بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
مُشكلة الشَّرّ ووُجُود الله
تأليف: د. سامي عامري
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]
الفهرس:
السَّبَب الأكبر لظاهرة الإلحاد
المادَّة الأولى في السِّجال الإيماني – الإلحادي
ما هي مشكلة الشر؟ وما هي الثيوديسيا؟
مُشكلة الشَّرّ، والعَقْل السُّنيّ
5- جوابٌ بوجهٍ واحدٍ لمُشكلة الشَّرّ
مُشكلة الشَّرّ تتحدَّى الإلحاد
ب- الخير، موضوع أولى بالاستفهام
مُشكلة الشَّرّ، حُجَّة على وُجُود اللّٰه
رابعًا: الألم.. الإبداع، والحكمة التي لا تضاهى
ضخامة الدَّعوى وقُصُور الشَّواهد
حين يكون الاستشكال الفرعي نفيًا لليقين الكلّي
مُشكلة الشَّرَّ، وصِفات الرَّبّ لا وُجُوده
تعارُض الشَّرّ والحكمة، وتعارض الشَّرّ والقُدرة
براءة الإسلام من أوهام الشَّرّ
التَّوراة أصل اعتراض الفلاسفة الغربيين
الثيوديسيون النَّصارى ضِدّ الكتاب المُقدَّس
الشَّرّ في المخلوقات لا في فعل الخالق
في التَّعارُض بين وُجُود اللّٰه ووُجُود الشَّرّ
ما هي المشكلة المنطقيّة للشَّرّ؟
هل على الإله الخَيِّر أن يمنع وُجُود الشَّرّ؟
كمال القُدرة والقُدرة على المُستحيل
سُقُوط المُشكلة المنطقية للشَّرّ
الشَّرّ نتيجة لمنحة الإرادة الحُرَّة
هل يُلام الرَّبّ على الشَّرّ الأخلاقي؟
أوجه الحكمة في النَّوائب الطَّبيعية
الشَّرّ وُقُود الخير ومُبرِّر وُجُوده والإحساس به
حُبُّ اللّٰه لأن يُشكَر وأن يَغْفِر
استخراج الفضائل الخُلُقية مِن نُفُوس النَّاس
إشعار الإنسان بحقارة الدُّنيا، إذا أَلِف العافية وذُلِّلت له النِّعمة
فضل الشَّرّ في ردِّ العبد إلى ربِّه
جريان السنن الطبيعية ضمن نسق رتيب
هل شُرُور الطَّبيعة دليلٌ على أنَّ هذا الكون مَعِيب؟
لماذا لا يُخبرنا اللّٰه بسبب كلِّ شرٍّ؟
أ- مبادئ النَّظر في مُشكلة ألم الحيوانات
ب- كيف ننشئ جدلاً حول مُشكلة ألم الحيوانات
أولاً: التَّركيب العصبي للكائنات الحيّة
ثانيًا: وعي الكائنات الحيّة بألمها
العناية الإلهية والسُّنَن الكونية
لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا أقلّ شرًا؟!
لماذا لا يكون هذا الشر الضروري وهميًا؟ غير مؤذٍ؟!
الحكمة مِن الألم المؤذي في الشَّرّ
لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا من غير ألم؟!
عندما يعطي الشَّرّ لحياتنا معنى
لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا من الطَّيِّبين فقط؟
لماذا لا يكون هناك عالمٌ من غير ألم؟
ماذا لو كانت الطَّبيعة غير مؤذية؟!
عالم الملحد المعترض ليس كاملاً
الجواب الإِلحادي، مُسَكِّنٌ ومُؤَزِّمٌ
السعادة التي لا ينغصها شيء مكانها في الدار الآخرة.
وقد فهم المؤلف جذور الفكر الإلحادي الغربي وارتباطه بالتحرر من سلطان الكنيسة بسبب ما كان من مواقفها المعارضة للعلم والعقل، إضافة لصورة الإله المشوهة في كتب العهد القديم، وهي صورة إله يأمر بقتل الأطفال وإبادة مجتمعات بأكملها، وهذا هو حجر الأساس في التفكير الإلحادي الغربي.
ثم ما لبثت مرحلة “ما بعد الحداثة” أن نعت موت إمكانية المعرفة، وقضت بنسبية المواقف، بل في النهاية يغلب عليها العدمية،
وبدأ بعض “المسلمين” المُثقفين يسمي نفسه ملحدًا، تمامًا كما كان يحب بعضهم أن يسمي نفسه اشتراكيًّا قبل أن يُقصم ظهر الشيوعية.
لقد أراد اللّه عزّ وجل بالبشرية خيرًا، ولكن الإنسان، وبسبب حرية الإرادة التي حباه الله إياها، يختار أن يسير في طريق الخير والهدى والرشاد، أو أن يفعل شرًّا.
وها نحن نرى البشرية قد تأبطت شرًّا وخرجت، في الحرب العالمية الأولى والثانية، وفي إنتاج وانتشار واستخدام أسلحة الدمار الشامل، وفي إفقار الاستعمار لدول الجنوب، وفي إهمال الأميين والمرضى والفقراء في مقابل برامج تسليح تفوق ميزانياتها الخيال. إن الإنسان هو الذي يخترع الشر ويسير في طريقه.
ثورة وسائل التواصل العصريّة قد هدمت الأسوار التي كانت تمنع تفشّي الكثير من الأوبئة الفكريّة، وأنّه في عالم اللا حدود، لا سلطان لغير حجّة الحق وقوّة البرهان الشائق.
فإنّ التحدّي اليوم صار أعقد وأعمق مع توسّع أبواب الغزو الفكري الممنهج والعفوي. والأمل قائم أن تتحرّك جهود أهل العلم والمال لإقامة مؤسسات علميّة دعويّة لدراسة الإلحاد في ضوء حقائق الشرع ومعارف العصر،
يقول ابن القيم، الذي مثّل في زمانه هذه الروح في أجلى صورها، عن هذا القلم: وهو قلم الرد على المبطلين، ورفع سنّة المحقّين، وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيان تناقضهم، وتهافتهم، وخروجهم عن الحق، ودخولهم في الباطل. وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام، وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل، المحاربون لأعدائهم. وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال . [ابن القيم، التبيان في أقسام القرآن، تحقيق: عبد الله بن سالم البطاطي، مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، 1429ه 2008م، 1/ 310.]
التحدّيات لا تقسّم إلى تحدَّ كبير يحتكر النظر وتحدَّ معدوم هدَر، وإنّما لا بدّ أن نرتّب هذه التحدّيات على درجات،
ولا ينفي ما سلف أنّ العالمانية هي التحدّي العقدي الأكبر؛ إذ العالمانية هي الدين الذي يركع في محرابه جلّ البشر، لكنّها هي أيضًا مظهر من مظاهر الإلحاد؛
اللَّهُمَّ إنّا نبرأ إليك من كلّ حول وقوّة، ونسألك الثبات على الحقّ، والنصرة والهمّة!
اللَّهُمَّ اغفر لي حظّ النفس من هذا الكتاب!
السَّبَب الأكبر لظاهرة الإلحاد
صرّح كثير من أئمة الإلحاد – مثل (أنتوني فلو) (Antony Flew)، أهم منظّري الإلحاد في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، قبل تراجعه في بداية القرن الواحد والعشرين عن دهريته، أنّ شبهة الشرّ هي سبب إلحادهم، وجحدهم وجود إله خالق.
Antony Flew, There Is A God: How The World’s Most Notorious Atheist Changed His Mind (New York: HarperOne, 2007), p.13
المادَّة الأولى في السِّجال الإيماني – الإلحادي
الفيلسوف البريطاني الملحد (ستيفن لاو) (Stephen Law) في مناظرته لـ (ويليام لين كريغ) (William Lane Craig) في موضوع هل يوجد إله؟ (2011م) اكتفى تقريبًا – باستعراض هذه الشبهة لإنكار وجود الخالق، وهو ما فعله أيضًا الفيلسوف الأمريكي (مايكل تولي) (Michael Tooley) في مناظرته لكريغ (2010م) مصرّحًا أنّ الحجّة المركزيّة للإلحاد هي حجّة الشر .
Chad Meister and James K. Dew, eds. God and Evil: The Case for God in a World Filled with Pain (Downers Grove, Illinois: IVP Books, 2013), p.298.
تصريح (مايكل روس) (Michael Ruse) – أشهر فلاسفة العلوم المنافحين بشراسة عن الداروينية_ في مناظرته للداعية النصراني (فزالا رنا) (Fazale Rana)، والتي كانت تحت عنوان: أصل الحياة: التطوّر أم التصميم؟ (2013م) – أنّه لا يرفض الإيمان بوجود الله إلَّا لسبب واحد، وهو مشكلة الشر. إنها الشبهة التي وصفها الشاعر الألماني الملحد (جورج بوخنر) (Gcorg Bchner) بأنّها صخرة الإلحاد .
Randy Alcorn, If God Is Good: Faith in the Midst of Suffering and Evil (Colorado Springs, Colo.: Multnomah Books, 2009), p.11
وفي سَبْر جرى في أمريكا، إجابة على سؤال: لو أتيح لك أن تسأل الله سؤالاً واحدًا تعلم أنّه سيجيبك عنه، ماذا سيكون هذا السؤال؟ كان السؤال الذي حصل على أعلى نسبة [17%] هو: لماذا هناك ألم ومعاناة في هذا العالم؟ .
Lee Strobel, The Case for Faith (Michigan: Zondervan, 2000, EPub Format, 2000).
ويلخّص الفيلسوف الأمريكي (رونالد ناش) الحال بقوله: الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي… لكن كلّ الفلاسفة الذين أعرفهم يؤمنون أنّ أهم تحدٍّ جاد للإيمان بالله كان في الماضي، وكائن في الحاضر، وسيبقى في المستقبل، هو مشكلة الشر .
Ronald H. Nash, Faith and Reason (Grand Rapids, MI: Zondervan, 1988), p.177.
حاميًا، يلفح أُواره المختصمين. ومن المثير أنّه بينما لا يكاد يُعرف التأليف في مشكلة الشر في المكتبة الإسلامية في البلاد العربية في القرون الأخيرة، تضج المكتبة الغربيّة بالمنشورات في هذا الباب؛ فقد نشر باري وتني (Barry Whitney) دراسة ببليوغرافية عن المؤّلفات الفلسفية واللاهوتية التي نُشرت عن مشكلة الشر في ثلاثة عقود فقط من الزمان (1960 – 1990م)، فإذا هي تبلغ 4200 دراسة.
Daniel Howard-Snyder, ed. The Evidential Argument from Evil (Bloomington: Indiana University Press, 1996), p ix.
ما هي مشكلة الشر؟ وما هي الثيوديسيا؟
تُعرف مشكلة الشر في الأدبيات الإنجليزية باسم Problem of evil وبالفرنسية Le probl me du mal وهي تدخل فيما يُعرف بمبحث الثيوديسيا (Theodicy)، وهي كلمة تتكون من مقطعين يونانيين: ثيوس (θεός) بمعنى إله، و دِكي (δίκη) بمعنى عدل، ومعناها: عدل اللّٰه. وقد ظهرت هذه الكلمة لأوّل مرّة بقلم الفيلسوف ليبنتس في كتابه: Essais de Th odic e sur la Bont de Dieu, la Libert de l’Homme et l’Origine du Mal .
موضوع هذا المبحث العقدي – الفلسفي هو عدل اللّٰه، وبدقّة أكبر، بيان أنّ الشر الموجود في العالم لا يمنع من الإقرار بوجود إله. يدخل هذا المبحث في الدراسات الكلاميّة الإسلاميّة في أبواب متعددة، منها: صفات اللّٰه، وإرادة اللّٰه، وخلق أفعال العباد،
وهو من ناحية إحاطته بموضوع الشر، يجيب على مجموعة من الأسئلة، هي:
1- أصل الشر: كيف ينشأ الشر؟ ومن المسؤول عنه؟
2- طبيعة الشر: ما هي أنطولوجية الشر (حقيقة وجوده)؟ وكيف يوجد؟
3- مشكلة الشر: كيف يشكّل الشر مشكلة لاهوتية (أي: متعلّقة بذات اللّٰه: الوجود والصفات)؟
4- سبب الشر: لماذا يسمح اللّٰه بوجود الشر؟ ما هو السبب الأخلاقي المعقول لوجوده؟
5- نهاية الشر: كيف سينهي اللّٰه الشر و/ أو كيف سيستخرج في ختام الأمر من الشر خيرًا؟
Mark S. M. Scott, Pathways in Theodicy: An Introduction to the Problem of Evil (Baltimore, Maryland: Project Muse, Minnesota: Fortress Press), 2015, p.64.
ومن الممكن حصر الأجوبة الكبرى على مسألة وجود اللّٰه ووجود الشر في أربع مقولات:
وحدة الوجود (Pantheism): إنكار وجود اللّٰه سبحانه، وإنكار وجود الشرّ، وهو مذهب عدد من الفلاسفة والمتنسّكة في بعض الأديان.
الإلحاد (Atheism): إثبات وجود الشر وإنكار وجود اللّٰه.
الثنوية (Dualism): إثبات وجود الشر، ونسبته إلى إله غير إله الخير، وهو مذهب المجوسية والمانوية والكاثارية وجمهور الغنوصيين.
المذهب الإلهي (Theism) التقليدي: إثبات وجود اللّٰه سبحانه، ووجود الشر، ونفي مصدر إلهي خاص بالشر.
أصل الاستشكال الذي يطرحه الملحد المشكّك … هو الجمع بين العناصر التالية بصيغة توافقية لا ينفي بعضها بعضًا:
1- وجود إله كامل العلم (Omniscient).
2- كامل القدرة (Omnipotent).
3- كامل الرحمة (Omnibenevolent).
4- وجود الشر في عالم الإنسان.
وجود الشر في العالم يتنافى مع أن يكون هذا الربّ عليمًا؛ لأنّ علمه يقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود، ويتنافى مع أنه قدير؛ لأنّ قدرته تقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود، ويتنافى مع أنه رحيم؛ لأن رحمته تقتضي أن يمنع هذا الشر من الوجود. ولذلك فإنّ وجود الشر ينفي وجود هذا الإله الذي لا يمكن أن يفتقد الصفات الثلاث السابقة جملة.
يقول ريتشارد داوكنز – إمام الملاحدة اليوم – في كتابه وهم الإله ، ساخرًا من الحلول التي يتبناها المؤمنون بربّ خالق، مع إيمانهم بوجود الشر في العالم: … يكفي أن تفترض وجود إله “قذر” مثل ذاك المتفشّي في كلّ صفحة من صفحات العهد القديم [التوراة]، أو إذا لم يعجبك ذلك، اخترع إلهًا شريرًا مستقلًا بذاته، وسمّهِ الشيطان، وانسب الشر الذي في العالم إلى صراعه الكوني مع الإله الخيّر. وإن شئت هناك حلّ أكثر تطوّرًا؛ افترض وجود إله له اهتمامات أعظم من أن يأبه لكروب الإنسان، أو إله ليس سلبيًّا أمام الآلام التي تصيب البشر، لكنّه يراها ثمنًا لا بدّ أن يُدفع مقابل [نعمة] حريّة الإرادة البشريّة في كون منظّم وخاضع للنواميس. كثير من اللاهوتيين يعمدون إلى تبنّي مثل هذه “التعقلنات” .
Richard Dawkins, The God Delusion (London: Bantam Press, 2006), p.108.
وقد ردّ المؤلّهة على لجاج الملحدين ببيان سيّال، وهم عامةً على واحد من مسلكين في دفع شبهة الشر كحجّة لنفي وجود اللّٰه، أولّهما: الخيار الثيوديسي، وثانيهما: الخيار الدفاعي، وقد كان الفيلسوف ألفن بلنتنجا (Alvin Plantinga) في كتابه الشهير: اللّٰه، والحرية، والشر (1974م) أوّل من ميّز بين الثيوديسيا والدفاع.
الثيوديسيا متعلّقة ببيان السبب (أو الأسباب) التي سمح اللّٰه لأجلها للشر بالوجود، فهي تسعى لبيان الحِكَم الإلهية لوجود الشر، في حين أنّ للدفاع هدفًا أدنى من ذلك، وهو بيان أنّ استدلال الملحد على وجود تضاد بين صفات الإله ووجود الشر غير سليم، أو أنّه لا يعدو أن يكون مغالطة منطقيّة (logically fallacious).
Jeremy A. Evans, The Problem of Evil: The Challenge to Essential Christian Beliefs, (Nashville, Tenn.: B & H Academic, 2013), p.6.
نطمح نحن هنا إلى أن نقدّم ثيوديسيا كاشفة للحكمة من وجود الشر،
مشكلة الشر قديمة قدم معرفتنا بالحضارات
هذا الإشكال الوجودي حديثُ عهدٍ بسطوع، فهو وليدُ ما يُعرف بعصر التنوير الذي أفسد وعي الإنسان الغربي المعاصر بأهم أسئلة الوجود والحياة، ممّا زرع في روحه وإرادته أوصاب العصر الكبرى:
لقد تحوّل الإنسان الغربي تدريجيًّا بعد عصر التنوير عن سؤال: لماذا نعيش؟ إلى سؤال: كيف نعيش؟ ، واحتلّت وسائل الحياة مكان أغراض الحياة .
ففي تلك الثقافات تمثّل صعوبات الحياة وملمّاتها مطيّة الظفر ومَهْرَ النصر، وفي مرِّ مذاقها عذوبة النشوة ببلوغ المنشود، فالإنسان يبلغ غاية الحياة عبر التغلّب على الشر الذي يواجهه،
فحياة غير الغربي تكتسب معناها ولذاذتها بوجود الشر والارتقاء فوقه بمعاني الصبر والتضحية، في حين تُسلب الحياة دلالتها على المعنى بالعبثيّة الوجوديّة للشرّ في عقل الغربي وقلبه.
إنّ العالم الغربي الذي نُحت وجه الحياة فيه بعدميّة نيتشه ، ولا معنى سارتر ، وجبريّة كامو ، يعيش اليوم انهيار المعنى والغاية (The collapse of meaning).
وإذا لم يكن هناك إله، فلا يمكن أن يكون للحياة معنى إيجابي؛ إذ إنّ صفحة الحياة لا يمكن أن تكتسب معنى إذا لم تكن مجرّد مقدمةٍ في كتاب يتضمن صفحات تتلوها أخرى متوّجة بخاتمة معبرة عن معنى شائق ثرٍ.
الدكتور بول براند (Paul Brand) – أحد رواد جراحة تقويم الأعضاء لمرضى الجذام، والذي أمضى نصف تاريخه العلمي الأول في الهند، ونصفه الثاني في الولايات المتحدة الأمريكية – بقوله: لقد واجهت في الولايات المتحدة مجتمعًا يبحث بكلّ ثمن عن تفادي الألم. لقد كان المرضى يعيشون في درجة رفاه أعلى من كل من سبق لي معالجتهم، لكنّهم كانوا أدنى استعدادًا بمراحل لتحمّل الألم، وأبلغ تأثرًا به .
Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it (Grand Rapids, MI: Zondervan/HarperCollins, 1997), p.12.
لقد فقد الإنسان قدرته على مغالبة الشرّ لأنّه فقد في ذاته حافز القدرة على استشعار أيّ معنى إيجابي للمكابدة والصراع مع أوجه النقص في حياته.
لا شك أنّ مشكلة الشرّ أقرب تعلّقًا بالقلوب ذات الحساسيّة العالية والأنفس المرهفة
إنّ عامة ما يستدلّ به الغربيون في بيان شراسة الشرّ في زماننا هو في سرد الأمراض والكوارث التي تنزل بساح الأمم المتخلّفة علميّا وتقنيًّا، ككثير من البلاد الإفريقية والآسيوية، بعد أن اختفت هذه النوازل في الغرب أو كادت.
تشكّل هذه الحساسيّة الوقود الأكبر لمشكلة الشرّ، إذ كيف يمكننا أن ننظر إلى العالم لنتدبّر حقيقته، وأصله، ومآله، وعيوننا مغرورقة بالدمع وفي القلب انكسار؟! إنّنا بذلك كمن يناقش فضيلة الجوع وهو يتلوّى جوعًا، أو من ينظم الشعر في حلاوة الصبر وهو يتمزّق على أيدي أعدائه. إنّ البحث في الكون وغاية وجوده، والإنسان والغاية من خلقه، يجب أن يبدأ من نفس متجرّدة من العواطف المهتاجة، وتفكير سائر على سكّة العقل الرصين.
ولا يكاد يخلو كتاب غربي للإلهيين في الثيوديسيا من تقرير أنّ الحلّ المقنع لمن يغرق بين لجج الأوجاع … هو في يد حانية تشدّ من الأزر وقلب يشارك المحزون ألمه ويرفع فيه همّته وينقذه من نصال الوحدة الحادة، وليس في مجرّد جواب فلسفي مجرّد عن أصل الوجود ومعناه. ونحن لا نشارك هؤلاء الكتّاب رأيهم، فإنّ عقيدة الإنسان المسلم نَبْعٌ لفكره وعواطفه، وهي كنزه الدفين الذي يجد فيه عند الفرح والترح، والسعة والضيق، زاده لإكمال المسير، ووقود جوارحه في سعيه إلى غايته الكبرى، والتي هي النجاح في امتحان الحياة.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]، فالصبر على البلاء مطلب إلهي،
بشّر صاحب البعثة الخاتمة من أفلح في استحضار عقيدته في الغيب عند هبوب الفتنة، بالأجر العميم: مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا! إِلَّا آجَرَهُ اللّٰه فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا . [رواه مسلم]
فقد الشرّ قيمته كمبرّر لإظهار تلاحم الجماعة وبروز معاني الأخوة والتكافل والرحمة،
فهو لا يجد حرجًا في نفسه أن يقطع بغياب الحكمة وراء ما لا يدركه وعيه من مظاهر،
فما لم تدركه عينه فهو عدم، وما لم تبدُ له منه حكمة هو عين العبث.
الشرُّ من أقدار الدنيا التي لا فكاك عنها، … يُمثّل الدِّين الذي يُبشّر ضمن منظومته بدار جزاء، وسيلةً لإكساب الحياة الدنيا حلّة من المعاني التي تعين على تحمّل أوضار الوجود وأثقاله، وترتفع بأشواق الإنسان إلى سوامق مدهشة.
مُشكلة الشَّرّ، والعَقْل السُّنيّ
قال المستشرق الإنجليزيّ المعمّر ويليام مونتجومري وات (William Montgomery Watt): إنّ البحث عن معالجة مشكلة الشرّ لا يوجد في الأدبيات السنيّة، وإنما هو في كتابات الطوائف البدعيّة .
W. Montgomery Watt, “Suffering in Sunnite Islam,” in Studia Islamica, 50 (1979), pp. 5-6.
الحكمة الإلهية قادرة على أن تنسج من خيوط الألم قصة معجبة رائقة تجمع بين العدل والرحمة بلا تنافر، والحكمة والأذى في تكامل، وهذا ما يريد هذا الكتاب أن ينتهي إلى بيانه.
سأقتصر على مجموعة أهداف توافق عنوان الكتاب وغاية السلسلة التي تضمّه، وهي:
بيان أنّ الشرّ لا يشكّل حجّة منطقيّة أو ترجيحية لنفي وجود اللّٰه.
بيان أنّ الإسلام يَعِد بتقديم حلّ نسقي (systematic solution) لمشكلة الشرّ.
سنحاول في هذا الكتاب أن نعرض شبهات كرادلة الإلحاد، وأطروحات المؤلّهة من الغربيين، مع بيان أوجه الصواب والخلل فيها.
لا تطيب نفسًا بجواب واحد سريع؛ فالتفصيل فيها واجب،
شبهة الشرّ لا تطرَح سؤالاً واحدًا بسيطًا،
لا يمكن لمشكلة الشر أن تُطرح للنقاش الجدّي خارج الدائرة الكبرى لدلائل وجود اللّٰه المتنوعة،
يعيب عامة هذه الأجوبة أنّها لم توفّق إلى أن تجمع بين الاستيعاب والواقعيّة. أقصد بالاستيعاب أن تكون الأجوبة محيطة بالشرّ كمظهر متعدد الأشكال والمصادر، وبالواقعية ألا تتجرّأ على نفي المعلوم البدهي أو المحسوس الثابت.
ليس للشّر وجود، وإنّما هو مجرّد وهم (illusion)، أو تصوّر ذهني لشيء غير قائم،
أشهر من تُنسب إليهم هذه النظرية هم أتباع الهندوسية، إذ إنّ الشر عندهم مجرّد مايا ، أي: وهم (وإن كان يشكّك البعض في أرثوذكسية هذه النسبة)، وكذلك هو قول عدد من المتصوّفة في كثير من الأديان.
Wendy Doniger O’Flaherty, The Origins of Evil in Hindu Mythology (Berkeley: University of California Press, 1976).
إنّه يخاصم البداهة العقليّة والحسيّة.
ويقابِل المذهب السابق ما تقرره البوذية من أنّ الوجود شر محض، وما الخير إلا وهم، وسبب الشر هو رغبتنا في الوجود، ولا سبيل لمواجهة الشر إلا بالفناء في النيرفانا .
وهي دعوى تصادم المحسوس من حال السعادة والنشوة والفرح في قلوبنا.
المقصود بمعنى كلمة سر (mystery) ما يتجاوز قدرة الوعي البشري على الإدراك.
لا يملك المسلم أن يتبنّى هذا الطرح لسببين:
أوّلهما: أنّه يؤول إلى إنكار الخير في هذا الكون؛
وثانيهما: أنّ القرآن يخبرنا أنّ الشرّ حقيقة كونية، قائمة، ومعلومة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83].
فكلّ فعلٍ في الكون مردّه إلى أعيان مخصوصة من الحِكم التي من الممكن للبشر إدراكها (وهذا قول بعض المؤلّهة)، أو أنّ الكون ليس إلاّ مجرّد تفاعلات مادية يتيح لنا العلم معرفتها، وإن على مراحل، بتقدّم معارفنا العلميّة (وهذا قول عامة الملاحدة). لا تأخذ هذه النظرة بعين الاعتبار طبيعة التعقيد البالغة للحقيقة الكونية،
القول بكمال حكمة اللّٰه لا يقتضي أن يطلعنا اللّٰه – سبحانه – على كلّ مقصد له من فعله، فإنّ في الإظهار كما الإخفاء حكمًا بالغة، فمن الحكمة مثلاً ألا يخاطب اللّٰه الإنسان بما لا يبلغ عقله إدراكه، كما أنّ من الحكمة ألاّ يخاطبه بما يفسد الحكمة من خلقه، وهي الاختبار في هذه الحياة.
هو إقرار عاقل بأنّه وإن كان العقل البشري قادرًا على استجلاء كثير من الحكم التي وراء وضع الأشياء على ما هي عليه، إلاّ أنّه بقي مع ذلك محدودًا بقصور آلته ومجال وعيه.
يجب ألا ننجرف إلى وهم القدرة على الإحاطة بجميع جزئيات الجواب، سواء بالسلب أو الإيجاب.
تناول سؤال: إذا كان هناك إله، فهل من الممكن أن تكون له حِكَمُ، معلومة أو مجهولة وإن كانت ممكنة عقلاً، للسماح للشرّ أن يكون موجودًا في هذا العالم؟ .
نحن بذلك نراعي طبيعة قصورنا العقلي في تناول أمر يقع جانب منه وراء حجب الغيب.
الثيوديسيا لا تزعم الإحاطة بكلّ تفصيل وإنما تتميّز بقدرتها على بذل الجواب العام على السؤال والإفاضة في التفصيل عند الإمكان.
مشكلة الشر هي على الصواب والدقّة مشكلة الشرور ، فإنّ الشرور في عالمنا على أكثر من نوع ومصدر وطبع، كالشرّ الطبيعي والأخلاقي والميتافيزيقي من جهة، والإشكال المنطقي والآخر البرهاني من جهة أخرى… وغير ذلك من التقسيمات التي تمنع أن نقول في الشر قولاً واحدًا يجمع أنواعه المختلفة في سكّة واحدة وقبلة متّحدة،
5- جوابٌ بوجهٍ واحدٍ لمُشكلة الشَّرّ
وقد تنوّعت الأجوبة، ومنها: الاستدلال بمنّة حريّة الإرادة، وتحقيق الفضائل وتنمية الذات، والوجه الإسخاتولوجي…
ومن دلائل عجز الملاحدة عن رؤية الحكمة فيما يزعمون أنّه شر مجاني، بحثهم عن حكمة واحدة كليّة أرضيّة تستوعب مآلات كلّ الشرور.
وقد أحسن ابن تيمية إذ قال: ونحن لا نحصر حكمته في الثواب والعوض، فإن هذا قياس للّٰه تعالى على الواحد من الناس، وتمثيل لحكمة اللّٰه وعدله بحكمة الواحد من الناس وعدله . [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المدينة المنورة: مطبعة مجمع الملك فهد، 1995م، 5/124.]
الكثير من النظريات الثيوديسيّة تختزل الجواب عن وجود الشر في هذا العالم في: الشيطان، أو الامتحان الإلهي، أو العقاب الإلهي، أو التعويض الإلهي يوم القيامة، أو الإرادة الحرة، أو غير ذلك من الأدلة التي هي في الحقيقة جزء من الجواب عن الحكمة من وجه من أوجه الشر.
علينا أن نميّز – عن وعي – بين ما يملك العقل – استقلالاً أو استرشادًا بالوحي – جوابه بصورة حاسمة، وبين ما لا يملك له جوابًا نهائيًّا أو جوابًا تفصيليًا. والعبرة هي في كليّة الجواب وقدرته على دفع الشبهة، فأن يكون الجواب قادرًا على نفي دلالة الشبهة على نفي وجود الخالق، دون أن يقدّم الجواب التفصيلي، كافٍ في مقامنا في هذا الكتاب لتحقيق مراد المؤلّف والقارئ المتشكّك، وذاك هو المسمّى بالدفاع . ونحن نعتقد أنه بإمكاننا من خلال الحل الثيوديسي أن نقدّم ذلك، ونزيد عليه بالكشف عن عدد ضخم من الحكم الإلهية لوجود الشرّ، والتي لا يكاد يفلت من جنسها شرُّ على الأرض.
أدرك الفلاسفة الملاحدة أنّ النقاش حول الشر كمفهوم تجريدي أو كأنواع كبرى واقعيّة قد أفسد عليهم شبهتهم، فعمدوا إلى التركيز في النقاش على الأعيان الذريّة للشر؛ أي: الأشكال التفصيليّة له، سائلين عن الداعي المباشر الذي تتوفر فيه معاني الرحمة والحكمة لإحداث شرّ عينيِّ مخصوص.
الشر الذي يقع في حادثة معيّنة، تكون الحكمة من ورائه معقولة فقط إذا نظرنا إلى نوع هذا الشر كجنس لا كعين معيّنة. ففَقْد حبيب من أحبّتنا، خسرنا بموته قلبًا محبًّا، ولسانًا ناصحًا، ويدًا على الخير معينة، قد يبدو لو أُخِذ بمعزل عن الوجود، شرًّا لا تُعرف له حكمة، لكن لو نُظر إلى موت الإنسان كنوع من أنواع الشر؛ لانفتحت أمام الذهن معانٍ ساطعة من الحكمة، بل لاستبان لنا أنّ الموت رحمة بالميت (المؤمن) إذ يعاجل به إلى النعيم (في البرزخ)، ورحمة له من أمراض الدنيا، ورحمة بالبشر إذ يدرون نعمة الصحة وقيمة الحياة، ورحمة بالوجود الحي على الأرض؛ إذ إنّ انتفاء الموت يعني تراكم الأحياء على هذه الأرض وإفناءهم خيراتها… وغير ذلك مما يصعب استقصاؤه.
تتّفق العقائد الأرثوذكسية الإسلامية واليهودية والنصرانية على تقرير كمال علم اللّٰه، وقدرته وأنّه سبحانه غير محدود صفات العظمة والجلال.
عبّر فيليب يانسي (Philip Yancey) عن هذه الحال بالقول: إنّ الثيوديسيين القدماء أوغسطين و الأكويني و كالفن تقبلوا وجود الشر لكنهم حاولوا تسويغه، في حين تذهب كتابات المعاصرين (والصواب عندي: بعضهم) إلى قبول إشكالية الشر ولكن مع مراجعة الفهم التقليدي الألوهي لصورة الخالق؛ فالأوائل رأوا الإشكال في فهم مغزى الشر وبعض الأواخر رأوا الإشكال في فهم حقيقة اللّٰه.
Philip Yancey, Where Is God When It Hurts? (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1990), pp.9-10.
التوراة الحالية تنسب إلى الربّ الكثير من صفات النقص والعجز، كنص سفر التكوين 6 /6: فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ . وهو تعليق ورد بعد ذكر انتشار الشّر والفساد بين الناس في حقبة من التاريخ السحيق! لقد أهمل علماء النصارى صريح كتابهم خضوعًا منهم لداعي الفطرة والعقل السويّ من أنّ الربّ الخالق حريٌّ أن يكون كاملاً في سلطانه وعلمه كما هو في خيريّته، فكيف إذن بالمسلم الذي وافق صحيح نقله صريح عقله في أنّ للّٰه الصفات العلى والأسماء الحسنى؟!
عرّف ابن تيميّة ، و الماتريدي ، و الغزالي العدل على أنّه من أفعال الحكمة. قال ابن تيمية : الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع كلّ شيء في موضعه، وهو سبحانه حَكَمٌ عدلٌ يضع الأشياء موضعها، ولا يضع شيئًا إلاّ في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل، ولا يفرّق بين متماثلين، ولا يسوّي بين مختلفين، ولا يعاقب إلاّ من يستحق العقوبة فيضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة والعدل .
أبو منصور الماتريدي، كتاب التوحيد، تحقيق: فتح اللّٰه خليف، الإسكندرية: دار الجامعات المصرية، د.ت.، ص97.
أبو حامد الغزالي، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللّٰه الحسنى، تحقيق: فضلة شحادة، بيروت: دار المشرق، 1982م، ص105-106، غير أنّه في كتابه فضائح الباطنية جمع بين القول إنّ العدل هو وضع الشيء في موضعه والقول إنّه تصرّف المالك في ملكه (تحقيق: عبد الرحمن بدوي، الكويت: مؤسسة دار الكتب الثقافية، ص104)!
ابن تيمية، رسالة في معنى كَون الرب عادلاً وفي تنزهه عَن الظُّلم، ضمن جامع الرسائل لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جدة: دار المدني، 1405ه – 1984م، 1/123-124.
أولاً: نحن لا ندعي أن هذا العالم هو أفضل الممكن؛ بمعنى أنّه لا يوجد عالم متصوّر فيه ألم أقل ورفاهية أكثر بإمكان اللّٰه أن يخلقه.
ثانيًا: نحن نقرّ أنّ اللّٰه سبحانه قد وضع قصدًا في الأرض أسباب التعب والمكابدة.
ثالثًا: من الناحية المنطقيّة الصرفة، لا يلزم من كون اللّٰه كاملاً، أن يخلق عالمًا كاملاً؛ فإنّ كمال الصانع لا يلزم منه كمال المصنوع؛ إذ إنّ دواعي الخلق عديدة ومتنوعة، وليس يفترض أن تؤول كلّها إلى أن يكون المخلوق مثاليًّا.
هؤلاء اللاهوتيين يقررون أنّ عالمنا هو الأفضل في حصيلته النهائية، لا في أفراده، كما أنّهم يرون أنّ هذه الأفضلية لا تتحقق إلا بالنظر إلى تناسقه ومعرفة أهمية وجود الإرادة الإنسانية الحرّة.
قال ابن حزم : ومن قال: إنّه ليس عند اللّٰه عزّ وجل، أصلحُ ممّا عمِل بنا؛ لأنه لو كان عنده أصلح مما فعل بنا، ولم يعطنا إيّاه لكان بخيلاً، محابيًا، فهو كافر من وجهين:
أحدهما: أنه عجّز ربه، تعالى، فجعله عاجزًا عن أن يأتي به فقط، وهذه صفة منقوص البنية، متناهي القوّة، ذي طبيعة، تعالى اللّٰه عن ذلك علوَّا كبيرًا.
والوجه الآخر: تكذيبه القرآن فيما أوردناه، ومع ذلك فهو مكابر؛ لأنه لا يشكّ ذو مسكة عقل في أنه تعالى كان قادرًا على أن يخلقنا ملائكة أو أنبياء كلّنا، أو في الجنة كما خلق آدم عليه السلام، ولا يكلّفنا شيئًا، أو ألا يخلق من يدري أنه يكفر به، أو يعصيه، أو أن يميتهما قبل البلوغ، كما أمات سائر الصبيان .
ابن حزم، الدرة فيما يجب اعتقاده، تحقيق: أحمد الحمد وسعيد القزقي، مكة: مكتبة التراث، 1408ه – 1988م، ص311.
إنّ هذا مذهب منتقض بداهة بمعرفتنا أنّ اللّٰه قد خلق آدم في الجنّة التي هي أفضل من عالمنا، وسيزفّ الناجين يوم القيامة إلى جنّة الجزاء التي هي أفضل من عالمنا. هذا العالم، كما يقول الفيلسوف ريتشارد سونبرن (Richard Swinburne) الذي يعدّ من أهم من ردّوا على دعوى لايبنتس – ليس أفضل العوالم، وإنّما هو عالم للربّ دواعي وجيهة لخلقه، إذ هو يحقّق غايته من إنشائه من عدم.
