بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
الإجابة القرآنية
كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟
تأليف: د. مُهاب السَّعيد
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]
الفهرس:
اختبار مفتوح في كتاب واحد (هي مُجرَّد مُقدِّمة)
تفاصيل وأسرار (هي في الحقيقة مُقدِّمة ثانية ولكنِّي أدَّعي العكس)
حين يَخبُرُكَ الإله (هي في الواقع مُقدِّمة ثالثة ولكنِّي أحاول خداعك)
عن أسئلتك الوجودية (كنتُ أود مُصارحتك أنَّها مُقدِّمة رابعة، ولكنِّي أثرتُ مللك للأسف)
السؤال المُندَسّ (عن سؤال: هل يوجد إله؟)
2. وُجُود الأشياء بالطَّريقة التي هي عليها
السُّؤال الخطأ (عن سؤال: مَن خلق الله؟ وعن صِفات الله، وأشياء شبيهة)
الذين رسبوا في اختبار الخطّ (عن سُؤال: هل هُناك غاية مِن الخلق؟)
الحاسَّة الأولى (عن سُؤال: لماذا يكون الإيمان بالغيب؟)
آلهة خُرافِيَّة (عن سُؤال الوحدانية)
التَّشخيص، مُجرَّد غُرُور (عن سُؤال: لماذا خلقنا اللّٰه لعبادته وهو لا يحتاجها؟)
مُغْمِضُو الجُفُون في القِطار السَّريع (عن أسئلة البَعْث واليوم الآخر)
سُبُّوح! (عن سُؤال وُجُود الشُّرُور والآلام في الدُّنيا)
2. عن الدُّنيا التي لا تستحِقّ
6. عن الصَّبر الذي لا مفَرّ منه
7. عن السَّعادة التي هي أعقد ممَّا نظُنّ
8. عن الشَّرّ الذي هو ليس كذلك
11. عن ضريبة الحُرِّيَّة البشريَّة
12. عن الدِّين الذي يحمينا من الشَّرّ
١٣. عن مُشكلة الشَّرّ عند المُلحد
١٤. عن ثُنائية الوُجُود الأزليّة
الطَّريقة! (عن النُّبُوَّات والوحي والرِّسالة)
المُخدِّر الأنيق (عن العِلْم التَّجريبيّ)
العَدْل الإلهيّ (عن قِيام الحُجَّة ووُجُود العذاب في الآخرة)
أخطر أنواع الطَّمأنينة (عن اختلاف الأديان)
المَثَل الصِّينيّ (هي مُجرَّد خاتمة)
اختبار مفتوح في كتاب واحد (هي مُجرَّد مُقدِّمة)
في تراثنا الإسلامي هناك نماذج أشد غرابة، فلدينا مثلًا كتاب صحيح البخاري الذي وقع في غرامه الكثير من المحققين الأوائل للدرجة التي تجعلهم يكررونه عشرات المرات، حتى كرره (سليمان بن إبراهيم اليمني) 150 مرة، وكرره (أبو بكر بن عطية) 700 مرة!
هؤلاء وأولئك من محبي الكتاب الواحد قد اختاروا طواعيةً ألا يلتفتوا للكثير من الكتب، وآمنوا من داخلهم أنه ليس كل ما هو مكتوب فهو جدير بالقراءة، تلك القاعدة التي نتعلمها نحن بالطريقة الصعبة حين نفني الكثير من أعمارنا في قراءة الهراء.
وعلى ذكر (ميكي)، عليك أن تتذكر أيضًا أن (هوي ودوي ولوي) – أو (سوسو ولولو وتوتو) كما نعرفهم نحن في مصر – كانوا يملكون كتاب (الكشّافة) الذي يحوي كل شيء وكل سر في الحياة، من جديد فإن ثقافة الكتاب الواحد تتكرر في الوعي الإنساني بأبسط صور هذا الوعي: قصص الأطفال!
عند هذا التفاوت الكبير في الاختيار يتحول الأمر من عملية (ذوق) و(اجتهاد) إلى عملية (صواب وخطأ)، الأمر لم يعد راجعًا إليك في تحديد كتابك الواحد الذي ترغب فيه، الأمر صار اختبارًا لك عمّا إذا كنت ستنجح في اختيارك لهذا الكتاب تحديدًا أم لا.
القرآن ليس فقط الاختيار الصائب لكتابك الواحد ولكنه المفترض أن يكون هو الاختيار الوحيد! فلو كان هناك كتابٌ يغني عن بقية الكتب فهو قطعًا هذا الكتاب المعجز: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: 51].
لم يقل القرآن أنه سوف يغنيك عن كتب الهندسة والرياضيات والعلوم الطبية، أو أنك لو أطلت التأمل فيه قليلا وكنت على قدر جيد من الطهارة فسوف تلمح فيه أسرار الحضارة البشرية!
القرآن دائم التذكير لنا على أن مهمته هي هداية الناس، وإنارة طريقهم الوعر المليء بالمزالق، وإيصالك إلى رب البريّة جل جلاله، ووضع الضوابط والقواعد التي يريد لنا اللّٰه أن نتعايش ونتحاكم بها. بينما تفاصيل الدنيا وكيفية تيسيرها، فأنتم أعلم بشئون دنياكم! .
ولكني أتحدث عن نوعية الأسئلة الوجودية التي تتعلق بفهمنا للواقع الذي وجدنا أنفسنا فيه فجأة!
هذا يذكرنا بإحدى رباعيّات (صلاح جاهين)، المكتوبة بالعامية المصرية:
نظرت في الملكوت كتير وانشغلت. وبكل كلمة (ليه؟) و(عشانيه؟) سألت. أسأل سؤال، الرد يرجع سؤال. وأخرج وحيرتي أشد مما دخلت. وعجبي!
هذا الاختبار هو أقرب لنوع الاختبار المفتوح، حيث يمكنك أن تدخل إلى لجنة الامتحان بكل ما تشاء من الكتب والمراجع والملخّصات. ذلك النوع من الاختبارات الذي يهدف إلى اختبار فهم الطالب للمعلومة وكيفية تطبيقه لها على الواقع، وليس قدرته على الحفظ والاسترجاع.
على أن هذا النوع من الاختبارات ليس جنة للطالب، فبحسب دراسة أعدتها جامعة (نيو ساوث ويلز) في أستراليا: (UNSW)، فإن أكبر الأفكار الخاطئة التي يحملها الطلاب نحو الاختبار المفتوح هو أنهم ليس عليهم الاستذكار له، وأنه قطعة من الكعك في السهولة. بينما الأمر ليس كذلك على الإطلاق!
أوضحت الدراسة أيضًا أن الطلاب الذين لا يستذكرون قبل الاختبار المفتوح يعانون من مشكلة متكررة وهي عدم قدرتهم على إيجاد المعلومة داخل الكتاب أصلا.
المسألة بسيطة. أنت بالفعل لا تحتاج إلى أن تحفظ الكتاب عن ظهر قلب، ولكنك تحتاج كي تصل إلى ما تريده منه أن تفهمه فهمًا كاملًا وأن تكون قراءتك فيه متكررة وواعية ودقيقة. فبالرغم من أنك لن تحتاج إلا إلى كتاب واحد، إلا أن تناولك لهذا الكتاب يجب أن يكون مختلفًا حتى تحصل منه على كل أجوبة أسئلتك.
تفاصيل وأسرار (هي في الحقيقة مُقدِّمة ثانية ولكنِّي أدَّعي العكس)
مما ذُكرَ لنا في القرآن من ميزاتها هي أنها تحوي تفاصيل كل شيء، كما قال جل جلاله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 145].
لقد بَقِيَت ألواح التوراة كاملة مع موسى عليه السلام، وكانت تحوي تفاصيل كل شيء بالفعل كما ذكر القرآن، ولكن ليس بالمعنى المتبادر للذهن من كلمة (كل شيء)، بل المقصود كل ما ينفع بني إسرائيل من المواعظ والأحكام!
على هذا المعنى فالقرآن الذي بين أيدينا يحوي كل شيء أيضًا، بل وأكمل وأنفع.
القرآن يعلمنا إذن أن نحرص على ما ينفعنا، وأن اللّٰه يحب من الأمور معاليها ويكره سفاسفها، وأنه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه!
بل ويمكنك أن تزور أصغر قرية من قرى بلدكم لتقابل الأطفال الذين لا يعرفون بعد كيف يقسمون بالعدل أربع برتقالات على اثنين، وبرغم ذلك يحفظون هذا الكتاب المعجز عن ظهر قلب، لا يتعثر لسانهم ولا تتداخل حروفه ولا تشتبه آياته على عقولهم التي لما تنضج بعد! وهذا لأنه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]!
واستقى ابن رشد منهجه الاستدلالي القائم على (التدرج السلس في البراهين) من القرآن، وكان يقول عنه أنه لا يعدل بهذا المنهج الاستدلالي شيئًا.
فبالرغم من أنه كتاب لا يدخله الشك أو الريبة أو الاستثناءات إلا أنه لا ينتفع به حقًا أو يهتدي إلا من يستحق: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]. فالانتفاع (الكامل) بكتاب اللّٰه سبحانه وتعالى لا يكون إلا للمؤمنين به جل جلاله.
على سبيل المثال تكثر في القرآن قصص الأنبياء التي لن ينتفع بها أحد بطبيعة الحال بقدر ما ينتفع المؤمنون، حينها يستطيعون أن يفهموا سنن اللّٰه سبحانه وتعالى المبثوثة في هذا التاريخ المحفوظ في كتابهم المطهَّر. لذلك انظر إلى تخصيص المؤمنين بالنفع من القصص القرآني في آخر هذه الآية: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120].
بالمثل فإن اللّٰه سبحانه وتعالى قد وصف هذا القرآن بأنه شفاء، فقال جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57]. والمريض هو أولى الناس باستخدام الترياق، فلا تخبرني أن الكافر لن ينتفع به، بل الحقيقة أنه لا يوجد ما هو أكثر نفعًا له من هذا الترياق، فكل ما سواه سيكون أقل منه، أنقص منه، أضعف بما لا يقاس، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50]. أي: بأي شيء آخر تراهم ينتفعون بعد هذا القرآن؟؟ الإجابة: لا شيء!
لذلك فلا عجب من أن نجد أن مهمة النبي ﷺ الدعوية تكاد تكون اقتصرت على تلاوة القرآن وتبيينه للناس! ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: 91-92].
إلا أن حجة اللّٰه سبحانه وتعالى على عباده لا تقوم بمجرد وصول الألفاظ المجردة، ولكن بفهمها أيضًا.
تقول لي: يجب أن نتحدث مع الملحد أو الحائر بالأدلة العقلية وبالمنطق والحجة. وأنا أوافق على ذلك تمامًا. كل ما في الأمر أنني وجدت أن القرآن منجم خصب مليء بكل هذه الأشياء المباركة.
سيبقى ما في القرآن حجة عقلية كاملة عليه هو أيضًا، وستبقى حجج القرآن العقلية مطلقة القوة والجلاء، يختبر اللّٰه سبحانه وتعالى بها العباد، أيهم يستمع الهدى فيتبعه، وأيهم يتبع هواه! ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18].
حين يَخبُرُكَ الإله (هي في الواقع مُقدِّمة ثالثة ولكنِّي أحاول خداعك)
أن تجد من يعبر عما بداخلك تمامًا أو يفهم ما تريد قوله، هذا هو الغرض الحقيقي لكل قارئ للأدب في العالم.
يأتي النص القرآني ليخاطب شخصية الإنسان المادية / تجريديّة بشكل متزامن مترابط بديع!
كما يقول مثلا جل جلاله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 32-34]. جعلتك الآية تفكر في أن جريان السفن بفعل الريح هو ما جعلك تعبر طرفي الأطلسي في أمان وسرعة، هناك قائمة كبيرة من القوانين الفيزيائية المادية تمامًا تفكر فيها الآن!
أنت حينها شعرت بتعظيم اللّٰه عز وجل، تعظيم قدرته على خلق كل هذا الكون المتوازن، تعظيم ربوبيته الذي جعل الطبيعة تنحني رغمًا عنها بالقوانين التي افترضها خالقها عليها، وتعظيم حكمته حين خلق الأشياء فأحب أن يجعل لكل شيء منها سببًا!
وقبل أن تنتهي الآيات تنبّه الجزء العاطفي بداخلك أن اللّٰه الذي خلق هذه الأشياء وأجرى هذه القوانين، قادر تمامًا على إيقاف كل هذه القوانين وتعطيلها أو عكسها، أو أن يُجري عليها لائحة أخرى من القوانين التي لن تكون في صالحك. فتظل راكدًا على ظهر البحر، أو تغرق إلى القاع بسبب ذنوبك التي ما تبت منها ولا استغفرت.
لا توجد إعلانات تليفزيونية لسيارة (اللامبورجيني)، وذلك لأن هؤلاء الذين يستطيعون أن يتحملوا ثمنها لا يجلسون أمام التلفاز!
فكرتُ في هذا حين لاحظت أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد أنزل القرآن على البدوي العربي القابع في صحرائه فلم يقل له: لعلمك هناك مجرة وهناك ذرّة، ولكنك لا تدري! هناك عالم خفي تمامًا عنك، هناك معجزات في الخلق لا يمكنك أن تتخيلها!
لا، لا يحتاج الإله حين يتكلم إلى هذا! يستطيع أن يبهر هذا العربي تمامًا من واقع صحرائه وأنعامه وخيامه، لا يحتاج إلى أن ينظر إلى ما وراء زمنه وكأنه لا توجد معجزات كافية في زمنه! لا يحتاج إلى أن يقدّر قدرة اللّٰه في مخلوقات بعيدة تمامًا عنه مكانًا وزمانًا، وكأن ما خلقه اللّٰه من حوله غير كاف!
يعتاد الناس على المعجزات كما يعتادون على النعم. نرى سقوط شهاب من السماء أمرًا مثيرًا، ولكننا لا نلحظ أن بقاء القمر في صفحة السماء دائمًا هو أشد إثارة! لذلك تجد الكثير من عبارات القرآن تذكرنا بالآيات المعتادة: الشمس، القمر، الليل، النهار، ماء المطر، تربة الأرض، أو جمال حُمرة طلع النخيل!
لذلك كان ما قاله اللّٰه جل جلاله لهذا العربي القديم: فقط، انظر بجانبك! ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20].
وحين أراد اللّٰه جل جلاله أن يجعله يعتبر بمن سبقه لم يقص عليه القصص التي لا ندري عنها شيئًا والخاصة بالأنبياء الذين أرسلوا إلى أستراليا أو النبي الذي بُعثَ في الهنود الحمر. بل حدّثه عن القوم الذين كانوا يسكنون المساكن التي يسكنها الآن، الذين تبلغ ديارهم مسافة عدة أيام من داره، الذين يمر على آثارهم في أسفاره: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: 133-138]. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45].
على سبيل المثال اقرأ قول اللّٰه جل جلاله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104]. لا بد أنك تخيّلت ناطحات سحاب نيويورك ومصانع طوكيو وجامعات هارفارد وكامبريدج وكل رموز الحضارة المادية الحالية، وهي تُطوى بعد أن دُمّرت! والهاتف الذكي ذا السبعة آلاف،
خذ عندك مثالًا آخر، في قول اللّٰه جل جلاله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: 31]. يتكلم اللّٰه سبحانه وتعالى عن الحال التي صار عليها قوم ثمود بعد ما أنزل اللّٰه عليهم العذاب. صاروا مثل بقايا الحشائش الجافة التي تهشمت من دهس أقدام الراعي لها حين احتظر ماشيته في المكان! صورة رمزيّة فائقة الجمال تجعلك في كل مرة تدوس فيها على حشائش جافة أن تتذكر ثمود الذين جابوا الصخر بالواد!
كِمثال ثالث، تأمل قِول اللّٰه جل جلاله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 31-32].
لا تحاول إقناعي أن عقلك الآن لا يحوي صورة ابن آدم المسجى على الأرض بدمائه وبجانبه أخيه يبكي على صخرة مغطيًا وجهه في ندم، ثم يقوم ويحاول أن يقلد الغراب في دفنه لأول قتيل في تاريخ البشريّة، بينما تتجلى في الأفق الآية الكريمة التي تخبرك أن من قتل نفسًا فكأنما قتل كل الناس! هذه صورة ذهنيّة رمزيّة قويّة للغاية، اختزلت عدة صفحات في علوم النفس والاجتماع والقيم، تشرّبها ذهنك بسهولة ويسر حينما تكلم الإله!
ولكن في حالة القران فإنه بالفعل يقرؤك. إذ إنه كلمة من قام بإنشائك. إنه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 13-14].
في قول اللّٰه جل جلاله: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 173]. يتحدث اللّٰه سبحانه وتعالى عن الشبهة التي سيرددها بنو آدم يوم القيامة لو لم يكن قد أخذ اللّٰه عليهم الميثاق، كانوا سيقولون لقد وُلدنا على الشرك، آباؤنا هم المخطئون وليس نحن!
تشعر أنه لم يكن سيخطر على ذهنهم أن يصيغوها بهذه الصيغة، هذه صياغة ممتازة جدًا، كما يريد الكافر صاحب هذه الشبهة أن يقولها تمامًا. ثم تُفاجأ بأن هذه الشبهة ذات الصياغة الممتازة ليست فقط مردودة يوم القيامة، ولكنها مردودة في الدنيا وفي الكتاب الذي بين يديك نفسه، أي أنها أفضل ما يمكنهم قوله من شبهات، وهي خائبة تمامًا ولا تصمد أمام حجة اللّٰه القائمة عليهم.
ويقول اللّٰه جل جلاله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: 47]. حينها لا تتساءل عمّا هو أكبر من ذلك، تقلبات الأمم، ونزوات الأفراد، وغلبات الشهوات، وتضرعات الليل. كل ذلك كان أظهر وأسهل في أن يعمله اللّٰه سبحانه وتعالى من علمه لتلك الثمرات التي تخرج من قشرتها!
الحالة الواقعية التي تخبُرُها الآن مميزة تمامًا تجعلك تفصل بين الحلم واليقظة، بين المرض والصحة. هي الأساس الواقعي الذي تقيس عليه كل ما سواه إن كان واقعيًا أم لا.
فالقرآن كما اعتدنا يفهمك وتفهمه حين يقول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]. أي أن ما نعدكم به من الحياة الآخرة، لا شك فيه، سيكون الأمر حقيقيًا تمامًا وواقعيًا بشدة كمثل يقينكم في أنكم تنطقون الآن وتتكلمون!
مثلما كان (علي عزت بيجوفيتش) يقول: لو قرأنا شرحًا للوحة، سنلاحظ مفارقة غريبة: شرح معقد وعقلاني للغاية في مقابل بساطة اللوحة وسذاجتها أحيانًا. لا يمكن تفسير أي لوحة، والطريقة الوحيدة لفهم أي لوحة هي أن نشاهدها .
لكنك بالطبع لا تسكن في مدينة ساحليّة لأن الحياة ليست بهذا السخاء، وعلى الأرجح تقرأ هذا الكلام في الشتاء، لذلك انس كل شيء قلته!
حين تقرأ القرآن فإنك تجد تأرجحًا دائمًا في حالتك الشعوريّة بين الإحساس بالتهديد والاطمئنان. هذا التأرجح الشعوري يصفه اللّٰه سبحانه وتعالى في كتابه فيقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: 43-56].
أنت في هذه الحالة لا يغلب عليك اليأس العدمي (النيتشوي) إياه، ولا يغلب عليك المرح البوهيمي المنحل، أنت تشعر بالخوف من أن تضيع حياتك في الاتجاه الخاطئ، وتشعر بالأمل لكونك تدرك أن هناك أصلا اتجاه صحيح.
كمثال على ذلِك دعونا نتأمل هذه الآيات: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: 1-17].
بدأت الآيات باستنكار سؤالهم عن البعث، ثم مرت على بعض ملامح الخلق في الكون ثم انتهت بالتأكيد على البعث! ما العلاقة؟! إنها الثنائية الداعمة التي تخبرك أنه لكي تؤمن بوجود غيب لا تراه، لكي تؤمن بوجود شيء لا تدركه الآن، لكي تستدل على حدوث أمر جلل أنت لا تتخيل كيفية حدوثه. فعليك إذن أن تأخذ جولة في هذا الكون الفسيح لتتأمل في رفاهية الأرض وصلاحيتها للحياة، وفي تشييد الجبال ووظيفتها المحكمة، وفي الطريقة التي اختارها اللّٰه سبحانه وتعالى لبقاء النسل، والطريقة التي اختارها لتجديد الطاقة الإنسانية، والطريقة التي اختارها لتقسيم الزمان وتوزيع الأدوار عليها، وفي السماوات البعيدة، والشمس المانحة للحياة، والسحاب المحمّل بالرزق، والأرض الموزّعة للطعام، والمناظر البهيجة للجنات الملتفة.
هل انتهيت من جولتك؟؟
إذن أخبرنا، هل الذي فعل كل هذا يعجز عن البعث؟! لا، إذن فالبعث في أقل أحواله أنه مُحتمل. ثم أخبرنا، هل يمكن أن يكون كل هذا من قبيل العبث وتزجية الفراغ والعياذ بالله؟! لا، إذن فالبعث منطقي ومفهوم، وغير مُستغرَب إلى هذا الحد.
في موقع الإنسان من الإله، ربما تكون كلمة جولدا مائير هي الأنسب: أنت لست هامًّا أصلا كي تتواضع! لذا فحين تقرأ القرآن تشعر بحديث استعلائي استغنائي من الدرجة الأولى!
ظهر هذا الخطاب، الاستعلائي في بعض آية موجزة: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153].
يظهر أيضًا في نبرة الاستغناء الواضحة والمتكررة في هذا الكتاب، فيقول مثلًا جل جلاله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: 107]. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
هذا منطقي إذ إننا أقل من الهباء في ملكوت الرب، لا يكاد يبالي بنا: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77]!
على أن أكبر ما يظهر فيه العلوّ من كلام الكبير المتعال أن في بعض الآيات تشعر أنه لا يمكن إلا أن يكون صادرًا إلا من عند ملك الأكوان! حين تسمع مثلا قول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: 12-13].
المتعال يتحدث عنها باعتبارها أشياء منكسرة لسيدها، تعظّمه وتخاف منه وتصطف مع باقي جنوده ساعية في خدمة وإمرار إرادته.
أنا أتحدث عن نقطة معينة: كيف حين تحدث القرآن أثبت لنا أنه يفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا، وأنه أنسب من يمكن أن يجيبنا عن أسئلتنا الوجودية.
عن أسئلتك الوجودية (كنتُ أود مُصارحتك أنَّها مُقدِّمة رابعة، ولكنِّي أثرتُ مللك للأسف)
إننا نبكي عندما نولد، لا عندما نموت كذا قال الأمريكي (توماس بيلي ألدريتش) معبرًا عن معاناة الوجود وعذابات الأسئلة وضيق سجن الحيرة.
عاد فولتير للكاهن البرهمي فقال له: ألا تشعر بالخجل لتكون في كل هذا الشقاء، وجارتك العجوز قد أراحت نفسها مما أنت فيه؟ قال له: لقد قلت لنفسي أكثر من مرة إني لو كنت جاهلا كجارتي العجوز لكنتُ سعيدًا، ومع ذلك فإن مثل هذه السعادة الغافلة لا أرغب فيها !
ما الوجود؟ هذا هو السؤال الوجودي الأول، ومنه انبثقت بقية أسئلة الميتافيزيقا. ما الإنسان؟ ما موقعه من هذا العالم؟ هل هو حر؟ هل يوجد له خالق؟ ماذا يريد هذا الخالق؟ ما الأخلاق؟ وما الخير والشر؟ وماذا يا ترى يوجد بعد الموت؟
وهل كان هذا هو ما يقصده (أليستر ماكجراث) حين قال: إذا كان الإلحاد الجديد يريد تفعيل جدل حول الدين، فقد نجح يقينًا. فجأة أصبح الجميع يريد التحدث عن الله! ؟ أو هل هذا ما كان يقصده داعية الإلحاد العجوز (ريتشارد دوكنز) حين تحدث عن القطط التي لم تمثل قطيعًا بعد ولكن أعدادًا معقولة منها تستطيع أن تصدر ضوضاء مزعجة لا يمكن تجاهلها؟!
والسؤال الأهم من كل ذلك، هو السؤال الذي طرحه الأستاذ (عبد الله الشهري): لو كنا حقًا أبناء الطبيعة الخلص، هل كان سيفتقر خيار الإلحاد إلى مكابدة، أم سيكون فطرة؟ وهل كنا سنجد في طرد فكرة الإيمان أدنى عناء، أم سيكون سليقة؟
القران يعدك بنهاية حيرتك الإنسانية، بقبس النور الذي سوف يطل على مدقات روحك المظلمة، بجذوة النار التي سوف تلتهم زوائدك الفكرية، يعدك بأن تصبح في حكمة الكاهن البرهمي، وسعادة المرأة العجوز!
يبقى لنا أن أريك بعض هذه الأسئلة وكيف أجاب القرآن عنها.
هل اللّٰه موجود؟ كيف لنا أن نتأكد من ذلك؟ ومن أوجده إذن؟ كيف نستوعب صفاته الكاملة المثيرة للعجب؟ ولماذا تسلّم أنه إله معبود؟ أليس من الممكن أن يكون خالقًا وفقط، تركنا بعد أن أوجدنا ولم يتصل بنا قط؟
إن رفضت تلك الفكرة، فأخبرني إذن لماذا لا يظهر لنا؟! لماذا عليّ أن أؤمن به وهو في غيب عني؟ لماذا لا تكون الآيات التي أنزلها قاطعة ساحرة لا يكفر بها أحد؟ وهل هو واحد أم ثلاثة أم أكثر من ذلك؟ تقول: واحد، لماذا بالضرورة تجزم بذلك؟
بل وقبل ذلك كله: لماذا خلقنا أصلًا؟ لنعبده، وهل يحتاج لعبادتنا؟ ليختبرنا، وهل يهمه نتيجة اختبارنا؟
وعلى ذكر الاختبار، لما يفشل أحدنا في الاختبار، هل هو من أراد له أن يفشل أم أن هذا الفاشل هو من اختار؟ وما أدرانا بأنه يوجد يومٌ للنتيجة؟ لماذا تجزم بكل هذه الجرأة بأن هناك يومًا سنُبعث فيه؟ الأنبياء قالوا لنا، جيد أنك طرحت هذه النقطة، من أدراك بصدق هؤلاء الأنبياء؟
وعلى الأخص من أدراك بصدق النبي محمد ﷺ؟
وإن أنهيت كل ما سبق من أسئلة فعليك أن تجيبني عن وجود الشرور في الدنيا. هل اللّٰه يقدر أن يمنعها؟ لماذا لا يفعل إذن؟! أليس أرحم بنا من أمهاتنا؟ وهل هناك عدل في توزيع الأرزاق في الدنيا؟
بل هل هناك عدل في وصول حجته إلى كل العباد؟ لماذا يوجد عذاب في الآخرة؟ ولماذا هو بكل هذه الشناعة والأبديّة؟ ألا يعد ذلك ظلمًا؟! أن يتم تعذيب الكافر لأنه وُلد على دين آخر؟ لماذا لا تسلم بصحة أي دين غير الإسلام؟ ولماذا سمح الإله بكل هذا التفرق والتنوع في الأديان؟
على أني في النهاية لن أدعك أيضًا إلا بأن أسألك عن النتائج العلمية الأخيرة؟ تزعم أن القرآن به كل شيء، فأخبرني عن نظرية التطور والانفجار الكبير العشوائي. لماذا لا يكون هذا هو التفسير الأصوب للحياة؟ وبعد أن فسر لنا العلم معظم أسباب الظواهر المعروفة، لماذا ما زلت تحتاج إلى إله؟!
أسئلة كثيرة هي! فلنبدأ إذن دون إبطاء.
السؤال المُندَسّ (عن سؤال: هل يوجد إله؟)
على أن هناك بضعة أسئلة لم أفهم لماذا تم اعتبارها غبية، وهذا كان لأني لست على علم بموضوع هذه الأسئلة، مثلا كان هناك سؤال: ما المسافة بين ميامي وفلوريدا؟؟ لم أفهم لماذا يعتبر هذا غباءً، هذه امرأة تريد أن تعرف المسافة بين ميامي وفلوريدا! لكني عرفت بعد ذلك أن ميامي جزء من فلوريدا أصلًا، هذا مثل أن تسأل عن المسافة بين المهندسين والقاهرة! حسنًا، لقد تبين أنه كان بالفعل سؤال أحمق، فقط كان عليّ أن أكون عالما بجغرافيا الولايات المتحدة حتى أدرك ذلك!
فبالنسبة للمؤمنين والمتأملين في الوجود لن يجدوا أغرب من السؤال الذي يتساءل عن الدليل على وجود اللّٰه سبحانه وتعالى. ورحم اللّٰه أولئك الرسل الذين واجهوا شكا من قومهم في اللّٰه سبحانه وتعالى فما كان جوابهم إلا: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]. تشعرك الآية أنهم كانوا يضربون كفًا على كف، ولا يتصورون كيف يتساءل أحدهم عن اللّٰه.
المؤمن لا يقف في مسألة وجود اللّٰه سبحانه وتعالى موقفًا محايدًا أو مترددًا أو ضعيفًا حتى، بالنسبة له فالله أوضح شيء في الوجود يمكنه أن يشك حرفيًا في وجوده شخصيًا قبل أن يشك في وجود صانع هذه الحياة بأكملها.
وهو يقرأ قول اللّه سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3]. ويتذكر حينها التفسير النبوي في الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله: أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء !
والقسم الأعجب ممّن يخاطبهم القرآن بأدلة وجوده هم هؤلاء المعتقدون في وجوده ولكنهم لا يفعلون ما يدل على هذه العقيدة! مثل الذين كانوا عامّة من خاطبهم النبي ﷺ والذين كانوا إذا سُئلوا: مَنْ خَلَقَهُمْ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87].
كل هذا يدل على أنهم لم يؤمنوا بالله حقًا، وعلمهم بوجوده علم ناقص. لا يمكن أن يكونوا على يقين كامل بوجود اللّٰه ثم يكبر عليهم إلى هذا الحد ما ندعوهم إليه، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: 7-9]. فحتى لو لم يكونوا في شك من وجود اللّٰه سبحانه وتعالى، فهم في شك من بقية سلسلة الإيمان!
كما روى لنا ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّٰه جمع الناس يومًا وصعد المنبر، فحمد اللّٰه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق، والمكذب به هالك ! ثم نزل. والمقصود، كما يقول ابن كثير رحمه اللّٰه من قوله للمصدّق بهذا الأمر أحمق: أي لأنه لا يعمل له عمل مثله، ولا يحذر منه ولا يخاف من هوله، وهو مع ذلك مصدق به موقن بوقوعه، وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه، فهو أحمق بهذا الاعتبار .
كان الأستاذ (عبد الله الشهري) يرى أن أم الملامح التي تميز الإلحاد الجديد هي الثقة المفرطة والاطمئنان والركون إلى ما ذهبوا إليه، وهو الأمر الذي لاحَظ أن القرآن قد دل عليه، حين قال اللّٰه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: 7].
ويذكرنا ذلك بالقصة التي تُنسب للإمام الرازي لما سار في سكك مدينته وحوله تلامذته يتهافتون للمسير خلفه، فسألت امرأة عجوز: من هذا؟ قالوا لها: ألا تعرفينه؟ هذا الذي أقام ألف دليل على وجود الله. قالت: لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتاج إلى ألف دليل! لما بلغت الرازي الكلمة قال: اللهم إيمانًا كإيمان العجائز!
قال داروين: أما وجود حاكم لهذا الكون فهو أمر قد دانت له أعظم العقول . لذلك تجد أن أول كتاب يصدر يصرح بالإلحاد في أوروبا كان عام 1770، وفي بريطانيا عام 1782.
كان (باسكال) يقول: إذا كان القليل من الفلسفة يبعد عن اللّٰه فإن الكثير منها يرد إليه .
ووجود الله، وهو أمر تأكد من صحته لأن اللّٰه على حد تعبير ديكارت: فكرة لا يمكن أن أكون مصدرها، جوهرًا لا متناهيًا سرمديًا ثابتًا مستقلا كله علم وكله قدرة . فتساءل ديكارت كيف لوعيه المتناهي أن ينتج هذا الجوهر لا المتناهي؟!
بدون الله، لا توجد رؤية فلسفية متماسكة تشكل فهمنا لهذا العالم، لا توجد مبادئ عقلية ضرورية سابقة على وجودنا، لا يوجد سبب يجعلنا نثق في نتائج عقلنا، بدون اللّٰه لا يمكننا أن نزعم بوجود أية حقيقة بائنة عن عالمنا المادي الطبيعي!
لا نحتاج إلى أن ندلل على وجود اللّٰه، بل نحتاج إلى وجود اللّٰه حتى نزعم أننا نستطيع الاستدلال على أي شيء!
يمكننا أن نلاحظ أن القرآن دلّنا على هذا المعنى، في مناظرة موسى عليه السلام مع فرعون، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23]. ما كنهه؟ كيف تثبته؟ ما درجة وجوب وجوده؟ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: 24]. أي كما قال الطبري في تفسيره: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك أيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما . أو كما قال الشوكاني في فتح القدير: إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان !
لنبدأ إذن مضطرّين للتنزُّل إلى هذه المجادلة الحزينة!
تسأل: ما الدليل على وجود الله؟ تفضل إذن…
وبنفس منطق تدنّي سعر الأرض في (العاشر) بالنسبة إلى (التجمّع الخامس)! لذلك يمكنك شراء كوكب بلوتو بأكمله من هوب بربع مليون دولار.
عندما وُجدنا في هذا الكون رأينا أنه يوجد الكثير من الأشياء من حولنا، رأينا أننا موجودون في ملكية خاصة بالفعل، ولكنها لا تعود إلى أي واحد منا. فلم يتكلم غير اللّٰه سبحانه وتعالى وقال: أنا المالك!
أنا موجود منذ فترة لا بأس بها، هذا هو كل ما أعلمه! كما يقول اللّٰه جل جلاله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67]. ويذكرنا سبحانه وتعالى بحقيقتنا قبل هذا الخلق: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1].
لماذا توجد الأشياء؟ لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء؟ كان هذا هو السؤال الوجودي الأول الذي طرق ذهن الإنسان.
لماذا الوجود بدلا من العدم؟ لماذا الكينونة بدلا من الفراغ؟
القرآن يحدثنا عن كل تلك (الأشياء) التي هناك، فيقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101].
2. وُجُود الأشياء بالطَّريقة التي هي عليها
رؤية الثنائية الزوجية للكون من حولنا، بل ربما ازددنا بها يقينًا! فوجد الكيميائيون في الذرة البروتونات والإلكترونات، ووجد البيولوجيون في الخلية أيونات الصوديوم الموجبة وأيونات الكلور السالبة، ووجد الفيزيائيون في الفضاء المادة وضديد المادة، والطاقة ونقيض الطاقة! حتى قال عالم الفيزياء (أنثوني زي): علم الفيزياء ما كان ليوجد لولا وجود التناظر في الكون، أحب أن أفكر في المصمم النهائي ضمن مفهوم التناظر، إنه إله التناظر! . صرنا ننظر إلى الوجود فلا نرى إلا مجموعات متناسِقة من الثِنائيات! هذه الزوجية التي قال عنها اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49].
جميلٌ أن اللّٰه ذكّرنا بذلك في نفس الآية التي تؤكد أنه ليس كمثله شيء. لطيفٌ أن اللّٰه عز وجل قد قصد إلى كل مخلوقاته بالزوجيّة حتى يصبح هو -فقط- صمدًا واحدًا متفردًا لا يشابهه أي شيء. ذلك الفرد الأحد الذي تعالى عن ذلك النظام الزوجي السائد وتكبّر عليه. ذلك الإله الذي جعل الحياة كلها أزواج ليكون هو الفرد الصمد وحده! ليست لديه اتجاهات متضاربة، وإنما هو الحق وليس يشوبه الباطل، هو الجميل وليس يدركه قبح، هو المحسن وليست تقربه القسوة.
إننا أمام نظام زوجي متكامل للحياة بأكملها، واحد من الأمثلة الكثيرة على أناقة الكون ونظامه وقصده وتحديه للعشوائية. هذه بالتأكيد طريقة مختارة من اللّٰه اعتدنا على وجودها، كما يقول جل جلاله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 36].
بمكنك أن تتعرف على أن هذه هي الطريقة التي خلق اللّٰه سبحانه وتعالى عليها المخلوقات من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
لم نكن لنقدر على تقسيمه لولا أننا نعلم المدة التي تدور بها الأرض حول نفسها فحددت لنا مقدار ما نعنيه بكلمة (اليوم)، والمدة التي تدور بها حول الشمس، فحددت لنا ما المقصود بكلمة (السنة).
لم نكن لنقدر على ذلك لولا أننا اعتدنا الطريقة التي خلق اللّٰه سبحانه وتعالى عليها الوجود حين قال جل جلاله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: 5].
وإني أظن أنك مهما رجعت للزمن لن تستطيع أن تجزم بمن كان أول من استخدم أيام الأسبوع السبعة التي نعرفها، أو أول من قسّم السنة إلى اثني عشر شهرًا! كل هذا من الوجود المعتاد الذي أقرّه اللّٰه سبحانه وتعالى علينا، كِما قال جل جلاله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36].
ويأخذنا القرآن إلى ما هو أبعد من ذلك. إلى الملاحظات اليومية التي نراها في الحياة، تأمّل مثلًا قول اللّٰه جل جلاله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: 45-46].
هذا الفقر الكوني للإنسان والضعف المتأصّل فيه عبّر عنه القرآن بقول اللّٰه جل جلاله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: 9].
الفكرة أننا كبشر نعاني من (الاحتياج) أكثر بكثير من أي كائن آخر، دائمًا هناك شيء ما نحتاجه كي نبقى على قيد الحياة، ثم هناك أشياء أخرى نحتاجها حتى نشعر بكمال الرفاهية التي نحتاج إليها. وعندما تلبّى كل رغباتنا نقوم بابتكار عادات وحاجات جديدة، ونبكي عندما لا نحصّلها!
هذا وحده كفيل بشعورك بضعفك، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 52-53].
يبدو لي أن الإنسان، من حيث كونه إنسانًا وبكامل غض النظر عن الاعتقاد الذي اختاره لنفسه، فهو يرفض أن يقنع بسهولة بأن يكون مجرد مادة! يبدو لي أن الإنسان لن ينجو بسهولة من ذلك البحث المحموم الذي خلقه اللّٰه عز وجل فينا نحو نور السماوات والأرض، ولن يفلت من تلك المجاعة الروحية التي يعاني منها!
تجمّعات الملحدين ليست أفضل حالا، فقد رصد الأستاذ (عبد الله العجيري) تأسيس بعضهم لـ(كنائس الإلحاد)! في كندا وبريطانيا وأمريكا وغيرهم، وإقامة الاحتفالات والأعياد، مثل عيد ميلاد داروين، ويوم الإلحاد العالمي، ويوم الزندقة والكفر في 30 سبتمبر من كل عام!
كان الإمام (ابن القيم) رحمه اللّٰه يقول: في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على اللّٰه. وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به. وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته. وفيه قلق لا يسكنه إلاّ الفرار إليه. وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له .
تلك الحالة التي هي مزيج من الحيرة والتيه وجوع قارص لا يعلم صاحبه ما الذي قد يشبعه!
تلك الحالة هي التي عبر عنها القرآن بلفظ بديع، فقال جل جلاله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71].
هناك الكثير من الحِيَل عند مخلوقات الله، لا ندري من أين تعلموها!
