النفس، وهو أحد أوجه الأخلاق الفردية وتؤكد عليها كل تعاليم الإسلام

استفدت إفادة عظيمة من الشرح الذي قام به بعض أصدقائي القاهريين. كان من أبرز أولئك الأصدقاء الشيخ مصطفى المراغي، وكان واحداً من أبرز العلماء المسلمين في عصره وأحد أبرز علماء جامعة الأزهر (وقد أصبح شيخاً للأزهر بعد ذلك بأعوام).

كان تلميذاً للمصلح المصري الكبير الشيخ محمد عبده، كما كان من حضور جلسات الثوروي الإسلامي جمال الدين الأفغاني، وكان الشيخ المراغي ذاته من المفكرين الإسلاميين الراصدين والناقدين لأوجه الخلل.

الآراء الشائعة في الغرب عن الإسلام يمكن إجمالها فيما يلي: انحطاط حال المسلمين ناتج من الدين الإسلامي ذاته، ولا يمكن اعتباره عقيدة دينية مثل المسيحية واليهودية، وأنه أقرب إلى خليط غير مقدس من خيالات الصحراء، والحسية الشهوانية، والخرافات، والاتكالية والإيمان بالقدر، وهي قيم تحول بين المسلمين وبين إحراز أي تقدم اجتماعي للأرقى والأفضل؛ وبدلاً من تحرير البشر من عراقيل الغموض والظلام؛ كبَّلهم الإسلام أكثر؛ وبمجرد تحررهم من العقيدة الإسلامية، وتبنيهم مفاهيم الغرب في أسلوب حياتهم وفكرهم، يكون ذلك أفضل لهم وللعالم كله.. .

إلا أن ما وجدته من مفاهيم وما توصلت إلى فهمه من مبادئ الإسلام وقيمه، أقنعني أن ما يردده الغرب ليس إلا مفهوماً شائهاً للإسلام. فما وجدته في القرآن لم يكن (نظرة مادية)) فقط للحياة، بل على العكس، وجدته يظهر وعياً شديداً بالخالق، عبر عن نفسه بقبول كل ما خلقه الله: فهو متوازن ومنسجم يمازج بين العقل والاحتياجات البدنية، كما يوازن بين الاحتياجات الروحية للفرد ومتطلباته الاجتماعية. اتضح لي أن تخلف المسلمين لم يكن ناتجاً من الإسلام، ولكن لفشلهم أن يحيوا كما أمرهم الإسلام، وفشلهم في التمسك بتعاليمه.

كانت المعرفة في أرجاء العالم تناضل نضالاً مريراً للوقوف على أقدامها ضد ما تمليه وتفرضه العقائد السائدة لديهم. على عكس ذلك، كانت المعرفة في الإسلام تنبثق مباشرة من مبادئ العقيدة ذاتها. لقد أعلن النبي العربي: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وبذلك رسخ لدى المسلمين مفهوم أن اكتساب العلم هو السبيل للإيمان الكامل ومعرفة الخالق معرفة حقة. ولما تدبروا ما ذكره الرسول (ص): خلق الله الداء كما خلق الدواء، تحققوا أن بحثهم عن الدواء ليس إلا تحقيقاً لإرادة الله: وبذلك كانت الأبحاث الطبية تستمد دافعها من إحساس المسلم أنها واجب ديني وفريضة واجبة. وقرأوا ما ذكره القرآن: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [سورة الأنبياء: 30]، وفي سعيهم إلى النفاذ للمعنى الذي تضمنته هذه الآية، ودرسوا الكائنات الحية والقوانين التي تحكم نموها وتطورها: وهكذا أسسوا مبادئ علم الأحياء. وأشار القرآن إلى تناسق دورات ومواقع النجوم وأفلاك السماء كدليل على عظمة إبداع الخالق: فدرسوا علوم الفلك والحساب بحماسة في الوقت الذي كانت فيه علوم الفلك مقصورة في الديانات الأخرى في تحديد أوقات العبادة فقط، كما نجد أن نظريات كوبرنيكوس التي توصلت إلى أن الأرض تدور حول نفسها وأنها هي والكواكب تدور حول الشمس، وأعلنها في أوروبا في القرن السادس عشر (وقوبلت بمعارضة شديدة من متعصبي الكنيسة وكبار رجالها الذين وجدوا أن تلك النظريات تتصادم مع التعاليم الحرفية للإنجيل): إلا أن التأسيس الفعلي لتلك النظريات كان قد تم وضعه قبل ذلك بستمائة عام في البلاد الإسلامية لما توصل الفلكيون الإسلاميون إلى النتيجة ذاتها وهي أن الأرض كروية وتدور حول محورها، وتوصلوا إلى حسابات دقيقة لخطوط الطول والعرض؛ وأدرك كثير منهم دون أن يتهموا بالكفر والهرطقة، أن الأرض تدور حول الشمس. بالحماسة نفسها درسوا الكيمياء والفيزياء ووظائف الأعضاء، كما اقتحموا علوماً أخرى كثيرة، وجد عباقرة المسلمين أنها مهمة لبناء صرح حضاري دائم ومتجدد. وفي بناء ذلك الصرح، كانوا أكثر من مقتدين بتعليمات الرسول (ص) في قوله: مَنْ فَتَحَ بَاباً مِنْ أبْوَابِ العِلْمِ فَتَحَ اللهُ لَهُ بَاباً مِنْ أبْوَابِ الجَنَّة ، وقوله: مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً فِي الجَنَّة .

في ذلك العهد الخلاق من تاريخ الإسلام – أي القرون الخمسة الأولى بعد وفاة الرسول – لم ير العلم عصراً أزهى من عصر الحضارة الإسلامية. ولم تنعم بيوت بالأمان مثلما نعمت كل بيوت المدن الإسلامية في ذلك العصر.

وتأثرت الحياة الاجتماعية بدورها بتعاليم الإسلام كما جاء بها القرآن. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا المسيحية تعتبر أن الأوبئة ليست إلا لعنة من الله ونقمة وعقاباً لا بد أن يتقبلوه ولا يحاولوا منعه أو الحد من آثاره، كان المسلمون يتبعون تعليمات الرسول الذي علمهم مواجهة الأوبئة بعزل المناطق الموبوءة والمدن المصابة. وفي الوقت الذي كان فيه حتى ملوك وأمراء أوروبا المسيحية يعتبرون الاستحمام نوعاً من العرف غير المستحب دينياً، كان أفقر منزل إسلامي في العصر ذاته يحتوي على الأقل على حمّام واحد، بينما كانت الحمامات العامة الرائعة منتشرة في كل المدن الإسلامية (في القرن التاسع الميلادي، كان بمدينة قرطبة في الأندلس ثلاثمائة حمَّام عام)، وكان ذلك أيضاً استجابة لتعليمات الرسول من أن: النظافة من الإيمان .

ولذلك لم يكن عجيباً أن يكتسب الإسلام أتباعاً في طفرات هائلة بمجرد أن تجاوز حدود بلاد العرب، وجدت الشعوب التي نشأت في أحضان مسيحية القديس بولس والقديس أوغستين مثل شعوب سوريا وشمال إفريقيا وإسبانيا القوطية من بعدهم، ديناً لا يُقر عقيدة ومفهوم الخطيئة الأول لآدم وتؤكد على كرامة الحياة البشرية الأرضية: ولذلك دخلوا في دين الله أفواجاً، ذلك الدين الذي حدد لهم أن الإنسان خليفة الله في الأرض.

كل ذلك يفسر كيفية انتصار الإسلام وانتشاره الواسع والسريع في بداياته التاريخية، ويفند مزاعم مَنْ روجوا أنه انتشر بحد السيف ، لم يكن المسلمون إذن هم مَنْ خلقوا عظمة الإسلام، بل كان الإسلام من خلق عظمة الإسلام. وبمجرد أن تحول إيمانهم إلى عادة وكفَّ عن أن يكون منهجاً وأسلوباً للحياة، وعن تطبيق تعاليمه بوعي ودراية، وأن يعوا ما يأمرهم به، خبأ وهج النبض الخلاق في تلك الحضارة وحلّ محلها التقاعس والعقم وتحلل الثقافة تدريجياً.

كانت الرؤية التي توصلت إليها، والتقدم الذي كنت أحرزه في تعلم اللغة العربية (كان أحد طلاب الأزهر يعلمني اللغة العربية في دروس يومية)، تجعلني أشعر أنني تمكنت أخيراً مما يماثل المفتاح لعقلية المسلمين، ولم أعد على يقيني السابق باستحالة أن يتفهم الأوروبي بوعي العقلية الإسلامية كما ذكرت قبل ذلك في كتابي الذي صدر في برلين من شهور سابقة.

سألت صديقي واسع المعارف الشيخ مصطفى المراغي في ذلك:

أجاب: سؤالك بالتحديد، يا أخي الشاب، هو لماذا يتوجب وجود عقيدة مؤسسة. والإجابة بسيطة: فقلة قليلة من البشر – الأنبياء فقط – لديهم القدرة على فهم صوت الفطرة الداخلي. أغلبنا يقع في شراك المتطلبات والاهتمامات الشخصية والرغبات الذاتية، فلو اتبع كل فرد هواه، سيتحول أي مجتمع إلى حالة من الفوضى الأخلاقية ولا يُتفق على نمط أخلاقي موحد.

بدر إلى ذهني أنه تجمع الدراويش الذين سمعت عنهم قبل ذلك كثيراً: وهو نظام صوفي يسعى إلى الوصول بالوعي إلى حالة من الارتقاء عن الوجود المادي إلى حالة من النقاء الروحي الخالص وذلك بأداء حركات إيقاعية رتيبة تزداد سرعة إيقاعها وتتصاعد حتى تصل بهم إلى حالة من الانفصال عن الواقع المادي للحياة وتمكن صاحبها من تحقيق حالة من التواصل الروحي السامي والذوبان في عصمة الرب.

طلبت من صديقي الأزهري أن يحضر لي بعض كتب المستشرقين التي تتناول موضوع الذكر؛ وتبين لي أن شكي كان في موضعه، وأن تلك الممارسات والطقوس دخيلة على الإسلام من جهات ومصادر غير إسلامية.

لقد شابت تأملات وأفكار المتصوفة الإسلاميين أفكار روحية هندية، وفي أحيانٍ أخرى تأثيرات رهبنة مسيحية – مما أضفى على بعض ذلك التصوف مفاهيم وممارسات غريبة تماماً على الرسالة التي جاء بها النبي.

لقد أكدت رسالة النبي على أن السببية العقلية هي السبيل الوحيد للإيمان الصحيح، بينما تبعد التأملات الصوفية وما يترتب عليها عن ذلك المضمون. والإسلام قبل أي شيء مفهوم عقلاني لا عاطفي ولا انفعالي، والانفعالات مهما تكن جياشة، معرضة للاختلاف والتباين باختلاف رغبات الأفراد وتباين مخاوفهم بعكس السببية العقلية، كما أن الانفعالية غير معصومة بأي حال.