اقرأ! لا لتعارض أو تدحض رأي غيرك، ولا لتؤمن به أو تسلّم له، ولا لتجد فيه موضوع حديث وكلام، ولكن لتزنه وتعتبره . فرنسيس بيكون
مع نقلنا أحيانًا آيات وأحاديث ندعم بها موقفنا، ونجلّي بها مذهبنا، فإننا نفعل ذلك إمّا استدلالاً بالحجّة العقلية الواردة في نصوص الوحي – فليست الحجة في النص وإنما فيما يحتجّ به النص، أو لنبيّن مذهبنا التصوّري في القضايا الوجوديّة من خلال نقل ما جاء في الوحي، وهذا من باب الإبانة عن التّصوّر لا الاستدلال له.
عدل اللّٰه سبحانه هو في وضع الشيء في محلّه اللائق به ، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ، وهو مذهب أهل الحديث،
أفعال اللّٰه معلّلة، ففعله سبحانه صادر عن حكمة بالغة لأجلها فعل، وناشئ عن أسباب بها فعل،
(لابن القيم) كلام نفيس في التدليل على هذا الأمر من نصوص الوحي بما لا مزيد عليه لمن أنكر الحكم والعلل الغائية في أفعال الله، انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، القاهرة: دار التراث، 1398هـ 1978م، ص 380-413.
اللّٰه سبحانه عليم، محيط بكلّ معلوم، لا يعزب عن علمه شيء،
للإنسان إرادة، على خلاف قول الجبريّة
أهم من كتب في هذا الموضوع بِنَفَس سُنيّ هو الإمام ابن القيّم رحمه اللّٰه، خاصة في بعض أبواب كتابه النفيس: شفاء العليل ، و لابن تيميّة كلام في الموضوع، لكنّه مشتت في كتبه ورسائله، وقد جمعه المستشرق (جون هوفر) (Jon Hoover) في أطروحة دكتوراه نشرها بعنوان: (Ibn Taymiyya’s Theodicy of Perpetual Optimism) [ترجمة مركز نماء].
تطرح هذه القضية أساسًا عند مناقشة قضية القضاء والقدر واتصالها بالموقف من حرية الإرادة في التصور العقدي الإسلامي، ولا يكاد يخرج مجال النظر هنا عن مناقشة موقف المعتزلة، ثم موقف الأشاعرة، انظر مثلاً: محمد السيد الجليند، قضية الخير والشر لدى مفكري الإسلام، القاهرة: دار قباء الحديثة، 2006م، ط6.
وقد درست المستشرقة الإيطالية إيدا زيليو غراندي (Ida Zilio-Grandi) مسألة الشر في التصوّر الإسلامي في كتابها: القرآن والشر (Il Corano e il Male)، وفي مقالها عن الخير والشر في Dictionnaire du Coran (Ed. Mohammad Moezzi, Paris: Robert Laffont, 2007)، pp. 131-134. ورغم أنّها اهتمت بصورة كبيرة بأقوال المفسّرين إلا أنّ بحثها لم يكد يتجاوز ما قرره المعتزلة وخاصة الزمخشري، والأشاعرة، وعلى رأسهم الرازي، ولم يكن لأهل الحديث مكان في هذا الدرس.
استطاعت الكتابات الغربية التعبير بصورة واضحة ومباشرة عن كثير من حقائق القرآن أو المعاني العقلية التي يهدي إليها الوحي أو لا يردّها لتناسقها مع قوله؛ فالتصوّر الإسلامي هو الذي يحدّد معالم الطريق وكثيرًا من تفاصيله.
ومن وعود هذا الكتاب أنّه يسعى أن يقدّم لك خلاصة أفضل الدراسات المعمّقة والجادة في الردّ على هذه الشبهة في المكتبة الغربيّة.
لا بدّ من استيعاب النظر لمعادلات الرؤية الكليّة ليُدفع بالواضح الغائم وبالمحكم المتشابه،
يقول الفيلسوف دوغلاس غيفيت (Douglas Geivett): يلزم من إثبات وجود اللّٰه أن الشر ليس بأمر حقيقي، أو أن حقيقة الشر تتوافق مع وجود اللّٰه .
Douglas Geivett, Evil and the Evidence for God: The Challenge of John Hick s Theodicy, (Philadelphia: Temple University Press, 1993), p.61.
شبهة الشرّ لها وجهان، وجه عقلي وآخر نفسي.
حديثنا في الكتاب الذي بين يديك منصرف بالكليّة إلى مناقشة الاشتباه العقلي.
الشرّ في حقيقته إشكال للمؤمن المطالب أن يجد له مكانًا غير نشاز في تصوّره للألوهية، كما أنّه إشكال للملحد الذي عليه أن يجد له مقامًا رضيًّا في عالمه المادي العابث.
مُشكلة الشَّرّ تتحدَّى الإلحاد
لأنّ هذا العالم هو مرجعهم الوحيد، وهو دال رغمًا عنهم، في كلّ شيء، على وجود اللّٰه.
1- نحن نسأل عن الحكمة من الشر لأنّنا نعتقد أن لحياة الإنسان قيمة.
2- نحن نتساءل عن الشر؛ لأننا نراه نشازًا، ونرى الخير هو الأصل، وهذا لا يلتقي مع الكون الإلحادي الذي لا يعرف قيمتي الخير والشر؛
3- نحن نتساءل عن الشر لأننا كائنات أخلاقية.
4- نحن نبحث عن معنى الشر والحكمة منه لأننا اعتدنا أن نجد في الكون أجوبة على أسئلتنا الكبرى والصغرى، وإشباعًا لحاجاتنا الجليلة والبسيطة.
5- نحن نتساءل عن الحكمة من الشر لأننا كائنات عاقلة، والعقل نفحة غير مادية.
إذا لم يكن هناك إله؛ فلِمَ، ومن أين هذا الخير؟
الشر لا يعرف لنفسه وجودًا من غير خير يشير إليه أنّه موجود.
ب- الخير، موضوع أولى بالاستفهام
إنّنا نملك القدرة على تعداد أوجه الشر في الكون، لسبب واضح وهو أنّ هذا الشر محصور العدد، من الممكن عدّ أفراده، فبإمكاننا أن نقول: إنّ ذاك المرض شر، وذاك الخُلُق شر، وتلك الظاهرة الطبيعيّة شر من جهة كذا، لكنّنا لا نملك في المقابل أن نعدّ الخير الذي في العالم لأنه بالغ الضخامة والتنوع والتركيب، إذ هو يحيط بنا من كلّ وجه، فهو قانون الكون.
إنّ العلم الطبيعي نفسه قائم على فهم الشرور الماديّة على أنّها في الأعم الأغلب نشوز عن أصل عمل الكون، وهو لا يفسّرها إلاّ من خلال طبيعة خروجها عن الأصل، فالأمراض هي خروج عن أصل العافية؛
ديفيد بيك (David Beck): لو كان الإلحاد حقًّا، لما كان علينا أن نتوقّع أن يكون الخير هو الشيء الرئيسي أو الأكثر أصالة من الشر. في الحقيقة، كنّا سنتوقّع ألا يكون هناك قسما الخير والشر أصلاً .
David Beck, “Evil and the New Atheism,” in God and Evil: The Case for God in a World Filled with Pain, eds. Chad Meister and James K. Dew Jr. (Downers Grove, Illinois: IVP Books, 2013), p.219.
لا يستقيم في الذهن المذعن للبداهة العقليّة أن ننكر الخير الغامر في الكون لأمر ما يبدو للبعض عبثًا.
ولعلّه يحسن بنا أن نرتقي بالنظر إلى ذرا الحكمة، فنقول: إنّه الشذوذ الذي يكشف القاعدة؛ فإنّ إحساسنا بالنظام والجمال والغائيّة كثيرًا ما يفتر بفعل العادة، ويكون بعض ما يبدو قبحًا أو عبثًا هو عيننا الباصرة بعميم الجمال والحكمة التي تحتلّ عامة آفاقنا.
فقد تكمن الحكمة في خلق الناقص، وإعدام الجيّد.
والعلماء في دنيانا يفهمون النقص في مصنوعاتهم على وجه آخر أيضًا يفيد في تقديرها إيجابيًّا؛ فالمهندسون يعلمون أنّه كثيرًا ما تتعارض الكفاءة مع المتانة، فالجودة المطلوبة لا تتحقق إلا ضمن شروط معينة، ولذلك يختارون تخفيض كفاءة بعض أجزاء مصنوعاتهم حتى يحققوا الكفاءة المرجوة للمجموع، فالتكامل الصناعي بذلك قد يقتضي أن يكون النقص مطلوبًا في البعض.
Fazale Rana, The Cell’s Design, How Chemistry Reveals the Creator’s Artistry (Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 2008), p.248.
وقد جرّب الملاحدة في الغرب – ولا يزالون يجرّبون – الاستدلال بحجة التصميم الضعيف (Argument from poor design) لنفي أن تكون الطبيعة نتاج فعل إلهي حكيم، غير أنّ الأبحاث العلمية تفتح أمام أعيننا مغاليق، وتكشف حكمًا بارعة فيما كان يبدو قصورًا في بنية المخلوقات. ومن ذلك ما آل إليه الاستدلال بإصبع البندا الزائد الذي أصبح رمزًا لدعوى التصميم المعيب في الأدبيات الإلحادية بعد نشر كتاب جاي غولد (عالم الحفريات) (The Panda’s Thumb: More Reflections in Natural History, 1980م) حيث زعم أنّ للباندا إصبعًا إضافيًّا لا قيمة له؛ إذ هو مجرّد عظم ناتئ بلا وظيفة. وقد كانت المفاجأة في دراسة لفريق علميّ ياباني قلب الأمر رأسًا على عقب بعد بحث نشره في مجلة الطبيعة المشهورة سنة 1999م، بعد تصوير يد البندا باستعمال التصوير بالرنين المغناطيسي والكشف عن أمور تشريحية لم تكن معلومة من قبل. فقد خلص هذا الفريق إلى أنّ إصبع البندا هو واحد من أعظم أنظمة التحكّم الخارقة في عالم الثدييات!
انظر مثلاً في عرض هذه الشبهة والرد على الأمثلة التي ساقها (داوكنز):
Jonathan Sarfati, The Greatest Hoax on Earth? Refuting Dawkins on evolution (Atlanta, Ga.: Creation Book Publishers, 2010), pp.165-185.
Hideki Endo, Daishiro Yamagiwa, Yoshihiro Hayashi, Hiroshi Koie, Yoshiki Yamaya & Junpei Kimura, “Role of the giant panda’s ‘pseudo-thumb’“, in Nature 397, (28 January 1999), p.309.
معاني الحنان، والرحمة، والإيثار، والتضحية بالنفس في سبيل فكرة نبيلة لا يمكن أن تجد لها مكانًا في عالم المادة الصرفة.
مُشكلة الشَّرّ، حُجَّة على وُجُود اللّٰه
هذا النقش الأخلاقي في الوعي الإنساني حجّة على أنّ الإنسان مخلوق أخلاقي لخالق صنعه على صورة متعالية على المادة الصرفة.
وبالإمكان صياغة هذا المعنى على الصورة التالية:
1- إذا كان اللّٰه غير موجود، فالقيم الأخلاقية الموضوعية غير موجودة.
2- الشرّ موجود.
3- إذن، المعايير الأخلاقية الموضوعية موجودة.
4- إذن، اللّٰه موجود.
William Lane Craig, Hard Questions, Real Answers (Wheaton: Crossway, 2003), p.107.
يقول الفيلسوف ويليام لين كريغ : رغم أنّ المعاناة تشكك على المستوى السطحي في وجود اللّٰه، إلا أنها على مستوى أعمق تثبت وجود اللّٰه. إذ إنه في غياب اللّٰه لا تمثّل المعاناة شيئًا قبيحًا. إذا آمن الملحد أنّ المعاناة شيء سيئ أو أنها أمر يجب ألا يكون، فهو بذلك يقدّم أحكامًا أخلاقية لا يمكن أن توجد إلا إذا وُجد اللّٰه .
William Lane Craig, On Guard: Defending Your Faith with Reason and Persuasion (Colorado Springs: David Cook, 2010), p.162.
ولا سبيل للإقرار بقيمتي الخير والشر حتى يقرّ الملحد بوجود المعيار الموضوعي، ووجود المعيار الموضوعي الأخلاقي غير ممكن دون وجود مشرّع أخلاقي غير مادي، وهذا المشرّع هو اللّٰه الذي تسعى الحجّة الأخلاقية المعتمدة على الشرّ لنفيه!
وقد أدرك الفيلسوف الوجودي الملحد والشرس، جون بول سارتر ، مبلغ الإحراج الفكري في مسألة أصل التمييز الأخلاقي بين الخير والشر، ولذلك قال: يجد الوجودي حرجًا بالغًا في ألا يكون اللّٰه موجودًا؛ لأنه بعدم وجوده تنعدم كلّ إمكانية للعثور على قيم في عالم واضح. لا يمكن أن يكون هناك خير بدهي لأنّه لا يوجد وعي لانهائي وكامل من الممكن التفكير فيه. لم يُكتب في أيّ مكان أنّ الخير موجود، ولا أنّ على المرء أن يكون صادقًا أو ألاّ يكذب .
Jean-Paul Sartre, Jean-Paul Sartre: Basic Writings, ed. Stephen Priest (New York: Routledge, 2001), p.32.
ويوافقه داوكنز بقوله: إنّه من العسير جدًّا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينية .
Richard Dawkins, The God Delusion, p.232.
مشكلة الشر لا يمكن أن تتأسّس على القول بنسبيّة الأخلاق؛
إنّ تسميتنا للشيء أنه شرّ هي في الحقيقة وصف له بأنه شيء يجب ألاّ يكون كذلك ، وفي ذلك إقرار بثلاث حقائق:
أنّ هناك أمورًا يجب أن تكون على صيغة معيّنة، وهي الخير.
أنّ الخير هو الأصل في الوجود.
أنّ هناك معيارًا متعاليًا على المادة يفرض على الذهن أن يتصوّر وجود تمييز بين الخير والشرّ.
إنّ قيمتَي الخير والشرّ لا تكتسبان معنى إلاّ في ظلّ وجود حقائق متعالية على المادة ترجع إلى إله زرع في قلب الإنسان نزوعًا إلى الخير وحُبَّه، واستهجانًا للشرّ ومظاهره. وهذا ما يسمّيه القرآن بالإلهام. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].
ويعبّر عالم الجينات الأمريكي الشهير فرنسيس كولنز (Francis Collins) عن هذه الحقيقة، بلسان عالم الأحياء بقوله: لماذا يوجد مثل هذا الكون وهذا الظمأ الإنساني المميّز لوجود اللّٰه، إذا لم يكن ذلك مرتبطًا بفُرَص تحقّقه؟ إنّ الكائنات لا تولد برغبات فيها إلا إذا كان إرضاء هذه الرغبات موجودًا. يشعر الرضيع بالجوع، طيب، يوجد شيء اسمه أكل، ترغب البطة الصغيرة في السباحة، طيب، يوجد شيء اسمه ماء .
Francis Collins, The Language of God (New York: Free Press, 2006), p.38.
تزداد هذه الحقيقة اتّقادًا في وعينا ونحن نقرأ الكتاب الذي صدر منذ سنوات بعنوان: How God Changes Your Brain (كيف يغيّر اللّٰه عقلك) لعالمين أمريكيين أحدهما عالم أعصاب، أثبتا بالدليل التجريبي الأثر الإيجابي الكبير للإيمان بوجود إله والتوجّه له بالعبادة على الصحّة البدنيّة والعقليّة والنفسيّة للإنسان، وذلك بتصوير نشاط الدماغ عند المتديّنين والملحدين. إنّها حقيقة معلومة من قبل، راسخة.
Andrew B. Newberg and Mark Robert Waldman, How God Changes Your Brain: breakthrough findings from a leading neuroscientist, (New York: Ballantine Books, 2009).
رابعًا: الألم.. الإبداع، والحكمة التي لا تضاهى
كيف نحس بالألم؟ لِمَ لَمْ يسأل الملحد نفسه هذا السؤال؟
لا توجد ضرورة في المادة تفرض وجود الجهاز العصبي الذي يستشعر الألم وينقله ضمن شبكة من ألياف طويلة جدًّا، بوسائل غاية في التعقيد، إلى الدماغ.
لا تشكّ نفسي أنّ عقل الملحد سيذهل إذا علم كيف يعمل الجهاز العصبي حتى بحسّ الإنسان بالألم المؤذي الذي يحمي الجسد بتنبيهه إلى الأخطار التي تحيق به أو الأذى الذي اقتحم حماه،
كريستوف كوك (Christof Koch) – عالم الأعصاب الأمريكي الشهير ورئيس المؤسسة العلمية Allen Institute for Brain Science التي تُعنى بالأبحاث العلمية عن الدماغ وعمله – يقول: تكشف الأعمال الأخيرة حول معالجة المعلومات وتخزينها على مستوى الخليّة الواحدة (الخلايا العصبية) عن تعقيد وديناميكية فوق التصوّر ، وانتهى إلى القول: كالعادة، يتركنا [البحث] في حال من الرهبة بسبب التعقيد المذهل الموجود في الطبيعة .
Christof Koch, “Computation and the Single Neuron,” in Nature, 1997, 385:207, 210.
إنّ صورة تمدد الأعصاب إلى كل نقطة في بدننا، ذات نظام مبهر، والطريقة التي تحمل بها هذه الأسلاك الأوامر والمعلومات معجزة. ورغم كثافة تدفّق البيانات إلا أنه لا يحدث البتة التباس، وتصل كلّ رسالة بدقة إلى وجهتها
Gerald Schroeder, The Hidden Face of God: How science reveals the ultimate truth, (New York: The Free Press, 2001), p. 89.
بل حتى دموع الحزن المعبرة عن وجعنا الشديد كشف العلم لها فوائد صحية ونفسية، ليس أقلّها طرد السموم من البدن.
قام علماء في مركز طبي بولاية مينيسوتا بأمريكا بمقارنة الدموع الناتجة عن التعرض للبصل من طرف عدد من المتطوعين بدموع ناتجة عن التأثر بأفلام حزينة، وكشفت المقارنة بين نوعي الدمع أنّ الدمع العاطفي يضم مواد بيولوجية سامة أكثر من الدموع الأخرى:
Tom Kovach, ‘Tear Toxins‘, in Omni, December 1982.
يعلّق الدكتور براند بقوله: واستنتجنا أيضًا أنّ الإشارة يجب أن تكون سهلة الوصول بالنسبة للمريض، فحتّى الأذكياء من الناس إن أرادوا أن يفعلوا شيئًا قد يتسبب في تنشيط الصدمة، فسوف يطفئون الجهاز، ثم يفعلون ما يريدون، ثم يشغلونه ثانية عندما لا يكون هناك أي خطر من تلقّي إشارات غير سارة. إنني أتذكّر كيف فكّرت في مدى قدرة اللّٰه العظيمة بوضعه للألم بعيدًا عن قدرة الإنسان للوصول إليه .