وأما العناية المخصوصة، فتعني ذلك الخلق المخصوص لكل كائن بما يلائم عيشه وظروفه وبيئته واحتياجاته. وذلك لأن اللّٰه عز وجل هو القيّوم الذي به يقوم كل شيء!
هذه الأمثلة من العناية لا يمكنها أن تقترب من جزء من الألف من الأمثلة المبثوثة بالفعل في كتب الطب والأحياء وسائر العلوم الطبيعية. بتنا الآن على يقين من أن هناك اعتناء كامل بالإنسان، وبكل الأحياء. هذا الاعتناء الذي نجده في القرآن، كما يقول اللّٰه جل جلاله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20].
الإنسان لم يكن ليقدر على إشعال النار أيضًا لولا أن الأرض ككوكب لها حجم معين، هذا لحجم المضبوط بدقة ساعد على أن يحتفظ الغلاف الجوي بخواص تدعم التنفس والاشتعال معًا.
ذلك المسكين كان يجادلني بأن الحضارة البشرية الآن صارِتِ في غنىً عِن (دَروشَة) فِكرة اللّٰه والعناية والربِوبية والنعم، بينما أفكر أنا في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: 71-72]. وأفكر أننا مدينون بحضارتنا تلك لله الذي جعل الإنسان صانعًا للنار، وأسأل نفسي: من أعدّ كل هذا لمجيء الإنسان؟!
ومثل الحديد الذي يصنع منه سياراته وقطاراته وآلات مصانعه العملاقة. من جديد يحدثنا القرآن أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد اعتنى هذه المرة بالإنسان أيضًا ووفّر له ما يلائمه من هذه المتطلبات الصناعيّة. كما يقول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25].
من جديد تتلاقى الحاجة الإنسانية مع وجود بُغيته في الطبيعة!
بل لماذا هناك شفاء للأمراض أصلًا؟ وسواء كانت تُشفى من تلقاء نفسها مثل نوبات الالتهاب الرئوي، أو كانت تُشفى بسبب الجهاز المناعي الجبار الذي نتمتع به مثل معظم أمراض العدوى والطفيليات، أو كانت تُشفى بسبب هذه العقاقير المستخلصة من النباتات أو الحيوانات أو الكيماويات المبثوثة أيضًا في الوجود؟! إنها عناية كاملة من اللّٰه سبحانه وتعالى والذي قال عنه إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80].
فتأمل معي قول اللّٰه جل جلاله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24-32]. أصناف المأكولات التي سوف تأكلها في هذه المأدبة تم إعدادها في وقت أطول مما تظن، وكل هذا من أجل غرض واحد فقط: (متاعًا لكم ولأنعامكم)!
تأمل مثلًا شطيرة (الشاورما) ذات الشعبية الكبيرة! – أتحدث عن واقع مصر بشكل خاص – لا بد أن كثيرًا ممن يأكل هذه الشطيرة يشعر بمقدار من اللذة تجعله ممتنًّا بالفعل لذلك الشيف العظيم الذي مسّ شغاف قلبه، وبشكل أكبر لتلكمُ الجنيهات العشرة التي وجدها في جيبه صباح اليوم.
كم من الناس سيفطن إلى كمّ المخلوقات التي خلقها اللّٰه سبحانه وتعالى، وكم الظروف، والشروط، والمعايرة، التي ضبطها وهيّأها اللّٰه سبحانه وتعالى، حتى تستطيع أن تأكل هذه الشطيرة فتشعر بلذة الشبع وانتشاء الطعم اللذيذ!
هناك نوع آخر من الإعداد لا نلحظه، برغم أننا نراه عشرات المرات! وهو العناية الإلهية بخلقه في إنزال المطر لهم! إن اللّٰه سبحانه وتعالى دائم الامتنان على خلقه بهذه النعمة في القرآن كما يقول جل جلاله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99]. غير أن الحياة المدنيّة قد أخفت عنا تلك العبرة بكل هذه المربعات الخرسانيّة والتطبيقات الذكيّة على هاتفنا المحمول والتي تصحبنا في كل مكان نذهب إليه. حتى جعلتنا قد نتعجب أو لا نصدق الحقيقة القائلة أن كل ما نحن فيه من الحياة إنما قد نشأ عن ماء المطر!
فمياه الآبار ليست إلا تجمعات الأمطار التي تساقطت فوق حيوان الماموث من آلاف السنين فأسكنها اللّٰه الأرض! كما قال جل جلاله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18].
إنه الدليل على أننا لا نملك شيئًا ولكننا برغم ذلك لا نحتاج إلا لله! كما يذكرنا اللّٰه سبحانه وتعالى بذلك في قرآنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34]. وكما يمتنّ علينا سبحانه فيقول: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: 22].
وهذا التمدد هو السبب في أنك تجد (كانز البيبسي) وقد انفجر عند نسيانه في (الفريزر).
ذكر اللّٰه الماء في 64 موضعًا من القرآن على سبيل الامتنان بالنعم، وجميعنا يحفظ الآية التي تذكرنا بأنه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. ولكن ربما لأننا ظننا أن الآية تقف بنا فقط على المعنى السطحي المبدئي بأننا (نحتاج إلى الماء حتى لا نشعر بالعطش)، ربما لذلك لم ننتبه إلى مغزى السؤال الذي يختم الآية، حين قال اللّٰه عز وجل بعدها: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
فتم إطلاق مشروع البحث عن حياة ذكية خارج الأرض (SETI) وظل العلماء يستمعون إلى أية إشارة، ولكن لم يجدوا أي شيء! أوقف الكونجرس المشروع الخائب سنة 1993، وظلت قطاعات خاصة تبحث، فلم يجدوا أي شيء!
وفي رأي (ريتشارد دوكنز): بالمقارنة بغالبية الكواكب فإن هذه الأرض تعد جنة، وأجزاء الأرض هي جنة بأي مقياس. ما هي احتمالات أن كوكبًا التُقطَ عشوائيًا تتوفر فيه كل هذه الخصائص اللطيفة؟ حتى أفضل الحسابات تفاؤلا كانت لتجعل النسبة أقل من واحد في المليون .
يحدثنا القرآن عن الأرض التي أعدها اللّٰه عز وجل لمعيشة الأحياء عليها، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25-26]. وكما يقول الفرّاء: كفتهم أحياءً على ظهورها في بيوتهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا في بطنها، أي تحفظهم وتحرزهم . ويحدثنا عن (تدبير) اللّٰه عز وجلِ لِكل ما نحتاجِ إليه، فيقول سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 31].
فتات الخبز هذه تكون دائمًا مبثوثة وبشكل طبيعي في الأرض، فالتضاريس المحفوظة التي لا تتغير، والطرق الثابتة التي لا تتبدل، والجبال التي يعرف الناس بها الطريق ثابتة لا تبرح مكانها، لولا ذلك لكان الناس يمشون في ذات الطريق عشرات المرات فلا يمكنهم حفظه أبدًا، وبنفس الطريقة التي تاهت بها امرأة في الصحراء لأنها كانت تُعلّم مكان زوجها بسحابة فوقه! لذلك يقول اللّٰه سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: 31].
والسبب الأكبر وراء هذا الاهتداء كان في الطريقة التي حدّد بها الإنسان الأول الجهات الأربع: الشمال والجنوب والغرب والشرق. والتي اعتمد عليها بعد ذلك في عمل (البوصلة) والملاحة.
في المرة التالية التي تكون فيها على ظهر طائرة وتتعجب من الطريقة التي يستطيع بها الطيّار أن يصل إلى وجهته في هذه السماء المظلمة، فتذكّر أن الإنسان قد بنى أجهزة ملاحته اعتمادًا على هذه الجهات الأربع. مرة أخرى يمتن اللّٰه سبحانه وتعالى علينا بهذه الهداية، فيقول: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16].
تبتلع الطيور الحصى والرمال عمدًا كي تساعد على عملية الطحن للطعام داخل معدتها لأنها لا تملك ضروسًا طاحنة، ولو تم منعها من ذلك تُصاب بعسر الهضم. من هداها إلى هذه الطريقة؟
نوعيّة هذه الاهتداءات (التعليمية) حكى القرآن عن واحدة منها حين يقول اللّٰه جل جلاله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 68-69].
سأل فرعونُ موسى وهارونَ عن الله، عن كنهه، عن مكانه، أين هو؟ ما هو؟ كيف يبدو؟ لماذا علينا الخوف منه؟ لماذا يجب أن نحبه؟ لماذا نصبح طواعيةً عبيده؟ قال له: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: 49].
فأجابه موسى عليه السلام: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50].
هذه المعجزة التي تحدث عنها القرآن، حين قال اللّٰه جل جلاله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4].
التنوّع والاختلاف الخلقي الإلهي يمكنك الشعور به في التأمل في وجوه البشر، سبع مليارات من البشر لا يتطابقون شكلا مع بعضهم البعض! فحتى التوائم المتماثلة تستطيع أمهاتهم التفريق بينهم بلمحة خفيّة تحت الحاجب أو فوق الشفة العليا! إنه الإبداع التصويري مرة أخري والذي تحدث عنه اللّٰه سبحانه وتعالى فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6].
ماذا عن بصمة اليد؟! كل الخبراء الجنائيين يعلمون أن الخطوط والدوائر الصغيرة التي تشكّل شكلا مميزًا على جلد الإنسان لا يتكرر إلى يوم الدين، هناك مجرم أمريكي اسمه (جون ديلنجر) حاول إزالة بصمات أصابعه بالحمض ولكنها لما ظهرت بالجلد الجديد الذي تكوّن له كانت مثل سابقتها تمامًا.
هذا الاختلاف ليس اعتباطيًا بل هو مقصود تمامًا. من الصعب افتراض أن الطبيعة الصمّاء قد قصدت على أن تخلق الأشياء باختلاف وببصمة خاصة لكل منها.
تذكّره حين تحس بعظم موقفك بين يدي اللّٰه حين تقف متفردًا أمام الإله الفرد ليس بينك وبينه ترجمان، ليكلمك أنت، ويحاسبك أنت، على أفعالك أنت. أنت فقط! كما يقول الله جل جلاله: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 94-95].
ما سبب هذا الاختلاف اللغوي الشاسع؟ في سفر التكوين العبراني وردت محاولات لتفسير كيفية اختلاف ألسنة البشر إلى هذا الحد. زعموا أن هذا كان عقابًا من الإله الذي لم يحب محاولات صنع برج بابل الذي ينوي الوصول إلى السماء، فقام اللّٰه سبحانه وتعالى بـ(بلبلبة) لسانهم وفرّقهم في الأرض: وَكَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً، وَحَدَثَ فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ… قَالَ الرَّبُّ: هُوَ ذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهَذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالْآنَ لَا يَمْتَنَعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لَا يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ… لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا بَابِلَ لِأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الْأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ (سفر التكوين 11: 1 – 9).
بدأت الفقرة بالحديث عن ارتحال مجموعة من البشر، من هم؟ بالتأكيد هؤلاء الذين كانوا في الفقرة الأخيرة التي سبقت هذه مباشرة: هَؤُلَاءِ بَنُو سَامٍ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ حَسَبَ أُمَمِهِمْ. هَؤُلَاءِ قَبَائِلُ بَنِي نُوحٍ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ بِأُمَمِهِمْ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقَتِ الْأُمَمُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ (سفر التكوين 10: 31 – 32). فبحسب سفر التكوين نفسه هؤلاء الذينَ بنوا برج بابل كانوا متفرّقين في الأرض بلغات وأنسال مختلفة بالفعل. هذا تناقض بيِّن يجعلنا نتشكك في صحة القصة كلها!
مرة أخرى نحن أمام معجزة تنويعية من اللّٰه سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض، القائل جل جلاله في قرآنه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22].
ولكن هذه الاختلافات ليست بين القبائل والمجتمعات المنفصلة فحسب، وليست حتى فقط بين أبناء المدينة الواحدة، ولكن أيضًا بين الإنسان وبين نفسه! فهناك نوع من التغيّر والتطوير لا شك يخبره هذا الإنسان في نفسه دون أن يفطن مع مرور الوقت! مثل الاختلاف في المرحلة العمريّة وما ينتج عنه ذلك من تغيّر في القوة والضعف: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54].
يجمح الإنسان بخياله وينتج لنا الكثير من الفنون والإبداع ولكنه في أحيان كثيرة يظل أسيرًا أو على الأقل مقلدّا لما وجده هو في الطبيعة من خلق الله!
ربما كان أول من عبر عن هذا المعنى هو الشاعر (إكسينوفانس) الذي انتقد كثيرًا الشاعر الإغريقي الشهير (هوميروس) صاحب الإلياذة والأوديسة، لأنه كان يصور الآلهة في صورة وأخلاق وطباع البشر، لذلك كتب (إكسينوفانس) ساخرًا في أحد مقاطع شعره: لو كان للخيول والثيران سواعد، واستطاعت أن ترسم بها، لصورت الخيول آلهتها في أشكال تشبه الخيول، ولرسمت الثيران آلهتها أيضًا في أجسام تشبه أجسامها .
يقول الفيلسوف البريطاني (سيريل جود): الإبداع هو معرفة كيف تخفي مصادرك جيدًا !
مثلما يتحدانا القرآن بدعوتنا لذكر نماذج أخرى للخلق غير التي عرفناها من خلق الله، فيقول جل جلاله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: 11].
نعرف القريدس والروبيان (الجمبري)، والسرطان (الكابوريا)، وربما جراد البحر كذلك (الإستاكوزا). هذه أربعة أنواع من القشريات نعرفها. لكن في الحقيقية عدد أنواع القشريات التي تعرف عليها الإنسان حتى الآن هو 40 ألفًا!
في خلق اللّٰه عز وجل الكثير من التنوع.
هذا التنوّع الخلقي الكبير تحدث عنه اللّٰه جل جلاله فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 29]. بل وتحدث القرآن عن الإعجاز في الاختلافات بينهم فقال جل جلاله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: 45].
هل صُنِعت العين بدون براعة في البصريات؟ والأذن بغير معرفة مسبقة بعلوم الصوتيات؟ إسحاق نيوتن.
والآن نريد أن نسأل: هل تعني رواية ساجان المنشورة في 1985 أن سلسلة الأرقام المعقدة الآتية من الفضاء الخارجي تدل على (ذكاء) من صممها، لكن الكون بكل ما فيه لا يدل على ذلك؟!
منذ حوالي قرنين من الزمان أطلق الفيلسوف اللاهوتي (ويليام بيلي) مثاله الشهير: عندما نجد ساعة على الأرض نستنتج أن مصممًا قد صنعها، فعندما نجد حيوانات ونباتات قد صُمّمت صميمًا معقدًا، وتتكيف على نحو رائع فينبغي بالمثل أن نستنتج أن خالقًا قديرًا حكيمًا قد صنعها .
أتخيل أن سبب استخدام (بيلي) للساعة كمثال على التصميم هو أنها كانت أعقد ما لديهم من صناعات وقتها، على الأقل هي مثال للصناعة الدقيقة التي لا تتطلب مهارة في الصنع فقط، ولا علمًا كافيًا فقط، ولكن أيضًا حِرَفيّة في العمل، وأناقة في التكوين!
دعنا نفترض شرطًا للتصميم الجيد، وهو أن يكون منظّمًا.
دعنا نفترض شرطًا آخر للتصميم الجيد، وهو أن يكون (أنيقًا).
دعنا نفترض شرطًا ثالثًا للتصميم الجيد، وهو أن يكون (معقّدًا).
دعنا نفترض شرطًا رابعًا للتصميم الجيد، وهو أن يكون (دقيقًا).
دعنا نفترض شرطًا خامسًا للتصميم الجيد، وهو أن يكون (متناغمًا).
دعنا نفترض شرطًا سادسًا للتصميم الجيد، وهو أن يكون (أصيلًا).
أو كما قال السير إسحاق نيوتن في كتاب (البصريات): كيف يمكن لأجسام الحيوانات أن يتم إبداعها وصناعتها بكل هذا الفن؟ وما الغايات التي جُمِعت لأجلها أجزائهم المتعددة؟ هل صُنعت العين بدون براعة في البصريات والأذن بغير معرفة مسبقة بعلوم الصوتيات؟ وكل هذا يوضع في محله بشكل صحيح شديد الدقة! ألا تدل هذه الظواهر على موجود لا مادي حي ذكي كلي العلم؟ .
فيحدثنا القرآن عن السماء والتي (احتبكها) اللّٰه عز وجل وأحسن صنعها ونسيجها: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: 7]، ويحدثنا عن التقدير في خلق كل شيء: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، ويقول عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 1-3].
ولكن لا أظن أن هذا ينطبق على كل الناس! ليس عند الجميع الاستعداد نفسه للاعتراف بما هو واضح.
كان القدماء يقولون: العين عليها حارس ، والحقيقة أن العين عليها عدة حراس.
في عام 1798 نشر القسّ الإنجليزي (توماس روبرت مالتوس) كتابه الشهير جدا: مقالة عن السكان، وسبب أنه شهير جدًا أن (داروين) قد تأثر به إلى أبعد حد مما جعله يصل إلى نظريته الخاصة (بأن الصراع من أجل البقاء كان سبب حدوث التطور) من هذا الكتاب.
قال مالتوس في الكتاب أن أعداد السكان تتزايد في العالم بشكل رأسي، بينما تتزايد الموارد الغذائية والرقعة المزروعة فيه بشكل أفقي، ومن ثمّ – حسب مالتوس – سيأتي على البشر زمان يتقاتلون فيه من أجل لقمة العيش، وتشتعل الحروب من أجل السيطرة على الغذاء. نظرية مثيرة للاهتمام عمومًا، غير أن مالتوس كان مخطئًا في ثلاثة أشياء.
أول هذه الأخطاء أنه أساء تقدير القدرة الاستيعابية للأرض، فحسب مالتوس مثلا لا يمكن أن تستوعب الجزيرة البريطانية أكثر من عشرين مليون إنسان. بينما بعد صدور كتابه بمئة وخمسين عامًا استوعبت الجزيرة البريطانية ثلاثة أضعاف هذا العدد.
الخطأ الثاني كان الافتراض القائم على أنه طالما نحن نزداد في العدد الآن فسنظل نزداد إلى ما لا نهاية حتى يأكل بعضنا بعضًا! وهو افتراض لدى الكثيرين الآن ممن يصرخون باستمرار: العالم كان ثلاث مليارات في 1960 وصار سبع مليارات في 2015 مما يعني أننا سنصير أربعة عشر مليارًا خلال الأربعين سنة القادمة.
على أن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه مالتوس في توقعاته، أنه توقع الزيادة الغذائية ستكون بطيئة خطية تزداد بشكل أفقي فقط رغم أن التطور الكبير الذي حدث في التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية فيما يعرف باسم الثورة الزراعيّة أتاح للبشرية أن يحصلوا على أضعاف الإنتاج الغذائي من نفس المساحة الزراعية!
الاتزان الذي يتجلى أيضًا في التقدير الحكيم لدورة المياه! فلو كانت الكمية النازلة لنا من السماء من الماء أكبر لصار هذا معناه مدن غارقة، ومحطات لتوليد الكهرباء فاسدة، وبيوت مهدّمة. ولو كانت أقل فهذا معناه مواسم جافّة يشعر بها الفلاح الذي يريد أن يروي حقول أرزه بدون تقتير! لذلك فهذا التقدير قد ذكرنا اللّٰه سبحانه وتعالى به فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: 18].
ينبّهنا القرآن إلى هذا الاتّزان (الخَلْقي) حين يقول اللّٰه عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. أي كل الخلائق مقدّرة من قبل خلقها، ليس فقط معلومٌ عند اللّٰه قدرها، ولكن مكتوبٌ عنده أيضا من قبل خلقها.
وهذا هو بالضبط ما أثار خوف عالم البيئة (جاريت هاردين) فنشر في 1968 ورقته البحثية الهامة (الضرر الذي يمكن أن تسببه تصرفات الفرد البريء على البيئة).
في هذه الورقة لفت هاردين انتباه العالم إلى ما يسمى بمأساة الموارد العامة المشتركة. يقول لك هاردين، تخيل (مرعى) للماشية. كل راع من مصلحته أن يُزيد من عدد ماشيته، ولكن هذا يعني أن المرعى سوف يتآكل إلى الحد الأدنىً الذي لن يستطيع بعده العشب أن ينمو ثانية، مما سيؤدي في النهاية إلى نضوب المورد.
في الواقع لقد لفت هذا أنظار البيولوجيين إلى سؤال أهم، لماذا لم تحدث هذه المأساة من قديم الأزل؟!
ويقول (جان كريفت): أصل الإيثار هو مشكلة أساسية في نظرية التطور ،
لماذا هناك تعاون ظاهر بين الأحياء يمنع الأنانية الفردية من القضاء على الموارد المشتركة؟ وما الذي يضمن لكل فرد لا يتصرف بأنانيته أن غيره من الأفراد سوف يلتزم بذلك؟
لدينا طريقة من طرق حفظ الاتزان في الموارد المشتركة وهي طريقة العقاب (Punishment)، وهو ما يُلاحَظ عند قردة (البونوبو) والتي تعاقب إناثها بالضرب كل من يأخذ أكثر من حصته من الطعام من الذكور.
طريقة أخرى، وهي طريقة التشبّع (Diminishing Returns)، وتعني أن الطعام أو الشراب الزائد تقل منفعته للكائن كلما زاد في كمية تناوله، وهو ما يدفع الخفافيش مصاصة الدماء التي تناولت كمية كبيرة بشراهة إلى مشاركة بعض ما تناولته مع خفافيش جائعة، فيرتاح الأول من التخمة ويرتاح الثاني من الجوع.
طريقة ثالثة، وهي طريقة توازن التكاثر (Stationary Phase) والتي تدخل فيها بعض أنواع البكتيريا مثل E. Coli Wild Type وتعني أنها تحد من تكاثرها تبعًا للأعداد الموجودة منها بالفعل وتبعًا لتوفر الموارد الغذائية في بيئتها، وهذا يتم عبر جهاز معقد من المكبات الكيميائية يسمى… وهو معقد بالفعل لدرجة أني حاولت دراسته كي أنقل لكم بعضًا من آلية عمله فلم أفهم منه شيئًا.
طريقة رابعة، وهي طريقة الإكراه (Coercion)، مثل ما تقوم به ملكة النحل أو النمل من إطلاق فيرمون (يُكره) الشغالات الإناث على عدم إتمام عملية التبويض، وذلك كي تتفرغ الشغالات لرعاية أبناء الملكة فقط وإلا لن تسعهم الموارد.
اتزان عجيب يطال كل شيء، كل الممالك والعوالم، كل فصائل مملكتي النبات والحيوان.
فيحكي لنا القرآن كيف أن ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]. ويحدثنا القرآن عن تقدير اللّٰه عز وجل الذي يطول كل شيء، فيقول سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: 8].
هناك ظاهرة مألوفة لدى الجنس البشري ويسميها علماء السكان ظاهرة سنوات الحرب، حين يُقتل أثناء الحروب عدد كبير من الرجال، فعلى الفور تزيد نسبة المواليد الذكور من الرجال في السنين التالية حتى يُستعاد التوازن! فما هذا؟!
يقول (ألكسندر جور وبفسكي) عضو أكاديمية العلوم السوفييتية في كتابه العالم الذي نعيش فيه عن هذه الظاهرة في عالم الحيوان ككل: من الحقائق المعروفة من وجهة النظر البيولوجية أن النسبة بين المواليد الذكور والإناث متساوية، فإذا اختلت هذه النسبة السوية تظهر تلقائيًا عملية لإعادة التوازن من جديد، فإذا نقص عدد الإناث في مجتمع، فإن عددًا أكر من الإناث يولد. وإذا كان لدينا عدد أقل من الذكور، فإن عدد مواليد الذكور يزيد، وهكذا تستمر العملية حتى يُستعاد التوازن. ومن البيّن أن الكائن الحي الفرد المستقل لا يمكنه التأثير على جنس مواليده، بمعنى آخر إننا مرة أخرى أمام ظاهرة ذات قوانين خاصة بها، نحن مرة أخرى نواجه بتأثير يأتي من خارج كل كائن حي مفرد !
هل نحن بصدد توازن من نوع خاص، في عدد الإناث والذكور من كل نوع؟ ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: 39]، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: 3]، ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: 45].
أو تلاحظه في قول اللّٰه عز وجل: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].
ليس هذا هو المكان المناسب لذكر الأمثلة والشواهد على الكون المضبوط! فالواقع أن هذه حقيقة مسلّم بها بين علماء الفيزياء والفضاء وبغض النظر عن موقفهم الديني.
هذه الدهشة العارمة التي تصيب هؤلاء – الملحدين منهم قبل المؤمنين بوجود اللّٰه – كانت وستظل أبدًا الغصّة الأمرّ في حلوق كل من ينكر وجود مُدبِّر حكيم لهذا الكون! مثل الملحد الشهير (ريتشارد دوكنز) الذي صرّح في اجتماع لـ(الفرسان الأربعة للإلحاد الجديد) أن السؤال الصعب الوحيد الذي واجهه من قبل المؤمنين، هو كيفية إيجاد تفسير للضبط الدقيق Fine Tuning of the Universe!
غير أن دوكنز دعا إخوانه بعد ذلك في كتاب وهم الإله ألا يفقدوا (الأمل) في حل هذا اللغز يومًا! فبالتالي وفي نظر الملحدين، يجب عليك أن تكف عن الإيمان، لكن إياك أن تكف عن (الحلم)!
فيحدّثنا القرآن عن هذه الحقيقة حين يقول اللّٰه جل جلاله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: 3]. ويقول جل جلاله في آية أخرى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 6-7]. بل ويشرح لنا ما السبب في هذا الإحكام الذي نراه من حولنا! كما يقول الله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]. إنه العلم والحكمة والإتقان والإحسان الذي يتجلى في خلق اللّٰه سبحانه وتعالى كله.
نشر المنجّم الفرنسي المعروف عادة باسمه اللاتيني (نوستراداموس) في 1555 كتابه: النبوءات.
كان كتابًا مليئًا بالهراء، النبوءات القريبة من زمنه أي المتوقع أن يسأله الناس عنها ويكون وقتها على قيد الحياة كان يكتبها بلغة شعريّة غامضة تصلح في تفسيرها على كل وجه ممكن، بحيث يمكن له هو وأتباعه بعدها أن يدعوا أن هذا الحدث أو ذاك هو ما قصده بتلك النبوءة الملتفّة! بينما النبوءات البعيدة والتي ستحدث بعدما يصير هو وكل من على الأرض وقتها في بطون الديدان، كان يكتبها بلغة واضحة حاسمة، باعتبار: Who cares?
من نبوءات نوستراداموس في العام الذي تمت كتابة الكتاب الذي تقرؤه الآن فيه (2015) أن البشر سيتوصلون إلى ترياق الشباب فيرتفع متوسط عمر الإنسان إلى 200 عام. لم يحدث ذلك بالطبع ولم تحدث نبوءته الأخرى في نفس العام بأن يقوم الموتى من قبورهم.
بشكل عام فإن إكسير الشباب من أقدم (الثيمات) وأشهرها انتشارًا في الميثولوجيا الشعبيّة. حلم البحث عن الخلود هو حلم عتيد بالنسبة للإنسان الذي عاش في حياة كانت من سننها الدائمة أن: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: 34-35].
يخبرنا البيولوجيون أن الإنسان يفقد 100 ألف خلية من خلايا المخ كل يوم (تذكر أن هذه الخلايا لا تتجدد). يخبروننا أيضًا أنه حين يصل إلى سن الستين يكون قد فقد نصف براعم التذوق لديه. يخبروننا كذلك أنه بدءًا من سن العشرين، يفقد مخه جرامًا كل سنة.
لحظة، بدءًا من سن العشرين؟! هل نبدأ الشيخوخة من العشرين؟ مفاجأة! أليس كذلك؟
ثم عرفنا أننا مخلوقون للفناء حين اكتشفنا (التيلومير) على أطراف الكروموسومات، حيث التيلومير تبلى الكثير من قواعده النيتروجينية مع كل انقسام للخلية، فإذا بلي بالكامل تموت الخلية!
يبدو أننا مخلوقون بطريقة تعترف لنا بأننا لن نعيش للأبد، وبطريقة تضمن أننا مع كل تجدد لحياة خلايانا فنحن نمضي خطوة أخرى نحو القبر!
أغلب الناس الذين عاشوا على هذه الأرض هم موتى الآن لو فكرت في ذلك. ونحن أيضًا سوف نموت، ثم سوف نبقى موتى أغلب الوقت! أكثر بكثير من الوقت الذي بقيناه على قيد الحياة. نحن إذن مجموعة من المحكوم عليهم بالإعدام يقبعون بزنازينهم في انتظار أن ينفذ فينا القانون الإلهي: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26].
نحن مجموعة من الموتى الذين لم يموتوا بعد!
قال جاك شورون: على الرغم من أن الإنسان قد يدرك تفاهته، إلا أن التفكير في الفناء أمر يصعب احتماله . وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله . وقال عمر بن عبد العزيز لأحد العلماء: عظني. فقال له: لستَ أول خليفة تموت! وقال الحسن البصري: فضح الموتُ الدنيا فلم يترك لذى لبٍّ فرحًا . ورُوِيَ عن النبي ﷺ: لولا ثلاث، ما طأطأ ابن آدم رأسه، الفقر والمرض والموت، وإنه مع ذلك لوثّاب ! ورُوِيَ عنه أيضًا ﷺ: إن اللّٰه أذل بني آدم بالموت !
تفنى الأفكار ذاتها ويفنى أصحابها أيضًا باستمرار! مثلما يقول اللّٰه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 133].
عجلة الفناء تطول الحضارات وعظمة الأمم! والقرآن دائم التذكير لنا بذلك، مع التذكير بالسبب، فيقول اللّٰه جل جلاله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 53] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: 100].
هذا الفناء الذي هو مصير ثابت لكل ما هو مخلوق في هذه الدنيا أقرب لقانون مسنون على الجميع، قانون لا يمكن خداعه أو تجاوزه، قانون يعني ويؤكد الإرادة النافذة التي تقف خلفه.
لذلك جعل اللّٰه سبحانه وتعالى هذا الفناء وصفًا لا ينفصل ولا يستقل عن الدنيا، كما تلاحظ في هذا المثل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: 20]!
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أهل بيته يقول لهم: أما بعد، فإنك إن استشعرتَ ذكر الموت في ليلك أو نهارك، بَغُضَ إليك كل فان وحُبِّبَ إليك كل باقٍ، والسلام! .
هذه المشاعر ليست شيئًا ماديًا بالتأكيد، ربما هي أقرب للغِز فلسفي أتى من نفس العالم الذي أتي منه اللغز الأكبر: الروحِ! فيقول اللّٰه سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
لذلك اعتبر القرآن هذا الضحك والبكاء مظهرًا من مظاهر القدرة الإلهية! كما يقول جل جلاله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43]. واعتبر شعورك بالاطمئنان والراحة والحنين في بيتك نعمةً من نعم اللّٰه سبحانه وتعالى الذي خلق لك هذا الشعور الدافئ وربطه لك بهذا المكان! كما تقول الآية: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80].
الحب يعني القدرة على التضحية بسعادة، والشعور بالألفة والارتباط، والشعور بأن بوصلة قلبك تتجه إلى مكان ما رغمًا عن أنفك! الحب يعني أن ينطبع إنسان إلى الأبد في البطانة الداخلية لذاتك. يعني أن تتلاقى نغمتك الروحيّة بمعجزة غير مفهومة مع نغمة أخرى ذات تردد مختلف تمامًا عنك وبرغم ذلك تتشكلان من جديد لبعضكما البعض!
كتبت (جينيفر فولويلر) كتابها: شيء آخر غير اللّٰه تشرح فيه تجربتها مع الحب الذي هزم الإلحاد وأعادها إلى الإيمان بالله! فقد نشأت في عائلة لا دينية، وانصبغ تفكيرها بالمادية، ولكنها ما لبثت أن أنجبت طفلها الأول، فأخذت تنظر إليه وتقول: ما هذا الرضيع؟ من زاوية مادية إلحادية بحتة هو مجموعة من التفاعلات الكيميائية المتطورة بصورة عشوائية، وإذا كان الأمر كذلك فكل الحب الذي أشعر به تجاهه ليس إلا تفاعلات كيميائية في دماغي .
ثم نظرت إلى طفلها، وقالت: ليس الأمر كذلك! ليس الأمر كذلك!
الحضارة المادية في أمثل صورها (الطوبيا) لا تعترف بالحب، فحمل الأطفال لا علاقة له بالعاطفة بين الأبوين، في جمهورية أفلاطون مثلًا: يجب وضع النساء بين سن العشرين والأربعين في غرف خاصة مع رجال بين سن خمس وعشرين وخمس وخمسين. والأطفال الذين يولدون نتيجة لذلك ينبغي تربيتهم وتعليمهم في معاهد الدولة. ويسمح بالعلاقات الجنسية للنساء اللائي يقل عمرهن عن عشرين سنة والرجال الذين يزيد عمرهم عن خمسين سنة، ولكن نتيجة هذا الحب يجب إزالتها. وإذا وُلدَ طفل من هذه العلاقة، فيجب تركه حتى يموت جوعًا. فالحياة الأسرية والحب الأسري لا بد من إزالتهما !!
التفكير المادي الطوباوي من المنطقي أن يرفض الحب، لأنه علاقة شخصية لا اجتماعية، ويذكرنا (علي عزت بيجوفيتش) بأن أحد أهداف الثورة الثقافية في الصين كان تعليم الشباب رفض الحب، باعتباره (اتجاها برجوازيًا). الحب الوحيد المسموح به كان حب الدولة، حب الاشتراكية، حب ماوتسي تونج! وكانت كتب الأدب الرومانسي ممنوعة في حكمه، وبعد موته وقف الناس في طوابير بالمئات لشراء (آنا كارنينا)!
لا يوجد مكان للحب، للوفاء، للمودة، أو للسكينة في مجتمع إنساني ينكر وجود الله!
لذلك اعتبرِ القرآن الحب خصّيصة من خصائص القدرةِ الإلهية: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63]. واعتبره آية من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. واعتبره نعمة جليلة من نعمه يمتنّ بها على عباده: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189].
ولم يكن داروين مؤمنًا بوجود الله، ولذلك كان الجمال بالنسبة إليه معضلة حقيقة.
حين طوّر نظريته الخاصة بتفسير نشأة أنواع الكائنات الحية وتطورها عن طريق الانتخاب الطبيعي، أدرك وقتها أن الانتخاب الطبيعي لا يمكنه أن يفسر وجود الجمال. لذلك وبعد سنة من نشره لكتابه الشهير (أصل الأنواع)، أرسل برسالة إلى صديقه عالم النبات الأمريكي (أساجراي) يقول له فيها: منظر ريش ذيل الطاووس يجعلني أشعر بالسقم كلما أمعنت النظر فيه !
ولكن داروين طوّر بعد ذلك نظرية أخرى ونشرها في كتاب (أصل الإنسان) في 1871 ذكر فيها بأن الاصطفاء الجنسي هو سبب (الإبقاء) على الجمال. بمعنى أن جمال ريش ذيل الطاووس سببه هو أن الأنثى تختار الذكر الأجمل للتزاوج.
المشكلة أن هناك بحثًا تم إجراؤه في اليابان على يد مجموعة من العلماء يرأسهم (ماريكو تكهاشي) من جامعة طوكيو، وتم نشره في 2008، أثبتوا فيه بعد دراسات متأنية على مدار سبع سنوات أن أنثى الطاووس لا تبالي إطلاقًا بجمال الذكور عند التزاوج!
والمشكلة الأكبر من ذلك أن هذه المحاولة الداروينية لتفسير الجمال، لا تدّعي أنها تحاول أن تفسر (ظهور) الجمال، وإنما محاولة (فاشلة) لتفسير بقائه فقط. دعك من أنها لم تقدم تفسيرًا لوجود حاسة تذوق الجمال عند هذه الحيوانات العجماء، ولا لغلبة الحس الجمالي عندهم على ضرورة التمويه (كاموفلاج)، والذي يهدد الفرد الجميل وسط القبيلة بسهولة اكتشافه واقتناصه من الحيوانات الصيادة.
مظهر آخر من مظاهر الجمال والذي لا يمكن تفسيره يكمن في أناقة الكون Elegance ونظامه، مما يجعل الرياضيات – والتي ترسم قواعده بالأرقام والمعادلات – تشتهر بالجمال، برغم أنه أشهر العلوم المجرّدة البحتة.
تخيل لو كانت الحياة بدون جمال؟ هل تستقيم؟ بالطبع تستقيم! كل شيء سيكون في موضعه، كل الحياة المادية ستستمر كماهي، كل الحياة ستمضي ولن يعطلها شيء. لماذا لم يحدث ذلك إذن؟ لم يحدث ذلك لأن اللّٰه جميل. هذا هو التفسير فعلًا. وهذا هو التفسير الوحيد.
لذلك تجد أن القرآن يحدثنا عن مظاهر هذا الجمال! سواء كان جمال الحيوانات: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 6]. أو جمال النباتات والأشجار: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7]. أو جمال الحدائق الملتفّة والمتنزّهات: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: 60].
جمال السماء: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: 6].
أو جمال اختلاف الألوان وبهجتها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: 27-28]. أو جمال الإنسان نفسه وصورته: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: 3].
الأعجب من هذا الجمال هو إحساسك به! لماذا تشعر بجمال اختلاف الألوان في أزهار الربيع بينما تتقزز من نفس الاختلاف اللوني في مقلب القمامة؟! إنه جهاز الاستقبال الإنساني المضبوط على كيفية فهم الجمال والشعور به! كما يحدثنا القرآن فيقول جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: 16]. ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: 69].
لماذا توجد أحكام سائدة في كل ركن من أركان هذا الكون العملاق؟! لماذا تحكمه نفس القوانين؟!
لماذا لا تجرؤ أي واحدة من قوى الطبيعة على مخالفة القانون الثابت الموجود في كتاب فيزياء مهترئ في حقيبة طالب نحيل ذاهب لمدرسته على ظهر (توكتوك)؟
إتقانٌ كامل من مُوجد هذا العالم في إسباغ قوانينه، وإقرار سيادتها، وإحكام فاعليتها في خلقه! إتقان في (تقعيد) كل حركات الطبيعة، ووضع الحدود الملزمة لكل قواها فلا تقدر على مخالفة سيدها! حين نرى الفيزياء شاهدةً على طاعة كل الوجود!
كان أعمق دافع فكري عند آينشتاين هو معرفة ما إذا كان لله اختيار في خلق الكون بالطريقة التي هو عليها أم لا؟ كان يتساءل هل هذه القوانين السائدة حتمية أم أنها واقعة تحت مشيئته! مثلما كان يقول: يدرك كل إنسان يهتم بالعلم بطريقة جادة أنه قوانين الطبيعة تعكس وجود روح كلية أسمى كثيرًا من الإنسان .
طاعة الوجود هذه قد نبهنا إليها القرآن ونبهنا على مدى دلالتها على وجود إله حاكم يخاف منه الجميع ولا يجرؤون على مخالفته. بالأحرى هم لا يستطيعون مخالفته، فطاعته هي الشيء الوحِيد الذي يجيدون فعله! كما قال جل جلاله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83]. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11].
يمكننا أن نقرأ الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: 19]. فنفكر في قوانين الحركة الميكانيكية والقصور الذاتي التي وصفها نيوتن والتي سنّها اللّٰه سبحانه وتعالى وجعلت هذا الطائر لا يقع على الأرض حين يقبض جناحيه!
ونقرأ الآية: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22]. فنفكر في حفظ اللّٰه لنا من خلال قانوني الجاذبيّة والطفو وغيرهما.