البدو بوعيهم العملي يعتادون بسرعة تلك السلع الجديدة كأنها من إبداعهم، لم أكن أدرك تماماً حتى ذلك الوقت ما يمكن أن تسببه الحداثة الغربية لأولئك الناس البسطاء الأميين…

قال السائق في لامبالاة شرقية (وهي صفة سائدة كنت أعجب بها أحياناً – إلا في ذلك الوقت)

لم يتبق في بغداد شيء من عظمتها وروعتها التاريخية القديمة. دمر هجوم المغول في القرون الوسطى المدينة بأجمعها فلم يبق منها شيء يذكر بعظمة هارون الرشيد.

كان يبدو على وجوه أهل بغداد كراهية عميقة للقوى الأجنبية التي حرمتهم من حريتهم، كان تطلعهم إلى الحرية يسيطر على تفكيرهم.

كانت بغداد تعلن التمرد مرة أخرى. في اليوم السابق، التاسع والعشرين من مايو ١٩٢٤، كان البرلمان العراقي قد أقر معاهدة تتعارض مع رغبة الشعب العراقي، معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى، والآن يحاول الشعب اليائس أن يدافع عن نفسه ضد صداقة القوة الأوروبية العظمى…

حياة لا تتغير: اليوم مثل الأمس والغد.. عند أولئك الرعاة لا وجود للزمن، باستثناء كر الأيام والليالي والفصول. فالليل جُعِلَ مظلماً للنوم، والنهار مضيئاً لقضاء حاجات الحياة وضروراتها،

توقفت المياه بلا حركة في بركة، فإنها تفسد وتتعكر وتتعفن؛ أما حين تكون متحركة ومتدفقة فإنها تظل نظيفة ونقية.. .

خضت حوارات كثيرة مع المتعلمين في المدن، ومع الجنود ورجال القبائل، ومع التجار في الأسواق، ومع أعضاء في الوزارة وكبار رجال الدين، مع الدراويش الجائلين وكبار الحشاشين في الاستراحات المنتشرة على الطرق. عشت بالمدن والقرى وعبرت الصحاري وخضت المستنقعات المالحة، ونسيت نفسي كلياً وفقدت الإحساس بالزمن في تلك البلاد العجيبة صاحبة الحضارة القديمة والتي تخلفت عن مواكبة الحضارات الحديثة.

أحياناً كنا نضطر أنا وإبراهيم التتاري ومن يرافقنا للدفاع عن أنفسنا عند هجوم عصابات قُطَّاع الطُّرُق، التي كانت أفغانستان تغص بهم في ذلك الوقت، ولكن إن حدث وكان اليوم يوم جمعة، توقفت العصابات عن أي نشاط لها، فالسرقة والقتل حرام في اليوم المخصص لصلاة الجمعة.

على مدى أسابيع كنت ضيفاً على أمان الله خان ، ملك أفغانستان في كابول ؛ وتناقشت على مدى ليال طويلة مع علمائه حول تعاليم القرآن؛

بفهمي لحياة المسلمين كنت أقترب يومياً من فهم أفضل للإسلام.

هناك بعض الأشياء تجعل الرجال يتقاربون من بعضهم مثل صلاة الجماعة. ويصدق ذلك على كل الديانات، إلا أنه أكثر صحة فيما يخص الإسلام، فالإسلام يرتكز على إيمان حقيقي أنه لا وساطة بين المخلوق وخالقه، وغياب كل أشكال الكهانة والإكليروس المؤسسي الديني، يجعل كل مسلم يوقن أنه يشارك بإيجابية في عمل جماعي من أجل العبادة، وأنه لا يحضر فقط لمشاهدة وسطاء يقومون بالنيابة عنه بأداء طقوس العبادة، لذلك يؤدي كل المسلمين صلاة الجماعة، ولأنه لا توجد أسرار ولا طقوس مقدسة في الإسلام، فإن كل مسلم بالغ رشيد بإمكانه القيام بأي وظيفة دينية، كأن يؤم المصلين في صلاة الجماعة ويقوم بإجراءات عقود الزواج أو بالصلاة على الميت قبل دفنه.. يستحقها . لا توجد حاجة في الإسلام إلى ترسيم وظائف وتخصصات دينية لعبادة الله: أما المعلمون الدينيون ومرشدو المسلمين، فهم أناس بسطاء يتمتعون بالسمعة الطيبة التي تدل على أنهم على دراية واسعة بأمور الدين وأحكام التشريع (أحياناً يستحقون السمعة الطيبة، وبعضهم لا يستحقها).

الفَصْل الثَّامِن: جِنّ

ليس أثناء غروب الشمس: هذا هو الوقت الذي يخرج فيه الجن من تحت الأرض، وغالباً ما يتخذ شكل حية.. .

ألا يمكن أن نفترض أنه باستثناء الوجود الذي تدركه الحواس، توجد مخلوقات لا تدركها حواسنا؟ ألا يعد إنكار ذلك نوعاً من التكبر الفكري يدفع الإنسان المعاصر إلى رفض احتمال وجود أشكال أخرى للحياة باستثناء ما ندركه وما يمكن قياسه؟ إن وجود الجن، مهما تكن طبيعتهم، لا يمكن إثباته بوسائل وأدوات علمية. كذلك لا يمكن للعلم أن يثبت عدم وجود حيوانات أخرى تختلف قوانينها البيولوجية اختلافاً كلياً عن قوانيننا.

في خريف عام ١٩٢٨ دعا ابن سعود لعقد اجتماع لزعماء القبائل وعلماء الدين في الرياض لفض تلك النزاعات. حضره كل زعماء القبائل تقريباً باستثناء ابن بوجاد والداويش. وإمعاناً في تمردهما أعلنا أن ابن سعود كافر ومرتد، لأنه عقد اتفاقات مع الكفار – الإنجليز – وأدخل إلى أرض العرب آلات شيطانية مثل السيارات والهاتف، وأجهزة البرق والطائرات؟ بينما أعلن العلماء المجتمعون بالرياض بالإجماع أن مثل تلك المخترعات لا يسمح الدين بها فقط، بل يحث في طلبها لأنها تزيد قوة ومعارف المسلمين، وأن النبي (ص) في صدر الإسلام كان لديه صلاحية عقد المعاهدات مع غير المسلمين؛ إذ كانت تلك الاتفاقات والمعاهدات توفر الأمن والسلام والحرية للمسلمين.

كان تقاعس ابن سعود عن تعليم الإخوان وتحويل حماسهم الديني المجرد إلى قوة مستنيرة قد بدأ يُسفر عن وجهه السيئ.

كانت هناك تقارير غامضة وغير محددة، أن المتمردين الذين انتقدوا ابن سعود (بمرارة) لعقده معاهدة مع الكفار ، يتعاملون مع البريطانيين ويتحالفون معهم ضد ابن سعود.

كانت هناك شائعات أن الداويش.. بعد حلول الليل، خرجنا من الرياض، عند الفجر كنا وصلنا وادي حنيفة، وهو مجرى مائي قديم وجاف يقع بين سفوح التلال – وكان موقعاً لمعركة حاسمة جرت أحداثها من ثلاثة عشر قرناً بين قوات المسلمين في عهد أبي بكر (رضي الله عنه)، خليفة الرسول، وأول خليفة إسلامي، وقوات مسيلمة الكذاب الذي عادى المسلمين لسنوات طويلة. كانت تلك المعركة هي الانتصار النهائي للمسلمين في قلب الجزيرة العربية، وسقط فيها كثير من صحابة الرسول (ص) شهداء، وما زالت قبورهم واضحة إلى اليوم في المنحدرات الصخرية للوادي.

كان بدو الصلوبة (المفرد صلوبي) لغزاً أمام كل الباحثين. لا يعرف أحد أصلهم على وجه اليقين. من الثابت أنهم ليسوا عرباً: فعيونهم زرقاء وشعرهم بني فاتح بغض النظر عن بشرتهم الداكنة من حرارة الشمس، مما يفضح انتماءهم للمناطق الشمالية في أوروبا. ويذكر المؤرخون العرب القدامى أنهم من نسل الصليبيين الذين أسرهم صلاح الدين وأرسلهم إلى الجزيرة العربية، وأسلموا بعد ذلك؛ وبالفعل تجد أن اسم صلوبة له نفس جذر اللغة: صليب وصليبي – لا يعلم أحد مدى صحة هذا التفسير.

أثبتت سلسلة المقالات التي كتبتها أن المتمردين مدعومون من قوة أوروبية عظمى. وأشرت في تلك المقالات أن الهدف الأساسي لتلك المؤامرة هو دفع حدود مملكة ابن سعود إلى الجنوب لفصل المنطقة الشمالية وتحويلها إلى إمارة مستقلة تفصل بين السعودية والعراق، مما يُمكْن البريطانيين من مد خط سكك حديد عبر تلك الولاية المستقلة يصل ما بين البصرة وحيفا.

الفَصْل التَّاسِع: رِسَالَةٌ فَارِسِيَّةٌ

حضوره الروحي بعد ثلاثة عشر قرناً ما زال حياً كما كان هو حياً بها. له وحده يعود فضل تحويل قرى متناثرة كانت تسمى يثرب إلى مدينة يحبها كل المسلمين حتى اليوم كما لم يحب أحداً مدينة مثلها في جميع أنحاء العالم.

ليس لها اسم خاص بها، على مدى يزيد عن ألف وثلاثمائة عام يطلق عليها المسلمون مدينة النبي. وعلى مدى يزيد عن ألف وثلاثمائة عام يتجمع الحب هنا حتى إن كل ألوان البشر وكل تعبيرات وجوههم وحركتهم تكتسب نوعاً من التماثل الأسري الواحد، كل اختلاف في الشكل والمظهر يدخل في تحول فرعي حتى يصبح تجانساً واحداً.

لم تنل مدينة من الحب من أجل إنسان عاش بها، ولم يحدث أن مات إنسان من ألف وثلاثمائة عام، ونال مثل هذا الحب لذاته وشخصه، مثلما نال الرسول الذي يرقد تحت القبة الخضراء الكبرى. لم يدع أبداً أنه أي شيء آخر عدا كونه من البشر الفانين، ولم ينسب له المسلمون أبداً أي قداسة غير بشرية أو ألوهية مثلما فعل أتباع أنبياء آخرون من قبله بعد موت أولئك الأنبياء. وأكد القرآن ذلك وشدد عليه، وأكد بشرية محمد: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) [سورة آل عمران: 144].

قد أكد القرآن في أكثر من موضع على بشرية محمد وأنه من خلق الله مثل كل البشر: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) [سورة الأعراف: 188].

أكد القرآن، وأكد الرسول أنه بشر مثلهم، وعاش كأي رجل، ينعم بالمسرات، ويعاني المرض الذي يعاني منه البشر؛ لذلك أحاطه من كانوا حوله ومن عاشوا معه بحبهم.

وتجاوز ذلك الحب حياته وامتد في قلوب أتباعه من المسلمين.

لقد عاش في المدينة، وينطق بحبه كل حجر من أحجارها العتيقة. نستطيع أن نلمس ذلك الحب بيديك، إلا أنك لا تستطيع أن تُعبر عنه بأي كلمات، مهما كانت بلاغتها.