ويضيف: لقد قبلت بيسر أنّ سنوات عملي بين المفتقدين للشعور بالألم أعطتني رؤية منحرفة. وأنا الآن أنظر إلى الألم كواحد من أعظم الميزات الرائعة لتصميم الجسم البشري، وإذا أمكنني أن أختار هدية لمرضى الجذام عندي فستكون هدية الألم. في الحقيقة، لقد أشرفت على فريق علمي أنفق مليون دولار لمحاولة تصميم منظومة صناعية للألم. أهملنا المشروع عندما أصبح من الواضح جدًّا أنّه ليس بإمكاننا أن ننشئ منظومة هندسية معقدة تحمي الإنسان .
Paul Brand and Philip Yancey, The Gift of Pain: Why we hurt and what we can do about it, p. 12.
وختم براند خاطرته عن تجربته الطويلة مع الألم بقوله: أحمد اللّٰه لأنه اخترع الألم. لا أعتقد أنه فعل شيئًا أفضل من ذلك . Ibid., p.39.
يقرّر الإسلام أنّ اللّٰه قادر على أن يخلق عالما يحقّق للإنسان منتهى السعادة واللذة والتنعم، وهذا العالم هو الدار الآخرة: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71].
قال رسول اللّٰه ﷺ: حُفّت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات .
غاية خلق الإنسان ليست، إذن، إسعاد الإنسان وإنما اختباره على محكّ العبوديّة.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
يجب أن يكون الإله مركز الوجود الكوني حتى يكون فهمنا للشرّ في التصوّر الإيماني متناسقًا مع ذاته،
وإنّ من آثار مركزيّة الوجود الإلهي في الكون، ألا تكون رغائب الإنسان وحاجاته هي الحَكم على الأشياء بالحسن والقبح،
الحكمة البشريّة قبس من حكمة اللّٰه سبحانه،
الحكمة البشريّة أضأل من أن تحيط بجميع فعل اللّٰه.
إنّ كل كمال للمخلوق – يليق بالخالق – لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به؛ لأن مصدر هذا الكمال للمخلوق هو اللّٰه سبحانه.
الإله الذي يقبله الملاحدة، ولا يقبلون بغيره أصلاً لإبداع هذا الوجود، هو في حقيقته إنسان .. إنسان شديد الذكاء، يتصرّف في جميع أعماله ضمن حدود المجمع عليه عند عقلاء الناس في مكان وزمن ما، فهو لا يفعل ما يتجاوز العقل البشري، ولا يخرج عن الإجماع البشري؛ فاختياره لما هو محلّ خلاف بين البشر سبيل لسلبه الإلهية!
على هذا الإله – البشري أن يكشف جميع أفعاله، ولا يُسِرَّ منها شيئًا، وعليه أن يقدّم عريضة دقيقة فيها الدافع والغاية من كلّ فعل، وعلى هذه الأفعال أن تؤول إلى تحقيق الرفاه الإنساني، مع مراعاة البيئة التي نشأ فيها كلّ فرد.
ضخامة الدَّعوى وقُصُور الشَّواهد
حين يكون الاستشكال الفرعي نفيًا لليقين الكلّي
فهو يدرك الحكمة في عامة ما يرى، ولذلك ينطلق من هذا المعلوم لتأسيس كليّاته الكبرى التي ستهيمن على تفسير المجهول الذي لا يُدركه حينًا أو أبدًا.
يقول ابن تيمية : فكل ما فعله [اللّٰه] عَلِمْنا أنّ له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفصيل، وعدم عِلمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأمّا كُنه؛ أي: حقيقة، ذاته فغير معلومة لنا، فلا نكذب بما علمناه؛ أي: من كماله، ما لم نعلمه؛ أي: من تفاصيل هذا الكمال – وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علْمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها، ونحن نعلم أن مَن علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفًا بصفاتهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو؛ لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة اللّٰه وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفًا للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير علمِ بشيءٍ من ذلك . [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 6/128.]
إنّنا نحتاج إذن أن نبدأ من المحسوس المدرك أو المعقول المتاح، وهو: النظر في الكون المادي وقوانينه؛ والرضا بالأجوبة الكليّة التي يقدّمها، والتي هي: وجود خالق، خالق واحد، ثم هو عزيز، وحكيم.. عندها تنتهي المساحة التي يتيحها لنا العالم المادي ويقينيات العقل، ليحتكر الوحي ميدان الإجابة.
مُشكلة الشَّرَّ، وصِفات الرَّبّ لا وُجُوده
قد يفاجَأ الملحد العربي بتصريح الفيلسوف الملحد ج. ماكي الذي يُعدّ أشرس الملاحدة استدلالاً بمشكلة الشرّ انتصارًا للإلحاد، أنّ مشكلة وجود الشر هي مشكلة فقط لمن يؤمن أنّ هناك إلهًا قديرًا كامل الخيريّة. وهي مشكلة منطقية تتمثّل في توضيح عدد من الاعتقادات والتوفيق بينها…. إذا كنت مستعدًّا للقول: إنّ اللّٰه غير كامل الخيرية، وليس تام القدرة… فعندها لن تواجهك مشكلة الشر .
J. L. Mackie, “Evil and Omnipotence,” in Mind 64, no. 254 (1955): 200, 201.
هذه المشكلة إذن لا يمكن أن تقود إلى الإلحاد، وإنما هي مشكلة من الممكن أن يحتج بها الربوبي (deist) على الألوهي (theist)،
قال جلّ وعلا: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا! . [رواه مسلم]، قال الإمام ابن رجب : يعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده… وهو مما يدل على أن اللّٰه قادر على الظلم، ولكن لا يفعله فضلاً منه وجودًا وكرمًا وإحسانًا إلى عباده .
ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، تحقيق: ماهر الفحل، دمشق: دار ابن كثير، 2008م، ص513.
وهو ما أكّده ابن تيمية ببيان أنّ الحديث السابق حجّة للقول: إنّ ترك اللّٰه سبحانه للظلم هو عن اختيار لا ضرورة. فاللّٰه سبحانه قد وضع كل شيء موضعه مع قدرته على أن يفعل خلاف ذلك، فهو سبحانه يفعل باختياره مشيئته، ويستحق الحمد والثناء على أن يعدل ولا يظلم، خلاف قول المجبرة الذين يقولون: لا يقدر على الظلم، وقد وافقهم بعض المعتزلة كالنظّام، لكنّ الظلم عنده غير الظلم عندهم، فأولئك يقولون: الظلم هو الممتنع لذاته، وهذا يقول: هو ممكن لكن لا يقدر عليه.. وأهل السُّنَّة أثبتوا ما أثبته لنفسه: له الملك والحمد، فهو على كل شيء قدير، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو خالق كل شيء، وهو عادل في كل ما خلقه، واضع للأشياء مواضعها. وهو قادر على أن يظلم، لكنه سبحانه منزه عن ذلك لا يفعله لأنه السلام القدوس المستحق للتنزيه عن السوء .
ابن تيمية، رسالة في معنى كون الرب عادلاً وفي تنزهه عن الظلم، ضمن جامع الرسائل لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، القاهرة: مطبعة المدني، 1969م، 1/129.
وقال رحمه اللّٰه: إنّ اللّٰه سبحانه لا يريد الظلم، والأمر الذي لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها، فعلم أن اللّٰه قادر على ما نزّه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله، وبذلك يصح قوله: إني حرمت الظلم على نفسي ، وأن التحريم هو المنع، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته، فلا يصلح أن يقال: حرمت على نفسي أو منعت نفسي من خلق مثلي، أو جعل المخلوقات خالقة، ونحو ذلك من المحالات. وأكثر ما يقال في تأويل ذلك ما يكون معناه: إني أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورًا لا يكون مني. وهذا المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس مراد الرب، وأنه يجب تنزيه اللّٰه ورسوله عن إرادة مثل هذا المعنى الذي لا يليق الخطاب بمثله، إذ هو مع كونه شبه التكرير وإيضاح الواضح ليس فيه مدح ولا ثناء، ولا ما يستفيده المستمع، فعلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله؛ لأنه حرمه على نفسه، وهو سبحانه منزه عن فعله مقدس عنه . [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 6/220.]
ولذلك قال أنتوني فلو – أيقونة الإلحاد في القرن العشرين – بعد تراجعه عن إلحاده: من المؤكد أنّه لا بدّ من مواجهة وجود الشر والألم، ولكن، فلسفيًّا، يُعتبر هذا الموضوع منفصلاً عن السؤال عن وجود اللّٰه، فمن وجود الطبيعة نفسها نحن نصل إلى أصل إيجادها. ربما للطبيعة عيوب، ولكن ذلك لا يدلّ البتّة إن كان لها مصدر نهائي أم لا. وبالتالي فوجود اللّٰه لا يرتبط بوجود الشر السائغ أو غير السائغ .
Antony Flew, There is a God, p.156.
حتّى لو لم يقتنع بالأصل الربّاني لهذا الكتاب، ففي تعبيرات القرآن النفسيّة واستدلالاته العقلية دليل إلى المعنى المرضي لهذا الوجود الذي لا تسمح عظمته ودقته بأن يكون من جَمْعِ الرِّيح.
اللّٰه – سبحانه – في التصوّر الإسلامي، هو مالك الملك الذي له الكون كلّه، وهو صاحب الكبرياء بعظمته التي لا تدانى وسلطانه الذي لا يضاهى، وهو بمنطق العدل والحق، حتّى بمعاييرنا الأرضية، له أن يفعل في ملكه ما شاء، ولسنا نقول بذلك: إنّ تصرّف المالك في ملكه لا يكون ظلمًا ، بهذا الإطلاق، فذاك معارض لمعايير العدل ومنصوص القرآن، وإنّما نقول: إنّ حقوق المالك العادل أوسع من حقوق المملوك في ميزان العدل، وسلطان المالك العادل أعظم من سلطان المملوك، وبذلك تتّسع الآفاق في فهم أنّ للّٰه أن يوجّه الخلق لأمر، ويضعهم في اختبار، ويعاقبهم على العصيان، فليسوا هم هملاً في الدنيا،
تعارُض الشَّرّ والحكمة، وتعارض الشَّرّ والقُدرة
تفكيك الاعتراض إلى مجموعة أسئلة، وتفكيك الأسئلة المركبة الى عناصر صغرى؛ سيوضّح الرؤية ويرفع الغمامة.
براءة الإسلام من أوهام الشَّرّ
مشكلة الشرّ في البيئة الإسلامية هي إمّا إسقاط ديني، أو فلسفي، أو حال من الاهتياج النفسي الشخصي.
التَّوراة أصل اعتراض الفلاسفة الغربيين
مشكلة الشر – تاريخيًّا – هي أساس ظهور، وعلى الصواب، تحوّل الديانة المجوسيّة إلى القول بوجود إلهين: إله خالق للخير وآخر خالق للشر.
الثيوديسيون النَّصارى ضِدّ الكتاب المُقدَّس
تدور الثيوديسيا النصرانية منذ عصر آباء الكنيسة في الردّ على الاعتراض الإلحادي بالشر لإنكار الإيمان باللّٰه، على مذهبين رئيسين، أولهما أنّ الإرادة الحرة للبشر تفسّر ظهور الشر بين الناس ( أوغسطين في القرنين الرابع والخامس، و بلانتنجا في دفاعه)، وثانيهما أنّ البشر في حاجة إلى الشرّ في هذا العالم؛ حتّى يكتمل نموّهم الأخلاقي، من خلال مدافعته ومغالبته ( إيرينيئوس Irenaeus من القرن الثاني).
والإشكال الأكبر في شأن الثيوديسيا أو الدفاع النصرانيين أنّهما يتعارضان مع صريح الكتاب المقدس من جهة أنّ الإنسان فاسد ضرورة، ولا سبيل له أن يبلغ الصلاح بعمله.
مذهب اللّذيّة (Hedonism) القائل: إنّ اللذة هي الحقّ الجوهري الوحيد ومبلغ طموح الرغبة الإنسانية، وإنّ كلّ ما خالف اللذة فهو شر، وإنّ الألم شر محض من كلّ وجه؛
في هذه الحياة للمكابدة ومصارعة الشر بأنواعه والتصبّر على الوجع وأشكاله، ولم نحبس على هذه الأرض للمتع السائغة الصافية. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. قال الحسن البصري في تفسير الآية: يقاسي أمور الآخرة .
إنّ النفس التي تسرف في اللذائذ سرعان ما يصيبها البشم، فالملل والضجر، فالتطرّف في الهوى، فالمرض، فالشعور بالعدميّة
ثم إنّ أمتع اللذائذ، وأدومها، وأكثرها إرواءً للنفس، هي تلك التي تحصدها يد المعاناة من أرض المكابدة؛ فتجد في حلاوتها جزاءً على صبرها،
الإشكال في حقيقته ليس عقليًّا بالأساس وإنّما هو ارتجاج نفسي تأثرًا بواقع مؤلم.
سنقسّم الاستشكال الأكبر إلى وحدات متمايزة موضوعيًّا:
1- إذا كان اللّٰه – سبحانه – كاملاً، وكتب على نفسه ألاّ يظلم، فلماذا يفعل الشر؟
2- هل يقتضي وجود الشر نفي الإله؟
أ- هل يتعارض وجود اللّٰه مع وجود الشر، من الناحية المنطقية؟
ب- كيف يلتقي علم اللّٰه وعدله وقدرته بوجود الشر الأخلاقي في العالم؟
ج- كيف يلتقي علم اللّٰه وعدله وقدرته بوجود الشر المادي في العالم؟
د- هل يصحّ الاعتراض على وجود اللّٰه بوجود الشرّ المجاني؟
3- لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا أقلّ شرًّا؟
4- لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا بلا شر؟!
5- مقارنة عالمنا بالعالم الذي يفترض الملحد أنّه يليق بوجود إله كامل.
هل يوجد ما يمكن أن نقول: إنّه شر بذاته، لا أنّه شر في ظرف من الظروف ووجه من الأوجه؟
يفضي النظر الهادئ إلى القول: إنّ دعوى أنّ الشرّ يمثّل شيئًا ما في ذاته ليس إلاّ نوعًا من أنواع المغالطات المنطقية؛ أي: مغالطة التشييء أو التجسيم (Reification)؛ إذ يتمّ التعامل مع الأشياء المجرّدة (abstract) على أنّها ذوات متحيّزة أو أحداث واقعيّة.
ليس الشرّ في واقع الناس مادة تُحسّ ولا ذاتًا تُجسّ، وإنّما هو أثر لفعل أو حال ما، إذ لا وجود لشر مطلق، ولذلك فهو أمر نسبيّ أو جزئيّ. وبصورة أدقّ، علينا أن نعتبر الشرّ صفة (adjective) لا ذاتًا، وأنه لا يُعامل معاملة الاسم إلاّ إذا كان في صيغة التجريد.
John Gordon Stackhouse, Can God be trusted? faith and the challenge of evil (New York: Oxford University Press, 1998), 30.
ولنا هنا أن نتساءل: هل بإمكاننا أن نتصوّر في خيالنا وجود عالم شرّ من كلّ وجه؟
جون جوردون ستاكهاوس (John Gordon Stackhouse): لا يمكنني تصوّر ذلك، ولم أشهد أيّ وصف لذلك العالم في الدين أو الفلسفة أو الأدب .
John Gordon Stackhouse, Can God be trusted? faith and the challenge of evil (New York: Oxford University Press, 1998), 50.
الشرّ واقعيًّا ليس إلاّ عارض فساد في شيء من أشياء الوجود التي هي في أصل وجودها سليمة من العيب،
الشرّ الذي هو حقيقة ذاتيّة، لا يعتوره خير من أي وجه، لا وجود له في الدنيا. فليس في وجودنا ما يمكن أن يُقال: إنّه شر خالص، فليس هناك شر في الدنيا إلاّ وهو خير من وجه أو أوجه أخرى. فالمرض مثلاً، مؤذٍ للجسد من جهة، ومختَبرٌ للصبر وشاحذ للهمة وربما حتى مقوٍّ للمناعة من جهة أخرى… وهكذا الأمور المكروهة عادةً، لا يخلو منها نفع للإنسان.
انظر: ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص363.
ثم إنّ الشرّ إمّا أن يكون (1) عدميًّا أو (2) وجوديًّا.
1- شرور عدميّة:
أ- إما أن تكون عدمًا لأمور ضرورية للشيء:
في وجوده: كالإحساس والحركة والنفس للحيوان.
أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه: كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي.
أو ضرورية له في كماله: كصحته وسمعه وبصره وقوته.
ب- وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان وجودها خيرًا من عدمها: مثل تحصيل المعارف العلميّة الدقيقة ممّا يكون العلم بها خيرًا من الجهل بها.
2 – شرور وجوديّة:
فهي:
أ- وجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال، كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها.
ب- والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله، كالمواد الرديئة المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به، وكالعقائد الباطلة، والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب.
لا يعني ما سبق بحال القول: إنّ الشر مجرّد وهم، أو إنه أمر لا حقيقة له، … وإنما قصدنا هو أنّ الشر مجرّد نِتاج أنطولوجي عَرضي (mere ontological by-products of creating finite beings) لخلق كائنات محدودة؛ فوجوده تابع لوجود كون غير متصف بالكمال،
القسم الأوّل: وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه؛ هو اللّٰه سبحانه، فقط. ولا يوجد من بقيّة الأقسام في وجودنا إلاّ ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة؛ أي: ما كان خيره راجحًا على شرّه . وأمّا الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو العدم المحض.
[شيخ الإسلام ابن القيم]: فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها، وإما لدفع ألم هو أصعب منها، وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام . [ابن القيم، شفاء العليل، ص488.]
إنّ النظر في الحكمة وراء ما تتأذى منه النفس عادة يكشف عن مصالح ومنافع ضرورية، فوجود هذا الأذى ذريعة لخير أعظم منه أو دفع شرّ أشدّ منه. إنّنا إذن أمام شر مغمور في الخير، وشرٍّ مرصود للخير.
الشَّرّ في المخلوقات لا في فعل الخالق
الشرّ ليس ذاتًا موضوعيّة وإنّما هو صفة انتزاعيّة، ولذلك لا تصحّ نسبة الشر إلى اللّٰه سبحانه وإنّما هو صفة من صفات مخلوقاته.
هناك فرقًا بين فعل اللّٰه الخالق مباشرة وفعل مخلوق الخالق؛ فإنّ اللّٰه لا يريد لعباده إلا الخير لكنّه…
1- يخلق [أي: اللّٰه] خلقًا أصحاب إرادة (أناسيّ) يختارون غير ما رضيه [أي أحبّه] اللّٰه لهم، فالشر هنا سببه إرادة الإنسان التي خلقها اللّٰه سبحانه.