حتى في غير القوانين الفيزيائية يمكننا أن نلحظ السيطرة الربوبيّة على كل شيء في الكون من حولنا. هذا الكون الذي يخبرنا القرآن أنه سيصير إلى الزوال الفوري في اللحظة التي يمنع اللّٰه عنا فيها قيّوميته وحفظه! كما قال جل جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: 41].
تعلمنا حينها أن الإنسان من حيث حجمه هو كائن تافه تمامًا ليس له وزن أو قيمة، نحن هباءة في الملكوت، والعالم (الماكرويّ) الكبير لا يبالي بنا، والعالم (الميكروي) الصغير لا يدري بوجودنا. والغرور البشري العتيد إياه ليس له داع على الإطلاق!
ولكن برغم ذلك لا يوجد كائن آخر بالذكاء الكافي كي ينظر حوله ليرى حجمه الحقيقي. نحن صغار الحجم أمام كون عملاق، ولكن كوننا ندرك حقًا أننا صغار الحجم وسط مليارات الكائنات التي لم تعرف هذا بعد يعني أننا أذكى ما في هذا الكون العملاق! هذا ليس لاستحقاقنا ذلك. ولكن محض تفضيل وتكريم من خالق كل شيء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
كان الأعرابي يرى الناقة التي تفوقه بكثير في الحجم والقوة وبرغم ذلك تذعن له برأسها وتسمح له – هو الصغير الضعيف البائس – أن يركب على ظهرها ويمسك بزمامها ويقودها حيث شاء! لذلك أمره اللّٰه سبحانه وتعالى أن يلاحظ هذا التسخير العجيب الذي يدل على قدرته جل جلاله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13]. أي وما كنا نقدر ولا نطيق أن نطوّع هذه الناقة لو لم يكن اللّٰه قد سخّرها لنا.
إنه نصر عظيم إذن مبنيّ على الفكرة البسيطة الملهمة التي دخلت إلى عقل إنسان عن طريق ما، لذلك كان (إدوارد جينَر) يقول عن اكتشافه ذلك: أنا لست مندهشًا أن الناس غير ممتنين لي، أنا فقط مندهش أنهم غير ممتنين لله لأجل الخير الذي سخرني كأداة لتبليغه لرفقائي من البشر !
من علّم الإنسان كل هذا؟ ذلك الذي خرج من بطن أمه لا يعلم كيف يفعل أي شيء غير البكاء. هذه الطفرة المعرفيّة بين الحال التي بدأ عليها الحياة وبين الحال التي يصل إليها بعد عدة أعوام يسيرة كفيلة بإشعارنا بحجم المعجزة، كما يقول جل جلاله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
ربما تظن أن التعليم البشري فقط هو ما أوصله إلى هذه الحالة، ولكنك حينها لن تجد تفسيرًا للكيفية التي نبتت بها كل العلوم، أو الطريقة التي نشأت بها قيمة العلم نفسه في عالم مادي عشوائي لا صاحب له، ولن تجد حتمًا وسيلة لتفسير القدرة الإنسانية على إضافة المزيد والمزيد إلى هذه المعرفة، والقدرة الفرديّة على الإنتاج والزيادة، لربما بعد أن تحتار في ذلك تهتدي بهذه الآية، حين يقول اللّٰه جل جلاله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3-5].
على أن أكبر سمات هذا الإنسان المُرفّه، قدرته على صنع الحضارة والتقدم! كمثال على ذلك، انظر إلى حالنا الآن.
لو نظرت إلى حال البشرية ككل لوجدت أننا في (عصر النعيم)! عصر سادت فيه أدوات الراحة، وقلت فيه الكثير من المشقة. عصر قد ظهر تفضّل اللّٰه علينا بتعليمه البشر الكثير من أسرار المخترعات والمكتشفات الحديثة كما فعل اللّٰه سبحانه وتعالى من قبل مع داوود عليه السلام: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80]. عصر قد مكننا اللّٰه فيه من البنسيلين، والديجيتاليز، والأتروبين! عصر قد منّ اللّٰه علينا فيه بالمحرّكات والترانزستور والستالايت! عصر زاد فيه ظهور منة اللّٰه على الإنسان، وظهور حنانه، وظهور رحمته.
الإنسان مدلل، لأن الكون لا يتصرف معنا بحجمنا الحقيقي! إنه التمكين الذي هو في الحقيقة أكبر من قدرنا المنطقي! والتسخير الذي هو واحد من مظاهر وجود اللّٰه سبحانه وتعالى وإرادته في هذه الحياة. كما بِخبرنا القرآن فيقولِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: 165].
هناك من الدراسات ما يتتبع التوائم المتماثلة التي نشأت في ظروف مختلفة، وهي دراسات معشوقة لدى علماء النفس والبيولوجيا. فإذا استطعنا إثبات أن التوأم المتماثل المنفصل يشترك في نسبة الذكاء مثلًا، نستطيع أن نثبت أن الذكاء جيني ولا يتأثر بالبيئة.
لا توجد دراسات دقيقة لإثبات الحتمية الجينية، في المقابل هناك الكثير مما يمكن أن يقال في عكس ذلك.
أنتَ ذلكِ الكائن المتوَجِ بحرية الاختيار والإرادة حين عرض اللّٰه عز وجل ﴿الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. أنت ذلك الكائن القيّم الذي خاطبه اللّٰه فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37]. أنت ذلك الكائن المُكرّم بالعقل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
قدرة الإنسان على التمرّد، على تخطي المألوف، على تجاوز المتوقع، على شق طريقه الخاص وسط غابات المقلدين هو ما جعل له كل هذه المسئولية الفردية التي قررها القرآن كأشد ما تكون، فِيقول سبحانه: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15].
ولئن كانت الإباحية هي النظرية، فالاغتصاب هو التطبيق، كما جاء في إحدى بيانات الحركات النسوية المعارضة للإباحية. فهناك خمسين ألفًا من حالات الاغتصاب يُبلّغ عنها سنويا في ألمانيا الغربية، وحوالي 250 ألف حالة في الولايات المتحدة. وتظهر البيانات أن حالات الاغتصاب أكثر انتشارًا في بلاد الحريات الجنسية بحوالي مئة ضعف من البلاد المحافظة!
حذّرنا القرآن من ذلك، فذكر مخاطبًا الإنسان الذي كرّمه اللّٰه عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 26-27]. وهو هنا يربط بين تكريمنا وبين زينتنا بالاحتشام وحفظ العورات والعفة.
وماذا يمكن أن يحدث للإنسان القيّم حين يجادل أحدهم في قيمته؟ كيف ننظر لهؤلاء الذين يقسمون الناس حسب ألوانهم أو قبائلهم؟
لا نعرف هذه الطبقية في الإسلام، فبتعبير (مالكوم إكس) فإن الإسلام مصاب بعمى الألوان! لا يفرق بين الناس إلا بمعيار واحد: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ولكن لماذا نستنكر الطبقية من الأساس؟ إذا لم يكن اللّٰه موجودًا فإن الناس ليسوا متساويين!
الإنسان ذو القيمة لم يكن ليحصل على قيمته لولا أنه صنيعة اللّٰه عز وجل، لولا ذلك لكان علينا أن نندهش ثم نعترض على تلك المكانة الخاصة التي يفترضها لنفسه في العالم. تلك القيمة التي تستمد مصدريتها و(استمراريتها) من اللّٰه سبحانه. من جوار اللّٰه سبحانه!
يشرح لنا القرآنِ ذلك بهدوء وبسلاسةِ، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 4-6].
(فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ)؟!
كمبيوتر المستقبل سيكون قادرا على عمل كل ما يقوم به الإنسان فيما عدا أمرين، أن يكون متدينًا وأن يكتب شعرًا الشاعر السوفييتي / فوزنسكي
الدماغ البشري، ذلك الكائن المعقد. في الحقيقة هو أكثر تعقيدًا مما تتخيل.
والجميل أن العقل البشري يفعل كل ذلك باستهلاك كمية من الطاقة لا تتعدى العشرين واط! أي نفس كمية الطاقة التي تستهلكها (لمبة السهّاري) أمام باب حمام بيتك!
وذلك لأنه مهما تطور الذكاء الاصطناعي لن يمكننا أبدًا أن نتجاوز عقبة (الإدراك والترميز) التي يتميز بها ذلك الوعي الذي أعطاه اللّٰه لنا حين خلق اللّٰه آدم فعلمه الأسماء كلها، ليكون شاهدًا على علم اللّٰه وحكمته وقدرته وإحاطته بكل ما يتعلق ولا يتعلق بهذا الكون، وبالحركات والسكون، والجلايا والظنون. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 31-33].
ما هو الوعي؟ ما هو الوعي فعلًا؟ الإجابة ليست سهلة كما تتصور.
في الحقيقة فإننا مع فكرة الإلحاد أمام معضلة ثنائية من النوع الممتاز، فإما أن يكون وعينا البشري غير مادي، وهذا يعني أن ثمة تدخل إلهي ما، وإما أن ندّعي أن وعينا مادي بالكامل، وقتها سيكون علينا أن نجيب على عدة أسئلة.
أولها، كيف يمكن للدماغ المادي أن يدرك وجود ذاته؟ كيف يمكن إدخال الوعي في نطاق الفيزياء أو الكيمياء؟
ثاني الأسئلة التي يجب علينا أن نجيب فيها على سؤال العقل المادي هو: كيف يمكن لنا أن ندرك التجريد؟ كيف يمكن للعقل المادي أن يتخيل، مجرد تخيل، وجود شيء مُجرّد غير مادي؟ كيف يمكن للعقل المتناهي المحدود أن يتخيل وجود شيء غير متناهي وغير محدود مثل (الله)؟ إن سؤالا كهذا كان من العمق بمكان أن دفع (ديكارت) أشهر شكّاك في التاريخ إلى الإيقان بوجود اللّٰه عز وجل.
وأما ثالث الأسئلة وأهمها، فهو كيف لنا إن كان دماغنا ماديًا أن نثق به؟!
نحن هنا أمام مفارقة: يجب عليك أن تؤمن بوجود اللّٰه حتى تستطيع أن تثق بعقلك قبل أن تنكر وجود اللّه! لذلك كان يقول الأستاذ (عبد الله الشهري): سيظل الإلحاد حالة مُفرّغة ومفردة معطلة عن أية دلالة ما لم يكن هناك ما يمكن الإلحاد به .
إن ذلك قِريب فعلا من قول اللّٰه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35]. أي كيف تُسوّي بين القائم بذاته المقيم لغيره في دلالتهم وكنههم ووجودهم وهدايات سعيهم، وبين خلقه الذين لا يهتدون إلا أن يُهدَوا؟
هناك لغز آخر يواجه القائلين بتطور الوعي البشري، وهي كيف نفسر ذلك الترابط والتناظر بين وعينا ووعي أجدادنا الذين عاشوا قبل آلاف السنين؟
إننا متصلون بأجدادنا عبر الأزمان، وبإخواننا في البشرية عبر القارات والحضارات المختلفة، لا يمكن فهم ذلك في نطاق الوعي / الدماغي المتطور ببطء، حيث كان من المفترض أن نتجاوز فلسفات أرسطو أو قصائد امرؤ القيس، في المقابل نجد لدينا نوعًا من (الجنسية الإنسانية) التي تربط الجميع بمشكاة واحدة، مشكاة يمثل فيها الوعي البشري أكبر الألغاز وأجمل النفحات الإلهية، فتذكر لنا السنة أن اللّٰه قد خلق آدم على صورته، ويذكر لنا القرآن أن اللّٰه قد نفح في آدمٍ من روحه: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 9].
ماذا عن اللغة؟ ففي القرآنٍ يوضّح اللّٰه لنا لغز اللغة، فيقول سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22]، ويقول: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31].
وماذا عن تلك المساحة الداخلية الشاسعة للخير والشر؟ الإنسان القادر على ارتكاب أفظع الجرائم وأنقى التضحيات، ذلك الذي يحمل بداخله أسمى معاني الخير وأقذر الطباع الغدّارة ويترك له المجال لاختيار أيهما يفعل.
الإنسان المتمرد على طبيعته الحيوانية الطيعة الجبرية فنجده يشرئبّ بعنقه إلى ما وراء حدود بيئته أو النطاقات المرسومة لأفعاله، يتمرد على السلطة وعلى مجتمعه وعلى ثقافته بل وحتى على أوامر الإله ذاتها!
إن اللّٰه وحده هو القادر على خلق وعي يتمتع بالحرية! يمكننا أن نلمح هذه المعجزة في بداية سورة الإنسان حين يقول اللّٰه سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 2-3].
العديد من الأشياء التي تعتبرها مقاييس عامة ومتفق عليها للأشياء يتبين لك أنها عامة فقط في المحيط الذي حولك. بينما نجد أن قيم الحرية والصدق والوفاء والعدالة والعطف على الفقير والإحسان إلى الناس هي قيم مشتركة فعلًا بشكل تام بين جميع البشر، إنها شفرة مكتوبة بعناية يسير عليها كل هؤلاء دون خلاف يذكر!
ما سر ذلك؟
دعونا نجيب عن هذا بطرح ثلاثة أسئلة: هل هناك قيم مطلقة وأخلاق موضوعية في العالم؟ ومن أين أتت؟ وهل يمكن تفسيرها بمنأى عن وجود الله؟
هل هناك أخلاق موضوعية في العالم؟ دعنا نبدأ بالتساؤل عن هذا أولا.
عندما يُسأَل الملحدون عن هذا فهم يقعون في ورطة، لو قالوا: نعم توجد أخلاق موضوعية مطلقة في العالم، فسيكون علينا أن نسأل: من أين أتت؟ فالسلوك الأخلاقي إما أنه لا معنى له، وإما أن له معنى يتمثل في وجود الله. وأما لو قالوا: لا، لا توجد أخلاق موضوعية ثابتة، فهم بذلك يجوّزون أن يفعل الإنسان أي شيء، وينسفون الأساس القِيَمي لمعاني الخير والشر.
فبحسب هذه الرؤية، لا يوجد أي شيء خاطئ في أن تغتصب أو تقتل، كما عبر دوكنز عن ذلك بصراحة فقال: العلم الطبيعي ليس لديه طريقة للحكم على ما هو أخلاقي. إن هذه المسألة متروكة للأفراد والمجتمع . وقال: ما الذي يمنعنا من القول بأن هتلر كان على صواب، أعني هذا سؤال صعب فعلا ! ولما سُئِل: اعتقادك أن الاغتصاب أمر سيء هو اعتباطي تمامًا كحقيقة أننا تطورنا بخمسة أصابع بدلا من ستة؟ قال: نعم، تستطيع قول ذلك .
كيف يمكننا أن نعيش في مجتمع مع رجل ملحد يؤمن بهذه الأفكار؟
يمكننا أن نفطن إلى حجم هذه المعضلة من التأمل في كلمة دوكنز التي ذكرها في لقائه على الجزيرة الإنجليزية: أنا ضد الداروينية ولا أطيقها حين يتعلق الأمر بحياتنا . هو هنا لديه مجموعة من القيم (الفوْقية) التي تجعله يحكم على الداروينية (الطبيعة) بأنها لا تُطَاق ولا تصلح لحياتنا. فمن أين أتت هذه القيم المتعالية؟ إنها لا تتناسب مع الإلحاد مطلقًا ولا تتوافق مع مادية الإنسان.
ننتقل إذن إلى السؤال التالي، من أين أتت هذه القيم؟ ولماذا تكون مطلقة؟ ولماذا هي متجاوزة للزمان والمكان؟ لماذا لا يمكنك أن تتصور أن بعض الكائنات المخلوقة على مجرة أندروميدا سوف تفترض أن الأمانة والصدق صفات قبيحة؟ لماذا لا يمكنك أن تتخيل أن يتوافق الناس على حسن السرقة أو الغش في الألفية العاشرة؟
كيف يمكن للطبيعة أن تنتج تصورات فوق طبيعية؟ وكيف يمكن للمادة أن تطلق أحكامًا موضوعية غير خاضعة للمادة؟ وما سر الارتباط بين عالم الحسن والجمال الاستاطيقي، وبين عالم القيم والأخلاق؟ فما معنى قولك أن الوفاء (جميل)؟ أو أن الخيانة (قبيحة)؟
لو كنا أبناء المادية الخلص لكان من المفترض ألا نحتاج إلى الأخلاق كي ننشئ الحضارة والتطور، لأنها بالفعل ضارة ومعطلة، ولكن العكس هو الذي حدث.
لذلك لما يُسأل الملحدون المعاصرون عن السؤال (الأنطولوجي) للأخلاق، يهربون منه للسؤال (الإبستيمولوجي) للأخلاق! بمعنى آخر: بدلا من أن يجيبوا: كيف ظهرت هذه القيم الموضوعية المطلقة في عالم المادة؟ يجيبون بدلا من ذلك عن سؤال لم يسأله أحد: كيف لنا أن نعرف ما هي القيم الصحيحة وما هي القيم الخاطئة؟
في الحقيقية، فإن وجود القيم الأخلاقية السائدة المطلقة دليل مستقل على وجود الله، كما عبر عن هذا الدليل الأستاذ (عبد الله العجيري): لو اللّٰه غير موجود، فالقيم الأخلاقية الموضوعية غير موجودة، وبما أن هذه القيم المطلقة موجودة، فالله موجود.
ينقلنا هذا إلى السؤال الثالث والأخير: هل يمكن تفسير هذه القيم المطلقة بمنأى عن اللّٰه عز وجل وعن دينه؟
ما نسيه هاريس ورفاقه هو أن يوضحوا لنا ما هو الدليل على أن معيارهم صحيح؟ في عالم ينفون فيه وجود القيم المطلقة فلا توجد من باب أولى المعايير المطلقة، لا يوجد صواب وخطأ أصلا. وهذا هو ما دفع (ريتشارد دوكنز) الملحد الأكبر إلى الاعتراف بذلك في كتابه وهم الإله: ليست جميع الأحكام المطلقة مُستمَدّة من الدين، ولكن من الصعب جدًا الدفاع عن القيم الأخلاقية المطلقة على أرضية أخرى غير الدين !
كيف أجاب القرآن إذن عن سؤال الأخلاق والقيم؟
وضح لنا القرآن الإجابة عن أول الألغاز: لغز القيم الأخلاقية المطلقة التي وجدناها في الوجود: اللّٰه هو من وضعها في الأرض حين خلقها: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: 7-8]. والله هو الذي خلق فينا هذه القيم، وفطرنا على هذه الأخلاق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
وضح لنا القرآن لغزًا آخر وهو لغز الاطراد التاريخي على الأخلاق، والإجماع الإنساني عليها، بطريقة أخرى: كان هذا من بقايا وحي الأنبياء على مر العصور.
كل هذه القيم التي جاء بها الأنبياء من قبل محمد ﷺ وصنعت ذلك الإجماع الإنساني الفريد، حدثنا القرآن عنها، فقال عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 151-153].
لذلك كان يقول (ابن تيمية): إنه ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو أثر نبوة، وإن كل خير في الأرض من آثار النبوات .
يخبرك القرآن بإجابة لغز آخر: هل الدين حين يدعو المؤمن به إلى التزام الأخلاق مقابل الجزاء الأخروي هو امتداد لمذهب النفعية كما يزعم (أوجست كونت): إن كان أي امرئ لا يكون صالحًا إلا لخوفه من غضب اللّٰه أو لطمعه في إنعامه، فإنه في الحقيقة لن يكون صالحا ولا محبًا للخير ؟
يجيبك القرآن على ذلك بأن جعل اللّٰه الخير مرادفًا للعمل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. وربط بين الإيمان والعمل الصالح سواء بشكل صريح أو في معناه في أكثر من خمسين موضعًا. والأهم من كل ذلك أن وضح أن ميزان نجاة العبد يوم القيامة هو في صلاح نفسه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
القرآن لا يرى انفصامًا بين العمل الصالح وبين صلاح هذا الإنسان في ذاته كما يراه كونت. وحقيقة أننا نعمل العمل الصالح في انتظار جزاء اللّٰه عز وجل لا يعني أن لدينا الاستعداد للعمل الخبيث لو لم يكن هناك ذلك الجزاء، بل يعني أن الدين في ذاته صالح فلا يقبل من أتباعه ألا يكونوا صالحين.
من هو سيزيف ومن ألبير؟
سيزيف هو ذلك الشاب الأسطوري في الميثولوجيا الإغريقية والذي من المفترض أنه خدع الموت. لذلك حكم عليه (زيوس) بعقاب أسطوري، أن يحمل صخرة إلى قمة جبل، ثم ما إن يصل حتى تقع منه، فيقوم بحملها مرة أخرى صعودًا للجبل، وهكذا إلى الأبد!
أما ألبير كامو فهو الروائي والفيلسوف الفرنسي من أصل جزائري والذي اكتشف في مرحلة من مراحل عمره أهم أفكاره الفلسفية: الإنسان يعيش في حياة عابثة بدون معنى، يشقى ويكابد لا هدف، يعيش ويموت دون أن يملك القدرة على الحكم على حياته إن كانت تستحق أن تُعاش أم لا، تمامًا كـسيزيف في حمله للصخرة عابثًا. وحيث أن ألم تحمل البقاء على الحياة يشابه ألم حمل هذه الصخرة الثقيلة إن كان كلامهما نوع من العقاب العابث عديم الجدوى! لذلك ذكر في مقدمة كتابه (أسطورة سيزيف): هناك مشكلة فلسفية وحيدة في الانتحار، فالحكم بأن الحياة تستحق أن تُعاش يسمو إلى منزلة الجواب عن السؤال الأساسي في الفلسفة .
حين توصل البعض إلى ذلك الظن المرعب: (لا يوجد إله، لا أحد يبالي بنا، لا يوجد هدف أو غاية من الوجود) انقسموا حينها إلى ثلاثة مذاهب. العبثية التي سبق شرحها، والوجودية Existentialism والعدمية Nihilism.
العدميون مثل (فريدريك نيتشه) يعتقدون أن لا معنى من الحياة وكفى! لا يجب علينا أن نقاوم هذه الحقيقة أو نحاول تزيينها. أما الوجوديون مثل (جان بول سارتر) يعتقدون أن لا معنى من الحياة في ذاتها إلا ما يضفيه عليها الإنسان من معنى، وهو الأمر الذي لا ينطوي على كبير منطق كما لا بد أنكم لاحظتم، فانشق عنهم العبثيّون كما ذكرنا.
يتضمن ذلك فكرة أن الإنسان والعالم ليس بينهما تناغم. ليسا مصنوعين من ذات المعيار.
تتضمن هذه المذاهب الصراخ بحقيقة نعلمها جميعًا ونتجاهلها: كل شيء (تافه) و(عابث) و(عدم) إذا كان الإنسان يموت إلى الأبد! إنها الفكرة التي عبر عنها القرآن: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].
يحتاج الإنسان إلى غاية من حياته، وإلى معنى يدركه لوجوده حتى لا يصاب بالجنون، وقتها فحتى الانتحار – كما بين كامو – لن يقدر عليه لأنه لن يملك القدرة على الحكم إن كانت الحياة تستحق أن نعيشها أم لا.
فيحدثنا القرآن عن (العقلاء) الوحيدين على الكوكب، أو بتعبير القرآن: أولي الألباب. والذين ينظرون إلى هذا الكون فيعلمون أن ثمة شيئًا يقبع في كواليس مغزاه، هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].
لو كان للوجود معنى في وجداننا لما أمكن فهم ذلك إلا بوجود الله، ولكن هل للوجود معنى في وجدان الإنسان؟
ما الذي جاد به الوعي الإنساني أولا؟ الشعر أم النثر؟ الإجابة الغريبة أن البشر كانوا أسبق للشعر من النثر! لكن هناك ما هو أغرب أن البشر كانوا أسبق للميتافيزيقا وأفكارها من الفيزيقا ونظرياتها! اهتم الإنسان بعالم ما وراء الطبيعة قبل أن يهتم بعالم الطبيعة المادي. صار العالم واقعيًا فحسب بقدر ما نضفي عليه من صبغات أنفسنا، بقدر ما نجد فيه من المعاني. وعلى رأي أفلاطون: يكون العالم المادي حقيقيا بقدر ما يوجد فيه من أفكار .
القرآن يشير لك إلى هذا المعنى البديع! الإنسان بداخله يملك الشعور بالمعنى الكوني الغامض الذي قد جاء من خلف الواقع ومن وراء الاعتياد. ذلك الشعور الذي ذكره اللّٰه سبحانه وتعالى لما قال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: 8]!
لا يسمحون لأحد بأن يسأل لماذا حتى لا يثير اضطرابًا في طمأنينتهم الزائفة التي بنوها لأنفسهم. نتذكر بسهولة عند ذلك قول اللّٰه عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ﴾ [محمد: 12].
لا معنى عند من ينكر وجود اللّٰه للحس الجمالي Aesthetic، أو الأخلاقي Moral، أو القيمي. يفهم الإلحاد إلا الميكانيكا.
هذا المصير هو ما نلاحظ أن القرآن حذرنا منه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المدثر: 19]!
الفكرة أنه طبقًا لحسابات عالم الرياضيات (وليم ديمبسكي)، فإذا كانت احتمالية وقوع شيء ما مقابل عدم احتمالية وقوعه أقل من 1 على 10150 فهو مستحيل الحدوث عمليًا على أرض الواقع! من أين وصل إلى هذا الاستنتاج؟ باستخدام ثلاث معطيات متفق عليها بين جميع العلماء مؤمنهم وملحدهم.
هذه المعطيات هي كالتالي: أولًا عدد الجسيمات الأساسية في الكون كله تساوي 1080. ثانيًا لا يمكن أن يحدث أي تغير لمادة من حالة إلى حالة في زمن أقل من (زمن بلانك) وهو زمن ضئيل جدًا يساوي الثانية مقسومة على 1041. ثالثًا عدد الثواني التي مرت منذ نشأة الكون (14 مليار عامًا) أقل من 1025 ثانية.
هو جنون بالتأكيد، ولكنه جنون لا يعفيهم من المسئولية أو استحقاق العقاب، وإنما نوع من الجنون ذكره أهلِ النار عن أنفسهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10-11].
ولكن (هيوم) لم يكن يعني فعلا أن ينفي السببية، هو فقط ينفي قدرتنا على البرهنة عليها، ففي رسالة له إلى (جون ستيوارت) عام 1754 قال: لم أدّع يومًا مثل هذا الادعاء السخيف، أن شيئًا يمكن أن ينشأ بدون سبب. الذي قلته فقط أن جزمنا بخطأ تلك الدعوى لم يكن ناشئًا لا من حدس ولا من برهان. وإنما هو من مصدر آخر .
كل هذا قد لخّصه القرآن في آيتين حين خاطبنا بالبديل المحتمل عن وجود اللّٰه سبحانه وتعالى فقال جل جلاله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]. لما سمع جبير بن مطعم النبي ﷺ يصلي بهذه الآية في صلاة المغرب قال: كاد قلبي أن يطير !
وقال اللّٰه تعالى عن كل البدائل المحتملة الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73]. لن يحدث أن نثبت وجود أي بديل عن وجود الخالق، لأن كل البدائل الأخرى المحتملة (الصدفة والعدم والعشوائية والفوضى والدور) أقل منا في قدرتنا وعلمنا، وبرغم ذلك لا نقدر نحن على أن نخلق ذبابة ولو اجتمعنا لها!
السُّؤال الخطأ (عن سؤال: مَن خلق الله؟ وعن صِفات الله، وأشياء شبيهة)
لا نحتاج إلى فهم كل شيء إذن حتى نحصل على الثقة! لا نتضايق إن (تشابه علينا) أو التبس. يكفينا أن نتأكد من وجوده، يكفينا أن نرى آثاره، يكفينا أن نفهم (الكثير) من الأشياء الأخرى (المحكمة) التي أتت لنا من (نفس المصدر)! جميعنا يقوم بذلك فيما يختص بعلوم البشر. لكن حين نأتي إلى علوم الإله، فيما يختص به، وبكينونته، وصفاته، حينها يتحول بعضنا إلى ذلك المحقق البوليسي الذي (يدّعي) أنه لا يرضى في حياته بأقل من أن يفهم كل التفاصيل والأسباب، ولو لم يفهمها فالأمر بسيط، يشطبها من قاموسه كأنها لم تكن!
يمكننا أن نكشِف أن فيَ قلوب هؤلاء ريبًا وشكا وزيغًا وأنهم كانوا الفريق الخاسر في أحد هذين القسْمين: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7].
فهناك من ضيّع محكمات عقله ودينه وما تأكد منه بتأمله في الخلق والسنن والكون، من أجل أمر التبس عليه أو استشكله، واعتبر أنه كائن عبقري بطبعه لا بد أن يكون محيطا بكل شيء وإلا فلا!
وهناك من اعتبر ما يعلمه وما يثق فيه وسيلة للتأكد واليقين فيما يجهله ويختبئ عنه، لماذا؟؟ لأن كلَّا من عند ربنا! المصدر واحد، فمن صَدَقَني في الأولى فسيصدُقني في الثانية.
عقولنا لها حدود لا يمكنها أن تتخطاها، وحواسنا أشد منها محدوديّة بكثير، وأسئلة مثل: (من أين جاء الله؟!) أو (كيف يوجد إله كامل وبكل هذه الصفات المعقّدة الكاملة فجأة وبدون تفسير علمي؟!) أو (كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل رغم أن هذا الثلث يتغير وقته بين البلدان المختلفة باستمرار؟!) أو (كيف يستوي اللّٰه على العرش؟!) تقع إجاباتها بالتأكيد خارج نطاق هذه الحدود. إنها في البيت المظلم الذي لن نستطيع أن نرى ما به فنقرر أن نبحث عنها في الإضاءة الخارجيّة رغم أنها ليست هناك! نحن نبحث في المكان الخطأ وبالأدوات الخطأ، ثم نندهش حين لا نصل إلى إجابة حاسمة ملموسة!
حسبي اللّٰه وكفى، يسمع اللّٰه لمن دعا، ليس وراء اللّٰه منتهى من دعاء النبي ﷺ.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي بن كعب قال: قال المشركون للنبيّ ﷺ: انسب لنا ربك. فأنزل اللّٰه جل جلاله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
هذه قصة مشكوك في صحتها، كما جاء في أثر آخر رواه الإمام الطبري أيضًا مشكوك في صحته أن رهطًا من اليهود أتوا النبي ﷺ قالوا: يا محمد، هذا اللّٰه خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبيّ ﷺ حتى انتُقع لونه، ثم ساورهم غضبًا لربه، فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه، وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من اللّٰه جواب ما سألوه عنه. قال: يقول اللّٰه جل جلاله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
على ذلك لم يثبت دليل صحيح في سبب نزول هذه السورة العظيمة على قول كثير من علماء الحديث، إلا أنه قد ثبت أن النبي ﷺ قد دعانا إلى تذكرها في كل مرة نسأل فيها أنفسنا هذا السؤال: من خلق الله! ففي الحديث الذي رواه النسائي: يوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم: هذا اللّٰه خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: اللّٰه أحد، اللّٰه الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد .
لذلك كان رد الفيلسوف الملحد (وليام رو) في كتابه (الحجة الكونية) على البرهان القائل بأن (إذا لم يكن للزمان أول، فلا يمكن أن يكون له وجود)، أن قال: من الصعب أن نظهر بدقة الخطأ في هذا الاستدلال .
فالصمد إذن لا يحتاج إلى أن يلده أحد أو يوجده أحد، لماذا؟ لأنه هو من يُصمد إليه في الحوائج، من يُعتمد عليه في الإيجاد، هو من أصدر الأمر الذاتي لنا بـ كن فكنّا. لو كان ثمّة شيء وراءه لما كنّا في الوجود!
وهو ما نلاحظ أن القرآن قد دل عليه في قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28]. فكل شيء لا بد قبله شيء، هل يمكنك أن تعود بعقلك لكل الموجودات المتخيلة حتى تتخيل رقم (1)؟ فحتى رقم (1) اللّٰه قد أحصاه. اللّٰه تعالى هو الأول الذي قد أحصى كل شيء من بعده!
يعني هو يرفض إجابة المؤمنين: اللّٰه هو السبب الأول ولم يخلقه أحد. ولكنه في ذات الوقت يسرقه منا ويضع مكان كلمة (اللّه): (الكون). وهو نفس ما فعله (كارل ساجان) ولكنه بطريقة أكثر صراحة، فيقول في كتابه Cosmos إن الكثير من الشعوب تحمل في ثقافتها جوابًا مألوفًا عن أصل العالم بقولها: (إن اللّٰه قد خلقه من العدم)، وإن الشجاعة تقتضي أن نسأل: (فمن أين جاء الله؟)، وإذا قيل إن اللّٰه موجود بلا ابتداء، فلماذا لا نرجع خطوة إلى الخلف ونقول: إن الكون كان موجودًا منذ الأزل؟
يااااه! هل تذكر الجدال بأن الكون قديم أم حادث؟ هل ما زال أحدكم يذكر ذلك الهراء الذي حشرناه في أدمغتنا ونحن ندرس كتب العقيدة وعلم الكلام؟ استهلك الغزالي ثلثي كتاب تهافت الفلاسفة تقريبًا للرد على (ابن سينا) و(الفارابي) في هذا. كانت مسألة (الكون القديم) هي أكبر (المشاكل) التي يحتاج عالم العقيدة إلى مواجهتها وهو يجادل الفلاسفة، كانت هي المسألة الحاضرة في كل كتب ابن تيمية تقريبًا. أين ذهب كل هذا التراث الآن؟ تبخّر! بمنتهى البساطة قد تبخر!
وبعد أن استقرت نظرية الانفجار الكبير في وعي علماء الفيزياء، أخذوا في التساؤل: يا للحماقة! كيف لم يفكر أحد في ذلك من قبل؟! بالطبع الكون حادث، لا يمكن علميًا أن يكون قديمًا لعدة أسباب.
على الفور تذكر الفيزيائيون أن القانون الثاني للديناميكا الحرارية لن يتفق مع فكرة الكون الأزلي، فلا بد من أن يكون الكون قد فني من الحرارة تمامًا لو كان موجودًا منذ الأزل، وهو ما لا بد أنك لاحظتَ أنه لم يحدث.
وبعد أن استقرت فكرة أن الكون له بداية. أدركوا كم هي هذه الفكرة مزعجة بالنسبة إليهم!
المشكلة يا سيدي ليست فقط أن كلامك قد تبين خطؤه لاحقًا. ولكن المشكلة لماذا كان يسيرًا عليك أن تؤمن بأي معجزة غير مفهومة، شريطة ألا تكون الله؟
المشكلة يا سيدي أني أجدك في هذه الآية: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45].
ولأن هذه الحقيقة كانت واضحة تمامًا لكل الفلاسفة على مر العصور، لم يقل أحد من فلاسفة الدليل الكوزمولوجي (وهو الدليل الذي فصّله الفلاسفة العرب بإثبات وجود اللّٰه بحجة وجود خلقه ويسمى أيضًا الدليل الكلامي نسبةً إلى علم الكلام عند المسلمين) أن كل شيء لا بد له من سبب. بل كان كلامهم واضحًا: كل شيء (حادث) لا بد له من سبب.
يخبرنا القرآن أنه ليس علينا، ولا ينبغي لنا أن نتتبع حبل التفسيرات حتى آخره، لا يجب علين أن نحمّل أنفسنا عناء اقتفاء السبب وراء السبب طالما لم يكن لدينا به علم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
الفيلسوف الفرنسي مونتيني أشهر شُكّاك عصر النهضة، لاحظ أن بعض الحيوانات لا تملك بعض الحواس كالرؤية والسمع، ومع ذلك لا تشعر أنها محرومة منها، فتساءل: لماذا لا يكون الإنسان محرومًا بدوره من حاسة ما، خاصة بإدراك أشياء لا يعرفها، وهو لا يشعر بفقد هذه الحاسة الهامة؟ وهو ذات التساؤل الذي قدّمه الفيلسوف المسلم أبو حامد الغزالي.
يمكنك أن تظن أن ما تراه أمامك من الموجودات، هو كل ما هو موجود فعلا حولك. بينما في الحقيقة شبكيّة عينك لا يمكنها أن تشعر إلا بنطاق معيّن (ضيّق جدًا) من الأطوال الموجيّة للأشعّة الضوئية يقع بين 400 و760 نانو متر. فقط نطاق صغير من الضوء (300 نانومتر)، وكل ما يقع خارج هذا النطاق لا يمكنك رؤيته.
وتبقى في النهاية الفكرة التي نريد إيصالها ثابتة: أنت لا ترى ولا تسمع ولا تشعر إلا بنط ضيق جدًا من هذه الحياة، وحواسك محدودة بالفعل!
ناهيك عن حدود أخرى للحس: الأماكن البعيدة عنا نحن كبشر! المجرات التي تقبع هناك في زاوية بعيدة من الكون، ماذا يحدث فيها؟ وهل هناك غير هذا الكون الذي نعيش فيه؟ هل هناك أكوان أخرى في أماكن أخرى من خلق الله؟ لا نعلم شيئًا!
وفيما يخص اللّٰه سُبْحَانهُ وَتَعَالَى وصفاته وكيفيتها نجد القرآن يحدثنا عن ذلك فيقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103].
لذلك لم يفلح موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ في طلبه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]. لأن جواب اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عليه كان: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143].
لا يمكننا أن نقيس اللّٰه تعالى على أي شيء رأيناه أو سمعناه من قبل، وذلك لأن اللّٰه عز وجل ليس كمثل أي شيء آخر أدركته من قبل حواسنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
ماذا عن الفيزيائيين؟ في نظرية الأوتار الفائقة يفترضون عددًا من الأبعاد 10 أو 11 أو 26 بعدًا حسب نماذجها المختلفة. هل يمكنك أن تتخيل حجم الأشياء غير المدركة غير المعقولة في عالم يتكون من 26 بعدًا مثلًا بينما أنت تعيش في 3؟!
لا يعنينا كل ذلك، فالله أعلم بحقيقة الحال. ولكن فقط أردنا أن نوضّح أن حدودك الإدراكية بالغة الضيق والصغر، ولكنك لسبب ما لا تريد أن تقنع بذلك!
فحينما يتحدث القرآن عن صفات اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ التي تحارُ فيها العقول، ومنها بطبيعة الحال الطريقة التي كان اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بها موجودًا قبل الوجود، فهو الأول الذي ليس قبله شيء.
يخبرنا القرآن أن هذا أمر طبيعي علينا ألا نقدر على استيعابه بشكل كامل! كما يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110].
وهكذا، على حسب النوع البيولوجي يتكون ما يسميه العلماء: الواقع البيولوجي، فواقع كل كائن حي ليس هو الواقع الحقيقي بأكمله، ولكنه فقط جزء الواقع الذي استطاع هذا الكائن أو ذاك أن يجمع عنه المعلومات الكافية! ولكن، هل الإنسان استثناء؟
هذه الطفلة التي تراها أنت تلعب الحجلة هناك في تنورتها الصفراء، هل هي طفلة حقًا تلعب الحجلة في تنورة صفراء؟! على سبيل المثال، لا يوجد ألوان في الواقع الحقيقي، ولكن شبكية عينك تحوّل طولا موجيًا معينًا إلى إشارة كهربية مميزة، ومخك مُبرمج على أن يدركها على هيئة لون ما. وأنت لا ترى جسم الطفلة كسحابة جسيمات برغم أن هذه هي حقيقتها فعلا.
أي قوة طبيعية تعتمد على ثلاثة عوامل لإحداث أي تأثير، الحجم والمسافة والوقت. وبما أن جينات كل كائن تحدد حجمه، والمسافة التي تفصله عن الكائنات الأخرى، وسرعة تغييره لحالته. فبالتالي درجة تأثير قوى العالم الطبيعي وعلاقتها بأي كائن مخزنة مسبقًا في جيناته!