رضا شاه من أهم الشخصيات الحيوية التي قابلتها في دولة إسلامية، وكذلك من بين كل من قابلت من ملوك، ولا يمكن مقارنته إلا بابن سعود.

عرفته في أول إقامة لي بطهران في صيف عام ١٩٢٤، كان رئيساً للوزراء ودكتاتور إيران بلا منازع.

لم ينل رضا أي قدر من التعليم، ولم يذهب إلى أي مدرسة.

في عام ١٩٢١، قام بتدبير انقلاب عسكري هو وصحافي شاب اسمه ضياء الدين وثلاثة ضباط آخرين، وقبضوا على مجلس الوزراء الفاسد، وبوصفه قائد لواء، أجبر الشاه أحمد، ضعيف الشخصية، على تعيين مجلس وزراء جديد، أصبح فيه ضياء الدين رئيساً للوزراء، ورضا خان وزيراً للحربية.

أما الجيش، وهو ابن الدكتاتور المدلل فقد أعاد تنظيمه على النمط الغربي.

وتم تنظيم الإدارة المالية بمعاونة مستشار أمريكي؛ وبدأت الضرائب والجمارك تدر عوائد منتظمة، واستعاد النظام بعد الفوضى العارمة.

وكما لو كان يقتفي أثر خطى كمال أتاتورك في تركيا الذي قاد الحركة الكمالية، بزغت فكرة الجمهورية في إيران،

خوف الشعب الإيراني أن يفقدوا دينهم مثل الأتراك الذين فقدوا دينهم بعد أن أعلن كمال أتاتورك نظام الدولة العلماني. في جهلهم، لم يفهم الإيرانيون أن الشكل الجمهوري يتفق تماماً مع تعاليم الإسلام أكثر من حكم العاهل العائلي؛ وتحت تأثير القادة الدينيين – وربما لخوفهم من إعجاب رضا خان الواضح بأتاتورك – أحس الإيرانيون أن الإسلام مهدد، وكان الإسلام القوة المهيمنة على الشعب الإيراني بأجمعه.

وبمجرد أن خرجت العربة من البوابة الخارجية، قبضت الحشود الثائرة على أعنة الجياد وأوقفوا العربة، وحطم بعض الثائرين بابها – وصاحت الحشود: جروه إلى الخارج، أخرجوه إلى الطريق ، إلا أنه كان قد بدأ الخروج بنفسه، ووجهه يستعر بالغضب وبدأ بضرب الأقرب إليه على أكتافهم ورؤوسهم بعضاً قيادة الخيل وهو يصيح في غضب: أبعدوا يا أبناء الكلاب، كيف تجاسرتم على ذلك، أنا رضا خان، ارجعوا إلى نسائكم وفراشكم ، وصمتت الحشود التي كانت تهدد بالويل والثبور وبقتل الطاغية من دقائق قليلة، وتحت وطأة جسارته وشجاعته ونظراته النارية؛ تقهقروا قليلاً، ثم ذابوا واحداً بعد آخر، واختفوا في الشوارع الجانبية.

إن الشعب شعر غريزياً أن تطبيق نظام دستوري غربي مستورد من خارج البلاد، يعني القضاء على آمالهم في التوصل إلى نظام سليم، نابع من ثقافتهم وعقيدتهم الإسلامية.

عرفت رضا خان في المرحلة التي كان فيها رئيساً للوزراء، ومهما كانت صحة الشائعات التي كانت تتردد عن طموحاته وتطلعاته وأنانيته، إلا أنني تبينت عظمة ذلك الرجل من اللحظة الأولى التي استقبلني فيها في مكتبه في وزارة الحربية.

كانت أزهار الخشخاش ببراعمها الممتلئة تباع في جميع أنحاء البازار، وهناك طريقة أخرى تناسب الأطفال، فقد كان الأطفال يأكلون بذوره في مداخل البيوت وفي الأركان الخالية.

ولكن كيف يمكن أن يكونوا غير ذلك؟ لقد أعطوهم من مهدهم شراب بذور الأفيون حين كانوا يبكون، فيعطونهم ذلك الشراب حتى يناموا ولا يزعجونهم.

وحين كبروا وبدأوا يجوبون الطرقات والشوارع،.. كانت مشاعرهم الدينية تختلف عن المشاعر الدينية للعرب، فهي تحمل صبغة قوية من الحزن والحداد – لأنهم ما زالوا يبكون أحداثاً مأسوية وقعت من ثلاثة عشر قرناً مضت – يبكون استشهاد الإمام علي (رضي الله عنه)، ابن عم الرسول وزوج ابنته (رضي الله عنها)، ويبكون استشهاد ابني عليّ، الحسن والحسين (رضي الله عنهما) – ويبدو ذلك عندهم أهم مما يدعو إليه الإسلام وعما يدفع البشر إليه، ويحثهم على انتهاجه في الحياة الدنيا..

استمعوا إليّ أيها الناس، استمعوا لما حدث لمن اختارهم الله، وكيف سال دم نسل الرسول على الأرض.

كان هناك نبي أحبه الله وحباه بالهداية إلى مدينة المعرفة؛ وكان باب تلك المدينة أنقى وأخلص وأشجع وأحكم أتباعه، وزوج ابنته، أسد الله وخليفته الشرعي، إلا أن أشقياء البشر وأشرارهم اغتصبوا حق أسد الله وجعلوه آخر خليفة للرسول؛ وبعد موت أول مغتصب، تلاه واحد مثله من محبي الشر؛ وتلاه ثالث بعده.

وتحققت إرادة الله فقط بعد موت المغتصب الثالث، وتبوأ أسد الله مقعده الشرعي كقائد للمؤمنين.

إلا أن أعداء عليّ وأعداء الله كانوا كثيرين؛ وفي يوم كان ساجداً بين يدي ربه، اغتالوه بالسيف. اهتزت أركان الأرض من بشاعة الفعل الكافر، وناحت الجبال وذرفت حجارة الأرض الدموع.

فلتُحل لعنة الله على الأشرار، ويحل عليهم عذاب الله الأبدي.

استولى مغتصب جديد على الخلافة وأنكر حق أبناء أسد الله، الحسن والحسين، ابني فاطمة المباركة. قتلوا الحسن بقسوة بدس السم له؛ ولما هبَّ الحسين للدفاع عن الحق، أزهقوا روحه الطاهرة في كربلاء حين كان منحنياً على بركة ماء ليروي ظمأه بعد المعركة.

فلتُحل لعنة الله على الأشرار، ولتروي دموع الملائكة ثرى كربلاء المباركة. اجتثت رأس الحسين (رضي الله عنه) – التي كان يُقبلها الرسول – بقسوة، وعاد بدنه بدون رأس إلى الخيمة التي كان أولاده يبكونه فيها وينتظرون عودته.

منذ ذلك اليوم يدعو المؤمنون الله أن ينزل لعنته على المعتدين. منذ ذلك اليوم يبكون موت عليّ والحسن والحسين (رضي الله عنهم)؛ وأنتم أيضاً يا مؤمنين، ارفعوا أصواتكم بالعويل والنواح على مصرعهم – الله يغفر ذنوب مَنْ يبكون نسل الرسول…

مثل تلك المناحات تمثل فعلاً صرخة عميقة مستمدة من صورة تاريخية حقيقية لتلك الأحداث المبكرة الدامية التي أحدثت شرخاً لم يمكن جبره وانقساماً لم يمكن تخطيه في عالم المسلمين: انقسم المسلمون إلى سُنَّة، وهم الأغلبية ويؤمنون أن مبدأ اختيار الخليفة كان صحيحاً، والشيعة الذين يصرون على أن الرسول اختار عليّاً، زوج ابنته، كوريث شرعي وخليفة له. وفي الحقيقة، مات الرسول دون أن يسمي أي خليفة له قبل وفاته، فاختار المسلمون أقدم رفيق مخلص له كخليفة، وهو أبو بكر، وتلا أبو بكر عمر، ثم تلاه عثمان، ولم يبايع المسلمون علياً للخلافة إلا بعد وفاة عثمان (رضي الله عنهم).

لم تكن هناك شائبة في أي من الخلفاء الذين سبقوا عليّ، وكنت أعرف ذلك أثناء وجودي في إيران وقبل إسلامي. كانوا بالفعل الأنبل والأعظم في التاريخ الإسلامي بعد الرسول، وكانوا في حياته أخلص وأقرب الصحابة؛ لم يكونوا بالتأكيد مغتصبين للخلافة، واختارهم المسلمون بإرادة حرة خلقها بهم الإسلام.

ففي منتصف القرن السابع الميلادي، قهرت جيوش عمر الإمبراطورية الساسانية في بلاد فارس، ودخل الإسلام إلى تلك البلاد، كانت العقيدة الزرادشتية الفارسية قد تقلصت وانكمشت إلى مجرد مبادئ إصلاحية متصلبة، ولم تصمد أمام الفكر الديني الجديد المليء بالحيوية والقادم من الجزيرة العربية. في الوقت الذي دخل فيه الغزو العربي بلاد فارس، كانت إيران تمر بمرحلة اختمار جماعي وفكري كانت تشي بإرهاصات ميلاد قومي جديد. وأضاع الغزو العربي الأمل في إعادة الخلق القومي الفارسي؛ توقف الامتداد القومي التاريخي لفارس، بعد أن تبنوا ثقافة وفكر وأخلاق الإسلام الذي جاء مع الفاتحين.

مثل دخول الإسلام لإيران، كما مثّل لبلاد كثيرة أخرى، طفرة اجتماعية تقدمية كبيرة، فقد دمر الإسلام النظام الطبقي وخلق مجتمعاً جديداً مبنياً على الحرية والمساواة، وفتح قنوات جديدة لانطلاق الفكر والطاقات الخلاقة التي ظلت جامدة ومكبوتة لعصور طويلة: إلا أن أهل بلاد فارس لم ينسوا أنهم أبناء داريوس، وإكسيركسس ولم ينسوا مشاعرهم القومية، ولم ينسوا الرابط العضوي بين ماضيهم وحاضرهم، الذي تفجر فجأة في مواجهة فكر جديد.

وبالرغم من تسارعهم إلى اعتناق الإسلام وقبولهم الإرادي للديانة الجديدة، إلا أنهم قرنوا في لا وعيهم بين انتصار الإسلام والهزيمة القومية الفارسية؛ وكان إحساسهم بأنهم هزموا، إحساساً مؤلماً بكل ما يحتويه من غموض وأدى إلى تقويض إحساسهم القومي بالثقة بالنفس على مدى قرون تالية.

وفي مواجهتهم النفسية لكراهيتهم للعرب لغزوهم بلادهم، لجأ الإيرانيون بلا وعي منهم إلى ما يطلق عليه علماء التحليل النفسي المغالاة أو المبالغة المضادة ، بدأوا يعتبرون الدين الذي دخل بلادهم على أيدي الغزاة العرب ديناً خاصاً بهم هم، وهم أصحابه.