وقال ابن تيمية : … كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك . [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 5/123.]
فاللّٰه سبحانه خالق الخير والشرّ في أفعال العباد – عند أهل السنّة
بمعنى أنّه سبحانه خالق قدرة البشر ومشيئتهم التي تأتي هذه الأشياء. فأفعال
2- يخلق اللّٰه خلقًا غير عاقل يفعل الشر، لكنّه شر من وجه لا من كل الأوجه؛
وما كان خيره أعظم من شرّه؛ فوجوده خيرٌ.
وإنّ الصواب في هذا الباب ما دلّ عليه القرآن والسُّنَّة من أن الشرّ لا يضاف إلى الرب تعالى لا وصفًا ولا فعلاً، ولا يتسمّى باسمه بوجه من الوجوه. وإنّما يدخل في مفعولاته بطريق العموم كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2]. ف(ما) هاهنا موصولة أو مصدريّة. والمصدر بمعنى المفعول؛ أي: من شرّ الذي خلقه، أو من شرّ مخلوقه، وقد يحذف فاعله كقوله حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10]. وقد يُسند إلى محلّه القائم به كقول إبراهيم الخليل: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 78-80]. وقول الخضر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79]. وقال في بلوغ الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82]. وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. واللّٰه تعالى إنّما نسب إلى نفسه الخير دون الشر، فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
ابن القيم، شفاء العليل، ص528-530.
أوّلهما: هو أنّ النظر في قصة إبليس كما جاء بها خبر الوحي مخبر أنّ اللّٰه سبحانه خلق إبليس وأمثاله من الجنّ – كما الإنس – لعبادته،
وثانيهما: أنّ في وجود إبليس، على ضلاله، حكمٌ جليلة يصعب استقصاؤها،
1- أنّ وجود إبليس يكمل لرسل اللّٰه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو اللّٰه وحزبه، ومخالفته ومراغمته في اللّٰه، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، والإجلاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده، فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه، ومعلوم أن الموقوف على الشيء لا يحصل بدونه.
2- خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعدما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه، وسقوطه من المرتبة التكريمية إلى المنزلة الإبليسية، يكون أقوى، وأتم.
3- جعل سبحانه إبليس عبرة لمن خالف أمره، وتكبّر عن طاعته، وأصرّ على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه، أو عصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه. فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه.
4- حال إبليس محك امتحن اللّٰه به خلقه ليتبين به خبيثهم من طيبهم، كما جعل أنبياءه ورسله محكًا لذلك التمييز، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]،
5- ليظهر اللّٰه كمال قدرته في خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين.
في التَّعارُض بين وُجُود اللّٰه ووُجُود الشَّرّ
المشكلة المنطقية للشر The logical problem: وهي المشكلة المتعلقة بالتناقض المحض بين دعوى وجود إله قدير، عليم، رحيم، ووجود الشرّ.
المشكلة البرهانية The evidential problem، وتسمى أيضًا بالمشكلة الاحتمالية؛ تزعم هذه المشكلة أنه وإن لم يكن هناك تضاد منطقي صميمي بين وجود اللّٰه ووجود الشر، إلا أنّ المرء يميل إلى الاستبعاد الاحتمالي لوجود إله قدير، عليم، رحيم، بسبب وجود الشرّ؛
وينقسم هذا الاعتراض بذلك إلى ثلاث مشاكل:
مشكلة الشر الأخلاقي. مشكلة الشر الطبيعي. مشكلة الشر المجاني.
شاعت قديمًا مع الفيلسوف اليوناني إبيقور ، وهي تقرّر أنّ وجود الشر في العالم يتعارض مع وجود الإله؛ إذ إنّ الكمال الإلهي يقتضي: (1) ألاّ يكون هناك شر في العالم، (2) وألاّ يفعل اللّٰه الشر.
يجدر التنبيه أننا لا نملك النص الأصلي لـ إبيقور (وإنما اشتهرت مقولته في القرون الأخيرة بنقل هيوم لها في كتابه: Dialogues Concerning Natural Religion )، ولا نعرف أين أورد هذه العبارة، ولسنا حتى واثقين أنّها شبهة إلحادية قصد بها مضادة الإيمان؛ إذ قد يكون إبيقور قد أوردها كمسألة حَريّة بالنظر دون القول بها، خاصة أنّ المحفوظ عن إبيقور من كلامه أنّه كان يؤمن بالآلهة.
ما هي المشكلة المنطقيّة للشَّرّ؟
إنّ وجود اللّٰه يقتضي عدم وجود الشرّ؛
يزعم الملحد أنّه:
1- لا يستقيم منطقيًّا أن يسمح الإله الكامل في علمه وقدرته وخيريّته للشرّ أن يوجد.
2- الشرّ موجود.
3- إذن اللّٰه غير موجود.
الفيلسوف ستيفن دافز (Stephen Davis) أنه يكفي للمؤمن باللّٰه لينقض دعوى التناقض المنطقي بين وجود اللّٰه ووجود الشر أن يشير إلى إمكانية (وهذا كلّ ما يُحتاج إليه، مجرّد الإمكانية) أن تكون للّٰه حجة أخلاقية جيدة بالسماح بوجود الشر .
Stephen T. Davis, “Rejoinder,” in Encountering Evil, ed. Stephen T. Davis, Louisville: Westminster John Knox Press, (2001), p. 102.
هل على الإله الخَيِّر أن يمنع وُجُود الشَّرّ؟
بإمكاننا أن نثبت إمكانية أن تكون للّٰه حِكَم بالغة في وجود الشرّ في خلقه تزيد قدرًا على وجود الشرّ ذاته.
الحكم المنطقيّة أو الممكنة من وجود الشرّ والتي تزيد في قيمتها على وجود الشرّ ذاته كثيرة، ومنها: اختبار الناس في هذه الأرض في حياةٍ سبب وجودها امتحان إيمانهم أمام الفتن، نعمًا ومحنًا، ومنها: حرية الإرادة، فإنّ منح الناس حريّة للاختيار في الفعل يلزم منه أن يختار ناس الخير ويختار غيرهم الشر، ومنها: أنّ الشرّ سبب لتنمية الذات وتطويرها وتهذيبها بمصارعة أسباب السقوط…
التصوّر الإسلامي لوجود الشرّ في عالم الناس ليس مجانيًّا، وإنّما وهب اللّٰه الناس حريّة للإرادة لأنّه سبحانه يريد أن يختبرهم على هذه الأرض.
أسباب سماح اللّٰه بوجود الشرّ كثيرة، وما حريّة الإرادة إلا علة من العلل الكثيرة.
كمال القُدرة والقُدرة على المُستحيل
يقرّر علماء العقيدة من المسلمين، ومعهم النصارى واليهود، أنّه لا يصحّ أن يُقال إنّ اللّٰه قادر على فعل المستحيل منطقيًّا ؛ لأنّ هذا المحال عدم، والقدرة لا تتعلّق بالعدم؛ إذ إنّ هذه المحالات المطلوبة من الربّ، ليست في حقيقتها أشياء ممكنة الوجود أو حتّى التصوّر، فهي على الصواب مجرّد مخادعات لفظيّة لا يمكن أن يكون لها وجود في غير عالم اللغة الشكلي.
قدرة اللّٰه غير محدودة بحدّ منطقي؛
إنّ سماح اللّٰه للشرّ أن يوجد في ملكه لا يلزم منه الطعن في قدرته؛
من غير المنطقي أن يمتحن اللّٰه عباده بالخير والشرّ دون أن يكون هناك شرّ!
مقتضى هذه المحبّة اللا مشروطة أن يخلو الوجود من كلّ أذى وفساد، وأن يتنعّم الإنسان بالدنيا مهما كان اعتقاده وفعله في الأرض.
بهذا المعنى الذي لا يلتقي مع فهمه للعدل الإلهي والكمال الربوبي،
اللّٰه سبحانه ودود ، وهو – سبحانه – في ودّه لخلقه يختبرهم على الأمر البسيط يمنحهم بفضله الخير العميم، وهو يبذل حبّه لمن تولّى عن الباطل وطرقه وأقبل على الحق وسبله، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَوَدُودٌ﴾ [هود: 90].
وهذا هو الحب الذي يليق بالعظيم الذي يملك ولا يُملك، ويمنح ولا يُمنح، ويمنع ولا يُمنع.
سُقُوط المُشكلة المنطقية للشَّرّ
هزيمتها أمام حجّة الإرادة الحرّة كمبرّر منطقي لوجود الشرّ في عالم خلقه إله خيّر.
تقهقرت من دليل عدم منطقية وجود الشر إلى عدم منطقية وجود الشر المجاني .
يقول ويليام هاسكر (William Hasker): القول: إن وجود اللّٰه لا يستقيم مع وجود الشر لم يعد بعد مستمسكًا بصورة كبيرة [عند الملاحدة]. جليّ أنّ مِن الشر ما هو شرط أساسي لوجود خير أكبر، وإذا كان الأمر كذلك، فربّما إذن كان السماح لهذا الشر بالوجود متّسقًا مع صفة الخير الإلهي (God’s goodness). الشرور التي لا تخدم مثل هذا الهدف الحسن؛ أي: ما يعرف بالشرور المجانيّة، لا زال يُعتقد بصورة واسعة أنّها متعارضة مع مبدأ الألوهية وتوفّر أساسًا قويًّا للحجّة المعارضة للإيمان بإله .
William Hasker, “The Necessity of Gratuitous Evil,” in Faith and Philosophy, Volume 9, Issue 1, January 1992, p.23.
باعتراف ويليام رو (William Rowe) نفسه: … من المعقول أن نستنتج أنّ الشكل المنطقي لمشكلة الشرّ ليس مشكلة ذات بال بالنسبة لمذهب الألوهية. إنّ طرحه المركزي، والمتمثّل في أنّ [منظومة عقائد الألوهية التقليدية] متناقضة منطقيًّا، هو طرح لم يتمكّن أحد من إقامة حجّة مقنعة عليه .
Rowe, Philosophy of Religion, p. 117.
التوفيق بين كمال اللّٰه سبحانه وسماحه للشرّ بالوجود يسير إذا بدأنا النظر بالقول إنّ اللّٰه لا يفعل شيئًا إلا بحكمة يحمد عليها وغاية هي أولى بالإرادة من غيرها، فلا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والإحسان والرحمة والعدل والصواب، كما لا تخرج أقواله عن العدل والصدق.
الشَّرّ نتيجة لمنحة الإرادة الحُرَّة
الشر الأخلاقي هو أفعال أو تروك السوء التي يأتيها الإنسان بإرادته الحرّة، كالكذب، والسرقة، والقتل.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
قال الطبري : ظهرت المعاصي في برّ الأرض وبحرها بكسب أيدي الناس ما نهاهم اللّٰه عنه [الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد شاكر، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2000م، 20/107.]
فإنّ ما يتلبّس به الناس من شرور قبيحة ورذائل شنيعة يسمّيها الفلاسفة بالشر الأخلاقي (moral evil)، هي نتاج فعل الناس بمحض إرادتهم الفاسدة.
فالشر هنا استخدام لعطيّة القدرة في غير موضعها وتوجيه للفعل البشري إلى أمر سلبي.
وهذه الإرادة الحرّة هي التي تميّزه عن الجمادات غير المريدة والملائكة غير الحرّة لجبلها على الخير المحض.
يوسّع الفيلسوف مايكل بترسون (Michael Peterson) دلالات الحاجة إلى الفعل الحر، بقوله: إنّه كلّما كانت الاختيارات أمام الإنسان أوسع، وكانت إرادته قادرة على انتقاء أحدها، كلّما كان الإنسان أقدر على خير أكبر وشر أبلغ، وكلّما ضُيّق على الإنسان في إرادة الفعل عنده؛ تقلّصت قدرته على فعل كلّ من الخير والشر .
Michael Peterson, “The Problem of Evil: The Case against God’s Existence,” in Michael L. Peterson; et al., Reason and Religious Belief: an introduction to the philosophy of religion (New York: Oxford University Press, 1998), pp. 126-127.
فالشرّ في أعظم صوره هو الوجه الآخر للخير في أعظم صوره، وكلاهما تعبير عن مِنْحَة حريّة الإرادة التي هي أبرز عنصر في كينونته.
إنّ هذه العطيّة الثمينة للإنسان لا بدّ أن تُوصَل بحقيقة الوجود الامتحاني للإنسان على الأرض لندرك أنّها ليست عطيّة مجانيّة، وأنّ ما ينتج عنها من أثر سلبي إنّما هو جزء جوهري في هذا الامتحان.
هل يُلام الرَّبّ على الشَّرّ الأخلاقي؟
لقد خلق اللّٰه – سبحانه – البشر على أصل الاستقامة والمعرفة بحقيقة الخير والشر، ثم دفعهم بعدله إلى هذه الحياة ليعيشوا محنة اختبار العقل والقلب والجوارح، فالإنسان مخلوق على صورة تهيئه لإدراك الأمور إدراكًا مستقيمًا مما يتأدّى من المحسوسات الصادقة؛ أي: الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين، بحيث لو جانبتْه التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار، أو لو تسلطت عليه تسلطًا ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب، لجَرى في جميع شؤونه على الاستقامة، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة، ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويُرخي العنان لهواه وشهوته، فترمي به في الضلالات، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإطماع فيتابعهم طوعًا أو كرها، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد . [محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م، 30/425.]
فهي تزعم أنّ الآفات الطبيعية برهان غياب الرحمة والعدل في الكون. وتنقسم هذه الآفات إلى نوعين: آفات للإنسان فيها يد، وأخرى ليس له عليها سلطان.
أوجه الحكمة في النَّوائب الطَّبيعية
لا سبيل لنا لحصر كامل قائمة هذه الحِكَم لقصور مداركنا البشريّة عن الإحاطة بجميع التفاصيل الماديّة لهذا الكون وجميع مرادات اللّٰه سبحانه في خلقه.
الشَّرّ وُقُود الخير ومُبرِّر وُجُوده والإحساس به
إنّ (عامة) الشرّ (وعامة) الخير وجهان لعملة واحدة، لا يكون أحدهما دون الآخر، فهو متمم له أو شرط لازم لتحقيقه، فبوجوده يتمّ الآخر، وبانعدامه ينعدم، فلا معنى للنجدة بغير الظلم، ولا معنى للصفح بغير الإساءة، ولا معنى للهمّة والسعي بغير الحذر من مكروه والشوق إلى مأمول.
عباس العقاد، عقائد المفكرين، المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1978م، 11/448.
وهذا أمر يجري أيضًا على عامة ما نحسه، ونحبّه أو نحذره، فنحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع، ولا نستمتع بالري ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح.
عباس العقاد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، صيدا: المكتبة العصرية، د.ت.، ص8.
إنّ نقص العالم هو الذي يستحث وجودنا إلى السعي إلى الكمال، وإنّ أثقال الشر هي التي تحرّكنا إلى ارتقاء معارج الخير.
وقد أراد اللّٰه أن يجعل تجربة المعاناة وآلامها سببًا لمعرفة الخير ونعيمه، ليعرف العبد فضل اللّٰه عليه، وليتذوق بلسان التجربة عذوبة النعمة فلا يزهد في قدرها، ويدرك أنه يَفضُل بقية الخلق بما حظي به من خير. [النورسي، اللمعات، ص321.]
و لابن القيم عبارة أنيقة يقول فيها: قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق. ولذلك حَفَّ الجنة بالمكاره والنار بالشهوات. ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته ألا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول . [ابن القيم، شفاء العليل، ص448-449.]
وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
قال ابن القيم : الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات، كالليل والنهار، والعلو والسفل، والطيب والخبيث، والخفيف والثقيل، والحلو والمر، والبرد والحرّ، والألم واللذة، والحياة والموت، والداء والدواء، فخلق هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة الباهرة، ومحل ظهور القدرة القاهرة، والمشيئة النافذة، والملك الكامل التام. فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضيات تلك الصفات .
حُبُّ اللّٰه لأن يُشكَر وأن يَغْفِر
فضل اللّٰه على الخلق عميم، وحقّه سبحانه عليهم واجب، ولذلك فإنّ الشكر هو أحبّ شيء إليه، وقد فاوت بين الناس في النعمة والمرتبة، فكان من الناس الغني والفقير، والصحيح والمريض، وكثير العشيرة واليتيم الفرد، وبهذا التمايز يدرك المنعَّم غزير النعمة وفضل الاجتباء، وهو ما يستحثّ قلبه للشكر ونفسه للطاعة.
وهو سبحانه يحب لعباده أن يؤوبوا إليه تائبين مستغفرين، يقرّون له بالقلب واللسان بالعظمة والفضل، وهو سبحانه يفرح بتوبة العبد، فرحة لا تبلغ العقول قدر معرفتها.
قال رسول اللّٰه ﷺ: لو لم تذنبوا، لذهب اللّٰه بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللّٰه، فيغفر لهم .
إنّ الآفات الطبيعية التي تصيب الإنسان، كالمرض والجدب ونقص الأموال والثمرات، تنبّه اللاهي إلى نعمة العافية وفضلها،
استخراج الفضائل الخُلُقية مِن نُفُوس النَّاس
فعند الجوع والمسغبة والزلازل، تظهر معاني الشجاعة والكرم والعطاء والتآلف والتحاب.
إنّ الإنسان الذي يعيش في فسحة السعة وطراوة النعيم، يأتيه رزقه رغدًا، فلا يعرف من آلام الدنيا شيئًا، هو إنسان مخبوء في نفسه، لا يعرف من حقيقته إلاّ قشرتها، ولا يدرك من ملكاته غير طاقتي الاستهلاك والاستمتاع.
إنّ محنة اليتم، وفتنة الفقر، وقرصة الجوع، كانت حوافز أساسية في صقل مواهب المغمورين، وتنشئتهم على معاني الجد وروح الصلابة وقيم الثبات، لتصنع منهم أئمة في نحت التاريخ وكتابة الأمجاد.
إنّ نعمة إنماء الشخصيّة بتهذيبها من خلال التجارب المؤلمة هي ما يسميه الفيلسوف الثيوديسي الشهير جون هك بصناعة النفس (soul-making) باعتباره مبرّرًا منطقيًّا لوجود الشر في حياتنا؛ فالعالم المبرّأ من الألم – كما يقول هك – يحرم الإنسان من تنمية ذاته ويبقيه على نفس الصورة البسيطة التي بدأ منها؛ إذ إنّ تنمية الشخصية… لا يمكن أن تكون في واقع خامل بلا تأثير ولا خيارات
John Hick, “An Irenaean Theodicy,” in Encountering Evil: Live Options in Theodicy, ed. Stephen T. Davis (Edinburgh: John Knox Press, 1981), p.46.