نحن مع كل خلق اللّٰه نعيش في حالة من القيّومية والقهر الجبروتي الكامل. يُرينا اللّه العالم بالطريقة التي يريدنا أن نراه عليها، يُخضع كل نوع منا لما يريد أن يُخضعه له. يجعلنا ننظر إلى الملكوت فلا نرى إلا ما يأذن لنا به منه، يخلقنا اللّٰه في الصورة التي يشاء على الوضع الذي يشاء حتى ندرك ما يشاء.
يذكرنا ذلك بخطاب اللّٰه لنا حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]!
فما الذي غرّك يا مفعولا به
كل ما أنتجه الإنسان من حضارة عظيمة وأفكار رائعة كان نتاج هذه الـ 1200 سم مكعب من الخلايا المخّية، عندما نقصت بمقدار 150 فقط صار بوسعك أن تخدع صاحبها بألعاب سحرية بلهاء، ويكاد لا يعرف كيف يجمع سبع تفاحات على أصابعه!
يمكنك أن تتخيل ماذا سيحدث لو زاد إذن حجم المخ للضعف مثلًا؟! ما كم الذكاء والقدرات المخية التي سيحصل عليها ذلك المحظوظ؟!
لذلك لا يسعني إلا أن أشعر بالشفقة تجاه من يظن أنه يقدر على أن يحيط علمًا بخالق الأكوان بالألف ومائتي سم مكعب خاصته من الخلايا العصبية!
أنت مفعولٌ بك، لم تختر أن يكون مخك أعظم مخ على الأرض وبرغم ذلك بهذه المحدوديّة الرقميّة. بل في الواقع إنه اختيار اللّٰه سُبْحَانهُ وَتَعَالَى لك، إنه فعل اللّٰه سُبْحَانهُ وَتَعَالَىٰ فيك، إنها مشيئة اللّٰه التي سمحت لك بأن تعلم (بعض) الأشياء بما يشاء! كما يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالى في أعظم آية في القرآن: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255].
أنت مفعولٌ بك، حين تنظر إلى المرآة فتجد وجهك وشكلك المحفوظيْن اللذيْن لا يمكنك تغييرهما، لقد فُطرت هكذا من دون اختيارك، من دون أن يسألك أحد! هذا بلا شك دليل على اختلاف المكانة العظمى بينك وبين الفاعل الأعظم، اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. كما وصف اللّٰه سُبْحَانهُ وَتَعَالَى نفسه حينها بـ (العزّة) في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6].
ذكر أفلاطون قصة من خياله، تخيل أن مجموعة من الناس يسكنون كهفًا منذ أن وُلِدوا في ظلام دامس، ولم يخرجوا منه أبدًا، وداخل الكهف كوة صغيرة في حائط مقابل، في الطرف الآخر يوجد ضوء، بحيث يمر الناس بجانب الكهف فلا يرى أهل الكهف إلا ظلالهم المعكوسة على الحائط.
لا يرى أهل الكهف إلا ظلال المارة ولا يسمعون إلا صدى أصواتهم، ولكنهم يتخيلون أنهم يرون الواقع الخارجي، فإذا أخرجنا أحد أهل الكهف إلى النور ورأى الشمس، والواقع على حقيقته، فإنه سوف يضطرب في البداية ثم يأنس بالواقع الجديد الأكمل من واقع أهل الكهف. ولما عاد إليهم وحاول أن يخبرهم بما رأى. اعتبروا أن بصره قد فسد بالنور ولم يصدقوه، ورفضوا صيحته في الخروج من الكهف حتى لا تفسد عيونهم مثله.
ذكرت هذه القصص لأنني لا أريدك أن تستخلص مما سبق من النقاط في هذا الفصل أن صفات اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ محتجبة عنا بالكامل أو أن اللّٰه خفيٌّ عنّا بشكل تام!
هذا ليس بصحيح على الإطلاق، فصحيح أن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ هو اللطيف الذي يخفى على عباده، والباطن الذي لا يوجد ما هو أخفى منه أيضًا، ولكنه أيضًا الظاهر الذي ظهر عليهم وظهر لهم بكل شيء، فليس ثمّة شيء فوقه، أو أظهر منه!
هذا التباين نجده في المثال الذي ساقه اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا في القرآن حين يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35].
الذين رسبوا في اختبار الخطّ (عن سُؤال: هل هُناك غاية مِن الخلق؟)
هؤلاء الذين يسألوننا: حسنًا، اللّٰه موجود، وهو أعلى وأكبر من أن نحيط علمًا بصفاته، ولكن من أخبركم أنه يسمعنا ويعلم بحالنا وينزل لنا شرائعه ويدعونا لعبادته؟! لماذا لا يكون قد خلقنا ثم هجرنا؟؟
ربما كان هذا هو السبب الذي ذكرنا القرآن لأجله بأن علينا أن نعيد الانتباه كل يوم لنعمة تجدد سكينة الليل وضياء النهار: ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 73].
إن هذه أمثلة جيدة على أن نعم اللّٰه في الواقع تتجدد عليك بشكل كامل في كل لحظة، أنت الذي حسبت أنها كانت أشياء أعطاكها وكفى، لم تفطن إلى أن عملية الإعطاء مستمرة.
هذا يذكرك بأن ربك ليس بصانع ساعات خلق الكون وضبطه ذاتيًا ثم رحل، بل ربك ما زال يحوطك بعنايته وإحسانه في كل لحظة ويلاقيك في كل حين بعين ما تحتاجه.
لذلك تجد أن اللّٰه لم يهملنا لحظة، يطعم جائعًا، ويستر عاصيًا، ويجبر مكسورًا، ويرزق محرومًا، ويرحم يائسًا، ويرزق الجميع من حيث لا يحتسب أحد. كما يقول عز وجل: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29].
في أولى محطاتنا إذن للنظر إلى الإجابة القرآنية على سؤال الغاية نلاحظ أن القرآن قد عارض صراحةً ذلك المبدأ العقلي المبسَّط الكسول: إهمال اللّٰه لخلقه! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: 17]. وكما يقول جَلَّ جَلَالُهُ في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62].
في المقابل، فإن القرآن يعطيك التفسير الأمثل والوحيد لهذا اللغز. إن الإله الذي خلق كل شيء، لم يكن له أن يخلق هذا الخلق ثم يغفل عنه، هو ليس مهملًا لخلقه، ليس جاهلًا عمّا يدور به، ولا غافلًا عمّا يحتاجه أو (يستحقه) هذا الخلق، هو ليس عاجزًا عن أن يلاقي أهل الإحسان بما يحتاجونه ولا أهل الإساءة ببعض ما يستحقونه، بل هو القدير الذي أحاط بكل شيء علمًا! لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12].
الناجحون لا يضيّعون حياتهم في ألعاب الفيديو! قاعدة يعرفها الجميع، ولأننا نملك هذه النظرة البشريّة إلى هؤلاء الذين يضيّعون أوقاتهم وقدراتهم في عمل عابث ليس له قيمة، فبالتالي نحن نعلم جيّدًا بشاعة من يظنون ذلك في اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ! فيذكّرنا القرآن بفداحة هذا الظن السيء به، كما يقول جَلَّ جَلَالهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16].
كان آينشتاين يقول: الله لا يلعب بالنرد مع الكون . وكان يكره مبدأ اللا حتمية في بعض تفسيرات ميكانيكا الكم، لأنه يرى أن قوانين الطبيعة ليست اعتباطية. وهو الأمر الذي نلاحظ أن كل شيء في الكون يدل عليه. فهل يمكن أن نفترض أن اللّٰه (لا يلعب) حين نتحدث عن (إحكام) الخلق، ولكنه (يلعب) حين نتحدث عن (حكمته) من هذا الخلق؟!
نجد هذا المعنى واضحًا في قول اللّٰهِ عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].
بينما القرآن يتسم مع النظرة العاقلة في الإنسان الذي يقول إنه على الأقل لو افترضنا أن الإله يريد أن يلهو -وحاشاه ذلك سبحانه- فسيتخذ لهوًا أفضل وأكمل وأعقل وأجمل من هذا الكائن الضعيف المتهالك: الإنسان! كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 17].
هذا وعي عظيم إذن! لا بد أنه أعظم من أن ينتهي بسكتة قلبية ناتجة عن تراكم الشحوم، أو حادثة على طريق الساحل! من المنطقي أنه سيستمر إلى ما بعد ذلك. من البديهي أن عملية إنشاء هذا الوعي العظيم من نطفة منيّ غبيّ، لم تكن بلا هدف ولن تمرّ مرور الكرام! من المؤكد أنه لن يُهمل ولن يُنسى ولن يُرحم من السؤال. من المهم أن تسأل نفسك هذا السؤال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: 36-37]؟!
كان ابن القيم يعلق على هذه الآية فيقول: احتج سبحانه أنه لا يترك الإنسان مهملًا معطلًا عن الثواب والعقاب، وأن حكمته تأبى ذلك، من بعد أن نقله من نطفة منيّ إلى علقة إلى مضغة، ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى .
، ولكن لماذا لا تكون هذه الغاية هي مجرد وجودنا في الدنيا، نموت بعد أن نحيا، وهذا كل شيء!
كان الأستاذ عبد اللّٰه الشهري يرى أن هناك ثلاثة مستويات لإدراك الغاية. المستوى الأول إدراك التعقيد في الكون، وهذا لا ينازع فيه أحد.
والمستوى الثاني هو إدراك التنظيم فيه، وهذا ينازع فيه السفهاء من اللادينيين وأما العقلاء فلا يقدرون على إنكاره، مثل اللا ديني الشهير كارل ساجان الذي اعترف أن مظاهر النظام في الكون كثيرة .
وأما المستوى الثالث، فهو إدراك الغاية المعقولة من هذا التنظيم وذاك التعقيد. وإلا فلم كان كل هذا إذن؟! هل مجرد عبث؟! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]؟
لو سمعت عن مدرسة كل من يلتحق بها ينجح وبدون اختبار، فإنك تكوّن فكرة جيدة عن مدى نجاح هذه المدرسة فعلًا، وأؤكد لك أنك لن تحب أن توظّف أيًا من خرّيجيها في شركتك الخاصة.
ومن تأمل بسيط في خلق الكون، هذا الإحكام الكوني العظيم يتنافى مع هذه النظرة الاختزاليّة لغاية الوجود: الكلّ يتساوى. بل الخلق كله قائم على (الحق)! لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلالُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 19-20]. ويحكي عن الرجل العاقل الذكي الذي فهم هذه الحقيقة فيقول جَلَّ جَلَالُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191].
الإجابة القرآنية تأتي ذلك الذي يتساءل عن غاية الخلق، وبعد أن علم أن هذه الغاية لا يمكن أن تكون عبثيّة، فهي لا يمكن أن تكون باطلة وفاسدة كذلك! هذه الغاية لا يمكن أن تسوّي بين الصالح والطالح، وتذهب بتعب العاملين سدى، ولا يمكن أن يكون النظام الكوني مبنيًّا على هذه العشوائيّة في الاختيار، والفوضويّة في التقييم، والاشتراكيّة في الجزاء!
بل وقتها لن يتساوى الجميع فقط، ولكن أيضًا سيفرّ ذلك المتمتع بالشهوات المحرّمة والأموال المنهوبة والمناصب المسلوبة والتسلّط على الرقاب. سيفرّ بفعلته وسيكون قد حاز على فضل الداريْن! ذلك ظنٌ شنيع بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يسمح بذلك في كونه، هذه المساواة في النهاية لا تساوي إلا (فشل) كامل للنظام الكوني الموضوع، وحاشا لله أن يسمح بهذا الفشل! تَسَاوي الجميع حينها لن يُساوى إلا بطلان لغاية الوجود، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 27-28].
لو كان الإنسان صالحًا وله حياة قاسية، هل ستكون حياته الآخرة بعد الموت قاسية؟ ولو كان فاسدًا وله حياة مرفهة هل ستكون حياته الأخرى كذلك أيضًا؟ هل يليق بعدل اللّٰه وحكمته أن يكون محيا كل فِريق منهما مِساو لمماته؟ لذلك نجد في القرآن رفِضًا لهذه الصورة الظالمة، فيقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 21-22]. ونلاحظ في ربط الآيتين السابقتين أن القرآن يستشهد بحكمة اللّٰه في خلق الآفاق على الحكمة والعدل في الحكم والجزاء. وهو قياس عقلي منطقي بامتياز.
كما يقولِ سبِحانه في سورة التين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 4-8]. ومن معاني الدين الجزاء. فكما يقول الفرّاء: من يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعد ما تبين لك من خلق الإنسان الذي وصفناه ؟!
بالنسبة للرجل ذي القناع الحديدي في رواية دوماس، فقد كان أكبر عذاب له هو عدم معرفة تهمته أو ما هو سبب وجوده في هذا المكان، تمامًا كمثل الذي يعيش بدون دين، إنها العبثية الكاملة في حياة بدون معنى، وأما الله، فلم يكن ليدعنا دون أن يُعلمنا بغايته منّا، إن كانت له غاية، وقد سبق ووضّحنا كيف لنا أن نتأكد بأن له غاية!
إن هذا هو عين ما أنكره القرآن لما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 9-10]. وهو الاستدلال الذي لاحظه الدكتور أحمد إبراهيم، إذ كيف يهدينا اللّٰه عز وجل في الطرق والمسالك والبحار والصحاري الجافة ثم لا يهدينا لغايات الآخرة العظيمة؟!
بل لو حدث العكس لكان من الأمور المستهجنة الغريبة أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون إلهه لا يتكلم معه ولا يوضّح له ماذا يريده منه! لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ عن هؤلاء الذين عبدوا العجل الذهِبي من بني إسرائيل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148]. إذ كيف تعبد من لا يكلمك ولا يهديك إلى ما يريده منك سبيلا؟
اللّٰه جَلَّ جَلالُهُ لا يفعل معنا ذلك، في المقابل يبيّن لنا ما يجب علينا أن نتقيه وما يجب علينا أن نحذره قبل أي شيء. كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115]. وظنّك بخلاف ذلك هو الخطأ الأكبر، والتهوين الشنيع من قدر اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ، أن تظن أن اللّٰه لم يرسل لنا أحدًا! كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91].
الحاسَّة الأولى (عن سُؤال: لماذا يكون الإيمان بالغيب؟)
فمهما كان ضعف إيمانك أنت حينها تعتمد على هذه الحاسة! عمليّة الرزق هذه يتبين لك فيها أن مبناها على هذه الحاسة الأولى دون أن تشعر، لذلك يخاطبنا القرآن بإحساسنا تجاه هذه القضيّة بالذات، إذ إنها مثال واضح على مسألة الثقة (الغيبيّة) التي نشعر بها بفطرتنا البشريّة، فيقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: 24]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]!
الإيمان بشيء ما غير مرئيّ هو ليس بأعمى، بل نحن على يقين به أشد من يقيننا بما نراه، وبنفس منطق ذلك الذي يثق في حدْسه أكثر من واقعه، الفارق الوحيد أن الحدْس قد يخطئ، وأما الدلائل التي اعتمدنا عليها في الإيمان ليست بمخطئة.
يخبرنا القرآن أن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ هو من اختار طريقة الاختبار الغيبي للإيمان! كان اللّٰه يقدرٍ أن ينزل آيات ساحرة للأذهان، ليسِ بوسع أي أحد أن يكذّبها، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4]. كان اللّه يقدر أن ينزّل آية من السماء تجعل أعتى الكفار يصلبون أعناقهم ناظرين إليها في رهبة، وخاضعين لها في ذل، ولا يقدرون على المخالفة. كان اللّٰه يقدر أن يجعل الإيمان به ليس محلا للسؤال ولا الاختبار. ولكن ليس لهذا خلقنا الله!
اختيار اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ يقف ضد هذه الطريقة (السهلة) التي يتساوى فيها كل أحد، لا أحد سيكفر بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لو كانت الأمور بهذه البساطة، لو لم يكن الإيمان به يحتاج إلى التسليم للغيب. ولكن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يجعل سنته في الدنيا تسير بهذه الطريقة.
لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]. هل سمعتم أنتم عن كلام مقروء نزل من السماء من قبل فزلزل الأرض وقطّع الجبال وأحيا الموتى؟! لا، لم يحدث، لم ينزل اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمثال هذه الآيات الساحرة للأذهان من قبل، لأن هذا ينافي التسليم للغيب، لأن اللّٰه لا يحتاج إلى هذا، لأن اللّٰه لو شاء أصلًا لهدى الناس جميعًا إليه دون أن ينزل ولو آية واحدة!
بل هو قانون وضعه اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الحياة الدنيا حين خلقها، ينص على: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179].
الاختبار سينتهي في اللحظة التي يظهر فيها للناس نموذج الإجابة! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: 8]. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210].
قانون يقضي بحتمية الغيب، تتبين لك في قول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 9]. هؤلاء الذين ألحَوا في الطلب بأن يكون الرسول المبعوث من اللّٰه ملكا ينزل من السماء، أجابهم القرآن بأن اللّٰه لو أنزل ملكا لجعله في صورة رجل، والتبس الأمر عليهم واشتبه بطريقة أو بأخرى في النهاية، هل هذا رجل حقيقي أم ملك في صورة رجل؟؟ وسينتهي بهم الأمر إلى نفس ذات الحيرة، ويسيرون في النهاية في مسار الغيب الحتمي، إذ إن إرادة اللّٰه قد اقتضت أن يكون الإيمان به بالغيب!
هذه الحتميّة يخبرنا القرآن أنها مستمرّة معنا حتى الموت، لن يأتي عليك يوم تشعر فيه بيقين تام كمثل يقينك حين ترى يوم القيامة رأي عين، بل ستبقى لديك مساحة (طبيعية) من الظلاميّة والغموض لأمر الآخرة، لن تُزال هذه المساحة تمامًا حتى تراها بعينك، كما يقول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن يوم القيامة لما نراه بأعيننا: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22].
لذلك فرّق اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ بين (علم) اليقين و(عين) اليقين: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 5-7]. إذ إنه مهما كان يقينك في اللّٰه واليوم الآخر، لن يكون أبدًا مثل ذلك اليقين حين تراهما بعينيك!
هذه المساحة الطبيعية لا تخدش الإيمان، بل هو أمر طبيعي في الإنسان الذي خلقه اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ معتادًا على الشعور بحواسه التي أودعها اللّٰه فيه، حتى إن إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ قد فهم ذلك، حين حكى لنا القرآن أنه قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]!
يؤرّخ الكثيرون لبداية عصر الإلحاد الجديد وأدبياته ذات الخصائص المتميزة، بذلك الكتاب الذي كتبه سام هاريس في 2004: نهاية الإيمان. وفيه يحاول سام أن يقنعنا أنه (عيب علينا) أن نظل (نؤمن) بأشياء لا تُرَى في القرن الحادي والعشرين.
نظرية الأكوان المتعددة أو على حد تعبير الفيلسوف نيل مانسون: الملاذ الأخير للملحد البائس ، تحاول وضع تفسير بديل لإحكام الكون وتوازنه وصنعه المتقن بأن (تفترض) ببساطة بدون أدنى دليل مادي على أن هناك مليارات مليارات الأكوان مثل كوننا وأننا (يا للحظ السعيد) قد تصادف وجودنا في الكون الصحيح. ويهتفون بعبقرية: يشبه الأمر احتمالية الفوز باليانصيب، من الصعب أن تتخيل احتمالية فوز شخص بعينه في هذا اليانصيب ولكن حتمًا لا بد أن (شخصًا ما) قد فاز به!
ما هو كم الإيمان الذي تحتاجه كي تؤمن بدون أدنى دليل علمي بوجود مليارات مليارات الأكوان (الخربانة) في مكان ما في العالم وأنك موجود لحسن حظك في الكون المضبوط منها؟ وهل هذا (الإيمان الغيبي) منك أكبر أم أقل من إيماني أنا بوجود اللّٰه عز وجل؟!
وكتب نورمان جيسلر وفرانك توريك كتابًا عنوانه: لا أملك المقدار الكافي من الإيمان I don’t have enough faith to be an atheist.
يذكّرنا ذلك بقول اللّٰه عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: 52]!
هذه الغابة الكثيفة من الغيوب التي تطال الجميع، العلماء والفلاسفة، أهل الأديان والملحدين، المؤمنين بالله والجاحدين، هذه الغابة التي تقع في النقطة العمياء لعقولنا. إنما يحدثنا عنها القرآن فيقول: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: 38-39].
الوقت الذي تقضيه بمفردك عن أعين المراقبين هو الوقت الذي تقرر فيه من أنت، ما هي القيم التي ستحتفظ بها، ما هو الوجه الحقيقي الذي تملكه! لذلك نجد الحديث الذي رواه ابن ماجه وصححه الألباني، عن ثوبان أن النبي ﷺ قد قال: لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أَمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَبَاءً مَنْثُورًا قالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ، قَالَ ﷺ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا .
ضعّف الحديث بعض أهل العلم، لكن يوجد في القرآن ما يؤيد معناه على كل حال، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
وعدّها ابن حجر الهيتميّ الكبيرة رقم 356: إظهار زي الصالحين في الملأ، وانتهاك المحارم في الخلوة ! وكان يقول سحنون رحمه الله: إياك أن تكون عدوا لإبليس في العلانية صديقا له في السر ! وعن علي بن أبي طالب: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه يوم القيامة .
وقال عمر بن عبد العزيز: يا معشر المستترين، اعلموا أن لكم عند اللّٰه مسألة فاضحة ، وقرأ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الفرقان: 92-93].
لو لم يكن هناك غيبٌ لما ظهر ذلك الذي يخاف مقام ربه ويرهب مكانته حقًا من ذلك الذي يدّعي، كما قال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94].
لو لم يكن هناك غيب لما ظهر ذلك الذي يرجو رحمة اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وثوابه ولو بعد حين من ذلك الذي لا يريد إلا شهوات نفسه العاجلة، كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: 61].
لو لم يكن هناك غيب لما ظهر ذلك الذي رفض أن ينساق وراء نزوات نفسه المظلمة، واختار أن يزكيها ويهذبها، كما قال اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: 18].
لو لم يكن هناك غيب لما ظهر ذلك الذي ارتبط قلبه بالحق والخير، فما أن يبتعد عنه قليلًا إلا ويسرع في العِودة إليه وينيب، كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 31-33].
لو لم يكن هناك غيب لما ظهر ذلك الذي اختار أن ينصر رسالة ربه ودعوته على حياته وأمواله الخاصة دون أن يكون ذلك ادّعاء أو مداراة لمن يرهبه في العلانية، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25].
كما فسّر لغزه الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا .
الغيب إذن يستخرج من الإنسان أحسن ما فيه وأسوأ ما فيه، فيظهر من هو فعلًا، وما معدنه حقًا، وبطريقة يشهد بها الإنسان على نفسه، ويعلم من ذاته أنه لم يُظلَم ولا يلوم أحدًا إلا نفسه! ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 12-15].
يحكون عن نيلز بور العالم الفيزيائي الدنماركي الكبير أنه لما كان طالبًا في جامعة كوبنهاجن ورد في امتحان الفيزياء السؤال التالي: كيف تحدد ارتفاع ناطحة سحاب باستخدام البارومتر (جهاز قياس الضغط الجوي) فكانت إجابة بور: اربط البارومتر بحبل طويل وقم بتدليته من أعلى الناطحة حتى يصل إلى الأرض ثم قس طول الخيط.
رسب في الاختبار طبعًا بإجابته المستفزّة، فتظلم بأن إجابته صحيحة، بمنطق: اثبت لي إذن أنه لا يمكنك قياس طول الناطحة بهذه الطريقة! تم تعيين خبير للحكم في المسألة، فقال أن إجابة الطالب صحيحة لكنها لا تدل على معرفته بمادة الفيزياء، وأوصى بضرورة إعادة اختباره شفهيًا، ثم طرح عليه الخبير السؤال نفسه مشافهةً.
فكر بور قليلا ثم قال: هناك عدة طرق أخرى لقياس ارتفاع الناطحة غير التي ذكرتها، مثلًا يمكنك إلقاء البارومتر من أعلى الناطحة وتقيس الوقت الذي يستغرقه حتى يصل إلى الأرض وبالتالي يمكن معرفة ارتفاع الناطحة، وإذا كانت الشمس مشرقة يمكنك قياس طول ظل البارومتر وطول ظل الناطحة فنعرف طول الناطحة من قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين، أما إذا أردنا تعقيد الأمور فسنحسب ارتفاع الناطحة بواسطة الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وأعلى الناطحة باستخدام البارومتر!
إن بور هنا يوضح لنا مدى سذاجة مدرّسه الذي أصرّ على أن طريقته هي الطريقة الوحيدة! ويوضح لنا قاعدة باريتون حين قال أن أسس الغباء الثلاثة: العناد والغرور والتشبث بالرأي!
يمكننا أن نفهم ما قاله باريتون بالنظر إلى الكيفية (الوحيدة) التي ارتضاها بعضهم للإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ، بالنسبة إليهم سيكون من السفه أن يؤمنوا لأحد بدون أن يتبع هذه الطريقة العبقرية! انظر إليها: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 90-93]. ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: 53]. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: 7-8].
يتكرر في القرآن ذكر هذا المطلب من الذين لا يؤمنون بالله: إنزال آية مخصصة لهم، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الواقع قد أغرقنا بآياته الكونيّة المحكمة وآياته الشرعيّة المفصّلة، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: 50-51]. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].
بل إن الآيات التي طلبوها كانت على نوعيّة معيّنة محببة إلى أنفسهم، مثلًا هم يريدون أن يصيروا أنبياء! ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124]. يريدون أن ينزل عليهم كتاب مكتوب خصيصًا من أجلهم من السماء أو أن يروا اللّٰه جهرة! ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153].
الحقيقة التي لم يفطن لها هؤلاء أنهم أقل شأنًا بكثير من هذا! وقدرهم في أنفسهم أعلى بكثير من قدِرهم الحقيقي. كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 21]!
يخبرنا القرآن أن ما نفكر فيه صحيح تمامًا، وأن ما افترضنا بِشأنهم هو عين ما سيفعلون، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: 7]. تفسير السحر جاهز دائمًا وفي كل الأحيان. مثل تفسير الجنون والهذيان والهلاوس أيضًا دائمًا على أتم الاستعداد لتقديم نفسه في حالة جاءت الآية المطلوبة: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: 14-15].
ربما يكون أصدق هؤلاء الكفار مع أنفسهم هم آل فرعون الذين قالوها صراحةً وبشكل قاطع حاسم لا يتلوّن ولا يتردد: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 132].
آلهة خُرافِيَّة (عن سُؤال الوحدانية)
على سبيل المثال في معرض كلامه عن التوحيد، فيرى ويليام كريج أن التوحيد المسيحي يتفوق على التوحيد الإسلامي، في تفسير حال اللّٰه قبل الخلق، فعندهم وقبل خلق الكون كان الرب يعيش في (جو أسري دافئ) بدلا من (الوحشة) التي لا بد أنه كان يعيش فيها في التصور الإسلامي عن اللّٰه الواحد المتنزه عن الأقانيم!
هذا الاطّراد التاريخي على وحدانيّة (الرب) لا يكاد يسلم منه أحد، فحتى النصرانيّة (المسيحية) دائمة الادّعاء أنها لا تقول بتعدد الأرباب بل الرب واحد، صحيح أن له ثلاث (شخصيّات) في ذوات متبانية لكنهم يرفضون أن يلاحظوا هذا التناقض على أية حال.
هذا الاطراد التاريخي بوحدة الخالق لربما هو من بقايا دين الفطرة ودين الأنبياء الذين أرسلوا في كافة بقاع الأرض يبلغون رسالة الإِله الذي استوى على العرش، تلك الرسالة التي تقول لكل كائن بشري على وجه الأرض: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
لذلك يقول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى متحدثًا عن هذه الرسالة الموحّدة التي صنعت هذا الاطّراد التاريخي البشري: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45]!
يمكنك أن تفطن أننا لا نجد هذه المشكلة في مخلوقات اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من حولنا، وبالأخص في أجسامنا نحن! إننا جميعًا متشابهون، بل ومتماثلون في جوانب كثيرة. لولا هذا التشابه لكانت لحياة أصعب كثيرًا مما تعودت عليها. يمكنني أن أؤكد لك أن طبيب العيون لن يستطيع أن يفصّل أي نظارة لو كان شعاع الضوء يسلك سلوكا مختلفا داخل كرة عين كل إنسان. وأن الجرّاح لن يجرؤ على شق الجلد لاستئصال أية مرارة لو لم يكن يعلم أننا جميعا نملكها في نفس المكان بالضبط منذ أن تعرّفنا على علم التشريح. يمكنك أن تتيقن من أن طبيب الأطفال لن يجرؤ على وصف الدواء لطفلك الصغير لو لم يكن واثقًا من الكيفية التي سوف تتفاعل بها هذه الكيماويّات مع جسده النحيل. يمكنك أن تتأكد أنه لا يوجد أي طبيب نفسي قد يفهم مشاعرك المعقدة المتداخلة تجاه (سُها) إلا لكونك أنت نفسك عدة صفحات محفوظة في كتب علم النفس!
لا يمكن لكل هؤلاء الأطباء أن يقوموا بعملهم لو كان كل جسد إنساني يختلف عن الآخر، وفيسيولوجيا أعضائه تسلك سلوكًا متفردًا عن غيرها من الذوات الإنسانية، لو كانت النفسيّة الإنسانية مختلفة لما استطاع البشر أن يفهموا بعضهم البعض ولا أن يألفوا بعضهم البعض إلى هذا الحد. إننا متشابهون جدًا لأننا في الحقيقة مصدرنا نفس واحدة. كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: 6].
التشابه يكون أكبر من ذلك حين تفكر في المزيد من المخلوقات! فال DNA الخاص بك يتشابه بنسبة 75٪ مع ديدان النيماتود، و67٪ مع الذرة، و60٪ مع ذبابة الفاكهة، و50٪ مع الموز!
وبرغم أن مملكتي الحيوان والنبات تحتوي كل واحدة منهما على أكثر من مليون نوع مختلف، لا أنها تشترك جميعًا في نفس القواعد العامة التي تحكم الخلية الحية ونفس وظائف عضيّاتها والسلوك الدوراني العجيب لإلكترونات ذرة الكربون في معطفك الخريفي هو ذات السلوك العجيب لذرات مشابهة تكوّن جميع خلايا جسدك القابع أسفل هذا المعطف، وهو بالمناسبة سلوك دوراني مشابه جدًا لدورانات الأفلاك البعيدة التي تلمع في سماء ليل أبريل!
الاختلاف الكبير الذي يفصلنا عن باقي المخلوقات من حولنا إنما هو مترادف مع تشابه أيضًا كبير يربطنا – نحن البشر الأذكياء حاملي التكاليف الإلهية المكرّمين من فوق سبع سماوات – بباقي خلق اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ من حولنا ليس فقط من ناحية نمط الخلق، ولكن أيضًا في نط والرزق والقيّومية! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: 38].
لا يمكن لكل هؤلاء الأطباء أن يقوموا بعملهم لو كان كل جسد إنساني يختلف عن الآخر، وفيسيولوجيا أعضائه تسلك سلوكًا متفردًا عن غيرها من الذوات الإنسانية، لو كانت النفسيّة الإنسانية مختلفة لما استطاع البشر أن يفهموا بعضهم البعض ولا أن يألفوا بعضهم البعض إلى هذا الحد. إننا متشابهون جدًا لأننا في الحقيقة مصدرنا نفس واحدة. كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: 6].
الأمر بسيط، وحل اللغز سهل، إنما الخالق واحد إذن! وصنائعه بديعة ومتفردة بشكل مذهل، مع كونها أيضًا متشابهة بشكل عجيب. وجود هذه الصنائع يؤكد لنا وجوده، وتفرّدها يؤكد إبداعِه، وتشابِهها يؤكد وحدانيته! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: 62].
هذا النمط الموحّد في الخلق إنما يدل على وحدة الذات الإلهية التي قامت بخلق كل هذا، لا نجد في هذه المخلوقات نطًا شاذًا مختلفًا يدلنا على إله آخر! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالهُ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16].
لقد عرفنا اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من أفعاله وخلقه وآثاره، فهذا هو خلقه المتشابه، فأين المخلوقات المختلفة التي تحمل نمطًا مختلفًا لإله آخر نعرفه بها؟! كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: 11].
بل هذه الآلهة ليست فقط لم تخلق شيئًا، بل هي داخلة في خلق الله، إذ إنه البديع الذي لم يُبدِع أحدٌ غيره شيئًا والخالق الذي لا توجد مخلوقات من صنع سواه، أي أن اللّٰه هِو الذي خلقها أصلا. لذلك يخبرنا القرآن أنِ: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37]. ويتساءل القرآن: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: 191].
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قد جمعه حوار مع مجموعة من النصارى أتوا يجادلونه في عيسى بن مريم عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قال لهم النبي ﷺ: ألستم تعلمون أنه لا يكون هناك ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن اللّٰه عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلّم؟ قالوا: لا.
وفي حديث رواه ابن خزيمة عن عمران بن حصين، أن حوارًا آخر جمع النبي ﷺ بوالد عمران (حصين الخزاعي).
قال له النبي ﷺ: كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء. قال: فإذا أصابك الضر من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك مالك، من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟ أرَضيتَه في الشكر؟ أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال: ولا واحدة من هاتين.
لذلك يجيبنا القرآن عن سؤال الوحدانيّة بدلالة هذا الكمال الاستغنائي لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فيقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 100-101].
هذا المنطق الذي يقضي بأنه لو كان الإله يحتاج لسبب ما إلى هذا الشريك لكان هذا معناه أنه إله غير مطلق الغنى، وهو ما ينافي الفكرة العقلية السليمة من أن خالق كل شيء، وموجد كل شيء من العدم لا بد وأن يكون مطلق القدرة والغنى والملك والإرادة، لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 68].
لا يتعدد كمال اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أيضا من ناحية الإرادة، فالإرادة المطلقة لابد أن تكون واحدة، إذ لو أراد أحد صاحبي هذه الإرادة أن يُنفذَ إرادته، لكان هذا معناه أن هناك شيئًا سينفذ في الكون دون أن تكون بإرادة صاحبه الآخر. يعني ليست مطلقة تمامًا!
لذلك يقول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 116-117]. ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35].
في النهاية معنى ذلك الكلام أن الإله الأصغر سيتصرف بالحيّز الذي سيسمح به الإله الأكبر! وأنه لن يريد إلا ما يريده له الأكبر! وأنه لن يقدر على مخالفة أمره ولا طوعه، لأن إرادته هي النافذة! في النهاية يبقى لنا أن نقول: ولماذا تسميه إلهًا إذن؟! هذا كائن مسكين تمامًا على ما يبدو لي. كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 17].
وهناك كمال إلهي آخر لا يتعدد، كمال العلو والقهر، لا يمكن أن يكون هناك أكثر من إله له كمال العلوّ والقهر! معنى أن الإله قد علا على الكل، أنه لا أحد يساويه فضلا عن أن يعلو.
لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]!
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: 65]. ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: 4]. ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16]. ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].
لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالهُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]. ولأنهما لم يفسدا، ولأن العالم لم يختل نظامه ولم يخرب، فلا يوجد إلهُ في الحقيقة سوى اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
بل هذا ملكٌ مستتبّ، وكونٌ قد استوى على عرش ملكه إلهٌ واحد، قد علا على الكل، حتى لو افترضنا فرضًا مستحيلًا بأن هناك آلهة أخرى لكانت هذه الآلهة المزعومة تدور في عبوديّة الإله الأعظم وتعبده وتتقرب إليه إذ إنه سيكون سيدها إذن، كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 42-43]!!
مثلًا في قول اللّٰه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 6-7]. يتبين لك أن هناك من سيهب أجر الصلاة نفسها لعيون جاره، فيجمّل صلاته لأجله حين يراه في المسجد يوم الجمعة. وبرغم ذلك فحين يطلب منه نفس الجار (ماعونًا) كإناء الطهي ليستعمله ثم يعيده، فإنه سيبخل عليه به! هو قد أعطى حق اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليه هدية مجانية لنفس الشخص الذي يبخل عليه بـ (حلة التيفال)!
الرياء والذي هو الشرك الأصغر، وعبادة غير اللّٰه تعالى (الشرك الأكبر) إنما يدلان على أن العبد لم يعرف ربه فعلًا أو عرفه ولم يبال بأن يشكره حق شكره. لذلك يخاطبنا القرآن بالتوحيد ويقرن ذلك بأن يذكرنا برزق الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3]. ويذكرنا بِإِطعامِ اللَّه لِنا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 14].
بوصلتك للوصول إلى السمو الإنساني تحتم عليك أن تضع ذاتك خلف ظهرك ثم تركض بعيدًا عن مصالحها الدُنيوية، ولكن لو لم تكن لي وجهة موحّدة أسير لها، فما يضمن لي أنني لن ألتف حول نفسي عدة مرات وأعود بشكل أو بآخر إلى البقعة التي أفرّ منها؟
لذلك فأمر اللّٰه لنا بإخلاص عبادته له وحده والتخلص من كل المقاصد الأخرى فوق أنه حق اللّٰه تعالى علينا، فهو أيضًا ضمان لسماء روحك، وكمال إنسانيتك، وسلامة قيمك، بعيدًا عن كل تلك الرغبات التي تدفعك إلى خدمة وتشويه ذاتك!
يمكنك حينها أن تدرك الرابطة بين هاتين الآيتين: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161]. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
تخيّل مدى المتعة والراحة النفسية حين تسير هذه المشاعر في اتجاه موحّد؟! حين لا يقف شيء وراء دفّتها إلا سبب واحد يتعلق بالمعبود الواحد الذي اخترت رضاه هو الوجهة الوحيدة التي تسير نحوها وتقصدها! حين لا يقف خلف الحزن والفرح، أو الحب والكره، أو التردد والثقة، أو التفاؤل والقلق، أو الحبور والنفور، أو الملل والحماسة. لا يقف خلف كل هذه الأحاسيس إلا سبب يتعلق بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ.
إنها راحة أكيدة ومانع واضح من التشتت والتمزّق. ناهيك عمّا هو أشد وأعمق من مجرّد مشاعر! عن الوجهة التي تسير عليها في حياتك، والأفعال والتصرّفات التي تحكمك، والطريقة التي ترتضيها لمعيشة حياتك. لذلك لما أجابنا القرآن عن سؤال الوحدانيّة ذكّرنا بهذه الراحة النفسيّة الكبيرة التي تجدها مع هذه الإجابة. حين تصل إلى أن الإله واحد! فيخبرنا القرآن قول يوسف عَلَيْهِ السَّلَامٌ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]. وكما يقول إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: 86].
كما يذكرنا اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيقول: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. يذكرك بأن عليك أن تحمده لأنه واحد! عليك أن تثني عليه لأنه إله فرد صمد! حين تتخيل مدى الحيرة والاضطراب لو كنت مطالبًا بأن تعبد شركاء متشاكسين!
التَّشخيص، مُجرَّد غُرُور (عن سُؤال: لماذا خلقنا اللّٰه لعبادته وهو لا يحتاجها؟)
سألني أحدهم مرة: لماذا خلقنا الله؟ قلت له: لعبادته. قال بذكاء وانتصار: وهل يحتاج اللّٰه إلى عبادتنا؟! قلت له: لو كنت قرأت القرآن لوجدت أن هذا السؤال قد تم طرحه والإجابة عنه في الصفحة السادسة من المصحف. هذا سؤال تقليدي جدًا!