فلا يوجد شك في أن تبجيل الشيعة بما يقرب من التأليه لعليّ ونسله يخفى في ثناياه تجسيد الإله واستمرار تجسيده في نسله – وهي فكرة دخيلة تماماً على الإسلام وغريبة على محتواه، إلا أنها قريبة جداً من القلب الإيراني.

لم يكن مصادفة أن يموت الرسول دون أن يسمي خليفة له، وقد رفض بالفعل تسمية خليفة له حين سئل في ذلك من قبل فترة قصيرة من وفاته. لقد أراد أن يؤسس بذلك الموقف: أولاً، أن الجانب الروحي من الدين والنبوة لا يمكن توريثه . وثانياً: أن قيادة الأمة لا بد أن تنتج عن انتقاء حر يقوم به المسلمون بأنفسهم، لا أن تكون بأمر من الرسول أو بترسيمٍ منه (وقد كانت تسميته لخليفة تتضمن كل ذلك. إلا أنه لم يفعل) لقد ألغى عامداً فكرة أن تكون قيادة الأمة قيادة رسولية وراثية، إلا أن ذلك ما هدفت إليه شريعة الشيعة. لم يصر فقط على التشريع على مبدأ الخلافة الرسولية (في تناقض واضح مع روح الإسلام). بل احتفظ بذلك الحق الخلافي الرسولي لنسل الرسول فقط، أي قصره على ابن عم الرسول وزوج ابنته، عليّ ونسله (رضي الله عنهم) من بعده.

فإن كان علياً هو الوريث والخليفة الشرعي للرسول، فإن الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا عليّ، لا بد أن يصنفوا كمغتصبين للخلافة، وكان منهم عمر، وهو عمر ذاته الذي غزا إيران. ووفر ذلك سبباً لتحويل الكره القومي لمن غزا الإمبراطورية الساسانية إلى كره عقائدي وديني – تلك العقيدة التي أصبحت خاصة بإيران: أصبح عمر هو من نزع حق عليّ وأبنائه الحسن والحسين وحرمهم من حقهم الإلهي في خلافة الرسول، وأن عمر بفعله ذاك لم ينصع لإرادة الله، بل عاداه؛ وأنهم لدعم إرادة الله ومشيئته، لا بد من دعم حزب عليّ.. ومن داخل عداء قومي، ولدت شريعة دينية مغايرة.

كان تعظيم وتمجيد الإيرانيين للعقيدة الشيعية تعبيراً عن احتجاج صامت على غزو العرب لإيران.

يجلسون محملقين في المياه الجارية، لا يوجه أحدهم الحديث إلى الآخر. يستمعون فقط إلى صوت خرير الماء في صمت لا يقطعه إلا صوت حفيف أوراق الأشجار عند هبوب النسيم. كلما رأيتهم تذكرت مزمار داود: على ضفاف نهر بابل، جلسنا وبكينا… .

الفَصْل العَاشِر: دَجَّالٌ

كان صديقي القديم، الشيخ عبد الله بن بليحيد. كانت عيناه النافذتان تحيياني بنظرة دافئة وأنا أَقبل جبهته وأجلس إلى جواره. كان ابن بليحيد من أعظم علماء نجد، وبالرغم من تشدد الوهابيين وتزمتهم، إلا أنه كان واحداً من أعظم العقول التي عرفتها في البلاد الإسلامية.

أجاب الشيخ: نحن لا نحصد يا بني إلا ما زرعناه. كنا عظماء ذات يوم: الإسلام هو ما جعلنا عظماء. كنا حملة رسالة، وبقدر ما أخلصنا في حمل تلك الرسالة، كانت قلوبنا ملهمة وعقولنا مستنيرة؛ ولكن بمجرد أن نسينا الغرض الذي كلفنا الله به من حمل الرسالة، سقطنا..

هزّ الرجل العجوز كتفيه وقال: إذا كان قلب الرجل مستريحاً مع زوجه، فإنه يقضي في بيته أغلب وقته، وأنت لا تمكث في البيت.. .

رد قائلاً: يا بني، لو كانت المرأة تستحوذ على قلب زوجها كله، لن يفكر ولن يحتاج للزواج من أخرى، أما إن لم يكن جملة قلب الرجل معها – هل يفيدها أن تحتفظ بنصف قلبه ونصف مشاعره؟ .

لم أجد بالطبع إجابة أرد بها على ذلك. فالإسلام يوصي بالتأكيد بالزواج من واحدة، إلا أنه يسمح بالزواج من أربع زوجات في أحوال استثنائية، وقد يسأل امرئ لماذا لم يمنح الإسلام الحق نفسه للمرأة أيضاً، إلا أن الإجابة بسيطة: فبغض النظر عن حقيقة الحب والعواطف التي دخلت حياة البشر على مدى تطور الجنس البشري، فإن السبب البيولوجي الكامن وراء الرغبة الجنسية في كلا الجنسين هو التناسل، وبينما يكون بقدرة الأنثى أن تحمل طفلاً في المرة الواحدة من رجل واحد فقط، وتحمل الطفل في أحشائها لمدة تسعة أشهر قبل أن يصبح لديها القدرة على حمل طفل آخر، نجد أن طبيعة خلق الرجل مختلفة حتى إنه من الممكن أن يهب طفلاً في كل مرة يضاجع فيها امرأة. وهكذا نجد أن طبيعة الخلق لن تضيف شيئاً إذا وهبت المرأة غريزة وحق تعداد الأزواج، نجد أن غريزة التعدد لدى الرجل من وجهة نظر التناسل مبررة ومشروعة. ومن الواضح أن العنصر البيولوجي المرتبط بالمتعة البدنية واحد – ولا يوجد اختلاف على أنه أهم عنصر في شؤون الحب: أي عنصر أساسي وهو المحدد في شؤون مؤسسة الزواج الاجتماعية.

على كل الأحوال – حيث إن الزواج في الإسلام ليس مقدساً، بل تعاقد مدني – فإن حق الطلاق متاح دائماً لطرفي العلاقة. ومشاعر العار التي تصاحب الطلاق بدرجة أو أخرى في المجتمعات غير الإسلامية غير موجودة في الإسلام (مع استثناء المسلمين الهنود، الذين تأثروا في هذا الشأن بتواجدهم على مدى قرون في مجتمع هندوسي يحرم الطلاق تحريماً مطلقاً).

وفي الوقت الذي تتيح فيه الشريعة الإسلامية لكل من الرجال والنساء حرية الزواج والطلاق، فإنه يعد الزنا من أشنع وأبشع الكبائر، فمع تلك الحقوق، لا يوجد تبرير عاطفي ولا حسي لمقترف كبيرة الزنا، وقد كان لتخلف المسلمين على مدى قرون طويلة أثره على التخلف الاجتماعي الذي جعل من الصعب على المرأة أن تطالب بحقها في الطلاق بالحرية التي قصدها التشريع: لذلك، لا يلام الإسلام في عزلة المرأة على مدى قرون في مجتمعات إسلامية كثيرة، بقدر ما تلام العادات الاجتماعية المختلفة، ولا نجد في القرآن ولا في حياة الرسول أي محاذير على ممارسة المرأة لحقها في طلب الطلاق، إلا أن تلك الشوائب الاجتماعية تسربت إلى حياة المسلمين من المجتمع البيزنطي.

ذلك التمازج الصوتي الفريد بين مؤذني المآذن وتوافقهم وتوحدهم من المآذن المختلفة يشكل أصواتاً إنسانية فريدة. عند الأذان يخفق قلبي ويقفز إلى حلقى فى حب مثير لهذه المدينة وأصوات مؤذنيها، بدأت أدرك كل تجوالي لم يكن له إلا هدف واحد: وهو أن أصل وأحقق المعنى من ذلك الأذان..

كان مسجد الرسول قد أصبح على وضعه الحالي في منتصف القرن التاسع عشر، إلا أن بعضاً منه يعود إلى عصور أقدم – بعضه يعود إلى عصور المماليك المصرية، وأجزاء أخرى أقدم من ذلك.

أما قبر الرسول فهو غير مرئي، وتخفيه ستائر سميكة محاطة بأسوار برونزية أقامها في القرن الخامس عشر الميلادي السلطان المملوكي المصري قايتباي. وفي الحقيقة، لا توجد مقبرة بالمعنى المفهوم للكلمة. فالنبي قد دفن في حفرة في باطن في الغرفة نفسها في المنزل البسيط الذي عاش به ومات به. في أزمنة لاحقة تم بناء سور بلا باب حول المنزل، وبذلك تم عزل المنزل عن العالم الخارجي. كان المنزل في حياة الرسول ملاصقاً للمسجد؛ وعلى مر العصور، تم توسيع المسجد حتى شمل المنزل والمدفن معاً.

كان يتلو في ذلك اليوم سورة العلق ، وهي أول ما نزل على محمد من قرآن – والتي تبدأ بآيات: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [سورة العلق: 1] بتلك الكلمات نزل وحي الله لأول مرة على محمد في غار حراء بالقرب من مكة.

كان محمد يتعبد وحيداً، كما اعتاد أن يفعل، يصلي للحقيقة بقلبه، حين يظهر له فجأة ملاك. أمره قائلاً: اقرأ . كان محمد شأنه شأن أهل عصره وموطنه لم يتعلم أبداً القراءة، وفضلاً عن ذلك، لم يعرف ما الذي يريده الملاك أن يقرأ، أجابه في روع: ما أنا بقارئ . حينئذ، ضمه الملاك ضمة قوية شعر محمد معها أنه فقد قواه؛ ثم أطلقه الملاك وأعاد عليه الأمر: اقرأ ، ومرة ثانية يجيبه محمد: ما أنا بقارئ ، ضمه الملاك ضمة أخرى حتى خارت قواه وظن أنه ملاق حتفه: ثم أطلقه، ومرة ثالثة يأتيه الأمر كالرعد: اقرأ ، وحين أجابه محمد للمرة الثالثة في روع: ما أنا بقارئ ، قال الملاك:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [سورة العلق: 1-5].

وهكذا، بإشارة ضمنية من القرآن إلى وعي البشر وفكرهم ومعرفتهم، بدأ نزول القرآن على محمد، واستمر نزوله على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، حتى توفي الرسول في المدينة في سن الثالثة والستين.

إن قصة تجربته الأولى مع تجلي الملاك له، تذكر المرء بشكل ما، بمصارعة يعقوب لملاك الرب كما جاء في سفر التكوين من التوراة. ولكن بينما قاوم يعقوب الملاك واشتبك معه في صراع، أسلم محمد نفسه لضم الملاك له في خشية ورهبة وفزع حتى خارت قواه ولم تتبق فيه قدرة إلا على سماع صوت لا يستطيع معه أن يحدد إن كان الصوت يأتي من خارجه أم من داخله.