والبيئة المبرّأة من الإغراء والإغواء لا تسمح لنا بأن نصف الناس أو بعضهم بالصلاح؛ ولذلك فالحياة في الخطة الإلهية طريق يصعد بالإنسان إلى ذرا المجد بالمشي على مستصعبات الأمور ومدافعة وهن النفس.
See John Hick, Evil and the God of love, New York, Harper & Row, 1966.
إنّ حقيقة الامتحان تقتضي أن يعاني المرء وخز المكاره وقيظ المفاوز حتى يثبت أنّه حقيق بأن يكون من الفائزين. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].
وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]؛ أي: نختبركم بالمكروه والمحبوب، هل تصبرون وتشكرون أو تكفرون وتعرضون، والمنحة والمحنة جميعًا بلاء؛ إذ المحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر.
الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت: دار إحياء التراث، د.ت.، 17/47.
إنّ الشر ممثَّلاً في المحن والآفات التي تصيب الإنسان في هذه الحياة هو مادة الامتحان الدنيوي الأولى؛ فلولا المكاره لما كان هناك فرق معتبر بين المجدّ والمتهاون وبين من حفد ومن تراخى.
هنا، تأتيه لسعة الألم الحارقة، كمرض أو فقد مال أو عيال، فترتاع النفس وتتألّم، وتهزّه البليّة هزًّا وترجّه رجًا لتنزع عن قلبه قشور الفتنة الرابضة على مسام الإحساس في صدره،
قال تعالى في خبر ما كان من أمر بني إسرائيل، وما كان من حالهم مع الربّ سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168].
والمتابعة بالابتلاء رحمة من اللّٰه بالعباد، وتذكير دائم لهم، ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار. وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]
قال ﷺ: ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللّٰه بها من خطاياه .
وقال ﷺ: لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى اللّٰه وما عليه من خطيئة .
ولذلك لما دخل رسول اللّٰه ﷺ على صحابية وهي ترفرف، فقال: مالك يا فلانة ترفرفين؟ قالت: الحمى، لا بارك اللّٰه فيها! قال لها: لا تسبّي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبثَ الحديد .
إشعار الإنسان بحقارة الدُّنيا، إذا أَلِف العافية وذُلِّلت له النِّعمة
قوارع الدهر الموجعة، كموت الفجأة بسبب حادث من حوادث الطبيعة، تُنبّه الإنسان إلى أنّ الحياة أتفه من أن يستجمع لها كلّ همّه؛
إنّ بعض شرور العالم ضروريّة لتنبيه الإنسان إلى حقيقة هذه الحياة؛
قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾.. والكفار هنا هم الزراع. فالكافر في اللغة هو الزارع، يكفر؛ أي: يحجب الحبة ويغطيها في التراب. ولكن اختياره هنا فيه تورية وإلماع إلى إعجاب الكفار بالحياة الدنيا! … وهي حقيقة حين يتعمق القلب في طلب الحقيقة. حقيقة لا يقصد بها القرآن العزلة عن حياة الأرض، ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي ناطها بهذا الكائن البشري. إنما يقصد بها تصحيح المقاييس الشعورية والقيم النفسية، والاستعلاء على غرور المتاع الزائل وجاذبيته المقيدة بالأرض. هذا الاستعلاء الذي كان المخاطبون بهذه السورة في حاجة إليه ليحققوا إيمانهم. والذي يحتاج إليه كل مؤمن بعقيدة، ليحقق عقيدته؛ ولو اقتضى تحقيقها أن يضحي بهذه الحياة الدنيا جميعًا . [سيد قطب، في ظلال القرآن، 6/3491.]
مِن العذاب الذي يصيب الناس في الدنيا ما هو في حقيقته عقاب من الربّ سبحانه للبشر على ذنب اجترحوه وجرم أوغلوا فيه دون عُقبى ندم وتعطّر باستغفار.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
وقال رسول اللّٰه ﷺ: إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه… .
فضل الشَّرّ في ردِّ العبد إلى ربِّه
إنّ اصطراع الإنسان مع الشرّ الذي يحيط به في عالمه، يفتح له كوّة إلى السماء ليدرك حقيقة المعبود، وليتّصل به اتّصال المحتاج الصادي.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 63].
جريان السنن الطبيعية ضمن نسق رتيب
هذه النواميس سبيل لضمان تحقيق المناخ الذي يحقق للإنسان جو الامتحان.
لا تجد في قانون كوني شرًّا إلا ويقابله خير أعظم منه.
وكتمثيل لهذا الأمر نقول: أصيب فلان من الناس بمرض خطير كان يتألّم منه تألّمًا شديدًا. نحن نقول: إنّ هذا المرض قد يكون تكفيرًا لسيئات المريض، وقد يكون امتحانًا لصبره، وقد يكون عقابًا له، وقد يكون إقعادًا له هذه الفترة عن الحركة؛ لأنه لو كان صحيحًا؛ فلربما أتى منكرًا من المنكرات التي تذهب بدينه، وربّما أصيب بالمرض تقوية لعزيمته الرخوة، لأنه مقبل على امتحانات دنيوية قادمة تحتاج صلابة، وربّما.. وربّما.. نحن لا نستطيع الجزم بحكمة واحدة محدّدة وراء مرضه، لكنّنا نقطع أنّه لا يوجد دليل عقلي يمنع وجود الحكمة من وراء مرضه، ونرى أمام أعيننا احتمالات كثيرة قد يكون واحد منها – أو أكثر – وراء هذا المرض.
وقد أجري استفتاء لمجموعة من كبار السن في لندن، وكان السؤال الموجّه إليهم: ما هي أسعد فترة في حياتك؟ . وكان جواب 60٪ منهم: فترة الحرب! ، ففي كلّ ليلة تلقي الطائرات أطنانًا من المتفجّرات على المدينة، وتحوّل المباني الهائلة إلى حطام، والآن يتذكّر الضحايا هذا الوقت باشتياق وحنين؛ فقد اكتسبوا من تلك التجربة صفات الشجاعة والتآزر والتضحية، وعرفوا معاني التآخي والتعاون. [فيليب يانسي، أين اللّٰه في وقت الألم، ص 68.]
إنّ الكثير منّا كان لا يرى حكمة في عوائق نغّصت عليه طريق النجاح وضيّقت عليه مسالك بلوغ رغائب النفس العجلة، وكان التبرّم منها أمرًا تلهج به النفس كلّ حين، ثم إذا مرّ زمن على تلك التجربة، انفتحت أمام بصيرتنا نوافذ مطلّة على الماضي؛
إنّ سهر الداجي في الظلمة المرهقة، شر بمقياس اللذة التي جبلت عليها الغرائز، لكنّه الطريق الذي لا يستغني عن سلوكه الراقي إلى ذرا المجد وعزّ العلم ونور المعرفة.
هل شُرُور الطَّبيعة دليلٌ على أنَّ هذا الكون مَعِيب؟
لا يوجد عالم من كبار علماء الكونيات اليوم ينكر وجود الحكمة الفائقة والمذهلة فيما يراه من مجموع الخلق. إنّها الحكمة القائمة على معادلات رياضية شديدة التعقيد.
إنّ ما يبدو من خلل في بعض أوجه الحياة إنما هو مقصود من مُبدع الكائنات المعقدة.
إن التصور الكلي للمنظومة الإسلامية في الموقف من حياة الإنسان على الأرض هو مفتاح فهم وجود (الشر) في العالم.
أ- يرى الملحد أنّ قدرة اللّٰه تتعارض مع عجزه عن منع الشر.
ب- يرى الملحد أنّ علم اللّٰه يتعارض مع تركه منعَ الشر.
ج- يرى الملحد أنّ رحمة اللّٰه تتعارض مع قبوله/ أو فعله الشر.
اللّٰه قد سمح بوجود الشر لأنّه يحقق غرض الامتحان، كما أنّ من الشر ما أراد اللّٰه به رحمة خلقه، كمغفرة ذنوبهم ورفع درجاتهم وتنمية ذواتهم.
شبهة عبثيّة الشر التي يعبّرون عنها بـ مجانيّة الألم (gratuitous suffering)؛ أي: الأذى الذي لا يخدم هدفًا.
وقد حمل الفيلسوف الملحد ويليام رو في الغرب لواء المنافحة عن حجيّة الشرّ المجاني لنفي وجود الخالق. وقد صدرت ردود عديدة في نقض مذهبه، وأبانت عن تهافت دعواه إبستيمولوجيًّا من أكثر من وجه.
أقصى ما بلغه فلاسفة الإلحاد في الانتصار لعالَم بلا إله رحيم.
هو مرتبط أساسًا برفع الحُجُب عن كلّ ظواهر الكون وبواطنه،
الشرّ المجانيّ في تعريف ويليام رو هو الشرّ الذي لا يقود إلى خير يوازيه أو يربو عليه.
وهذا مذهب من ينفي الإله المتعالي لصالح البشر المتأله الذي لا يعزب عن علمه شيء في الأرض.
إنّها في الحقيقة تخلط بين الشَّرّ الغامض (inscrutable evil) الذي لا يُدرِك الإنسان الحكمة من ورائه و الشَّرّ المجاني (gratuitous evil) المقطوع أنّه بلا حكمة.
الإشكال يفترض كمال العقل الإنساني وبساطة الكون، وبالتالي قدرة الإنسان على كشف حقائق كل موجود.
ينفي الاعتراض الإلحادي الحكمة من عجز العقل عن سبر كلّ حقيقة.
يرى الاعتراض الإلحادي أن ثبوت مجانية الشر مرهون بحقيقته في الحياة الدنيا دون افتراض تتمة لقصة الوجود في الآخرة.
يتجاهل الاعتراض الإلحادي مشكلة الخير المجاني.
يقوم المشكّكون، في مسلك ساذج للتهييج العاطفي، بتجميع جميع الشرور في العالم باعتبارها كتلة شر واحدة، حتى إنّ عددها يبدو للوهلة الأولى هائلاً مفزعًا؛ للإيحاء أنّ الشرور في العالم بالغة الكثرة إلى درجة بالغة المعاندة لدعوى الحكمة والرحمة في الخلق. وهذا منطق متكلّف لأنّ الصواب أن نتحدّث عن الشر الذي يصيب الفرد الواحد باعتباره محنة للإنسان كفردٍ من جنس، أمّا جمع الشرور جميعًا فإنّّه يخرج الدعوى من المعقولية إلى المبالغة والعاطفية.
فإنّ عدد الأصحاء الذين لا يعانون آلامًا تتجاوز المعدل المتوسط لتحمّل الأذى، أعظم بكثير ممن يعانون الأمراض التي تحرم الإنسان لذّة الحياة، والكوارث الطبيعية الكبيرة استثناء في الوجود لا أصل… ولو أنّنا حسبنا الأمر بالنسب المئويّة، فلا ريب أنّ نصيب الأذى سيكون بالغ الضعف.
فموت الحشرات مثلاً، بدونه تصبح حياة الإنسان مستحيلة في سنة واحدة، وافتراس الحيوانات بعضها البعض تجديد للدورة الطبيعيّة…
إنّ الوجود البشري في كليّته – كما قيل – أشبه بلوحة فسيفساء للدورة الطبيعيّة… إنّ الوجود البشري في كليّته – كما قيل – أشبه بلوحة فسيفساء تحمل صورة جميلة رائقة، لكنّ إحساسنا بهذا الجمال يزول إذا نظرنا إلى كلّ قطعة من هذه اللوحة على حدة، عندها لا تبصر العين غير أحجار مكسّرة أو زجاج غير مهذب الأطراف لا يحمل من معنى الجمال شيئًا، وكذلك هي الحياة أو بعضها إن عزلنا لحظاتها عن دفقها.
لماذا لا يُخبرنا اللّٰه بسبب كلِّ شرٍّ؟
وهو تعبير عن حاجة نفسيّة متّقدة وليس ثمرة ضرورة عقليّة. إنّه تعبير عن رغبة المبتلى في مسكّن لألمه، ورجاء بعد وجعه، وفرج بعد كربه..
أولاً: قد أخبرنا اللّٰه أنّ الشر فتنةٌ واختبار في رحلة الحياة، على وجه العموم، فليس في الحياة شيء من العبث القدري.
ثانيًا: عند التفصيل، يفقد الشر خيريته إذا كان كلّ شر ينزل بالإنسان تنزل معه وثيقة تشرح سببه وترفع غموضه وتبيّن مآله. على هذه الصورة، يفقد الشر الكثير من الحكمة التي وراءه،
فجعل بعض [الأمور] جليًّا ظاهرًا وبعضها خفيًّا ليُتوسّل بالجليّ إلى معرفة الخفي بالاجتهاد وإتعاب النفس وإعمال الفكر،
[كما أنه] لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف الخلائق لاستمر العالِم في أبّهة العلم على المرودة، وما استأنس إلى التذلّل لعزّ العبودة.
الفيلسوفة جان ماري ترو : …بما أنّه ليس بإمكاننا نفي أو إثبات وجود اللّٰه [عبر حجّة الشر المجاني]؛ فعلينا أن نثبت أولاً وجوده أو عدمه، وحتّى يتمّ ذلك؛ ليس بإمكاننا أن نعرف إن كانت هناك حالات شر مجانيّ .
Jane Mary Trau, “Fallacies in the Argument from Gratuitous Suffering,” in The New Scholasticism 60 (1986): 489.
ويسمى هذا الاستدلال أحيانًا باسم تحويلة ج. إ. مور (G. E. Moore shift) على اسم الفيلسوف الإنجليزي مور الذي نبّه لهذه الحجة.
William Hasker, The Triumph Of God Over Evil: Theodicy For A World Of Suffering, Downers Grove, Ill.: IVP Academic, 2008, p.178.
وبعبارة أخرى، نسأل: هل يعجز الإله أن يجعل وراء كلّ ما يبدو شرًّا مجانيًا، حكمة وتعويضًا؟ إن قال الملحد: إذا افترضنا وجود إله، فإنّ العقل لا يمنع من وجود هذه الحكمة وهذا التعويض للمبتلى؛ سقط اعتراضه،
المعادلة المعقولة هي:
1- الأدلّة المادية في الكون وفي التجريد العقلي قاطعة بوجود إله.
2- وجود الشرّ المجاني مجرّد فرضية بحاجة إلى بحث.
3 – يقيننا العقلي أنّ هناك إلهًا قديرًا وعليمًا ورحيمًا يقتضي أن نلزم عقولنا بالقول: إنّ هذا الإله قادر على أن يخفي وراء ما يبدو شرًّا مجانيًّا حِكَمًا وخيرًا.
4- إذن لا وجود لشرّ مجانيّ!
إنّ الصورة المنطقيّة للتفكير التصاعدي لا بدّ أن تبدأ بيقين ثابت؛
أهم تضمينات اعتراض ويليام رو ، افتراضه أنّ الإنسان يملك إدراكيًّا معرفةَ كلِّ سبب ممكن لوجود الشرّ إن وُجد إله،
Richard M. Gale, “The problem of evil,” in Chad Meister and Paul Copan, eds. Routledge Companion to Philosophy of Religion (London; New York: Routledge, 2013), p.464.
الملكات الإدراكية والخيالية للإنسان محدودة،
قضيّة الشر وعلاقته بالحكمة الإلهية لا يمكن أن تُتناول إلاّ ضمن كليّات عامة فقط.
الفيلسوف ويليام ألستون (William Alston): إنّ العقل أَسِيرُ ست معوّقات:
1- قصور المعلومات (Lack of data): وهي تبدأ من أسرار القلب البشري إلى عناصر الكون وتكوينه، وتشمل الماضي السحيق والمستقبل الآتي.
2- تعقيد أكبر من طاقة إدراكنا (Complexity greater than we can handle): الموضوع متداخل العناصر على صورة أعظم من طاقتنا على التفكيك والإدراك.
3- صعوبة تحديد ما هو ممكن أو ضروري ميتافيزيقيًّا (Difficulty of determining what is metaphysically possible or necessary): يقع خارج دائرة إدراك التفكير البشري ونحن لا نعرف عنه غير القليل مما تدلّ عليه قرائن الوجود المادي، ولا يبقى بعد المعارف المتلقاة من الوحي مصدر آخر لفهم هذا الوجود المتنائي عن إدراكنا.
4 – جهلنا بالقائمة التامة للممكنات (Ignorance of the full range of possibilities): تواجهنا هذه المشكلة عندما نبحث عن نتيجة سلبيّة (للنفي لا للإثبات)؛ فنحن مطالبون هنا باستحضار جميع الممكنات لاستنباط نتيجة من نفيها. وهي مسألة مهمة جدًّا في حديثنا عن الحكمة الإلهية من فعل اللّٰه سبحانه في خلقه مما يبدو ظاهرًا كشر محض.
5- جهلنا بالقائمة التامة للقيم (Ignorance of the full range of values): استخلاص دلالة إيجابية من الفعل البشري أو الحدث الكوني لنفي أنه شر أو النظر إليه سلبًا على أنّه شر يقتضي إدراكًا لجميع القيم الإيجابيّة أو السلبيّة التي من الممكن أن تتصل بهذا الفعل.
6- حدود ملكاتنا في شأن تقديم أحكام قِيَميّة كاملة (Limits to our capacity to make well considered value judgments): أحكام مقارنة بشأن قضايا كبرى معقّدة.
William Alston, “The Inductive Problem of Evil,” in Philosophical Perspectives 5 (1991): 59-60.
إنّ العقل الإنساني محدود الأدوات والغايات، ومن الجهل بحقيقته أن يُزعم له الكمال فيُنفخ فيه حتى يكون في حجم الكون أو يُطوى الكون كلّه ثم يحشر في بؤرة الإدراك فيه.
لا شك أنّ معارفنا المعاصرة اليوم تؤهّلنا إلى درجة أعلى من التواضع بعدما استبان حجم الترابط المعقّد لهذا العالم. وهو ما أكّدته نظرية الشواش (Chaos Theory)، خاصة في مثالها الطريف عن تأثير الفراشة (The butterfly effect) فإنّ رفرفةَ جناحِ فراشة في ريو دي جانيرو [في البرازيل]، تتضخّم بسبب التيّارات الجويّة، قد تسبّب إعصارًا في تكساس بعد أسبوعين (The fluttering of a butterfly’s wing in Rio de Janeiro, amplified by atmospheric currents, could cause a tornado in Texas a few weeks later)، كما هي عبارة ومثال مؤسّس هذه النظرية العلمية التي تؤكّد الترابط الشديد بين أحداث الكون، وأنّ الحدث الكوني الصغير مهما ضؤل، وبدا بعيدًا عن أحداث أخرى مكانًا وزمانًا، فإنّه من الممكن أن يكون بينه وبين حدث كوني هائل ترابطٌ سببيٌّ حقيقيٌّ وإن كان بطيئًا في تفاعله.