وبالعودة إلى الصفحة السادسة من المصحف، نجد أن الملائكة قد سألت اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ حين أخبرها أنه جاعلٌ في الأرض خليفة. فقالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]. لم يكن جواب اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عليهم أكثر من: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] وهذا جواب متعالٍ جدًا لا يصدر إلا من إله.
كان سؤال الملائكة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من أكثر ما استرعى انتباه جيفري لانج الملحد السابق الذي أسلم وكتب كتابًا سمّاه: حتى الملائكة تسأل! ووضّح جيفري في كتابه أن أكثر ما دعاه إلى اعتناق الإسلام أنه قد وجد في القرآن الإجابات على كل أسئلته. وهي العبارة التي تصلح دعاية ممتازة لموضوع هذا الكتاب الذي تقرؤه الآن!
فنجد مثلًا في القرآن الكريم قول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]. يقول القرطبي رحمه اللّٰه أن اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ قدم ذكر الموت على الحياة لأنه إلى القهر أقرب! ويروي عن قتادة أثرًا يقول: إن اللّٰه تعالى أذل عباده بالموت .
عن السبب الذي من أجله خلقنا اللّٰه جَلَّ جَلَالهُ – نحن وكل الدنيا – يأتي جواب القرآن بكلمة واحدة: البلاء. كما يقولِ اللّٰه جِلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: 7].
المعضلة التي قد تنشأ في ذهن البعض من أن البشر مخلوقون للعبادة برغم أن اللّٰه لا يحتاج إلى هذه العبادة، هذه المعضلة نشأت في الحقيقة من التصوّر الخاطئ بتميّز موقع الإنسان من مسألة العبادة، بينما القرآن يقرّ فلسفة مختلفة تمامًا فيها الأمر ليس كذلك على الإطلاق!
فالقرآن يخبرنا أن كل ما حولنا من حيوان أو طائر أو حشرة أو بكتيريا أو ذرّات جماديّة لا حياة فيها إنما هي تسبح لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وتسجد له بطريقتها الخاصة! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 48-50]. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
فمسألة العبادة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نحن كبشر – والجن معنا – لسنا مميزين فيها بأي حال، وإنما العبادة والذل والخشوع هي النتاج الطبيعي للعلاقة المنطقيّة التي تربط الخالق وولي النعم بالمخلوق الفقير الموهوب له كل شيء!
ولكن الذي حدث فعلًا أن الإنس والجنّ قد اختُصّوا بالإرادة الحرّة، وهى جزء من البلاء الواقع عليهم وأمانة التكاليف التي تحمّلوها، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
من أجل ذلك احتاج الإنس والجن على التأكيد على غاية خلقهما دون سواهما من مخلوقات اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ! لا تحتاج السماوات والأرض وما فيها من دوابّ أن يذكرها اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بأن عليها أن تعبد اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لأنهم لم ولن ينسوا ذلك قط. بل يأتون ربهم في كل حين طائعين، يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون.
بينما نحن ننسي طوالِ الوقت، فنحتاج إلى التذكرة: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 55-56].
النرجسيّة عامةً هي مرض نفسي يعني التعالي والشعور بالأهمية وعشق الذات، نسبةً إلى Narcissus وهو صاحب الأسطورة الإغريقيّة الذي كان على درجة عالية جدًا من الوسامة. ولسبب ما لم تحبه Nemesis التي كانت تقوم بدور الرقابة على رذائل البشر، فاستدرجته لبركة ماء حيث رأى صورته المنعكسة عليها فوقع في عشقها حتى غرق في البركة من كثرة هيامه بصاحب الصورة!
في تراثنا الإسلامي تجد التحذيرات من الغرور والكبر كأقوى ما يكون. يكفينا من ذلك أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عن ابن مسعود وذكره الإمام مسلم في صحيحه. وقال محمد بن الحسين بن علي: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبْر قط، إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك أو كثر ، وقال عبد اللّٰه بن المبارك: لا أعلم في المصلين شيئًا شرًا من العجب ، وجاء في السير للذهبي رحمه اللّٰه أن الأمير يزيد بن المهلب – وكان ذا تيه وكبر – لما رآه مطرف بن الشخير يسحب حلته فقال له: إن هذه مشية يبغضها الله ، قال: وما تعرفني؟! ، قال: بلى أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة !
لذلك يحدثنا اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن عبادة الملائكة التي هي أفضل وأكمل من عبادتنا بما لا يُقارَن، عبادة لا يخالطها السأم أو التعب أو الملل أو الفتور. فيقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]. ثم يوضّح لنا أن هذه الملائكة هي أشد منّا في الخلقة، أجمل منّا في الصورة، أفضل منّا أخلاقًا، أكرم منّا مكانةً، وبرغم ذلك لم يتكبروا أو يغترّوا بأنفسهم مثلما فعلنا! كما يقول اللّه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: 11]؟!!
مُغْمِضُو الجُفُون في القِطار السَّريع (عن أسئلة البَعْث واليوم الآخر)
نحن كمؤمنين بالقرآن – ومعنا طائفة كبيرة من أصحاب الديانات الإبراهيمية – نعلم أن هذا المكان هو يوم القيامة الذي سيجمعنا فيه اللّٰه سُبْحَانهُ وَتَعَالَى ليحاكمنا ويحكم بيننا ويلقى كل إنسان مصيره الأبديّ! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87].
الحجة القرآنية التي أتت على الرد على من يتعجبون من البعث بكونه عملية مستحيلة الإمكان. حين طالب القرآن كل من له عقل على قدر متوسط من الذكاء أن يفطن إلى أن خالق كل شيء وموجد كل الوجود من العدم، إنما لن يعجز أو يصعب عليه أن يعيد كل شيء كما كان!
لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ مخاطبًا هؤلاء الذين آمنوا به كخالق، ولكن لم يصدقوا فِي إمكانية بعثهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: 5]. ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: 134].
بل بمقايِيس البشر التجريبيّة المحِضة، سيكون هذا أهون عليه! ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27].
﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: 60-62].
فنجد أن القرآن قد أجابهم بنفس الإجابة المنطقيّة والتي تصلح جوابًا لكل أمثلتهم المتعددة والتي مهما بلغ عددها المئات تبقى في النهاية فكرتها واحدة: لا نصدق أن اللّٰه يقدر على ذلك!
فِيقول القرآن: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78-79].
وجمع القرآن كل أمثلتهم سويًّا ورد عليها بنفس الرد مرةً واحدة: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 49-51]!!
النوم يشبه الموت فعلا، في حتميّته وقهره وقدرته على إفقاد صاحبه وعيه وبكل هذه السرعة والسهولة! كما يقول الطبيب النفساني جوليو تونوني: يعلم الجميع ما الوعي، إنه ذلك الذي يتخلى عنك كل ليلة عندما ترقد للنوم بلا أحلام، ثم يعود في الصباح التالي عندما تستيقظ .
والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ وضّح لنا أن ما يحدث لنا عند النوم شبيه بالفعل لما يحدث لنا عند الموت، كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42].
وفي الحديث الذي رواه البيهقي والطبراني والبزار عن جابر بن عبد اللّٰه، يقول النبي ﷺ: مثل الأرض البعيدة في أواسط أفريقيا التي غاب عنها الماء عدة شهور فتشققت وترسبت الأملاح على جانبيها وتحوّل الطين اليابس إلى ما يشبه الصخر، وما أن يأتيها بقايا المطر الواقع على خطوط الاستواء حتى تتغير إلى مرعى أخضر تتغذى عليه كل الحيوانات المهاجرة! ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: 5-6].
إنه نظام خلق وإعادة كامليْن جعلهما اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سنةً في خلقه، وبث بعضًا من دلائله في حياتنا الدنيا، تراها أنت فلا يكبر عليك أن تؤمن بأن اللّٰه سبحانه سيعيدنا كما خلقنا، وأننا نحن أنفسنا سنكون جزءًا من دائرة البدء والانتهاء التي قضى بها على خلقه! كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 13-16].
لاحظ الفيلسوف الأمريكي وليام إرنست هوكنج أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي ينتظر الموت، بيْد أنه هو الوحيد أيضًا الذي يظهر أي علامة من علامات الشك في أن الموت يقدر على أن يضع حدًا لوجوده!
يعرف الجراحون أن هناك نوعًا من الرعب لدى المرضى يتعلق لا بالألم ولا بمبضع الجراح ولكن بأمبول التخدير! في الماضي – وقبل أن يثق الناس في أن المخدّرين سوف يفيقون – كان هناك من يرفض أن يتعرض للتخدير ويفضل الجراحة بالألم على أن يغيب عن الوعي. يفضل الشعور بالأوجاع عن اللاشعور.
الشعور بأن هناك لحظة قادمة تتلوها أخرى هو تعريف الحياة ببساطة.
فحين قال لك الله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28]. كان يذكّرك فقط! وحين قال: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: 7]. كان يذكّرك فقط! وحين قال: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39]. كان يذكرك فقط!
بالنسبة إلى نفس تشعر من داخلها بالخلود، فتصور الدين عن الموت والبعث هو التصور الوحيد الذي ينسجم معها: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: 56-58].
غير أننا لم نسمع غالبًا عن مدينة نانجنج الصينية التي اجتاحها اليابانيون أنفسهم وقبل أعوام قليلة من تاريخ القنبلتين الشهيرتين، ليقوموا بقتل ثلاثمئة ألف إنسان! هذه المرة كان القتل بالرصاص والسونكي حين تتلاقى عيناك بعيني قتلاك دون أن تعبأ بذلك! الجريمة أبشع بلا شك، خصوصًا لو عرفت أنها من أشهر المذابح التي ارتبطت بالاغتصاب في التاريخ، حيث تم اغتصاب عشرين ألفًا في اليوم الأول فقط، ولم يغتصبوا الفتيات فقط، ولكن أيضًا الأطفال والعجائز!
احتفظ التاريخ بمذبحة نانجنج وغيرها من مذابح اليابانيين في سجلاته المخفيّة حيث لا يتذكرها أحد تقريبًا. وبنفس الطريقة التي احتفظ بها بسجلات قتلى ستالين في الحرب العالمية الثانية التي فاقت ضعفي عدد قتلى هتلر، لكن بالطبع الكل يعلم أن هتلر مجرم حرب سافل قد نال جزاءه، بينما ستالين استمر في حكمه إلى أن مات على فراشه بجوار زجاجات الفودكا وتشييعات الملايين من محبيه بأعينهم الدامعة وزهورهم الحمراء على قبره الذي لا يزال الناس إلى اليوم يزورونه كل عام!
ماذا عن ماوتسي تونج الذي قتل ستين مليونا من أجل إقامة الثورة الشيوعية في الصين؟ لم ينل هذا الوغد جزاءه أبدًا إلى أن مات. وماذا عن جنكيز خان وهولاكو وفلاد المخوزق وكاليجولا ونيرون، وغيرهم من معاتيه التاريخ الذين نشروا الدماء في كل مكان ومات معظمهم على فراشه بسلام لم يعكره عليهم أحد!
يصارحنا علي عزت بيجوفيتش بحقيقة موجعة، هي أن الجريمة في الحقيقة مربحة، ولكن بشرط واحد، ألا يكون هناك إله.
مظالم الدنيا من حولنا بشعة، ربما أبشع من أن يتحملها المرء في كثير من الأحيان. إنها مرارة القهر، ودموع الحسرة، والرغبة العارمة في الانتقام، والحاجة الصادقة للقصاص، ونظرات العين المنكسرة في صمت بليغ! إنه جوع قارص، وظمأ قاتل. وككل ظمأ في الدنيا هناك ما يرويه ويشبعه. هناك في مكان ما، أو زمان ما، هناك عدل كامل، هناك انتقام جبار، هناك قصاصٌ نافذ.
يخبرنا القرآن أن هذا اليوم آتٍ حتمًا: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 17].
لا ظلم هناك، في ذلك اليوم!
هذا دليل وجودي على اليوم الآخر، أننا نحتاج إليه حقًا! فكما يدل شعور العطش على وجود الماء في مكان ما، فشعور الظلم يقودنا إلى وجود العدل الكامل المطلق.
هؤلاء الذين أظهروا الجانب المظلم من نفوسهم كان هذا لأنهم لم يكونوا على إيمان بوجود يوم آخر، أو كانوا على علم بذلك ولكنهم لم يهتموا إلى هذا الحد. لك أن تتخيل قدر ما كان سيكون في البشرية من جرائم إن كان الناس جميعًا لا يؤمنون به، أو إن لم يكن هناك يومٌ آخر فعلا! ما كم الرقابة الذاتيّة المتبقي على أفعالنا حين نؤمن من داخلنا أن كل الجرائم ستمر مرور الكرام؟؟ لذلك يحكي لنا القرآن قول موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27].
ويحكي لنا المنهج الإصلاحي الذي حرص عليه شعيب عَلَيْهِ السَّلامُ، والذي عرف أن إرادة الدنيا دون الآخرِة تنتج الكثير من الفساد في الأرض! فقال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 36]. ذلك المبدأ الذي أقرّه اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ في قوله جَلَّ جَلَالُهُ عن الآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. يكفينا الخراب الذي حدث في الدنيا من كل هؤلاء الذين يريدون علوًّا في الأرض وفسادًا، وأما في هذا اليوم، فلا يوجد ظلم هناك ولا خراب.
ومن أكبر مظاهر هذا العدل ألا يضيع عمل العاملين، ولا أجر الصالحين، أن يعمل من يعمل في الدنيا وهو على اطمئنان كامل بوعد القرآن له أنه في يوم القيامة لن يجد إلا جزاء ما كان يعمل، ليس ضائعًا كما كان يضيع في الدنيا، بل محفوظ عند اللّٰه جَلَّ جَلَالُه: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]. وليس منقوصًا كما كان فِي الدنيا، بل سيكون كاملًا ومُستوفّى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]. لن يُقابَل المحسن إلا بمثل فعله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
ويحدثنا القرآن عن مظهر آخر من مظاهر هذا العدل وهو القضاء العادل! حيث يفصل اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بنفسه في النزاعات والخصومات والاختلافات التي لطالما قامت بسببها الحروب والشقاق والعداوة في الدنيا. سوف نعرف الآن من كان المصيب ومن كان المخطئ، سوف نعرف من كان الأحق بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل الحروب الدينية التي قامت على وجه الأرض، سوف نعرف من كان الظالم ومن كان المظلوم، أو من الذي أصاب اجتهاده بين كل هؤلاء الفقهاء! هذا القضاء الفاصل، يحدثنا عنه القران فيقول: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55].
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحديد: 5].
أيضًا يمكننا اعتبار (التفرقة) و(التمييز) من بين مظاهر العدل يوم القيامة! فالمساواة بين المجرم والضحية إنما هو واحدة من أسخف صور الظلم المُقَنّع، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ بريء من هذا. في يوم القيامة يتبين لنا أن هناك نظامًا تفريقيًا كاملًا سيحدث لنا، لن يبقى حجر على حجر، أو يقف أخ بجانب أخيه، أو رجل بجانب امرأته. بل سيمتاز الجميع إلى فريقين، وتعود كل الخيوط الرماديّة الدنيوية إلى لونين من الأبيض والأسود على اختلاف درجتيْهما، فريق هنا وفريق هناك!
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: 59]. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14].
﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7].
على أن أكبر مظاهر العدل الكامل في تلك الدار أنها تتميز بالعدل في منح العدل! فلا يوجد فيها محاباة لأحد، ولا تختصّ بها فئة عن فئة. لم يتوان القرآن في إقرار هذه المساواة بين البشر في أحقيتهم في التِمتع بعدلٍ هذه الآخرة الذي قد طال كل نفس مخلوقة! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: 30].
لم يكتف القرآن بذلك! بل انبرى يرد على هؤلاء الذين ظنّوا أنهم اشتروا الآخرة بمكانتهم عند الله، أو أن لهم حظوة ومكانة عند صاحب مفاتيح الجنان تجعلهم الفائز الحصري الوحيد لدار البقاء! لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 94]. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 111-112].
انتظار فناء العالم حدث عدة مرات في التاريخ، ربما أقربها جميعًا حين ظن كثير من الناس أن نهاية العالم ستكون عام 2012 بسبب تقويم حضارة المايا اللاتينية التي تزعم أن دورة حياة البشر هي 5125 عامًا، وقد بدأت سنة 3114 قبل الميلاد، فبالتالي سيفنى البشر في 2012. قام مجموعة ذكية من السينمائيين باستغلال النبوءة وقاموا بإنتاج فيلم 2012 ليحولوا الخرافة إلى بعض الدولارات الخضراء.
بالنسبة لي كإنسان لا فرق بين أن ينتهي العالم من حولي وبين أن أنتهي أنا فأرحل عنه! ربما لذلك قال النبي ﷺ: من مات قامت قيامته . فلا يوجد كبير فرق إذن بين أن تقوم قيامتك بنيزك طائش يدمر الأرض في لحظة، أو بطفل يقود توكتوك ويقطع الطريق أمامك ليقل الراكبين!
تلك الإمكانية العبثية لانتهاء كل شيء بشكل مفاجئ توحي لنا بأن في الأمر خدعة ما. وهذا صحيح تمامًا كما قال اللّٰه عز وجل: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20]. والغرور هو الخداع في كلام العرب. الحياة الدنيا بالفعل قد صُممت بطريقة تمكنها من خداع الجميع، باستثناءات قليلة.
ولكن لربما نحن لم ننتبه كثيرًا حين أقسم لنا اللّه بالعصر، وبالليل، وبالنهار، وبالضحى، أن هذه الأوقات تعني الكثير عنده. لربما لم نفهم أن السبب الذي يجعل من موتنا المفاجئ صباح الغد مفهومًا أن مساء اليوم – وكل يوم – كان ذروة جديدة للملحمة التي تمنيناها..! فقط ننتظر كثيرًا قبِل أن نصنع حياتنا، ننتظر أكثر من اللازم، ولا أدري ماذا ننتظر؟؟ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ [يونس: 102].
يوجد كبير علاقة ارتباط بين ملاحظتنا لعجلة الفناء التي تطول كل شيء، وبين يقيننا في الدار الآخرة وإرادتها، هذه معادلة مطردة! يعطينا القرآن مثالا لرجل تعطلت عنده هذه الملاحظة، فاختلّت المعادلة ككل: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 35-36].
هذه العلاقة بين تعظيم بقاء الدنيا ونعيمها وبين استبعاد – أو لنقل استحباب إغماض الجفون عن – اليوم الآخر، تتبين من خلال الصرخة التي ألقاها صالح عَلَيْهِ السَّلَامُ على قومه علهم يفيقون! ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 146-149]؟!
هناك سؤال وجودي قديم كقدم الوجود ذاته يقول: (من الذي يختار أفعالي؟ هل أنا؟ إذن اللّٰه لا يُقدّر! أم يختار الله؟ إذن أنا غير مُلام!) مثل السؤال الذي صاغه العباس بن يوسف الشكلي مناظرًا لمخالفه: أراد اللّٰه من عباده أن يؤمنوا فلم يقدر؟ أم قدر فلم يرد؟ .
المشكلة في أصحاب هذا المبدأ أنهم لن يفهموا أنفسهم في كل مرة يختارون فيها أن يأكلوا شطيرة من الجبن بدلا من القشدة، أو يصعدوا الدرج بدلا من النزول، أو يدخلوا المرحاض بدلا من الموت باحتباس المثانة!
أفرح بأن اللّٰه لا يختار لي إلا الخير. أفرح بأنه لم يرض بأن يشاركه غيره في ذلك! أفرح بهذه الآية: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68]!!
لذلك كان يقول أحد الحكماء: إني أدعو اللّٰه في حاجة فإذا أعطاني إياها فرحت مرة وإذا لم يعطني إياها فرحت عشر مرات لأن الأولى اختياري والثانية اختيار اللّٰه علام الغيوب !!
لم يسمح اللّٰه في خلقه بأن تحكمهم العشوائية والعبثية، بل أراد وحكم لنا وعلينا بأن يكون كل شِيء على درجة عالية من التقدير. كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 49-50]. فبرغم أن قدرة اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كلمح البصر، مما يجعلها في استغناء عن التخطيط المسبق، إلا أن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد قدّر كل شيء في خلقه من قبل أن يخلقه. إنها أفعال من اتصف بالحكمة البالغة والحلم الكامل والقداسة التامّة!
ملايين الاختيارات العشوائية والخطوات العبثية – كما قد تبدو لنا، وهي ليست كذلك – أدّت إلى تلك المجموعة المعقدة من الاحتمالات التي أدعوها مجازًا: حياتي!
حينها أتذكر قول النبي ﷺ في دعاء الهمّ والحزن عندما يقول: نَاصِيَتِي بِيَدِكَ . والناصية هي مقدمة الرأس. أشرف ما بالإنسان. والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقودها كما يشاء ويوجه أفعالي حيث شاء.
يهدينا اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جميعًا لأقدارنا. هذه واحدة من معاني الربوبية هي اختيار اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لمصيري بالطريقة التي يحبها، كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ في القرآن على لسان نبيّه هود عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 56]!
لهذا السبب إذن كان النبي ﷺ يتذكر مصير ناصية رأسه الذي هو بين يدي اللّٰه عز وجل لما يصاب بالهم والحزن! ثم كان يقول ﷺ بعدها في نفس الدعاء: مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ . فشعورك بحتمية القدر ليس كافيًا للاطمئنان وللتسليم (السعيد) إلا عندما تجمع إلَيه يقينًا بعدل ورحمة هذا القدر!
فأخبرني حين تتمتم بـ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي . كيف يَبقى بعدها في قلبك أي همٌّ أو حزن؟!
في ملحمة جلجامش السومريّة، يتحدث كاتب الملحمة عن جلجامش الذي كان ثلثي إله وثلث بشر! مما يجعله في قوة الآلهة إلا أنه يموت وليس بخالد.
تذكر أن هذا من المفترض أن ثُلُثَيْه إله! وبرغم ذلك قد قهره النوم بهذه البساطة، ناهيك عن أنه كان يحتاج إلى (النظافة)، وفي النهاية استطاعت أفعى أن تخطف منه عشب شبابه أثناء أخذه (شاور)!
نحن في غنى عن هذا النوع من الآلهة (المهزّأة)!
يحدثنا القرآن عن إله له إرادة إلهية حتميّة الحدوث. كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: 11].
هذه الإرادة التي لا نستطيع أن نمنعها إن قررت أن تصيبنا بشر أو بسوء: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10].
بل لا يستطيع أن يقف أمام هذه الإرادة إرادةُ الأنبياء أو نصحهم، بِل هم في ذلك مساكين تمامًا مثلنا. كما يقول نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34].
لذلك يقول موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: 155]. ويقول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]!!
هذه الإرادة التي يتعلق بها حدوث كل شيء من أمر الدنيا أو الدين. فحتى الإيمان لن يدخل إلى قلب امرئ إلا لو شاء اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ ذلك! كما يقول جَلَّ جَلَالهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. حتى لو كان الداعي إلى هذا الإيمان أقوى ما يكون: الحواس أنفسها! فحتى لو كان الإيمان بهذه السهولة واليسر فلم يكن ليتم إلا بمشيئة اللّٰه في النهاية! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: 111].
فهناك الإرادة بمعنى: الشيء الذي يحبه اللّٰه أن يحدث، مثل قول اللّٰه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 27]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. بمعنى أن اللّٰه يحب ذلك ويدعوكم إلى ذلك. هذه سمّاها هؤلاء العلماء باسم: الإرادة الشرعيّة.
وهناك الإرادة بمعنى: ما قضى اللّٰه في النهاية بأن يحدث، مثل قول اللّٰه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 176]. ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: 85]. وهذه سمّوها: الإرادة القدرية أو الكونيّة.
السبب وراء أن ليس كل ما يريده اللّٰه ويحبه، أراده اللّٰه أن يقع فعلًا في الوجود. هو أن الإنسان له إرادة كاملة! فقد يريد اللّٰه منه الإيمان وهو يريد الكفر، قد يريد اللّٰه منه التوبة، وهو يريد المعصية! ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67]!!
يحكون أن أحد الأساتذة أجرى اختبارًا لطلابه وقسّمه حسب الصعوبة إلى ثلاثة نماذج، النموذج الأول الأشد صعوبة، والثاني متوسط، والثالث هو الأسهل. ثم خيّر طلابه في أن يختاروا النموذج الذي يريدون. وبعد أن ظهرت النتيجة تبيّن أن كل من اختار النموذج الأصعب حصل على (امتياز) وكل من اختار النموذج المتوسط حصل على (جيد جدًا) وكل من اختار النموذج الأسهل حصل على (مقبول). فاجأهم الأستاذ أنه لم ينظر إلى حلول أي واحد منهم أصلًا، بل كافأهم حسب اختيارهم، وأن الاختبار لم يكن لمعلوماتهم ولكن لأهدافهم وطموحاتهم.
بينما أقرب الأمثلة الواقعيّة لهذا الاختبار فعلًا هو اختبار الآخرة! حيث أخبرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ أنه اختبار إرادة في المقام الأول! وأن كل من سيختار اختيارًا سيحصل على مراده، أو بمعنى أصح: على القدر الذي يريده اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى منه! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلَّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 18-20]. على أنه ليس اختبار إرادة مجردة من العمل. فلك أن تلاحظ قول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: 19]! إنها إرادة يتبعها عمل.
منذ اللحظة الأولى لقارئ القرآن يتبين له أن إرادة الإنسان واختياره إنما هما حقيقيّان تمامًا. فمثلًا يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ عن أهل الجنة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. أثبت أن قيامهم بالليل يصلون كان عملا يُنسَب لهم، إذ إنهم اختاروا ذلك من أنفسهم. وأيضًا يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ عن أهل النار: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 90]. فأثبت أنهم هم من اختاروا هذه الأعمال، وهم من تسببوا لأنفسهم في هذا المصير.
هذه الإرادة الإنسانية قد تتعارض مع الإرادة الشرعيّة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما وضحنا، وحينها يُنفذ اللّٰه إرادةَ الإنسان! هذه من خصائص المكلفين الذين ميّزهم اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بحرية الاختيار إلى هذا الحد! بينما الملائكة مثلا وهم أكمل في الخلقة منّا وأقوى وأجمل، لم يحصلوا على هذه الخصيصة، فقال اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]!
ولكن هذه الإرادة الإنسانية لا تنفك بأي حال عن إرادة اللّٰه الكونية القدرية! فلا يمكن أن تشاء شيئًا كائنًا ما كان إلا وكانت مشيئة اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ له أسبق! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 27-29].
لأنه كما اتفقنا: من ذا الذي يقدر على أن يُرغم اللّٰه على شيء لا يريده؟!
فالقرآن يحدثنا عن أن إبليس حين عصى اللّٰه بكل تجبّر وتكبّر وبرود، ألقى باللوم على رب العزة في ذلك! كما يقول: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39].
ورُوِيَ عن عيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنه كان واقفًا على جبل يصلي، فأتاه إبليس، فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم. قال: فألق نفسك من فوق الجبل وقل قُدّر عليّ. فقال: يا لعين! اللّٰه يختبر عباده، وليس للعباد أن يختبروا الله.
ولأن هذه هي الطريقة التي يفكر بها الشيطان، فإنه من الطبيعي أن يعلّمها لكل من يوسوس في آذانهم ويثرثر على مآدب الشهوات والعصيان، لذلك كان القرآن على علم بأن هذا الفعل سيصدر من أولاد آدم من قبل أن يقوموا به! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: 148].
ثم عاد القرآن لتذكيرنا بذلك بعد أن صدر ذلك الفعل منهم بالفعل! ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 35].
لذلك قال النبي ﷺ – في الحديث الذي رواه عنه علي بن أبي طالب وذكره البخاري في صحيحه: مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا كُتِبَ شَقِيَّةً أَمْ سَعِيدَةً . فقال رجل: يا رسول اللّٰه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال ﷺ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُونَ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ . ثم قرأ ﷺ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10]!
، الآيات قد أعطتك الإرادة الكاملة التي تجعل التيسير أو التعسير من اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (نتيجة) على (مقدمة) أنت فاعلها، وهو العمل الذي تقدمه، فمن اختار أن يقوم بالعمل الصالح فالله جَلَّ جَلَالُهُ ييسره له، ومن اختار غير ذلك اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ ييسره له، حتى يسير الناس في النهاية إلى أقدارهم التي رسمها اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولكنهم مع ذلك يسيرون إليها طواعيةً من دون أن يجبرهم أحد!
هذا السرّ هو ما عناه علي بن أبي طالب رضي اللّٰه تعالى عنه حين قال في كلمته الخالدة التي جعلتها آخرًا لأنها أفخرهم بلا منازع: القدر سرّ اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ في خلقه فلا نكشفه ! أي لا تحاول أن تميط اللثام عن هذا السر فهو لن ينكشف أبدًا، ليس لك، وليس لي، وليس لهؤلاء الأدباء، وليس لأولئك الفلاسفة، وليس لأي أحد!
مسألة القدر عسيرة على الفهم البشري بشكل عام، وعلى اختلاف ثقافات أو ديانات هذا العقل البشري! لذلك فإن القرآن ينبهنا إلى إدراك هذا العُسر حِين يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].
إن القرآن يعلم أنه من العسير علينا أن ندرك كيف أن كل مصيبة صغيرة أو كبيرة حدثت على وجه الأرض أو سوف تحدث إنما هي مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق اللّٰه هذه الدنيا بأسرها! لذلك تؤكد الآية علينا أن ذلك الأمر الذي نستصعب فهمه إلى هذا الحد إنما هو على اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ يسير!
في مسألة القدر، فإننا نكون أحوج ما نكون إلى ما يجيبنا به القرآن حين يحدثنا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]! فإجابات القرآن تروي ظمأنا للمعرفة، لكننا مع ذلك نعلم أننا محدودون في هذه المعرفة! نستطيع أن نفهم الكثير من الأشياء ولكن سنصل إلى نقطة معينة ونقول بعدها: لا ندري. كلنا لا يدري!
سُبُّوح! (عن سُؤال وُجُود الشُّرُور والآلام في الدُّنيا)
في استفتاء أمريكي كان هناك سؤال: لو أتيحَ لك أن تسأل اللّٰه سؤالا واحدًا تعلم أنه سيجيبك عنه، فماذا سيكون السؤال؟ كان السؤال الذي حصل على أعلى نسبة في التصويت هو: (لماذا هناك ألم ومعاناة في هذا العالم؟).
في سجالات المؤمنين والملحدين، نجد مشكلة الشر حاضرة بصفتها الراعي الأكبر للمناظرة. بينما الجواب على إشكال الشر في القرآن الحكيم محكم، بسيط، متقن وكامل.
طيب اللّٰه ورحمته وجماله وحكمته وقدرته وعلمه وصدقه هي من أكواد ذلك الجهاز الذي وجدناه في أنفسنا حين كنا بعد صغارًا لا نجيد جمع البرتقالات على أصابعنا وبرغم ذلك كنا مستعدين لفعل أي شيء خيّر كي يحبنا اللّٰه لأننا كنا نعرف أن اللّٰه طيب ويحب الطيبين! ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30].
نحن غارقون في قبح النقص ولكننا خُلقنا مُبرمَجين على أن اللّٰه له جمال الكمال، نحن نعيش في حياة شريرة ولكننا نعلم أن خالقنا طيب وسوف يعيننا على النجاة منها، نحن نرى دناءات البشر من حولنا فتذكرنا قلوبنا بأن اللّٰه أعلى وأجلّ.
نحن نتعامل إذن مع مشكلة مستوردة! وقضيّة يتم التقليد فيها دون أن نفطن إلى أن وضع المسلمين وخلفيتهم الثقافية على اختلاف كبير مع هذه العقليّة! ففي حين يؤمن النصارى أننا أبناء اللّٰه وأن اللّٰه مستعد للموت من أجلنا، نجد لدينا نحن قول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18]. من الذي ادّعى في الإسلام أننا أبناء اللّٰه أو أحباؤه بذواتنا؟ لو كان هذا صحيحًا لكان من الغريب حقًا أن يعذبنا اللّه في الدنيا أو الآخرة بذنوبنا! ولكن الحقيقة أننا مجرد بشرٌ ممن خلق.
في المقابل فإن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ يدعونا إلى النظر إلى مصائب الدنيا على أنها (مأذونٌ) فيها من اللّٰه الذي كان يقدر على منعها لو شاء. وأن هذه المصائب ليست منفكة عن علم اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولا حكمته. وأنها ستكون شديدة على النفس وتحتاج إلى هداية من اللّٰه لقلب المتعرض لها! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]!
2. عن الدُّنيا التي لا تستحِقّ
هذه المكابدة التي تصيب كل أحد هي رحمة من اللّٰه علينا! الخوف والقلق والمشقة والعناء والتعب، كل هذه أدوية يا حبيبي، يعالجنا اللّٰه بها حتى نتعلم أن البكتريا تقدر علينا، والفقر يقدر علينا، والبرد يقدر علينا، والألم النفسي يقدر علينا، وظلم البشر يقدر علينا. جميع نوائب الدهر تقدر علينا. يعلمنا اللّٰه ذلك حتى لا ننسى ولو للحظة واحدة، أن خالق كل شيء ومدبر كل شيء بالفعل يقدر علينا!
هذا يا صغيري ما أخبرنا به اللّٰه تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: 4-5]؟!
هل عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة؟ وهل هذا سؤال مهم أصلًا؟
أهمية هذا السؤال يمكنك أن تفطن لها حين تتأمل في عبارة يسيرة أطلقها أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء: ليس في الإمكان أحسن مما كان . ثم فصّل أكثر في كتاب الإملاء على إشكالات الإحياء: ليس في الإمكان أبدع من صورة هذا العالم ولا أحسن ترتيبًا ولا أكمل صنعًا . ثم رد عليه البقاعي في كتاب: تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان! ثم رد السيوطي على البقاعي في كتاب: تشييد الأركان في ليس في الإمكان أبدع مما كان! وبصفة عامة ولكيلا تصاب بالملل، فقد كانت رسالة الدكتوراة للمستشرق إريك أورمسبي عام 1984 بعنوان الثيوديسيا في الفكر الإسلامي: النزاع حول كلمة الغزالي، أفضل العوالم الممكنة والتي عرض فيها خلاف علماء المسلمين في قبول عبارة الغزالي عبر سبعة قرون هجرية.
لم يكن علماء الإسلام ليسكتوا بسهولة على عبارة عابرة وردت في كتاب (وعظي) لأحد علماء المسلمين يمكن أن يُتوهَّم منها أن اللّٰه عز وجل لم يكن ليقدر على خلق دنيا أخرى خالية من المنغصات والأكدار كدنيانا. وبرغم أن الغزالي والمدافعين عنه لم يكونوا يقصدون ذلك، إلا أن تأصّل عقيدة المسلمين بأن دنيانا دار ابتلاء وكدر حال بينهم وبين قبول مثل هذه العبارة.
منذ اللحظة الأولى التي نحاول التعرّف فيها على إجابة القرآن عن وجود الشرور في العالم، فإننا نلاحظ نظرة القرآن إلى الدنيا على أنها دار (ابتلاء) و(محَن) وليست دار (رفاهية) أو (دلال)!
لذلك – ومن قبل ذلك – لم يدّع القرآن أبدًا أن نعيم الدنيا هي هدفنا، أو أكبر همنا، أو غاية وجودنا، أو أنها تستحق أصلا اهتمامنَا! في المقابل فإن القرآن دائم التذكير لنا بأن هذه الحياة الدنيا إنما هي متاع قليل القيمة قصير العمر رخيص الثمن، وأن الآخرة هي المستحق الحقيقي لأحلامك بالنعيم والرفاهية! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
وأن استشكال الناس للتفاوت في تقسيم الأرزاق إنما كان بسبب نظرة معظّمة إلى هذه الدنيا بدون أن تستحقها إطلاقًا! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26].
لذلك يعرف علماء الطب أن العضو الذي لا تشعر به هو على الأرجح سليم، والعضو الذي نشعر بوجوده في جسدك يعني على الأرجح أن فيه عطبًا ما!
ربما تكون هذه هي حكمة أن يذيقنا اللّٰه بعض الانزعاج اليسير أحيانا في عضو ما من الجسد فقط كي يذكرنا بأنه موجود! بأنها نعمة تستحق الشكر.
أتخيل أن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ من حكمته أيضًا في خلق هذه الأعراض الفيسيولوجية أن يذيقنا جزءًا من المعاناة التي عند غيرنا، ولو مرة، ولو بشكل مخفف للغاية، ولو على سبيل التذكرة وليس الابتلاء. يذيقنا ما يشعر به هذا وذاك من الذين حرموا شيئًا بسيطا جدًا أنت تتمتع به ولا تدري لكم هو عزيز حقا!
إن الأعراض الفيسيولوجية تخبرنا بقاعدة يسيرة تتمثل في أن كل لحظة تمر عليك في عافية لهي هدية ثمينة قد عرفت أنت الآن قيمتها، وأنها محض فضل من اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الذي قد يلحقك بهؤلاء الذين منها قد حُرِموا! قاعدة قد نصّت عليها الآية: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53].
والسؤال هنا: لماذا لا نتذكر النعمة إلا بعد فقدها؟! لماذا لا نشعر بالامتنان لذلك الشيء الصغير الذي نملكه في كل حين إلا بعد أن نشعر بألم فقده؟! لماذا نحتاج دائمًا إلى تلك التذكيرات اليومية، وهذه الدروس اليسيرة حتى نفطن إلى معنى قول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51]؟! لماذا نعرض عند النعم وننسى، ثم عندما يصيبنا الشرّ نعوي بكل هذا البكاء، ونتذمّر بكل هذه الشكوى، ونلجأ لكل هذا الدعاء العريض؟!
كان سفيان الثوري يشرح قول اللّٰه تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182]. فيقول: نسبغ عليهم النعم ونمنعهم شكرها . وكان الحسن البصري يقول: إن اللّٰه يمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكره عليها قلبها عليه عذابًا . وكان ينصح: أكثروا ذكر هذه النعمة، فإن ذكرها شكرها . وكان رأيه في قول اللّٰه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]: يذكر المصائب وينسى النعم .
اللّٰه عز وجل ليس بذلك الإله الذي يخلق خلقه ثم يتركهم هملًا. وحين يحرمهم من بعض نعمه يحوطهم برعاية منه تعوّض الكثير من هذا الحرمان! وهو القائل سبحانه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: 19].
سُئِلَ الإمام عليُّ عن قول اللّٰه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. فقال: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل .
علينا أن نتذكر نعم اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذن قبل أن نتذكر حرمانه، علينا أن ننظر إلى منته وفضله قبل أن ننظر إلى بلائه، علينا أن نفطن إلى كرم اللّٰه الذي هو أسبق، وإلى المنن التي هي أغلب، وفي النهاية: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12].
حين يصاب المريض بالألم، فهو ليس شيئًا ماديًا يمكننا وضعه على الميزان، فكيف يقيس الطبيب مقدار ما يشعر به من الألم؟ نقول له: على مقياس من واحد لعشرة، حيث عشرة هو أسوأ ألم مررت به في حياتك، فما هو مقدار ألمك الآن؟!
كيف يمكننا أن نقيس الحزن، المعاناة، الأسى، الشقاء، الابتلاء أو المصيبة؟ ما هو رقم عشرة الخاص بك الذي تقيس بمعياريته بقية أحزانك؟
ما الذي سوف يرضي الطفلة؟ ما الذي سوف يرضي أيًا منا؟ حتى لو كان أقصى ما نصاب به هو مقدار من الشر قوته (1)، فسيبقى هذا هو رقم عشرة الخاص بنا. وسوف نظل نسأل، لماذا سمح اللّٰه بأن يحدث لنا هذا؟
في الحقيقة، وسواء أحببنا ذلك أم لا، فالله ليس بخادم مقهور على خدمة عبيده، ويذكرنا اللّٰه في قرآنه: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: 24-25]. الإجابة: لا، ليس له كل ما يتمنى، ليس يستحق كل ما يهواه، اللّٰه وحده له الآخرة والأولى، يعطي منهما من يشاء، ويحرم منهما من يشاء.