ارتاع محمد من المضامين العظيمة التي تضمنتها تلك الرؤية في أول آيات نزلت عليه، كان مثله مثل موسى أمام العليقة المشتعلة في البريَّة، يشعر أنه دون ما يطلب منه وأنه لا يستحق روضة النبوة السامي ويرتعد أمام فكرة أن الله اختاره هو دون غيره من البشر. وقيل: إنه عاد مرتجفاً إلى مكة، ودخل بيته وهو ينادي زوجه خديجة قائلاً وهو يرتعد: زمليني، زمليني ، كان يرتعد مثل غصن شجرة في مهب الريح. فدثرته بدثار، حتى سكن روعه. ثم أخبرها بما وقع له، وقال: أنا خائف ، إلا أن خديجة (رضي الله عنها) بوضوح رؤيتها الذي لا ينتج إلا عن حب، أدركت على الفور أنه خائف من عظم المسؤولية التي ألقيت على عاتقه؛ وقالت له مطمئنة لخوفه: أَبْشِرْ، فوالله لا يُخزيك الله أبداً، ووالله إنَّك لتصل الرَّحِم، وتصدق الحديث، وتؤدِّي الأمانة، وتحمل الكلَّ، وتقري الضَّيف، وتُعين على نوائب الحق ، ثم انطلقت به إلى ورقة وهو ابن عم لخديجة كان يدين بالمسيحية؛ وكان يقرأ الكتاب المقدس بالعبرية؛ كان ورقة بن نوفل في ذلك الوقت رجلاً مسناً. وكان بصره قد كفَّ، قالت خديجة لورقة: اسمع من ابن أخيك ، وحين أعاد عليه محمد ما وقع له، رفع ورقة ذراعيه في ورع وخشية وقال له: هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جذع! ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك! ، سأله محمد في دهشة: أمخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي .

وعلى أي حال، هل من العسير أن نتخيل قسوة القلب التي أظهرها أهل مكة حين أنبأهم محمد بدعوته أول مرة؟ كانوا مجردين من أي دوافع روحية ولا يعرفون إلا النوازع المادية والحسية: لم يؤمنوا إلا بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا بكسب المال والمزيد من المال. مثل أولئك الناس تبدو فكرة تسليم أنفسهم بلا مساومة إلى دعوة أخلاقية ودينية – فكلمة إسلام تعني حرفياً الاستسلام والتسليم لإرادة الله – دعوة مستحيلة لا يمكن قبولها. عدا ذلك، كانت دعوة محمد تهديداً مباشراً للنظام القائم ولتقاليد القبائل وترتيب السلطة، وكان كل ذلك عزيزاً على أهل مكة. وحين بدأ بالدعوة إلى التوحيد وأعلن أن عبادة الأصنام إثم عظيم، فإنهم لم يروا في ذلك تهجماً فقط على معتقداتهم الموروثة عن أجدادهم وأسلافهم، بل رأوا فيها محاولة لتدمير نظامهم الاجتماعي. على وجه الخصوص، لم يعجبهم ولم يرضهم تدخل الإسلام في شؤونهم الدنيوية التي اعتبروا أنها خارج نطاق الدين والعبادات – مثل الشؤون الاقتصادية، والمساواة بين البشر، والسلوك الاجتماعي العام – وكان تدخل الدين الجديد في تلك الجوانب لا يتفق مع مصالحهم المادية، ونسق حياتهم كما يعيشونه، ومصالح قبائلهم. بالنسبة لهم، كانت العقيدة جانباً شخصياً – مسألة موقف فردي أكثر من كونها سلوكاً اجتماعياً.

الإنسان مكون من مركبات تتطلب الإشباع البدني الدنيوي قبل أن يكون لديه قدرة على التطلع إلى نداء الروحانيات وخير الآخرة. لم تكن دعوة محمد تدعو إلى جوانب روحية منفصلة ومستقلة عن حياة البشر المادية الدنيوية: كانت الدعوة ترتكز كلياً على مفهوم: أن الروح والبدن ليسا إلا وجهين للوجود البشري. لم تقتصر دعوة محمد على الاهتمام بالجانب الروحي وحده لدى أفراد منفصلين، وكانت دعوته تهدف إلى منهج اجتماعي يضمن لكل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي أكبر قدر من الإشباع البدني والمادي، وبذلك يوفر له أسباب النمو والتطور الروحي.

بدأ يدعو الناس إلى أن أعمالهم جزء من الإيمان: فالله لا يأمر البشر بالإيمان فقط ولكن يأمرهم أيضاً بالعمل الطيب. ودعا بقوة إلى مساندة الضعيف إذا تعرض لظلم ممن هم أقوى منه. ودعا إلى ما لم يسمع به أهل مكة من قبل من أن المرأة والرجل متساويان أمام الله، وأنهما مكلفان بالتساوي؛ ومضى إلى ما هو أبعد من ذلك حين أعلن – وهو ما أرعب كل كفار مكة – أن للمرأة حقوقاً، لا بانتسابها للرجل كأم أو أخت أو زوجة أو ابنة، بل ككيان إنساني مستقل بذمته المالية، أي أن تكون لها ملكيتها الخاصة، وأن تقوم بالأعمال المالية والتجارية بنفسها ولنفسها، وأن تكون مسؤولة عن نفسها في أمور زواجها، وأدان الميسر والخمور وحرمهما، لأنهما كما ذكر القرآن: (رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) [سورة المائدة: 90].

لذلك أصر النبي على إعادة النظر في كل المفاهيم الاجتماعية والتي كانت حتى ذلك الوقت منيعة وفوق أي مراجعة، وهكذا، كما نقول في عصرنا أدخل الدين في السياسة ، وقد كان ذلك توجهاً ثورياً في ذلك الوقت.

كان مشركو مكة، شأنهم شأن البشر في كل مكان وزمان، على اقتناع تام بأن ما نشأوا عليه من نظم اجتماعية وعادات فكرية وسلوكيات، هي الأفضل. لذلك كان طبيعياً أن يرفضوا تدخل الدين الجديد في نمط العلاقات القائمة، أي رفضوا أن يكون الوعي والإيمان بوحدانية الله مرتبطاً بتغيير اجتماعي جذري، فاتهموا دعوته بأنها غير أخلاقية، وتحريضية، و تناقض كل أعراف الملكية السائدة . وحين تأكد لهم أنه ليس مجرد حالم، بل يعرف كيف يلهم الناس، لجأوا إلى مواجهته بالعنف وراحوا يؤذونه هو وأتباعه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً…

حيث رأى لأول مرة الفرنجة من الأوروبيين (ويدينون بذلك الاسم إلى الفرانك الذين عرفهم العرب أثناء الحروب الصليبية).

عالم الفرنجة أصبح عالم الدجال ، المخادع، المبهر، هل سمعت حديث النبي عن أنه في آخر الزمان سيتبع أكثر الناس الدجال، معتقدين أنه الله

نبوءة النبي عن ظهور ذلك المخلوق الغامض، الدجال ، والذي سيأتي بعين واحدة، ولكنه وُهبَ قُوَى خاصة اختصه الله بها، حتى إنه سيرى بعينه الواحدة كل ما يحدث وما يجري مهما بَعُد موضعه، ويسمع بأذنيه أي حديث مهما بعد في أركان الأرض القصية؛ ويكون بإمكانه الطيران والتحليق حول الأرض، وسيكشف عن كنوز من الذهب والفضة من تحت أعماق الأرض، وسيُسقط الفيء ويجعل النبات ينمو سريعاً بأمر منه، سيُميت ويحيي حتى إن كل ضعيفي الإيمان سيعتقدون أنه الله وسيسجدون أمامه ويعبدونه. لن يعرفه إلا المؤمنون أقوياء الإيمان ويتمكنون من قراءة ما كتب على جبهته بحروف من نار: كافر بالله ، سيعرف أولئك فقط أنه مخادع، وقد جاء ليختبر قوة إيمانهم بالله .

استدرت إلى الشيخ ابن بليحيد وقلت: أليس ذلك رمزاً يا شيخ، ووصف ينطبق على الحضارة الغربية التقنية المعاصرة؟ إنها ذات عين واحدة ، أي لا تنظر إلا إلى جانب واحد من الحياة – وهو التقدم المادي – ولا تعي جانبها الروحي.

صاح الشيخ ابن بليحيد: أصبت يا محمد، أصبت

فشلت الحضارة الغربية في تحقيق توازن متآلف بين حاجات الإنسان الدنيوية وتطلعاته الروحية. ألغى الغرب القيم الروحية الأخلاقية السابقة دون أن يكون قادراً على تقديم أي نسق أخلاقي وروحي آخر. أخضع كل شيء للسببية العقلية.

ومع غياب أي قيم دينية وروحية، أصبح المواطن الغربي غير مستفيد أخلاقياً وروحياً من نور المعرفة الهائل الذي يطرحه العلم، ولذلك ينطبق عليهم ما ذكره القرآن:

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) [سورة البقرة: 17-18].

قال لي رجل: ولكنك مسلم، أنت فقط لا تعرف ذلك ..

قلت: كيف حدث أنكم معشر المسلمين فقدتم الثقة بأنفسكم، تلك الثقة التي مكنتكم من نشر عقيدتكم في أقل من مائة عام، من الجزيرة العربية باتجاه الغرب حتى المحيط الأطلنطي، وإلى الشرق حتى أعماق الصين، والآن مستسلمين بكل سهولة وكل ضعف إلى أفكار وعادات الغرب؟ أضاء أجدادكم العالم بالعلوم والمعارف والفنون فيما كانت أوروبا تائهة في بربرية وجهل، لماذا لا تقدرون على استجماع قواكم وشجاعتكم وتستعيدون إيمانكم الفعال؟

أردفت مكملاً سيل أسئلتي: قل لي، كيف دفن علماؤكم الدينيون الإيمان الذي أتى به نبيكم بكل صفائه ونقائه، تحت ركام من المناقشات العقيمة لتوافه الأمور؟ وكيف حدث أن نبلاءكم وكبار ملاك أراضيكم يغرقون في الثروة والغنى والنعيم، بينما يغرق أغلبية المسلمين في الفقر والقذارة والصمت – مع أن نبيكم علمكم أن: لا يؤمن أحدكم إن شبع وجاره جائع؟ هل يمكن أن تفسر لي كيف دفعتم النساء إلى هامش الحياة – مع أن النساء في عصر الرسول والصحابة ساهمن في كل شؤون حياة أزواجهن؟ وكيف أصبحت أغلبيتكم جاهلة وأمية، وأقليتكم من يعرفون القراءة والكتابة؟ بالرغم من أن نبيكم أعلن: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .

إلا أن مضيفي هزّ رأسه: كلا، أنت كما قلت لك: أنت مسلم، إلا أنك لا تعلم ذلك.. لماذا لا تعلن الآن وهنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله – وتصبح مسلماً بالفعل بدلاً من أن تكون مسلماً في قلبك فقط؟

قلت له: لو قلتها في أي وقت، فسأقولها حين يستقر فكري عليها ويستريح لها، لا من أجل منازل الأمير وبساتينه .

كان ذلك عام ١٩٢٦، وقرب نهاية الشتاء غادرت حيرات في طريقي عبر رحلة طويلة للعودة إلى موطني في أوروبا، ركبت القطار من حدود أفغانستان إلى مدينة مارف في تركستان السوفييتية إلى سمر قند وبخارى وطشقند، ثم عبرت أصقاع تركمان إلى جبال الأورال ثم إلى موسكو.