والشر بذلك ليس نتاج تطوّر خَطيّ (linear progression) وإنّما هو حصيلة شبكة بالغة التعقيد والتداخل، لا تعرف مقدماته لكثرتها وتنوّعها وتشابكها، تصنعه الأحداث الجليلة والأمور الحقيرة. وهو ما يضطرّنا إلى الإقرار بخفاء الجزء الأكبر من السلسلة السببية لما يطرأ من شر في وجودنا الكوني.
أمّا الكونيّة فهي أنّ عقل الإنسان عاجز فعلاً عن استيعاب جلّ المعادلات الماديّة الكونيّة التي تحتوي حياته، فهو لا يعرف عن قوانين الوجود إلاّ قليلها،
ومن العِبر في هذا الباب زعم التطوّريين أنّ في بدن الإنسان مئة وثمانين عضوًا بلا وظيفة، وأنّ هذه الأعضاء اللا وظيفية (vestigial) هي من بقايا المراحل التطوّرية السابقة للإنسان. وقد استمرّ هذا العدد في التناقص يومًا بعد اليوم على مدى القرن الماضي حتى قيل: إنّه قد وُجد لجميعها دور وظيفي في النشاط البدني.
Thomas F. Heinze, The Vanishing Proofs of Evolution (Ontario, Calif.: Chick Publications, 2005), pp.41-42.
ونحن هنا نميّز بين محالات العقول ومحارات العقول؛ فعجز العقل وحيرته في فهم أمر ما لعجز أصيل فيه، غيرُ نسبة الأمر إلى المحال والتناقض؛
إنّ وجود الشرّ في عالم الامتحان هو عين الحكمة.
الفيلسوف الأمريكي ويليام ب. أَلستون في مقاله الهام والشهير The Inductive Argument From Evil and the Human Cognitive Condition حيث قال: الحجّة اللاهوتيّة الإلحاديّة لإنكار وجود اللّٰه باعتماد القول بوجود الشر قد أُفسِدت بالثقة غير المبرّرة في قدرتنا على القول: إنّ اللّٰه لا يملك حججًا كافية للسماح بوجود بعض الشر الذي نراه في العالم .
William P. Alston, “The Inductive Argument From Evil and the Human Cognitive Condition,” p.35.
فمعنى الألوهيّة يقتضي في ذاته علمًا وحكمية لا تدركهما عقول المخلوقات المحبوسة ضمن جدران أدوات التفكير القاصرة عن تجاوز آفاق نظرها القريبة.
Wykstra, “The Humean Obstacle to Evidential Arguments from Suffering“, p.91.
قال ابن تيمية : والذي يجب على العبد أن يعلم أن علم اللّٰه وقدرته وحكمته ورحمته في غاية الكمال الذي لا يتصور زيادة عليها، بل كلما أمكن من الكمال الذي لا نقص فيه فهو واجب للرب تعالى. وقد يعلم بعض العباد بعض حكمته، وقد يخفى عليهم منها ما يخفى. والناس يتفاضلون في العلم بحكمته ورحمته وعدله، وكلما ازداد العبد علمًا بحقائق الأمور ازداد علمًا بحكمة اللّٰه وعدله ورحمته وقدرته، وعلم أن اللّٰه منعم عليه بالحسنات عملها وثوابها، وأن ما يصيبه من عقوبات ذنوبه فبعدل اللّٰه تعالى وأن نفس صدور الذنوب منه – وإن كان من جملة مقدورات الرب – فهو لنقص نفسه وعجزها وجهلها الذي هو من لوازمها…
لكن تفصيل حكمة الرب مما يعجز كثير من الناس عن معرفتها، ومنها ما يعجز عن معرفته جميع الخلق حتى الملائكة؛ ولهذا قالت الملائكة لما قال اللّٰه تعالى لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30] قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فتكفيهم المعرفة المجملة والإيمان العام .
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 8/513-514.
وقال ابن القيم : العقلاء قاطبة متفقون على أنّ الفاعل إذا فعل أفعالاً ظهرت فيها حكمته ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت كذلك ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه لم يسعهم غير التسليم لما عرفوا من حكمته واستقر في عقولهم منها، وردّوا منها ما جهلوه إلى محكم ما علموه. هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم… فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول، وكان نسبتها إلى حكمته أولى من نسبة عين الخفاش إلى جرم الشمس. ولو أن العالم الفاضل المبرز في علوم كثيرة أعرض على من لا يشاركه في صنعته ولا هو من أهلها وقدح في أوضاعها لخرج عن موجب العقل والعلم وعد ذلك نقصًا وسفهًا، فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين . [ابن القيم، شفاء العليل، ص438.]
إنّ التواضع الشديد لقدراتنا العقليّة أمام كمال علم اللّٰه وقدرته سبب قوي للتواضع في الحكم على ما نجهله في أمر من شأنه أن يتجاوز وعينا البشري الضيّق.
ويضع ابن الجوزي هذا الأمر في نصابه عند تدارس ما يخفى من حِكم في هذا العالم، بقوله: العقل قد عرف حكمة الخالق سبحانه وتعالى وأنه لا خلل فيها ولا نقص، فأوجبت عَليهِ هذه المعرفة التسليم لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر فِي فرع لم يجز أن نحكم عَلَى الأصل بالبطلان . [ابن الجوزي، تلبيس إبليس، تحقيق: السيد الجميلي، بيروت: دار الكتاب العربي، 1985م، ص85.]
وفي قصّة موسى عليه السلام والخضر رسالة واضحة البيان في ألا يمنح الإنسان لنفسه حقّ الكلمة الأخيرة فيما لا يعلم بواطنه مما يَظهر أنّه شرٌ لا حكمة تخالطه.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾
﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾
﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾
﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 65-82].
كشف الغطاء عن خيوط دقيقة غير مرئية تربط بين أشياء الواقع وعلائقه مما يتجاوز تفكيرنا المحدود، يظهر أنّ حكمة بالغة مشبعة بالرحمة الإلهية تكمن وراء هذا الشرّ الذي أوهمتنا عقولنا أنّه مجانيّ.
مع صُعُود الفكر الدَّارويني في عالم البيولوجيا ونفي التَّميُّز السُّلالي للإنسان، والثَّورة الإيكولوجية، وتزايد اهتمام الإنسان الغربي بإلحاق الحيوانات الأليفة بمجموع الأسرة، كالقطط والكلاب، ظهرت مشكلة ألم الحيوانات بصورة أكبر، وأضحت عنصرًا مهمًّا في الجدل الإلحادي لصالح كون بلا إله كامل القدرة والرحمة.
أ- مبادئ النَّظر في مُشكلة ألم الحيوانات
يتمثّل التحدّي الإلحادي في مشكلة ألم الحيوانات في أنّنا لا نملك أن نمدّ الحكم من الأذى الذي يطال الإنسان إليها؛ فهي لا تختبَر بالصبر على البلاء، ولا تعاقب به في الدنيا، ولا تنمّي شخصيتها به.
الأول: ليس للحيوانات نفس مقام الإنسان في المعتقد الإسلامي، فالحيوانات كلّها مخلوقة لأجل الإنسان، فليست الحكمة من وجودها غير أن تسخّر للإنسان سواء بطريق مباشر (الأكل من لحمها، والإفادة من حليبها وصوفها…) أو غير مباشر (التوازن الطبيعي عامة). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقال سبحانه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8]
الثاني: معرفتنا بنفسيّة الحيوانات محدودة جدًّا لأنّ تقدير الجانب النفسي مرتبط بالوعي الذاتي للكائن، ولذلك فعامة معرفتنا بنفسيّة العجماوات مرتبط بالظواهر الخارجية.
الثالث: من المسلّم به أنّ التركيب العصبي للحيوانات مختلف بصورة كبيرة عن نظيره في الإنسان.
Michael J. Murray, Nature Red In Tooth And Claw: Theism And The Problem Of Animal Suffering (Oxford; New York: Oxford University Press, 2008), p.42.
الرابع: تشعر الحيوانات بالألم، عضويًّا ونفسيًّا، كما هو ظاهر حالها عندما يصيبها أذى، وكما تدلّ عليه الأحاديث النبويّة التي تأمر بالإحسان إلى الحيوانات وتحذّر من إذايتها،
الخامس: تُمثّل نِسبة المشاعر الإنسانية إلى الكائنات غير البشرية نوعًا صريحًا من المغالطات، وتسمى بـ (anthropopathism)، … إذ ليس لنا أن نفترض من خلال مشاركة الحيوانات لنا شعور الألم أنّ ألمها كألمنا.
إشكالية كونه شرًّا زائدًا عن مقتضى العدل،
وبذلك يصبح السؤال مرتبطًا بكفاءات ملكاتنا البشريّة لتقدير ألم الحيوانات، وقوّته، ومدى تعارض ذلك مع كمال خيريّة اللّٰه وعدله.
ب- كيف ننشئ جدلاً حول مُشكلة ألم الحيوانات
إذا كان اللّٰه موجودًا فلا يمتنع تصوّر أنه سبحانه:
1- جعل إحساس الحيوانات بالألم أضعف من إحساس الإنسان به.
2- أعدّ بعدله للحيوانات في الدنيا تعويضًا عمّا يصيبها من أذى.
كيف يظنّ ظان أنّ ألم الحيوان مجانيّ، والرسول ﷺ يخبرنا أنّ اللّٰه سبحانه غفر لبغيِّ ذنوبها لداع واحد فقط، وهو أنّها سقت كلبًا (رواه البخاري)، كما أخبرنا الرسول ﷺ أنّ امرأة دخلت النار في هرّة لم تطعمها ولم تتركها تبحث لنفسها عن طعام (رواه البخاري)؟! والرسول ﷺ هو القائل: في كل كبد رطبة أجر (رواه البخاري)!
ويوفّر لنا العلم اليوم قرائن توحي أنّ إحساس الحيوانات بالألم أدنى من إحساسنا به. وهو ما يظهر في النقطتين التاليتين:
أولاً: التَّركيب العصبي للكائنات الحيّة
لا يلزم ضرورة من وجود جهاز عصبي عند الحيوانات، أنّ هذه الكائنات تتألّم إذا حدثت استجابة شرطيّة عند إصابتها بأذى، أو أنّ حجم استجابتها للأذى يعكس حجم تألّمها، فقد يكون شكل الاستجابة للأذى مجرّد تعبير عن انقباضات آلية لا غير، خاصة إذا كان الجهاز العصبي غير معقّد أو لا يمتد إلى أطراف كامل الأعضاء.
وقد شهد عالم الإثولوجيا (علم دراسة سلوك الحيوانات) البريطاني الشهير جين غودال (Jane Goodall) أنّ تجربة مشاهدة افتراس الحيوانات الضارية لضحاياها الحيّة تظهر أنه رغم بشاعة المنظر للرائي إلاّ أنّ الضحايا تموت بسرعة في غضون دقائق وبالتالي لا تشعر بكثير ألم.
Hugo van Lawick and Jane Goodall, Innocent Killers (Boston: Houghton Mifflin, 1971), p. 13.
ثانيًا: وعي الكائنات الحيّة بألمها
يبدو أنه ليس عند الحيوانات رؤية ذاتية بتجربتها (first-person perspective on experience)، ولذلك فلنا أن نشك في أنّها قادرة على أن تحمل وعيًا بنفسها غير متقطّع عبر مدى حياتها.
يبدو أنّ الحيوانات لا تملك القدرة على مراكمة تجربتها مع الألم لأنّها لا تفكّر في معاناتها، ولذلك فهي لا تعيش تجربة الألم على الصورة التي نعيشها.
تجربة الإنسان ليست مجرّد استرجاع للألم الماضي وإنما هي أكبر من ذلك، فالإنسان يقارن بين آلامه، وينشئ ترتيبًا بينها، وتجتمع في ذهنه تجارب الماضي وهواجس المستقبل.
خلُقيًّا: يجب أن ننظر إلى أربعة أمور عندما ندرس ألم الحيوان:
الأول: إذا كانت الحيوانات تتأذّى بغير جرم ارتكبته؛ لأنّها غير عاقلة (وغير مكلّفة)، فكذلك هي تتنعّم بغير فضل أتته. علمًا أنّ حياة الحيوان في مجملها تنعّم بالخيرات التي وهبت له من غير جهد.
الثاني: من أين للمعترض أنّ اللّٰه سبحانه لم يعوّض هذه الدواب؟ هل علم كلّ ما منحها اللّٰه من خير؟ وهل قاس النعم التي أوتيتها البهائم بالعذاب الذي يصيبها ليدرك أنّ الألم يربو على المصائب؟ هل تبيّن له أنّ اللّٰه سبحانه لا يرزق البهيمة بعد كلّ بلاء تعويضًا؟ إنّ عدم العلم ليس علمًا بالعدم!
العناية الإلهية والسُّنَن الكونية
ذهب بعض الثيوديسيين إلى أنه يحسن بالإلهيين ألا ينكروا وجود الشر المجاني، ومن هؤلاء الفيلسوف بروس لتل (Bruce Little) الذي أكّد أنه علينا أن نتخلى عن التصوّر الكلاسيكي للعناية الإلهية الدقيقة (classic meticulous providence)، لاعتقاده أنّه يلزم من القول بالعناية الدقيقة أن يتدخّل اللّٰه كلّ مرة ليخرق النواميس الكونية منعًا لوقوع الشر إذا لم يكن سينتج عنه خير أعظم أو يندفع به شر أكبر، وانتهى إلى أنّ هذا العالم سيكون عالمًا جبريًّا لا مكان فيه لحريّة الإرادة.
نحن لا نتبنّى ظاهر هذا الطرح، وإن كنّا نعتقد أنّ خلافنا معه بالأساس هو خلاف لفظي، فإنّ وصف الشرّ بالمجانيّة غير سليم إن كان في مقابل المحافظة على: (1) حريّة الإرادة التي هي شرط الاختبار الديني في هذه الحياة، و (2) السنن الكونية الطبيعية التي لا حقيقة لحريّة الإرادة بدونها. فالقول: إنّ الشرّ الذي يبدو مجانيًا هو على حقيقته مجاني لأنه ضريبة لوجود حرية الإرادة والسنن الكونية غير سليم، وإنّما الصواب القول إنّ هذا الشرّ مبرّر ؛ لأنّ السماح بوجوده مقابَلٌ بخير أعظم منه، وهو حرية الإرادة وثبات النواميس الكونية، وبذلك نلتقي مع طرح (بروس لتل).
إنّ العالم الذي تُعطّل فيه النواميس كلّ حين، حيث تتدخّل الملائكة لإنقاذ الغزلان من خطر أن تحترق وهي حيّة، وتتلاشى الكائنات المجهريّة بصورة سحريّة من على جلود الحيوانات، وتختفي الخرفان بصورة إعجازيّة من أمام الأسود… هو ما عبّر عنه سنايدر بأنّه عالم فوضى، لانتفاء العلاقات الدائمية المنتظمة بين الأحداث المتتالية؛
Daniel Howard-Snyder, “God, evil, and suffering,” in M. J. Murray, ed. Reason for the Hope Within (Grand Rapids: Eerdmans, 1999), p.95.
إنّ توفّر طبيعة الانتظام في أحداث الكون، وثبات أصل السببية، هما من أعظم شروط الحياة المعقولة والإيجابية، إذ بالانتظام تتوفر عدة أمور، أهمها:
أ- وجود الإرادة العاقلة الحرّة: الانتظام السنني يوفّر بيئة ضرورية لسلامة التفكير العقلي واستنباطاته وتوقعاته؛ إذ إنّ عالمًا بلا قانون فيزيائي مستقرّ، لا يمكن أن يقبل في إطاره ذاتًا عاقلة تريد أن تفعل، وتأمل في الفعل، وتحلم أن تجتني من فعلها ما تريد.
ب- وجود الكائن الأخلاقي: ما الخير والشرّ في عالم الفوضى العشوائية أو الخوارق المستقرة؟!
الإلزام السُّنَني.. شرط أساسي ليكون العالم مسرحاً لحياة أخلاقية .
F. R. Tennant, Philosophical Theology II (Cambridge: Cambridge University Press, 1928), pp.199-200.
ج- تنمية الذات.
د- معرفة الخالق.
الفوضى لا تورث في النفس غير الحيرة وشعور الاغتراب.
إنّ ما يبدو شرًّا مجانيًّا هو عنصر أساسي وجوهري في كمال عمل السنن الكونيّة.
فلا بدّ إذن أن يُنظر إلى الأحداث المتفرّقة ضمن نسق كوني كامل يسير ضمن منطق داخلي خاص يفقد حكمته إذا تسلّطت عليه الخوارق المكثّفة حتى يتحوّل خرقها إلى ناموس جديد خارق لناموس العادة.
إنّ الحياة الأخرى في التصوّر الإسلامي هي تتمّة لازمة للفصل الأول من الوجود البشري في الحياة الدنيا، بل هي الحياة الحقّة. قال تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
الأطفال وإن كانوا لا يتحمّلون وزر هذا الإجرام ولا يفيدهم هذا النوع من الوحشيّة المهلكة شيئًا في الدنيا، إلاّ أنّنا نعلم أنّهم في الآخرة في الجنّة متنعّمين فيها أبدًا، سواء كانوا من أبناء المسلمين أم من أبناء الكفار. [القول: إنّ أبناء الكفار في الجنة، هو مذهب جمهور العلماء، كما نقله ابن حزم.]
قال ﷺ: صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ – أَوْ قَالَ: أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ: بِيَدِهِ.. فَلَا يَتَنَاهَى – أَوْ قَالَ: فَلَا يَنْتَهِي – حَتَّى يُدْخِلَهُ اللّٰهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ (رواه مسلم).
قول الرسول ﷺ: يَوَدُّ أَهْلُ العَافِيَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ البَلاَءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ .
وكيف تستصغر عين عِظم جزاء الصبر على الفتنة والبلاء في هذه الدنيا، وقد جاءها الخبر أنّه: يُؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ وهل مرّ بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب! ما مرّ بي بؤس قط! ولا رأيت شدة قط! ؟!
والمقصود بالخير المجاني في عالم ميكانيكي أو عشوائي يسير على غير هدى هو في أضيق تعريف ممكن: كلّ خير لا يخدم وظيفة إبقاء الإنسان أو الكائنات الحيّة على قيد الحياة، أو لا يقتصر على ذلك .
من أهم مظاهر الخير المجاني الدماغ البشري .
الداروينية تقف عاجزة عن تفسير وجود عقل الشافعي و ابن حزم و إسحاق نيوتن لأنّ هذه العقول تكشف عن ملكات تتجاوز بكثير حاجات البقاء؛
وتسمّى هذه الحقيقة اصطلاحًا بـ مفارقة والاس (Wallace’s Paradox) نسبة إلى ألفرد والاس (Alfred Wallace)، وهو عالم تطوّري معاصر لتشارلز دارون ، كان قد توصّل إلى جوهر المفهوم التطوري الدارويني، غير أنّه خالف دارون في أمر الوعي الإنساني؛ إذ قرّر أنّ هذا الوعي هو نفحة إلهية ولا يقع ضمن الآلية المادية للتطوّر لأنّ التطوّر لا يملك تفسير الخير المجاني في الملكة الاستعرافية البشريّة والتي تتجاوز طلب أساسيات البقاء.