كل هذه النعم كانت من اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تفضلا منه ومنة. وليس أننا نستحقها منه أو نوجبها عليه بشكل من الأشكال! مجرّد وجودك في هذه الحياة هو أمر يعني أن اللّٰه قد امتنّ عليك وأذن بهذا الوجود. فلو مات الطفل في بطن أمه قبل أن يولد، أتراه كان يستحق شيئًا من اللّٰه فعلا؟ أتراه قد حُرِمَ من شيءٍ كان واجبًا على اللّٰه أن يعطيه له؟
معنى أنك تتحرك الآن أن اللّٰه قد رزقك بأعضاء الحركة، فلو أن اللّٰه قد جعل أحدهم يُولَد مشلولًا، أيعني هذا أنه قد ظلمه؟ ومن الذي استحق من اللّٰه أصلًا بأن يرزقه بهذه الأعضاء؟ إنما هو محض تفضّل منه سبحانه، وحرمانه له – ولو افترضنا أنه لم يكن لحكمة وهذا افتراض خاطئ كما سنوضح بعد صفحات يسيرة – هو أمر خال من الظلم تمامًا.
هذه النظرة الصحيحة للنعم بأنها ليست استحقاقًا نطالب به، بل محض تفضّل من المنّان، هي نظرة تتعارض مع الطريقة المجحِفة التي يمتاز بها بعض الناس في نظرتهم للأمور! حين يرون أن كل نعمة هم فيها كانت بسبب أنهم (يستحقونها) وكل حرمان لديهم هو (ظلم) من الإله حين منع عنهم ما هو لهم! كما يحكي القرآن لنا عن حال أحدهم: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: 49]. أي أنه يقول أن هذه النعم قد أوتيتها على علم من اللّٰه بأني أستحقها.
هذا الغلوّ في الزهو والغرور ورؤية فضل النفس وأهميتها يصل إلى ذروته عند بعض الناس أحيانًا فيجعلهم يجزمون بأن هذا الفضل الإلهي كما كان لهم في الدنيا فلا بد أن يكون لهم في الآخرة، لماذا؟ لأنهم أهلٌ لذلك! ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: 50]!
6. عن الصَّبر الذي لا مفَرّ منه
جودو وغد! عليك أن تدرك ذلك. في أغلب الأحيان لا يأتي، في أغلب الأحيان لن تكون دنياك بنفس مستوى روعة أحلامك، كثيرًا ما ستشعر بصفعة على أحد خديك، وغالبًا ستكون مؤلمة، وسيتناسب هذا الألم طرديًا مع المسافة التي تفصل واقعك المرّ بحلمك السابق. قانون فيزيائي لن يتغير لأجلي ولا لأجلك. لن يحابي أحدًا ولن يراعي أنك لطيف وطيب القلب.
لأن الواقع ولو خالف حلمنا، فلن يخرج عن كونه متعة أخرى ولِذة أخرى وأجر أكبرٍ! أمر عجيب فعلا، حتى النبي ﷺ نفسه تعجب منه حين قال: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ .
الصبر هو ذلك المفتاح الذي يغير الواقع من حولك إلى واقع آخر ترضاه، فقط حين ترضى عنه! هذه ليست فلسفة وعظية فارغة، بل هي إذعان لإحدى حقائق الحياة المرة، وهي أن كل الناس يُبتَلى، وجزعك عند المصيبة لن يضر أحدًا غيرك، وفهمك لحكمة اللّٰه منها هو فقط ما سيكفل لك الصبر عليها، ويوضح عمار بن ياسر الفرق بين من يدرك ذلك ومن لا يدركه فيقول: إن المسلم ليُبتَلي بالبلاء فتحط عنه ذنوبه كما تحط الورق من الشجر، وإن الكافر ليُبتَلى بالبلاء فمثله مثل بعير أطلق فلم يدرِ لمَ أطلق، وعُقِلَ فلم يدرِ لمَ عُقل . وربما لأجل هذا قال النبي ﷺ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ !
كان سفيان الثوري يقول: يحتاج المؤمن إلى الصبر كما يحتاج إلى الطعام والشراب ، ويقول ربيعة الجرشي: لو كان الصبر من الرجال لكان كريمًا ، وقيل لـ البطال: ما الشجاعة؟ قال: صبر ساعة ، ورأى إبراهيم التيمي رجالا في أغلال سجون الحجاج فقال لهم: إن اللّٰه قد رآكم أهلا ليختبركم، فأروه أهلا أن تصبروا له . ويلخص عبد اللّٰه بن المبارك الأمر فيقول: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع .
سألنا القرآن: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]؟؟
ومهما كان جوابنا، فقد ذكّرنا اللّٰه في ختام الآية بأن: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20].
7. عن السَّعادة التي هي أعقد ممَّا نظُنّ
في محاضرة له، عرض عالم النفس الأمريكي دانييل جيلبرت دراسة تتبعت مجموعتين من الناس، المجموعة الأولى تضمنت 22 من رابحي اليانصيب والمجموعة الثانية فيها 29 من المصابين بالشلل في الحوادث، وبعد عام تبين أن مستوى السعادة لكل من المجموعتين متساو! لم أصدق ذلك بالطبع، الناس يتحدثون بالهراء طوال الوقت، ولا أجد سببًا يجعل من جيلبرت استثناء، لذلك بحثت عن أصل هذه الدراسة حتى وجدت الورقة العلمية التي نشرها الباحثون بريكمان وكوتس وبولمان في 1978، وكان جيلبرت صادقًا بالفعل.
في أواخر الثمانينات أُجري مسح على 170 ألف شخص في 16 دولة صناعية باستمارات استبيان قياسية، تبين أن مستوى الرخاء الاقتصادي للدولة ومتوسط سعادة أفرادها لا يرتبطان، دخل الألماني كان ضعف دخل الأيرلندي، لكن الأيرلنديين كانوا أسعد، البلجيكيون كانوا أفقر وأسعد من الفرنسيين، وأما اليابان فكانت من أثرى الشعوب وأتعسها في نفس الوقت!
ماذا عن الأفراد داخل الدولة الواحدة؟ ماذا لو قارنا الفقراء والأغنياء؟ بحوث كثيرة، منها دراسة أجريت في (إلينوي) عام 1993 اتفقت نتائجها جميعًا أن الأغنياء كانوا أسعد من الفقراء ولكن بفارق ضئيل جدًا، وأنه بشرط توافر الحاجات الأساسية للإنسان وهي (السكن والطعام والملبس والصحة) فإن أية فروقات في الدخل تسبب فروقات طفيفة جدًا في السعادة. هل يذكرك ذلك بـ: مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ؟
خلقنا اللّٰه في دنيا كل ما فيها يفنى، كل ما فيها ينتهي، كل ما فيها ينفد! الخير والشر، الرزق والمنع، السرور والكسور، كل ما عندنا ينفد: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96]. فقط الذين صبروا يستحقون أن يجزيهم اللّٰه بأحسن ما كانوا يعملون!
8. عن الشَّرّ الذي هو ليس كذلك
هذا الجهل – وبعد أن نلاحظ نتائجه في تجربة لنا أو اثنتين – يدفعنا إلى اليقين في أننا لسنا أفضل من نخطط لأنفسنا طريق الحياة والنجاة فيها. التسليم لهذه الحقيقة هو ما تهدف إليه الآية التي تذكرنا بـ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
لذلك كان يقول ابن عمر: إن الرجل ليستخير اللّٰه فيختار له فيتسخط على ربه! فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو خير له . وكان يقول علي عزت بيجوفيتش وهو في السجن: لقد أنقذتني هذه المحنة الكبرى من مئات المحن الصغيرة التي كان من الممكن أن تأكلني وتستنزفني كل يوم بشكل منتظم شيئًا فشيئًا .
بعد عدة محاولات خرقاء ستفطن أخيرًا للحقيقة. أنك لست أفضل من يدبر حال نفسك. بل، على الأرجح أنت أسوأ من يدبر حال نفسك!
لو أن اللّٰه قد ترك لك تدبير جسدك لتسببت في دماره في عدة دقائق. فلماذا أيها المسكين تظن أنك قادر على تدبير أمر حياتك كلها، وتحزن لأنك لا تستطيع ذلك؟!
إن صوت الأنين المتصاعد يسأل عن حاجاته، عن إكمال أرزاقه، عن أحلامه وأمانيه. يجيبه صوت آخر شجىّ يتصاعد من مكان ما ويتلو علينا قول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27]!
لم يكن اللّٰه أبدًا ببخيل أو شحيحة يداه! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ هو الذي يمينه ملأى، كريمٌ يعطي بلا حساب ولا حد ولا مراجعة. ولكن لعله قد حرمك من هذه النعمة أو تلك لِأنه يعلم أنك تحتاج إلى هذا الحرمان أكثر مما تحتاج إليها فعلا! لذلك يقول الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21].
فالغمّازات التي تجمّل الوجه هي في الواقع (ضعف) أو انشقاق في عضلة من عضلات الوجه اسمها: Zygomaticus Major! والعيون الزرقاء الجميلة كان سبب زرقتها هو (فقرها) من الخلايا الصبغيّة في قزحيّتها! بينما الشعر الناعم الأملس أصبح كذلك لأنه (ليست لديه) طبقة نخاعيّة غنية بالبروتين كتلك التي تملكها الشعور الخشنة المجعدة!
هناك أمثلة كثيرة للفكرة الفلسفية ذاتها. أحيانًا كثرة الموارد أسوأ من قلتها، أحيانًا بطر النعمة لا يقل سوءًا عن ألم الفقد، أحيانًا يكون عدم كمالك هو سبب جمالك! لذلك كان بعض الحكماء يقولون: واعلم أن نعمة اللّٰه فيما منعه عنك أعظم من نعمته فيما أعطاك !
هذا ما وقع للناس الذين عاصروا مال قارون ورفاهيته فتمنّوا ما كان عليه من هذا النعيم. هذا التمنّي الذي كان شديدًا لدرجة أن هناك من العقلاء من نصحهم وقال: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: 80]. فلم يأبهوا كثيرًا بنصيحتهم! ولكن لما رأوا بأعينهم أن رفاهية قارون جعلته مفسدًا في الأرض، وأن هذا الفساد جلب عليه الوبال والغضب الإلهي والعقاب الشديد. لما رأوا بأعينهم كل هذا وشاهدوا بيت قارون مخسوفًا به الأرض، حينها فهموا وأدركوا: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: 82]!! الآن رأوا أن حرمان اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهم كان نعمة ومنة! الآن شاهدوا فضل اللّٰه في منعه بعد أن كانوا يشاهدونه فقط في عطائه!
لا يقتصر الأمر على المنع فقط، ولكن حتى الضرر الواقع، فقد يكون أحيانًا رحمةً من اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي يعلم عنك أكثر مما تعلمه عن نفسك، ويعلم أن ربما كان هذا العطاء سببًا في فسادك بعد ذلك، كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرِّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: 75]. هؤلاء صنف من البشر وحالة من أحوالهم يعلمها اللّٰه عنهم أن لو رفع عنهم ما يشتكون منه لاستمرّوا في ضلالهم وظلمهم دون أن يردعهم رادع أو يوقفهم انكسار!
فهؤلاء الذين يدّعون أن جميعهم أبرار أتقياء يراقبون اللّٰه في أفعالهم في السراء والضراء، فلنرَ إذن ما هم بفاعليه حين تُضيّق عليهم الأموال والأرزاق ويكونون في فقر وحاجة ثم تسنح لهم فرصة الغش أو السرقة، هل يستغلونها؟! أم يصبرون؟! لذلك يقول اللّٰه جَلَّ جَلَاله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].
في المقابل فإنه لو لم يكن هناك تضييق وكان الاختبار بهذه السهولة لنجح الجميع، واختلط من يستحق بمن لا يستحق وسط هذه الجموعِ الناجحة! لذلك يقول الله جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]. بل تعجّب القرآن من هؤلاء الذين ظنوا مجرد الظن أن عدل اللّٰه وحكمته يسمحان بأن يمضي الناس ويعبروا من الدنيا على الآخرة دون أن تحدث مثل هذه التصفية، فيقول جَلَّ جَلَالهُ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].
هناك حكمة أخرى أنبأنا اللّٰه بها لمثل، هذه البلاءات غير الرحمة والتصفية، وهى حكيمة الإنذار والتهديد! أن يذوق ذلك المعتدي أو تلك المتسلطة جزءًا يسيرًا من عقاب اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الدنيا، لعل ذلك يعيد إليه رشده، مثل الصدمة الكهربائية التي يستخدمونها مع مرضى الذهان العقلي، شيئًا من العذاب يراه المتجبّر فيخاف ممّا هو أكبر منه من العذاب. هذه الحكمة قد أخبرنا بها القرآن حين قال اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21].
غير أن المجرمين يتفاوتون في إجرامهم، ولأن هناك من الناس من لا يمنعهم عما يريدون من الضلال شيء، وسيتصرّفون دائمًا بنفس الغباء التقليدي الذي امتازوا به في ظنهم أنهم لن يقدر عليهم أحد. لذلك لن ينتفع كل الناس بهذا الإنذار الربّاني! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126].
هذا هو ما يُعرَف باسم (تكفير الذنوب) وهو أمر تحب أن يحدث معك بالتأكيد، لأن الصداع، أو الشجار مع زوجتك، أو (الحكّة) اليسيرة في جانب سيارتك الجديدة، سيبقون دائمًا وأبدًا أسهل وأيسر وأرحم من نفحة من عذاب ربك يوم القيامة! كِما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79].
كان ديكارت يرى أن الحيوانات لا تتألم ولكن تصدر فقط رد فعل آلي غير واع. بينما أخبرتنا السنة النبوية أن الحيوانات تشعر بالألم بالفعل، فمن ذلك لعن النبي ﷺ لذلك الرجل الذي وسم الناقة، وإخبارنا بمصير المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها، أو تلك التي دخلت الجنة في كلب، أو دعوته لنا العامة بالإحسان إلى الحيوانات ورحمتهم في قوله: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ .
ولكن هل هو ذات الألم الذي نشعر به؟
ما يعرف باسم (الشر المجاني) وهو المصطلح الذي دأب الفيلسوف الملحد ويليام رو على إعادة تكراره كثيرا مؤكدًا أنه الشبهة الباقية من سؤال الشر مما لن تجيب عليه الأديان. فالشر المجاني هو ذلك الشر الذي لن يحصل من جرائه خير أكبر منه أو يساويه، ويضرب رو على ذلك مثالا: موت غزالة على حافة طريق وهي تتألم. ويقول: ما الذي أفادته الغزالة من فعل اللّٰه هذا فيها؟ لا اختبار، لا ابتلاء، لا صبر، ولا وعد بالجنة.
أنت قررت في شبهتك أن اللّٰه هو من فعل فيها هذا، فحريّ بنا أن نفترض أن اللّٰه هو الذي يرزقها بالطعام والهواء العليل من غير أن تفعل شيئًا تستحق هذا به. إذن اللّٰه يعطيها في كل وقت خيرًا (مجانيًا) أيضًا كما قدّر عليها الشر المجاني!
ثم من أدرانا أن اللّٰه لا يعوّض هذه الحيوانات عن الألم الذي يصيبها في الدنيا؟ ذلك الألم الذي سبق واتفقنا أنه لا يماثل آلام البشر لا في صورته ولا في شدته ولا في أثره على النفس. من أدرانا أن اللّٰه لا يرزقها من بعد الوجع ما يجبر به كسرها؟ لا يوجد ما يمنعنا من افتراض ذلك، فقط نحن نجهل! ولكن ما نعلمه عن اللّٰه هو: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
11. عن ضريبة الحُرِّيَّة البشريَّة
كان توماس هوبز يرى أن الإنسان كائن خيّر بطبعه، بينما كان جان جاك روسّو يؤكد على أن الإنسان بطبعه هو أشرّ الكائنات. ومن الجليّ أن كليهما مخطئ! فالإنسان قد يكون أفضل من الملائكة وقد يكون أسفل من الشياطين.
هذه هي ضريبة حرية الإرادة البشريّة! لو أردنا أن نحيا في مجتمع خال من الشرور البشريّة لكان هذا معناه أن يتدخل اللّٰه ليمنع الإنسان من شرّه، بمعنى آخر: أن يُجبرَ اللّٰه الإنسانَ على الخير. بمعنى ثالث: أن تُنزَع من الإنسان حرية إرادته. بمعنى رابع وأخير: ألا يكون هناك داع للحياة الدنيا، ولا لخلق الإنسان بعد وجود الملائكة.
على أن اللّٰه لم يتركنا وحدنا لهذه النزوات الإنسانية أن تلقي فينا كل هذه الشرور من دون أن يتدخل بشرعه وأمره وقدره.
بل أمر اللهُ الإنسانَ بألا يكون من المفسدين في الأرض: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]. يعني: لا تقتلوا بعضكم البعض. وأوضح له أنه لا يحب هذا الصنف من البشر: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64].
وأغلظ له في العقوبة يوم القيامة: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. وأمر عباده المؤمنين في الدنيا بملاحِقة ومعاقبة هؤلاء المفسدين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]!
لم يكتف القرآن بذلك بل وضّح لنا أيضًا أن دائرة الفساد قد تعود عليه في الدنيا إن شارك هو فيها بنفسه! كما قال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]. أي هؤلاء الذين سوف يتركون من بعدهم ذرية ضعيفة من الأطفال عليهم أن يتقوا اللّٰه ويتحرّوا العدل والإحسان مع اليتامى، حتى يبسّر اللّٰه لهم من بعد موتهم من يحسن إلى أطفالهم أيضًا! إنها دائرة (السَلَف) و(الدَّيْن) التي يعرفها عموم الناس من تجاربهم في الحياة، فالبرُّ لا يبلى والذنب لا يُنسَى والديّانُ لا يموت، فافعل ما شئت فكما تدين تُدان!
كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون. وأما هؤلاء الذين يصرّون على تقديس أنفسهم هم أسوأ البشر طرًّا. في الحقيقة كلنا – بشكل أو بآخر وباختلاف وتفاوت كبير – ظالمون فعلا!
لذلك كان جواب القرآن على هذا السائل أن قال اللّٰه جَلَّ جَلَالهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]!
12. عن الدِّين الذي يحمينا من الشَّرّ
دعونا نلقي نظرة على دين الإرهاب الحقيقي، أو لنقل، لا دين الإرهاب.
أطلق دوستويفسكي صرخته المحذرة في رواية الإخوة كارمازوف: إذا لم يكن اللّٰه موجودًا فكل شيء مباح . وينبهنا ديفيد بيرلنسكي أن الفلاسفة والمفكرين لما لاحظوا انحسار الدين خارجًا من مؤسسات الثقافة الغربية في بداية القرن العشرين، انتابهم إحساس مزعج بأن ثمة شر عظيم قادم. وقد كانوا محقين.
أثناء الحرب العالمية الثانية، كان أحد جنود الألمان ينتظر عجوزًا يهوديًا يحفر قبره قبل أن ينقض عليه بالرصاص، فما كان من العجوز إلا أن انتصب وقال له: إن اللّٰه يرى ما تفعل . ثم خر صريعًا.
ولكن، على رأي بيرلنسكي، فإن الجندي لم يكن يؤمن أن اللّٰه يرى ما يفعل!
ما لم يؤمن به هتلر، أو ستالين، أو ماو، أو بوت، أو ميلاديتش، أو الجستابو، أو منظرو الحزب الشيوعي، أو الآلاف من المرتزقة أن اللّٰه يرى ما يفعلون!
١٣. عن مُشكلة الشَّرّ عند المُلحد
اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحده هو الذي أعلمنا بمعنى الخير وبمعنى الشرّ! الذي خلق فينا جهاز التمييز الأخلاقي، فجعلنا جميعًا نفهم ما هو الحسن وما هو القبيح! إنها نوع من الهداية المتفرّدة التي اختصّ بها اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ وحده، كما اختصّ من قبل بنوعِ الهداية للحق والطريق المستقيم والذي يتبين لنا فِي الآية: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35].
أي أن كل من سوى اللّٰه لا يملك أن يهدي غيره ولا يستطيع إنما هو لا يهتدي إلا أن يُهدَى، أي أنه المفعول به دائمًا في معادلة الهدى. هي آية توضح لنا أن اللّٰه وحده هو الذي يهدي للحق والرشاد والنهج القويم، كما كان وحده دائمًا هو من يهدي جميع الخلائق قبل ذلك وبعد ذلك لمعنى الحق ولمعنى الرشاد ولمعنى النهج القويم!
إحساسك بوجود آلام من حولك، هو في حد ذاته دليل على وجود إله خلق في نفسك جهاز استشعار لهذه الآلام! حيث إن الشرور لديها عندنا معان (موضوعية) بحتة يمكن للجميع أن يتفقوا عليها!
هذا هو المعنى الذي أشار له القرآن حين قال اللّٰه تعالى عن النفس البشرية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].
١٤. عن ثُنائية الوُجُود الأزليّة
الفكرة أن الإنسان لديه مقدرة معينة على الحزن لا تتعلق فقط بالحجم الحقيقي لمصائبه ولكن بالطريقة التي ينظر بها إليها!
الحزن إذن هو ما يعلم الإنسان ألا يحزن! تأتيه المصيبة فتتربع على عرش آلامه النفسية فعندما يصاب بأعلى منها تنزل الأولى عن عرشها منهزمة وتصبح شيئًا عاديًا يتعايش معه بسهولة! هذه هي الطريقة التي نعتاد بها على الإسهال والزحام والأرق والحذاء الضيّق ورياح الخماسين وتمزق الرباط الصليبي وكرسي الطائرة المؤلم وخيانة أحمد سامي. أننا جرّبنا ما هو أسوأ!
إنها رحمة اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ القائل لصحابة النبي ﷺ بعد غزوة أحد: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: 153]. الحزن أحيانًا أهم مما يبدو، الحزن أحيانًا يخفّف بعضه بعضًا، الحزن أحيانًا هو أنفى للحزن!
الشر! ذلك الذي يمثل مع الخير ثنائيّة لا بد منها لكي نفهم كليهما! لكي نِفهم معنى الخير لا بد من أن يكون هناك شر في الوجود! لذلك يقول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28]. فلن يفهم الناس أبدًا مدى جمال وخيريّة وأهمية المطر النازل من السماء إلا لو جرّبوا قنوط القحط وأسى الجفاف.
هذه الثنائيّة لا بد منها كي يوجد للوجود وجود! لا يمكن أن نحيا في نظام حدّي لأنه سيكون أشبه بعالم أحادي الأبعاد، غير مفهوم، غير مُتخيّل، غير مؤهّل لاحتواء البشر ومعيشتهم. لا بد من أن يكون هناك (خلف) حتى نفهم وجود (الأمام)، لا بد من أن يكون هناك (تحت) حتى نصدق أن هناك (فوق). فلا يمكن الاستغناء عن أحد ركني هذه الحياة في ابتلاء الدنيا! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].
في سنن الحياة القدرية نتفهم وندرك أن أذى الألم قد يعني أحيانا شذى الأمل، وأنه بالعناء قد يقوى الرجاء، وأننا قد نستدل على قدوم اليسر بما نلاقيه من العسر، وأننا قد نحسب الشر في حادثة قدرها اللّٰه للخير، وأننا لا نعلم شيئًا إلا ما يرينا اللّٰه إياه، وأنه ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11].
عدني بالله عليك! عدني أن تكون عادلًا مُنصفًا شاكرًا حافظًا لجميل صنع اللّٰه فيك، عدني أنك لن تكون صاحب ذاكرة متحيزة ناقمة لا يعلق بها إلا مواضع الألم والحزن وتطرد منها عامدًا كل شيء لطيف. عدني ألا تتذكر المرات التي دعوت اللّٰه فيها فلم تجد الإجابة العاجلة وتنسى كل تلك المرات التي وجدت إجابة دعائك أسرع مما ظننت.. عدني ألا تنظر إلى من حولك نظرة من يقول: يا ليتني كنت مثلهم، ثم لا تنصت السمع لأصوات نظراتهم المصوبة إلى بعض نعمك الخفية وهم يقولون: ويا ليتنا كنا مثله.
مثِلما قال اللّٰه عز وجل: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: 48-50].
الطَّريقة! (عن النُّبُوَّات والوحي والرِّسالة)
وضّح لنا القرآن أن أمر الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وبوحدانيّته إنما هو في الحقيقة يلمع في الوجدان البشري الطبيعي الذي لم يلم نفسه بتعمّد إخفاء حقائق الوجود عنها! هذا اللمعان قد لا يحتاج في الواقع إلا مجرّد (تذكير) منه سبحانه بإرساله للرسل.
لذلك نجد القرآن قد عبّر عن مهمة الأنبياء بـ (التذكير)، فيقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ﴾ [الأنعام: 70]. ويقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: 57]. ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: 12-13]!
فنجد ابن القيم يقول عن نبوة النبي محمد ﷺ: ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته .
ولذلِك نجد الآية تصف حال المؤمن الذي يدعو ربه ويقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193]. وتجد الملائكة توبّخ الكافرين يوم القيامة فتقول لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: 71]. وتسمع قول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ حِين يقول: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 63].
لذلك فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ قد حكم على هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: 150] بأنهم هم الكافرون حقًا. لا لأن صنيعهم كان انتقاصًا من قدر هذا البشري الذي أرسله اللّٰه رسولا لهم، ولكن لأن صنيعهم كان انتقاصًا من قدره هو ذاته سبحانه! كما يقول جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91].
في أول أسئلتنا حول النبوات يأتي السؤال: ماذا عن الوحي؟ وكيف يمكن له أن يحدث؟
ولأنه من المفترض أن سلسلتنا متصلة من أول الكتاب إلى آخره، فإني سأفترض أنك تؤمن سلفًا بوجود الله، وبأنه خلقنا لغاية، وأن له أمرًا يريد أن يبلغنا إياه. فها هنا سؤال. أيهما أكبر في إمكان العقل عليه، وجود اللّٰه بكامل صفاته المحيّرة للعقل، متعاليًا على الزمان والمكان، أزليًا قبل الوجود، وآخرًا بعد الانتهاء؟ أم إمكانية أن يوحي اللّٰه إلى من يشاء من عباده بطريقة ما؟
لا شك أن الأول أكبر، لذلك يقول اللّٰه عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68].
وهو هنا يوضح لك الارتباط بين تمام الإرادة في الخلق، وتمام الإرادة في اختيار رسله. ويقول سبِحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. وهو هنا يوضح لك كيف أن اللّٰه الذي خلق الإنسان من علق، قادر من باب أولى على أن يعلم أي إنسان تعليمًا خاصًا بالوحي ما لم يعلم.
هؤلاء الأنبياء الذين لم يكتفوا بأن لم يُذكر عن أحدهم ولو مثال واحد بأي سند تاريخي ممكن عن انتقاص وجّهه لنبي آخر. ولكن أيضًا كانوا يصدّقون بعضهم البعض ويمدحون بعضهم البعض ويعظمون بعضهم البعض.
يذكّرك القرآن بهذه الحقيقة التاريخية حين نسمع قول عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ عن الكتاب الذي جاء به أخيه موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: 50]. أو تسمع قول مؤمن آل فرعون التابع لرسالة موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو يتذكر رسالة يوسف عَلَيْهِ السّلامُ ويذكّر قومه بها: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: 34]. أو تسمع قول شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو يذكّر قومه برسالات أنبياء لم يكن بِينه وبينهم علاقة دم أو نسب، ولكنهم كانوا إخوانه في الدعوة الواحدة: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89].
لذلك فالمسلمون لا يفرّقون بين هؤلاء الرسل. بالنسبة إليهم، فهم جميعًا حاملو رسالات السماء الذين لا يستحقون منهم إلا الاحترام والتوقير والتعظيم. ولو كفر واحد من المسلمين بـ عيسى ابن مريم عليهما السلام لخرج من دين الإسلام بنفس السرعة التي سيخرج بها لو كان قد كفر بـ محمد عَلَيْهِ السَّلامُ!
ربما لهذا اندهش ساسة الغرب من المظاهرات التي ملأت البلاد المسلمة اعتراضًا على (آلام السيد المسيح) لأنه أهان المسيح عَلَيْهِ لسَّلَامُ. اندهشوا بمنطق: وما شأنكم أنتم به؟! ولم يعرفوا أن المسلمين يؤمِنِون بالآية: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 136]. وأن هذا القرآن قد ربّاهم على أن: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]!
ولأنهم من بعضهم البعض، ويشبهون بعضهم البعض، كانت رسالتهم واحدة في مجملها، كانت تدعو إلي شيء موحِّدِ بدورها! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وحكى القرآن لنا كيف أن وحدة رسالتهم كانت من القوة بمكان ما جعل القرآن يعبر عن هذه الرسالات (مختلفة اللغات والظروف) بنفس التعبير اللغوي العربي القرآني في سورة الشعراء، حيث ذكرت لنا السورة أن جميع الرسل المذكورين فيها تقريبًا قد قالوا نفس الكلمات تمامًا بلا خلاف في حرف واحد! وهي: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 106-109]، [الشعراء: 124-127]، [الشعراء: 142-145]، [الشعراء: 161-164]، [الشعراء: 177-180]!!
هذه الوحدة بين الأنبياء كانت بسبب وحدة المصدر الذي أُرسِلَ إليهم منه! معنى ذلك أن اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى – ومنذ أن خلق البشرية – قد اختار طريقة موحّدة للاتصال الإلهي / البشري!
هذه الطريقة لم يعرف البشر غيرها، واطردوا عليها. ولذلك لم نسمع طوال حياتنا عن طريقة أخرى تواصل بها معنا اللّه غير طرِيقة الأنبياء والمرسلين! كما يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
ونبوّة النبي محمد ﷺ كانت واحدة من هذه الرسالات التي لم يعرف البشر طريقًا غيرها، لذلك يقول اللّٰه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144].
بل وتعجب القرآن من هؤلاء الذين رفضوا رسالة محمد ﷺ وكأنه قد أتاهم بشيء جديد! أو بوسيلة غير معتادة! أو كأنه قد خرق ذلك الاطراد التاريخي، وهذه الطريقة الموحّدة التي كانت في آبائنا الأولين! فيقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 68]. لذلك كان رد النجاشيّ ملك الحبشة الذي كان نصرانيًّا، لما سمع آيات القرآن التي أنزلت على محمد ﷺ أن قال: والله إن خرج هذا الأمر إلا من المشكاة التي خرج منها أمر عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ !
لأنه لو كان ثمّة إله هناك وقد خلقنا لغاية يريد أن يعلمنا بها فالتاريخ يخبرنا بأن هذه هي طريقته في ذلك! ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 75].
علّمنا محققو القصص البوليسية أن نبحث دائمًا عن الدافع، وعلمتنا الحياة أن الدافع في الحقيقة هو الذي يبحث عنا. لذلك كان في نظري من أجمل وأقوى عبارات القرآن تلك العبارة التي قالها مؤمن آل ياسين لقومه: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 21]. اتبعوا أصحاب الذمّة السليمة والأخلاق الحسنة والسيرة العطرة.
لم يقتصر الأمر على الذمّة المالية والاجتماعيّة فقط، ولكن هناك أيضًا الذمّة الأخلاقية، مثل تلك التي اشتهر بها النبي محمد ﷺ وسط قومه الذين كانوا على علم بأنه لم يشرب الخمر ولم يخن العهد ولم يكذب أو يظلم أو يسبّ أو يفحش أو يدخل أحد بيوت البغاء التي كانت تملأ مكة!
هذا النبي الذي كانوا يعرفون تمامًا صدق القرآن حين قال عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
لذلك كان التساؤل القرآني شديدًا عليهم حين طالبهم بإعمال عقلهم الذي يشهد لهم بالتاريخ الحميد لهذا الرجل بما يتعارض مع جرم ادّعاء النبوة، كما يقول جَلَّ جَلَالُه: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69]؟!
وهناك جانب آخر من براءة هذه الذمّة، وهو انتفاء المكاسب المحتملة!
فلو كان هذا النبي أو ذاك يريد أن يعلو على قومه لما اختار أن يعادي كبراء القوم كل هذا العداء، ما كان اختار أن تكون دعوته من النوع الذي يحبه ضعفاء القوم المطحونين في رحى الحياة أكثر من المترفين المدللين الذين يملكون المال والجاه والشرف! لذلك ما حدث هو بالفعل ضد ذلك. لم يفوزوا إلا بمعاداة قومهم لهم، كما قيل لـ صالح عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: 62]. وقيل لـ شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]. استهزاءً وكأنهم يقولون: إنك لأنت السفيه الضال!
لو كان الأنبياء يريدون ذلك لوافقوا هؤلاء على حلول وسيطة على طاولة المفاوضات! لوافق النبي محمد ﷺ على طلبهم بِتبديل بعض الآيات التي لم يحبها أشراف القوم في القرآن! ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: 15].
لو كان هو من ألف القرآن لكان استجاب لهم بالتبديل والحذف لما يريدون، وحينها لم يكن سيشرّد في بقاع الأرض بين حرب وهجرة وفقر وتجريح بسبب هذه المعاداة، بل كان سيكون الصديق والشريف والحبيب في قومه، وتفد إليه كل قبائل العرب تتعلم منه وتقدسه، وهو مرتاح على أريكته يأكل الضأن والثريد، فقط لو أنه بدّل بعض أبيات شعره بأخرى! في المقابل يقول اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: 73].
ليس هذا كل شيء، ولكن مما يدل على صدقهم أنهم آمنوا بأنفسهم كل هذا الإيمان الذي بجعل نفوسهم تتقطع حزنًا على من لم يؤمنوا برسالتهم! إن كانوا مدّعين، فلم العناء إذن؟!
هذا الحرص يظهر من تاريخ وسيرة النبي محمد ﷺ والذي حكى عنه القرآن فقال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]. ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]. وباخعٌ: أي مهلك. يذكر في القرآن أنه يهلك نفسه من الحزن على من لا يؤمن بدعوته (هل هذا سلوك رجل يدّعي؟) ولا يذكر في القرآن (لو كان ألفه بنفسه) أي إشارة من قريب أو من بعيد إلى حزنه على خديجة حبه الأول، أو عمه أبي طالب؟!
هذا الحرص والألم الداخلي كان سمة عامة بينهم جميعًا، حتى إن صالحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وبعد أن أهلك اللّٰه قومه الذين عاندوه وآذوه، وقف على آثارهم وقال: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79]. وهو قريب مما قاله شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ في نفس الموقف: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 93]. ويحكي لنا القرآن عن نوح عَلَيْهِ الِسَلامُ الذي قال عن قومه: ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: 5-7]. لم كان العناء؟!
كانوا يحرصون عليهم كما يحرصون على أنفسهم، كانوا يريدون أكثر ما يريدون في هذه الحياة الدنيا أن ينقذوهم من مصير مظلم كانوا موقنين به، ولم يره هؤلاء! هذه الرأفة البادية والرحمة المستمرة بهم، إنما تصلح دليلًا مستقلا على صدق ما يدعونهم إليه! كما يقول اللّٰه تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
دائمًا وأبدًا كان من عادة الدجاجلة على اختلاف دياناتهم، استغلال الدين للتمسّح بصفات الإله وادّعاء القدرة على دفع الضرر وجلب المنافع. ومن الغريب أن أدعى الناس لفعل ذلك (الأنبياء أنفسهم) كانوا في حالة إنكار تام للذات، بحيث لم يدّخروا جهدًا في إقرار وتكرار أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم! أنهم لا يعلمون إلا ما يُعلّمهم اللّٰه إياه. أنهم مجرد بشر مثلنا مثلهم.
كما أمر اللّٰه جَلَّ جَلَالُهُ نبيه محمد ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]. وكما يقول نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: 31].
الأنبياء يقررون أنهم مساكين تمامًا، لم يدّعوا أنهم على علم بما يحدث لنا غدًا، بل هم ليسوا على علم بما يحدث لهم هم، وهم لا يخجلِون أبدًا من هذه الحقيقة! ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9].
هذا الفقر المطّرد، وهذا الاعتراف بالضعف، بسبب أنهم مجرد بشر، يفعلون ما يفعله البشر:
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: 8] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَ أَنّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: 6].
لا بد أن يكونوا بشرًا، لأنك تحتاج إلى نبي يتكلم بنفس لغتك ومصطلحاتك الدارجة: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ﴾ [إبراهيم: 4]. فلو كان هذا النبي من جنس خلقي آخر أصلا، لواجهت بعض الصعوبة في ذلك!
لا بد أن يكونوا بشرًا لأن بشريّتهم ستوقعهم في الخطأ! كما أخطأ النبي محمد ﷺ وعاتبه القرآن في عدة مواضع: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّٰه مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37]. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَى﴾ [عبس: 1-3]. ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 43]. وحينها سيتسنى لك أن ترى كيف يتعامل البشري الصالح مع الله جل جلاله حين يخطئ، وكيف يتعامل الله معه! سوف ترى كيف هي رحمة الله جل جلاله وعفوه، وكيف هو خوف النبي لله ورهبته من خطئه!
لا بد أن يكونوا بشرًا محدودي القدرات كغيرهم من البشر، مثلما قال الله جل جلاله لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبْرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا في السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بآيَةٍ﴾ [الأنعام: 35] أي أنك لن تستطيع أن تأتي بهذا النفق الأرضي أو السلم السمائي، ولن تستطيع أن تأتيهم بما يطالبونك به: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57]. لا بد من ذلك حتى ندرك من هذه الإمكانيّات المحدودة أنه وبرغم كونهم قد صاروا أنبياء إلا أن هذا لن يجعلهم أبدًا يشاركون الله جل جلاله في ملكه، أو إرادته، أو قدرته، أو علمه، عن كل شريك أو منازع!
لا بد أن يكونوا بشرًا ممّن خلق ليست لهم من المكانة والمنزلة عنده أكثر من أن يكونوا مجرد عباد صالحين له سبحانه. كما يقول الله جل جلاله عنهم: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللّٰه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]. لا بد من أن يكونوا كذلك حتى ندرك أن مكانتهم السامية بين خلقه، ومنزلتهم الرفيعة عنده، لن تعفيهم من أن يكونوا لله ذليلين، له منقادين، ليس لهم عليه سلطان، ولم يتخذ منهم أحدًا وليًا من الذل!
كان لا بد أن يكونوا بشرًا، حتى نعرف نحن من هو الله حقًا!
وفي حالة الأنبياء والرسل فإن مثال السفير لا ينطبق تمامًا، حيث الأمر أخطر بما لا يقاس، أن يتحدث أحدهم بالنيابة والرسالة عن الله سبحانه وتعالى. لو أخطأ في ذلك فهو يعلم أن حسابه لن يكون يسيرًا! يمكنك أن تلحظ هذا من كلام عيسى ابن مريم عليه السلام لما يسأله الله جل جلاله يوم القيامة: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله﴾ [المائدة: 116].
فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب﴾ [المائدة: 116].
لو افترضنا أن هؤلاء الأنبياء دجّالون، ويتحدثون عن الإله كذبًا، فلماذا لا ينتقم الله منهم إذن؟! هل لا يعلم أنهم قد تكلموا باسمه؟ أم أنه لا يهتم؟!