خاصة في بخاري وطشقند: إن جواسيس السلطة يسجلون أسماء كل من يتوجه إلى أي مسجد لأداء الصلاة، وجمعت السلطات نسخ القرآن وأخفوها وألقوها في الزرائب ومزقوها.

لم يطلب الله من البشر كما جاء بالقرآن طاعته بغباء طاعة عمياء بلا عقل أو فهم أو إدراك، بل كان القرآن يوجه الخطاب دائماً إلى العقل والفهم والإدراك.

كان المنهج الاجتماعي الذي قدمه على قدر من البساطة يتناسب مع عظمته. بدأ ذلك المنهج من المقدمة الموضوعية بأن البشر مخلوقات اجتماعية وذات احتياجات بيولوجية عضوية وأن الله خلقهم هكذا حتى يعيشوا في جماعات وشعوب وقبائل حتى يشبعوا احتياجاتهم البدنية والمعنوية والفكرية: فهم باختصار يعتمدون على بعضهم البعض، وأن رقي الفرد الروحي (الهدف من كل الأديان) يتوقف على مدى ما يتلقاه من عون وتشجيع وحماية من حوله من أفراد المجتمع – الذين يتوقعون منه بالطبع أن يقوم بالدور نفسه تجاههم – هذا التساند الاجتماعي البشري المتبادل بين أفراد المجتمع كان السبب الأساسي في عدم انفصال الإسلام عن الجوانب الاقتصادية والسياسية.

كان يكفيني أن أعرف أنه خلال مدى زمني قصير، اقتصر على بداية التاريخ الإسلامي، كانت هناك محاولة ناجحة لتطبيق هذا المنهج؛ وما أمكن تحقيقه في وقت ما، يمكن تحقيقه في وقت غيره.

بدا لي كما فكرت، أننا نحن في عصرنا الحالي نحتاج إلى تعاليم تلك الرسالة أكثر كثيراً من البشر الذين عاشوا في عصر محمد.

لم أؤمن أن ما يحتاجه الفرد هو خلاص الروح بالمفهوم المسيحي، بقدر ما آمنت أن المجتمع المعاصر هو الذي يحتاج للخلاص.

أغلبهم كان يرى أن الأديان القديمة أصبحت شيئاً ينتمي إلى الماضي، وأن عصرنا وزماننا يحتاج إلى منهج إنساني آخر جديد.

إن نظرة الإسلام إلى الوجود تختلف عن الرؤية المسيحية التي ترتكز عليها كل المفاهيم الغربية، وإن قبلت ما لا مفر من قبوله فسيؤدي بك إلى مناقشة صلاحية ما يليه.

كانت فكرة اعتناق الإسلام تمثل لي عبور قنطرة فوق هاوية تفصل ما بين عالمين مختلفين تماماً: قنطرة طويلة حتى إن المرء عليه أن يصل إلى نقطة اللاعودة أولاً قبل أن يتمكن من تبني الطرف الآخر للقنطرة وبداية الجانب الآخر.

فلم يكن من الممكن لامرئ مثلي أن يتبع دعوة محمد ويظل بعدها محتفظاً بروابطه الداخلية مع مجتمع يتصف بثنائية للمفاهيم المتعارضة والمتناقضة.

لم أر من قبل كل هذا الكم من الوجوه البائسة التعيسة، أو ربما أني لم أكن أدقق كثيراً في وجوه الناس في أوروبا من حولي.

استدارت إليّ مندهشة، وقالت: أنت على حق، يبدو عليهم كأنهم يعانون عذاب الجحيم.. لا أدري إن كانوا يعون معاناتهم أم لا..؟ .

عدنا إلى البيت وما زلنا نفكر بما رأيناه، تطلعت بالصدفة إلى مكتبي، كانت عليه نسخة مفتوحة من القرآن كنت أقرأ فيه قبل خروجنا. وبصورة آلية، التقطت المصحف لأعيده إلى مكانه، حين هممت بإغلاقه، سقط بصري على الصفحة التي كانت مفتوحة أمامي، وقرأت:

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [سورة التكاثر: 1-8].

وقفت لحظات مشدوهاً وأنا أحبس أنفاسي، وأحسست أن يديّ ترتجفان، فناولته لإلزا وقلت لها: اقرئي هذا، ألا تجيب هذه السورة عما رأينا في قطار الأنفاق؟

لقد كان القرآن يتضمن الإجابة، إجابة حاسمة قضت على كل شكوكي وأطاحت بها بلا رجعة. أيقنت يقيناً تاماً أن القرآن الذي أمسكه بين يدي من عند الله: ومع أنه أمام الناس من ثلاثة عشر قرناً مضت، إلا أنه تنبأ بما سيأتي من عصر آلي معقد، تمتطيه الأشباح، كعصرنا.

أيقنت أن تلك الآيات لم تكن نتاج حكمة رجل عاش من ثلاثة عشر قرناً في الجزيرة العربية النائية عن أوروبا. لم يكن بمقدوره مهما أوتي من حكمة أن يتنبأ بهذا العذاب النفسي والمعنوي والتعاسة والجحيم الذي سيصيب أبناء القرن العشرين.

كان الصوت الصادر من القرآن أعظم كثيراً من صوت محمد…

كان لي صديق مسلم بحثت عنه حتى عثرت عليه، كان هندياً وكان رئيساً لرابطة المسلمين في برلين، قلت له: إنني استقر رأيي على اعتناق الإسلام. مد لي يده اليمنى، ووضعت كفي في كفه، وفي حضور اثنين من الشهود، أعلنت:

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله .

وبعد ذلك بعدة أسابيع أسلمت زوجتي أيضاً.

سألني: وماذا قال الناس عن ذلك؟ .

قلت: لم يعجبهم ذلك بطبيعة الحال. حين أرسلت إلى أبي رسالة وعرفته بإسلامي، لم يرد على رسالتي، بعد ذلك بعدة شهور أرسلت إلى شقيقتي رسالة قالت فيها: أن أبي يعتبرني قد مت..

لقد اعتبرني مرتداً، لا عن دينه (لم أر منه أي تمسك بدين)، ولكن عن المجتمع الذي نشأنا بين ظهرانيه وثقافة وفكر ذلك المجتمع .

الفَصْل الحَادِي عَشَر: جِهَادٌ

لم أحب أحداً بالجزيرة مثلما أحببت سيد أحمد، لم يدانه أحد في تضحياته التي ضحاها بجهده وبكل ما يملك لتحقيق هدف غير شخصي وهو تحقيق استقلال وطنه .

كان عالماً ومقاتلاً، كرس كل حياته لإحياء مجتمع إسلامي مترابط، يناضل من أجل استقلاله السياسي، وكان على يقين من أنه لا يمكن تحقيق أي من الهدفين بمعزل عن الآخر.

كان في ذلك الوقت منفياً ولا سبيل إلى عودته إلى ليبيا بعد ثلاثين عاماً من القتال ضد الاستعمار الإيطالي لبلاده وسبعة أعوام في رحلات مكوكية من البحر الأسود حتى اليمن، وكان اسمه شهيراً في العالم الإسلامي، فقد كان سيد أحمد هو السنوسي الكبير. لم يضارعه أحد في تأريق مضاجع المستعمرين في شمال إفريقيا، لا عبد القادر الجزائري في القرن التاسع عشر ضد الاستعمار الفرنسي، ولا عبد الكريم في المغرب ضد الاستعمار الفرنسي أيضاً. وعلى الرغم من أنها أسماء لا ينساها المسلمون إلا أن أهدافهما كانت سياسية في المقام الأول تسعى إلى تحقيق الاستقلال. بعكس منهج سيد أحمد الذي كان ينطوي على إحياء ديني إسلامي يتحقق من خلاله الاستقلال والنهضة الإسلامية الجديدة.

كان جد سيد أحمد، وهو العالم الإسلامي الجزائري محمد بن علي السنوسي (ويعود اللقب إلى قبيلة بني سنوس)، قد آمن بفكرة الأخوة الإسلامية في النصف الأول من القرن التاسع عشر وأنها إن تحققت ستمهد الطريق لإحياء وحدة إسلامية جديدة.

كرس كل جهوده لتعليم البدو في خيامهم مبادئ الإسلام، ويزرع فيهم الوعي بأخوة المسلمين التي حض عليها القرآن والتي اختفت خلال القرون الماضية بسبب النزاعات والصراعات القبلية.

ووجد ابن مؤسس الحركة، محمد المهدي، وخليفة أبيه من بعد موته، نفسه مجبراً على تجريد السيف الذي لم يغمد بعد ذلك أبداً. وكان ذلك النضال الطويل جهاداً إسلامياً حقيقياً – فقد كانت حرباً للدفاع عن النفس والعقيدة، ويقول القرآن في تعريف الجهاد:

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة البقرة: 190-192].

كانت كل إمدادات المجاهدين السنوسيين تصل إليهم من مصر، وكان شعب مصر يتعاطف مع الحركة ويؤيدها.

كان الجهاد مع برلين التي تحالفت معها تركيا لا يحقق ما يذكره القرآن عن الجهاد: فتركيا المسلمة في ذلك الوقت لم تكن في حالة دفاع عن النفس وتحالفت مع قوة غير إسلامية في حرب عدوانية.

كان الأتراك يخشون أن يأتي يوم يصحوا فيه العرب ويستعيدون زعامة العالم الإسلامي،

ولا بد أن نتذكر أن النضال البطولي لكمال أتاتورك في البداية كان تحت رايات الإسلام، وأن الحماس والحمية الإسلامية للدفاع عن الدين الإسلامي هما وحدهما اللذان وهبا الأمة التركية في ذلك الوقت المظلم القوة للقتال ضد القوة الطاغية لليونانيين المدعومين بكل موارد ومصادر الدعم من الحلفاء.

بعدم رضا مرير عن إصلاحات أتاتورك المعادية للإسلام، انسحب سيد أحمد من كل الأنشطة السياسية نهائياً في تركيا. وغادرها أخيراً عام ١٩٢٣ إلى دمشق.

فهرب بسيارة من دمشق عبر صحراء سوريا حتى مشارف نجد؛ ومنها وصل إلى مكة، واستقبله بترحاب الملك ابن سعود.

إنه رجل جيد. باركه الله، إلا أنه ليس مقاتلاً.. إنه يحيا مع كتبه، السيف غير ثابت في يده ولا يناسبها..).

قلت: ولكن عمر المختار – بالتأكيد لم يستسلم للأعداء؟ هل فرّ إلى مصر؟ .

قال برقة: يا بني، سيد عمر يرحمه الله، مات من عام .