بعبارة العالم التطوّري س. أو. سميث – صاحب كتاب نحو فهم للدماغ – في مقاله مشكلة داروين التي لم تُحل : ما زالت مشكلة [داروين] الأولى بلا حل… ربّما كنّا أقرب من قبل إلى فهم كيف نشأ العالم الحي على سطح هذا الكوكب… ولكننا لسنا أقرب في الفهم من داروين بعد قرن ونصف من معرفة أمر كيفية… الوعي الحسّي .
C. U. Smith, “Darwin’s Unsolved Problem: The place of consciousness in an evolutionary world,” in Journal of the History of Neurosciences, 19: 2, 3 May 2010: 119.
ومن مظاهر الخير المجانيّة، هذا الجمال المفرح في الكائنات،
ستيوارت برجس (Stuart Burgess) – أستاذ التصميم والطبيعة ورئيس قسم الهندسة الميكانيكية في جامعة برستول: الجمال الزائد [عن الضرورة] … يمثّل حجّة قويّة جدًّا للتصميم؛ لأنّه لا يوجد سبب ميكانيكي لنشأة جمال المظهر .
Stuart Burgess, Hallmarks of Design (Epsom: Day One, revd edn, 2002), pp. 73-74.
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 5-6]، فالجمال مخلوق قصدًا لإمتاع الإنسان، مع ما في الكون من وسائل الدفء والاغتذاء، وهو ما يؤكد أنّ الجمال مخلوق لذاته، وأنه حقيقة موضوعية قائمة بنفسها بما فيها من صفات في الأشكال والألوان والإيحاء الذهني.
ومن مظاهر الجمال المنعش ريش الطاووس بتناغم ألوانه وأشكاله وبهائه الذي يستوقف البصر قسرًا، وقد كان داروين – كما يقول بلسانه في رسالة إلى أساغراي عالم النبات الأمريكي المشهور – سنة 1860م؛ أي: بعد سنة من نشر أصل الأنواع – يشعر بأزمة فكرية كلّما رأى ريش الطاووس: منظر ريش ذيل الطاووس يجعلني أشعر بالسقم كلّما أمعنت النظر فيه .
Frederick Burkhardt et al., The Correspondence of Charles Darwin (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1993), 8/140.
الاصطفاء الجنسي – إن صح كتفسير – يفسّر بقاء الأجمل ولا يفسّر ظهور الأجمل، وقضيتنا هنا ليست لِمَ عاش الطاووس الجميل؟ وإنّما لِمَ ظهر ابتداءً على هذا الشكل البديع؟ وأمّا سقوطه فيعود إلى بحث أجراه مجموعة من العلماء في اليابان رأَسهم ماريكو تكهاشي (Mariko Takahashi) من جامعة طوكيو، وأثبت بعد دراسات وأبحاث متأنيّة لسبع سنوات أنّ إناث الطاووس لا تهتم بجمال الذكور عند التزاوج،
M. Takahashi et al., in Animal Behaviour 75(4): 1209-1219, 2008.
والجمال مهيمنٌ حتى على عالم الرياضيات، وهو عالم مجرّد بصورة بحتة، وقد اعترف بسحره حتى برتراند راسل الذي أقرّ أنّ الرياضيات لا تملك بحقِّ الحقيقة فقط، وإنّما أيضًا أقصى الجمال .
Bertrand Russell, Mysticism and Logic (Dover Publications, 2013), p.47.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [لقمان: 20].
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 32-34].
ومن الطريف هنا أنّ من الملاحدة من يستدلون بالخير المجاني لإنكار وجود اللّٰه، بالقول: لماذا يكون خلق الكون بعظمته الآسرة للألباب، وجماله الآخذ بالأبصار، لأجل هذا الإنسان التافه في كرة الأرض التي لا تساوي حبة رمل في هذا الكون الفسيح؟! وكأنّهم يحسبون أنّ اللّٰه سبحانه يفتقر إذا أعطى، أو يضنّ بالعطاء لمن كان قليل الحظ من العظمة، وربّنا يقول: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32]. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64].
وهكذا هو الإلحاد، يستدلّ بالشيء وضدّه إذا أعوزه البرهان الصادق!
لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا أقلّ شرًا؟!
ليت شرور العالم كانت أقلّ، فإنّ كثرتها وقوّتها تمنعان العقل من التسليم بوجود هذا الإله!
الظاهر العقلي لهذا الاعتراض لا يخفي حقيقة أنه صرخة وجع، لا همسة عقل.
لتبسيط القضيّة، يقول بروس لِتل : لنفترض أنّنا نرمز للشرّ بحرف (أ)، فتكون درجات الألم تصاعديًّا على الشكل التالي: (أ1+) و(أ2+) و(أ3+) … وكلّما عَظُم الرقم كان الألم أشدّ. ولنفترض أنّ أقصى شرّ يتصوّره الإنسان هو (أ5+). ولذلك يطلب الإنسان أن يتمّ إلغاء (أ5+)، وهنا يتدخّل الربّ لمنع حدوث مثل هذا المستوى من الشّر في حياة الإنسان، وعندها سيكون أقصى الألم (أ4+). في هذه الحال سيعترض نفس المشكّك لأنّه يراه في ذهنه أقصى ألم متصوّر، ويرى أنّ الحكمة الإلهية تقتضي زواله.
هذا الجهاز يتكون من 14 بليون خليّة عصبيّة، ويبلغ طوله 480 ألف كيلومتر، فلو وضع على شكل خط مستقيم، للفّ الأرض 12 مرّة، كما تصل سرعة الإشارات التي يرسلها هذا الجهاز إلى 400 كيلومتر في الساعة. [محمد إسماعيل الجاويش، من عجائب الخلق في جسم الإنسان، القاهرة: الدار الذهبية، 1425ه – 2005م، ص49.]
إنّه آلة قد صممت ليكون من أهم وظائفها حماية الإنسان من أذى العالم الذي يحيط به؛ أي: تخفيف الشر الطبيعي.
إنّ الشكوى الوحيدة المشروعة التي من الممكن أن يعلنها الإنسان إزاء الألم، هي ما كان منه شديدًا لا يطاق ولا يمكن أن نفعل معه شيئًا، وهذا النوع من الألم – كما يقول الطبيب بران – لا يمثل غير 1٪ من الألم الذي نشعر به، أما الآلام الأخرى فمن الممكن علاجها بأكثر من سبيل. [فيليب يانسي، أين اللّٰه في وقت الألم، ص43.]
إنّ اللّٰه برحمته قد خفّف الألم الشديد على الإنسان بوجهين عظيمين:
الأول: إذا وصل الألم إلى درجة تفوق طاقة الإنسان على التحمّل؛ يفقد الإنسان وعيه، ويذهب معه شعوره بالألم.
الثاني: ينهي الموت آلام الإنسان، خاصة إذا أصاب الإنسان الهرم، وضعفت مناعته عن تحمّل الأمراض والأوجاع.
Peter Vardy, The Puzzle of Evil (London: Fount, 1992), p.64.
لقد استفزّت هذه الحقائق الطبيب الإنجليزي إدوارد جِنّر (Edward Jenner) مكتشف التلقيح الذي يراد به تكوين مناعة طارئة للبدن من أمراض مخصوصة، ليقول: أنا لست مندهشًا أنّ الناس ليسوا ممتنين لي، وإنما أعجب أنهم غير ممتنين للّٰه لأجل الخير الذي سخّرني كأداة لتبليغه لرفقائي من البشر! .
John Baron, The Life of Edward Jenner (London: Henry Colburn, 1888), 2/295.
الشر في حياة الإنسان هو الاستثناء. فهاهنا الرحمة والحكمة!
لماذا لا يكون هذا الشر الضروري وهميًا؟ غير مؤذٍ؟!
في هذا العالم، لن يُعين أحد أحدًا، ولن يُعان أحد من أحد. لن يتعاطف أحد مع أحد، ولن يُتعاطف مع أحد. لن يغفر أحد لأحد، ولن يُغفر لأحد من أحد. سيختفي التعاطف والتآلف بين الناس. لن يعوّض أحد أحدًا، ولن يُعوَّض أحد من أحد. لن يعجب أو يمجّد أحد أحدًا لأنه يسعى لهدف نبيل، ولن يُمجَّد أحد لذلك. لن يهب أحد من ماله أو وقته أو موهبته شيئًا للمحتاجين، ولن يُوهب أحد شيئًا من ذلك.
سونبرن : عالمٌ لُعْبَةٌ (toy world)، عالم ليس فيه شيء مهمّ حقيقة، عالم ليس بإمكان أحد فيه أن يؤذي أحدًا، عالم ليس فيه لإرادة أحد أو عمله أثر حقيقي.
Peter Vardy, The Puzzle of Evil, p.64.
الحكمة مِن الألم المؤذي في الشَّرّ
إنّ في طبيعة أوجاعنا نعمًا لو أدركنا فضلها لعلمنا قدرها ونفضنا عن رؤوسنا وهم العبث، ومنها:
Norman L. Geisler, If God, Why Evil, pp.52-55.
أولاً: الألم يحفظنا من أخطار مهلكة:
إنّ استغناءنا عن هذه الآلام يعني إطلاق يد المرض تعبث بدواخلنا دون أن ندري،
ثانياً: حتّى يكون الألم فاعلاً لا بدّ أن يكون أحيانًا فوق قدرتنا الاعتياديّة على التحمّل:
إنّ الإهمال والاستصغار لكثير من عوارض الأبدان طبعُ فينا، ولو تُركنا إلى ألم بسيط لا يهزّنا ويزعجنا، لغفلنا عن كثير من فواتك الأمراض التي تثخن في البدن وتزهق الروح.
ثالثا: حتّى يكون الألم فاعلاً لا بدّ أن يكون خارجًا عن سيطرتنا:
إنه لا قدرة للإنسان على أن يحيا معافى، بلا طبيعة التألم، ولا معنى للألم بدون طبيعة الإزعاج فيه؛
لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا من غير ألم؟!
خبرتي مع الألم… أنشأت فيّ شعورًا بالإعجاب بالألم وتقديرًا له. أنا لا أرغب في حياة من غير ألم، ولا يمكنني حتى تصوّر ذلك . الدكتور بول براند.
عندما يعطي الشَّرّ لحياتنا معنى
نحتاج أن نسأل قبل ذلك إن كنّا نطيق أن نعيش بلا معنى.
وفي هذا الجو العدمي تنبت أمراض الكآبة والإحباط وخواطر الرغبة في الانتحار.
وفي إحصائية أجرتها مؤسسة بحثية في جامعة هوبكنز مستقصية آراء 7948 طالبًا في 48 كليّة في إجابة سؤال: ما هو أهم شيء بالنسبة إليهم؟ ، كانت إجابة 16٪: تحصيل قدر أكبر من المال ، في حين اختار 78٪ القول: إن هدفهم الأول هو إيجاد هدف للحياة ومعنى لها .
Viktor Frankl, Man’s Search for Meaning (New York: Pocket Books, 1984), p.122.
وقد أسس عالم النفس فكتور فرنكل (Viktor Frankl) – صاحب الكتاب الذي بيعت منه ملايين النسخ بحث الإنسان عن معنى – والذي عاش تجربة المحرقة النازية – مذهبًا جديدًا في علم النفس سمّاه Logotherapy ؛ أي: المعالجة النفسية بالمعنى؛ إذ إنه قد اكتشف أنّ أكثر العلل النفسية في الغرب تعود إلى فقدان الإنسان معنى لحياته،
ويخبرنا فكتور فرنكل أنّ الكشف عن معنى للحياة يكون بثلاث طرق، أحدها: اتخاذ موقف من معاناة لا سبيل لتجاوزها وذلك بتحويل المأساة إلى نصر، والمأزق إلى منجز إيجابي، وحتى عندما نكون عاجزين عن تغيير الواقع، نسعى إلى تغيير أنفسنا.
Viktor Frankl, Man’s Search for Meaning (New York: Pocket Books, 1984), p.132.
لماذا لم يخلق اللّٰه عالمًا من الطَّيِّبين فقط؟
والجواب هو في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 118-119].
قال المفسّر ابن عاشور : أما تعقيبه بقوله: ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ فهو تأكيد بمضمون: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. والإشارة إلى الاختلاف المأخوذ من قوله: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾، واللام للتعليل لأنّه لما خلقهم على جِبِلّة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريدًا لمقتضى تلك الجبلّة وعالمًا به… كان الاختلاف علّة غائية لخلقهم، والعلّة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي أنها غاية الفعل . [محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، 12/189-190.]
فقد ركَز في فطرهم معرفة الحق، ثم أسلمهم إلى ما يختارون من حق وباطل؛ ولذلك ظهر الفساد والكفر (وهو أقصى الشر) من فريق منهم.
وإنّما رضي للشرّ أن يكون أحد حقائق الحياة التي على الناس أن يصطرعوا معها، فينجو من يصرعها، ويهلك من تصرعه.
لماذا لا يكون هناك عالمٌ من غير ألم؟
يقول العقاد معقبًا على معترض يقول: … وهنا نعود إلى الباب الذي نستفتح به مسالك هذه المشكلات، ونسأل أنفسنا: إذا كان الإله الذي توجد النقائص والآلام في خلقه إلهًا لا يبلغ مرتبة الكمال المطلق، فكيف يكون الإله الذي يبلغ هذه المرتبة في تصورنا وما ترتضيه عقولنا؟
… ومهما يكن من شيوع التشاؤم بين طائفة من المفكرين فليس تفسير النعمة الإلهية بترك المخلوقات في ساحة العدم تفسيرًا أقرب إلى المعقول من تفسير هذه النعم الإلهية بإنعام اللّٰه على مخلوقاته بنصيب من الوجود يبلغون به مبلغهم من الكمال المستطاع لكل مخلوق.
وليس الشر إذًا مشكلة كونية ولا مشكلة عقلية إذا أردنا بالمشكلة أنها شيء متناقض عَصِيٌّ على الفهم والإدراك، ولكنه في حقيقته مشكلة الهوى الإنساني الذي يرفض الألم ويتمنى أن يكون شعوره بالسرور غالبًا على طبائع الأمور.
عباس العقاد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص8-11.
ماذا لو كانت الطَّبيعة غير مؤذية؟!
ما العالم بلا موت؟ هل تطيق أنفسنا أن نحيا على الأرض بلا نهاية؟
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71].
عالم الملحد المعترض ليس كاملاً
إنّ المدينة الفاضلة للملحد هي عالم بلا فرح؛ لأنها بلا حزن، وهي عالم بلا نجاح؛ لأنها عالم بلا فشل؛
قال العقاد في عبارة ماتعة شفّافة تفضح شقاوة العالم الذي صنعه الملحد في أحلامه السكرى: … عالمهم المتخيل هو عالم لا حرمان فيه. فلا ينتظر فيه الحي شيئًا يجيء به الغد ولا يشتاق اليوم إلى مجهول. … هو عالم لا ظلم فيه، فلا فضيلة ولا رذيلة؛ لأنّ الفاضل هو الإنسان الذي يعمل الخير ولو شقي به ويتجنب الشر ولو طابَ لهُ مثواه.
العقاد، اللّٰه، كتاب في نشأة العقيدة الإلهية، بيروت: المكتبة العصرية، د.ت.، ص225-227.
الجواب الإِلحادي، مُسَكِّنٌ ومُؤَزِّمٌ
القول: إنّ وجود الشرور في العالم دليل على عدم وجود إله، هو حل للإشكال سهل، شديد السهولة؛ … وهو أيضًا يقدّم حلًّا كارثيًّا لا يمكن أن يرضي وجدان الإنسان ولا أن يروي أعماق نفسه المتعطشة لنموذج العدل؛ إذ الإلحاد يجعل الشرور التي في هذه الدنيا بلا عاقبة، ينجو الشرير من شروره، ويمنع المحسن من الجزاء، ولا ينتصف للمظلوم.
إنّ الحياة كما هي في عيني الملحد، بحلوها ومرّها، أعظم إيلامًا من الشرور في عيني المؤمن،
والحقيقة هي أنّ الحديث عن معنى الحياة، هو من صميم الكلام العقلي، كما أنّ عاطفة الإنسان ليست كيانًا أصمّ، وإنّما هي تحمل في ذاتها روحًا ذكيّة الإدراك.
المسلم يستمد من موقف الفراق هذا ثقة أكبر بعقيدته التي منحته الأمل الكبير بالبعث والنشور والحساب، وبدينه الذي علّمه دائمًا أن الموت ليس سوى نقلة،
وفرق وأي فرق بين إنسان مؤمن يرجع من المقبرة وهو يحمل أملاً كبيرًا وبين إنسان ملحد يخنقه المشهد المحزن ويزيده كآبة وضياعًا..
عماد الدين خليل، آفاق قرآنية، بيروت: دار الكتب العلمية، 1982م، ص291-295.
إن الإسلام، ذلك الدين القيّم يمنحنا الجواب في كلتا الحالتين.. ولو لم يكن الدين سوى هذا الجواب لكان في ذلك وحده الدافع الأكبر لالتزامه، ومعايشته، وتعشّقه، والتشبث به حتى آخر لحظة من حياتنا التي يعلمنا الإيمان أنها لن تنقطع، ولن تزول، ولن يضيع حق من حقوقها بالصدفة أو العبث أو الفوضى…
وأخيرًا، إنّ البحث عن جواب للتساؤل عن مشكلة الشر نابع في الحقيقة من إيجابيّة الإيمان بإله والإحساس العميق بغائية كل ما يحيط بنا. إنّ سؤال الشر هو طلب لإكمال تناسق الصورة الكبرى للوجود، وليس في حقيقته كشفًا للا غائية الوجود.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: 44].
خلاصة التصوّر الثيوديسي لهذا الكتاب في سياق الجدل الإيماني – الإلحادي، والذي سمّيناه ثيوديسيا الحِكَم التكاملية ، أوجز الكلام في النقاط المعتصرة التالية:
1- أهم ما يفسّر الشر في عالمنا، بما في ذلك الشر المجاني، الاختبار الإلهي، وحرية الإرادة، والحاجة إلى قوانين كونية مستقرة، وإشعار الإنسان بقيمة النعمة وحقيقتها، ومعرفة حقارة الدنيا وضآلتها.
2- حياتنا الدنيا جزء من قصّة أطول، وبترها عن الآخرة يفقدها ضرورة دلالتها على الحكمة الإلهية الكبرى من إيجادها على السنن التي نعرفها.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۖ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: 43-45].
الحمد لله ربّ العالمين الذي بنعمته تتمّ الصَّالحات