لذلك لما قال المشركون عن النبي محمد ﷺ أنه يفتري الكذب على الله، قال الله جل جلاله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللّٰه كَذِبًّا فَإِنْ يَشَأ اللّه يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللّٰه الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: 24]. فما الذي سيمنع الله سبحانه وتعالى إذن من أن يتدخل لمنع هذا الافتراء؟!
بل إن أحد هؤلاء الأنبياء لو تقوّل على الله سبحانه وتعالى مالم يوح إليه، لو ادّعى واختلق شيئًا من تلقاء نفسه، لما استطاع أحد منا أن يمنع عنه عقاب الله الشديد الواقع به! كما يقول جل جلاله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47].
هذا الخذلان الإلهي لمن يدّعي النبوة وهو ليس بنبي، قد طال بالفعل الكثيرين! فلديك مثلًا غلام أحمد القادياني الذي ادّعى النبوة في العصر الحديث، حيث وسائل الإعلام الكفيلة بإيصال صوته إلى العالم كله، وبرغم ذلك لم يسمع معظم الناس عنه ولا عن دعوته المشوّهة ولا رأوا وجهه -لحسن حظهم البالغ- ومات في النهاية في الحمام بنوبة إسهال قويّة!
وأما الحسن بن الصبّاح الذي ادّعى الإماميّة، وأسس في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي الدولة النزاريّة الباطنيّة، كان يغري أتباعه بنبات القنّب الهندي (الذي نعرفه اليوم باسم الحشيش) فيغيّب عقولهم، وقال ماركو بولو الرحالة الإيطالي أن الحسن بن الصباح كان يُدخل أتباعه إلى حدائق غنّاء مدعيًا أنها جنة عدن.
وبالتالي حصل على واحد من أكثر الجيوش ولاءً وهم (الفداويّة) الذين كانوا مجموعة من الانتحاريين المتحمسين الذين ينفذون له عمليات الاغتيال التي يموتون فيها ولا يهتمون، حتى أطلق الغرب على دولة الحسن بن الصباح اسم: دولة الحشاشين Hashashin. ومنها أتت الكلمة الإنجليزية: Assassin وتعني: سفاح!
هذا الحسن قد مات في قلعته واختلفت الأقاويل في سبب موته. وفي كل الأحوال فهو قد ترك دولته وأتباعه في قلعة محصّنة وحيدة وقد عادت الجميع من حولها وبالفعل انتهت على أيدي المغول في 1256 ثم أجهز على باقيهم الظاهر بيبرس في 1273. لم ينصره الله أو يظهره على أحد، وإنما كان (الحشيش) والجنون وقلة العقل هو ما جمع حوله أتباعه فقط!
الأمر الذي جعل رجلا عنصريًا بشدة مثل مايكل هارت والذي أقام منذ ستة أعوام فقط (2009) مؤتمرًا للحفاظ على الإرث اليهودي النصراني الأمريكي من المهاجرين المسلمين والأفارقة! هذا الرجل الذي لا يدّخر جهدًا ولا مناسبة في توضيح أنه ينحاز إلى الرجل الأبيض النصراني وكل ما عداه فهو أقل منه. قام بتأليف كتابه الأشهر: المئة، ترتيب أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ، وكانت أول شخصية فيه: محمد ﷺ واعتذر هو عن ذلك بعدها وقال: أنا لا أعتقد أن نبي الإسلام محمد أعظم من المسيح مثلًا، ولكن هذا كان لتأثيره الكبير في إنشاء دولة الإسلام وثقافتها!
وأما ويل ديورانت فيقول في موسوعة الحضارة: وإذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس لقلنا إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع من المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به إلى دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء. وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لمٍ يُدانِهِ فيه أي مصلح عبر التاريخ كله. وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم دينًا سهلا واضحًا قويًا وصرحًا خلقيًا .
هذه النصرة التي عبّر عنها الله سبحانه وتعالى بصورة متحدية للغاية في قوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 135].
وكان رد القرآن على هذا الذي ظن أن الله لن ينصر نبيّه، أن قال له: ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّٰه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15]. بينما كان رده على من كان يتربص وينتظر نوائب الدهر أن تنال من شخص النبي ﷺ أن قال له: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 30-31].
لاحظ أن اثنين من الاستشهادات الأخيرة كانت من سور مكية، أي نزلت قبل الهجرة، وقت الضعف والمسكنة والمقاييس المادية المتراجعة تمامًا. وبرغم ذلك كان النبي محمد ﷺ واثقًا من النصرة والتمكين. لماذا؟ لأن هذا هو التعامل الإلهي المعتاد مع رسله وأنبيائه، كما يقول الله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173]!!
نجد الحجة العقلية البديعة في القرآن تخبرنا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللّٰه كَذِبًا أَوْ كنَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 17]. فهو هنا يشرح لنا أن النبي لو كان كاذبًا فهو ظالم، ولو كان صادقًا وعانده قومه فهم ظالمون، فما علينا إذن إلا أن نرى التعامل الإلهي مع كل واحد فيهم، ونرى من منهم لم يفلح لنعرف أنه من المجرمين!
ترجم أنيس شروش المبشّر النصراني الفلسطيني كتابًا شبيهًا بالقرآن من العربية للإنجليزية، والكتاب مكتوب بواسطة اثنين من أصحاب الأسماء المستعارة، وعلى الأرجح فإن الدكتور أنيس واحد منهما، على حد قول أنيس: إن الكتاب مشابه للقرآن من حيث الأسلوب والجوهر، لكنه يحتوي على رسالة الإنجيل . وذكر أنيس أنه فعل ذلك ليثبت أن القرآن يمكن معارضته. وليس كما يدعي القرآن أنه يعجز من يحاول أن يعارضه. وسمى أنيس كتابه الفرقان الحق وقد صدر علنا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1999.
تعالوا نرى بعض آيات الفرقان الأمريكي: يا أيها الذين ظلموا من عبادنا لقد جاءكم الفرقان الحق يبين لكم كثيرًا مما كنتم تجهلون من الإنجيل الحق، ومما كنتم تكتمون (سورة الصلب: 1، ص: 44). فرقان أنزلناه نورًا ورحمة للعالمين، وما يزيد الذين كفروا إلا نفورًا، إذ جعل الشيطان على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرًا، ويزيد الذين آمنوا بالإنجيل الحق من قبله نورًا وإيمانًا فوق إيمانهم، فهم لا يعثرون (سورة الفرقان: 13، ص: 56). وما كان لكم أن تجادلوا عبادنا المؤمنين في إيمانهم وتكفروهم بكفركم فسواء تجلينا واحدا أو ثلاثة أو تسعة وتسعين فلا تقولوا ما ليس لكم به من علم وإنا أعلم من ضل عن السبيل (سورة التوحيد: 2).
هل يذكركم ذلك بكتاب آخر؟ يعني حتى، كان بإمكانك أن تختار ألفاظا مختلفة أو أساليب بلاغية جديدة. أي شيء يدل على الإبداع.
ويبدو أن كاتب الفرقان قد ملّ أو شعر بالإرهاق عند وصوله إلى سورة إبراهيم، فلم يعد يبال حتى بأن يصنع كبير تغيير في الآية الأصلية قبل نسخها، فنجد أنه يقول: ومثل الذين كفروا وكذبوا بالإنجيل الحق أعمالهم كرماد، اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال الأكيد (سورة الثالوث: 18، ص: 66). بينما الآية الأصلية تقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالْهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّبحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18]. آها! لقد بدل (أكيد) بـ (بعيد)! لقد فهمت الآن.
يبدو أن الدكتور أنيس قد فهم المعارضة المذكورة في القرآن من باب التحدي بطريقة خاطئة، فالقرآن يتحداك بالفعل بأن تأتي بكلام مثله، ولكن بشرط أن تحتفظ بكرامتك وأنت تفعل ذلك!
المعارضة شيء وغش تلامذة الابتدائية من كراسة النصوص شيء آخر.
ما فعله أنيس شبيه بما فعله مسيلمة الكذاب من قبل، فقد ادعى أنه سوف يأتي بقرآن كما أتى النبي بقرآن، فقط هناك فارق واحد، القرآن الذِي جاء به مسيلمة كان يقول: الْفِيلُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلُ، لَهُ زَلُومٌ طَوِيلٌ ! ويقول: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَوَاهِرْ، فَصَلّ لِرَبِّكَ وَهَاجِرْ . ويقول: الطَّاحِنَاتِ طَحنا، وَالعَاجِنَات عَجنًا، والخَابِزَاتِ خَبزًا، وَالثَّارِدَاتِ ثَرَدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقمًا، إِهَالَةً وَسَمَنًا . سمنة؟!
لذلك لما وفد عمرو بن العاص (قبل أن يسلم) إلى مسيلمة، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في ذلك الحين؟ قال: نزل عليه سورة وجيزة بليغة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3] ففكر مسيلمة ساعة ورفع رأسه وقال: وأنا أنزل عليّ مثلها . فقال له عمرو: وما هي؟ . قال: يا وبر، يا وبر، إنما أنت إيراد وصدر، وسائرك حفر نقر . ثم قال لـعمرو: كيف ترى يا عمرو؟ . قال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب !
ثق تمامًا أن هذا القرآن لو لم يكن على قدر معجز من البلاغة والإتقان ما كانت صناديد قريش اللغوية – والذين كانوا أحرص الناس على إحراج النبي محمد ﷺ وانتقاص دعوته – تركت الفرصة إلا واستغلتها لتشهّر بهذا الخطأ أو تلك الركاكة في هذا الكتاب الذي سبب لهم الكثير من المشاكل والحروب والصراعات! بل وتحداهم القرآن أكثر من مرة وبشكل يظهرهم بمظهر سيء وضعيف للغاية، دون أن يكون لديهم القدرة على إجابته فضلًا عن إفحامه!
تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة صغيرة على نفس القدر من الفصاحة والإسباغ المتين، مع ملاحظة أن كل وسائل المساعدة ممكنة، وكل الخيارات مفتوحة، وكل التحالفات والتجمّعات متاحة لإخراج أفضل نتيجة ممكنة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰه إِنْ كَنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38].
قالوا: هذه ترهات وأباطيل وكلام فارغ! فاجأهم القرآن بأن تحداهم بأن يأتوا هم أيضًا بترهات وأباطيل وكلام فارغ بشرط أن يكون على نفس القوة من ناحية الأسلوب والوضوح والقوة! ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰه إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13].
المقصود أن القرآن كان معجزة حقيقية كما قال النضر بن الحارث الكافر لقومه الكفار: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة بعد. قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر. لا والله، ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة تخالجهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر. لا والله، ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه. وقلتك: مجنون. لا والله، ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه. يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم. فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم !
القرآن أتى بأسلوب خطابي جديد بالنسبة للعرب، فهو ليس بشعر ولا بنثر ولا بخطابة ولا برسائل، ليس أسلوبه معروفًا لدى العرب من قبل. ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس، عربهم وعجمهم.
بل حتى ليس ككلام النبي ﷺ نفسه! فيمكنك ببساطة أن تلحظ أن أسلوب الأحاديث النبوية وألفاظها وبلاغتها شيء، وأسلوب القرآن وألفاظه وبلاغته شيء آخر تمامَا. لو كانا من نفس المصدر (نفس النبي محمد)، فلماذا اختلفا؟
هناك جوانب أخرى لإعجاز القرآن، وهو إخباره بالغيوب!
مثل إخباره بأن النبي ﷺ سوف يتغلب على كفار زمانه من قبل أن يحدث هذا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتَحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12] من أين توقع النبي ذلك؟! وقد كان وضعهم العسكري في حال ضعيف جدًا بالنسبة إلى أعدائهم.
بل وفي الآيات الأخرى التي نزلت في مكة بينما هم مضطهدون من كل صوب: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلَّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 43-45] حتى كان عمر بن الخطاب يتعجب من هذه الآية، وتذكرها وابتسم وهو يراقب كفار مكة يفرون من أمام المسلمين بالفعل في غزوة بدر.
وإخباره بتحقق رؤيا النبي بدخول مكة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللّٰه رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقَّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّٰه آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]. وإخباره بهلاك رؤوس الكفر وموتهم على الكفر: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 1-3].
هناك جانب ثالث من الإعجاز، وهو الإعجاز التشريعي.
أقر مارسيل بويسارد أن أصول القانون الدولي الحديث مستمدة بالأساس من دواوين الفقه الإسلامي . ونجد أن تشريع نابليون مستمد من الفقه المالكي. بينما تم الاعتراف بالشريعة الإسلامية كمصدر عالمي للتشريع في القانون المقارن الدولي في لاهاي في 1932، وفي المؤتمر الدولي بواشنطن عام 1945، وفي شعبة الحقوق بالمجمع الدولي للقانون المقارن في باريس عام 1951.
كيف يمكن للنبي وهو الذي امتهن التجارة ورعي الغنم أن ينجح في تشريع كل جوانب الحياة بهذا التكامل المفاهيمي المعقد؟ يخبرنا القرآن بإجابة هذا اللغز: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله﴾ [النساء: 105].
وهناك جانب رابع للإعجاز: إعجاز عدم مخالفة القرآن للعلم التجريبي في تفصيلة واحدة برغم أنه قد نزل قبل الثورة العلمية بألف عام على الأقل،
وجانب خامس للإعجاز: إعجاز موافقته للفطرة والعقل وإجابته لكل أسئلة الوجود الإنسانية المليئة بالحيرة والمزالق والمتاهات. ولعل هذا الكتاب الذي تقرؤه الآن يكون دليلا على هذا النوع من الإعجاز بالذات!
والسؤال الآن، هل يمكن للنبي محمد ﷺ أن يأتي بكتاب معجز كهذا من تلقاء نفسه؟
أتبسّم في كل مرة أقرأ فيها هذه الحكاية التي أعشقها: ففي السيرة النبوية لـابن هشام أن العباس بن مرداس الشاعر أتى النبي محمدًا ﷺ فقال له: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة ؟؟
فقال أبو بكر الصديق يصحّح الخطأ الشعري الموسيقي الذي وقع فيه النبي محمد ﷺ: بين عيينة والأقرع فقال ﷺ: هما واحد ، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: ﴿وَمَا عَلّمْنَاهُ الشَّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: 69] .!!
وأعجب من ذلك، حين تقرأ تفسيرات وتأويلات وخلافات علماء الإسلام في ذكر لغز الواقعة المذكورة في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي محمدًا ﷺ نادى على أصحابه وقال لهم: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ! فقال الأخفش في محاولة تفسير ذلك اللغز: أن الرجز ليس بشعر. وقال المازري وابن القطاع: أن الرجز شعر، ولكن المقطوعات الكلاميّة الموزونة في كلام الناس غير المقصود نظمها في قصيدة – كحال هذا الحديث – ليست شعرًا. بينما أتى علماء آخرون بأدلة تؤكد أن هذا النظم لم يكن من نظم النبي ﷺ نفسه ولكن كان يتمثل كلام أحد أصحابه قاله له!
الحقيقة أن السر في ذلك أن أحدًا لم ينقل في التاريخ ولا السيرة كلها -التي نقلت الشاردة والواردة من كلام النبي محمد ﷺ – أن النبي قد نظم شعرًا قط أو كان يقدر على نظمه أصلا لو أراد!
إلى هذا الحد يبلغ الاطّراد التاريخي على ذلك! للدرجة التي جعلت هذه الكلمات المقفّاة اليسيرة -التي يحسنها معظم الناس ممن ليسوا بشعراء – تثير كل هذا العجب والاستشكال لدى علماء السيرة والحديث!
هناك اطّراد تاريخي آخر بخصوص النبي محمد ﷺ يتعلق بأميّته وعدم قدرته على القراءة أو الكتابة. هل لك أن تتخيل رجلا يحاول أن يخدع الناس بأنه لا يقرأ ولا يكتب ثم ينجح في هذا من دون أن يراه أحدهم ولو مرة واحدة وهو يقرأ شيئًا سهوًا؟! ينبهنا القرآن على أن هذا لم يحدث في الحقيقة قط! كما يقول الله جل جلاله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].
كان العرب يسمّون بالأميين وسط أهل الكتاب، لندرة من يعرف القراءة والكتابة فيهم، وكان من يقرأ أو يكتب معروفًا وسط القبائل، فلم تكن أمية النبي محمد ﷺ موضع جدل أو شك بينهم. لذلك لما أراد الكفار أن يدّعوا أنه قد أخذ هذه العلوم القرآنية عن غيره ادّعوا أنه قد (اكتتبها) أي بحث عمّن يكتبها له، أو أنها قد (أمليت) عليه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأْصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]. أو (درّسها) لها أحدهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: 105] أو (تعلمها) في مكان ما: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: 14]. ولم يقولوا قرأ أو كتب، لأنهم يعلمون أنه ما قرأ من قبل ولا كتب
سيتعلم من من؟ لا يوجد في مكة رجل علم، وما غاب عنها غيبة طويلة، ولم يقابل إلا ورقة بن نوفل وبحيرى الراهب -إن ثبتت قصة ذلك الأخير- ولم يجلس مع أي منهما إلا الساعة أو الساعتين بمقاييس زماننا.
فنحن إذن أمام رجل لا يستطيع أن ينظم بيتًا واحدًا من الشعر ولا يستطيع القراءة ولا الكتابة ولا المراسلة. وعاش على ذلك أربعين عامًا من دون أن يسمع الناس عنه شيئًا ولا يلاحظوا عليه أي طموح للظهور أو أي رغبة في الخطابة والقيادة. لم يكن يحب ولا يجيد إلا الاعتزال في غار للتأمل، والتجارة لكسب العيش، وحياة سعيدة هادئة وهانئة مع زوجته خديجة رضي الله عنها.
ثم فجأة يظهر لنا بكتاب معجز فصيح رائع لغويًا وبيانيًا وتاريخيًا! من جديد فالقرآن ينبهنا على أن هذا أمر يحتاج إلى مزيد انتباه منّا. حين يقول الله جل جلاله: ﴿قُلْ لَوْشَاءَ اللّٰه مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16] إذ لماذا انتظرتُ إلى هذه اللحظة حتى أعلن فيها كل هذه المواهب الدفينة وبشكل مفاجئ وصادم ومثير للعجب؟!
كان النبي ﷺ معروفًا بالصدق بين قومه، ولما سألهم إن كانوا يصدقونه لو أخبرهم بأمر جلل، قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقًا . وكان عتبة بن ربيعة الكافر يقول لقومه الكفار: وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب . وكان أمية بن خلف الكافر يقول: والله ما يكذب محمد إذا حدّث . ولما سأل الأخنس بن شريق أبا جهل: أترى أن محمدًا يكذب؟ قال له: كيف يكذب على الله؟ وقد كنا نسميه الأمين لأنه ما كذب قط؟ . مصداق ما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69].
كان صدقه بالنسبة إلى قومه محل إجماع ووضوح ولم يكن عليه لبس قط، لذلك لما كذّبوه لم يكونوا يكذبونه فعلًا، ولكن كانوا يرون أنه فقد وعيه، أو شاعر مؤمن بنفسه، أو كاهن ممسوس من الجن. لذلك يقول الله لنبيه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِليَاتِ اللّٰه يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]. وفي قراءة أخرى: ﴿يَكَذِبُونَكَ﴾ فعلى القراءة الأولى: هم لا يقولون إنك كاذب، وعلى القراءة الثانية: هم لا يجدونك كاذبًا
كان النبي ﷺ يجادل بعض أصحابه في أمر، ثم يأتي في اليوم التالي بالقرآن الذي يثبت أنه كان على خطأ كبير وكان صاحبه على صواب! مثل لما راجع عمر بن الخطاب النبي في صلاته على عبد الله بن أبي بن سلول، فقال له النبي ﷺ: أخر عني يا عمر. إني خُيّرت فاخترت ! تخيل أن ينزل القرآن في ذات اليوم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]. أي رجل عاقل يفعل ذلك بنفسه إن كان يفعله بنفسه؟!
كان العرب ينظرون في وجه النبي ﷺ ويقولون: هذا ليس بوجه كذاب.
وأما نحن فقد حُرِمنا ذلك. حُرِمنا أن نرى النبي ﷺ ومع ذلك آمنّا به. لأننا نظرنا في أمره، وفي خبره، وفي سيرته، وفي القرآن الذي قد جاء به.
ولكن كان ابن مسعود يتعجب من حلاوة إيماننا الغيبي بنبيه! فلما جلس إليه التابعون يمتدحون الصحابة وسبقهم، قال لهم: إن أمر محمد كان بيّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحدٌ قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب . ثم قرأ قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدّى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيبِ﴾ [البقرة: 1-3] نعم! لقد كان ابن مسعود يرى أن هذه الآية قيلت -فيمن قيلت فيهم- فيك أنت يا سيدي الكريم ساكن القرن الحادي والعشرين.
هل تعلم من أين تعلم ابن مسعود ذلك؟ من النبي ﷺ نفسه! حيث رُوِيَ أنه جلس مع أصحابه مرة، فسألهم: أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ . قالوا: الملائكة . قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ . قالوا: فالنبيون . قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ . قالوا: فنحن . قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ . ثم قال ﷺ: ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانًا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها!
المُخدِّر الأنيق (عن العِلْم التَّجريبيّ)
من تأملك في جسدك الخاص تدرك أن الله جل جلاله حق، وكل أفعاله ووعوده حق! كما يقول الله جل جلاله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللّٰه السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقَّ﴾ [الروم: 8]. فبالطريقة الصحيحة لاستخدام العلم التجريبي تصل به إلى الله سبحانه وتعالى، وتدرك بنفسك أن العلم هو محراب من محاريب الإيمان!
يدفعك العلم أيضًا إلى الرهبة من الخالق وأن تقدره حق قدره! إذ إن من خلقك وسواك وأحكم تقديرك وصنعك إلى هذا الحد، هو أشد منك قدرة، وأشد منك بطشًا إذا غضب! ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّٰه الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 15].
على سبيل المثال لا الحصر، في سفر التكوين ورد أن خلق آدم قد تم قبل خلق الحيوانات. وهو الأمر الذي يتعارض مع العلم تبعًا للسجل الحفري. بينما لا نجد في القرآن ذلك في أية آية، بل ولا في الحديث. بلٍ تدل ظواهر الآيات على خلاف ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
مثال آخر: تزعم التوراة أن الله خلق النبات قبل الشمس -وهو الأمر الذي يعتبر من مدارات السخرية وسط الغربيين)، وأن الله هيأ الأربعاء للحياة قبل النجوم والشمس والقمر. بينما نجد الترِتيب القرآني عكس ذلك: فأجرام السماء سبقت ظهور النهارٍ، وكل ذلك سابق على الأرض: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: 27-31].
مثال آخر: في الإنجيل الزعم بأن الأرض أصلها الماء، بينما يؤكد القرآن على أن الماء هو أصل كل شيء حي، وليس الجمادات -وهو ما يتفق مع العلم بالمناسبة): ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيِّ﴾ [الأنبياء: 30].
يمكنك أن تتخيل كمّ الأخطاء العلمية التي كان سيقع فيها القرآن لو كان (اختلاقًا) من بشري عاش قبل الثورة العلمية بأكثر من ألف عام؟! كم الأساطير والخرافات التي كنا سنجدها فيه تشرح لنا (السبب) المادي الذي يقف حول هذه الظواهر! كم (الاختلاف) بين الكلام الذِي يُدّعى أنه من عند الله وبين خلق الله وسننه في الوجود فعلا! يذكرنا ذلك بقول الله جل جلاله: ﴿أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
هل أخبرك عن واحدة من ميزات الدين الإسلامي؟ أنه لا يعتمد في تفسيراته للكون والحياة، على السحر، أو الشياطين، أو الكهنوت الغامض، أو الطقوس على المذبح الروماني. الإسلام يخبرك بقاعدة عامة، أن لكل شيء سببًا. أن الله يخلق كل شيء من خلال السبب. يُقيم الكون من خلال القوانين. يُسيّر الكثير من مخلوقاته عن طريق المادة!
حين نتحدث عن خطايا التعامل مع العلم التجريبي، فإليك الخطيئة الأولى: الغرور والتعالي، والظن الأجوف بدون كبير داع أننا قد وصلنا إلى القمة العلمية التي ليس من بعدها بعد! هذا الغرور الذي نبّهنا القرآن على قَبحه في قول الله جل جلاله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83].
هذا الغرور سيقودك إلى الخطيئة الثانية: الجدال بدون علم، أو بعلم ناقص! كما يقول الله جل جلاله: ﴿وَمِنَ النَّاس مَنْ يُجَادِلُ فِي اللّٰه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدّى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: 8] والعجز عن التفرقة بين المساحة المضيئة بـ (الحقائق) العلمية والتي لك أن تتحدث فيها، وبين المساحة المغَيَّمة بـ (الفرضيّات) والتي ليس لك أن تثق فيها إلى هذا الحد! كما يقول الله جل جلاله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 66].
وهذا يقودنا إلى الخطيئة الثالثة: الخلط بين (اليقين) و(الاحتمال)، بين (الحقيقة) و(الفرضيّة)، وبين (القانون) و(النظريّة). وهذا ما ربّانا عليه القرآن حين يذكرنا دائمًا بأن نفرّق بين (العلم) و(الظن الواهم). كما يقول: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28] ويقول جل جلاله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلّا الظّنَّ وَإِنْ أنْتُمْ إِلَا تخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148].
هذا يذكرنا في الواقع بالخطيئة الرابعة: لا تُخرج مسلمات العقل عن نطاق الحقائق، فليست الحقيقة مقتصرة على نتائج المعمل.
ولا تنس الخطيئة الخامسة: هؤلاء الذين اتخذوا البناء العلمي -في ظنهم- وسيلة إلى (الهدم) لا (البناء).
خذوها دليلا على موقفهم من الإيمان. كسل معرفي كامل، وانهيار تام لقيمة الحق إنهم كما قال الله جل جلاله في مثلهم: ﴿وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ وَاتخَذُوا آيَاتِي وَمَا أنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: 56].
وهناك الخطيئة السادسة أيضًا: عمليّة صنيعة (الوهم) والبناء الهرمي الكامل على قواعد (مَخْتَرعة)، وتأليف المصطلحات، ثم توفيق الأدلة على هذه المصطلحات، لتبقى في النهاية المؤلفات التي بنيناها بأنفسنا في نظرنا وكأنها كيان مستقل، وكأنها حقائق مفروغ منها، لتتخذ مكانها وسط المحاجّات المنطقيّة، دون أن نتذكر أو نعبأ بأن نتذكر أننا نحن من بنينا كل هذا! متى يفطن أصحاب الخطيئة السادسة أن مصطلحاتهم لا تمثل حجة في ذاتها، وليس لها عندنا كبير قيمة، إن هي إلا أسماء! إن هي إلا ظاهر من القول ليس له كبير حقيقة! كما قال النبي هود عليه السلام لقومه: ﴿أَتْجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللّٰه بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: 71]. ويقول الله جل جلاله: ﴿أَمْ تُنَبِّتُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّٰه فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: 33].
وأما الخطيئة السابعة: فهو تزوير الحقيقة، واستغلال المنصب الأكاديمي، والكلام العلمي المنمّق في إدخال أيديولوجيتك الخاصة والانتصار لها! ألا يكون هناك أي ارتباط بين المقدمة والنتيجة إلا مجرد (إيمانك) المجرّد عن الدليل بأنهما مترابطان.
وإليك الخطيئة الثامنة: كفّ عن اعتبار كل ما لا يتناهى إلى نطاق (علمك) الضيّق، أو حيز (فهمك) الأضيق، أنه ليس بعلم ولا شيء يستحق أن يسترعي انتباهك! كفّ عن ذلك، لأن الرضا عن النفس بهذه الطريقة هو دأب الأغبياء في كل مكان وزمان، ممن يرفضون أن يصدقوا أنهم لربما ليسوا عباقرة إلى الحد الذي يجعلهم يحيطون علمًا بكل شيء في الوجود. الخطيئة الثامنة هي أن تقع فيما وقع فيه هؤلاء الذين تحدث عنهم القرآن فقال: ﴿بَلْ كَذّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلّمِهِ وَلَمَّا يَأتِهِمْ تَأْوِيلهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: 39].
وأما الخطيئة التاسعة: فهو أن تكون من داخلك مهزومًا وضعيفًا إلى الحد الذي يجعلك تحتاج إلى أحدهم حتى يؤكّد لك صحة عقلك! تحتاج إلى من يصدّقك ويرضى عنك في إيمانك حتى تطمئن إلى هذا الإيمان! ولا مانع لديك حينها من أن تلوي أعناق الآيات حتى توافق آخر أبحاث ولا تخجل حينها من أن يكون السبب الذي يدعوك إلى الاطمئنان لآيات الله هو أن رأيت صورة لرجل أشقر على الإنترنت تظهره وهو يلوّح بيديه ليشرح كيف أن هذه الآية أو تلك وافقت ملاحظاته المعمليّة. إنك حينها تكون كمن قال الله جل جلاله فيهم: ﴿وَإذَا ذُكِرَ اللّٰه وَحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45].
وهذا شبيه بالخطئية العاشرة: وهي ما يحدث لك حين يتبين أن هذا الإعجاز العلمي أو ذاك غير صحيح أصلا. وأن الرجل الأشقر مثلا في الواقع كان يقوم بإعلان تجاري عن أحد أنواع الصابون قبل أن يأخذ أحدهم صورته ويلفّق عليها القصة كاملة (لأن هذا المتحمس مصاب بالخطيئة التاسعة السابق ذكرها). لو كنت تعاني حينها من (ارتباك) أو (تحيّر) لربما كان هذا معناه أنك تعاني من أعراض الخطِيئة العاشرة. والتي ذكرنا القرآن بها في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّٰه عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةْ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].
في 27 ديسمبر 1831 رحل الشاب البريطاني تشارلز داروين على متن سفينة بيجل -التي كانت سفينة حربيّة ثم تحولت إلى سفينة استكشافات- إلى واحدة من أشهر الرحلات الاستكشافية في التاريخ. انطلقت السفينة إلى أمريكا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا. واستمرّت الرحلة خمس سنوات جمع خلالها داروين عيّنات من الأماكن التي زارها، وبالأخصّ جزر جالا باجوس.
على أن أكبر الأسباب التي جعلت هذه النظرية مثارًا للجدل، أن قضية أصل الإنسان في الحقيقة هي حجر الزاوية لكل أفكار العالم، فكما قال بيجوفيتش: أي مناقشة تدور حول كيف ينبغي للإنسان أن يعيش، تعود إلى الوراء حيث مسألة أصل الإنسان . فهي تمثل المسرح الذي يُعرض عليه صراع الخلق والتطور، بينما في كواليسه يدور صراع آخر حول الدين والإلحاد، غيْر أننا نلاحظ أن طرف الدين دائمًا أقل حماسة في نقد الداروينية عن حماسة الطرف المقابل في إثباتها. إذ إن التطور لا يشكل خطرًا على الدين مثل ما يشكل نسفه خطرًا على الإلحاد!
مشكلة ندرة الحلقات الوسيطة في السجل الحفري هي مشكلة مُعتَرف بها بين مؤيدي النظرية، وحتى داروين نفسه، قد قال أن هذه من الألغاز التي تواجهه، ولكنه وضع افتراضًا مبني على أساس أن أماكن اليابسة والمحيطات على هذه الأرض (ربما) كانت معكوسة في الأزمنة الغابرة، فبالتالي (ربما) كانت الأحياء القديمة تعيش على الأماكن التي تحتلها المحيطات الآن، فبالتالي (ربما) كانت كل هذه الحلقات الوسيطة تقبع تحت الأطلنطي ونحن لا ندري! هذه (ربّمات) كثيرة جدًا يا سيد داروين!
السجل الحفري المفصّل المتصل لانتقال الأنواع مفقود. والطبقات الرسوبية (كما أكد على ذلك مرارًا التطوري الكبير جولد) لا تكشف أبدًا عن الظواهر التي قصدها داروين. كما يعلق البيولوجي جوناثان ويلز: الداروينية ليست شجرة كما يصورونها، إنها مجموعة حشائش مستقلة حيث تظهر الكائنات فجأة منفصلة عن بعضها البعض . وفي مطلع بحث روبرت كارول بعنوان الحفريات الفقارية والتطور ذكر أن معظم السجل الحفري لا يدعم تفسيرًا تدريجيًا صارمًا. لاحظ أن التفسير التدريجي الصارم هو قلب نظرية داروين وروحها ذاته!
هناك مشكلة أكثر عمقًا: الاختلاف الذكائي البالغ للإنسان عن كل ما سواه، الوعي البشري الفريد الذي جعله مميّزًا عن بقية الأحياء على الكوكب.
تتعرض الداروينية لألغاز أخرى، مثل الطريقة التي تطورت بها العواطف، أو المشاعر. أو السبب وراء وجود الأخلاق والقيم. أو كيف نفسّر كل هذه الروعة والإتقان في الحياة بالطفرات الجينية العشوائية، في الحين الذي لا نجد فيه إلا أمثلة شديدة الندرة على وجود طفرات جينية حميدة الأثر، بل معظمها يسبب العاهات والمرض! وفي كل مرة تواجه هذه الألغاز فالإجابة هي: (لا ندري، ربما، من الممكن، احتمال).
ماذا عن صناديق داروين السوداء؟
تلك الأفكار التي عبر عنها داروين نفسه في كتابه أصل الأنواع بأنه لو تم إثباتها فستكون نسفًا لنظريته تمامًا! مما يدفعنا إلى التفكير أنه لو كان قد امتد به العمر إلى زمننا وكان يحمل قدرًا من الإنصاف أو الاتساق مع الذات لتخلى عنها فورًا.
مثل الفكرة التي عبر عنها في الفصل التاسع من الكتاب: إذا ظهرت (فجأة) أنواع عديدة من جنس واحد أو عائلة واحدة فهذا قاتل للنظرية خصوصًا مع إدراكنا لبطء التغيرات خلال عملية الانتقاء الطبيعي .
وهذا بالظبط هو ما حدث عزيزي داروين في اكتشاف الانفجار الكامبري.
هناك صندوق أسود ثانٍ، وهو ما أخذه داروين على نفسه في الصفحة 154 من كتابه أصل الأنواع: إذا أمكن إثبات وجود أعضاء معقدة لا يمكن أن تكون قد تكونت بفعل عدد هائل من التغيرات الطفيفة المتتالية، فسوف تنهار نظريتي تمامًا ، ثم عقّب على ذلك بقوله أنه لم يجد أية أمثلة على ذلك. غير أن مايكل بيهي قد وجد.
قدم مايكل بيهي نظريته الخاصة بالتعقيد غير القابل للاختزال، ويعني به آلة معقدة بطريقة مترابطة لا يمكن أن يكون لأي جزء من أجزائها قيمة وهي منفصلة، فقط تكون لها قيمة إذا كانت مترابطة. والمثال الذي ضربه لذلك هو مصيدة الفئران التي تتكون من مجموعة أخشاب ومسامير و(سوستة). حيث لو أزلنا أي جزء من المصيدة لن تنتج العمل بربع كفاءة حتى، ولا بأي كفاءة على الإطلاق، هذا غير أن كل جزء منفصل من المصيدة ليس له أي قيمة في عملية الصيد.
على أن أكبر هذه الألغاز التي واجهوها كان لغز نشأة الحياة! وهو اللغز الذي لا يتعلق بالداروينية نفسها، ولكن يلزم لأهلها أن يقدموا تفسيرًا له، إن كانوا سينطلقون من الداروينية إلى نفي الحاجة إلى وجود الله. فنظرية التطور حاولت تفسير كيفية نشأة الأنواع، لكنها لم تفسّر كيفية نشأة الخلية الحية الأولى. وداروين قد اعترف صراحةً أنه لا يملك إجابة عن هذا السؤال، وأما مايكل روس الذي كتب سيرة داروين الذاتيّة فيرى أنه ربما كان هذا نتاجًا لترتّب الأحماض الأمينية على (بلورات) فائقة بطريقة ما!
بينما أشد الافتراضات قبولا لدى معظم أنصار نظرية التطوّر الدارويني، هو أن العوامل الكونية مثل البرق والتفاعلات الكيمائية بالتراب هي التي أنشأت هذه الخلية بالصدفة!
وجه دوق آرغيل جورج كاميل سؤالا إلى داروين عن أدلة التصميم العجيبة في تزاو زهرة الأوركيديا. فقال داروين: هذه الفكرة كثيرًا ما كانت تعصف بعقلي .
ثم هز رأسه وأضاف: وفي أحيان أخرى تتلاشى .
بعدها بعام واحد مات داروين.
ماذا يمكن أن يحدث لعالم يقدم نظرية جديدة تعارض السائد؟ نعم، أعلم ما ستقوله، سوف يقوم (رجال الدين) ضيقو الأفق بعضّه وخمشه وحرقه ثم اغتصاب جثته كذلك. ولكننا هنا بصدد سؤال آخر: ماذا يمكن أن يحدث له من (العلماء) الآخرين؟
لا تخلط بين العلم كحقيقة مجردة لا يمكن أن تخدعنا أو تتحيز ضدنا، وبين العلماء الذين هم بشر ينالهم من التحيزات المسبقة والأمراض الوجدانية ما قد ينال من أي أحد، بل ربما كانت التنافسات والأطماع الشخصية والانحيازات التأكيدية التي تميز المدارس العلمية مرتعًا أخصب لنمو أنواع الجهالات المختلفة.
ما الذي يدفع العلماء إلى التلوث؟ ما قد يدفع كل إنسان إلى التلوث في الحقيقة!
القناعات الشخصية والتحيزات الفكرية والتفضيلات النفسية والخلافات الاجتماعية والخلفيات الثقافية والهيئات السياسية والاقتصادية، وفوق كل ذلك هوى النفوس!
كثير من الناس يظنون أن كوبرنيكوس قد أعدمته الكنيسة الكاثوليكية حين خرج بنظامه الفلكي المضاد لذلك المذكور في الكتاب المقدس، ولكن الحقيقة أن كوبرنيكوس قد مات بشكل طبيعي في السنة التي طَبِع كتابه فيها، واشتُهرت نظريته بعد موته.
وبالمثل جاليليو لم يتم إعدامه حين نصر أفكار كوبرنيكوس ولكن تم اضطهاده بشكل شنيع بالطبع، وتمت محاكمته واعتذر هو عن أقواله فيها من وراء قلبه، اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية عن تلك الإساءات لـجاليليو في 1992، أي بعد موته بـ 300 عام! يبدو اعتذارًا متأخرًا قليلا على كل حال.
ربما من تم إعدامه بالفعل وحرقه من قبل الكنيسة هو عالم الفلك والفيلسوف جوردانو برونو، وسبب ذلك على الأرجح كان إنكاره لكثير من العقائد اللاهوتية الكنسية مثل وجود الجنة والجحيم والثالوث وليست آراؤه الفلكية.
العدد الأكبر من الذين نالوا الاضطهاد الكاثوليكي الحقيقي بأبشع صوره من الحرق والتعذيب كانوا من المخالفين في العقيدة مثل محاكم التفتيش التي أعدمت الآلاف من المسلمين والبروتستانت، وأما العلماء التجريبيون فبرغم أن الكنيسة عادت كل نتائجهم التي أظهرت عوار اعتقادهم، إلا أنهم لم ينالوا كل هذا الكم المشهور من الاضطهاد والتضييق، بل ذكر لورانس برنسيبيه مؤلف كتاب الثورة العلمية أن معظم العلماء التجريبيين الذين قادوا عصر النهضة كانوا ينطلقون من أساس ديني وإيماني في الأصل.