مات عمر المختار…؟ أسد برقة، الذي لم تعقه سنواته السبعين عن القتال من أجل حرية بلده: مات…

الجنرال جراتسياني الذي سأله: ما قولك لو أن الحكومة الإيطالية بعطف منها ورحمة دعتك تعيش، هل تعد أن تعيش ما تبقى لك من عمر في هدوء وسلام؟

إلا أن سيدي عمر أجابه: لن أتوقف عن حربكم حتى تغادروا بلدي، أو تغادر روحي بدني. وأقسم لك بالله الذي يعلم ما تخفي الصدور لو لم تكن يداي مقيدتين في هذه اللحظة لضربتك بيدي الخاليتين وأنا عجوز ومصاب كما أنا…

ورأيت بين سيل الذكريات وجه سيدي عمر المكفهر وهو ينحني على لهب نار صغيرة، وأتذكر صوته الأجش: لا بد أن نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتى نطرد الغزاة أو نموت… لا يوجد خيار آخر… .

البريطانيون لم يكونوا سعداء بنوايا إيطاليا التوسعية. خاصة بعد أن أعلن موسوليني للعالم أجمع نواياه في إعادة إحياء الإمبراطورية الرومانية على سواحل البحر المتوسط، وكانت عينه على مصر بوجه خاص.

مد سيد أحمد يده إلى رف فوق رأسه وتناول مصحفاً ملفوفاً في قماش حريري. وضع كتاب الله على ركبتيه، وتناول كفي الأيمن بين كفيه ووضعها على القرآن، وقال: أقسم يا محمد، بالله الذي يعلم ما تخفي الصدور، أنك ستظل مخلصاً للمجاهدين… .

أقسمت؛ ولم أكن على يقين وإيمان بقسم أقسمته في حياتي مثلما كنت على يقين من التزامي المطلق بهذا القسم.

ولأنني أتحدث اللهجة الحجازية بإتقان مطلق، كان بإمكاني أن أنتقل بحرية في مصر بصفتي أحد أبناء المدينتين المقدستين.

بدأت أعي أن مجرد إسلامي لم يكن النهاية، لقد وجدت أن قبولي لمنهج الحياة، كان يعني، لي على الأقل، الارتباط الكامل بمن لهم إيمانك نفسه – لا بالإحساس والمشاعر فقط، ولكن بالعمل على ما فيه صالح المجتمع الذي أنتمي إلى إيمانه.

أجاب زيد: طريقك طريقي يا عمي،

سيدي عمر قادم. … كان رجلاً متوسط القامة، قوي البنية، تحيط وجهه لحية بيضاء قصيرة، وخطوط عميقة في ثنايا وجهه، كانت عيناه عميقتي المحجرين، ومن التغضنات التي حولهما يمكنك أن تخمن أنهما في ظروف مغايرة من الممكن أن ينفرجا في ضحك من القلب. أما في تلك اللحظة، فلم يكن بهما إلا ظلمة ومعاناة وشجاعة فائقة.

وعلى الضوء الشاحب للنار الصغيرة راح سيدي عمر يقرأ رسالة سيدي أحمد التي أرسلها معي. قرأها بعناية، ثم طواها، ووضعها على رأسه للحظات – وهي علامة احترام وإخلاص لم أر مثيلاً لها في الجزيرة العربية

وقالت: إن الجنرال الإيطالي أحضر كل الأحياء وجمعهم أمام مقبرة سيدي محمد المهدي؛ ومزّق أمام أعينهم القرآن إلى مزق، وألقاها على الأرض وداس عليها بحذائه، وصاح:

دعوا نبيكم البدوي يساعدكم الآن، إذا استطاع ، ثم أمر بقطع أشجار النخيل وتدمير الآبار وحرق كتب مكتبة سيد أحمد. وفي اليوم التالي أمر بأخذ الرجال الكبار وعلماء الدين في طائرة.. ثم قذفوهم منها من على ارتفاع كبير.. طوال الليلة الثانية كنت أسمع بكاء النساء وصراخهن وضحكات الجنود الإيطاليين وطلقات رصاصهم..

قال: لا يا بني، لقد فات أوان ذلك، ما تتحدث عنه كان يمكن ترتيبه من خمسة أو عشرة أو ستة عشر عاماً مضت، قبل أن يقرر سيد أحمد أطال الله عمره أن يهاجم البريطانيين لمساعدة الأتراك الذين تخلوا عنا بعد ذلك، الآن فات الأوان.

من أي عرب أنت؟ – أخبره زيد أنه ينتمي إلى قبائل شمار، أومأ عمر مبتسماً: إذن أنت من قبيلة حاتم الطائي، أكرم رجل عرفه العرب… .

مرة أخرى أقف أمام السنوسي الكبير، تطلعت إلى الوجه المتعب للمقاتل العجوز؛ ومرة أخرى قَبَّلْت اليد التي أمسكت بالسيف كل هذا الزمن الطويل حتى إنها لم تعد تقدر على حمله أكثر من هذا.

الفَصْل الثَّانِي عَشَر: نِهَايَةُ الطَّرِيق

لم يصل العالم الإسلامي والعالم الغربي إلى درجة الاحتكاك التي أصبحا عليها اليوم. وكان الاحتكاك يتضمن صراعاً ظاهراً وخافياً. وتحت وطأة ثقافة الفكر الغربي، ترتجف أرواح كثير من المسلمين والمسلمات. لقد سقطوا تحت وطأة مفهوم متناقض مع مفاهيمهم، بتضمن أنه لكي يحققوا مستوى أفضل من العيش، لا بد أن يحسنوا مستوى إدراكهم. فسقطوا في وثنية التقدم التي سقط فيها الغرب حين قلص دور الدين إلى نغمة خافتة مصاحبة؛ وبذلك تأقزموا ولم ينموا: فكل محاكاة معادية للإبداع، لا بد أن تجعل البشر أقزاماً…

لا أرفض أن يتعلم المسلمون من الغرب، خاصة العلوم والتقنية فاكتساب العلم ليس تقليداً ولا محاكاة. فالعلم ليس شرقياً ولا غربياً، وكل المكتشفات العلمية ليست إلا حلقات في سلسلة لا تنتهي من المساعي العقلية للجنس البشري كله. كل عالم يكمل ما أنجزه الآخرون إن كانوا من أمته أو من أمة أخرى؛ عملية متواصلة من البناء من عصر إلى عصر، ومن حضارة إلى حضارة. حتى إنه لا يجوز أن ننسب منجزات علمية معينة كملك مقصور على عصر بعينه دون آخر يليه.

في كل عصر، كانت توجد أمة أنشط من غيرها من الأمم، تضيف إلى الموجود من المعارف؛ ولكن على المدى البعيد يصبح ما أضافته علماً مشتركاً ومشروعاً لكل البشر أن يزيدوا عليه. لقد كان هناك عصر كانت فيه الأمة الإسلامية أكثر نشاطاً وحيوية من غيرها من الأمم، ونقلت إلى أوروبا كثير من المخترعات التي كانت رائدة في حينها، بل نقلت إلى أوروبا ما هو أهم كثيراً من المخترعات، وهو المنهج العلمي الذي شيدت عليه أوروبا علمها وحضارتها.

لم تجعل مكتشفات وأبحاث جابر بن حيان من الكيمياء كيمياء عربية ؛ ولا يمكن وصف الجبر والهندسة بأنها علوم إسلامية ، مع أن الجبر ظهر للوجود على يد الخوارزمي ، وظهرت الهندسة على يد البتاني وكلاهما كان مسلماً، تماماً كما لا يمكن لأحد أن يتحدث عن نظرية الجاذبية الأرضية (الإنجليزية)، مع أن من اكتشفها وصاغها كان رجلاً إنجليزياً. كل المنجزات والمعارف ملكية عامة للجنس البشري، لذلك تبنى المسلمون، كما يجب أن يفعلوا المناهج المعاصرة الحديثة في العلوم والتقنية، لا يكونون إلا كمن يتبع غريزة التطور التي تتيح للبشر الاستفادة من إنجازات الجنس البشري. ولكن إذا تبنوا – ولا يجب أن يفعلوا – أشكال وأنماط الحياة الغربية وسلوكيات أهل الغرب وعاداته ومفاهيمه الاجتماعية، سيكونون خاسرين، لأن ما سيأخذونه عن الغرب في تلك المناحي ليس أفضل مما وهبته لهم ثقافتهم وما توجههم إليه عقيدتهم الإسلامية.

أنت مسلم وأخونا، بل أنت أفضل منا، لأننا ولدنا مسلمين، وآباؤنا وأجدادنا كانوا مسلمين. أما أنت فعرفت الإسلام بقلبك… لقياً؟ أريد وأنا ما زلت شاباً أن أرى كيف يعيش إخواننا المسلمون في باقي بلاد العالم – في الهند، والصين، وجاوة… .

عرفت أن الملك يفكر في فتح البلاد أمام الفرنجة، يجلب الأموال إلى البلاد: سيسمح لهم بالتنقيب عن النفط في الحساء والبحث عن الذهب في الحجاز – يعلم الله وحده ما يجلبه ذلك على البدو. لن تظل هذه البلاد على ما هي عليه الآن .

إصبع زيد المشير إلى صفحة السماء وتابعت الخط الشاحب الأكثر نوراً وغير المتساوي في كل مواضعه ويجري من أفق إلى أفق.. كان درب التبانة، ولكن حكمة بدو الصحراء لا ترى فيه إلا المسار السماوي للكبش الذي نزل لإبراهيم حين أطاع أمر ربه والإيمان يملأ قلبه ورفع السكين ليذبح ابنه البكر. وظل مسار الكبش باقياً إلى الأبد على صفحة السماء، تذكرة برحمة الله ونعمته. وذكرى للفداء الذي أنزل لشفاء ألم قلب إنساني، هو قلب إبراهيم – وسلوى لمن يأتون من بعده. ولمن يعانون الوحدة أو تاهوا في الصحراء، ولمن يتعثرون في الحياة، ويبكون في وحدتهم منعزلين في بيداء حياتهم.

بسهولة ويسر ترد صورة إبراهيم وكبش الفداء إلى الذهن في هذا البلد، لاحظت أن ذكرى أبي الأنبياء حية بقوة بين العرب أكثر مما هي حية بين مسيحيي الغرب الذين ترتكز عقيدتهم على العهد القديم والإنجيل؛ وكذا اليهود الذين تمثل لهم التوراة كلمة الرب الأولى والأخيرة لا تحس بالحضور الروحي القوي لإبراهيم إلا في الجزيرة العربية والعالم الإسلامي. لا من غزارة التسمي باسمه فقط، بل من ذكره المتكرر في القرآن وفي صلوات المسلمين اليومية كأول من دعا إلى عبادة واعية لله الواحد: ويفسر ذلك الأهمية التي يوليها الإسلام للحج السنوي إلى مكة والذي ارتبط من عصور سحيقة بقصة إبراهيم.

من الثابت تاريخياً أن شخصية إبراهيم كانت معروفة للعرب قبل الإسلام من عصور قديمة ترجع إلى عصر إبراهيم ذاته، كما أن ما ذكر في القرآن عن إبراهيم معبر عنه بدقة لا تترك شكاً في أنه يعيش في واجهة الوعي العربي من عصور طويلة قبل محمد: فاسمه وسيرة حياته يذكران على الدوام دون تمهيد للتعريف به، حتى إن القرآن حين كان يتلى بعد نزوله على أول من استمعوا إليه، لم يتساءلوا عن ذلك الاسم ولا عَمَّن يكون. وكان يحتل أيضاً مكانة مرموقة في أنساب العرب، كأب أول من خلال إسماعيل لعرب الشمال الذين يكونون اليوم حوالي نصف عرب الجزيرة العربية وتنتمي إليهم قبيلة محمد وهم عرب قريش.