لا تسمح لكل من يكفر بالله عز وجل بأن يتكلم عن (العلم) وكأنه قد اشتراه من البقالة تحت بيتهم، ويضعك رغمًا عنك في خانة المتدين الوغد معادي العلم. لا تسمح له بأن يقنعك بأن كل ما يتلفظ به هو علمي تمامًا وأنه إنما يتبع التجربة والدليل أينما ذهبا به. لا تسمح له بأن يتستر بأفكاره القبيحة خلف ستار العلم الجميل. وحين ترى من يثرثر بكلام كثير لا يفهمه حق فهمه لأنه قرأ ثلاثة كتب ونصف فاعتبر نفسه عضوًا في نادي المثقفين، فلا تسمح له أخي الكريم حينها بأن يصدق نفسه.
في البداية سوف يقيّدون العقل الطبيعي للإنسان. ذلك العقل الذي وهبه الله عز وجل له قبل أن (تشكله) فرضيات مناهج الفلسفة والعلوم الطبيعية.
إنهم سوف يقنعونك أن هدفهم العلم، في الحقيقة هم يهدفون إلى إطار معين من العلم، ويخافون ويكرهون ما عداه.
الآن لننتقل إلى الخطوة التالية: المادية الصرفة. لا يُسمح في هذه الخطوة أن تفكر حتى مجرد تفكير أن تبحث عن الله بأدوات العلم التي معك. أنت تعرف أن الله خارج المعمل بطبيعة الحال، وأنه لا سبيل للوصول إليه بنتائج العلم التجريبي، ولكنك كنت تطمع أن تستنتج الوصول إليه عقليًا بناء على نتائج العلم التجريبي، أليس كذلك؟ حسنًا، لا يمكنك أن تفعل ذلك أيضًا! هذه هي الخطوة الثانية يا سيدي.
يقول الملحد سكوت تود: حتى لو كانت جميع المعطيات تشير إلى مصمم ذكي، فإن مثل هذه الفرضية يجب أن تكون مُستبعدة من العلم، لأنها تمثل نظرة غير مادية ! بمعنى آخر: سوف نعاند الحقيقة بشكل صريح ولن يصيبنا الخجل من ذلك!
والآن ننتقل إلى الخطوة الثالثة: سوف نقتل الفلسفة!
الآن يا سيدي أنت مستعد للخطوة الرابعة: سوف نقصي كل من لا يؤمن بالخطوات السابقة من ساحة العلم والمعرفة! وحين أقول نقصيهم، فأنا لا أعني تجاهلهم، بل أعني إقصاءهم حرفيًا.
والآن لننتقل إلى خطوتنا الأخيرة: ابحث عن الله. نعم، الآن، وسط هذا الإطار الذي وضعناه في الخطوات السابقة. ابحث عن الله الآن.
ولكن، تذكر. غير مسموح لك بأن تستنتج أي شيء غير مادي، أو أن تتبنى أية رؤية فلسفية فوقية، أو أن تستخدم عقلك الطبيعي غير المقيّد. ولكن .. نحن نتعامل بروح سمحة هنا، هيا اذهب وابحث عن الله، لا تخجل.
ماذا؟ لا تجده؟ ألم نقل لك أنه غير موجود ولم تصدقنا؟
الرياضيون عمومًا يندهشون من ثقة الداروينيين بأنفسهم.
لذلك كان شيئًا يشبه المشاجرة هو ما قام بين علماء الرياضيات من جهة وعلماء الأحياء التطوريين من جهة، وذلك في عشاء ودّي جمعهم في جنيف في بيت الفيزيائي فيكتور ويسكوف في منتصف الستينات. حيث أبدى الرياضيون تعجبهم من الثقة المفرطة التي يتحدث بها البيولوجيون عن قدرة الطفرات العشوائية على تجميع المعلومات الجينية اللازمة لتطوير بنى حيوية جديدة.
كانت فكرة الرياضيين أنه طالما تتحدثون عن (لعبتنا) نحن بحساب الاحتماليات والأرقام فاسمحوا لنا بأن نصارحكم أنكم عدم المؤاخذة مجموعة من الحمقى.
يبدو أن المشاجرة كانت كبيرة فعلا لدرجة أن الرياضيين قد قرروا استكمالها في 1966 حين أقاموا مؤتمرًا ضخمًا لهم في معهد ويستار في فيلادلفيا وترأسه السير بيتر مدَور الحائز على نوبل، والذي بدأ افتتاحيته للمؤتمر بقوله: السبب الرئيسي لهذا المؤتمر هو شعور واسع النطاق بعدم الرضا عما يمكن التعبير عنه بالقبول الشائع لنظرية التطور وما يسمى الداروينية الجديدة .
ربما لا يوجد كبير شبه بين بدو قريش الهمج الذين كانوا يصرخون في ضعفائهم ومتبوعيهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]. وبين السادة العلماء المتحضرين الذين يقبعون في أكاديمياتهم الأنيقة ويقررون ما الذي يجب وما الذي لا يجب أن يعلمه عامة الناس من أمثالنا.
ربما لا يوجد كبير شبه بينهما فعلًا، لكن بنظرة ثانية متأنية أكثر مع بعض التفكير، وبِعض التجرد، وبعض التأمل، ربما يمكنك أن تسمع بأذن الخيال تلك الصرخة اليائسة: ﴿رَبّنَا إِنّا أطَعْنَا سَادَتَنَا وَكَبَرَاءَنَا فَأْضَلُّونَا السّبِيلا﴾ [الأحزاب: 67].
العلم ليس مجرد مؤسسة لتفسير العالم المادي، بل يقوم باستمرار بتشكيل الوعي السياسي والاجتماعي. العلم ليس مجرد مجموعة حقائق تتعلق بالعالم، بل هو الجسد المتكون من التأكيدات المتعلقة بالعالم والتي يقدمها (العلماء). وتأكيدات العلماء عن العالم وكيف يرونه هم تمثل جزء كبير من أساس الوعي الإنساني العام. وتحمل الشرعية الخاصة بها من شرعية قدسية كلمة العلم ذاتها، ومن أساتذة الجامعة ومن وسائل الإعلام العالمية. التعليم لا يُراد منه في أغلب الأحيان أن نكون مؤهلين لتطوير العالم وتسخيره فقط، ولكن أن يشكل مواقفنا الاجتماعية كذلك. ومن هنا يقول السياسي الأمريكي دانييل ويستر: التعليم نوع من أنواع الشرطة. أكثر حكمة وتحررًا .
ويذكرنا القرآن بأن هذا (التخويل) بمنح هذه السلطة أو امتلاكها لا يجب أن يخرج من داخل هذا العالم، بل يجب أن يكون متعاليًا (فعلا وبحق) عليه وعلى صراعاته الإنسانية. وكما كان يقول فتجنشتاين: إن مجموع قيم هذا العالم لا تجد معناها إلا خارج العالم لا داخله . فكذلك يقول القرآن: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكَونَ﴾ [الروم: 35] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللّٰه بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23].
كما كان يقول العالم الفيزيائي الكبير إرون شرودنجر: الصورة التي يقدمها العلم عن الواقع من حولي صورة ناقصة جدًا. إنه لا يتكلم ببنت شفة عن الأحمر والأزرق، المر والحلو، الألم واللذة، إنه لا يعرف شيئًا عن الجميل والقبيح، الحسن والسيء، اللّٰه والخلود. يتظاهر العلم أحيانًا بأنه يجيب عن الأسئلة في هذه المجالات، ولكن غالبًا ما تكون إجاباته سخيفة للغاية إلى درجة أننا لا نيل إلى أخذها على محمل الجد !
سلطة شعبوية + أيديولوجية + إقصاء لغيرها من السلطات + ادّعاء العصمة الاعتبارية.
هل يمكنك ألا تلاحظ أننا نتعامل مع نوع من الأديان هنا؟
دين اسمه العلمَويّة Scientism. وككل دين سوف يسبك أتباعه بحماس بمجرد أن تعرّض باعتقادهم للحظة. أتباعه الذين يدّعون أنهم ليسوا (تابعين) ولكنهم يفعلون بانتظام كل تلك الأشياء التي يفعلها من يتبع شيئًا ما!
العَدْل الإلهيّ (عن قِيام الحُجَّة ووُجُود العذاب في الآخرة)
يقول الكاتب الأمريكي أورين وودورد: النجاح ليس صعبًا للدرجة التي يُظهرها الراسبون ! حيث لا يكون الأمر فعلا بهذه الصعوبة، ولكن لأن هناك من رسب، أصبح من ينظر من بعيد يظن أن الأمر بهذه الصعوبة!
وما أكثر الراسبين يا عزيزي!! كما يقول الله جل جلاله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103] ويقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلَّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ [الأنعام: 116]. الراسبون أكثر من الناجحين إذن!
ولكن ماذا ستنفع كثرتهم؟ هل يغيّر هذا من حقيقة الأمر شيئًا؟! هل لأن معك في صف الكفر الممثل الذي تحب نكاته، والسياسي الذي تجذبك شخصيته، والعالم الذي تُعجب بأبحاثه، هل لأن معك هؤلاء، سوف يغيّر هذا من أنك قد جانبتَ الصواب؟! يذكرنا القرآن بهذه الحقيقة حين يقول جل جلاله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 39]. لن ينفعكم أنكم سويًا، لن ينفعكم أنكم مجتمعون!
كثرة هؤلاء الراسبين جعل البعض يظن شططًا أن لربما كان هناك خللا ما في طريقة عدل الإله وسريانها على خلقه، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا! ولكن الأسوأ من هذا هو من يجعل كثرة الراسبين سببًا لرسوبه هو! مثل داروين الذي كتب في مذكراته الخاصة أن لو كان الإله موجودًا فمعناه أن أخاه وأباه يُعذبان الآن لأنهما لم يكونا مؤمنيْن به، فلذلك اختار ألا يؤمن هو الآخر به! كانت الحقيقة مريعة بالنسبة إليه فاختار أن يتجاهلها وكأنها لم تكن. يجعل كفر غيره مبررًا لكفره هو! تمامًا مثلما فعل فرعون من قبله، كما نبهنا القرآن إلى قوله لـموسى عليه السلام: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: 51] فرد موسى عليه السلام ببساطة: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي في كِتَابٍ لَا يَضِلَّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52].
ما هذا الغرور؟ ما هذا الاعتداد الغريب بالنفس البشرية؟ هل يمكننا أن نغفل قول الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 22].
ما هذا التكبر؟ ما هذا الاعتداد المضحك بالنفس؟ هل يمكننا أن ننسى قول الله عز وجل: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 21]؟
هل يمكننا أن نغفل عند ذلك قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغى * أَنْ رَءَاهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]؟
فهل يمكننا أن نغفل عند ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 24]؟
حين نتحدث عن العدل الإلهي، فمن الطبيعي أن نتساءل، إن كانت حجج الله عز وجل على عباده في الدنيا كافية، فلماذا هناك كفار؟ ولماذا هم كثيرون؟ ولماذا يكثرون في هذا الزمن بالذات؟ نجد أن القرآن يخبرنا -كما الواقع يخبرنا- أن أول أسباب ذلك هو الكبر والغرور والاستنكاف عن عبادة الله عز وجل.
ما دفع بسام بغدادي الملحد العربي الشهير أن يقول ذات مرة: حتى لو افترضنا أن اللّٰه الإبراهيمي موجود، فخير لي أن أدخل النار باختياري عن أن أدخل الجنة مكبلا بأغلال العبودية !
فِفي القرآن نجد تفسيرًا لتلك الحالة، يقول الله عز وجل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقَّ﴾ [الأعراف: 146].
هناك سبب آخر للفشل، وهو إمهال الله عز وجل! يظن الواحد منا أن الله إن لم يعاقبه على كفره، إن لم يؤاخذه على خطئه، أنه غير موجود، أو أنه نسي، أو أنه بالضرورة قد سامح! بينما كل ما في الأمر أن الله حليم.
ولدينا في كتاب الله الحكيم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178].
وهناك سبب ثالث، وهو الاتباع والانقياد، والذي يكون أعمى في كثير من الأحيان.
وهناك عشرة أسباب أخرى عددتُها في القرآن تفسر لنا: لماذا يوجد الفاشلون!
مثل الغفلة: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: 28]. وتعمّد الابتعاد عن الله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلّا أنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 26]. والحيرة العمياء المهمَلة من صاحبها: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: 63]. والنعيم المترف غير المقرون بالشكر: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلّبُ الّذِينَ كَفَرُوا في الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]. والشك المستمرٍ إلى يوم القيامة دون حسم من تفكر أو يقين: ﴿وَلًا يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55]. والهوى المتبع: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضٍ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176]. وعدم فهم فحوى الدين وعدم محاولة الفهم من بِعد ذلك: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمّ بُكْمٌ عُمْيّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]. وكراهية الحق: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالحَقَّ وَأكْثَرُهُمْ لِلّحَقّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70]. والانشغال والالتهاء في السخرية بالمؤمنين عن أهم حقائق الوجود: ﴿اتخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: 110]. والأوهام المبنيّة من قصور الرمال وأوراق (الكوتشينة): ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنّ وَإِن هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116].
إنما هو اختبار من الله لهؤلاء الذين لا يتفكرون في أمر أنفسهم، أن كان فيها كل هؤلاء الفاشلِين لينظر إن كنا نريد الله أم نريد فقط لو كنا نرعى مع الهمل؟ ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبَّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20].
حين نقف يوم القيامة أمام الله عز وجل فيكشف لنا عن مكنوناتنا. تلك الأسرار الدفينة التي أجدنا إخفاءها عن الناس، وأجدنا إغفال أنفسنا عنها، وأجدنا نسيان كل ذلك بعدها. تلك السرائر التي سوف يحاسبنا الله عز وجل اعتمادًا عليها، فما الحيلة التي نملكها حينئذ؟! ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: 9-10].
ربما تنظر إلى شخص أوروبي لا يشرب الخمر ولا يعربد مع النساء على أنه شخص جيد، لكن هتلر كان كذلك. هل هو شخص جيد؟ ربما ننظر إلى نلسون مانديلا فنعجب بإصراره وأمله طوال فترة سجنه الثلاثين، لكن كيف نتجاهل جرائم ميليشيات رمح الأمة؟
يذكرك القرآن بذلك: ﴿إِلَى رَبَّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَل الإِنْسَان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ ألقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 12-15].
في سؤال العدل الإلهي تتجلّى لنا حقيقة ساطعة، أن الله لم يجعل على العباد حجةً واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثًا، ولكن أربع حجج.
أول هذه الحجج هي الفطرة! أننا جميعًا مخلوقون على شفرة موحّدة تدلنا وتقودنا إلى الإله في النهاية! من أكواد هذه الشفرة: الشعور الثابت بداخلك بالفقر والحاجة باستمرار، كما يقول الله جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّٰه وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15] ذلك الشعور الذي تكفينا الإشارة إليه حتى تتذكره في نفسك. دعك من المكابرة فأنا أعلم أنك جرّبته مرارًا!
ومن أكواد هذه الشفرة: المبادئ العقلية الأولية المغروزة بداخلك! والتي خلقها الله سبحانه وتعالى فينا يوم أن وهبنا الأفئدة: ﴿وَالله أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلِّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78] تلك المبادئ التي تخبرك بأن الجزء أصغر من الكل، وأن لكل حادثة سببًا وراءها، وأن وراء كل نظام هناك إرادة اختارته. هذه المبادئ التي غُرِزَت فيك منذ أن خلقك الله سبحانه وتعالى، فتستطيع بعد ذلك أن تفهم على أساسها مبادئ الإيمان!
ثاني هذه الحجج هو العقل، حيث وهبه الله سبحانه وتعالى لكل المكلّفين، ومن وهبوا عقلًا ناقصًا أو مريضًا فهم معذورون لا يُعذّبون. وثالث هذه الحجج هي الآيات الكونية المشاهدة من حولنا، والتي أودع الله سبحانه وتعالى فيها دلائل قدرته وحكمته ووحدانيّته. والله سبحانه وتعالى قد تكفِّل بأن تصل هذه الحجةٍ إلى كل أحد، كما يقول جل جلاله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].
وأما رابع الحجج وأهمها على الإطلاق فهي الحجّة الرساليّة، كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّٰه حُجَةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. فلن يبقى لأحد منهم أي وجه يتكلم به بعد أن أتمّ الله سبحانه وتعالى حججه الأربعة.
بدون أي واحدة من هذه الحجج الأربعة، يُعدّ الإنسان معذورًا عند الله، غير أن حجة الفطرة وحجة الحسّ ثبتتا لجميع الخلق. وأما حجة العقل، ففاقدها (مثل المجنون)، أو ناقصها (مثل الطفل) معذور، وحجة الرسالة ففاقدها أيضًا معذور.
لذلك يقول الله جل جلاله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. ويقول عن خزنة جهنم أنهم يسألون -استنكارًا وتعجبًا- كل فوج يرد إلى جهنم: ﴿ألَمْ يَأتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8]؟!! لأنهم يعلمون أن الله لا يعذب أبدًا من دون نذير!
لا أطيق طريقة التفكير السطحية حين يتعلق الأمر بأخطر قرار في حياة الإنسان!
الصراحة كل من جرب ذلك يعلم مقدار الإرهاق النفسي والذهني الذي تلاقيه كي تضطر أن تتناقش مع أحدهم في مسألة يسبق علمك فيها علمه بعدة عشرات من الكتب، لا عن تعالٍ ولكن عن واقع، يبدو الأمر صعبًا ومنهكا للغاية ولولا شفقتي على هؤلاء ما استطعت أن أتجاوز خمسة دقائق من الكلام. ومن الذي يفعل ذلك ويصاب بكل هذا (الملل)؟ إنه أنا، كائن تافه تمامًا متوسط التعليم والثقافة وعلى قدر غير مميز من الذكاء.
افترض أن الله موجود وتذكر كم يعاملنا الله بما هو أجمل في كل يوم!
افترض أنه كان موجودًا ويعلم -كما نؤمن نحن- ما في القلوب ويسمع ما في الصدور وعلم من قلبك أنك لا تحبه، لا تعظمه، لا تحذر حتى لاحتمالية سماعه لخطرات قلبك.
افترض كل ذلك ثم أخبرني، لو كان هذا الإله موجودًا وبهذه الصفات، أليست رحمته قد سبقت غضبه؟ أليس حلمه أسبق من عقوبته؟ أليس إحسانه قد غلب على نقمته؟ أليس صادقًا حين قال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 12].
يا صاحبي، قد أتفهّم أنك لا تتيقن في وجود الله، ولكني لا استطيع أن أفهم كيف تفقد الشوق إلى فكرة وجود الله! كيف لا تبكي على نفسك حين فقدت الله.
يا صاحبي، كيف لا تشتاق لله؟!
فتجد أحدهم يخبرك أنه غير خائف من ملاقاة الله سبحانه وتعالى مثلًا لو تبيّن أن اعتقاده فيه غير صحيح، لأنه سوف يقف أمام الله حينها بشجاعة ليقول له: لماذا أخفيتَ نفسك عني؟؟ أو: أنت تعلم أني اجتهدتُ بعقلي! أو: أنت تعلم أني لا أستحق العذاب.
هو يظن أن المنطق الذي يفكر به الآن، سوف يصطحبه معه إلى دار الآخرة بشكل كامل غير منقوص، وأنه سوف يقدر على صياغته بنفس العبارات الرنّانة ذات الصدى والتي كان يقولها في الدنيا! ويا له من ساذج!
فنحن في عالم، وهناك عالم آخر. بعد أن يتم الانتقال سوف نصبح في حالة من الذهول، ذهول من استيقظ من نومه توًا فوجد نفسه في مكان غريب له قواعده المختلفة. لذلك يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا ، وكتب رجل إلى أخيه: أما بعد، فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما هو الموت، ونحن في أضغاث أحلام، والسلام . ويقول أبو حامد الغزالي: ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفًا له في الحياة. كما قد ينكشف للمتيقظ ما لم يكن مكشوفًا له في النوم . وفي سورة ق نجد قول الله عز وجل عن هذا: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22].
حيث إنه في العالم الآخر، ذي القواعد الأخرى. ينهار هذا البناء المترابط تمامًا، ويفشل هذا المنطق اللطيف، ويضل عن كل الحجج المفتراة التي كان قد نسجها لنفسه. تمامًا مثل حالنا في الحلم الفانتازي الذي قد نجده منطقيًا تمامًا، فقط إلى اللحظة التي نستيقظ فيها لنفطن إلى أن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق! كما يقول الله جل جلاله عن ذلك اليوم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 24] ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أنَّ الْحَقَّ لله وَضَلْ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: 75]. ﴿أَولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: 21].
لذلك ينبّهنا الله سبحانه وتعالى إلى لمحة أخرى من لمحات هذا الذهول، وهو في قوة الحواس وشدتها يومئذ. تلك الحواس التي كانت في حالة ارتخاء وشلل -عمدًا- عن وظيفتها يوم أن كانِت في الدنيا، صارت الآن تعمل بأقصى طاقتها، لتُجلّي لهم كل الحقائق! كما يقول الله جل جلاله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ اليَوْمَ فِي ضَلَالِ مُبِينٍ﴾ [مريم: 38]. وهو تعبير لغوي تعجّبي عربي يعني: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا! إنها مقارنة بين حالهم الذي سيكونون عليه في الآخرة من نفاذ وقوة إحساسهم بأمر الإيمان وقتها، وبين الضلال المبين الذي هم فيه الآن!
وهناك لمحة ثالثة من لمحات هذا الذهول -عكس اللمحة الأولى- وهي في التذكّر! نعم، يتذكر الإنسان وقتها ما كان نسيه في الدنيا من كل أعماله الصالحة أو الطالحة، كل الجرائم التي ارتكها في حق الله سبحانه وتعالى (ولا يضرّه سبحانه ذلك شيئًا)، وفي حق الناس، وفي حق نفسه! كل المصائب التي قام بها يومًا -وأعظمها يوم اتخذ قراره بالكفر بالله سبحانه وتعالى- والتي عفا عليها الزمن وتبخّرت من ذاكرته طويلة المدى. يوم أن يموت فيبعثه الله سبحانه وتعالى سوف يتذكر كل ذلك: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذَّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 23-24].
ولكن هل تراه ينفعه ذلك حينها؟! ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91].
وهناك لمحة رابعة من هذا الذهول، تتمثل في الطريقة التي يرون بها أعمالهم -التي كانوا يظنونها في الدنيا على قدر من الأهمية والخيرية- وهي تتبدد أمام أعينهم وكأنها لم تكن! كما يقول الله جل جلاله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللّٰه عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: 39]. مثل سراب الصحراء الذي يراه الرجل من بعيد فيظن أنه بركة ماء، وما هو إلا وهم بصري كان فيه، ويتأكد له ذلك (بنفسه) بالفعل حين يقترب منه فلا يجد أنه كان شيئًا.
حينها لا بد أنك سوف تتذكر قول الله تعالى عن أهل الشقاء من أصحاب النار: ﴿فَأَمّا الّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106]. ولربما بعدها تسعك ثقافتك أن تتذكر ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: الزفير إخراج النفس، وهو أن يمتلئ الجوف غمًا فيخرج بالنفس، والشهيق رد النفس .
ثم يزيدنا القرطبي بقوله: والزفير والشهيق من أصوات المحزونين !
حينها لا بد أنك سوف تتذكر قول الله تعالى عمّا يضرب به أهل النار على رؤوسِهم: ﴿وَلَهُم مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: 21] كما جاء في مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ: لَوْ أَنّ مقْمَعًا منْ حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْض فَاجْتَمَعَ لهُ الثّقَلانِ مَا أقلوهُ (أي ما رفعوه) مِنْ الأرْض .
وأما حين يدخل فصل الشتاء فإنك لا بد تتذكر أن العذاب بالبرد موجود في جهنم: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: 57] والغسّاق هو الماء شديد البرودة. وأنهم وقتها يهربون من النار إلى البرد: كما رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسآلون الحر ! وعن مجاهد: يهربون إلى الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض !
فلما يجدوا أنها كانت فكرة بائسة يهربون من البرد إلى النار! كما يقول كعب: إن في جهنم بردًا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم . وعن عبد الملك بن عمير قال بلغني: إن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوه من البرد .
إنها دائرة جهنمية مغلقة.
علينا أن نخاف! علينا أن نخاف للغاية!
وضّح لك القرآن أن الله يريد لك أن تخاف حين ذكر لك أصناف العذاب! كما يقول الله جل جلاله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلُ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللّٰه بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقَونِ﴾ [الزمر: 16].
ذلك الخوف الواقع في قلوب المؤمنين يحبه منهم الله سبحانه وتعالى، هو خوف يعني أنهم يدركون مقام العبودية الذي هم فيه، ويقدرون الله حق قدره، ويعظمونه حق عظمته!
لذلك يقول الله سبحانه وتعالى عن صفات المؤمنين الفائزين بالجنة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: 27]. في مقابل هؤلاء الذين لا ينفع معهم كل ذلك التخويف، وكانت قلوبهم أكبر قسوة من أن تشعر، وأرواحهم أشد يبوسًا من أن تقلق، وأنفسهم أكثر جفافًا من أن تهتزّ! يا للحسِرة على هؤلاء الذين يخوّفهم الله من الابتعاد عنه، فيزدادون عنه بعدًا! ﴿وَنَخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60].
أنت تحسب أني في جدالي معك حول الله واليوم الآخر أنتظر في سرور وطمأنينة أن نموت أنا وأنت كي أريك أني على حق وأنتصر في الجدال. أنت لا تعلم أني أنتظر بيقين نعم ولكن بحزن كامل وخوف شديد. هل تحسب أني سعيد بأن هناك آخرة وحساب وسؤال وعرض وميزان؟ هل تحسب أني مطمئن لأني مؤمن بالله عز وجل من أني لن يمسني السوء؟
أنا أفرح بأن الله سيعذب الظالمين، فقط حتى أتذكر أني واحد من الظالمين. أنا أبتهج حين أتذكر عدل الله في الآخرة ثم تذرف عيني حين أتذكر ما سوف يحل بي من عذاب إن عاملني الله بعدله في الآخرة! أنا أتذكر الجنة فتغلب دموعي بسمتي لأني أعلم أني لا أستحق شيئًا من الجنة، ولو دخلتها فلأن ربي فقط كريم.
لو استطعت لساعدتك على أن تكسب رهانك معي، ولكني -مثلك- معدوم الحيلة مسلوب الإرادة مغلوب القضاء نافذٌ فيّ الأمر من الله. وأقرأ كلمات الله إذ يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللّٰه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]. فأشعر في صدري بوخزة من ينتظر أمرًا ثقيلًا مخيفًا ويعلم أنه ليس منه بد.
تأتي متظرفًا وتقول لي: ماذا لو لم يحدث ذلك الذي تنتظره؟ أقول لك: يا ليت هذا يحدث! يا ليتني أموت فلا أحاسب وتموت أنت فلا تحاسب. يا ليتني لا يمسني ولا يمسك عذاب ولا حساب.
ولكن ليس بأمانينا يا صديقي. سوف نجازى بما عملنا من سوء، فلا ينجو إلا من كان الله وليًا نصيرًا.
في 1999 وقف كوميدياني أمريكي شهير على خشبة المسرح يسخر من الأديان في نوع من أنواع الكوميديا المفضلة عند الشعب الأمريكي (Stand Up). هذا الرجل في عداد الأموات الآن، والله أعلم بحاله، لكني لا أظن أنه الآن يضحك على نكاته!
كان الرجل على المسرح وقتها يتحدث عن العذاب الإلهي الأبدي الذي تعدك به الأديان في حالة لم تؤمن بالله، فيقول: أنت ستمضي حياتك السرمديّة وسط النيران والدخان والعذاب الشنيع المستمر إلى نهاية الزمان، ولكن مع ذلك… فالله يحبك !
كانت نكتته تلك شهيرة للدرجة التي أعجب بها الكثيرون من الملحدين لسنوات طويلة!
على كل حال، فالديانة النصرانيّة المحرّفة فقط هي من يمكن (إحراجها) بهذه الفكرة.
قد يُشكل أحد على مسألة وجود العذاب باعتبار: وأين رحمة الله من هذا؟! والسؤال الأهم: ومن قال أن من يعذبه الله فهو مرحوم؟! لو كنا قلنا ذلك لكان هذا تناقضًا واضحًا بالفعل. بينما القرآن يوضح لنا أن الله جل جلاله يعامل من شاء بما شاء. كما يقول سبحانه: ﴿يُعَذّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُون﴾ [العنكبوت: 21]. وأنه كما اتصف بكمال الرحمة والمغفرة، اتصف أيضًا بِكمال العزة والجبروتِ والانتقام، كما يقول جل جلاله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].
لذلك عندما يحدثنا القرآن عن اعتراف أهل النار على أنفسهم بأنهم (يستحقون) ذلك.
سيكون هذا دحضًا لأي شك أو شبهة فيما يخص العدل الإلهي معهم في إدخالهم النار! كما يقول الله جل جلاله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِير﴾ [الملك: 10-11]. ويقولون عن أنفسهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106]. فقم بتوفير جهدك في الدفاع عن الحقوق المزعومة لهؤلاء، لأنهم هم الذين سيخذلونك حينها يوم القيامة بهذه الاعترافات الواضحة!
إنه العدل الإلهي الذي هو خارج نطاق الشبهات والظنون، للدرجة التي جعل الله سبحانه وتعالى فيها كل إنسان قيّمًا على أفعاله، ويطلب منه أن يتولى حساب نفسه على أفعاله! كما يقول سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].
بأن الله جل جلاله حرّم الظلم على نفسه: ﴿إِنَّ اللّٰه لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].
وأن هذا الظلم – الذي لا ينبغي لله- يتأكد ذكرُ منعه في يوم القيامة خصوصًا: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلَّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 17] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].
أخطر أنواع الطَّمأنينة (عن اختلاف الأديان)
اختيارك للّا دين يبقى اختيارًا في النهاية، وبغض النظر عن الأصل الذي وُلِدتَ عليه، وعلى الديانة التي كان عليها أبواك، فأنت (قد) اخترت بكامل قواك العقلية، خيارًا من هذه الخيارات، اخترتَ أنت الآخر اختيارًا ما برغم أن هناك -على زعمك- عدة آلاف من الاختيارات الأخرى، وتزعم أن اختيارك هذا هو الصحيح برغم أنه -على زعمك أيضًا- فالاحتمالات لا تقف في صالحك. فطالما سلّمنا أن هناك حقيقةً في مكان ما، فلا بد إذن من وضع احتمال، أن يكون هذا الدين أو ذاك هو الاختيار الصحيح. حينها أنت يا صاحبي قد قمت بأسوأ عملية كسل قد تقوم بها في حياتك!
كان هناك من يعشق دائرة المألوف في عقيدته، في أخلاقه، في عباداته، ورؤيته لهذا الوجود مترامي الأطراف، ويقول: ﴿إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أمّةٍ وَإِنّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
فأمر الله رسولهم بأن يقول لهم ببساطة: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى﴾ [الزخرف: 24]؟
لذلك فلا عجب من أن جعل الله سبحانه وتعالى هذه السن (سن البلوغ المتزامنة مع مرحلة المراهقة) هي السن التي تم تكليفه فيها بحقائق هذا الوجود! أنت لم تعد طفلًا الآن يتلقى تعليماته من والديه! بل يمكنك الوصول بنفسك للحقيقة، يمكنك السعي خلف الدين الصحيح، يمكنك التفكّر والتعقّل وإعادة النظر بكل ما رباك عليه أبواك، يمكنك أن تعقل الآن ما هو الصواب، وما هو الخطأ، حتى لو كان هذا يخالف البيئة المكانيّة أو الزمانيّة التي نشأت فيها، حتى لو كان هذا يعني أن تتحدى جميع الأعراف والتقاليد! لو مات طفل قبل أن يصل إلى هذه السن فهو (معذور)، ولو مات بعد أن وصل إليها فهو (مُكلّف)!
لذلك يقول الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء الذين يرفضون أن يتبعوا الدين الصحيح لأنهم وُلدوا على دين آخر: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
حجّة (الوراثة) ليست صالحة بأي حال إذن! بل أنت تسبّ نفسك حينها، عندما تقنعنا أنك غير قادر على تمييز الصواب بنفسك من دون أن يقودك أحدهم. حين تظن أنك (معذور) في اتّباع الضلال لمجرّد أنهم (قالوا لك) أن تفعل! لذلك يقول الله جل جلاله عن أمثال هؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالَينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: 69-70]. ويقول عن هؤلاء الذين ظنوا أنهم قد يفلتون من العقاب -لأنه لم يكن ذنبهم- أن وجدوا آباءهم على هذا الدين أو ذاك: ﴿فلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءٍ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفَّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109].
هل سمعت عن الراستفارية؟ الديانة التي نشأت في جامايكا في أمريكا اللاتينية في 1930 لتقديس الإمبراطور هيلا سيلاسي الذي يعتقدون أنه تجسيد للرب، الجميل أن (سيلاسي) هو إمبراطور أثيوبيا التي تقع في أفريقيا وأنه هو نفسه أرثوذكسي. حاكم دولة أخرى تقع في قارة أخرى يتبع ديانة أخرى يقرر مجموعة من العمال السود في جامايكا فجأة أنه ربهم الذي جاء ليحملهم مع كل السود في العالم إلى الأرض الموعودة! لتتحول ألوان علم أثيوبيا الأخضر والأحمر والأصفر إلى ألوانهم المقدسة، وتصبح الجدائل (الضفائر) الأفريقية هي تصفيفة الشعر المحببة عند الإله، وأما تدخين الماريجوانا فنوع من الصلوات المباركة لديهم.
لماذا نتحدث عن الراستفارية؟ لماذا نعرف ما هي الراستفارية أصلا؟ هل يتوقع أحد أن تؤخذ هذه الديانة الظريفة على محمل الجد؟! لكن الحقيقة أن عدد الراستفاريين حول العالم يصل إلى المليون، وسبب هذا المليون العجيب أن بوب مارلي المغنّي الشهير اعتنق الراستفارية!
في 1981 شهد العالم انحسارًا في اعتناق الراستفارية، والسبب هو أن مارلي قد مات في هذه السنة، الغريب أن هيلا سيلاسي نفسه كان قد مات قبل ذلك بستة أعوام فلم ينتبه أحد! برغم أن سيلاسي هو -احم- ربهم، وموت الإله من المفترض أن يكون حدثًا هامًا في حياة الأديان على كل حال.
ولكن هل حقًا ما فعله هؤلاء الناس مع ديانة بوب مارلي الموهوب يختلف كثيرًا عما يفعله آخرون مع ديانة (أو لا ديانة) هو كينج أو ماصك؟
أحد أجمل تلك النصائح التي أسداها القرآن لطيف البشر الواسع على اختلاف أطوالهم الموجية، هي تلك النصيحة اللطيفة رباعية الكلمات: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأ عَظِيمٌ﴾ [ص: 67].
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].
كان ابن عباس يقول: الهوى إله معبود ، وقرأ: : ويقول أبو سليمان الداراني: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس . ويقول مالك بن دينار: ما أشد فطام الكبير! . ويقال: الهوى شريك العمى . وكان بعض الحكماء يقول: عين الهوى عوراء .
جميل أن الله عز وجل قد فسر لنا الكثير من ألغاز الحياة في القرآن، فلدينا مثلًا عن ذلك قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: 34]. وبالطبع المسلمون فيهم مثل ذلك الكثير والكثير، ربما لذلك قال سفيان بن عيينة في تفسيره لهذه الآية بالذات: من فسَد من علمائنا كان فيه شبهُ من اليهود، ومن فسد من عبَّادنا كان فيه شبهٌ من النصارى! .
كيف لك أن تكون متأكدا من أنك لا تعبد الإله الخطأ؟
لأنك تعبد الإله الذي لم تره، ولا تعرف صورته، وليس له كهنة معبد يجمعون له قرابينه، أو يحرسه رجال دين يسمعون منك صلواتك واعترافاتك بالذنوب. لأنك لا تعبد إلها أخرجه لك أحدهم من الأرض ونحت هيئته على طواطم الشجر، أو أنزله لك أحدهم من السماء ونقش صورته على جدران المعابد.
ولكنك تفعل كما فعل إبراهيم عليه السلام، لما نظر في السماء ثم تفكّر ثم تحيّرِ ثم تأفّف ثم تخوّف ثم قرر فقال: ﴿إِنَي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79] إني وجهت وجهي لذلك الذي خلقني، أيًا كان، أينما كان، كيفما كان. وأما البشر، فهم يكذبون في العناوين.
إنه كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه في درس آخر يُعلّمه لنا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلّا الّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: 26-27] ويقول فِي موضع آخر: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوُّلِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 75-78]. كل هذه الآلهة لا تستحق عبادتي وسوف أتبرأ منها باستثناء الإله الوحيد الذي يستحق ذلك! هو الإله الحق، الذي خلقني.
هي قاعدة بسيطة إذن. أنا موجود، وبالتالي أنا أعبد ذلك الذي أوجدني!
(حنيفًا) تعني مائلا عن كل ما هو باطل، منحرفًا عن كل ما هو كذب، مُبطلا لكل ما هو مزيّف!
الحنيفيّة تعني نقاء الإيمان بالله جل جلاله من كل شوائب الإيمان بغيره، تعني الرفض العقلي للاتباع الأعمى المجرّد عن الدليل، تعني عزة النفس وغناها عن أن تتذلل لمن لا يستحق!
هذه الحنيفيّة كانت من فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولكن لا يمكننا أن نغفل التطبيق الإبراهيمي البديع لها، حتى إن الله جل جلاله يحب من بقية عباده أن يتمثّلوا به فيها، كما يقول جل جلاله: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 95]. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125]. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161]!
لا يستطيع العنكبوت أن يطارد أي فريسة لأنه بطيء جدًا، فبالتالي يقوم ببناء عشّه بشباك من خيوط حريريّة تعلق فيها فريسته فيذهب إليها ليحقنها بسمّ يشل حركتها ويتغذى عليها بعد ذلك.
ولكنه لا يستطيع أن يبني هذا العش بالنهار، لأن الرياح والحشرات الكبيرة ومكنسة والدتك وهي تنظف البيت باستمرار تقوم بتدمير عشّه كلما بدأ فيه. لذلك يلجأ إلى بناء عشه في الليل بعيدًا عن كل ذلك.
غير أنه -وباحتماليّة كبيرة جدًا- يتحطّم عشّه في وقت قصير بعد ذلك بسبب الأشياء التي ذكرناها، فيقوم حينها بأكل هذا العشّ القديم (حرفيًّا) وينسج منه عشّا جديدًا بعد ذلك، وهكذا دواليْك.
لما أقرأ قول الله جل جلاله: ﴿مَثَلُ الّذِينَ اتخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰه أوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41].
المَثَل الصِّينيّ (هي مُجرَّد خاتمة)
يقول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجور: الحقيقة هي فخ! لا يمكنك أن (تحصل) عليها من دون أن تقع في شباكها. فلا تستطيع أن تحصل على الحقيقة بإمساكها ولكن بأن تقوم هي بإمساكك !
فكر الحقيقة في حجم الجريمة التي ارتكبتها في حق نفسي، فقد كان الخطيب البغدادي يقول: من صنّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس . فأنا أعرف أن الناس لا ترحم عادةً أطباق العقول.
هذا الكتاب الذي بين يديك لم يكن الغرض منه أن تحصل على الإجابة النموذجية، أو الحل النهائي، أو وضع حدود للتساؤلات. بل يمكنك أن تنظر له إلى أنه مثال طويل نوعًا، مجرد مثال على الإجابة القرآنية عن أسئلة حديثة عويصة ما كنا نظن أن توجد إجاباتها في القرآن القديم.
الحمد لله رب العالمين