لم تذكر التوراة إلا بداية قصة إسماعيل وأمه هاجر، لأن تطوراتها اللاحقة لا تهم الأمة العبرية، إلا أن الموروث المعرفي لعرب ما قبل الإسلام لديه كثير من تفاصيل قصة إسماعيل.

وطبقاً لذلك الموروث المعرفي المتناقل شفاهة، ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل في المنطقة التي توجد بها مكة الآن، في وادٍ بين جبال صخرية عارية قاحلة تحت شمس حارقة، ورياح ساخنة لافحة حتى إن الطيور الجارحة تعاف نزوله، وحتى اليوم مع امتلاء وادي مكة بالبيوت والشوارع والبشر من كل الأجناس، ما زالت مكة تعاني من قسوة الطبيعة وتحوم فوق المتزاحمين حول الكعبة أشباح تلك الآلاف من السنين منذ أن وضع إبراهيم أول أساس لبيت الله في مكان موحش وصامت ويخلو من أي أثر للحياة.

بعث المكان اليأس في قلب هاجر، جارية إبراهيم المصرية التي تزوجها وولدت له ابناً فكرهتها سارة زوجة إبراهيم الأولى. كان لا بد لإبراهيم أن يبعد هاجر وابنها إسماعيل وكان حزيناً وهو يقوم بذلك، إلا أنه كان عميق الإيمان برحمة الله التي بلا حد، ويقول سفر التكوين في التوراة إن الله خفف عنه قائلاً: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك.. وابن الجارية أيضاً سأجعله أمة لأنه نسلك .

ترك إبراهيم المرأة الباكية وطفلهما في الوادي، وترك معهما قربة ماء، وكيساً مليئاً بالتمر، وعاد راجعاً إلى الشمال باتجاه ميديان، ومنها إلى كنعان. وكان بالوادي شجرة سرحا وحيدة، جلست هاجر في ظلها وطفلها في حجرها، لم يكن حولها إلا رمال ومنحدرات صخرية وشمس حارقة يبهر ضوؤها المنعكس على الرمال والصخور البصر.

وبكى الطفل وراح صوت بكائه بضعف كلما مر الوقت، صرخت هاجر داعية ربها؛ ولم يظهر أي جديد، طار لبها من معاناة ابنها المحتضر، راحت تركض غادية وراجعة وذراعاها مرفوعتان إلى السماء، راحت تركض بين تلين: ولإحياء ذكرى سعيها ذاك، يسعى الحجاج مثلما فعلت بين التلين سبع مرات، راحت تصيح كما صاحت من قبل: أنت الكريم، يا رحيم، من يرحمنا إن لم ترحمنا أنت؟ .

ثم أتتها إجابة ما سألت: انفجر من الأرض ماء غزير راح يتدفق على الرمال، صاحت هاجر من الفرح ومالت بوجه طفلها إلى الماء المتدفق حتى يرتوي، وشربت من بعده وهي تصيح بين شهقاتها المتوسلة: زمي، زمي – وهي كلمة لا معنى لها، ربما كانت محاكاة لصوت الماء المتفجر من الأرض وكأنها تقول: تدفق، تدفق ، وخوفاً من ضياع الماء في الرمال، صنعت حوله حافة من الرمال، وتحول مع الوقت إلى بئر يعرف الآن باسم بئر زمزم موجود حتى الآن.

بعد ذلك بأعوام رأى إبراهيم رؤيا تأمره ببناء بيت لله بجوار بئر زمزم، وهكذا، بمساعدة ابنه إسماعيل بنى النموذج الأول لبيت الله الذي ما زال قائماً حتى اليوم ويعرف باسم الكعبة، حين كانا يقطعان الصخر لبناء البيت في دين التوحيد، أدار إبراهيم بصره في السماء وقال ملبياً: لبيك اللهم لبيك . لذلك يرفع المسلمون أصواتهم بالتلبية نفسها حتى اليوم وهم يقتربون من مكة للحج.

كان حجاج شمال إفريقيا يرتدون ثوب الإحرام في هذا الموضع، وهو مكون من جزءين غير مخيطين من نسيج أبيض قطني أو صوفي، أحدهما يلف حول الخصر حتى ما يلي الركبتين، والآخر يلف على الكتف والصدر، وتبقى الرأس عارية. حتى لا تكون هناك مشاعر اغتراب أو اختلاف بين المسلمين القادمين من جميع أنحاء العالم لزيارة بيت الله،

اختفت من حولي كل الملابس الملونة للرجال: لا ترى طربوشاً تونسياً أحمر، ولا برنساً مغربياً أبيض، ولا جلابيب مصرية ملونة، في كل ما حولك لا ترى إلا ملابس الإحرام البيضاء المتواضعة

بعد الظهر، مات الرجل المريض، لم ترفع النساء أصواتها بالنواح كما يفعلن في دول الشرق، لأن الرجل مات في الحج، على التراب المقدس، فهو شهيد.

مساحة مربعة واسعة تحيطها من كل جانب عقود شبه دائرية محمولة على أعمدة، في مركزها مكعب ارتفاعه أربعون قدماً، تنزل عليه ستائر سوداء بحزام عريض مذهب في أعلاها وعليه آيات من القرآن.

هذه هي إذن الكعبة، موضع شوق وتوق ملايين الناس على مدى قرون طويلة، في سبيل وصولهم إليها ضحوا تضحيات عظمى على مدى القرون؛ في الطريق إليها مات كثيرون؛ ووصل إليها كثيرون ممن يعانون الحرمان وشظف العيش، كان هذا المبنى المكعب غايتهم وأسمى أهدافهم، وكان الوصول إليه هو كامل التحقق.

لقد زرت مساجد وجوامع ومزارات إسلامية كثيرة صنعت منها الأيدي الخلاقة كل أنواع الفنون والأشكال، رأيت جوامع شمال إفريقيا – التي تبدو كقصور رائعة للصلاة مشيدة من الرخام والمرمر الأبيض، ورأيت مسجد قبة الصخرة في القدس: قبة عظيمة مكتملة فوق بناء رشيق، حلم من الخفة والثقل دون تعارض؛ ورأيت الجوامع العظمى في استانبول، جامع السليمانية، وجامع يني فاليد ، وجامع بايزيد، وجوامع برصة، في آسيا الصغرى، وجامع السفافيد في إيران – إيقاع ملوكي من الحجارة والصخور والميوليق الخزفي الملون، والفسيفساء، ومداخل هائلة تعلو الأبواب المفضضة، ومآذن شاهقة مستديرة من المرمر بشرفات من الأزرق التركوازي، وساحات مغطاة بالرخام، ونوافير مياه وأشجار نادرة عتيقة، عظيمة حتى في قدمها.

رأيت كل ذلك – إلا أنني لم أشعر برهبة أمام أي منها كما أشعر بها الآن أمام الكعبة.

والكعبة من الداخل، وهي مغلقة عادة (رأيتها من الداخل بعد ذلك في مناسبات أخرى)، بسيطة جداً: أرضها من الرخام عليها بضعة بسط، ومصابيح من البرونز والفضة تتدلى من دعامات السقف الخشبية، وداخل الكعبة، لا يحمل في الحقيقة أي معنى في ذاته، فقداسة الكعبة تخص المبنى بأكمله كقبلة لكل العالم الإسلامي. في اتجاه هذا الرمز إلى وحدانية الله، يوجه مئات الملايين من المسلمين أوجههم نحوها في الصلوات الخمس كل يوم.

في الركن الشرقي من مبنى الكعبة يوجد حجر أسود متروك دون ستائر، ويحيطه إطار فضي عريض، وأحدث تقبيل المسلمين له على مدى أجيال متتالية وقرون طويلة من الزمن، تجويفاً بالحجر،

فالكعبة موضع تبجيل لا موضع عبادة، أي أنها لا تعبد، وكذلك الحجر الأسود موضع تبجيل لأنه كل ما تبقى من البيت الذي أسسه إبراهيم، ولأن شفتي محمد قبلته في حجة الوداع قبل موته، فإن الحجاج يفعلون ذلك اقتداء به، كان الرسول واعياً أن كل أجيال المسلمين من بعده ستقتدي به في كل أفعاله وأعماله، وكان يعلم أنه بتقبيله للحجر ستلتقي شفاه كل أجيال المسلمين من بعده في وضع.. تقبيله للحجر في احتضان رمزي، أقوى من الزمن، وأقوى من الموت، لكل أمته في حجها. والحجاج، حين يُقَبِّلُونَ الحجر الأسود، كأنما يحتضنون الرسول ويحتضنون كل المسلمين الذين جاءوا هنا من قبلهم وكل المسلمين الذين سيأتون هنا من بعدهم.

لا ينكر أي مسلم أن الكعبة كانت موجودة من عصور طويلة قبل محمد؛ ويكمن مغزاها في تلك الحقيقة، والنبي لم يدع أنه أوجد ديناً جديداً. على العكس، قال: إن الاستسلام لله، والتسليم لمشيئته – الإسلام – كان طبقاً لما يذكر القرآن، فطرة الإنسان التي خلق عليها منذ فجر الوعي الإنساني، وأن ذلك هو ما دعا إليه إبراهيم، وموسى، وعيسى من قبله وكل من جاء إلى البشر من أنبياء كانوا مسلمين – ورسالة القرآن ليست إلا خاتمة الرسالات من الله.

لم يفعل محمد إلا أن استعاد البيت الذي أقامه إبراهيم للغرض الأصلي الذي شيد من أجله.

القمر مكتمل فوقنا، مثل اكتمال خلق الوجود الإنساني. لم يكن من الغريب أن يعتقد عرب الجاهلية أن القمر من بنات الرب – وتخيلوها ذات شعر طويل وأنها ربة الخصب وأسموها اللات ، ذات قوة غامضة خاصة بالتناسل على الأرض وبذلك تهب الحياة للبشر والحيوانات.

المُؤلِّف في سُطُور

محمد أسد (ليوبولد فايس): ولد لأبوين يهوديين بإحدى مقاطعات النمسا عام ١٩٠٠م التي ضمت لألمانيا بعد ذلك، اسمه الأصلي ليوبولد فايس، وتسمى بعد إسلامه باسم محمد أسد عام ١٩٢٦. عمل صحافياً ومراسلاً لكثير من صحف وسط أوروبا وألمانيا وهولندا وسويسرا عن منطقة الشرق الأوسط وإيران وأفغانستان والهند. عاصر وشارك في كثير من الأحداث التي شكلت مستقبل المنطقة الممتدة من ليبيا حتى الهند قبل وبعد إعلان دولة باكستان الإسلامية المستقلة.

الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة