القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى؟ تأليف: د. سامي عامري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى؟

تأليف: د. سامي عامري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس:

إهداء. 5

مُقدِّمة د. محمد العوضي…. 5

كلمة رئيس [مبادرة البحث العلمي لمقارنة الأديان] الأستاذ (فيصل عازر) 5

قالوا عن الكتاب.. 6

العلَّامة د. صلاح عبد الفتاح الخالدي.. 6

العلَّامة أ. د. فضل حسن عباس… 6

د. إبراهيم عوض… 6

د. حاتم جلال التميمي… 6

تمهيد. 7

أهمية دعوى بشرية مصادر القرآن الكريم. 7

تاريخ دعوى الاقتباس… 7

الدراسات الإسلامية السابقة. 9

مصادر الاقتباس… 9

غايات الدراسة. 10

مصادر الدراسة. 10

خطة الدراسة. 10

الباب الأول: خبر الأوّلين بين العلم والتعليم. 11

الفصل الأول: أُمِّيَّة الرسول ﷺ… 11

المطلب الأول: شهادة اللغة. 12

المطلب الثاني: شهادة القرآن الكريم. 13

المطلب الثالث: شهادة السنّة. 13

المطلب الرابع: شبهة من حديث صلح الحديبية. 15

المطلب الخامس: وقفات مع دعاوى زويمر . 16

الفصل الثاني: هل كان الكتاب المُقدَّس مُعرّبًا زمن البعثة النبويّة؟. 19

المطلب الأول: شهادة القرآن الكريم والسيرة النبويّة. 19

المطلب الثاني: شهادة الاستقراء التاريخي… 20

الفرع الأول: الترجمة العربيّة للعهد القديم. 21

الفرع الثاني: الترجمة العربيّة للعهد الجديد. 22

الفرع الثالث: تقويم هذا التراث.. 22

المطلب الثالث: شهادة مخطوطات الكتاب المقدس… 23

الفرع الأول: مخطوطات العهد القديم. 23

الفرع الثاني: مخطوطات العهد الجديد. 23

الفرع الثالث: الخلاصة. 24

الفرع الرابع: وقفات مع أحدث الدعاوى.. 24

الفصل الثالث: هل من معلّم بشري لمحمد ﷺ؟. 25

المطلب الأول: الاحتمال الأوّل في الميزان: علماء أهل الكتاب قبل البعثة، أو مباشرة من الأسفار المقدّسة. 25

المطلب الثاني: الاحتمال الثاني في الميزان: علماء أهل الكتاب بعد البعثة. 29

في العهد المكيّ.. 29

في العهد المدني.. 30

المطلب الثالث: الاحتمال الثالث في الميزان: العرب الوثنيون. 32

المطلب الرابع: الاحتمال الرابع في الميزان: الفتى الرومي.. 32

الباب الثاني: دعوى اقتباس القرآن من الكتب الدينيّة اليهوديّة والنصرانيّة خارج الكتاب المقدس… 33

الفصل الأول: الكتابات الدينيّة اليهوديّة. 33

المطلب الأول: فرقي دي ربي إليعازر. 33

تفاصيل الاقتباس المُدَّعى… 37

قابيل وهابيل. 37

يد موسى…. 41

إسلام فرعون. 41

سبب قتل الولدان. 42

المطلب الثاني: المدراشات.. 42

الفرع الأول: مدراش تنحوما 43

الفرع الثاني: مدراش التكوين ربا 44

الفرع الثالث: مدراش الخروج (شموت) ربا 45

الفرع الرابع: مدراش العدد ربا 46

الفرع الخامس: مدراش الجامعة. 47

الفرع العاشر: أشهر الاقتباسات المدّعاة في المدراشات.. 47

هامان وقارون. 47

وصيّة (يعقوب) عليه السلام لبنيه. 48

المطلب الثالث: التلمود. 48

الفرع الأول: التراث الشفهي التلمودي ورسالة الأنبياء. 49

الفرع الثاني: هل اطلع النبي ﷺ على التلمود؟. 50

الفرع الثالث: مرجعيّة التراث الشفهي اليهودي في العهد الجديد. 51

الفرع الرابع: دلالة العهد القديم على وجود كتابات دينيّة مندثرة 51

الفرع الخامس: هل خلط القرآن الكريم بين التراثين: المكتوب والشفهي؟. 52

الفرع السادس: أشهر الاقتباسات المدّعاة 52

سبع سماوات.. 52

المطلب الرابع: تفسير راشي…. 52

الفصل الثاني: الكتابات الدينية النصرانية. 53

المبحث الأول: أناجيل الطفولة. 53

المطلب الأول: اعتراضات أوّلية. 53

المطلب الثاني: تاريخية طفولة المسيح في الأناجيل الأربعة. 56

الفرع الأول: تناقضات.. 56

الفرع الثاني: أخطاء. 56

الفرع الثالث: خرافات.. 56

الفرع الرابع: اقتباسات للتكييف التاريخي… 57

المطلب الثالث: قراءة في الاقتباسات المدعاة 57

الفرع الأول: ولادة المسيح تحت نخلة. 57

الفرع الثاني: الحديث في المهد. 60

الفرع الثالث: خلق الطير من الطين.. 63

الفرع الرابع: تلقّي مريم عليها السلام الطعام من الملائكة. 65

الفرع الخامس: الاقتراع لكفالة مريم عليها السلام. 67

المبحث الثاني: الأناجيل الغنوصيّة وصلب المسيح. 67

المبحث الثالث: هشام جعيط والكنيسة السريانية. 70

المطلب الأول: أفرام السرياني واليوم الآخر. 71

المطلب الثاني: الغنوصيون وآباء الكنيسة السورية وتحريف اليهود. 75

المطلب الخامس: اللّٰه ، إله وثني! 76

المطلب السادس: الألفاظ الأعجميّة .. والاقتباس! 78

الباب الثالث: اقتباس الكتاب المقدس والكنيسة من مصادر بشرية. 79

الفصل الأول: أثر العقائد القديمة وثقافاتها في العهد القديم. 79

المبحث الأول: قصص وعقائد مقتبسة من الأمم الأخرى.. 81

المطلب الأول: خلق الكون. 81

المطلب الثاني: الشيطان صاحب السلطان. 81

المطلب الثالث: الملائكة أبناء اللّٰه… 81

المطلب الرابع: صراع الرب مع يعقوب.. 81

المطلب الخامس: شمشون الجبار. 81

المبحث الثاني: أسفار مقتبسة من تراث الأمم الأخرى.. 81

المطلب الأول: سفر الأمثال. 81

المطلب الثالث: المزامير.. 82

المطلب الرابع: نشيد الأنشاد. 82

المبحث الثالث: تشريعات مقتبسة من تراث الأمم الأخرى.. 82

المبحث الرابع: نصوص مقتبسة من تراث الأمم الأخرى.. 82

المبحث الخامس: كائنات أسطوريّة مقتبسة من تراث الأمم الأخرى.. 82

الغول. 82

الحيّة لوياثان. 83

الثعبان الطائر. 83

الفصل الثاني: أثر العقائد القديمة وثقافاتها في العهد الجديد وعقائد الكنيسة. 83

المبحث الأول: آباء الكنيسة يعترفون! 83

المبحث الثاني: أعداء النصرانية الأوائل يشهدون. 83

المبحث الثالث: مماثلات واقتباسات.. 84

المطلب الأول: عقائد الوثنيين وقصصهم. 84

الفرع الأول: تأليه المخلوق.. 84

الفرع الثاني: اللوجوس… 84

الفرع الثالث: نجم ميلاد المسيح. 84

الفرع الخامس: الملائكة التي ظهرت عند الميلاد. 85

الفرع السادس: الساعون في قتل المولود. 85

الفرع السابع: تجربة الشيطان. 85

الفرع التاسع: القائمون من الموت.. 85

الفرع العاشر: تحويل الماء إلى خمر. 86

المطلب الثاني: الفكر اليوناني.. 86

الفرع الأول: الفلسفة الأفلاطونيّة. 86

الفرع الثاني: الحكمة اليونانيّة. 86

المبحث الرابع: اقتباس العهد الجديد من الكتب المزيّفة. 87

المطلب الأول: الاقتباس من الكتب المنحولة. 87

سفر 1 أخنوخ.. 87

صعود موسى…. 87

حياة آدم وحواء. 88

رؤيا إيليا 88

الكتاب السري لإرمياء. 89

كتاب توبة ينيس ويمبريس… 89

المطلب الثاني: الاقتباس من الكتب المجهولة. 90

الخاتمة. 90

كلمة في الختام. 91

 


 

إهداء

في زمن عزّ فيه النصير على الحق والرفيق في وحشة الدرب.. أهدي هذا الكتاب.

مُقدِّمة د. محمد العوضي

يزداد المرء عجباً لحال ناقدي القرآن وشانئيه لازدواجية معاييرهم وتناقض مواقفهم، فحين يخالف القرآن ما هم عليه من معارف دينية – كنفي الصلب وتسمية والد إبراهيم (آزر) وأمثالها – يستنكرون مخالفته لكتبهم، ويرونها سبباً يبرر رفضهم للقرآن الكريم.

ثم إن جاء بموافق لما عرفوه فإنهم يرونه مجرد ناقل (وربما سارق) عن تلك الكتب!! من غير أن يتوقفوا مع دلالات الموافقة أو المخالفة ومقتضياتها.

ولو قدر لنا الوقوف على توراة اللّٰه المنزلة على موسى وإنجيله المنزل على عيسى قبل تحريفهما وإضاعتهما، لوقفنا على صور من التشابه كانت ستذهلنا حتماً لكثرتها، ولا غرابة في ذلك.

وفي حين تخلو الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى في العهد القديم من أي ذكر للجنة أو النار أو الآخرة أو البعث أو النشور – إلا ما كان في سفر دانيال المتأخر -، فإن القرآن أعاد التذكير بواحد من أخبارٍ كثيرةٍ أوحاها اللّٰه في توراة موسى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: 16-19]، فضاع هذا الهدي من أسفار اليهود الخمسة كما ضاع غيره من معالم الهدى والنور التي أنار اللّٰه به دياجير الظلام في كتبه السابقة.

ولو صح أن النبي ﷺ قرأ كل هذه الكتب، لكان حرياً بنا (الادعاء) بأنه استحوذ في أرض الحجاز على مكتبة هي أغنى مكتبات القرن السابع الميلادي!

هذه الكتب لم يكن لنبي أمي ولا لغيره من سكان مكة أو المدينة أن يصل إليها من الأساس، ناهيك أن يتمكن – في حال نقلت إليهم – من فك طلاسمها وقراءة نقوشها وفهم معانيها، فهي مسطورة بلغات مختلفة لم تعهدها العرب كالعبرية والآرامية والسريانية، وعليه فكان لزاماً على مثيري هذه الشبهة المتهافتة الواهية أن يتخيلوا وجود فريق ترجمة محترف متخصص ينقل للنبي ﷺ عن هذه الكتب ما ينتقيه ليدسه في سطور القرآن الكريم!

كيف استطاع محمد ﷺ – مؤلف القرآن – حسب زعمهم أن ينتقي من التراث الكوني السابق (سماوياً كان أم أرضياً) ما هو صواب وموافق للحقائق التاريخية ومضامين اليهودية والنصرانية، والثقافة السومرية والآشورية وغيرها؟!

ألا تستلزم هذه الانتقاءات الدقيقة بحد ذاتها إلهاماً وتسديداً خارقاً للعادة؟!

كلمة رئيس [مبادرة البحث العلمي لمقارنة الأديان] الأستاذ (فيصل عازر)

فهذه دُرّة جديدة من عقد العلم النافع المؤصَّل الذي تقدمه مؤسستنا العلميّة الدعوية للباحث (سامي عامري).

إنّ هذا الكتاب هو رسالة علميّة موجهة إلى المسلمين حتى يزدادوا إيمانًا بما حباهم به الحق سبحانه من هدى.. وأداة دعوية نقدمها إلى دعاة الأمة كمشعل جديد ينيرون به دروب التائهين في أقطار الأرض.. وهو دعوة لغير المسلمين حتى يبصروا الحق عيانًا.. وحجة جديدة على المتأبِّين على الإذعان لرسالة القرآن العظيم.

قالوا عن الكتاب

العلَّامة د. صلاح عبد الفتاح الخالدي

أستاذ علم التفسير – كلية الدعوة في جامعة البلقاء / الأردن

فإن الشبهات التي أثارها الأعداء ضد القرآن قديمة، بدأت منذ نزول القرآن على قلب رسول اللّٰه ﷺ، وإنّ نقض تلك الشبهات وإبطالها قديم، بدأ في آيات القرآن نفسه، حيث ذكر القرآن بعضها، وتكفل بنقضها ودحضها..

وبلغت تلك الكتب العشرات في القرون الماضية، لعل في مقدمتها كتاب الانتصار لنقل القرآن للباقلاني، وكتاب تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار الهمداني.

حيث أصدرت في ذلك كتابين:

الأول: تهافت فرقان متنبئ الأمريكان أمام حقائق القرآن .. واجهت فيه أباطيل المتنبئ الأمريكي أنيس شروش في كتابه الفرقان الحق ، الذي ادعى فيه النجاح في معارضة القرآن والإتيان بمثله، بل بأحسن منه.

الثاني: القرآن ونقض مطاعن الرهبان .. الذي فندت فيه شبهات مجموعة من الرهبان في كتابهم: هل القرآن معصوم؟ ، والذي زعموا فيه وجود حوالي مئتين وخمسين خطأ في القرآن، وقد نقضتها كلها ولله الحمد.

العلَّامة أ. د. فضل حسن عباس

أستاذ التفسير وعلوم القرآن، وعلوم اللغة – الجامعة الإسلامية / عمان

ولقد كان من فضل الله علي أن دفع إلي الأستاذ سامي عامري بكتابه هذا. فأسأل اللّٰه سبحانه وتعالى أن ينفعه، وأن ينفع به، وأن يجزيه عن القرآن وعن المسلمين حسن الجزاء، إنه سميع مجيب الدعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

د. إبراهيم عوض

من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر في مجال نقض دعاوى المستشرقين والتَّغريبيين

ولقد كان هذا الكتاب حافزًا لي على تناول موضوع كان يشغلني منذ زمن بعيد، وإن لم أفكر يومًا في معالجته في دراسة منفردة، ألا وهو موضوع الاتهامات المضحكة التي أرسلها المدعو بـ يوحنا الدمشقي، ذلك القسيس الذي كان يعيش في كنف الدولة الأموية، ثم ألف كتابًا تطرق فيه إلى الحديث، في نحو عشر صفحات، عن الإسلام بوصفه بدعة نصرانية، استعان فيها محمد ﷺ براهب نصراني، هو الراهب بحيرا، واتكأ على بعض كتب أهل الكتاب.

د. حاتم جلال التميمي

أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم – جامعة القدس / فلسطين

كانت معجزةُ هذا النبيِّ معجزةً عقليةً باقيةً ما بقيت الدنيا، تحمل بين أسطرها الدليل على أن هذا الكتابَ هو كلامُ ربِّ العالمين.

تمهيد

أهمية دعوى بشرية مصادر القرآن الكريم

بدايتها على يد يوحنا الدمشقي في زعمه أنّ الرسول ﷺ قد حاور راهبًا أريوسيًا – حوارًا لا تَلمذة، وأريوسيّا لا نسطوريًّا..

نورمان دانيال : كلّ الكتّاب (النصارى في القرون الوسطى) يميلون إلى التمسك بخرافات غريبة حول الإسلام ونبيّه.. استعمال دليل باطل لمحاربة الإسلام كان أمرًا شائعًا في العالم .

(3) Norman Daniel, Islam and the West, Oxford: Oneworld, 1993, p.267.

تاريخ دعوى الاقتباس

كان القول باقتباس القرآن من أسفار الأوّلين ذائعًا منذ قرون، وقد استقرّ في القرون الوسطى على الصورة التي رسمها كل من بطرس المبجّل (1)، وبطرس الطليطلي (2)،..

(1) بطرس المبجّل (Peter the Venerable 1092م – 1156م): أهم من حرّض على النقض العلمي للإسلام في أوروبا القرون الوسطى، وقد بذل جهدا كبيرًا في ترتيب عمل مترجمي القرآن الكريم إلى اللاتينيّة. نقش في كتابيه ( خلاصة كامل هرطقة السرسين/Summa toius heresis Saracenorum ) و( نقض فرقة أو هرطقة السرسيين/Liber contra sectam sive heresim Saracenorum ) ما استقرّ في الذهنيّة الأوروبيّة القروسطيّة من أنّ القرآن ليس إلا مجمع هرطقات.

(2) بطرس الطليطلي Peter of Toledo (القرن الثاني عشر): أحد أهم العاملين في إعداد أوّل ترجمة لاتينيّة للقرآن الكريم. ومترجم مناظرة الكندي مع الهاشمي . ومؤلّف أحد الردود على الإسلام، وهي مؤلفات شكلت موقف النصرانيّة -الأوروبيّة اللاتينيّة- من الإسلام في القرون الوسطى.

إلاّ أنّ كتاب المستشرق اليهودي الألماني أبراهام جايجر (3) ماذا أخذ محمد من اليهودية؟ (4)(5)

“Was hat Mohammed aus dem Judenthume aufgenommen?”

قد فتح لهذه التهمة الطريق إلى المنصّات الأكاديميّة ودراسات أعلام المستشرقين(6)(8)، فقد استنسخ جوهر هذا البحث نولدكه (7) (Noldeke) – الصديق الحميم لـ جايجر -، وتابع هذا المنهج الذي رسمه جايجر ، جولدتسيهر (Goldziher)،(8)

(3) أبراهام جايجر (1810م-1874م): لاهوتي يهودي ألماني، شغل وظيفة حبر. من أعلام اليهود الإصلاحيين.

(4) ألف الكتاب أولا باللغة اللاتينيّة تحت عنوان Inquiratur in fontes Alcorani seu legis Mohammedicae eos qui ex Judaismo derivantur، وشارك به مؤلفه في مسابقة في كليّة الفلسفة في بون سنة 1832م. ثم ترجم إلى الألمانية ليكون أطروحة دكتوراه في ماربورغ سنة 1834م.

(5) كتب أبراهام جايجر بعد هذا المؤلف بثلاثين سنة كتابًا لإثبات أنّ النصرانّية تعود في أصولها إلى اليهودية الفرّيسيّة، وفي حين استقبل كتابه ضدّ القرآن بترحاب غامر في أوروبا، لقي كتابه عن النصرانيّة ردودًا عنيفة وقاسية. (انظر Susannah Heschel, Abraham Geiger and the Jewish Jesus, Chicago: University of Chicago Press, 1988, p.52).

(6) لقي الكتاب مع ذلك معارضة من عدد من النقاد: فقد طعن المستشرق هنريخ لبرخت فليشر (Heinrich Lebrecht Fleischer) في موضوعيّة مؤلفه معتبرًا أن عقيدته كانت حاسمة في صياغة الكتاب، وقال المستشرق دي ساسي (de Sacy) إن المؤلف قد بالغ في ادّعاءاته: إذ إنّ الكثير من الأفكار المشتركة بين الإسلام واليهوديّة التي أوردها (جايجر) تتبنّاها جل الأديان في العالم. (انظر المصدر السابق، ص 59).

(7) تيودور نولدكه (1836م-1930م): من أعلام المستشرقين الألمان. له اهتمام بدراسة الإسلام واللغات الساميّة.

(8) إجنتس جولدتسيهر (1850م- 1921م): مستشرق يهودي هنغاري. من أهم من اشتغل في التشكيك في السنّة النبويّة. وقد نسب الفقه الإسلامي إلى القانون الروماني.

و غوستاف فيل (Gustav Weil)،(1) و جوزف هوروفتز (Josef Horovitz)،(2) و أبراهام كاتش (Abraham Katsh)،(3) … ثم خرج ويليام سنت كلير تسديل (William St. Clair Tisdall)(4) على القُرَّاء بكتابه (The Original Sources of the Quran)، ليفتح الباب على مصراعيه لنسبة قصص من القرآن الكريم إلى النصرانية الهرطقيّة،

(1) غوستاف فيل (1808م- 1889م): مستشرق يهودي ألماني. له مؤلّفات في القرآن والسيرة وتاريخ الخلفاء.

(2) جوزف هوروتز (1874م- 1931م): حبر يهودي أرثوذكسي. مستشرق ألماني. أسس قسم الدراسات الشرقيّة في الجامعة العبريّة في القدس. وكان رئيسه.

(3) أبراهام كاتش (1908م- 1998م): يهودي. كان والده وجده من الأحبار. متخصص في اللغة العبريّة. أدخل تدريس اللغة العبريّة الحديثة في مقررات الجامعات الأمريكيّة.

(4) ويليام سنت كلير تسديل (1859م-1928م): منصّر بريطاني، كانت له عناية باللغات الشرقية.

ظهر اليوم تيّار آخر لا يرى مذهب الأوّلين ولا الثانين؛ لاعتقاده أنّ نسبة نبيّ الإسلام إلى هذه المعرفة العميقة والملوّنة لثقافات أهل الكتاب وغير ذلك من معارف معقدة، لا يمكن قبولها؛ ولذلك نسب القرآن إلى الأجيال اللاحقة للرسول ﷺ، ومن أبرز المنافحين عن هذا المذهب، جون ونسبرو (John Wansbrough)(2) في كتابيه:

Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation (1977p)

The Sectarian Milieu: Content and Composition of Islamic Salvation History (1978p)

ذهب ونسبرو إلى أنّ القرآن قد ألّف في القرن الثاني الهجري، وأنّه نتاج الجدليات الدينية الإسلاميّة- اليهوديّة! وقد تبنّى هذا المذهب عدد من تلاميذه؛ كـ أندرو ربّن (Andrew Rippin)(3)، و نورمان كالدر (Norman Calder)(4)، و جيرالد هاوتنغ (G.R. Hawting)(5)، و مايكل كووك (Michael Cook)(6)، و باتريسيا كرون (Patricia Crone)(7) في كتابيهما الشهير: Hagarism: The Making of the Islamic World.

(2) جون ونسبرو (1929م-2002م): مؤرّخ ومستشرق أمريكي. درّس في جامعة لندن.

(3) أندرو ربن: أستاذ التاريخ وعميد إحدى الكليّات في جامعة فكتوريا. متخصص في التاريخ المبكّر للإسلام والتفسير (التقليدي) للقرآن الكريم.

(4) نورمان كالدر (1950م- 1998م): أستاذ الدراسات العربيّة والإسلاميّة في جامعة مانشستر. حصل على الدكتوراه تحت إشراف “جون ونسبرو”. كان له اهتمام بالجانبين التشريعي والفقهي في الإسلام.

(5) جيرالد هاوتنغ (ولد سنة 1944م): مستشرق بريطاني. أستاذ متقاعد لتاريخ الشرق الأدنى والأوسط في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقيّة.

(6) مايكل كووك (ولد سنة 1940م): مؤرّخ ومستشرق إنجليزي-إسكتلندي. عضو الأكاديميّة الأمريكيّة للفنون والعلوم. من تلاميذ المستشرق “برنارد لويس”.

(7) باتريسيا كرون (ولدت سنة 1945م) في الدنمارك: مؤرّخة ومستشرقة مهتمة بأصول الإسلام وتاريخه المبكّر. من أشهر دعاويها، قولها في كتابها المشهور Meccan Trade and The Rise Of Islam : إن محمدا (ﷺ) لم يعش في مكة التي نعرفها اليوم. وإنّما في منطقة أخرى تبعد عنها بأكثر من مئة ميل! وقد ردّت عليها الدكتورة آمال الروبي – أستاذ مشارك في قسم التاريخ اليوناني والروماني – في كتابها الرد على كتاب باتريشيا كرون: تجارة مكة وظهور الإسلام – وهو ردّ علمي قيم -.

(8) Oliver Leaman, The Qur’an, p.477.

الدراسات الإسلامية السابقة

وقد سعى مالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية أن يضيف مادة جديدة لمبحث نقض دعوى الاقتباس،

ما خطّه العلامة محمد عبد اللّٰه دراز في كتابه – الذي ألفه بالفرنسية، ثم عُرّب -: مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن .

مصادر الاقتباس

والحقيقة هي أنّ مصادر الاقتباس المدعاة أوسع من الكتاب المقدس، وأوسع من الأسفار المقدسة؛ فهي تشمل الكتاب المقدس وغيره، وتضم الأسفار المقدسة وغير المقدسة.

المرجع الأول الكلاسيكي هو الكتاب المقدس The Bible، بشقيه، العهد القديم، وهو مجموعة الأسفار التي يقدسها اليهود والنصارى، وأهمها الكتب الخمسة المنسوبة إلى (موسى) عليه السلام، وهي سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية، والمعروفة بالتوراة، والشق الثاني هو العهد الجديد، وهو مجموعة الأسفار التي يقدسها النصارى فقط، وهي 27 سفرًا، أهمّها الأناجيل الأربعة التي تُنسب إلى (متى) و(مرقس) و(لوقا) و(يوحنا)، وهي التي تستأثر في الكتاب المقدس بسرد الخبر التاريخي للمسيح عليه السلام.

المرجع الثاني هو المصادر اليهودية – غير العهد القديم -، وهي تتمثل أساسًا في كتاب فرقي دي ربي أليعازر (Pirke De-Rabbi Eliezer)، وهو كتاب أقرب لجنس الشرح التوراتي، خاصة في باب القصص، ويضم مشابهات واسعة للأخبار القرآنية التي لم ترد في التوراة،

والمدراشات (מדרשות)، وهي كتابات قديمة لأحبار اليهود تمثّل نمطًا خاصًا من أنماط التفسير للنصوص في باب القصص والأحكام والأخلاق… وتمثّل مادة تاريخيّة واسعة للتراث الشفهي اليهودي،

والترجومات، وهي الترجمات التفسيريّة الآرامية للعهد القديم، والتي ازدهرت بسبب انحسار العبرية الكتابيّة، والتلمود، وهو موسوعة تجمع تراث جدل الأحبار في قضايا التشريع والأخلاق والتاريخ وغير ذلك مما هو وثيق الصلة بحياة اليهود وتصوراتهم الدنيوية والأخروية.

المرجع الثالث هو المصادر النصرانية – خارج العهد الجديد -، وتتمثل هذه الوثائق التاريخيّة في مجموعة من الأناجيل غير المعترف بها، والكتابات الدينية التي تزعم تأريخها للأسرة المقدسة.

غايات الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأغراض العلميّة، أهمّها:

إفادة القارئ العربي بما يعينه على رسم صورة عامة لما كتبه المستشرقون والمنصّرون في دعوى الاقتباس القرآني من أسفار أهل الكتاب.

البحث في السيرة النبوية والبيئة العربية في القرن السابع، وما تتيحه من قدرة على الاطلاع على أخبار أهل الكتاب كما جاءت في القرآن.

عرض دعوى الاقتباس على محك حقائق التاريخ، ببيان حقيقة هذه المصادر المزعومة، والمقارنة بين الخبر القرآني وأخبار هذه الأسفار.

دراسة دعوى اقتباس الكتاب المقدس من أخبار السابقين: أخبار الأمم الوثنية والحضارة اليونانية، والأسفار الدينية النصرانية التي تنكر الكنيسة اليوم ربانيتها.

مصادر الدراسة

المادة الأساسية التي تتناولها هذه الدراسة بالبحث ذات طابع تاريخي.

خطة الدراسة

يتناول الباب الأوّل بالدراسة الأوجه المحتملة لإدراك نبي الإسلام ﷺ لخبر أهل الكتاب لبثه في آيات القرآن، وهي احتمالات لا تخرج عن صورة تعلّم النبي ﷺ أخبار الكتابيين مباشرة عن كتبهم المقدسة، أو تلقيه ما فيها من خبر وأمر ونهي عن أفواه أهل الكتاب، إذا تعذّر سبيل الدراسة المباشرة.

يقتضي بحث احتمال الدراسة المباشرة النظر في دعوى أميّة الرسول ﷺ ووجود ترجمة عربية للكتاب المقدس؛ إذ تنتقض دعوى الاطلاع على هذه الأسفار إذا ثبتت هذه الأميّة، أو انتفى وجود ترجمة عربية دانية.

ثم تتناول الدراسة كل الصور المحتملة لتلقي نبي الإسلام لخبر الأولين عمّن يملكون ذلك من أهل الكتاب، سواء في العصر المكي أو العصر المدنيّ.

يبحث الباب الثاني في الأسفار اليهودية والنصرانية – خارج الكتاب المقدس – التي شاع في كتابات المستشرقين والمنصّرين أنها أصل عقائد القرآن وقصصه وأحكامه، ويتناول دعوى الاقتباس بالنظر في إمكانها تاريخيًا، وذلك ببحث السبق التاريخي للأسفار القديمة، وحقيقة التشابهات المدّعاة، وحجّيّة التشابهات لنقض ربّانية القرآن.

وأمّا الباب الأخير فيتضمّن عرض نفس الاعتراض، ولكن بامتحان الكتاب المقدس النصراني، وبحث تأثره بمصادر بشريّة تخالف طبيعة الوحي الإلهي، مع دراسة تأثر الكنيسة وأسفارها المقدسة بالعقائد البشريّة القديمة، الوثنية منها خاصة.

ربّ اشرح لي صدري .. ويسّر لي أمري .. واحلل عقدة من لساني؛ يفقهوا قولي!

اللهم لا تحرمنا أجر هذا الكتاب، واجعله شفيعًا في القبر وعند العرض..!

ربّ اغفر لي حظّ النفس منه!

الباب الأول: خبر الأوّلين بين العلم والتعليم

لا يُنال العلم إلا بالتعلّم، وسبيل العلم بالأخبار النظرُ في المكتوب منها، أو طلبه من أفواه أهلها أو العالمين بها، ولا يبقى بعد ذلك غير ما ينطبع في القلب من علم إلهي على تعدد صوره.

محمد ﷺ كان يقرأ، بل هو صاحب مطالعات دينيّة جمّة!

كانت بلاد العرب تعيش ثقافة كتابيّة مزدهرة!

استفاد محمد ﷺ من رؤوس الطوائف الدينيّة في زمانه، آخذا عنهم كثيرًا من المعارف الدينية الدقيقة!

عكف محمد ﷺ على مراجعة أسفار أهل الكتاب؛ بحذف أخطائها، وتبرير قصصها!

فإننا سنناقشها كلّها بعد أن نردّها إلى أصولها الثلاثة:

إنكار أميّة محمد ﷺ.

الأسفار النصرانية كانت متاحة بين يدي محمد ﷺ للنقل عنها.

كانت مكة مرتعًا تعليميًا راقيًا للدراسات الدينيّة المقارنة.

الفصل الأول: أُمِّيَّة الرسول ﷺ

ويعتبر التأكيد الإسلامي على أميّة الرسول ﷺ عقبة تقف دونها ركائب المنصّرين وعامة المستشرقين، فلا يمكن أن تعبر إلى إثبات الدعوى، إلا بإبطال حقيقة هذه الأميّة!

وأوّل ما يواجه المنصّرين والمستشرقين في هذا الشأن هو أنّ مصنفات الحديث والسيرة بالإضافة إلى القرآن الكريم، هي المصادر التاريخيّة الوحيدة المعتبرة لمعرفة خبر محمد ﷺ فيما يتعلّق بكلّ أمره ..

ويتركون في مقابل ذلك نصوصًا صريحة، صحيحة، محكمة، مباشرة.

لقد جاء أمر نسبة الرسول ﷺ إلى الأميّة في الكتاب والسنة في مواضع عدة، والمنصّرون ومن شايعهم من المستشرقين يعمدون أمام هذه النصوص إلى أحد نهجين:

أ- ردّ النصوص واعتبارها افتعالا إسلاميًا لا حقيقة تاريخيّة!

ب- قبول مجمل النصوص التاريخية (الإسلاميّة)، ولكن مع رفض مضمونها المباشر، وإنما استنطاقها خارج الحقل الدلالي النبوي، والأثري عامة.

المطلب الأول: شهادة اللغة

وفيما يتعلّق بمبحثنا هنا، نلاحظ ربط الكتابات الاستشراقيّة / التنصيريّة بين الكلمة القرآنيّة أُمّي والكلمة الكتابيّة أُممي ؛

ولسنا نجد هذا المعنى في وصف الرسول ﷺ نفسه أو وصف القرآن له، وإنّما قد وضع وصف الأميين للعرب باعتبارهم أمّة لا تعرف الحق والهدى:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].

﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20].

موسوعته: موسوعة الإسلام الموجزة (The Concise Encyclopedia of Islam) بقوله في مقالة (أمي): لقب للنبي. رغم أنّ كلمة أمي قد فهمت من المسلمين على أنّها تشير إلى أنّ النبي كان أميًا، فإنّ بعض النقّاد الغربيين نازعوا في إتيمولوجيّة الكلمة لزعمهم أنّها تعني (gentile) وذلك بربط كلمة أمي بكلمة أمّة، ويقولون إنّ ذلك بسبب أن محمدًا قد دعا إلى الوحي الإبراهيمي الـ (gentiles) أو غير اليهود. إنّ كلمة أمّة لا تعني بالمعنى العبري لكلمة (جوي)، وليس الإسلام ديانة منبثقة من اليهوديّة، بخلاف المسيحيّة… وليس فهم المسلمين لكلمة أمي كفهم المستشرقين لها .

(1) كيرلس جلاسي (ولد سنة 1944م): مستشرق أمريكي من أصل روسي. اهتدى إلى الإسلام في شبابه. تخرّج في كليّة كولومبيا. درّس مقارنة الأديان في العديد من البلاد (نيويورك، وموسكو، ولاهور…).

(2) Cyril Glasse, The Concise Encyclopedia of Islam, San Francisco: Harper and Row, 1989, p.409.

(3) إتيمولوجيا Etymology: لغة: نتاج إدغام كلمتين يونانيتين: (Etuos) أي (حقيقة)، و (logos) أي (خطاب/كلمة)… اصطلاحًا: نسق علمي تاريخي في اللسانيات لدراسة أصول الكلمات يعتمد أساسًا على ملاحظة التطوّر الصوتي للكلمات في اللغات المختلفة ودلالاتها.

(4) فيلولوجيا Philology: لغة: نتاج إدغام كلمتين يونانيتين: (philo) أي (حب)، و (logos) أي (خطاب/كلمة)… اصطلاحًا: علم يهتم بدراسة اللغة من ناحية تاريخيّة انطلاقا من النصوص المكتوبة بالنظر إلى التعبير اللساني شكلا ومضمونًا. (وهذا من أوسع التعريفات).

قال ابن منظور : معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أمّه، أي لا يكتب فهو أمي لأن الكتابة مكتسبة؛ فكأنه نسب إلى ما يولد عليه أي على ما ولدته أمه عليه .

(1) ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، د.ت، 34 / 12.

وقال أبو حيان : الأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب، أي لا يحسن الكتب فيطالعوا التوراة ويتحقّقوا ما فيها .

(2) أبو حيان، تفسير البحر المحيط، بيروت: دار الكتب العلميّة، 1422هـ 2001م، 442 /1.

أما ابن قتيبة فقد نسب كلمة أمي إلى أمة العرب التي لم تكن تقرأ أو تكتب، فقال: قيل لمن لا يكتب أميّ، لأنه نسب إلى أمّة العرب أي جماعتها، ولم يكن من يكتب من العرب إلا قليل؛ فنسب من لا يكتب إلى الأمّة… .

(3) ابن قتيبة، غريب الحديث، ت/ عبد اللّٰه الجبوري، بغداد: مطبعة العاني، 1397هـ 384 /1.

ومن الشهادات المبكّرة في تفسير معنى كلمة أميّ ؛ قول المؤرّخ محمد بن إسحاق بن يسار المديني (ت 151 هجرية) صاحب السيرة النبوية المشهورة: كانت العرب أميين لا يدرسون كتابًا، ولا يعرفون من الرسل عهدًا ،

(4) ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ت/ محمد حميد اللّه، معهد الدراسات والأبحاث، د.ت، 62 /2.

وقول الحافظ يحيى بن معين (ت 223 هجرية): كان جعفر بن برقان أميًا، لا يكتب ولا يقرأ ، وقال أيضًا: كان أبو عوانة أميا يستعين بإنسان يكتب له .

(5) ابن معين، تاريخ ابن معين، رواية الدوري، دمشق: دار المأمون للتراث، 1400هـ، 419 /3.

لقد كانت كلمة أميّ بين أهل اللسان العربي مرادفة للعجز عن القراءة والكتابة، وكان العرب (أميّين) لغلبة الجهل بالقراءة والكتابة عليهم.

المطلب الثاني: شهادة القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].

تنفي هذه الآية الشريفة المحكمة عن الرسول ﷺ دراسة أسفار أهل الكتاب، كما تنفي عنه نسخ هذه الكتب – وبدلالة التضمّن: تداولها -؛ وفي هذا ردّ صريح مباشر على الزعم أنّ الرسول ﷺ كان على علم واطلاع عميقين بأسفار القوم!

وتؤيّد آيات أخرى علم أهل مكة بعدم دراية محمد ﷺ بأسفار أهل الكتاب، كقوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]، وقوله: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16].

يقول الإمام النحاس : ذلك دليل على نبوته، لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب؛ فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم وزالت الريبة والشك .

(4) الشوكاني، فتح القدير، بيروت: دار الفكر، د.ت، 207 /4.

المطلب الثالث: شهادة السنّة

وقد كانت المرحلة المدنيّة من الدعوة متميّزة بالحاجة إلى الكتابة بصورة خاصة، مع ظهور مراسلات الملوك، وتنظيم الجيش، والدولة، حتى إنّه كان للرسول ﷺ واحدٌ وستون كاتبًا، ومع ذلك لم تظهر في هذه المرحلة (المعرفة المزعومة) للرسول ﷺ بالقراءة والكتابة.

(1) حقّق أمر هذا العدد من الكُتّاب، الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه كتّاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم (انظر محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسيّة للعهد النبوي والخلافة الراشدة، بيروت: دار النفائس، ط6، 1407هـ، 1987م، ص آ).

وهل التعلّم يكون من غير معلّم؟ فأين سيرة من علّم الرسول ﷺ في أخبار الصحابة عن نبيّهم، وقد عُلِم أنّهم كانوا يعظّمون كلّ أمره، ويبجّلون كلّ من كان عظيم الصلّة به؟ أليس معلّم الرسول ﷺ أحرى الناس بالتعظيم؟!

والأمر كما قالت المستشرقة كارن أرمسترونج (2) (Karen Armstrong): يبدو أنّه من الانحراف في الرأي تحدّي التراث الإسلامي التفسيريّ لكلمة (أمّي). لا توجد أيّة إشارة في المصادر الأولى إلى ممارسة محمّد للقراءة أو الكتابة. كان محمد يملي كلامه على غيره، كَعَلِي المتعلّم، إذا ما أراد إرسال رسالة. إنّها لخدعة كبيرة أن يكون محمد قد أخفى طوال حياته قدرته على القراءة والكتابة، بعيدًا عن أنّ ذلك ليس من الأمور المعهودة، فإنّه يبدو من العسير جدًا المحافظة على هذا الغش؛ نظرًا للتقارب الشديد في المعيشة بين محمد وقومه (3).

(2) كارن أرمسترونج (ولدت سنة 1944م): كاتبة بريطانيّة لها عناية بالحضارات الشرقيّة والأديان الكبرى. تعتبر عامة كتبها من أهم المؤلفات مبيعًا في الغرب.

(3) Karen Armstrong, Muhammad: a biography of the prophet, New York: HarperCollins, 1993, p.88.

وقد أقرّ بأميّة الرسول ﷺ عدد من المستشرقين مثل: مرتشي (1) (Marracci)، و جروك (2) (Gerock)، و أوكلي (3) (Ockley)، و بريدو (4) (Prideaux)، و أرمون-بيير كوسن دو برسفال (5) (Armand-Pierre Caussin de Perceval)، و ج. م. أرنولد (6) (J. M. Arnold)، و إدوارد بالمر (7) (Palmer)(8).

(1) لودفيجيو مرتشي (1612م-1700م): قسيس كاثوليكي إيطالي. درس اللغة العربيّة في جامعة سابينزا بروما. ترجم القرآن الكريم إلى اللاتينيّة. صاحب نزعة عدوانيّة اتجاه الإسلام.

(2) ك. ف. جروك: مستشرق. صاحب كتاب “Versuch einer Darstellung der Christologie des Koran” في التصوّر القرآني لطبيعة المسيح.

(3) سيمون أوكلي (1678م – 1720م): مستشرق بريطاني. درّس اللغة العربية في جامعة كمبردج. اشتهر بكتابه The History of the Saracen Empires.

(4) همفري بريدو (1648م – 1724م): ناقد وأستاذ دين. ألف كتاب حياة محمد “Life of Mahomet“، وهو مؤلف مشحون بالافتراء والطعن.

(5) أرمون-بير كوسن دو برسفال (1795م – 1871م): مستشرق فرنسي. درّس اللغة العربيّة في كوليج دو فرنس . أشهر مؤلفاته: بحث عن تاريخ العرب قبل الإسلام وأثناء عصر محمد “Essai sur l’histoire des Arabes avant l’Islamisme, pendant l’ poque de Mahomet“.

(6) ج.م. أرنولد (توفي 1882م): منصّر أنجليكاني.

(7) إدوارد هنري بالمر (1840م- 1882م): مستشرق بريطاني. درس اللغة العربيّة في جامعة كمبردج. تعتبر ترجمته الإنجليزية للقرآن الكريم أشهر أعماله.

(8) See Samuel Marinus Zwemer, The Muslim Doctrine of God: an essay on the character and attributes of Allah according to the Koran and Orthodox tradition, New York: Young People’s Missionary Movement, 1905, p.92.

شهادة الرسول ﷺ: قال الرسول ﷺ: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب .

(9) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلّى اله عليه وسلّم: لا نكتب ولا نحسب، ح/ (1913)، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، ح/ (1080).

اتخاذ الرسول ﷺ كُتّابًا للوحي ولشؤونه الأخرى: كان للرسول ﷺ عدّة كتاب (كأبي بكر)، و(عمر)، و(عثمان)، و(علي)، و(زيد)، و(معاوية) -رضي اللّٰه عنهم- يكتبون الوحي، ويكتبون العهود، ويكتبون كُتُبه إلى مَن بعثه اللّٰه إليهم مِن ملوك الأرض ورؤوس الطوائف، وإلى عُمّاله، وولاته، وسعاته، ولم يذكر التاريخ الصادق أن النبي ﷺ قام بكتابة الوحي بنفسه، أو أنّه تولّى كتابة أيّ من رسائله.

الاصطلاح في البيئة العربية زمن البعثة النبوية: قال المؤرّخ ابن خلدون : إنّ الكتابة في العرب كانت أعزّ من بيض الأنوق، وإنّ أكثرهم كانوا أميين، ولاسيما سكّان البادية، لأنّ هذه الصناعة من الصنائع التابعة للعمران .

(1) أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، الردّ الشافي الوافر على من نفى أميّة سيّد الأوائل والأواخر، ضمن مجموعة الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي رحمه الله، قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، 1428هـ، 2007م، 248 / 6.

حجم المعرفة العلميّة المشترطة: إنّ دفع الأميّة عن الرسول ﷺ لا يجدي – في حقيقته – المنصرين والمستشرقين في شيء؛ لأنّ العلم بخط الحروف ورصف الكلمات لا يثبت شيئًا من دعاوى الاقتباس؛ إذ إنّ إثبات علم الرسول بدقائق الأسفار المقدّسة السابقة لا يستقيم إلا بإثبات (ثقافة موسوعية) للرسول في أسفار أهل الكتاب وعقائدهم وفرقهم ولغاتهم ..

إنّ التاريخ يخبرنا أنّ ذاك الزمان لم يعرف رجلا من أهل الكتاب أنفسهم، يحمل هذه العلوم الجمّة، بسعتها ودقتها وتلوّنها!

المطلب الرابع: شبهة من حديث صلح الحديبية

فإن العرب كانت تنسب الفعل إلى الرجل إذا كان قد جاء به من ائتمر بأمره فيه؛ من ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه أنّ النبي ﷺ اتخذ خاتما من فضّة، نقشه محمد رسول الله (1)، ومعلوم أنّ الرسول ﷺ لم يباشر ذلك بنفسه، وإنما باشره غيره بطلبه له.

(1) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب نقش الخاتم، ح/ (5872)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب في اتخاذ النبي صلّى الله عليه وسلم خاتمًا لما أراد أن يكتب إلى العجم، ح/ (2092).

ثانيًا: جاءت الرواية عن البراء في صحيح ابن حبان مصرّحة أنّ الرسول كان آمرًا بالكتابة لا مباشرًا لها: فأخذ رسول اللّٰه ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فأمر فكتب مكان رسول اللّٰه محمدًا، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله .

ثالثًا: روى هذا الحديث المسور بن مخرمة ، و مروان ، و أنس بن مالك رضي اللّٰه عنهم أجمعين، واتفقت تلك الروايات كلها على أمر النبي ﷺ لعلي بالكتابة، فقد روى البخاري عن المسور بن مخرمة و مروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: .. فقال النبي ﷺ والله إني لرسول اللّٰه وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله ، وكذلك قال أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه في صحيح مسلم ما نصّه: فقال النبي ﷺ اكتب من محمد بن عبد الله .

رابعًا: جاء في رواية البخاري أن الرسول قد قال: أرنيه ؛ وفي ذلك دلالة على أنه لم يكن يعرف القراءة، فكيف سيجيد الكتابة؛ إذ إنّ من لا يقرأ لا يكتب؟!

خامسًا: نفس الحديث الذي يحتجّ به المنكرون لأميّة الرسول ﷺ قد جاء فيه قول الراوي: وليس يحسن يكتب ؛ وهو مُثبت -بدلالة قاطعة- لأميّة الرسول ﷺ.

وقال الإمام ابن حجر : على تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة ويخرج عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات، ويحسن وضعها وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّا ككثير من الملوك . ابن حجر، فتح الباري، 504 / 7.

أمّا عامة الأحاديث الأخرى التي استُدل بها لردّ أميّة الرسول ﷺ، فهي لا تصحّ، قال الإمام ابن حجر بعد أن أوردها: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث . ابن حجر، فتح الباري، 504 – 503 / 7.

المطلب الخامس: وقفات مع دعاوى زويمر

(1) صاموئيل زويمر (1867م – 1952م): منصّر أمريكي. مؤسس العمل التنصيري البروتستانتي في العالم الإسلامي، في صورته الحديثة. عمل في التنصير في عدد من البلاد الإسلاميّة. له عدد كبير من المؤلفات -كتب ومقالات- حول الإسلام وتنصير المسلمين. درّس تاريخ الأديان في Princeton Theological Seminary.

صدر هذا المقال في مجلة العالم الإسلامي سنة 1921م، ورغم قِدمه إلا أنّه لم يستجد عند المستشرقين بعده جديد في هذا الموضوع؛

القاعدة: القول السائد عند أهل السنّة هو إثبات أن الرسول قد مات أميًا؛ ومن خالف من أهل العلم -وهم قلّة شاذة- فإنّهم لم يثبتوا ما تُوهمه عبارة زويمر من أنّ الرسول ﷺ كان يحسن القراءة والكتابة من أوّل أمره، وإنما قالوا إنّه اكتسب القراءة والكتابة في آخر سنيّ عمره، وكانوا في ذلك على قولين؛ (الأول) أنّه اكتسب ذلك بالطريق البشري المألوف، و(الثاني) أنّه اكتسب ذلك على سبيل الخارقة دون جهد تعلّم(1)؛ والحجّة الأساسيّة لأصحاب هذين القولين هي حديث الحديبيّة.

(1) انظر في عرض هذين القولين؛ قحطان الدروي، أميّة الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1417هـ 1996م، ص 61 – 33.

إثبات معنى (الأمي) بأنه من كان من مكة أم القرى يعارضه القرآن الكريم إذ يقول:

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 75-78]

هو وصف لفريق من اليهود بأنهم أميين على خلاف الطائفة الأخرى من اليهود التي أوتيت العلم(2)، كما أنّ هذه الآية ترد على الذين يقولون إنّ الأميّين هم من كانوا من غير أمة إسرائيل .

(2) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، د.ت، 573 / 1.

والأمر أشدّ نكارة مع هوار ؛ إذ ليس له في هذا الشأن غير بحثه حول المصدر الجديد للقرآن الكريم الذي هو – في رأيه – شعر أميّة بن أبي الصلت ! وهي دعوى لم يستحلّها – بل لم تخطر على ذهن – أشدّ العرب بغضّا للرسول ﷺ ولم يدّعها!

ليس بإمكاننا أن نخالف قول زويمر : عان صعود الإسلام -بلا شك- على انتشار المعرفة بالكتابة، لكنّه لم ينشئها ، لكنّ ذلك لا يغيّر من الأمر شيئًا لأننا نخالفه في أميّة الرسول ﷺ عينه، وانتشار الأميّة في أهل مكّة أيام الجاهليّة.

أصل أميّة العرب لا ينقضه أن يحسن بعض الأفراد القراءة والكتابة.

لم يمارس الرسول ﷺ التجارة إلاّ لفترة قصيرة، ولم يثبت لنا من طريق واضح أنّ التجارة التي مارسها الرسول ﷺ كانت تحتاج معرفة بالقراءة والكتابة، بل لم يثبت لنا من النظر التاريخي أنّ التجارة التي كان يمارسها أهل مكّة في الداخل والخارج كانت تقتضي تعلّم القراءة والكتابة.

إذا كان الرسول ﷺ قد توفي ولـ عائشة رضي اللّٰه عنها من العمر 18 سنة؛ فمتى تعلّم منها، وقد بدأ نزول القرآن الكريم قبل ولادتها بخمس سنوات؟!

ومتى تعلّم من حفصة رضي اللّٰه عنها، وقد تزوّجها في السنة الثالثة للهجرة، كما أنّها – رضوان اللّٰه عليها – لم تدّع ذلك، ولم ينسب ذلك أحد إليها مع قيام مقتضيه عند المخالفين، ولم يرد ذلك في أي من الروايات الصحيحة أو الضعيفة أو الموضوعة؟!

وأمّا قصّة إسلام عمر رضي اللّٰه عنه المشهورة، والتي فيها أنه دخل على أخته وزوجها وأحد الصحابة، وكانت عندهم صحيفة فيها سورة طه، وأنّه ضرب زوج أخته، ثم ندم وأراد أن يقرأ من الصحيفة، فرفضت أخته لأنه مشرك نجس إلا أن يتطهّر؛ ولما تطهّر وقرأها ذهب إلى الرسول ﷺ وأسلم، فهي قصة ضعيفة الإسناد لا تصحّ(3).

(3) ضعّف الرواية الإمام ابن حجر ، قال: وهي منكرة جدًا ، لسان الميزان، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، بيروت: دار البشائر، 1423هـ، 376 /6، 2002.

نقل زويمر خلاصة دراسة نولدكه ؛ وهي أنّ: (1) الرسول ﷺ كان يخادع قومه موهمًا إياهم أنه لا يقرأ ولا يكتب، بل وكان يجعل كتّابه يقرؤون ما تأتيه من مراسلات، لنفس الغرض! (2) لم يُتح للرسول ﷺ الاطلاع على الأسفار المقدسة للنصارى. (3) استعمل الرسول ﷺ التراث اليهودي-النصراني الشفهي المتداول بين قومه.

الزعم أنّ الرسول ﷺ كان يخادع قومه؛ موهمًا إياهم أنه أميّ لا يحسن القراءة والكتابة، لا يستند إلى دليل نقلي، ولا يركن إلى اشتباه عقلي.

السؤال (الجاد) هو: هل في السيرة ما يفتح الباب للقول إنّ الرسول ﷺ كان يخفي عن أصحابه تمكّنه من القراءة والكتابة؟ الإجابة: ليس في السيرة شيء من ذلك!

ما قيمة كلّ ما سرده (زويمر) من (أدلّة) لصالح الزعم أنّ الرسول ﷺ كان يحسن القراءة والكتابة، ويفعلهما بمحضر من أصحابه، إذا كان الرسول ﷺ (مع ذلك) يخفي علمه بالقراءة والكتابة عن أصحابه؟!

الآية التي نقلها زويمر هي نفسها ترد على دعواه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 4-5]، إنّ هذه الآية لم تنسب إلى الرسول ﷺ إتقان القراءة، فضلاً عن أن تنسبه إلى إجادة الكتابة؛ إذ هي تخبرنا أنّ المشركين قد قالوا إنّ الرسول ﷺ قد (اكتتب) ما أورده في قرآنه؛ فهو لم يكتبه، وإنّما كُتب له.

كما أنّ آية سورة النحل لا علاقة لها بتهمة معرفة الرسول ﷺ القراءة والكتابة؛ فإنّ التهمة في هذه الآية قائمة على الزعم أنّ الرسول ﷺ كان (يسمع) أو (يستمع) إلى أعجمي يرطن بلغته، وليس فيها نسبته إلى القراءة أو الكتابة.

قول الرسول ﷺ عند مرضه الذي قبض فيه: هلمّ أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده ، صحيحٌ، مخرّج في الصحيحين وغيرهما، وفي نفس الحديث أنّ الرسول ﷺ لم يكتب شيئًا لكثرة اللغط من الصحابة رضوان اللّٰه عليهم حوله. وقد أورد زويمر نفسه الرد الأمثل على هذه الشبهة بما نقله عن المستشرق نولدكه في قوله: إنّ كلمة اكتب عند العرب تستعمل أحيانًا بمعنى أملى ، ولا شكّ أنّ هذا هو المعنى الصحيح بدلالة سيرة النبي ﷺ حيث ثبت أنه كتب إلى الملوك، مع إيراد مؤلفات السيرة نفسها أنّه كان للرسول ﷺ كتّاب يكتبون له مراسلاته.

يبدو أنّ القشة التي تعلق بها هيرشفيلد هي فعل قرأ الذي يزعم أنه نفسه في حادثة بدء الوحي اقرأ .

إنّ الصلة السياقية واللغوية منعدمة بين سفر التكوين وحادثة بدء الوحي، فضلا عن أنّ الرسول ﷺ لم يقرأ سفر التكوين في شكله العبري، ولا حتى العربي، وهو ما يجعل هذا الاستدلال -بحق- من الإسفاف الاستشراقي في أجلى سفوره!

القول إنّ رسول اللّٰه ﷺ قد قال لجبريل عليه السلام: ما أنا بقارئ ، بمعنى أنّه ليس بصدد القراءة، لما قال له: اقرأ ، لا معنى له البتة في سياق ذلك الحوار؛ فالسياق حجّة في كشف دلالة اللفظ!

ختم زويمر مقاله بقوله: بالنظر في الأدلة المعروضة سابقًا؛ يبقى هناك شيء من الشك حول ما إذا كان بإمكان محمد أن يقرأ ويكتب (2)، وذاك إقرار منه أنّ التسليم بمقدماته -على ضعفها- لا ينتهي إلى الجزم بغاية ما أراده من المقال.

(2) Samuel Zwemer, ‘The ‘Illiterate’ Prophet, Could Mohammed Read and Write?,’ in The Moslem World, V.11, October, 1921, No.4, p. 363.

الفصل الثاني: هل كان الكتاب المُقدَّس مُعرّبًا زمن البعثة النبويّة؟

المطلب الأول: شهادة القرآن الكريم والسيرة النبويّة

إنّ أهل مكّة لما ضاقت عليهم الحيل، وسُدّت أمامهم فُرَج التشكيك؛ زعموا أنّ فتى أعجميًا هو الذي كان يعلّم محمدًا ﷺ ما كان يدعو إليه غيره!

كما أنه يفهم بصورة قاطعة من الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، أنّ العرب لم يعرفوا نصًا عربيًا لأسفار اليهود ..، فقد قال أبو هريرة -رضي اللّٰه عنه- متحدثا عن مصدر اطّلاع المسلمين أصحاب اللسان العربي زمن البعثة النبوية على مضمون (التوراة): كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام؛ فقال رسول اللّٰه ﷺ: لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا .

(1) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، ح (4485).

روى البخاري في صحيحه، في كتاب قول النبي ﷺ لا تسألوا أهل الكتاب ، عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما قال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ .

(1) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لاَ يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنِ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِهَا، ح/ (2685).

ولو أنّ مضمون أسفار أهل الكتاب كان متاحًا بين يدي العرب باللغة العربيّة؛ لما احتاج العرب إلى أن يسألوا أهل الكتاب؟!

ويفهم من قوله تعالى عن اليهود: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76]، أنّ اليهود يعلمون ألاّ سبيل للمسلمين لمعرفة ما جاء في الكتب اليهودية إلاّ ما أخبروهم به، وهو المعنى الذي أقرّ به الحبر اليهودي جايجر (3).

(3) A. Geiger, Judaism And Islam, New York: Ktav Publishing House Inc, 1970, p. 17.

ويكشف قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78] أنّ اليهود لما كانوا يلوون ألسنتهم أثناء ذكرهم بعض الخبر الديني إيهامًا أنّ قولهم هذا نقل لما جاء في الأسفار المقدسة، كان المسلمون في عجز عن مراجعة الأسفار لمعرفة صحة النقل عنها، وكان اليهود مطمئنين ألّا سبيل للمسلمين إلى هذه الأسفار، وما ذلك إلا لأنّ أسفار أهل الكتاب لم تكن متاحة بلغة العرب.

ويحتج كثير من المنصّرين -دون عامة المستشرقين-، لإثبات وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس في مكة بما أخرجه الإمام مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي اللّٰه عنها في حديث بدء الوحي الطويل، فقد جاء فيه أنّ ورقة بن نوفل كان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللّٰه أن يكتب ..، وجاءت الرواية في البخاري عن عقيل عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي اللّٰه عنها: وكان يكتب الكتاب العبراني؛ فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّٰه أن يكتب .

سئل أبو حاتم الرازي : عقيل بن خالد أحبّ إليك أم يونس؟ فقال: عقيل أحب إلي من يونس، وعقيل لا بأس به …، سئل أبي عن عقيل ومعمر، أيهما أثبت؟ فقال: عقيل أثبت؛ كان صاحب كتاب (1). وهذا ما يرجّح كفّ عقيل ، خاصة أنه كان يروي من كتابه لا من حفظه؛ فتكون رواية العربيّة شاذة؛ لأنّ راويها وإن كان ثقة، إلاّ أنه خالف من هو أوثق منه.

رواية يونس و معمر التي يتشبّث بها المنصّرون، تقول إنّ ورقة بن نوفل لم يكن يكتب بالعربيّة غير الإنجيل!

ووجود بعض النصوص المعرّبة ليس هو محلّ النزاع هنا، فقد يثبت وقد لا يثبت، وعلى فرض ثبوته لا يعدّ حجّة لوجود (ترجمة عربيّة للكتاب المقدس)؛ إذ المسافة هائلة بين (نصوص متفرقة فيها بعض الصلوات والمواعظ)، مستخرجة من الأسفار المقدسة، وبين (كتاب يضم نصوص أسفار العهدين بلغة العرب)!

الحكم على (ورقة) أنه أبيوني ليس عليه دليل قاطع، لكن بإمكاننا أن نستشف من خلال رد فعله لما التقاه رسول اللّٰه ﷺ أنه لا يحمل تصور جمهور النصارى المتأخرين (الأرثوذكس)؛ بما يرجح أنه كان ينتمي إلى فرقة تعتبر عند الأرثوذكس مهرطقة!

علمًا أنّ إثبات أبيونيّة ورقة يزيد رواية عقيل بن خالد وضوحًا؛ إذ إنّ الأبيونيين -كما يقول قديس الكنيسة إبيفانيوس- كانوا يتبنون إنجيلا باللغة العبريّة؛ فيكون ورقة يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّٰه أن يكتب ، كما في رواية عقيل ، أي: يستنسخ من نصوص الإنجيل العبري، نسخًا أخرى عبريّة – فعلى هذا المعنى يكون معنى (يكتب): (ينسخ) لا (يعرب) -.

لماذا لم يقل كفار مكة للرسول ﷺ إنك قد أخذت من (ورقة) أخبار أهل الكتاب معرّبة، واكتفوا بنسبة هذا التعليم إلى فتى أعجمي، إلا أن يكون قد أعوزهم برهان ذلك؟!

المطلب الثاني: شهادة الاستقراء التاريخي

ولعلّ أهمّ من كتب في موضوع تاريخ ترجمات الكتاب المقدس في لغات العالم، البحّاثة بروس متزجر (Bruce Metzger)(1)، أستاذ لغة العهد الجديد وآدابه، في كتابه المرجعي The Bible in Translation المتعلّق بصورة مباشرة بتاريخ ترجمات الكتاب المقدس؛ فقد قال في هذا الشأن: من الراجح أنّ أقدم التراجم (العربيّة) للكتاب المقدس تعود إلى القرن الثامن! (2).

(1) بروس متزجر (1914م- 2007م): أحد أئمة دراسات النقد النصي للعهد الجديد. له مؤلّفات متنوعة في موضوعات متعددة في الدراسات الأكاديميّة المتعلّقة بالعهد الجديد. شارك في إعداد أهم نص يوناني قياسي للعهد الجديد في القرن العشرين. كما شارك في تحرير العديد من الترجمات الإنجليزيّة للعهد الجديد والتعليق عليها. تعتبر مؤلفاته مراجع أساسيّة في الدراسات المتخصصة في الجامعات الغربيّة.

(2) Bruce Metzger, The Bible in Translation, Grand Rapids: Baker Academic, 2001, p. 46.

وخلص الباحث الإنجيلي المصري ألبرت إستيرو في خاتمة أطروحته للدكتوراه حول (الترجمة العربيّة) التي اعتمدها ابن قتيبة في اقتباساته من الكتاب المقدس: الاقتباسات الكتابيّة لعبد اللّٰه مسلم بن قتيبة ومصدرها: التحقيق في شأن أبكر الترجمات العربيّة للكتاب المقدس “Abdullah Muslim Ibn Qutayba’s Biblical Quotations and their Source: An inquiry into the earliest existing Arabic Bible Translations” إلى أنه: من المرجح جدًا أن ابن قتيبة قد اعتمد ترجمة عربية للكتاب المقدس في الفترة الأخيرة من الحكم الأموي – في بداية القرن الثامن (5).

(5) Albert Isteero, ‘Abdullah Muslim Ibn Qutayba’s Biblical Quotations and their Source: An inquiry into the earliest existing Arabic Bible Translations, p.236, manuscript.

الفرع الأول: الترجمة العربيّة للعهد القديم

ذكر الدكتور إيرا موريس برايس (Ira Maurice Price) -أستاذ اللغات الساميّة والآداب في جامعة شيكاغو- في كتابه الخاص باستقراء تاريخ مخطوطات الكتاب المقدس ونصوصها وترجماتها أن الفتح الإسلامي العربي لسوريا ومصر حيث تمّ تثبيت اللسان العربي هو الذي أوجد الحاجة لترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربيّة(2).

(2) See Ira Maurice Price, The Ancestry of Our English Bible, Philadelphia: The Sunday School Times Company, 1920, 7th edition, p.108.

ووافقته على ذلك موسوعة المسيحيّة (The Encyclopedia of Christianity) بقولها: إنّ الترجمات العربيّة تعود إلى الفترة الإسلاميّة (3).

(3) Geoffrey W. Bromiley, ed. The Encyclopedia of Christianity, Tr. Erwin Fahlbusch, Michigan: Wm. B. Eerdmans Publishing, 1999, p.242.

ولما تحدثت الموسوعة الكاثوليكيّة (The Catholic Encyclopedia) -طبعة سنة 1913م- عن التراجم العربيّة للكتاب المقدس، لم تُحدث ذِكرًا لترجمة قبل القرن العاشر؛ وإنّما جاء فيها أنّه: توجد ست أو سبع ترجمات لأجزاء من العهد القديم طبق الترجمة اليونانيّة السبعينيّة، بعضها يعود إلى القرن العاشر (4).

(4) The Catholic Encyclopedia, New York: The Universal Knowledge Foundation, INC.. 1913, 15/369.

وممّا يؤكد صدق هذه الشهادة، ما قاله المفسّر اليهودي ابن عزرا (توفي 1164م) في تعليقه على نص تكوين 11/2 من أنّ سعديا الفيومي قد ترجم الأسفار الخمسة لموسى إلى لغة إسماعيل وكتاباتهم ليظهر أنّها لا تضمّ أمورًا غير مفهومة (3).

(3) Hava Lazarus-Yafeh, Intertwined Worlds, medieval Islam and Bible criticism, New Jersey: Princeton University Press, 1992, pp.117.

وهو ما أقر به الدكتور القس صموئيل يوسف خليل في كتابه المدخل إلى العهد القديم بقوله: ولعل أهم هذه الترجمات المأخوذة من اللغة العبريّة هي التي قام بها سعاديا الجاؤون، وهو رجل يهودي متعلم ومثقف جدًا، كان رئيسًا للمدرسة اليهوديّة في سورا في بابل، ومات عام 942م (2).

(2) صموئيل يوسف خليل، المدخل إلى العهد القديم، القاهرة: دار الثقافة، 2005م، ط2، ص68.

الفرع الثاني: الترجمة العربيّة للعهد الجديد

قال الباحث النصراني المحافظ الشهير، والذي شغل منصب مدير المتحف البريطاني، فردريك ج. كنيون (Frederick G. Kenyon)، عند سرده للترجمات المتاحة للعهد الجديد: عدة ترجمات عربية يُعلم وجودها (اليوم)، بعضها ترجمات عن اليونانية، وبعضها عن السريانية، وبعضها عن القبطية، في حين أن ترجمات أخرى هي مراجعات قامت على بعض (تراجم) اللغات السابقة أو كلّها، لا ترجع أيّ منها إلى ما قبل القرن السابع، وربما لا توجد واحدة في ذاك الزمن المبكّر (1)

“Several Arabic versions are known to exist, some being translations from the Greek, some from Syriac, and some from Coptic, while others are revisions based upon some or all of these. None is earlier than the seventh century, perhaps none so early.” (Frederick G. Kenyon, Our Bible and The Ancient Manuscripts, London: Eyre and Spottiswoode, 1898, 3rd edition, p. 65)

وقد عدّد بروس متزجر في دراسته المعنونة بـ: ترجمات عربيّة مبكّرة للعهد الجديد (Early Arabic Versions of the New Testament) الشخصيات التي نُسب إليها القيام بأوّل تعريب لنصّ العهد الجديد:

1 – زعم ميخائيل السرياني (توفي سنة 1199م) في تاريخه أنّ (الأمير العربي) عمرو ابن الصحابي سعد بن أبي الوقاص -رضي اللّٰه عنه- قد طلب من البطريرك اليعقوبي يوحنا أن يعرّب الأناجيل من السريانيّة إلى العربيّة، على أن يحذف المواضع التي تشير إلى ألوهيّة المسيح والصلب والتعميد، ونظرًا لإصرار البطريرك يوحنا على رفض حذف ما طلب منه من نصوص الأناجيل؛ فقد تمّت الترجمة على يد مجموعة من الأساقفة، دون إقصاء أيّ من النصوص(2).

(2) See Bruce Metzger, ‘Early Arabic Versions of the New Testament,’ in Matthew Black and William A. Smalley, eds. On Language, Culture, and Religion: In Honor of Eugene A. Nida, Paris: Mouton, 1974, p.158.

2 – قام الأسقف الإسباني يوحنا الإشبيلي (John of Seville) في بداية القرن الثامن بترجمة الأناجيل من لاتينيّة الفولجاتا إلى العربيّة(3).

(3) انظر المصدر السابق، ص 159.

جاء في كتاب الفهرست لـ ابن النديم -ألّف سنة 987م- قوله: إنّ رجلا اسمه أحمد بن عبد اللّٰه بن سلام مولى الخليفة هارون الرشيد قد عرّب التوراة والإنجيل(1).

(1) ابن النديم، الفهرست، بيروت: دار المعارف، د.ت، ص 33- 32.

الفرع الثالث: تقويم هذا التراث

مخالفة ذلك للشرع الذي منع من النظر في كتب أهل الكتاب لغير نقضها، وإثبات دلالة بعض ما فيها على ربّانيّة الإسلام(3).

(3) قال البهوتي في كشاف القناع (بيروت: دار الفكر، 1402هـ، 434 / 1): لا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب …، ولا النظر في كتب أهل البدع، ولا النظر في الكتب المشتملة على الحق والباطل، ولا روايتها، لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد . وقد نصّ أهل العلم على إباحة النظر في هذه الكتب لنقضها، لا للاستدلال بها.

النتيجة: إنّ الباحث لا يمكنه أن يستخرج من المستندات التاريخيّة دليلًا على سبق الترجمة العربيّة للعهد الجديد، للبعثة النبويّة، فالدلائل المتاحة كلّها متأخّرة عن ذلك، وليس أمام المستقصي إلاّ أن يقبل ما ورد فيها، أو أن يردّها، ليتأخّر بذلك الزمن المقترح لظهور هذه الترجمة.

وممّا يلفت الانتباه، إقرار عدد من خصوم الإسلام غياب ترجمة عربيّة للعهد الجديد حتّى القرن السابع؛ ومن هؤلاء تسديل الذي يعتبر أشهر من كتب في زعم الاقتباس، إذ قد قال في كتابه المصادر الأصليّة للقرآن (The Original Sources of the Qur’an): يبدو أنه لا توجد حجّة مُرضيّة على وجود ترجمة عربيّة للعهد الجديد في زمن محمد (4).

“There seems to be no satisfactory proof that an Arabic version of the New Testament existed in Muhammad’s time“

(4) St. Tisdall, The Original Sources of the Qur’an, London: Society For The Promotion Of Christian Knowledge, 1911, p. 140.

المطلب الثالث: شهادة مخطوطات الكتاب المقدس

الفرع الأول: مخطوطات العهد القديم

رصيد الترجمات العربيّة كان شديد الضعف رغم أنّ اليهود قد عاشوا أفضل مراحل تاريخهم العلمي في أحضان الدولة الإسلاميّة التي تأسست زمن البعثة النبويّة، حيث أنشؤوا أكبر مدارسهم، وظهرت فيهم حماسة كبيرة للتأليف الديني.

ومن الملاحظات الهامة حول ترجمة سعديا أنها كانت باللغة العربيّة لكن بالحرف العبري، وقد انتشرت على تلك الصورة، وإن كانت ظهرت أيضًا بصورة أقل بالحرف العربي؛ وفي ذلك بيان لانحسار المعارف الكتابيّة في حدود أهلها، وما يحتاجه انتقالها إلى غيرهم من وقت بطيء وجهد طويل.

الفرع الثاني: مخطوطات العهد الجديد

قال ف. س. بوركت (F. C. Burkitt) في مقاله عن الترجمة العربيّة للعهد الجديد ضمن المعجم الكتابي (Dictionary of the Bible): إنه من المرجوح بجد أن يكون أي تأليف أدبي مسيحي عربي يعود في قدمه إلى زمن محمد. كان هناك مسيحيون في المملكة العربيّة للغساسنة، شرق دمشق، وفي نجران جنوب البلاد العربيّة، لكن أن نحكم على تطوّر الكنيسة في تلك المناطق من خلال معلوماتنا التاريخيّة الهزيلة جدًا؛ فإننا نقول إنّ اللغة الكنسيّة كانت السريانيّة. لم تظهر الحاجة إلى ترجمات للأسفار المقدّسة بالعربية العاميّة إلاّ بعد نجاح القرآن في تحويل العربيّة إلى لغة أدبيّة، وتحويل غزوات الإسلام أجزاءَ كبيرة من سوريا ومصر المسيحيتين إلى مقاطعات متحدّثة باللغة العربيّة (1).

(1) F. C. Burkitt, ‘Arabic Versions,’ in James Hastings, eds. A Dictionary of the Bible, New York: C. Scribner’s sons, 1911, 1/136.

وقد بيّن سدني جريفث -بعد أبحاث طويلة- عدم وجود إنجيل عربي زمن البعثة النبويّة؛ فقال: إنّ أقدم نسخ مؤرخة معروفة للمخطوطات التي تحتوي ترجمات عربيّة للعهد الجديد؛ هي مجموعة دير القديسة كاترين في جبل سيناء، مخطوطة سيناء العربيّة رقم 151 تحتوي على نص ترجمة لرسائل بولس، وأعمال الرسل، والرسائل الكاثوليكيّة، إنّها أقدم مخطوطات مؤرخة للعهد الجديد. البيانات في نهاية هذه المخطوطة تخبرنا أنّ بِشْر بن السري قام بالتعريب من اللغة السريانيّة في دمشق في شهر رمضان للعام الهجري 253هـ، أي 867م (3).

(3) Sidney H Griffith, ‘The Gospel in Arabic: An Enquiry Into Its Appearance In The First Abbasid Century,’ in Oriens Christianus, 1985 Volume 69, p. 131-132.

أما أقدم مخطوطة مؤرّخة متاحة للأناجيل الأربعة؛ فالمشهور أنها مخطوطة سيناء العربية 72 وقد جاء في بيانات المخطوطة أنّها من إعداد (اسطفانا الرملي) سنة 283هـ، الموافق لسنة 897م. غير أنّه قد اكتشفت في دير سانت كاترين بسيناء سنة 1975م مجموعة من المخطوطات؛ جاء في نص إحداها…

وقد قدّم جرهارد بورنغ (Gerhard Bowering) خلاصة آخر الأبحاث الاستشراقية الحديثة في المصادر الكتابيّة للقرآن، بقوله: لا يوجد دليل على أنّ (محمّدًا) قد اعتمد على مواد أجنبيّة مكتوبة لصياغة القرآن، وحتّى ظهور حجّة على عكس ذلك؛ فعلينا أن نؤيّد القول إنّ المعلومات الشفهيّة كانت هي المرجع المباشر للقرآن (5).

(5) Gerhard Bowering, ‘Recent Research on the Construction of the Qur’an,’ in Gabriel Said Reynolds, ed., The Qur’an in its Historical Context, New York, Routledge, 2007, p. 83.

الفرع الثالث: الخلاصة

نخلص إلى:

غياب أيّ دليل مادي مباشر على وجود ترجمة عربيّة للكتاب المقدّس زمن البعثة النبويّة؛ وهو ما يشكّل حجّة ملموسة لا يمكن نقضها إلاّ بدليل يوازيها أو يفوقها!

غياب أي أثر لترجمة عربيّة في الموروث الديني والأدبي الجاهلي.

اعتماد أقدم الترجمات العربيّة لأسفار الكتاب المقدّس على أصول يونانية وسريانيّة وقبطيّة، يؤكّد غياب ترجمة عربيّة أقدم يستنسخ منها.

الفرع الرابع: وقفات مع أحدث الدعاوى

(الله) اسم الجلالة: استعمل معرِّب هذا النص اسم الجلالة (الله) عند حديثه عن الربّ جل وعلا، ولئن كان قد شارك في ذلك جميع المخطوطات العربية المتاحة-بما فيها مخطوطة سيناء العربيّة 72- إلاّ أنّ ذلك في ذاته يرجّح كفة إسلاميّة بيئة هذا النص، حيث يعتبر هذا اللفظ هو (الاسم العَلَم) للربّ جل وعلا، ومن المستبعد ألاّ نجد في أي مرّة في نص كُتب قبل الإسلام كلمة ثيوس اليونانية، أو ألاها السريانية؛

خلاصة القول في دعوى القس قشوع:

(أولًا) استدلّ القس قشوع بما ليس بحجة في ذاته لرد النص إلى زمن البعثة النبوية أو ما قبلها.

(ثانيًا) أخطأ المنهج في التعامل مع صلة البناء اللفظي لهذه الترجمة بالمعجم الإسلامي.

(ثالثًا) انكشاف محاولة هذا الباحث الهروب من العناصر الإسلامية التي تبدّت له من معجم ألفاظ هذه الترجمة؛ بتأويلات بعيدة.

(رابعًا) نُسِخت المخطوطة (Vat. Ar.13) في القرن التاسع ميلاديًا، وعُرِّب نصها بعد البعثة النبويّة، بدلالة معجمها اللفظي المتأثّر بالبيئة الإسلاميّة: المعجم القرآني، والحديثي، والمصطلحات السياسيّة، في الدولتين الأمويّة والعباسيّة…؛ فلا يثبت إذن عندها وجود ترجمة عربيّة قبل البعثة النبويّة.

الفصل الثالث: هل من معلّم بشري لمحمد ﷺ؟

لما ثبت من أميّته ﷺ وعدم وجود ترجمة عربيّة في زمنه؛ فلم يبق بعد ذلك إلا أن يفترض المخالف أنّ محمدًا ﷺ العربي الأميّ قد تلقى علوم أهل الكتاب عن غيره، بعد أن ثبت عجزه عن الاطلاع المباشر على أسفار القوم.

والاحتمالات المتاحة أمام المنصّرين لا تخرج عن الآتي:

● قد تعلّم محمد ﷺ على يد علماء أهل الكتاب قبل بعثته.

● أو تعلّم على يد علماء أهل الكتاب بعد بعثته.

● أو أنه قد تلقى علوم الكتاب المقدس على يد العرب.

● أو على يد الفتى الرومي (كما قال معاصروه).

المطلب الأول: الاحتمال الأوّل في الميزان: علماء أهل الكتاب قبل البعثة، أو مباشرة من الأسفار المقدّسة

أقوى احتمالات وجود معلّم لنبيّ الإسلام ﷺ هو زعم وجود مدرّس له قبل البعثة؛ فإنّ ذلك يتيح مساحة من الزمان للعلم بتفاصيل أخبار أهل الكتاب،

هذا الاحتمال مواجه بمعارضات قويّة:

أ- حياة محمد ﷺ معلومة للقاصي والداني، مما يجعل الزعم أنّ نبيّ الإسلام قد عكف الشهور والسنين في دراسة التوراة والإنجيل قولًا مردودًا بداهة، و

ب- مقابلة محمد لعلماء اليهود والنصارى قبل بعثته لم تكن تسمح له بأن يحصّل كل تلك العلوم الواسعة والدقيقة؛ لأنه لم يلتق قبل بعثته – كما ورد في كتب السيرة- سوى بالراهب بحيرى (وهو في الثانية عشرة من عمره)، وهو لقاء حضره عمه (أبو طالب)، ومضمون هذا اللقاء هو إخبار هذا الراهب أبا طالب أنّه قد رأى في الرسول ﷺ علامات النبوّة! وهو لقاء سريع وخاطف، ولم يكشف عن عمل تعليمي من هذا الرجل للرسول ﷺ.

على أنّ الراجح – بعد بحث أصالة الرواية متنًا وسندًا – أنّ قصّة لقاء الرسول ﷺ بـ بحيرى، هي قصّة مختلقة منكرة تخالف ما ثبت من صحيح السيرة في المرحلة التالية، حيث لا يبدو من أبي طالب علم بنبوّة الرسول ﷺ بل ما كان الرسول ﷺ قبل لقائه بـ جبريل عليه السلام، يحسب أنّه سيكون ممّن اصطفاهم المولى عزّ وجل لهذا المقام، كما أنّه ﷺ قد فوجئ بلقاء جبريل عليه السلام، واضطر إلى سؤال ورقة بن نوفل عن الذي وقع له في الغار!

وقد ردّ الإمام الحافظ الذهبي هذه الرواية، وقال فيها: وهو حديث منكر جدًا! (1).

(1) الذهبي، تاريخ الإسلام، ت/ عمر عبد السلام التدمري، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ، 1987م، 57 /1.

وممّن أشار أيضًا إلى نكارة متنه ابن سيد الناس في كتابه عيون الأثر، إذ قال فيه: في متنه نكارة، وهي إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالًا! وكيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين؟ فإنّ النبيّ ﷺ أسنّ من أبي بكر بأزيد من عامين، وكانت للنبي ﷺ تسعة أعوام، على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره، أو اثنا عشر على ما قاله آخرون، وأيضًا فإنّ بلالًا لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عامًا؛ فإنّه كان لبني خلف الجمحيين، وعندما عُذّب في الله على الإسلام اشتراه أبو بكر رضي الله عنه رحمة له، واستنقاذًا له من أيديهم (3).

(3) انظر ابن سيد الناس، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ت/ محمد العيد الخطراوي ومحي الدين مستو، المدينة المنورة: مكتبة دار التراث. 108 /1.

والحقيقة هي أنّ هذا النصّ مأخوذ – حرفيًا- من كتاب A Christian Bahira Legend (1) لعالم الساميّات ريتشارد غوتهيل Richard Gottheil ، وقد أورد فيه هذه القصّة في صورتها السريانيّة والعربيّة، عن مخطوطات قديمة، والغريب أنّ ريتشارد غوتهيل قد صرّح في العنوان، وفي الكتاب، في فقرته الأولى، أنّ هذه القصّة ليست إلا خرافة تمّ توظيف بعض المرويات التاريخيّة فيها لأغراض جدليّة .

(1) See Richard James Horatio Gottheil, A Christian Bahira Legend, New York: 1903, p. 189 and others.

وتعود أقدم المخطوطات التي اعتمدها غوتهيل للنص العربي، إلى بداية القرن الخامس عشر، أمّا النص السرياني فقد اعتمد في إعادة بنائه على ثلاث نسخ، اثنتان من القرن التاسع عشر(5)، وواحدة من القرن السابع عشر أو الثامن عشر!(6)

(5) لم يذكر الزمن بدقّة عند حديثه عن مخطوطات النص السرياني. وإنما اكتفى بالقول: القرن الماضي ؛ ولما كانت النسخ التي أنقل عنها قد طبعت سنة 1903م؛ فقد ذكرتُ أن (القرن الماضي) يعني القرن التاسع عشر.

(6) انظر المصدر السابق، ص 200 – 199.

والقصّة بأكملها كما رجّح ذلك غوتهيل نفسه، ربما ألّفت في فارس في بيئة فيها نشاط شيعي بارز؛ إذ تحدّث الكاتب عن المهدي المنتظر: المهدي ابن علي ابن فاطمة ، بهذا الرسم!

إنه يقدّم رواية مشبعة بالرغبة في التشفي، وبعيدة عن أيّة أصول تاريخيّة معتبرة، حتى إنه قد جعل الراهب بحيرى ملازمًا للرسول ﷺ في مكّة والمدينة (1)، يقدّم له تفاصيل العقائد والشرائع كلّما احتاج إلى أمر يلقيه إلى الناس!

وقد أشار البحّاثة سدني غريفث إلى أنّ النقاد قد أشاروا إلى زيف النصوص الجدليّة النصرانيّة التي لم يشتهر مؤلّفوها بأعيانهم المعروفة للناس، والتي كتبت بلغة نصارى البلاد العربيّة (السريانيّة، والقبطيّة، والأرمنيّة)، ومنها هذا النصّ(1).. علمًا أنّ سدني يرى أنّ المؤلّف سرياني مجهول، وأنّ النصّ السرياني- الذي هو أصل النص العربي – يعود إلى آخر القرن الثامن أو أوّل القرن التاسع(2).

(1) Sidney Griffith, The Church in the Shadow of the Mosque, Christians and Muslims in the World of Islam, N. J.: Princeton University Press, 2008, p.39.

(2) المصدر السابق. ص 38. وقد ذهب Armand Abel إلى أنّ هذه القصّة تكشف عن خلفيّة تاريخيّة للكاتب تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع. انظر:

Annand Abel, ‘L’Apocalypse de Bahira et la notion islamique de Mahdi’, in Annuaire de L’Institut de Philologies et d’Histoire Orientales 3(1953) 1-12.

لقد كان التحريف والاختلاق منهجًا بارزًا في النشاط الرهباني السرياني ضد الإسلام على مدى قرون طويلة(3).

(3) انظر في تحريفات الرهبان السريان -المتعلقة بالإسلام- للمخطوطات التي قاموا بنسخها Michael Philip Penn, ‘Monks, Manuscripts, and Muslims: Syriac textual changes in reaction to the rise of Islam,’ in Hugoye: Journal of Syriac Studies, Vol. 12.2, 235-257.

ولقد وقف عدد من النقاد الغربيين أنفسهم ضدّ أصالة رواية لقاء الرسول ﷺ(1) في مقال مصدر جديد للقرآن / Une Nouvelle Source du Coran : النصوص العربيّة التي اكتشفت، ونشرت، ودرست منذ ذلك الوقت، لا تسمح بأن يُرى في دور هذا الراهب السوري غير الخيال الصرف Les textes arabes qui ont t trouv s, publi s et tudi s depuis lors, ne permettent de voir dans le r le attribu a ce moine syrien qu’une pure fantasmagorie (2).

(1) كليمن هوارت: عمل أستاذًا في مدرسة اللغات الشرقيّة الحيّة. ومديرًا للدراسات في المدرسة التطبيقيّة للدراسات العليا في باريس. عمل في خدمة الاستعمار الفرنسي للبلاد الإسلاميّة.

(2) Journal Asiatique, Juiletaout, 1904, p.127.

إنه من المحال -في مجرى العادة- أن يُتمّ إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته، ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف؛ ليصبح أستاذ العالم كله، لمجرد أنه لقي -مصادفةً واتفاقًا – راهبًا من الرهبان،

ث- لقاء الرسول ﷺ بـ ورقة بن نوفل تمّ بعد نزول الآيات الأولى من القرآن، ويخبرنا التاريخ بأن خديجة قد حضرت هذا اللقاء، كما يخبرنا بأن ورقة لما سمع ما قصّه عليه محمد ﷺ من صفة الوحي؛ وجد فيه من خصائص الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام ما جعله يقرّ بنبوته، ويتمنى أن يمتد به العمر ليكون ردءًا له ونصيرًا، هذا هو فقط ما كان بينهما، وقد توفي ورقة الشيخ الهرم بعد هذه المقابلة بزمن يسير جدًا.

قال إسحاق تيلور (Isaac Taylor)(2) متحدثًا عن النصرانية التي كانت قبل بعثة محمد ﷺ لأثنائها: إنّ ما وجده محمد وخلفاؤه في جميع الاتّجاهات، أينما مهدت لهم قوّتهم طريقًا إلى أهلها، لا يعدو أن يكون خرافة مدقعة، ووثنيّة فاحشة ووقحة، ومذاهب كنسيّة متعجرفة، وممارسات كنسيّة منحلة وصبيانيّة؛ حتّى إنّ العرب النبهاء قد شعروا أنّهم مكلّفون بإصلاح انحرافات العالم، كرسل من الله… لقد خرج ابن الأمَة(1) من صحرائه يسخر من ابن الحرّة .

(1) ابن الأمة: ابن هاجر. في مقابل ابن الحرة: ابن سارة!

(2) Isaac Taylor, Ancient Christianity and the Doctrines of the Oxford Tracts, Philadelphia: Herman Hooker, 1840 , 1/364-365.

وتقول الموسوعة الكاثوليكيّة الجديدة The New Catholic Encyclopaedia أيضًا في هذا الشأن: لم تُمسّ الحجاز بالدعوة إلى النصرانية؛ ولذلك فإنّ مؤسسة الكنيسة المسيحيّة لا يتوقّع أن تكون قد وُجِدت كما أنها لم توجد هناك (3).

(3) New Catholic Encyclopaedia, The Catholic University of America, Washington DC, 1967, 1/721-722 (Quoted by, Khalid al-Khazraji and others, The Prophet’s Wives Teaching the Bible?).

وقال بيل: … بالرغم من وجود تراث بلغ به الأمر أن زعم اكتشاف صورة لعيسى في أحد أعمدة الكعبة؛ فإنّه لا توجد حجّة قوية لأي مكان للمسيحيّة في الحجاز، أو في قرب مكّة، أو حتى المدينة (4).

(4) Richard Bell, The Origin of Islam in its Christian Environment, 1925; 1968, The Gunning Lectures Edinburgh University, London: Frank Cass and Company Limited, p.42 (Quoted by, Kh lid al-Khaz-r ji and others, Is The Bible Really The Source Of The Qur’ n?).

لقد كانت أهم ثلاث (جماعات) تحمل لواء النصرانيّة العربيّة زمن ظهور الإسلام، هي:

(1) الغساسنة ومقرّهم في الشام على مسافة بعيدة عن مكة، وكانوا قد هاجروا في القرن الثالث من اليمن إلى حوران في الشام، وقد كانوا يعيشون حالة من عدم الاستقرار إيّان البعثة النبويّة؛ فقد هدم الفرس دولتهم سنة 613م/ 614م(5).

(2) أهل نجران في شمال اليمن، ولا يعرف لهم سلطان أدبي أو ديني على أهل مكّة

(3) المناذرة، وقد عاشوا في الحيرة في العراق، وكان تنصرهم في آخر القرن السادس ميلادي(6).

(5) See Edmond Power, Studies: An Irish Quarterly Review, Vol. 2, No. 7 (Sep., 1913), p. 205.

(6) See Irfan Shahid, Byzantium and the Arabs in the Sixth Century, Washington: Dumbarton Oaks, 2002, 2/1/171.

يضيف الناقد آرثور فووبس حقيقة تاريخيّة مهمة في قوله: نلاحظ أنّ النصارى الذين يدخلون سلك رجال الدين في البلاد العربيّة يتحوّلون إلى الهلّنستيّة، ويتبنون اليونانيّة كلغة لهم، لا بدّ من الإقرار أيضًا أنّه -كما تشهد على ذلك المخطوطات- في الأراضي الأبعد، جهة الشرق، احتلّت اللهجة السريانيّة نفس المقام، متشرّبة العنصر العربي (1)، وهو ما يلغي الكيان اللغوي العربي النصراني الذي يمد لنفسه جذوره العقديّة بلغة العرب.

(1) Arthur Voobus, Early Versions of the New Testament: Manuscript Studies, p. 275.

يقول المستشرق دوزي (Dozy): كانت هناك ثلاث ديانات تقتسم البلاد العربيّة في زمن محمّد؛ اليهوديّة والمسيحيّة وشكلٌ غامض من الوثنيّة، ربّما كانت القبائل اليهوديّة هي فقط مخلصة لإيمانها… لم يكن للمسيحيّة غير قلّة من الأتباع العارفين بها؛ إذ إنّ جل المؤمنين بها، كانت معرفتهم بها سطحيّة جدًا (3).

(3) Reinhart Dozy, Spanish Islam: a history of the Muslims in Spain, tr. Francis Griffin Stokes, London: Chatto & Windus, 1913, p.13

المطلب الثاني: الاحتمال الثاني في الميزان: علماء أهل الكتاب بعد البعثة

في العهد المكيّ

لم تعرف مكّة طائفة يهوديّة، ويشهد على ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه (3).

(3) رواه البخاري، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، ح/2004. ومسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، ح/ 1130.

فالاحتكاك بطائفة اليهود كان في المدينة لا في مكّة.

لم تعرف مكّة نشاطًا تنصيريًا، ولم يكن للنصارى فيها وجود ظاهر، وحتّى لما ألّف ولنج مؤخرًا بحثه حول النصرانيّة في مكّة، وكتابه الآخر Die Wiederentdeckung des Propheten Muhammad: Eine Kritik am “christlichen” -1981م- لم يذكر شخصيّة نصراتيّة واحدة في مكة!

والحقيقة هي أنّ من قيل إنهم نصارى في مكّة من معاصري الرسول ﷺ لا يتعدّى أمرهم ثلاثة: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث..، ومن أهم ما لوحظ في أمر هؤلاء أنهم:

كانوا الجيل الأوّل من النصارى، وليس يفترض في الجيل الأوّل أن يكون مؤثّرًا، خاصة إذا لم تكن الدعوة لهذا الدين تشغلهم أصلًا، ولم يكونوا من كبرائه.

كانوا يعيشون في معزل عن بعض؛ فلم يعرف لهم تجمّع، ولم يبنوا كنيسة توحدهم.

قصص تنصّرهم مختلفة ومتباعدة مكانًا؛ بما يرجح الظنّ أنهم كانوا على مذاهب نصرانيّة مختلفة.

(2) See Ghada Osman, ‘Pre-Islamic Arab Converts to Christianity in Mecca and Medina: An Investigation into the Arabic Sources,’ in Muslim World, 00274909, Jan2005, Vol. 95, Issue 1.

عبيد الله بن جحش أسلم، ثم هاجر إلى الحبشة، وهناك قيل إنّه قد تنصّر، والخبر في تنصّره لا يثبت من طريق خال من العلل عند المحدّثين(1)، ففي ثبوته نظر، وعلى فرض صحّته فإنّه لا يُثبت في هذا الباب شيئًا؛ لأنه لا دليل فيه على أنّ عبيد الله بن جحش قد عَلّم الرسول ﷺ، ولا ادّعى عبيد ذلك، وهو ما لم يدعه أيضًا أهل مكّة!

(1) انظر محمد بن عبد الله العوشن، تحقيق دعوى ردّة عبيد الله بن جحش، مجلّة البيان. السنة السابعة عشرة، العدد 182، شوال 1423هـ، ديسمبر 2002م.

أمّا عثمان بن الحويرث فقد:

1- تنصّر وغادر مكّة إلى الشام حيث أقام، وفيها مات.

2- وكانت وفاته قبل البعثة بثلاث سنوات أو نحوها.

في العهد المدني

. لم ينزل من القرآن في العهد المدني غير 28 سورة بعد أن نزل بمكة قبل الهجرة 86 سورة.

ولو أننا تأمّلنا في النص القرآني لوجدنا أن السور المكية هي التي تعرض أطول قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة.

توبيخ القرآن لليهود في العهدين المكي والمدني وتقريعه لهم يجعل القول إنّ محمدًا ﷺ قد تعلّم على يد أحبار اليهود في المدينة أمرًا مرفوضًا ببداهة العقل.

في العهد المدني: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)﴾.

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

– يتحدث القرآن الكريم بلسان الأستاذ لا بلسان التلميذ، فهو يوبّخ أهل الكتاب على جهالاتهم، ويكشف خرافاتهم، ويفند مغالطاتهم:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾.

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)﴾.

آمن بنبوّة الرسول ﷺ أعلام من أهل الكتاب في الجزيرة العربيّة، وذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة، تدليلًا على أنّ الإسلام بقرآنه وعقائده من عند الله سبحانه لا من لسان محمد ﷺ:

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54)﴾.

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

﴿لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)﴾.

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)﴾.

المطلب الثالث: الاحتمال الثالث في الميزان: العرب الوثنيون

يزعم هذا الرأي أنّ محمدًا ﷺ قد درس التوراة والإنجيل على يد العرب (أهل مكة)، وهو احتمال لا يُعرف له صاحب يتبنّاه، ولا يصمد أمام اعتراضات كثيرة؛ رغم أنّه من الممكن أن يكون أهل مكّة مطلعين على بعض قصص الأنبياء السابقين، إلا أنّ هذا الاطلاع لا يمكن أن يكون قد تجاوز مرتبة أخبار العامة كالأسماء والأماكن دون التنصيص على التفاصيل الدقيقة التي إن حاولوا ذكرها فسيتورّطون في ذكر أساطير مسرفة في الخيال.

إيليا والبعل: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126)﴾.

علمًا أنّ الاسم إيليا ( אליהו – إيلياهو) العبري يكتب في اليونانيّة Hlias – إيلياس، ويسمّي النصارى العرب في الشام الكثير من الأماكن الأثريّة والدينيّة التي ترتبط بهذا النبيّ بأديرة إلياس ، أو كنيسة إلياس .

والناظر في التفاسير، خاصة المبكرة منها -وهي التي تعنينا في هذا المقام-، يرى أنها مضطربة بصورة كبيرة في تعريف كلمة بعل ، وعامة المفسّرين على أنّ المقصود بـ بعل في الآية هو الرب ، باعتبار أنّ أهم معاني هذه الكلمة في اللغة: الرب ، و السيد ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلا، يعني: ربًا (1)، كما لم تذكر التفاسير عن أحد من المفسّرين الأوائل مطابقة اسم إلياس القرآني لـ إيليا في الكتاب المقدس، على خلاف عادة المفسّرين في الإشارة دومًا إلى المقابل الكتابي، سواء ورد في الكتاب المقدس، أو في التلمود، أو في المدراش، والأغرب أنّ كثيرًا من المفسّرين الأوّلين في القرون الأولى بعد البعثة النبويّة، ومنهم الصحابة رضوان الله عليهم، قد ذهبوا إلى…

(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1979/4.

فكيف يظن أحد بعد ما سبق ذكره أنّ الجزيرة العربيّة كانت توفر لـ محمد ﷺ معرفة كتابيّة!

إحالة حَرفيّة إلى الزبور: بلغ من أمر القرآن الكريم في دقّته أن يحيل إلى سفر معيّن من الكتاب المقدّس وينقل عنه نصّه حرفيًا، وهو ما لا نعرف له نظيرًا البتّة بين عرب الجاهليّة الوثنيين؛ فقد جاء في سورة الأنبياء، الآية 105: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾، ومن الطريف هنا أنّ الإمام الطبري قد ذكر اختلاف علماء الصدر الأوّل في تفسير هذه الآية، ونقل عن جلّهم أن الزبور هو غير كتاب داود عليه السلام! بل ورجّح الطبري صريحًا في أنّ الزبور هو كتاب داود عليه السلام ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)﴾! وفي ذلك دلالة على العسر الشديد الذي كان في ذاك الزمان في التعرّف على الكتب المقدسة لأهل الكتاب.

المطلب الرابع: الاحتمال الرابع في الميزان: الفتى الرومي

1 – الجبر حدّاد رومي نصراني يقرأ ويكتب.. لكنه عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب! أماني، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها محمد ﷺ ولا أحد من قومه.

فاه المشركون بهذه المقالة، لعلمهم أنّ ما أتى به محمد ﷺ، خاصة ما تعلّق بقصص الأنبياء السابقين، وتاريخ الأمم الغابرة، لا يمكن أن يكون من عند عربي أمي؛ إن محمدًا ﷺ قد تلقى هذه الأخبار من عند من هو عليم بأمر تلك الأمم.

ولا أقرب إلى فكر المعاند من علماء أهل الكتاب، ولكن أنّى لهم ذاك، وليس في مكّة علماء، فلم يعد عند أهل مكّة من سبيل لتمرير الفرية غير نسبة هذا العلم والتعليم إلى غلام نصراني اجتمع فيه شرطاهم: أ) أن يكون من سكان مكة؛ حتى يقال إنه كان يلاقي محمدًا ﷺ ويملي عليه بكرة وأصيلًا. ب) أن يكون من غير جلدتهم وملّتهم؛ لينسبوا إليه من العلم ما لا يعلمون، بل وما لا يعلم؟!.. وقد كان! فهو إذن اضطرار من القوم لا اختيار!

الباب الثاني: دعوى اقتباس القرآن من الكتب الدينيّة اليهوديّة والنصرانيّة خارج الكتاب المقدس

الفصل الأول: الكتابات الدينيّة اليهوديّة

وقد فتح لهم كتاب الحبر اليهودي جايجر الطريق واسعًا للتأكيد على الاقتباس القرآني من الأدبيات اليهوديّة المتأخرة، وقد هدم جايجر صدق ادعائه قبل أن يبدأ في سرد الاقتباسات المدّعاة؛ إذ إنّه قد نسب الرسول ﷺ إلى (الجهل) وعدم المعرفة! ونفى عنه بذلك الاطلاع على الأسفار اليهودية الكثيرة والضخمة حجمًا، لكنّه زعم رغم ذلك أنّ الرسول ﷺ قد علم مضمونها من خلال ما شاع على ألسنة اليهود في بيئته(1).

(1) See A. Geiger, Judaism And Islam, pp. 19-21.

قال جايجر إنّ الرسول ﷺ لم يطلع البتة على الأسفار اليهوديّة المقدسة (التناخ)(3)؛ ! ولِم تجرّأ اليهود أنفسهم على امتحانه أكثر من مرة في أمر أخبار الأوّلين إن كانت هذه المعرفة مشاعة، ومن السهل أن يحيط بها السامع غير الدارس؟!

(3) انظر المصدر السابق، ص 19 – 17.

الأسفار التي ادّعى جايجر أنها مصدر القرآن الكريم، لا يعرف أخبارها إلا خاصة اليهود؛ أقرّ جايجر نفسه أنّ معرفة يهود الجزيرة العربيّة (ولم يستثن كبراءهم) باليهوديّة ضعيفة..، فإذا كان الخاصة من اليهود لا يعرفون دقائق دينهم؛ فأنّى للعامة أن يحيطوا بهذه الدقائق علمًا!(1)

(1) انظر المصدر السابق، ص 18.

المطلب الأول: فرقي دي ربي أليعازر

لقد قاد النظر التشريحي لهذا السفر النقادَ إلى نسبته إلى ما بعد ظهور الإسلام، لأسباب عديدة؛ منها ورود ذكر أسماء شخصيات إسلاميّة فيه، وذكره قبّة الصخرة في فلسطين، وحديثه عن الفتوحات الإسلاميّة، ورمزه (الجلي) إلى المسلمين من خلال حديثه عن بني إسماعيل، ووصمهم بالأوصاف البشعة، على خلاف أسفار العهد القديم والمدراشات السابقة التي لم تضعهم في بؤرة اهتمامها السردي أو العقدي، وتفسيره الطريف لمعنى كلمة إسماعيل ( ישמעאל – يشماعيل)؛ إذ هي تعني -كما هو في هذا السفر- أنّ الربّ سيسمع ما سيفعله الإسماعيليون ببني إسرائيل! كما أنّ تصوير الإسماعيليين على أنهم أشدّ أعداء الإسرائيليين، لا يمكن أن يفهم إلا على أن الكاتب يتحدّث بمنطق المبغض للفتوحات الإسلاميّة، إذ لم يكن للإسماعيليين حضور في تاريخ العداوات البارزة لليهود!(1)

(1) See Carol Bakhos, Ishmael on the Border: rabbinic portrayals of the first Arab, SUNY Press, 2006, pp. 96-123.

وقد أثبتت المقارنات المباشرة والدراسات الفيلولوجيّة اقتباس مؤلّف هذا السفر من القرآن الكريم والتراث الإسلامي(2).

(2) انظر شهادات النقاد وتحليلاتهم لزيارة إبراهيم لـ إسماعيل، عليهما السلام في هذا السفر مقارنة بالتراث الإسلامي:

Carol Bakhos, ‘Abraham Visits Ishmael: a revisit,’ in Journal for the Study of Judaism 38 (2007) 553-580

تقول الموسوعة اليهوديّة The Jewish Encyclopedia : كان جوست أوّل من أشار إلى أن المؤلّف قد لمح بصورة مميّزة في آخر الفصل الثالث عشر إلى المراحل الثلاث للغزو المحمدي، في البلاد العربيّة، وإسبانيا، وروما، ووجد اسم فاطمة وعائشة كزوجتي إسماعيل؛ مما يقود إلى القول إنّ الكتاب يعود إلى الزمن الذي كان فيه الإسلام مسيطرًا على الأناضول. كما أنّه قد جاءت الإشارة في الفصل السادس والثلاثين إلى أخوين يحكمان بصورة متتالية، ثم يأتي بعدهما المسيح. من الممكن أن ينسب هذا الكتاب إلى بداية القرن التاسع؛ لأنه في ذاك الوقت كان ابنا هارون الرشيد: الأمين والمأمون يحكمان المملكة الإسلاميّة… لا يمكن البتّة أن تصحّ نسبة هذا الكتاب إلى الحبر أليعازر؛ إذ إنّ هذا الحبر كان من (تانايم)، في حين أنّ هذا الكتاب فيه اقتباس عن فرقي أفوت(1). المراجع التلموديّة المتأخرة التي تعود إلى القرن الثالث؛ شمعيا (الفصل 23)، وزيرا (الفصل 29، 21)، وشيلا (الفصل 44، 42)، قد اقتُبست هي أيضًا (2).

(1) فرقي أفوت: مجموعة التعاليم الأخلاقية والحكم التي صدرت عن الأحبار في المرحلة المشنوية.

(2) The Jewish Encyclopedia, Ktav, 1925, 10/59

تقول الموسوعة اليهوديّة Encyclopaedia Judaica : عمل أجادي يعود إلى القرن الثامن ميلاديًا… مُلئ الكتاب بالأعراف التشريعيّة الموجودة في أرض إسرائيل في بداية الفترة الجيونيّة. وهو يضمّ أساطير عربيّة، ووصفًا مميّزًا للحكم الإسلامي الأموي، ويؤمّل سقوط هذا الخليفة الأموي كفأل لنهاية السبي. تثبت كلّ هذه العلامات أنّ هذا الكتاب قد ألّف في أرض إسرائيل أثناء النصف الأوّل من القرن الثامن، مباشرة قبل سقوط الحكم الأموي، وقبل ظهور الحكم العباسي (6).

(6) Encyclopaedia Judaica, 16/182

تقول الموسوعة اليهوديّة The Universal Jewish Encyclopedia : جل النقّاد يتفقون مع نظرة ليوبولد زونز أنّ هذا العمل لم يؤلّف قبل القرن الثامن (7).

(7) The Universal Jewish Encyclopedia, New York: University Jewish Encyclopedia, 1942, 8/541

أهمّ بحث علمي في المكتبة الغربيّة حول هذا السفر هو ما كتبه الناقد ليوبولد زونز(2) Leopold Zunz Die Gottesdienstliche Vortr ge der Juden، وقد قرّر فيه أنّ هذا السفر قد ألّف في القرن الثامن، ومما استدل به:

– تآلفه مع الشكل المتأخر للعبريّة.

– اقتباسه من المدراشات المتأخّرة.

– خلطه فيما هو متعلّق بشخصيات كبار الأحبار وزمنهم.

– إحالاته إلى الإسلام والغزو الإسلامي(3).

(2) ليوبولد زونز (1794م – 1886م): حبر من اليهود الإصلاحيين. مؤسس ما عرف باسم علم اليهوديّة Wissenschaft des Judentums المتعلق باستعمال المناهج العلميّة لدراسة جذور التراث اليهودي.

(3) See Steven Daniel Sacks, Midrash and Multiplicity: Pirke De-Rabbi Eliezer and the Renewal of Rabbinic Interpretive Culture, Berlin: Walter de Gruyter, 2009, p.3.

جاء في كتاب مدخل إلى التلمود والمدراش Introduction to the Talmud and Midrash وهو من أهم المراجع الأكاديميّة الأحدث في هذا الباب: يبدو أنّ هذا العمل يعود إلى القرن الثامن أو التاسع. وقد أشار بصورة متكرّرة إلى الحكم العربي، خاصة في القصص المتعلّقة بإسماعيل الذي يذكر أنّ زوجتيه اسمهما: عائشة وفاطمة (الفصل 30). وقد جاء في نفس الفصل ذكر قبة الصخرة في أرض الهيكل… (4).

(4) H. L. Strack and G. Stemberger, Introduction to The Talmud and Midrash, tr. Markus Bockmuehl, Minneapolis: Fortress Press, 1996, p. 329.

ذهب جون س. ريفز(1) John C. Reeves إلى أنّ هذا السفر قد ألف في القرن الثامن أو التاسع(2)، وأنّه يتضمن نصوصًا جدليّة متعلّقة بادعاءات الإسلام والسلطان السياسي -كما هو الأمر أيضًا في ترجوم يوناثان المنحول(3)(4)، وأنّ فيه حديثًا عن توقّع زوال سلطان المسلمين والنصارى على اليهود، بقوة الله؛ إذ يُرمز في الأدبيات اليهوديّة إلى (روما) والنصارى بـ عيسو ونسله، كما يُرمز إلى المسلمين بـ إسماعيل ونسله؛ فقد جاء في هذا السفر هذا النص: .. القدّوس، تبارك، سيدمّر بني عيسو، لأنهم أعداء بني إسرائيل، وكذلك الأمر سيكون مع بني إسماعيل، لأنهم خصوم. أكدت الأسفار أنّه سترفع يدك على أعدائك، سيباد جميع أعداؤك (5).

(1) جون س. ريفز: أستاذ الدراسات اليهوديّة في جامعة نورث كارولاينا.

(2) See John C. Reeves, Trajectories in Near Eastern apocalyptic: a post rabbinic Jewish apocalypse reader, Atlanta: Society of Biblical Literature, 2005, p.67.

(3) الترجوم: لغة: ترجمة. اصطلاحًا: الترجمة الآراميّة للتناخ (العهد القديم). وقد امتد إنجازها قرونًا.

(4) انظر المصدر السابق.

(5) انظر المصدر السابق.

ومن الطريف هنا أن نذكر أنّ جايجر ذاته قد صرّح في مقدمة كتابه: (ماذا أخذ محمد من اليهوديّة؟) أنّه لن يعتمد غير الكتب التي ألّفت قبل ظهور القرآن، إلاّ أنّه وفي نفس الفقرة أضاف أنّ سفر فرقي دي ربّي أليعازر: عمره غير معروف على التدقيق !(6)

(6) A. Geiger, Judaism And Islam, p. viii.

حاول جايجر أن يتترّس بشيء من التواضع العلمي بدعوى عدم المعرفة بتاريخ هذا السفر، لكنّه عاد وبنى أهم مادة كتابه (التشابه في القصص) على هذا السفر المتأخر عن بعثة الرسول ﷺ.

ويحسن في الآخر أن ننقل ما قاله الناقد نورمان أ. ستيلمان Norman A. Stillman في مقاله الذي خصّه للحديث عن قصّة ابني آدم في القرآن الكريم والكتابات اليهوديّة:

كُتِب الكثير حول العناصر اليهوديّة-المسيحيّة في الإسلام وأسفاره منذ كتاب أبراهام جايجر: ماذا أخذ محمد من اليهوديّة؟ الذي ظهر أوّل مرّة سنة 1833م. أحدث كتاب جايجر أثرًا كبيرًا في زمانه، رغم أنه قد سعى إلى تقديم نظرة مبالغ فيها حول مساهمة اليهوديّة في صياغة القرآن. العديد من مصادر التراث التي ذكرها هي من المسيحيّة الشرقيّة والأدبيات التلموديّة والأجاديّة. تأريخنا الحالي للأدبيات العبريّة المتأخرة أفضل مما كان في زمن جايجر!، وقد نُشِرت العديد من النصوص الأخرى -إسلاميّة ويهوديّة ومسيحيّة- منذ صدور كتابه. بإمكاننا أن نقرّر اليوم في ضوء ذلك أنّه في بعض الأحيان التي كنّا نعتقد فيها وجود تأثير أجادي على النصّ الإسلامي؛ تبيّن لنا أنّ العكس هو الأرجح. يبدو أن فرقي دي ربي أليعازر كمثال، قد حرّر بعد ظهور الإسلام (1).

(1) N. A. Stillman, “The Story Of Cain & Abel In The Qur’an And The Muslim Commentators: Some Observations”, Journal Of Semitic Studies, 1974, V. 19, p.231.

قد ألّف بعد ظهور الإسلام في قرونه الأولى، إلى استعماله كوسيلة لمعرفة النظرة اليهوديّة إلى الإسلام في القرون الأولى بعد البعثة النبوية، وطبيعة النمط السجالي في هذه الفترة بين أتباع الديانتين!(2)

(2) See Steven Daniel Sacks, Midrash and Multiplicity: Pirke De-Rabbi Eliezer and the Renewal of Rabbinic Interpretive Culture, p.157.

وانظر أيضًا:

Moritz Steinschneider, Polemische und apologetische Literature in arabischer Sprache zwischen Muslimen, Christen und Juden, nebst Anhangen verwandten Inhalts (Leipzig, 1877; repr., Hildesheim: Georg Olms, 1966), 338-40;

Bern(h)ard Heller, “Muhammedanisches und Antimuhammedanisches in den Pirke R. Eliezer,” MGWJ 69 (1925): 47-54;

M. Ohana, “La Polemique judeo-islamique d’Ismael dans Targum Pseudo-Jonathan et dans Pirke de Rabbi Eliezer,” Aug 15 (1975): 367-87.

H. L. Strack and G. Stemberger, Introduction to the Talmud And Midrash, p. 329.

وهو أنّ التحريفات لا بدّ من اعتبارها دون ريب ، وهي تحريفات واختلافات فاحشة جدًا بين المخطوطات، حتى إنّ أحد النقاد قال إن فرقي دي ربي أليعازر، اسم أطلق على أعمال متماثلة لكن غير متطابقة، طوّرت عبر الزمن تراثًا له تاريخ طويل. تمثّل المخطوطات والشذرات هذه الأعمال المتفرّقة. فحص هذه المخطوطات والشذرات سيظهر لنا أنّه لم يكن هناك البتّة عمل موحّد. يمثّل ما لدينا نوع مادة فرقي دي ربي أليعازر كما أعيد إصلاحها وتشكيلها من طرف النسّاخ على المدى الزمني لتناقلها (1).

(1) Agendas for the Study of Midrash in the Twenty-First Century, Williamsburg, Va.: College of William and Mary, 1999, p.51.

تفاصيل الاقتباس المُدَّعى

قابيل وهابيل

قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)﴾.

المصدر المدّعى:

تقديم القربان من قابيل و هابيل (2)، وقتل قابيل لـ هابيل من الكتاب المقدّس(3).

(1) سمّاهما القرآن الكريم (بني آدم)، ولم يصح عن الرسول ﷺ في تسميتهما شيء. وإنما جاءت هذه التسميّة عن أهل الكتاب مع شيء طفيف من التغيير: (قايين وهابيل). قال الشيخ أحمد شاكر: … أمّا تسميتهما قابيل وهابيل، فإنّما هو من نقل العلماء عن أهل الكتاب، لم يرد به القرآن، ولا جاء في سنّة ثابتة فيما نعلم . (انظر بكر أبو زيد، معجم المناهي اللفظيّة، الرياض: دار العاصمة، 1417هـ، 1996م، ط 3. ص673).

(3) انظر تكوين 8 – 3 / 4.

الحوار بين قابيل وهابيل من ترجوم يوناثان المنحول، (الترجوم الأورشليمي).

دفن الغراب لغراب آخر ميت، مقتبس من سفر فرقي دي ربي أليعازر: 21.

ما كتب على بني إسرائيل أنّ من قتل نفسًا، أو أفسد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا، من مشناه سنهدرين 5 /4.

التعليق:

لا يصحّ اليوم -في القرن الواحد والعشرين- القول إنّ أحدًا من أهل زماننا قد استطاع الاطلاع على هذه المعلومات الدقيقة من كتب تبلغ في مجموعها في طبعاتها الحديثة عشرات المجلّدات، إلاّ أن يكون ممن يحملون قدرًا جيّدًا من التخصص في الكتب اليهوديّة ومعرفة بسبيل الحصول على مواضع هذه القصّة فيها، مع علم باللغتين العبريّة والآراميّة! فكيف يستقيم هذا الأمر للرسول ﷺ الأميّ الذي لم يقرأ كتابًا، والذي عاش في بيئة لا تعرف المكتبات والمؤلّفات الميسّرة للطالبين.

3 – ترجوم يوناثان المنحول هو نفسه الترجوم الأورشليمي(1)، لكنّ المنصّرين قد ظنوا أنهما كتابان مختلفان، فأوردوهما من باب التكثر الباطل بالحجج!

(1) انظر Encyclopaedia Judaica 14 / 185. ترد الموسوعة اليهوديّة هذا الخطأ إلى المفسّر مناحيم ركنتي -في القرن الرابع عشر- الذي وهم من اختصار ترجوم أورشليمي (التاء والياء) أنه يعني ترجوم يوناثان!

تأليف ترجوم يوناثان المنحول متأخر زمنًا قطعًا عن البعثة النبويّة؛ وبالتالي فمن غير الممكن أن يكون مصدرًا لحوار ابني آدم الوارد في القرآن الكريم.

ومن الشهادات على تأخّره الزمني ما قرّره مايكل ماهر Michael Maher في مقدّمته لترجمته الإنجليزيّة لـ ترجوم يوناثان المنحول: رغم أنّه من المؤكّد أنّ يوناثان يضمّ تراثًا قديمًا، فإنّ الكتّاب الحديثين يرون أنّ هذا الترجوم قد أخذ شكله النهائي بعد الغزو العربي للشرق الأوسط. يعتقد د. م. سبلنسكي أنّ يوناثان المنحول من الممكن تأريخه في القرن التاسع أو العاشر. من الممكن تلخيص حججه الأساسيّة فيما يأتي:

الإشارة إلى عائشة وفاطمة في يوناثان المنحول تكوين 21/21 لا يمكن اعتبارها نصًا إلحاقيًا. مصدر المدراش لا يمكن أن يعود إلى ما قبل 633م في أبكر تأريخ له.

استعمل يوناثان المنحول سفر فرقي دي أليعازر، وتلحوما، وهي حقيقة تشير إلى القرن التاسع أو العاشر كتأريخ لجمع يوناثان المنحول.

الطريقة التيّ قدّم فيها يوناثان المنحول المدراش الخاص برفض إبراهيم مباركة إسماعيل في تكوين 11/25 تكشف جدلًا معاديًا للإسلام.

الإشارة إلى هجاء إسماعيل وهجاء عيسو في يوناثان المنحول في تكوين 22 /35 بالإمكان تفسيرها بصورة جيّدة بخلفيّة ما كان عليه العالم من انقسام بين العرب والمسيحيين.

هناك إشارات ممكنة في نصوص أخرى في يوناثان المنحول (مثال: تكوين 26/49، 13/25، 12/16، العدد 87 /7) إلى تاريخ تال للغزو العربي.

الإشارة الدقيقة إلى مسائل التقويم في يوناثان المنحول تكوين 16/1 تظهر أنّ هذا الترجوم قد كتب في النصف الثاني من القرن التاسع كأبكر تأريخ ممكن(1).

اكتشافات هؤلاء النقاد أو أولئك من الذين قاموا بدراسات خاصة لمضمون يوناثان المنحول ولغته، تسمح لنا أن نقبل بثقة الرأي القائل إنّ هذا الترجوم لا يمكن أن يعود في صورته النهائيّة إلى ما قبل القرن السابع أو الثامن (2).

ولا بدّ في هذا السياق من إضافة حقيقتين أخريين مهمتين:

أولًا: ذهب النقاد إلى أنّ هذا النصّ قد تمّ تحريره وتحويره مرّات كثيرة(3).

ثانيًا: المخطوطة الوحيدة المتاحة لـ ترجوم يوناثان المنحول، تعود إلى القرن السادس عشر(4).

(1) أورد الكاتب هذه الحجج متصلة في فقرة واحدة، وقد فصلت بينها لتبدو أكثر وضوحًا للقارئ، مع العلم أنني قد عرّبتها دون زيادة أو حذف.

(2) M. Maher, Targum Pseudo-Jonathan: Genesis Translated, With Introduction And Notes, Minnesota: The Liturgical Press, 1992, pp. 11-12.

(3) See E. G. Clark, Targum Pseudo-Jonathan: Deuteronomy Translated, With Notes, 1998, T & T Clark Ltd.: Edinburgh, p. 3 (Quoted by, MS M Saifullah, Mansur Ahmed and Elias Karim, On the Sources of the Story of Cain and Abel in the Qur’an).

(4) See M. Maher, Targum Pseudo-Jonathan: Genesis Translated, With Introduction and Notes, pp. 12-13.

رغم أن جايجر هو أهمّ من روّج لهذه الشبهة؛ إلاّ أنه هو نفسه قد قال بعد أن أوردها: قُدّم الحوار بصورة مختلفة جدًا في (الكتابين)؛ حتّى إننا لا نرى للأمر قيمة إذا قارنا الموضعين عن قرب (1).

وقد كان تسديل الثاني في الترويج لهذه الشبهة؛ لكنه هو أيضًا قد وصف هذا التشابه أنه: غير ملفت للنظر (2).

(1) A. Geiger, Judaism And Islam, p. 80.

(2) St. Clair Tisdall, The Original Sources of the Qur’an, p. 63.

الحوار الوارد في ترجوم يوناثان المنحول هو قول قايين: لا عقوبة للخطيئة، ولا جزاء للإحسان ؛ فقال له هابيل: إنّ الله يجازي على الإحسان، ويعاقب على الخطيئة ؛ فقام قايين بضرب أخيه بحجر حتّى قتله(3).

(3) See N.A. Stillman, “The Story Of Cain & Abel In The Qur’an And The Muslim Commentators: Some Observations”, Journal Of Semitic Studies, 1974, V. 19, p.238

لا شكّ أنّ هذا الحوار لا يمكن البتّة أن يكون مصدرًا لما جاء في القرآن الكريم.

فهو في سفر فرقي دي ربي أليعازر يتحدث عن آدم عليه السلام، وفي القرآن الكريم هو القاتل أخو المقتول.

نصّ مشناه سنهدرين 5 /4 يقول في سياق حديثه عن الجرائم الكبيرة: إنّ التوراة قد استعملت كلمة دم في صيغة الجمع، في قصّة هابيل وأخيه: صوت دماء أخيك يصرخ إلي (تكوين 4/10). صيغة الجمع يعني -كما تقول المشناه– دم القتيل ونسله؛ وأضاف النصّ بعد ذلك مباشرة: لذلك خُلِق الإنسان وحده؛ ليظهر أنّ من أباد نفس واحد من إسرائيل؛ فقد عدّ له ذلك في الأسفار المقدّسة كأنّه أباد كلّ العالم (الكون)، ومن حفظ نفس واحد من إسرائيل، فإنّ ذلك يعد له في الأسفار المقدّسة كأنّه حفظ كلّ العالم ..

إنّ القرآن الكريم لا يشارك المشناه ربطها اللغوي وتبريرها النصّي، كما أنّنا لا نرى هذا الأمر في كتب المفسّرين المسلمين -كما أقرّ بذلك جايجر-، وإنّما جاء الربط في القرآن الكريم بين قتل قابيل لأخيه، وبين حكم قتل النفس المعصومة وإحيائها؛ من باب بيان عظم حرمة النفس الآدميّة عند الله سبحانه.

رغم أنّ جايجر قد نقل النصّ الأصلي لـ مشناه سنهدرين 5 /4؛ إلاّ أنّه حرّفه رغم أنّه حبر يتقن العبريّة؛ إذ إنّ النصّ يتحدّث عن: من يزهق (نفس واحد من إسرائيل)؛ فكأنما أباد كل العالم، ومن حافظ على (نفس واحد من إسرائيل)؛ فكأنّما حافظ على كلّ العالم، وهي القراءة الأوثق، واختارتها أهمّ ترجمات المشناه والتلمود. وقد أورد جايجر نفسه النص العبري، وفيه (من إسرائيل)، لكنّه لما ترجمه إلى الألمانيّة للقرّاء ألغى (من إسرائيل)(4)، وكذلك فعل صاحب الترجمة الإنجليزيّة(5)!!

(4) See Abraham Geiger, Was hat Mohammed aus dem Judenthume aufgenommen?, Leipzig: M.W. Kaufmann, 1902, p.103

(5) Sec A. Geiger, Judaism And Islam, p.81

يتحدث القرآن الكريم عن النفس الإنسانيّة بإطلاق، كما أنّه من غير المعقول أن تكون قصة ابني آدم عليه السلام حجّة لبيان عظمة قدر (الدم الإسرائيلي) رغم أنّ بني إسرائيل لم يظهروا للوجود بعد..! فالآية القرآنيّة تقدّم إذن تصحيحًا للتصوّر اليهودي الذي جعل في (الآدميّة الإسرائيلية) تميّزًا خاصًا عند الله سبحانه!

ما جاء في القرآن الكريم لا يعدّ اقتباسًا من المشناه التي تمثّل التراث الشفهي اليهودي القديم المستنبط من التوراة، وإنّما هو تعقيب على هذا الحكم، وتعديل لهذا الفهم، الذي استقرّ في أذهان اليهود،

يد موسى

قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ (22)﴾.

المصدر المدّعى:

ورد أمر معجزة يد موسى أمام الربّ في العهد القديم: ثم قال الرب أيضا: أدخل يدك في عبك. فأدخل يده في عبه. وعندما أخرجها إذا بها برصاء كالثلج. وأمره الرب: رد يدك إلى عبك ثانية. فرد يده إلى عبه ثانية، ثم أخرجها من عبه، وإذا بها قد عادت مثل باقي جسده (الخروج 4/ 6-7).

القصّة القرآنيّة هي وحدها المنطقيّة، وقد تجاوزت خطأ النصّ التوراتي، فقد أمر اللّٰه سبحانه موسى عليه السلام أن يقوم بتلك المعجزة كما سبق في الآية، ثم جاء في سورة الأعراف أنّ موسى عليه السلام قد أجرى هذه المعجزة أمام فرعون بعد معجزة تحويل العصا إلى ثعبان: ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)﴾.

في حين نقرأ في التوراة أنّ الربّ قد طلب من موسى عليه السلام أن (1) يجري معجزة تحويل العصا إلى حيّة، (2) فإن لم يستجب فرعون؛ فليدخل يده إلى عبّه، ثم يخرجها برصاء كالثلج، ثم ليعدها إلى عبّه ويخرجها سليمة. وقال الربّ له: إذا لم يصدقوك، أو يعيروا المعجزة الأولى انتباههم، فإنهم يصدقون الثانية. وإذا لم يصدقوا هاتين الآيتين ولم يصغوا لكلامك، (3) فاغرف من ماء النهر، واسكبه على الأرض الجافة، فيتحول الماء الذي غرفته من النهر إلى دم فوق الأرض . لكننا نرى أنّ موسى وهارون قد أجريا (1) معجزة تحويل العصا إلى حيّة أمام فرعون، ثم مباشرة (3) حوّلا الماء إلى دم، دون أن (2) يجريا معجزة تحويل اليد السليمة إلى يد برصاء ثم إبرائها بعد ذلك. لقد أصلح القرآن الكريم خطأ التوراة المحرّفة!

إسلام فرعون

قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)﴾.

المصدر المدّعى:

ذهب عدد من المنصّرين إلى أنّ القرآن الكريم قد اقتبس هذا المشهد من سفر فرقي دي ربي أليعازر في قوله إنّ فرعون قد نجّاه اللّٰه من الموت، وآمن، وحسن إيمانه، وذهب ليحكم بعد ذلك نينوى.

إنّ القرآن الكريم قد:

(1) نفى نجاة فرعون، وأثبت غرقه، وما كانت النجاة إلا لجثته عند موته.

(2) في القرآن الكريم، انقطع أمر فرعون بعد موته، فليس هناك من سبيل للحديث عن رحلته إلى نينوى.

(3) إيمان فرعون لم يقبل؛ لأنه وقع حين دهمه الموت، وانقطعت فسحة التوبة.

(4) كرّر القرآن الكريم ذكر أمر فرعون باعتباره نموذج الكفر والطغيان، في حين تبدو الصورة في سفر فرقي دي ربي أليعازر على خلاف ذلك؛ باعتباره من التائبين المنيبين.

(5) تبدو الصورة التي عرضها سفر فرقي دي ربي أليعازر منكرة حتّى بالنسبة للكتاب المقدس، حيث جاء القطع بموت فرعون وجميع جيشه، والجزم بتقبيح ذكره بعد موته.

سبب قتل الولدان

قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾.

المصدر المدّعى:

زعم جايجر أنّ سفر فرقي دي ربي أليعازر هو مصدر النص القرآني؛ إذ إنّه يذكر أنّ السحرة قد أخبروا فرعون -تفسيرًا لرؤياه المناميّة- أنّ طفلًا سيولد وسيقود خروج الإسرائيليين من مصر؛ ولذلك رأى فرعون أنّه برمي الأولاد الذكور الإسرائيليين في النهر؛ سيموت هذا الطفل معهم.

القرآن الكريم قد وافق التوراة في أمر ذبح الأبناء، ولم يوافق سفر فرقي دي ربي أليعازر؛ إذ قد جاء في سفر الخروج 15-22 /1 أمر فرعون بقتل الذكور، والإبقاء على الإناث مخافة تكاثرهم!

المطلب الثاني: المدراشات

في تفسير العهد القديم، يحاول التعمق في بعض مقاطعه وكلماته، والتوسع في تخريج النصوص والألفاظ، والتوسع في الإضافات والتعليقات، وصولًا إلى المعاني الخفية .(1)

(1) عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، نسخة إلكترونية.

ويمكن تقسيم الكتب المدراشيّة إلى ثلاثة أقسام:

1 – الكتب المدراشية المبكرة (وتم جمعها في الفترة 600 – 400).

2 – كتب المرحلة الوسطى (1000 – 640).

3 – كتب المرحلة المتأخرة (1200 – 1000).

عامة هذه المدراشات التي ادُعي أنّها مصدر للقرآن للكريم، قد دوّنت بعد ظهور الإسلام، وكتبت في جو إسلامي، فالقول بالنقل العكسي هو الصواب،

كان التأثير الإسلامي على البيئة اليهوديّة كبيرًا حتى إنّ الترجمة العربيّة الأولى للتوراة، وهي التي قام بها سعديا الفيومي في القرن العاشر ميلاديًا، كانت متأثرة بالقرآن الكريم والتفاسير من ناحيتي الألفاظ والمعاني، انظر:

David M. Freidenreich, The Use of Islamic Sources in Saadiah Gaon’s Tafsir of the Torah, in The Jewish Quarterly Review, XCIII, Nos, 3-4 (January-April, 2003) 353-395.

كما تأثرت العبادات اليهوديّة بالعبادات الإسلاميّة -انظر كتاب العالم التلمودي لـ نفتالي ويدر (1905م – 2001م) التأثيرات الإسلاميّة على العبادات اليهوديّة، وقد صدر سنة 1947م -عرّبه الدكتور محمد سالم الجرح) ونشر ضمن سلسلة فضل الإسلام على اليهود واليهوديّة التي يصدرها مركز اللغات الشرقيّة بجامعة القاهرة، وانظر في أثر الإسلام في اليهودية ثقافة ودينا:

Bernard Lewis, The Jews of Islam, pp.77-82.

وممّا قاله المستشرق برنارد لويس في هذا الكتاب (ص80): ظهور اللاهوت اليهودي أخذ مكانه تقريبًا بالكامل في الأراضي الإسلاميّة .

الفرع الأول: مدراش تنحوما

يمثّل مدراش تنحوما مجموعة مدراشات لأسفار من العهد القديم.

وقد علّق الناقد س. د. غوتين S.D. Goitein على التوافق الموجود بين قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)﴾، وبين ما جاء في مدراش تنحوما ومدراش ياشر، بقوله: هذا المشهد الذي كثيرًا ما صوّر من طرف الرسّامين المسلمين، موجود في الأدب اليهودي المتأخّر عن القرآن زمنيًا… لا يوجد في المدراشات القديمة ، مؤكّدًا بذلك نفي مصدريّة مدراش تنحوما لهذا النص القرآني.(1)

(1) S. D. Goitein, Jews and Arabs, p. 194 (Quoted by, Shalom Goldman, The Joseph Story in Jewish and Islamic Lore, p. 86).

ومن طرائف مجموعة مدراش تنحوما أنّه قد ورد في مدراش سفر التثنيّة ربا أنّ موسى عليه السلام قد طلب من الربّ معاقبة إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ من ابنه إسماعيل عليه السلام، قد جاء الإسماعيليون الأشرار الذين أثاروا غضب الرب!!(2) وجليّ أنّ الإسماعيليين هنا هم أمة الإسلام؛ إذ لا قيمة عسكرية أو سياسيّة للإسماعيليين في تاريخ البيئة التي عاش فيها اليهود، قبل ظهور دولة الإسلام!

(2) See Carol Bakhos, Ishmael on the Border: rabbinic portrayals of the first Arab, p.88.

وتقول الموسوعة اليهودية Encyclopaedia Judaica تحت عنوان المرحلة الوسطى للمدراشات: تنتمي عدة أعمال مدراشيّة وأجاديّة إلى الفترة من مرحلة الغزو الإسلامي (640م) إلى نهاية القرن العاشر … أهم مجموعة مدراشيّة لهذه الفترة هي مدراش تنحوما .(1)

(1) Encyclopaedia Judaica, 14/185.

وقد تعرّض مدراش تنحوما إلى التحريف الفاحش، حتّى قيل إنّه نوع genre لا نص text ؛(1) مما يجعل التعامل مع أصالة نصوصه محل نظر وحذر.

(1) See Jeffrey L. Rubenstein, From Mythic Motifs to Sustained Myth: The Revision of Rabbinic Traditions in Medieval Midrashim, in The Harvard Theological Review, Vol. 89, No. 2 (Apr., 1996), p. 133.

الفرع الثاني: مدراش التكوين ربا

يضم مدراش التكوين ربا شروح أحبار لما جاء في سفر التكوين، ورغم أنّ عامة النقّاد يرون أنّ هذا المدراش قد ألّف في حدود القرن الخامس أو السادس، إلاّ أنهم أيضًا قد أشاروا إلى أنّ هذا النص قد تعرّض إلى التحريف، وأنّه كان معرّضًا دائمًا لإضافات طويلة وأخرى قصيرة؛(2) حتّى وصفه الناقد بيكر Becker بأنّه نص مفتوح! لأنه تعليق قابل للتوسّع! ، وأنّه يبدو أنّه نقّح بصورة متأخرة في القرون الوسطى .(3)

وقد أثبتت المقارنة بين أقدم ثلاث مخطوطات لهذا المدراش والشواهد النصيّة المتأخّرة وجود عدد كبير من الزيادات اللاحقة التي لا شك في أنّها نصوص غير أصيلة؛ إذ لا تربطها ببقيّة النصوص المحيطة بها سياقات منطقيّة.(4)

(1) كلمة ربا العبريّة تعني كبير، وتستعمل هنا بمعنى: المدراش الضخم بالمعنى المجازي.

Jacob Neusner, A Theological Commentary to the Midrash: Genesis Rabbah, Maryland: University Press of America, 2001, p. xxvii

(2) See The Jewish Encyclopedia, 3164

(3) See Chaim Milikowsky, ‘On the Formation and Transmission of Bereshit Rabba and the Yerushalmi: Questions of Redaction, Text-Criticism and Literary Relationships,’ in The Jewish Quarterly Review, New Series, Vol. 92, No. 3/4 (Jan. – Apr., 2002), p.526

(4) Scott B. Noegel and Brannon M. Wheeler, Historical Dictionary of Prophets in Islam and Judaism, Maryland: Scarecrow Press, 2002, p. 124

(5) المصدر السابق، ص 527.

ورد النص الأول في الفصل 91 من مدراش التكوين ربا، وهو في قول يعقوب عليه السلام لبنيه ألا يدخلوا مصر من مدخل واحد، وهو يشابه ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾، وقد جاء في الموسوعة اليهوديّة Encyclopaedia Judaica: توجد عدة أجزاء في التكوين ربا (في 75 و84 و88 و91 و93 و95) لا يمثل أسلوبها ولغتها وطابعها التفسيري جزءً مكملًا للمدراش الأصلي وإنّما هي إضافات متأخّرة .(1)

كما أنّ طلب يعقوب عليه السلام من بنيه ألاّ يدخلوا مصر من مدخل واحد قد ورد في مدراش التكوين ربا تعليقا على نص تكوين 1/42 حيث الرحلة الأولى لأبناء يعقوب إلى مصر،(2) في حين أنّ الرواية القرآنيّة تذكر أنّ قول يعقوب عليه السلام متعلق بالرحلة الثانية لأبنائه إلى مصر.

(1) Encyclopaedia Judaica, 7/449

ورد النص الثاني في الفصل 38 من مدراش التكوين ربا وهو في قصّة إبراهيم مع الأصنام والنار، أقدم مخطوطة لهذا المدراش بحوزتنا اليوم: (Vat. 30) تعود إلى 400-500 سنة بعد البعثة النبويّة،(1) النصّ المنشور اليوم باللغة الأصليّة مخطوطة قديمة؛ لكثرة الاختلافات بينها!(2)

(1) See L. M. Barth, An Analysis Of Vatican 30, 1973, Monographs of the Hebrew Union College No. 1, Hebrew Union College – Jewish Institute Of Religion, pp. 88-89 (Quoted by, M. S. M. Saifullah, The Story Of Abraham And Idols In The Quran And Midrash Genesis Rabbah).

(2) See Hans-J rgen Becker, “Texts And History: The Dynamic Relationship Between Talmud Yerushalmi And Genesis Rabbah”, in Shaye J. D. Cohen (ed.) The Synoptic Problem In Rabbanic Literature, 2000, Brown Judaic Studies: Providence (RI), pp. 154-155 (Quoted by, M. S. M. Saifullah, The Story Of Abraham And Idols In The Qur’an And Midrash Genesis Rabbah).

الفرع الثالث: مدراش الخروج (شموت) ربا

ذهب الناقد زونز إلى أنّ هذا الكتاب يشكّل كتلة واحدة، ويعود كلّه إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، وإن كان يرى أنّ فيه أجزاء داخلية مأخوذة من مدراشات أقدم.(1)

(1) See H. L. Strack and G. Stemberger, Introduction to The Talmud and Midrash, p. 309.

الفرع الرابع: مدراش العدد ربا

يتكون هذا المدراش المرتبط بشرح سفر العدد، من جزأين متباعدين زمنًا ومصدرًا، ومتأخّرين تدوينًا؛ تقول الموسوعة اليهوديّة The Jewish Encyclopedia: يتمثّل مدراش العدد ربا في جزأين مختلفين في المصدر والمضمون. يحتوي الجزء الأوّل على المقاطع 1-114 وهو تقريبًا ثلاثة أرباع الكتاب، ويضم شرحًا أجاديًا متأخرًا على سفر العدد 1-7. يضمّ الجزء الثاني المقاطع 33-15، وهو إعادة صياغة لمدراش تنحوما من سفر العدد 8 كلمة كلمة تقريبًا … حتّى الجزء الأوّل يضمّ الكثير ممّا هو مأخوذ من تنحوما … هذا الجزء من العدد ربا أظهر كل علامات الزمن الأجادي المتأخّر … هذا العمل طبقًا لما قال زونز Zunz من الصعب أن يؤرّخ قبل القرن الثاني عشر ميلاديًا . ويبدو أنّ الموسوعة اليهوديّة Encyclopaedia Judaica -كما يظهر من الجدول- تقول أيضًا بنفس هذا القول.

وتقول الموسوعة اليهودية The Universal Jewish Encyclopedia إنّ الجزء الأوّل من مدراش العدد متأخر جدًا، ومتأثر بكتابات الأحبار الفرنسيين، وإنّ الجزء الثاني، كما بيّن ذلك بوفنست Bovenist، تكرار حرفي لمدراش تنحوما. وأضافت أنّ أوّل ذكر لهذا المدراش كان في القرن الثالث عشر؛ واستنبطت من ذلك أنّ إتمام هذا المدراش لا يعود إلى زمن أقدم من القرن الثاني عشر،(1) وهو تقريبًا ما صرّحت به الموسوعة اليهوديّة The New Standard Jewish Encyclopedia.(2)

(1) See The Universal Jewish Encyclopedia, 7/540

(2) See Cecil Roth and Geoffrey Wigoder, eds. The New Standard Jewish Encyclopedia, New York: Doubleday, 1970, p. 1457

وقال الناقد يهوذا ج. سلوتكي Judah J. Slotki في مقدمته للترجمة الإنجليزيّة لمدراش العدد ربا: يُظهر الكتاب كلّ علامات الأصل المتأخّر … من المتّفق عليه عمومًا أنّه لم يكن موجودًا في شكله الحالي قبل القرن الثاني عشر الميلادي. أقدم مخطوطة متاحة … تعود إلى سنة 1291… لم يشر أي عالم إلى (هذا الكتاب) قبل القرن الثالث عشر .(1)

(1) H. Freedman and Maurice Simon, eds. The Midrash Rabbah, translated into English with notes, London: The Soncino Press, p. vii.

ويقول الناقد ماريون ب. لرنر Myron B. Lerner إنّ الناقد هـ. ماك قد أثبت أنّ هذا المدراش هو نتاج القرن العاشر – الحادي عشر، وإنّه أخذ شكله النهائي في منتصف القرن الثاني عشر، وإنّه نتاج نشاط تفسيري لأحبار منطقة بروفنس بفرنسا أثناء القرنين العاشر والحادي عشر .(1)

(1) See Mack, Prolegomena, pp. 191-193 (Quoted by, Myron B. Lerner, ‘The Works of Aggadic Midrash and the Esther Midrashim.’ In Shmuel Safrai and others, ed. The Literature of the Sages: Second Part: Midrash and Targum, Liturgy, Poetry, Mysticism, Contracts, Inscriptions, Ancient Science and the Languages of Rabbinic Literature, Minnesota: Fortress Press, 2006, 2/155).

وخلاصة الخلاف بين النقاد هنا هو اعتبار هذا المدراش كتابًا واحدًا متجانسًا، أو كتابًا هو تجميع لعملين مختلفين من ناحية زمن التأليف؛ فعلى القول الأوّل الذي انتصر له أ. هـ. فايس I. H. Weis، وميركن Mirkin، فإنّ هذا الكتاب قد ألّفه موشه هادرشان كلّه في القرن الحادي عشر،(1) وعلى القول الثاني فإنّ جزءًا من هذا المدراش قد كتب في القرن التاسع في حين كتب الجزء الآخر في القرن الحادي عشر.

(1) See Hermann Strack and Gunter Stemberger, Introduction to the Talmud and Midrash, p. 310.

الفرع الخامس: مدراش الجامعة

ذكرت الموسوعة اليهوديّة Encyclopaedia Judaica أنّ مدراش الجامعة من ضمن المدراشات التي ألفت بعد ظهور الإسلام، ورجّح صاحبا كتاب فلسطين.

المثال الوحيد المدّعى من جايجر ومن شايعه من المستشرقين والمنصّرين هو ما جاء في مدراش أوتيوت دي ربي عقيبا 8.1: أمير النار يقول يوميًا أعطوني المزيد من الأكل لإرضائي لأنه قيل (إشعياء 14/5): لذلك وسعت الهاوية نفسها وفغرت فمها بلا حد فينزل بهاؤها وجمهورها وضجيجها والمبتهج فيها ، وهو أصل جاء في القرآن الكريم -بزعمهم-: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (30)﴾.

مضمون هذا النص المدراشي ثابت في الكتاب المقدس ذاته؛ إذ قد ورد في سفر إشعياء 14/5، ومنه أخذ مؤلّف هذا المدراش الفكرة التي ساقها. مجمل معنى ما جاء في الآية القرآنيّة الكريمة ورد أيضًا في سفر الأمثال 16-15/30: ثلاثة أشياء لا تشبع قط، والرابعة لا تقول كفى: الهاوية، والرحم العقيم، وأرض لا ترتوي من الماء، والنار التي لا تقول أبدًا كفى .

الفرع العاشر: أشهر الاقتباسات المدّعاة في المدراشات

هامان وقارون

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)﴾.

لم تذكر شخصيّة باسم هامان في الكتاب المقدّس إلا في سفر إستير، قالوا إنّ مدراش العدد ربا هو مصدر هذا الخلط؛ إذ قد جاء فيه: وظهر كذلك رجلان ثريّان في العالم، قورح في إسرائيل وهامان بين أمم الأرض، وقد قُطِع كلّ منهما من العالم .

الكتاب المقدّس صريح في نسبة هامان إلى زمن بعيد جدًا عن قارون، ولا يستقيم عند منصف أن تجتمع دعوى أنّ نبي الإسلام ﷺ يعرف دقائق الأسفار المقدسة، والأبوكريفا اليهوديّة، والتراث اليهودي التشريعي والتفسيري، مع القول بخطئه في التمييز بين البيئة الزمنيّة والمكانيّة لسفر العدد، وسفر إستير!

– لم يقل مدراش العدد ربا إنّ هامان كان معاصرًا لـ قارون، إنما جاء الحديث عنهما على أنهما كانا من الأثرياء في التاريخ البشري.

وصيّة (يعقوب) عليه السلام لبنيه

قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)﴾.

جاء في مدراش التكوين ربا 98، ومدراش التثنية ربا 2: نادى يعقوب أبناءه الاثني عشر لما كان مغادرًا الدنيا، وقال لهم: اسمعوا أباكم إسرائيل! أفي قلوبكم شك في الله؟ ، فقالوا: اسمع يا أبانا إسرائيل، كما أنه ليس في قلبك شيء من الشك في الله، فكذلك الأمر عندنا، الرب إلهنا، رب واحد ، ثم خاطبهم قائلًا: مبارك اسم المملكة العظيمة، إلى الأبد .

ليس يخفى على القارئ الخلاف في عرض وصيّة يعقوب لبنيه في النصين؛ ففي الآية القرآنيّة سئل الأبناء عمّن سيعبدون بعد وفاة أبيهم، وفي المدراش كان السؤال إن كان في قلوبهم شك في الله. جاء الفصل 49 من سفر التكوين في وصيّة إسحاق لبنيه، في تفصيل طويل لما سيكون منهم، والمطلوب منهم، وقد جاء النص القرآني مصوّبًا لما غفلت عنه هذه الوصيّة، بالأمر بالإخلاص (لأصل) الدين؛ وهو التوحيد.

المطلب الثالث: التلمود

يملك اليهود تلمودين اثنين: التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي،(1) ألّف الأوّل في بابل، وألّف الثاني في فلسطين.

(1) هي تسمية غير صحيحة: لأنّ هذا التلمود لم يكتب في (أورشليم)، وإنما كتب في (طبرية)، ولكننا مع ذلك سنحافظ عليها مراعاة للعرف.

لا بدّ أن نعترف -بكل أسف- أنّ عامة ما كُتب باللغة العربيّة عن التلمود لا يكاد يصنّف خارج دائرة (السباب)، و(الكلام العائم)، رغم أنّ الدراسات التلموديّة تعتبر من أدق التخصصات العلميّة في الغرب، وهو تخصص يحتاج أدوات علميّة عالية، وتمكن معرفي، وصبر على البحث.

لا بدّ أن نخرج من دائرة (الكلام الإنشائي) عن اليهودية والتلمود، ونتجاوز (عبثيّات) الكلام الخطابي الموصول بشعارات جاهليّة، تركب متن (القوميّة العربيّة)، وندرس اليهوديّة من أصولها ومراجعها المعتبرة، في ضوء حقائق الوحي (القرآن الكريم والسنّة النبويّة)، والأدوات المعرفيّة المعتبرة.

إنّ التلمود -بالتاء المفتوحة لا المضمومة كما هو شائع!- في الذهنيّة العربيّة هو في اختزال مخل جدًا: (كتاب سري مخيف)! لكنّه في حقيقة أمره يمثل التراث الشفهي اليهودي الذي يجمع الحق والباطل، وفيه بقيّة من رسالات الأنبياء، مع كم هائل من خيالات الأحبار واجتهاداتهم، وهو يجمع إلى الأهواء البشريّة المنحرفة، بعض الحكم النديّة، ولا تزال الدراسات الغربيّة اليوم -رغم ما بذلت من جهد- على شاطئه، تحاول الغوص في أعماقه، ومعرفة منابعه.

وقد صدر كتاب التلمود: كتاب اليهود المقدس للدكتور أحمد أبيش، (دار قتيبة 2006)، كمدخل لدراسة التلمود بنفس علمي، يجمع بين الرؤية القرآنيّة الأصيلة، والقراءة العلميّة الموضوعيّة الهادئة، ولعلّه يكون بداية لتأسيس مكتبة عربيّة علميّة جادة في هذا الموضوع؛ للخروج من مرحلة (الطيش الصبياني) التي يمثلها الكتاب المزيّف بإجماع المتخصصين: (بروتوكولات حكماء صهيون)، والكتابات الخطابيّة (الجوفاء)، التي تضخّها مطابعنا، والتي تنفي عن أمتنا كل تقصير أو انحراف، وترى أنّ (حكماء صهيون) هم الذي يتصرفون في الكون، ويعلمون السرّ وأخفى ..! وهو منهج (التخدير) الذي يلبس لبوس (الوعي السياسي) ..، وقد نسي هؤلاء أنّ أمتنا لا تهزم البتة من خارجها، وإنّما هزيمتها لا تكون إلا من داخلها، حين تترك الانتصار لرسالة الوحي التي نزلت بين أظهرها، وصدق ربّي إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (سورة محمد).

يحتل التلمود البابلي مقامًا أعظم بين اليهود؛ حتّى إنه إذا أطلقت كلمة (تلمود)؛ انصرف المعنى إليه مباشرة.

الفرع الأول: التراث الشفهي التلمودي ورسالة الأنبياء

التشابهات الحقيقيّة بين القرآن الكريم والتلمود في بعض التفاصيل القصصيّة، قليلة جدًا، وتفسيرها المنطقي الذي يجمع كلّ الحقائق الموضوعيّة هو أنّ التلمود كالعهد القديم قد جمع حقًا إلى باطل، وأنّه لا يخلو من بقايا وحي ربانيّ،

ومن الخطأ أن يُظنّ أنّ اليهود قد حفظوا كل ما أخذوه عن موسى عليه السلام وعشرات الأنبياء الذين تلوه في هذه الأسفار القليلة التي بين أيدينا المجموعة في (التناخ).

قال الحبر عدين ستينزالص Adin S Steinsaltz -أحد كبار العلماء اليهود المعاصرين (ولد سنة 1937م)، وهو ناقد وفيلسوف ومؤلّف اشتهر بتعليقه على التلمودين البابلي والأورشليمي وترجمتهما إلى العبريّة والفرنسيّة والروسيّة والإسبانيّة. وحاصل على العديد من شهادات الدكتوراه الفخريّة من الجامعات الغربيّة-: حفظت مادة التلمود في الذاكرة وتم تناقلها شفهيًا لقرون .(1)

(1) Adin S Steinsaltz, The Talmud. The Steinsaltz Edition. A Reference Guide, N.Y.: Random House, 1989 (Quoted by, Jacob Neusner, The Reader’s Guide to the Talmud, Leiden: Brill, 2001, p. xv)

وقال ب. أ. نوردل: التلمود هو مستودع الشريعة، واللاهوت، والتفسير، والفلسفة، والقانون الطبيعي، والتعليم الطبي، والأخلاق، والسياسة، والاقتصاد المنزلي، كما فهمت ونوقشت في المدارس الحاخاميّة على مدى ما يقارب ألف سنة بعد كتابة العهد القديم .(1)

(1) P. A. Nordell, The Origin and the Formal Contents of the Talmud, The Hebrew Student, Vol. 2, No. 1 (Sep, 1882), p. 15

وقال الدكتور أحمد أبيش: كان أول تدوين فعلي للتراث الديني اليهودي في القرن الخامس قبل الميلاد، على يد عزرا الكاتب، الذي يعده اليهود واحدًا من أنبيائهم الاخرونيم -أي التالين)، وله في العهد القديم سفر خاص به، ورد فيه لقبه: عزرا الكاهن الكاتب، كاتب كلام وصايا الرب. وعلى ذلك، ما كان مجرد المدون الأول لأسفار اليهود، بل والمؤسس الفعلي لليهودية الباكرة المستندة إلى التوراة (كتاب العهد). بعد عزرا، قام بمتابعة مهمة التدوين طائفة من الكتبة -أو كتبة الشريعة) عرفوا بالعبرية باسم سوفريم، فجمعوا أسفار التوراة وشرحوها، وربطوا بها التراث المروي شفاهيا، وراحوا يتناقلونه كشرح متواتر. وعلى امتداد 300 سنة، قاموا باستنباط أحكام التوراة وتكييفها حتى أضحت شريعة تفاعلية، كما أنهم سنوا طائفة من الشرائع اصطلح على تسميتها كلام السوفريم. وبنهاية هذه المرحلة، كانت اليهودية الربانية أو الحاخمية قد تأسست بشكل واضح. ثم في بداية القرن الثاني قبل الميلاد، تألفت هيئة قضائية برئاسة الـ زوجوت – أي المثاني من حكماء الدين- وصارت بمثابة سلطة هلخائية -تشريعية). ومن هؤلاء المثاني ظهر خمسة أجيال بين حوالي عام 30-150 ق.م، قام أول جيل منهم بوضع الأسلوب المشنائي في تداول الشريعة الشفاهية. غير أن تدوين المشناه لم يتم في الواقع إلا بين القرنين الثاني والثالث، على يد الجيل الأخير من الزوجوت: هليل وشماي، في عصر التنائيم -معلمي المشناه) أواخر القرن الأول ق.م. وهذه الفترة تميزت بمحاولات متكررة لجمع مواد المدراش والمشناه المبعثرة، فتم جمع المشناه بأكملها في مدرستي هليل وشماي مطلع القرن الثالث الميلادي، وتابعها حاخامات أخر مثل يوحنان بن زكاي (في مدرسته بيبنه)، والرابي عقيبا الذي جمع مواد متميزة من المدراش والمشناه والهجداء. بعد قيام الثورة اليهودية ضد الرومان بقيادة شمعون باركوخبا 135 – 132م، تم إحياء السنهدرين (المحكمة التشريعية العليا)، فأقر رئيسها يهودا هناسي (الرئيس) المجموعة التشريعية التامة للمشناه، وهي التي يضمها التلمود اليوم. ولم يتم آنذاك إضافة مواد من المدراش أو الهجداه، ثم شرع تلامذته يضيفون البرايتوت -(المواد الدخيلة) ومنها التوسفتا -(التذييل)، بينما تم جمع المدراشيم في مصنفات مستقلة. وخلال الثلاثة قرون التالية قام الأمورائيم بإضافة الجمار -(الفلسطينية والبابلية)، حتى اكتمل جمع التلمود بصورة عامة في القرن السادس الميلادي . (التلمود، كتاب اليهود المقدس، ص27-26).

قال رسول اللّٰه ﷺ في الحديث المتفق عليه: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ… ، وقد جاء أيضًا في نصوص (التناخ) أنّ الأنبياء في بني إسرائيل كانوا كثرة هائلة، وهذا أمر أدعى لحفظ شيء من التراث الشفهي القديم من خلال تعاليم الأنبياء وإخباراتهم.

اليهود لما أعادوا كتابة التوراة عند السبي البابلي، قد شوّهوا النص بما أسقطوه من حديث، وما أدخلوه فيه؛ أدركنا عندها أنّ التراث الشفهي اليهودي المحفوظ في التلمود ليس خرافة محضةً، وإنّما هو خليط من حقّ وباطل، كما هو الأمر أيضًا في التراث المقدس المكتوب: (التناخ)، خاصة أنّ التلمود قد كتب أساسًا لحفظ التراث القديم الأصيل.

اضطرّ جايجر إلى أن يقول في ختام كتابه -تحسّبًا لما قد يُعترض به عليه- إنّه يقرّ أنّه ليس بالإمكان الزعم ببطلان جميع ما أوردته الأسفار اليهوديّة غير الرسميّة، وإن بدا في أذهاننا أنّ ما أوردته ليس إلا خرافة؛ لأنّه قد يكون له معنى آخر في صورته الأصليّة قبل أن يتغيّر شكله على ألسنة الناس.(1)

(1) See A. Geiger, Judaism And Islam, p.161.

الفرع الثاني: هل اطلع النبي ﷺ على التلمود؟

يقول دليل كمبردج للتلمود والأدبيات الحاخاميّة The Cambridge Companion to the Talmud and Rabbinic Literature: تراثًا يمتد في أدنى الأحوال على مدى 500 سنة (200م – 700م).(1) جلّ هذا التراث لا يمكن تحديد تاريخه بدقة؛ ولذلك فإنّه ليس بإمكاننا أن نعرف إذا كان مصدر (تراث ما منه) يعود إلى بداية هذه الفترة أو آخرها .(2)

(1) اختلف النقاد في زمن الانتهاء من صياغة التلمود البابلي بين 500م و700م، وليس عند من يقررون أنّ زمن الانتهاء من الصياغة هو سنة 500م دليل حاسم للنزول إلى هذا التاريخ. كما أنهم هم أنفسهم لا ينكرون أن تنقيح التلمود والإضافة إليه كان ممارسًا على مدى القرن الثامن على يد الأحبار السفورايم.

(2) Charlotte Elisheva Fonrobert and Martin S. Jaffee, eds. The Cambridge Companion to the Talmud and Rabbinic Literature, Cambridge: Cambridge University Press, 2007, p.59.

وصرّح الناقد الكبير جونتر ستمبرجر Gunter Stemberger في بحثه المعنون بـ: تأريخ التراث الحاخامي Dating Rabbinic Traditions بترجيحه أن يكون التلمود البابلي قد انتهي من تأليفه بعد ظهور الإسلام: تاريخ في فترة ما بعد الغزو الإسلامي، يبدو أكثر واقعيّة .(1) خاصة أنّ بابل (العراق) قد فتحت سنة 633م وأصبحت معقلا للثقافة الإسلاميّة في ذات القرن السابع الميلادي.

(1) Reimund Bieringer and others, eds. The New Testament and Rabbinic Literature, Leiden: BRILL, 2009, p.82.

كُتب التلمود بالآراميّة وبالعبريّة، ولا تعرف له قطعًا ترجمة عربيّة زمن البعثة النبويّة، بل ولا تعرف له ترجمة عربيّة كاملة البتّة حتى سنة 2011م.(1) فكيف سيطّلع على التلمود الذي لا يتداوله إلا خاصة الأحبار.

(1) صدرت هذه الترجمة عن مركز دراسات الشرق الأوسط، عمّان.

التشابهات الحقيقيّة بين بعض التفاصيل التلموديّة وبين ما جاء في القرآن الكريم (وهي قليلة جدًا)، لا نجد في كلام المفسرين من الصحابة والتابعين – وفيهم من كان قبل إسلامه على دين أهل الكتاب- أثرًا لنسبتها إلى أخبار بني إسرائيل -تصريحًا أو إضمارًا-؛ مما ينفي أن تكون حاضرة في ثقافة الجزيرة العربيّة لأهل الكتاب والوثنيين، رغم أنّ السياق يقتضي استحضارها في مقام تفسير النصوص القرآنيّة.

الفرع الثالث: مرجعيّة التراث الشفهي اليهودي في العهد الجديد

الفرع الرابع: دلالة العهد القديم على وجود كتابات دينيّة مندثرة

يشهد العهد القديم على وجود أسفار يهوديّة لا نعرف اليوم لها أثرًا، بل ولا كانت تعرف زمن المسيح، وإنما كانت معروفة لليهود قبل المسيح بقرون، ومن الراجح أنّ أجزاء منها قد خرجت من الحفظ الكتابي إلى التوارث الشفهي؛

الفرع الخامس: هل خلط القرآن الكريم بين التراثين: المكتوب والشفهي؟

تدلّ النصوص النبويّة الكثيرة، وفهم الصحابة لها – وفهمهم حجّة بلا شك في بيان دلالات الأقوال النبويّة – على أنّ الرسول ﷺ لم يكن يرفض ما يذكره اليهود عن تاريخ الأنبياء إذا لم يكن منصوصًا عليه في الأسفار المقدّسة؛ ومن أدلّة ذلك حديث: لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا… ، فقد فهمه علماء الإسلام منذ زمن الصحابة إلى اليوم على أنه لا يختص بالقصص المضمنة في التوراة المحرّفة، وإنّما يشمل كل ما يرويه اليهود من قصص السابقين وأقوالهم، سواء وردت في الأسفار المقدسة، أم لم ترد، وكذلك الأمر بالنسبة للنصارى وأسفارهم؛ إذ لم يُعهد عن الصحابة وأهل العلم في الأجيال التالية سؤالهم أهل الكتاب عن أصل ما يخبرون به، أمن الأسفار المقدّسة هو، أم من القصص المتوارثة غير المكتوبة؟

الفرع السادس: أشهر الاقتباسات المدّعاة

سبع سماوات

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3)﴾.

القول إن السماوات سبعٌ، موجودٌ أيضًا في عدد من الأسفار الأبوكريفيّة النصرانيّة المبكّرة: صعود إشعياء (القرن الأوّل)، رؤيا إبراهيم (القرن الأول أو الثاني)، أخنوخ (السلافية) (القرن الثاني)، رؤيا بولس (القرن الثالث)، حياة آدم وحواء (اليونانيّة) (من القرن الأوّل إلى الرابع)، أسئلة عزرا (الزمن غير معروف).(1)

(1) See Daniel C. Harlow, The Greek Apocalypse of Baruch (3 Baruch) in Hellenistic Judaism and Early Christianity, Leiden: BRILL, 1996 , p.46

المطلب الرابع: تفسير راشي

ذكر كل من جايجر،(1) تسديل،(2) أنّ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، مأخوذ من اليهود، ودليلهما قول راشي في تعليقه على تكوين 2/1: إنّ عرش الربّ على الماء.

(1) See A. Geiger, Judaism and Islam, 1970, p. 72

(2) See St. Clair Tisdall, The Original Sources of the Quran, 1911, p.123

راشي المتحدّث عنه، هو حبر يهودي شهير اسمه الحقيقي شلومو يتسحاقي، ولد سنة 1040م، وتوفي سنة 1105م! فكيف يكون كلامه مصدرًا للقرآن الكريم النازل في القرن السابع؟! عاش راشي صاحب الثقافة الواسعة والذي ولد في شمال فرنسا، في زمن تراكمت فيه كتابات اليهود في الأندلس المجاورة له حيث بسطت الثقافة الإسلاميّة سلطانها، وبلغت أوج إشعاعها، و قد كانت إسبانيا (الأندلس) الأرض الخصبة للمسلمين والمسيحيين واليهود لتبادل الأفكار؛ ولذلك لا يُستغرب أن نرى أنّ طبقة أكبر المفسّرين اليهود كانت من اليهود الإسبان .(1)

(1) Stephen M. Wylen, The Seventy Faces of Torah: the Jewish way of reading the sacred Scriptures, New Jersey: Paulist Press, 2005, p.139

وقال الناقد اليهودي أفراهام جروسمان Avraham Grossman في بحثه المعنون بـ: مدرسة التفسير اليهودي الحرفي في شمال فرنسا : التفسير اليهودي في النصف الثاني من القرن الحادي عشر ترجع إلى ثلاثة عوامل، أوّلها (تأثير الثقافة الإسبانيّة-اليهوديّة): علماء النحو اليهود في إسبانيا الذين كانوا كثيرًا ما يتعاملون مع تفسير الأسفار المقدسة، كان لهم تأثير كبير على راشي وتلاميذه. كقاعدة، كان هناك اتصال وثيق بين المراكز اليهوديّة في فرنسا وفي إسبانيا منذ النصف الأوّل من القرن الحادي عشر … إدراك راشي لأهميّة اللغة العربيّة لشرح الكلمات العبريّة للأسفار المقدسة يعود بدرجة كبيرة إلى تأثير النقاد الإسبان .(1)

(1) Avraham Grossman, ‘The School of Literal Jewish Exegesis in Northern France,’ in Magne Saebo, Hebrew Bible, Old Testament: the history of its interpretation, the middle ages, Gottingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2000 , V. 1/2 p.327

الفصل الثاني: الكتابات الدينية النصرانية

المبحث الأول: أناجيل الطفولة

المطلب الأول: اعتراضات أوّلية

غياب الدليل التاريخي المحكم على انتشار الأسفار الأبوكريفيّة للطوائف المهرطقة في الجزيرة العربيّة زمن البعثة النبويّة.

موسوعة الإسلام Encyclopaedia of Islam الاستشراقيّة تعلّق على التشابهات بين بعض القصص القرآني وما جاء في بعض الأناجيل الأبوكريفيّة بقولها: إنّ ذلك لا يدلّ على وجود صلة مباشرة بينهما، وإنّ الأرجح -بزعمها- هو وجود تراث شفهي مشترك كان مصدرا لهما.(1)

(1) See A. J. Wensinck, ‘Maryam,’ in P. Bearman, Th. Bianquis, C. E. Bosworth, E. van Donzel and W. P. Heinrichs, eds. Encyclopaedia of Islam, Brill Online, 2010

غياب ترجمات عربيّة لهذه الأسفار الأبوكريفيّة زمن البعثة النبوية.

كثرة هذه الأسفار المدّعى مصدريّتها، وتنوّع أصولها (يوناني، سرياني، قبطي، لاتيني، …) وتباعد مواطنها؛ يطرح سؤالًا جادًا حول قدرة نبي الإسلام ﷺ على الإحاطة بها،

فلو أنّ تلك الأسفار كانت مشتهرة في البيئة العربيّة في القرن السابع ميلاديًا لكان الدفاعيون النصارى الذين عاشوا داخل الدولة الإسلاميّة، وكتبوا مؤلفاتهم في السرّ، أو الذين عاشوا في الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة المحاذية للعالم الإسلامي، وصنّفوا كتاباتهم ضدّ الإسلام بدعم من البابوات والأباطرة، قد ذكروها.

إنجيل توما المكتشف في نجع حمادي في مصر سنة 1945م، حيث يعدّ اليوم عند عامة النقّاد أحد مصادر الأناجيل الرسمية، أو النصّ الذي ينقل الكثير من أقوال المسيح في هذه الأناجيل في صورة أقرب إلى الأصل.(1)

(1) يقول الناقد الكتابي الموسوعي هلمت كووستر Helmut Koester (ولد سنة 1926م): إذا نظر الواحد إلى شكل أقوال (المسيح) في إفرادها وألفاظها، في مقارنة لها بالشكل الذي حفظت فيه في العهد الجديد: فإن إنجيل توما سيبدو دائمًا تقريبًا محافظا على شكل أكثر أصالة للقول التقليدي، أو سيُظهر ترجمات قائمة على أشكال أكثر أصالة . وقال الناقد ستيفن ل. ديفيز Stevan L. Davies أستاذ الدراسات الدينيّة في كليّة مزركوريا في دالاس: لاحظ العديد من النقاد أنّ إنجيل توما يحمل أجلى صورة بدائيّة ممكنة للتراث المكتوب . انظر:

Stevan L. Davies, The Gospel of Thomas, Massachusetts: Shambhala Publications, 2002, p. xlii

إنّ معرفتنا بالأبوكريفا النصرانية عامة وأبوكريفا الطفولة خاصة، لا تزال على درجة كبيرة من الضعف، كما أنّنا لا زلنا إلى اليوم نكتشف مخطوطات كتب أبوكريفيّة لم نكن نعلم عنها شيئًا، أو لم نكن نعرف غير اسمها، علمًا أنّ بعض العلماء يقول إنّ منها ما يعود أصل تأليفه إلى القرن الأوّل ميلادي، ومنها- كما هو مذهب الناقد البارز جون دومينيك كروسان:(1)

إنجيل توما Gospel of Thomas: تحريره الأوّل 50م.(2)

شذرة الفيوم Fayyum Fragment: 50م.

البرديّة البهنسيّة 1224 Papyrus Oxyrhynchus 1224: 50م.

البرديّة البهنسيّة 840 Papyrus Oxyrhynchus 840: 50م.

مجموعة الحوار Dialogue Collection: نسخة مهذبة للرسالة الغنوصيّة القبطيّة.

حوار المخلّص Dialogue of the Savior: آخر العقد السابع من القرن الأول.

الكتاب السري ليعقوب Apocryphon of James: ألف في النصف الأوّل من القرن الثاني، لكنه يضمّ تراثًا يعود إلى سنة 50م.(3)

(1) جون دومينيك كروسان (ولد سنة 1934م): قسيس كاثوليكي سابق، وأحد مؤسسي (ندوة يسوع). أحد أئمة دراسات النقد الأعلى للعهد الجديد في العالم، وأحد أهم من كتب حول يسوع التاريخي في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين.

(2) ذكر المعجم الكتابي Dictionary of New Testament Background (ص72) أنّ من النقاد من انتصر للقول إنّ هذا الإنجيل هو أحد مصادر إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا.

(3) See John Dominic Crossan, The Historical Jesus: The Life of a Mediterranean Jewish Peasant, San Francisco: Harper Collins, 1991, pp. 427-434

من الأمور التي تكشف وجود تراث متعلّق بطفولة المسيح مواز لما في الأناجيل الرسميّة في المرحلة المبكّرة للنصرانيّة، قول أريجن إنّ المسيح قد ولد في كهف، وهو ما قاله أيضًا جستين الشهيد،(1) وجيروم،(2) وقد وردت هذه القصّة في إنجيل يعقوب الأوّلي؛ الفصول 20-19-18، رغم أنّ ذلك يخالف ما يفهم ممّا جاء في العهد الجديد من أنّ المسيح قد ولد في اصطبل، أو فندق/ مضافة في بيت.(3) كما أنّ التراث النصراني قد قَبِل أنّ والدي مريم اسمهما: يواقيم وحنّة. ومعلوم أنّ هذا التفصيل لم يرد في الأناجيل القانونيّة، وإنّما ورد أوّلًا -فيما نعرف اليوم- في إنجيل يعقوب الأوّلي.

(1) جستين الشهيد (103م – 165م): قديس وفيلسوف. من أوائل الكتاب الدفاعيين النصارى.

See Justin the Martyr, ‘Dialogue with Trypho,’ 78, in Ante-Nicene Fathers, Buffalo: The Christian Literature Publishing Company, 1885, 1/237.

(2) جيروم (347م – 420م): قديس. من أهم آباء الكنيسة. صاحب أهم ترجمة لاتينية للكتاب المقدس والمسماة Vulgate. له مؤلفات أخرى كثيرة.

See Jerome, Epistle to Paulinus, 58. 3 in Post-Nicene Fathers, New York: The Christian literature company, 1893, 6/120

(3) الكلمة اليونانية تحتمل هذين المعنين (انظر:

I. Howard Marshall, The Gospel of Luke: a commentary on the Greek text, Michigan: Wm. B. Eerdmans Publishing, 1978, p. 107; Compare, Marvin R. Vincent, Word Studies in the New Testament, Virginia: MacDonald Publishing, 1/268-269)

أقوالًا كثيرة نسبها الآباء في كتبهم إلى المسيح دون أن تكون موجودة في العهد الجديد (كـ جستين الشهيد، وأريجن، وكلمنت السكندري، وإيرانيوس، وجيروم، …)،(1) وهذا دليل على حجيّة ما ورد عن المسيح من غير طريق الأسفار المقدّسة عند معصومي الكنيسة (الآباء).

(1) See James Donehoo, The Apocryphal and legendary life of Christ: being the whole body of the Apocryphal gospels and other extra canonical literature which pretends to tell of the life and words of Jesus Christ, including much matter which has not before appeared in English, New York: The Macmillan company, 1903, pp.242-265

القرآن الكريم لم يتبنّ أيا من الروايات الكليّة لهذه الأسفار، بل لم يوافقها إلا في أقل القليل.

المطلب الثاني: تاريخية طفولة المسيح في الأناجيل الأربعة

الفرع الأول: تناقضات

لا يوجد أي أثر في العهد الجديد يشير إلى أن مريم من نسل داود، وقد جاء في لوقا 4 /2 أن يوسف قد صعد إلى بيت لحم في اليهوديّة للتسجيل في الإحصاء؛ لأنّه من بيت داود، مما يوحي أنّ مريم ليست كذلك. جاء في لوقا 5 /1 أنّ مريم قريبة لـ إليصاباث، وأنّ إليصاباث من نسل هارون؛ فهي من سبط لاوي، لا من سبط يهوذا الذي منه داود، وقد جاء في شريعة العهد القديم أنّه لا يجوز للمرأة أن تتزوج من غير سبطها؛ فكانت مريم بذلك هارونيّة لا داوديّة.

إلى من أعلن الملاك بشارة الميلاد العذري؟: متّى 1: 20-21: إلى يوسف . لوقا 1: 26-38: إلى مريم .

هل بشرى الميلاد العذري كانت قبل الحمل أم بعده؟ لوقا 26-1 /1 قبل. متى 20-18/1: بعد.

ماذا وقع بعد العلم بما نواه هيرودس من قتل المسيح الصبي؟ متّى 13-15 /2: سافر المسيح وأمه ويوسف إلى مصر. لوقا 22-52 /2: مكثوا في فلسطين.

الفرع الثاني: أخطاء

جاء في متّى 1/2 أنّ المسيح قد ولد في زمن هيرودس، وأن هيرودس قد قتل الصبيان من ابن سنتين فما دون، في بيت لحم وجوارها بعد فترة قصيرة من ذلك .. لكننا نعلم في المقابل أنّ هيرودس قد توفيّ سنة 4 قبل الميلاد!

النتيجة: ولد المسيح في السنة الرابعة قبل الميلاد، أو قبلها بقليل أي السنة 5 ق م أو 6 ق م.

نقرأ في المقابل في إنجيل لوقا 1/2-7 أنّ المسيح قد ولد إبّان إحصاء كيرينيوس، ومعلوم أنّ هذا الإحصاء قد تمّ سنة 6-8 ميلاديا!

الفارق الزمني بين تاريخ ميلاد المسيح في متّى وتاريخه في لوقا لا يقلّ عن عشر سنوات!

جاء في سلسلة النسب في متّى بعد عرض التفاصيل: ومن السبي البابلي إلى المسيح أربعة عشر جيلًا ، في حين يفهم من الفصل 3 من سفر أخبار الأيام الأول أنّ هذه الفترة قد استغرقت 18 جيلا.

الفرع الثالث: خرافات

مجزرة هيرودس:

يعتبر قتل هيرودس لجميع الصبيان في بيت لحم وكلّ المناطق المجاورة دعوى يكذبها التاريخ لأسباب عديدة؛ من أهمها أنّ المؤرّخين الذين عايشوا تلك الفترة – يوسيفوس – لم يذكروا عنها شيئًا رغم أنهم قد ذكروا عن هيرودس أمورًا أقلّ قيمة، ومنكرات أقل شناعة، والأمر لا يعدو أن يكون محاولة للمماثلة بين قصّة موسى عليه السلام مع فرعون كما وردت في الكتاب المقدّس، والتراث اليهودي،(1) حيث قتل فرعون المواليد الجدد خشية ظهور مولود جديد يهدد ملكه، وهو ما له نظير أيضًا في التراث الوثني.(2)

(1) See Josephus, Antiquities, 2. 205-209, Tg. Ps.-j. on Ex. 1/15

(2) See William David Davies and Dale C. Allison, Matthew 1-7, Continuum International Publishing Group, 2004, p265, John Nolland, The Gospel of Matthew: a commentary on the Greek Text, Michigan: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2005, p.214

الفرع الرابع: اقتباسات للتكييف التاريخي

من مصر دعوتُ أبني:

رحلة المسيح إلى مصر ليست إلاّ أسطورة نصرانيّة، وقد أراد مؤلّف إنجيل متّى صناعة موازاة بين قصّة المسيح وقصّة موسى عليهما السلام، والنصّ المقتبس هو من هوشع 1 /11.

راحيل الباكية والمجزرة الوهميّة:

جاء في متى 17-18 /2: عندئذ تم ما قيل بلسان النبي إرمياء القائل: صراخ سمع من الرامة: بكاء ونحيب شديد! راحيل تبكي على أولادها، وتأبى أن تتعزى، لأنهم قد رحلوا ! اقتباس مؤلّف إنجيل متّى هو من إرمياء 15/31: هذا ما يعلنه الرب: قد تردد في الرامة صوت ندب وبكاء مر. راحيل تنوح على أبنائها وتأبى أن تتعزى عنهم لأنهم غير موجودين .

في تعليقهما على إنجيل متّى: الاقتباس من إرمياء 15/31، ليس من الترجمة اليونانية السبعينية، بل هو ترجمة من النصّ العبري .(1)

القصة المزعومة في إنجيل متى، (وقعت) في بيت لحم، لا الرامة المذكور في سفر إرمياء (الرامة تبعد 5 أميال عن بيت لحم).

(1) William F. Albright and C.S. Mann, Matthew, new translation with introduction and commentary, New York: Doubleday, 1971, p.19

المطلب الثالث: قراءة في الاقتباسات المدعاة

الفرع الأول: ولادة المسيح تحت نخلة

قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)﴾.

الرواية الأبو كريفيّة:

جاء في كتاب أبوكريفي اسمه متّى المنحول: لكن في اليوم الثالث بعد ارتحاله حدث أنّ مريم تعبت في البريّة من شدة حرارة الشمس. فلما رأت شجرة قالت ليوسف: لنسترح هنيهة تحت ظلّ هذه الشجرة. فبادر يوسف وأتى بها إلى تلك النخلة وأنزلها من دابتها. ولما جلست شخصت بعينيها إلى أعلى النخلة فرأتها ملآنة بالثمر، فقالت ليوسف: يا ليتني آخذ قليلًا من ثمر هذا النخل. فقال لها يوسف: يا للعجب! كيف تقولين هذا وأنت ترين أن أفرع هذه النخلة عالية جدًا؟ لكنّي في غاية القلق بخصوص الماء، لأنّ الماء الذي في قربتنا قد نفد، ولا يوجد مكان نملأ القربة منه لنروي ظمأنا. ثم قال الطفل يسوع الذي كان متكئًا على صدر أمه مريم العذراء ووجهه باش: يا أيتها الشجرة، أهبطي أفرعك لتنتعش أمي بثمرك. وحالما سمعت النخلة هذا الكلام طأطأت فورًا رأسها عند موطئ قدمي مريم، فالتقط الجميع من الثمر الذي كان عليها وانتعشوا، وبعد ذلك لما التقطوا جميع ثمرها استمرت النخلة مطأطئة رأسها، لأنها كانت تنتظر الارتفاع بأمر مَن قد طأطأت رأسها بأمره. فقال لها يسوع: ارفعي رأسك يا أيتها النخلة، وانشرحي صدرًا، وكوني من أشجاري التي في جنة أبي. افتحي بجذورك الينبوع المستتر في الأرض، ولتفض المياه من هذا الينبوع.. ففي الحال انتصبت النخلة، ونبعت من جذورها مجاري مياه زلال صافية باردة، آية في غاية الحلاوة. ولما رأوا مجاري المياه هذه فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا، فرووا ظمأهم مع جميع بهائمهم وخدمهم وحمدوا الله .

تختلف القصة الأبوكريفيّة عن القصّة القرآنيّة من عدة نواح،

الزمان: القرآن الكريم: عند ميلاد المسيح، حكاية مولد مريم: بعد ميلاد المسيح.

المكان: القرآن الكريم: قريبًا من مسكن مريم في مكان متخفٍ، حكاية مولد مريم: في البريّة، أثناء رحلة الهروب إلى مصر.

الحضور: القرآن الكريم: مريم لوحدها، حكاية مولد مريم: مريم والمسيح ويوسف النجار والخدم والبهائم.

من أجرى المعجزة: القرآن الكريم: اللّٰه سبحانه خرق لمريم السنن الكونيّة، مريم هي التي هزّت الجذع بيدها، حكاية مولد مريم: يسوع الوليد هو الذي أجرى المعجزة.

تاريخ هذا الإنجيل غامض جدًا، وقد رجّح العديد من النقاد أنّ إنجيل متّى المنحول قد ألف في القرن الثامن أو قريبًا من ذلك -قبلا أو بعدًا-

قال الناقد روبرت ملر Robert Miller: ربما كان القرن الثامن أو التاسع احتمال جيّد. ألف الإنجيل باللاتينيّة، ولا يوجد أي شيء يوحي أنّه قد ترجم عن العبريّة كما هو الزعم الوارد في الرسالتين المضمّنتين في مقدمته. توجد أكثر من 130 مخطوطة لهذا النص، كلّها لاتينيّة .(1)

(1) Robert Miller, Born Divine, the Births of Jesus and other Sons of God, California: Plebridge Press, 2003, pp.309-310

قال لينت ر. موير Lynette R. Muir: إنجيل متى المنحول: نسب إلى جيروم، ولكن ربما لم يؤلّف قبل القرن الثامن .(1)

(1) Lynette R. Muir, The Biblical Drama of Medieval Europe, New York: Cambridge University Press, 2003, p.89

هذا الإنجيل مؤلّف لاتيني من القرن الثامن .(1)

(1) Richard P. McBrien, eds. The HarperCollins Encyclopedia of Catholicism, New York: HarperCollins, 1995, p.53

قال الناقد ج. ك. إليوت J.K. Elliott: يعود في شكله الحالي إلى القرن الثامن .(1)

(1) J. K. Elliott, The Apocryphal Jesus, Legends of the Early Church, Oxford: Oxford University Press, 2008, p. 11

قال ج. أ. تزيولاس J. A Tasioulas: مؤلّف من القرن الثامن أو التاسع .(1)

(1) J. A. Tasioulas, ‘Between Doctrine and Domesticity: The Portrayal of Mary in the N-Town Plays,’ in Diane Watt, ed. Medieval Women in their Communities. Toronto: University of Toronto Press, 1997, p.228

قال صاحبا كتاب Documents for the Study of the Gospels: ربّما كتب هذا الإنجيل في القرن الثامن أو التاسع .(1)

(1) David R. Cartlidge and David L. Dungan, eds. Documents for the Study of the Gospels, Minneapolis: Fortress Press, 1994, 2nd edition, p.91

جاء في كتاب: (Illuminating Luke: the public ministry of Christ in Italian renaissance and baroque painting) أن هذا الإنجيل قد كتب في القرن الثامن أو التاسع (2).

(2) Heidi J. Hornik and Mikeal Carl Parsons, Illuminating Luke: the public ministry of Christ in Italian renaissance and baroque painting, MI: Continuum International Publishing Group, 2/47.

قال عنه معجم (The Westminster Dictionary of the New Testament and Early Christian Literature and Rhetoric): جمعٌ لإنجيل الطفولة ليعقوب، وإنجيل الطفولة لتوما، في القرن الثامن مع بعض المواد الحرّة في الفصول 18-24 .(3)

David E. Aunc, The Westminster Dictionary of the New Testament and Early Christian Literature and Rhetoric, London: Westminster John Knox Press, 2003, p.203.

أُلّف هذا الإنجيل باللغة اللاتينيّة.

أقدم نسخ هذا الإنجيل (القرن التاسع) وجدت في أوروبا (فرنسا وألمانيا)؛ وهو ما يثبت أصلها الأوروبي؛

أقرّ الناقد ج. ك. إليوت صراحة أنّ إنجيل متّى المنحول لم يُعرف في الشرق، ولا في ترجمات اللغات الشرقيّة.(1)

(1) See J.K. Elliott, The Apocryphal New Testament, Oxford: Oxford University Press, 2005, p.84

وقد لخص الناقد ستيفن ج. شوميكر (Stephen J. Shoemaker) النقاط السابقة -رغم حماسته الأولى للتشابهات بين القصتين، وترجيحه لتاريخ تأليف هذا الإنجيل بين القرنين السادس والسابع-في قوله: يبدو أنّ إنجيل متى المنحول قد كتب متأخرًا نوعًا ما؛ مما يمنعه من أن يكون له أثر على النص القرآني، والأهم من ذلك أنّ هذا الإنجيل الأبوكريفي قد ألف ابتداءً باللغة اللاتينية في مكان ما في الغرب النصراني، وكان مجهولا تمامًا في الشرق النصراني .(4)

Stephen J. Shoemaker, Christmas in the Qur’an: The Qur’anic Account of Jesus’ Naivety and Palestinian Local Tradition. Jerusalem Studies in Arabic …. J Islam 28 (2003), p.19

غياب ترجمة سريانيّة لـ إنجيل متّى المنحول يجعل الحديث عن تراث عربي له دعوى مرفوضة تاريخيًا في ظلّ بيئة دينيّة كان العرب النصارى فيها (نصارى نجران..) يحتفظون بتراثهم الديني باللسان السرياني.

الفرع الثاني: الحديث في المهد

قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)﴾.

الرواية الأبو كريفيّة:

جاء في إنجيل الطفولة العربي: وقد وجدنا في كتاب يوسيفوس رئيس الكهنة الذي كان على عهد المسيح -وقد قال أناس إنّه قايافا- قال هذا إنّ يسوع تكلّم وهو حين كان في المهد. وقال لمريم أمّه: إني أنا المسيح ابن اللّٰه الكلمة الذي ولدتيني كما بشرك جبرائيل الملاك، وأبي أرسلني لخلاص العالم .

ادّعى تسديل أنّ القصّة القرآنيّة مقتبسة من إنجيل الطفولة العربي، غير أنّه لم يجد مناصًا من الاعتراف أنّ الأسلوب العربي لهذا الإنجيل سيء جدًا إلى درجة يعسر معها القول إنه يعود في لغته العربية إلى زمن الرسول ﷺ،(1)

(1) See St. Clair Tisdall, The Original Sources of the Qur’an, p.170

ثم قال إنّ الراجح أنّ هذا الإنجيل قد كتب باللغة القبطيّة، ومادام الرسول قد تزوّج مارية القبطيّة، فلا شك أنّها قد بلّغته ما علمته من هذا الإنجيل ظنّا منها أنه من الإنجيل الصحيح.

وقبل الردّ أنّبه أن هذا الإنجيل قد سُميّ (بإنجيل الطفولة العربي) لا لأنّه قد ألّف باللغة العربيّة، وإنّما -كما يقول ستيفن ديفيز Stevan Davies– لأنّ نسخة له باللغة العربيّة كانت متاحة في القرن السابع عشر، ومنها تم إصدار أوّل طبعة أوروبيّة، وأصبح هذا الإنجيل بسبب هذه الطبعة معروفًا في الدوائر الأكاديميّة، وأضاف أنّه لا يؤمن النقّاد عامة أنّه قد ألّف باللغة العربيّة … تسميّة هذا النصّ (إنجيل الطفولة العربي) يعطي انطباعًا خاطئًا أنّ الكتاب أصله من البلاد العربيّة، وأنّه يحتوي بصورة خاصة مواد عربيّة، وليس الأمر كذلك .(1)

(1) See Stevan Davies, The Infancy Gospels of Jesus: apocryphal tales From the childhoods of Mary and Jesus, Vermont: SkyLight Paths Publishing, 2009 , p. xxv

تزوّج الرسول ﷺ مارية القبطيّة في السنة السابعة بعد الهجرة،(1) أي قبل وفاته ﷺ بثلاث سنوات، وكانت عامة سور القرآن، بما فيها سورة مريم، قد نزلت.

(1) انظر ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة. تـ/ علي محمد البجاوي، بيروت: دار الجيل. ط 1412.1 ه، 8 /111.

والناظر بتمعن يرى أنّ المخالفين ليست لديهم أدنى حجّة تاريخيّة أو فيلولوجيّة من نسيج النص على أنّ هذا الإنجيل قد كتب قبل البعثة النبويّة.(1)

(1) من الشهادات الفاضحة لهذا الأمر، ما جاء في الموسوعة الكاثوليكية : من المحال التحقق من تاريخ (تأليفه)، لكن ربّما ألف قبل العصر المحمّدي .

It is impossible to ascertain its date, but it was probably composed before the Mohammedan era. The Catholic Encyclopedia, 1/607

وقد اعترف الناقد الدكتور ريدل Riddle -أحد أكبر العلماء الأمريكان المتخصصين في دراسات العهد الجديد في زمانه- بغياب الأدلّة المباشرة التي يمكن من خلالها تحديد تاريخ تأليف هذا الإنجيل، في قوله: لا توجد معطيات كافية لتحديد الزمن الذي ألّف فيه أو جمع فيه هذا الإنجيل بدقة ،(1) ولذلك عرّف به وبمخطوطاته دون أن يورد له تاريخ تأليف.

(1) Alexander Roberts, and James Donaldson, eds. Apocryphal Gospels, Acts and Revelations, Edinburgh: T. & T. Clark, 1870, 16/xi

المستشرق الشهير، والمتهم بموقفه السلبي ضد الإسلام، مرجليوث Margoliouth لما كتب مقاله في الردّ على مقال فرنك فوستر أنكر عليه بشدّة دعواه أنّ إنجيل الطفولة العربي قد ألّف قبل البعثة النبويّة قائلًا: عندما قال الدكتور فوستر إنّ إنجيل العربي لطفولة المخلّص كان مصدرًا لمقطع أو مقطعين من القرآن، وأن تاريخ هذه الوثيقة … يعود إلى ما قبل ظهور محمد في أقصى تقدير متأخّر، فإنه يبعد عن الظن أنّه قد أخذ تصديق النقّاد المتخصصين في العربيّة على هذين الاجتهادين. النقّاد الذين يُعدون حجّة اليوم يقدّرون أنّ هذا الإنجيل قد أخذ قصّة حديث المسيح في المهد من القرآن. بما أنّ لغة هذا الكتاب متأثرة بصورة واضحة بالقرآن؛ فإنّ هذا القول هو الراجح .(1)

(1) David S. Margoliouth, ‘Is Islam a Christian Heresy?’, in The Moslem World, 1933, V.23, p.9

ورغم أن فوستر قد استاء جدًا من تعقيب مرجليوث على مقاله، ممّا اضطره إلى أن يرد عليه في العدد التالي من مجلّة العالم الإسلامي، إلاّ أنّه مع ذلك قد أعلن أنّه مستعد أن يحذف من مقاله السابق ما ادّعاه من أن إنجيل الطفولة العربي قد ألف قبل الإسلام، إقرارًا منه أنّ كلام المستشرق مرجليوث أهل لأن يكون حجة في هذا الباب.(1)

(1) See Frank Hugh Foster, ‘Reply to professor Margoliouth’s Article, Jan, 1933,’ in The Moslem World, April 1933, Volume 23, p.198

وممن صرّح من النقّاد أنّ إنجيل الطفولة العربي قد أَلّف بعد الإسلام، بنيامين هاريس كوبر Benjamin Harris Cowper الذي نسبه إلى القرن الثامن أو التاسع،(1) وهو نفس ما قرّره الناقد طوني شارترند-بورك Tony Chartrand-Burke في أطروحته للدكتوراه التي ناقشها منذ سنوات قليلة في جامعة تورنتو.(2)

(1) See B. Harris Cowper, The Apocryphal Gospels and Other Documents Relating to the History of Christ, Edinburgh: Williams and Norgate, 1870, 3rd edition, p. 171

(2) See Tony Chartrand-Burke, The Infancy Gospel of Thomas: The Text, its Origins, and its Transmission, Ph.D. thesis, University of Toronto, 2001. p.127 (manuscript)

ممّن تحدّث بمنطق علمي محايد في زمن تأليف هذا الإنجيل؛ عالم الأديان والقسيس المنصّر جيوفري بارندر Geoffrey Parrinder فقد قال إن القرآن الكريم قد ذكر لقب ابن مريم ستاً وعشرين مرّة، حين لم يرد هذا اللقب في الكتاب المقدس غير مرّة واحدة، وأنّ هذا اللقب لم يستعمل في الكنيسة المبكّرة عامة، ولا ذكر له في الأدبيات النصرانيّة الأرثوذكسيّة بعد كتابة العهد الجديد، وإن كان من الممكن أن يكون قد استعمل مرّات قليلة جدًا، وحتّى الكتابات الأبوكريفيّة والهرطقيّة لم تستعمله إلا قليلا. قال: تاريخ تأليف هذا الإنجيل غير معروف على القطع، رغم أنّ الطبعة الفرنسيّة التي حررّها ب. بيتر تقول إنّ القصص في هذا الكتاب (لا بد أنها كانت معروفة بصورة مبكّرة بين العرب المسيحيين لأنّها قد دخلت القرآن). من الممكن تحدي هذا التقرير لأنّه وإن كانت بعض هذه القصص لها مواز في القرآن نوعًا ما، فإن القصص التي تستعمل لقب ابن مريم لا نظير لها في القرآن. من الممكن أن يكون إنجيل الطفولة العربي قد ألّف بعد الإسلام، وتأثّر بالعرف الإسلامي، وإن كان من خلفه النص السرياني الأقدم .(1)

(1) Geoffrey Parrinder, Jesus in the Qur’an, Oxford: Oneworld Publications, 1996, p.27

إذا كان تأليف النصّ السرياني متأخرًا على هذه الصورة، فلا شك أنّ تعريبه كان بعد ذلك بزمن يقدّر بقرون؛ لأنّ الحاجة إلى تعريب الأسفار الدينيّة الأبوكريفيّة النصرانيّة لم تكن مبرّرة قبل ظهور الإسلام. بالإضافة إلى ما يثبته نص إنجيل الطفولة العربي من تأخر تأليف نصّه عن البعثة النبويّة؛ يخبرنا الناقد مونتاج رودز جيمس Montague Rhodes James في كتابه الشهير العهد الجديد الأبوكريفي The Apocryphal New Testament أنّ مقدمة هذا الإنجيل – وهي تضمّ معجزة نطق المسيح في المهد – ليست أصليّة في هذا الإنجيل، وإنّما تمّت إضافتها لاحقًا!(1)

(1) Montague Rhodes James, The Apocryphal New Testament, Oxford: Clarendon Press, 1985, p.80

كشف حاسم:

ذكرت المستشرقة كورنليا ب. هورن Cornelia B. Horn -المتخصصة في الأناجيل الأبوكريفية العربية أن إنجيل الطفولة العربي لا يوجد مكتوبًا إلا في صيغتين:

مخطوطة لورنتيانوس تعود إلى سنة 1299م،(1) ولا حجّة فيها للنصارى؛ لأنها متأخرة بقرون عن البعثة النبوية، ومتأثرة بالثقافة الإسلامية بصورة جلية.

وقد أشارت الباحثة كورنليا ب. هورن إلى أنّ المخطوطة التي نشرها هـ. سايك H. Sike سنة 1697م، إما أنها قد ضاعت -وهو المشهور عنها في الدوائر العلمية)، أو هي موجودة في مكتبة (Bodleian Library) في جامعة أوكسفورد، تحت ترتيب (MS Or. 350). وقد من اللّٰه علينا بالتواصل مع المكتبة، وتبيّن لنا أنها هي مخطوطة سايك، بدلالة أنه قد ألحقت بها في آخرها رسالة لـ همفري ونلي Humfrey Wanley يقول فيها إنّه قد اشترى هذه المخطوطة من سايك الذي اشتراها من جاكوب غليوس Jacob Golius الذي جاء بها من تركيا. كما أنّ نصوص هذه المخطوطة مطابق للنص العربي الذي نشره سايك.

(1) Cornelia B. Horn. “Arabic Infancy Gospel” in Encyclopedia Of the Bible and its Reception, Dale C. Allison, Jr.; Hans-Josef Klauck; et al., eds (Berlin: De Gruyter, cop. 2012). 2/590

الفرع الثالث: خلق الطير من الطين

قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

الرواية الأبوكريفيّة:

إنجيل الطفولة لتوما: لما كان للصبيّ يسوع خمس سنوات، كان يلعب عند مخاضة جدول، وكان يجمع المياه الجارية في أحواض، ويجعلها مباشرة طاهرة. كان يفعل هذه الأشياء بمجرّد نطق كلمة منه. ثم صنع شيئًا من الطين الناعم بعد ذلك، وشكّل منه اثني عشر عصفورًا، وقد كان ذلك منه يوم السبت. كان عدد من الصبيان الآخرين أيضًا يلعبون معه، لكنّ أحد اليهود رأى ما فعل يسوع يوم السبت لما كان يلعب؛ فغادر مباشرة، ونقل ذلك إلى أبيه، يوسف، قائلًا له: انظر، ابنك عند الجدول قد أخذ طينًا، وشكّل منه اثني عشر عصفورًا. لقد دنّس يوم السبت! لما جاء يوسف إلى المكان ورأى ما وقع، ناداه صارخًا: لِمَ تفعل ما هو محرّم في السبت؟ فصفّق يسوع وصاح في العصافير: اذهبي!؛ فطارت العصافير ومضت مغرّدة. لما رأى اليهود هذا الأمر، أصيبوا بالذهول، وانصرفوا وأخبروا قادتهم بما رأوا يسوع يفعله .(1)

(1) Bart Ehrman, Lost Scriptures, books that did not make it into the New Testament, New York: Oxford University Press, 2003, p.58

قال الناقد بارت إيرمان: يعتقد جلّ النقاد أن أناجيل الطفولة قد بدأ تداولها أثناء النصف الأوّل من القرن الثاني. يبدو أن إنجيل الطفولة لتوما أحد أوائل هذه الأناجيل من ناحية التاريخ .(1)

(1) Bart Ehrman, Lost Scriptures, books that did not make it into the New Testament, p.58

وقال الناقد رون كامرون (Ron Cameron): اتفق النقاد عامة على أنّ إنجيل الطفولة لتوما هو نفسه الكتاب (الأبوكريفي) الذي استعمله المرقيونيون واستشهد به إيرينيوس .(1)

(1) Ron Cameron, ed. The Other Gospels: non canonical Gospel texts, London: Westminster John Knox Press, 1982, p.122

وبالتالي فالموقع الزمني لـ إنجيل الطفولة لتوما وإنجيل يوحنا يبطل زعم النصارى حجيّة الاستدلال بتأخّر زمن التأليف للقول ببطلان تاريخيّة القصّة الواردة في إنجيل توما.

معجزة خلق المسيح للطير من الطين وبثّ الحياة فيها موجودة أيضًا في كتاب لليهود اسمه Toldot Jeschu بالعبري سيرة يشو ، وفيه مجموعة من القصص عن المسيح من منطلق يهودي عدواني. رغم أنّ عامة النقاد يردون هذا السفر في صورته الحالية إلى القرون الوسطى. إلا أنه لم تدرس مصادره وأصوله الأقدم إلى اليوم دراسة جادة.

يعترف النقّاد أنّنا لا نعرف شيئًا عن الشكل الأصلي لهذا الإنجيل،(1) وإذا علمنا أنّ أقدم مخطوطة لهذا الإنجيل تعود إلى القرن الخامس؛(2) أدركنا أنّ الحكم السلبي على تاريخيّة هذا الإنجيل لا بد أن يقف عند حدود النص في صورته المتاحة بعد قرابة ثلاثة قرون من تأليفه!

(1) Tony Chartrand-Burke, The Infancy Gospel of Thomas: The Text, its Origins, and its Transmission, Ph.D. thesis, University of Toronto, 2001, p.245 (manuscript)

(2) See Thomas Ros n, The Slavonic translation of the apocryphal Infancy Gospel of Thomas, Uppsala: Almavist & Wiksell Int., 1997, p.17

الفرع الرابع: تلقّي مريم عليها السلام الطعام من الملائكة

قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)﴾.

الرواية الأبوكريفيّة:

جاء في إنجيل يعقوب الأولي: وكانت مريم في هيكل الرب، كأنما كانت يمامة تقطن هناك، وتتناول طعامها من يدي ملاك .

كان إنجيل يعقوب الأوّلي معروفًا قطعًا لـ أريجن (185م- 254م)، ومن الراجح أنّه كان معروفًا أيضًا لـ كلمنت السكندري (150م- 215م)(2) .. وقد جمع هلجنفلد مجموعة توافقات بين ما جاء في هذا الكتاب، وما جاء في كتابات جستين الشهيد (100م- 165م)، واستنبط الناقد المعروف تشندورف من هذه التوافقات أنّ هذا الإنجيل بصورته التي نعرفها اليوم كان موجودًا في النصف الأوّل من القرن الثاني.(4)

(2) See Edgar Hennecke, New Testament Apocrypha, ed. Wilhelm Schneemelcher, tr. R. McL. Wilson, Philadelphia: The Westminster Press, 1963, 1/372.

(4) See William Smith and Henry Wace, eds. A Dictionary of Christian Biography. Literature, Sects and Doctrines, London: John Murray, 1880, 1/703

رغم عدم انتصار الناقد بول فوستر Paul Foster لتاريخيّة عامة أحداث إنجيل يعقوب الأوّلي، إلاّ أنّه قد قال إنّه من الخطأ وصف هذا الإنجيل بالأبوكريفي، من الأفضل وصفه أنّه تحت-قانوني sub-canonical، أو حتى يكاد يكون قانونيًا almost canonical على الأقل بالنسبة لبعض التراث الكنسي. لا يزال ينظر إليه في المعتقد الأرثوذكسي كنص فيه تعاليم مهمة. فَشَلُ هذا الإنجيل في الحفاظ على عذرية يوسف ومريم، قاد الروم الكاثوليك إلى رفضه، لكن رغم هذا الرفض الظاهر، فإنّ لاهوته له تأثير كبير على التصوّر المريمي لكنيسة روما .(1)

(1) Paul Foster, ‘The Protevangelium of James,’ in The Expository Times, Volume 118, Number 12, p.582

رغم رفض بارت إيرمان لتاريخيّة ما ورد في هذا الإنجيل، إلا أنّه أقرّ بقيمة مهمة جدًا فيه، وهي أنّه لا يبدو أن (هذا الإنجيل) يعمل على تعزيز برنامج لاهوتي لفرع خاص من النصرانيّة- الغنوصيّة، أو الأرثوذكسيّة الأولى، أو غيرهما .(1)

(1) Bart Ehrman, Lost Christianities: the battles for scripture and the faiths we never knew, 2003, p.206

كلمة (هرطقي) لا تحمل دلالة مدركة إلا مع انتصار فريق أثناسيوس في مجمع نيقيّة في القرن الرابع ميلاديًا؛ أمّا قبل ذلك؛ فقد كانت الكلمة بلا دلالة؛ لأنّه لم يكن هناك فريق يفرض سلطانه باعتباره التيار (القويم)، في مقابل الفرق (المنحرفة)؛ وقد أكّد الناقد فالتر باور Walter Bauer في كتابه الخطير الأرثوذكسيّة والهرطقة في المسيحيّة القديمة أنّ النصرانيّة السابقة لمجمع نيقيّة كانت فسيفساء. التيار المنتصر في مجمع نيقيّة لم يكن هو التيار الغالب قبل ذلك، وإنّما كان تيارًا من التيارات التي كانت تمور بها الجماعة (النصرانيّة) الكبرى، وكانت جاذبيّته متركّزة في روما البعيدة عن موطن النصرانيّة (فلسطين)؛ ويترتّب عمّا سبق نفي دلالة وصف هذا الإنجيل بالهرطقي على سفول مرتبته عند جماعات النصارى الأولى.

ذكرَ القرآن الكريم أنّ مريم كانت تتعبّد في المحراب، وجاء في إنجيل يعقوب الأوّلي ذكر تعبّدها في الهيكل، وقد شنّع العديد من المخالفين على ما أورده القرآن الكريم؛ إذ إنّ الهيكل كان محرّمًا على النساء بزعمهم.

قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]

من المعاني المقبولة لكلمة المحراب هنا: أشرف مكان في البيت، كما هو في وجه من أوجه لسان العرب الذي نزل به القرآن الكريم،

النساء لم يمنعن من خدمة الهيكل، وهو ما أثبتته الناقدة اليهوديّة تال إلن Tal Ilan -أستاذ الدراسات اليهوديّة في الجامعة الحرّة في ألمانيا، وأبرز المتخصصات اليوم في دراسات المرأة واليهوديّة التلموديّة- عند حديثها عن حياكة النساء لحجاب الهيكل، وممّا استدلّت به ما جاء في توسفتا شقاليم (2: 6): النساء اللواتي يحِكن حجاب الهيكل .. يأخذن رواتبهن من مساهمة الغرفة .

وأكدت تال إلن هذه الحقيقة من الناحية التاريخيّة بما جاء في رؤيا باروخ السريانيّة، وهو سفر أبو كريفي ألّف بعد فترة قصيرة من هدم الهيكل سنة 70م، وقد جاء في الفصل العاشر منه أنّ الحياة من غير الهيكل لا قيمة لها، وقال باروخ في الأعداد الأخيرة من هذا الفصل 10: 18-19: أيّها الكهنة خذوا مفاتيح المقدّس، وارموها إلى أعلى سماء، وأعطوها إلى الربّ وقولوا: احفظ بيتك بنفسك، لأنّه قد اكتُشِف أنّنا وكلاء مزيّفين وعذاراك اللواتي يحِكن الكتان الناعم، والحرير مع ذهب أوفير، عجّل وخذ كل شيء، وارمه في النار … .

وكما تقول تال إلن فإنّ هذه: الإشارة من الواضح أنّ لها تعلّقا بسياق شعائري. النساء اللواتي وصفن هنا بأنهن عذارى، هنّ الأعضاء (الرسميين) الوحيدون المذكورون بجانب الكهنة .(1) كما أثبتت نفس الناقدة أنّ المشناه نفسها كانت تذكر النساء من بين من يخدمن في الهيكل.

(1) Tal Ilan, Mine and Yours are Hers: retrieving women’s history from Rabbinic literature, Leiden: Brill, 1997, p. 140

ومما يضاف في هذا الشأن أنّ الروم الكاثوليك والأرثوذكس يحتفلون منذ القرون الوسطى بـ عرض مريم العذراء المباركة ، كما هو المسمّى في الغرب، أو دخول الثيوتوكوس الأقدس إلى الهيكل ، وهو احتفال شعائري بإدخال مريم إلى الهيكل حين كان لها من العمر ثلاث سنوات.(5) ويعتبر هذا الاحتفال، واحدًا من أهم الاحتفالات الكبرى للكنيسة الشرقيّة -إلى جنب الفصح وعيد الميلاد؛ فَلِمَ ينكر المنصّرون على الإسلام ما أقرّت به الكنيسة ذاتها؟!(6)

(5) See F. Holweck, ‘Feast of the Presentation of the Blessed Virgin Mary,’ in The Catholic Encyclopedia, 12/400.

(6) See J.K. Elliott, Apocryphal Jesus, legends of the Early Church. p.32.

الفرع الخامس: الاقتراع لكفالة مريم عليها السلام

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]

الرواية الأبوكريفيّة:

جاء في إنجيل طفولة يعقوب الأولي: حين بلغت سن الاثني عشر، عقد الكهنة مجمعًا وقالوا: انظروا! لقد بلغت مريم اثني عشر عامًا، وهي في الهيكل. ما الذي علينا أن نفعله لها حتّى نمنعها من تنجيس هيكل الربّ إلهنا؟ . قال الكهنة لرئيسهم: قد وقفت على مذبح الرب. اذهب وصَلِّ لأجلها، وسنفعل كلّ ما يكشفه الربّ الإله لك . ذهب رئيس الكهنة آخذّا الرداء مع اثني عشر جرسًا إلى قدس الأقداس، وصلّى من أجلها. فظهر ملاك الرب وقال له: زكريا! زكريا! اخرج واجمع الأرامل من الشعب، واجعل كل واحد منهم يأتي بعود، وستكون زوجة لمن يمنحه الربّ الإله علامة ، فخرج المنادون إلى كلّ نواحي اليهوديّة ونُفخ في بوق الرب، وجاء الجميع مسرعين. ألقى يوسف فأسه الذي كان يستعمله في النجارة، وذهب إلى لقاء القوم. لما اجتمعوا سويًا، ذهبوا إلى رئيس الكهنة، ومعهم أعوادهم. ولما أخذ رئيس الكهنة عود كلّ واحد منهم؛ ذهب إلى الهيكل وصلّى. لما انتهى من الصلاة، أخذ الأعواد، وخرج، وأرجعها لهم، ولم تظهر أيّة علامة بينهم. لكن لما أخذ يوسف العود الأخير؛ خرجت منه حمامة، وطارت إلى رأس يوسف؛ فقال الكاهن لـيوسف: لقد تمّ اختيارك لتأخذ عذراء الرب إلى مأمنك ، إلا أنّ يوسف رفض قائلا: إن لي أبناء، وأنا رجل كبير، وليست هي إلا طفلة…

الاقتراع الوارد في إنجيل طفولة يعقوب الأولي وغيره، كان لمن يتزوّج مريم، أو تكون له خطيبة، في حين أنّ الاقتراع الوارد في النص القرآني متعلق بكفالة مريم الصغيرة.

النصّ القرآني لا يقرّ بوجود شخصية يوسف النجار ، كما أنّه قد جعل القرعة من نصيب قريبها زكريا.

المبحث الثاني: الأناجيل الغنوصيّة وصلب المسيح

تكرّر الحديث في عدد من الدراسات الاستشراقيّة أنّ القرآن الكريم قد أخذ من الأناجيل الغنوصيّة قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: 157].

لا يوجد دليل واحد مادي على شيوع -بله وجود- الفرق الغنوصيّة وأناجيلها في الجزيرة العربيّة؛ يقول المستشرق ج.م. رودويل – في مقدمة ترجمته الإنجليزيّة الشهيرة للقرآن الكريم-: لقد افتُرض أنّ محمّدًا قد اشتق الكثير من مفاهيمه عن النصرانيّة من الغنوصيّة، وأنّ القرآن قد أشار إلى الفرق الغنوصيّة الكثيرة عندما قال إنّ المسيحيين ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] .(2)

(1) J. M. Rodwell, The Koran, London: J.M. Dent & Sons, ltd., 1913, pp.9-10.

دعوى اختلاط الأمر على محمد بين الغنوصيّة والمسيحيّة، يَفترض أن يكون انتشار الغنوصيّة في البلاد العربيّة أكثر عالميّة مما هو في تصورنا لحقيقة توسع الغنوصيّة. في الحقيقة، ليست لدينا أيّة حجّة تاريخيّة على الإطلاق لافتراض أنّ عقائد هؤلاء الهراطقة كانت تُعلّم أو تُعتنق في البلاد العربيّة. إنّه لمن المؤكّد، من جهة أخرى، أنّ الباسلديين، والفالنتانيين، والفرق الهرطقيّة الأخرى، قد ماتت أو أعيد استيعابها مرّة أخرى في الكنيسة الأرثوذكسيّة عند منتصف القرن الخامس، واختفت من مصر في القرن السادس.

لم تكن قضيّة صلب المسيح من العقائد الجدليّة في القرن السادس ميلاديًا، وإنّما كان النزاع حول طبيعة الناسوت واللاهوت في المسيح، اجتماعهما وامتزاجهما، خاصة بعد الموقف الشديد الذي اتّخذ ضدّ نسطور والنساطرة.

عامة الأناجيل الغنوصيّة التي أنكرت صلب المسيح، بنت ذلك على أنّ المسيح ليس له جسد بشري؛ وإنّما هو مجرّد مظهر تبصره العين دون أن يكون له لحم وعظم، وهو مذهب الفرق الدوسيتيّة الغنوصية.(3)

(3) الدوسيتية: من الكلمة اليونانية دوكيو أي (بدا) (ظهر)؛ وهو اعتقاد أنّ المسيح لم يكن له جسد بشري. وأنّه لم يتألم ولم يصلب: لأنّ جسده ليس إلا مظهرًا (يبدو) للعين ولا حقيقة مادية له. وأصل هذا الاعتقاد هو اعتبار (المادة) شرًا؛ ولذلك فإنّه لا يستساغ أن يتّخذ الإله جسدًا ماديًا! انظر:

Walter A. Elwell. ed. Evangelical Dictionary of Theology, Michigan: Baker Book House, 1984, p. 326; Peter M. J. Stravinskas, Catholic Dictionary, Indiana: Our Sunday Visitor Publishing, 2002, p.270

يقول الناقد جيرارد ستيفان سلويان Gerard Stephen Sloyan من وحي النصوص الغنوصيّة المتاحة؛ إنّه: لا بدّ أن نلاحظ أنّه ليست كلّ الشواهد الغنوصيّة تذهب إلى أمر إنكار الصلب. بعض الوثائق المتاحة تظهر نفسها على أنّها في توافق مع الشاهد الإنجيلي .. يضاف إلى ذلك أنّ من الأسفار الغنوصيّة المكتشفة من لم تتعرض للصلب نفيًا أو إثباتًا .(3)

(3) Gerard Stephen Sloyan, The Crucifixion of Jesus: history, myth, faith, Minneapolis: Fortress Press, 1995, p.203.

النصّ القرآني لم يحدّد كيفيّة نجاة المسيح من الصلب، ولا يصحّ في هذا الباب حديث مرفوع إلى الرسول ﷺ، وكما قال المفسّر الطاهر بن عاشور في تفسيره للآية 157 من سورة النساء: والّذي يجب اعتقاده بنصّ القرآن: أنّ المسيح لم يُقتل، ولا صُلب، وأنّ اللّٰه رَفَعَه إليه ونجّاه من طالبيه، وأمَّا ما عدا ذلك فالأمر فيه محتمل .(4)

(3) لا يصح في الباب حديث مرفوع صراحة أو حكمًا!

ما جاء عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما من تفصيل لقصّة صلب المسيح عليه السلام، وإن صحّ موقوفًا، فإنّه لا يصحّ رفعه حكمًا، لأسباب؛ من أهمّها أنه وإن كان الخبر متعلقًا بالغيبيات بما يرجّح -إذا جرينا على الأصل- أن يكون مرفوعًا حكمًا إن جاء عن صحابي. إلاّ أن ابن عباس، معروف أنه ينقل الإسرائيليات (وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره غير ما مرّة)؛ وقد تكون هذه عن مسلمة أهل الكتاب. والقاعدة عند المحدّثين أنّ من يُعرف برواية الإسرائيليات لا يعدّ حديثه مرفوعًا حكمًا وإن كان في أمور الغيبيات التي لا تدرك بالاجتهاد. (انظر ابن حجر، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ت/ عبد اللّٰه الرحيلي، الرياض: مطبعة سفير، 1422هـ، 2001م، ص 134 – 132). وقد قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أما إطلاق بعضهم أنّ تفسير الصحابة له حكم المرفوع، وأنّ ما يقوله الصحابي، مما لا مجال فيه للرأي مرفوع حكمًا كذلك، فإنّه إطلاق غير جيّد: لأنّ الصحابة اجتهدوا كثيرًا في تفسير القرآن: فاختلفوا … وأمّا ما يحكيه بعض الصحابة من أخبار الأمم السابقة، فإنّه لا يعطى حكم المرفوع أيضًا؛ لأنّ كثيرًا منهم رضي اللّٰه عنهم كان يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب… . (ابن كثير، أحمد شاكر، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، بيروت: دار الكتب العلميّة، د.ت، ص 45).

(4) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 22 /4.

عامة التفاسير تذكر روايات تتحدّث عن تلميذ للمسيح وقع عليه الشبه برضى منه فداءً للمسيح، بما لا يتفق مع القصة الدوسيتيّة.

قال يوحنا الدمشقي في كتابه ينبوع الحكمة، في الجزء الخاص بالهرطقات، كلامًا يعتبر من أقدم ما كتب عن الإسلام، في وصف ما جاء في حديث القرآن الكريم عن المسيح: وقال -محمد- إنّ اليهود أرادوا صلبه -أي المسيح- في مخالفة للشريعة، وأنّهم قد قبضوا على ظلّه وصلبوه، لكن كما قال -محمد – فإنّ المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل؛ لأنّ اللّٰه أخذه إليه في السماء بسبب حبّه له .. .(3)

(3) Saint John of Damascus, ‘the Fount of Knowledge,’ in The Fathers of the Church, St. John of Damascus Writings, tr. Frederic H. Chase, CUA Press, 2000, p. 154.

ولسنا نجد هنا تهمة النقل عن الغنوصيين(4)، ولا إيراد التفسير الغنوصي الذي يردّ (جسديّة) المسيح؛ إذ قد جعل يوحنا الدمشقي (حبّ الربّ للمسيح) الداعي لإنقاذ الرب لمسيحه.

(4) ادّعى يوحنا الدمشقي أنّ الرسول صلّى اللّٰه عليه وسلّم بعد أن تحاور مع راهب أريوسي، اخترع هرطقته الخاصة.

ذكر القرآن الكريم أنّ أهل الكتاب قد اختلفوا في أمر صلب المسيح فرقًا، وهذه حقيقة تاريخيّة دقيقة تكشفها الأناجيل الأبوكريفيّة التي تبنّتها فرق نصرانيّة مبكّرة، كما يكشفها أيضًا ما جاء في إنجيل متّى 11/28-15 من أنّ قبر المسيح قد وجد فارغًا، وأنّ رؤساء الكهنة والشيوخ قد رشوا الجنود الذين كانوا يحرسون القبر؛ ليقولوا إنّ تلاميذ المسيح قد سرقوا الجثة، وعقّب مؤلّف هذا الإنجيل بقوله: فَأَخَذَ الْجُنُودُ الْمَالَ، وَعَمِلُوا كَمَا لُقِّنُوا. وَقَدِ انْتَشَرَتْ هَذِهِ الإِشَاعَةُ بَيْنَ الْيَهُودِ إِلَى الْيَوْمِ ، ففي عبارة انْتَشَرَتْ هَذِهِ الإِشَاعَةُ بَيْنَ الْيَهُودِ إِلَى الْيَوْمِ أنّ لغطًا كان معروفًا وسائدًا حول مصير جثّة المسيح بعد صلبه، وفي هذا اللغط كَشْف لاضطراب مسار القصّة وأصلها؛ إذ إنّ قصّة الصلب موصولة الأجزاء بقصة القبر والقيامة!

ذهب الإمام ابن حزم إلى أنّ الشيوخ والشُرط قد صلبوا أحد الأشخاص، ثمّ ادعوا أنه المسيح: وإنما هو إخبار عن الذين يقولون بتقليد أسلافهم من النصارى واليهود: أنه عليه السلام قتل وصلب، فهؤلاء شَبَّهَ لهم القول، أي أدخلوا في شبهة منه. وكان المشبِّهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت وشرَطهم المدعون لهم أنهم قتلوه وصلبوه، وهم يعلمون أنه لم يكن ذلك، وإنما أخذوا من أمكنهم، فقتلوه وصلبوه في استتارٍ ومنع من حضور الناس، ثم أنزلوه ودفنوه تمويهًا على العامة الذين شبِّهَ لهم الخبر . (الفصل في الملل والأهواء والنحل، 77 /1).

ساق رمزبرغ 132 اعتراضًا على روايات الصلب، و70 اعتراضًا على روايات قيامة المسيح من الموت؛ ليكون المجموع 203 اعتراضات جادة على صلب المسيح وقيامته في العهد الجديد!، انظر:

John E. Remsberg, The Christ Myth- A Critical Review and Analysis of the Evidence of his Existence, p.123-192.

قصّة صلب المسيح في الأناجيل الرسميّة نبوءات صيغت تاريخًا: يقول الناقد الشهير جون دومينيك كروسان في كتابه الذي يعدّ من أهم ما ألّف في المكتبة الغربيّة في تاريخيّة قصّة صلب المسيح من صلب يسوع؟ Who Killed Jesus، إنّ قصّة صلب المسيح الواردة في العهد الجديد هي نبوءة قد صيغت تاريخًا . الأناجيل كانوا يتعمّدون صياغة أحداث قصّة صلب المسيح من خلال ما ظنّوه نبوءات عن المسيح ممّا هو وارد في العهد القديم.(1)

(1) See John Dominic Crossan, Who Killed Jesus, New York: Harper Collins, 1996, pp. 1-12.

المبحث الثالث: هشام جعيط والكنيسة السريانية

المنهج التاريخاني الذي يقوم على أنّ اللحظة التاريخيّة هي رحِمُ كل فكر، دون استثناء ما يراه المسلمون وحيًا.

أحد أعلام الفكر التغريبي في تونس، المؤرّخ هشام جعيط الذي ساهم في إنشاء تيّار مادي النزعة في الجامعة التونسيّة في باب قراءة عصر البعثة وما بعده.

وقد كان حديثه في مرجعيّة الكنيسة السريانية في صناعة النص القرآني أعظمها جرأة ومخالفة للمعتقد الإسلامي.

زعم جعيط أن الرسول ﷺ قد اطلع على كتابات أفرام (306م – 373م) الذي يكتبه (أفرائيم)!؛ ليلزمنا أنّ نبي الإسلام قد قرأ هذه الكتب بعينيه، وتحسسه بيديه، بلغتها السريانية الفصيحة، وبأسلوبها الشعري البليغ الذي كتب به أفرام عامة مؤلّفاته.

المطلب الأول: أفرام السرياني واليوم الآخر

كتب جعيط: عند إفرائيم، علامات الساعة أيضًا كارثيّة: السماوات تطوى والنجوم تتساقط والشمس تكفهر والجبال تذوب .(3)

العلامات الثلاث الأولى مذكورة أصلا في الكتاب المقدّس الذي قرّر القرآن الكريم أنّ له أصلًا سماويًا، وإن لحقه التحريف، وليست هي من مبتكرات أفرام.

(3) هشام جعيط، تاريخيّة الدعوة المحمّدية، 168 / 2.

أمّا فيما يتعلّق بالعلامة الرابعة، فإنّنا لا نجد في القرآن الكريم حديثًا عن (ذوبان الأرض)، وإنما تُدك الجبال دكًا، فأين التطابق اللفظي بين القرآن الكريم وما ذكره أفرام؟! ومع ذلك نقول إنّ هذا الوصف قد ورد في الكتاب المقدّس، وليس هو من ابتكار أفرام.

وأضاف جعيط أنّ القرآن الكريم قد أخذ من أفرام قوله: الساعة تأتي بسرعة لمح البصر ، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: 77]!

لم تقترن عبارة في لمح البصر في كتابات أفرام السرياني بقيام الساعة -كما يوحي إلى ذلك كلام جعيط من طرف خفي؛ ليثبت هذا التطابق (المدهش!) بين كلام أفرام و(النص القرآني)!؛

على أنّ الإنصاف يقتضي منّا أن نقول أيضًا إنّ جعيط وإن ادّعى أنه ينقل أصل الفكرة ومادتها من تور أندري، إلاّ أنّ تور أندري قد كرّر في الحقيقة اعتقاده أنّ الرسول ﷺ لم يعرف النصرانية مباشرة، وإنما خبر أمرها من نصارى لهم معرفة ضعيفة بالنصرانيّة،

(4) تكرّرت دعوى أنّ القرآن الكريم يعكس معرفة ضعيفة ومشوّهة بالنصرانيّة. وحجّة هؤلاء هي وجود (أخطاء!) في القرآن الكريم في نقل صورة النصرانيّة، وهي:

1- قول القرآن إنّ مريم أم عيسى عليهما السلام هي نفسها مريم أخت موسى عليه السلام المذكورة في العهد القديم.

النص المستدل به من طرف هؤلاء المخالفين هو: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28]

الرد:

أ- وردت هذه الشبهة على لسان النصارى في زمن البعثة النبويّة، وردّ عليها الرسول صلّى اللّٰه عليه نفسه؛ فقد روى مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب النَّهْي عَن التَّكَنِّي بأبي الْقَاسِم وَبَيَان مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الأسْمَاء، ح/ (2135)، عَن الْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَةَ، قَالَ: لما قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَألُونِي فَقَالُوا إِنّكُمْ تقرؤون يَا أُخْتَ هَارُونَ، وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بَكَذَا وَكَذَا. فَلما قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وسلم سَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ ؛ فالأخوّة هنا ليست أخوة الدم والنسب.

وقد جاءت عبارة: أخت هارون -في القصّة القرآنيّة- على لسان الإسرائيليين من قوم مريم عليها السلام، وسببها استغرابهم أن تقع هذه الفتاة الصالحة التي هي من نسل النبي هارون الصالح، في الزنى، فتذكيرها بأصلها الشريف فيه مبالغة في التقريع واللوم الشديدين. ونصوص الأناجيل ذاتها دالة على أنّ مريم هارونيّة كما سنبيّنه في موضع آخر من هذا الكتاب.

إذن: قد سمى القوم مريم عليها السلام باسم أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو النبي الذي جاءت من نسله.

ب- الخلط بين مريم أخت موسى عليه السلام ومريم أم المسيح عليه السلام، غير متصوّر البتة؛ لأن هذا الأمر يقتضي أن يكون موسى خال المسيح عليهما السلام، ونحن لا نجد أدنى أثر لهذا الأمر في القرآن الكريم ولا السنّة النبوية، وقد جاءت الأخبار الكثيرة في القرآن والسنّة في سير الأنبياء عليهم السلام، ولم يرد البتة ما يظهر أو حتى يوهم القارئ بوجود هذه القرابة اللصيقة المباشرة بين هذين النبيين. وهذا أمر على درجة كبيرة من الأهميّة مما لا يمكن أن يختفى بين السطور.

ت- قوله تعالى عن المسيح: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ…﴾ [المائدة: 44] دليل على أنّ هناك الكثير من الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام، حكموا بعين أحكام التوراة، وكانت رسالتهم كلّهم في بني إسرائيل. ومعلوم أنّ عيسى عليه السلام هو آخر أنبياء بني إسرائيل عند المسلمين. (روى البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها)، ح/ 3442، عن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم قوله عن المسيح: ليس بيني وبينه نبي ). فلا شك إذن أنّه كان هناك أنبياء كثر بين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام.

ومما يزيد فِي توضيح هذه الحقيقة القرآنيّة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] إلى قوله: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: 251]؛ مما يَعني أنّ داود عليه السلام قد عاش بعد موسى وهارون عليهما السلام، ومعلوم أنّ النصارى يرون أن المسيح هو ابن داود البعيد جيلا، فكيف يكون القرآن قد خلط بين زمني هارون وموسى عليهما السلام، وعيسى عليه السلام؟!

وقد أقرّ عدد من المستشرقين أن السرد التاريخي القرآني يمنع بلا شك أن يُظنّ فيه أنه قد خلط بين المريميين، ومن هؤلاء سال وجيروك (انظر فنسنك، موسوعة الإسلام، 3359، الطبعة الأولى، نقله: عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن ضدّ منتقديه، ص 175).

ث- مريم التوراتيّة أخت هارون عاشت مرحلة شبابها بجانب أخويها موسى وهارون، في حين أنّ مريم أم المسيح عاشت في القرآن الكريم والأناجيل في بيئة أخرى مختلفة تمامًا، فبينهما تباعد في الزمان والمكان.

2- القرآن الكريم يقول إن التثليث النصراني هو: الآب والابن ومريم، في حين أن التثليث النصراني هو: الآب والابن وروح القدس.

النص المستدل به من طرف هؤلاء المخالفين هو: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَن أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116].

الرد:

أ- قال الألوسي في تفسيره روح المعاني 7 /84: واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحداً من النصارى اتخذ مريم عليها السلام إلها، وأجيب عنه بأجوبة:

الأول: أنهم لما جعلوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلها لزمهم أن يجعلوا والدته أيضاً كذلك لأن الولد من جنس من يلده فذكر (إِلَٰهَيْنِ) على طريق الإلزام لهم.

والثّاني: أنهم لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم الإله كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، لما أنهم عظموهم تعظيم الرب. والتثنية حينئذ على حد: القلم أحد اللسانين ..

والثالث: أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك، ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإمامي عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم: المريمية يعتقدون في مريم أنها إله، وهذا كما كان في اليهود قوم يعتقدون أن عزيرًا ابن اللّٰه عز اسمه .

ب- الآية القرآنيّة تتحدث عن (اتخاذ) مريم كإلهة؛ والاتخاذ يقصد به هنا -في هذا السياق- (الممارسة) و(التعاطي) معها كإلهة، أي صرف أنواع العبادة إليها، كالتوسّل والدعاء. وتتّهم الكنيسة المصريّة الأرثوذكسية (المرقسيّة) صراحة أكبرَ كنيسة في العالم (الكنيسة الكاثوليكيّة) أنها تؤله مريم من هذا الباب؛ فقد جاء في موسوعة الخادم القبطي الجزء الثاني (أ) لاهوت مقارن، ص 89-90: الكنيسة الكاثوليكيّة تؤله العذراء مريم وتقول إنها صعدت حيّة إلى السماء، وتصنع لها التماثيل في كنيستهم، كما يصلون للعذراء مريم، ويعتقدون في الثالوث المريمي والحبل بلا دنس مثل المسيح له المجد . (نقله: معاذ عليّان، عبادة مريم في المسيحيّة والظهورات المريميّة، القاهرة: مكتبة النافذة، 2009م، ص 5).

وقال الأنبا غريغوريوس الذي يعدّ من أكبر أعلام الكنيسة المصريّة الأرثوذكسيّة (المرقسيّة) في القرن العشرين، في كتابه: العذراء مريم، حياتها، رموزها، وألقابها، فضائلها، تكريمها ص 129: وكما أخطأ الكاثوليك فرفعوها إلى مقام الألوهيّة والعصمة، كذلك ضل البروتستانت ضلالا شنيعًا حين احتقروها…! . (عليان، ص 7). وقد اتّهم البروتستانت أيضًا الكاثوليك بعبادة مريم؛ فقد قال القس صموئيل بندكت في كتابه العقائد الكاثوليكيّة في الكتاب المقدس: تُصلي الكنيسة الكاثوليكية لمريم أكثر ممّا لله . (عليان، ص11).

واعترفت الراهبة ماري آن كولنز بهذه الحقيقة في كتابها عبادة مريم، دراسة خاصة بالممارسات والمذاهب والعقيدة الكاثوليكيّة بقولها: كمؤمنة كاثوليكيّة، وبعد ذلك كراهبة، مارستُ عبادة العذراء لأعوام عديدة دون أن أكون مدركة لذلك . (عليان، ص 20).

وقال الأب أوغسطين دوبره لاتور في كتابه خلاصة اللاهوت المريمي الصفحة 98: أعطى الابن أمّه، على نحو مخلوق، المشاركة في الكيان الإلهي . (عليان، ص54).

وجاء في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني المسكوني (صفحة 435) الذي انعقد في العقد السادس من القرن العشرين: انتقلت العذراء النقيّة التي عصمها اللّٰه من وصمة الخطيئة الأصليّة، جسدًا وروحًا، إلى المجد السماوي، وهكذا أقامها الربّ ملكة العالمين، لتكون أكثر تشابها بابنها رب الأرباب . (عليان، ص 41).

وقال المؤرّخ أندرو ملر في كتابه مختصر تاريخ الكنيسة ص 292، عن الكنيسة في قرونها الأولى: نشأت عبادة مريم أصلا من الروح التقشفية التي سادت في القرن الرابع … أصبح من المعتاد أن يطلق على العذراء مريم اسم والدة الإله، الأمر الذي تسببت عنه المجادلة النسطوريّة، غير أنه رغمًا عن كل معارضة انتشرت العبادة المريمية، وفي القرن الخامس وضعت في جميع الكنائس تماثيل وصور جميلة للعذراء وهي تحمل بين ذراعيها الطفل يسوع، وبهذه الصور تطورت الأمور بصورة غريبة حتى صارت العذراء غرضًا مباشرًا للتعبد! وأصبحت المريمية من ذلك الحين هي شهوة كنيسة اللّٰه المتحكمة فيها . (عليان، ص 12).

وتصوّر موسوعة الأديان The Encyclopedia of Religion الواقع العقدي الذي كان في القرن الخامس في الشرق (أي في فترة قريبة من البعثة النبويّة المباركة):

“In the Christological controversies of the fifth century, Mary took on more and more of the status of her Son“، Mircea Eliade, eds. The Encyclopedia of Religion, New York: Macmillan Publishing Company, 1987, 9/251.

ت- استبعد عدد من المستشرقين أن يكون القرآن أخطأ في هذا المقام، وإن كانوا مع ذلك يردون إلهيّة النص القرآني، ومن هؤلاء المنصّر صاموئيل زويمر، والسبب هو أن التثليث النصراني معروف، ومن الممتنع في مجرى العادة أن يخطئ فيه.

(Samuel Zwemer, The Muslim Doctrine of God: an essay on the character and attributes of Allah according to the Koran and Orthodox tradition, pp.88-92)

وهو ما رجحته موسوعة الإسلام Encyclopaedia of Islam الاستشراقية بقولها إنّ هذه الآية تعكس ممارسة تقديس مريم، ولا تشير إلى أي اعتقاد ديني خاص. انظر:

A. J. Wensinck, ‘Maryam,’ in P. Bearman, Th. Bianquis, C. E. Bosworth, E. van Donzel and W. P. Heinrichs, eds. Encyclopaedia of Islam, Brill Online, 2010.

3- يذكر القرآن الكريم أن النصارى يؤلهون علماءهم ورهبانهم.

النص المستدل به من طرف هؤلاء المخالفين هو: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]

أ- فسر الرسول صلّى اللّٰه عليه وسلّم بنفسه هذا النص؛ فقد روى الترمذي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى اللّٰه عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن . وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه . (حسنّه الألباني). فالعبادة هنا هي الطاعة في التحليل والتحريم.

ب- الظنّ أن عرب الجزيرة كانوا يعتقدون أنّ النصارى يؤمنون أنّ علماءهم ورهبانهم آلهة أزليّة، لا يمكن تصوّره أصلا لنكارته الشديدة!

(1) See Tor Andrae, Mahomet, sa Vie et sa Doctrine, Paris: Adrien-Maisonneuve, 1945. pp.36-37.

بل وذهب تور أندري إلى ردّ تاريخيّة قصّة التقاء الرسول ﷺ بــ بحيرى الراهب، محتجًا بأمرين أساسيين وهما أنّ الرسول ﷺ لم يظهر معرفة بالأحوال الشكليّة الخارجيّة للنصارى، وأنّ ما ذكره في القرآن الكريم عن النصرانيّة فيه ضعف وغلط! لا يظهران معرفة جيدة بالنصرانيّة.

في حين ذهب جعيط في المقابل إلى أنّ الرسول ﷺ عظيم المعرفة بالأسفار المقدسة، و(متخصص) في الدراسات الكتابيّة الخاصة بالكنيسة السوريّة، وصاحب مطالعات جمّة في الآبائيات.

المطلب الثاني: الغنوصيون وآباء الكنيسة السورية وتحريف اليهود

قال جعيط: أمّا اتهام اليهود في القرآن بأنهم حوّروا الكتاب فهي -كذا!- أيضا من تراث اللاهوتيين السوريين، مرورًا بالغنوصيين القدامى .(2)

(2) هشام جعيط، تاريخيّة الدعوة المحمّدية، 174 / 2.

لم يكن الغنوصيون مصدر القول بتحريف اليهود لكتبهم، وإنّما كان فريق من الغنوصيين (كالمرقيونيين) يردّون العهد القديم بأكمله باعتبار أنه كتاب يقدّم الإله في صورة تخالف صورة الإله الذي يمثله المسيح(3)، ولما كان العهد الجديد يقرّ بحجيّة العهد القديم؛ فقد قالوا بتحريف العهد الجديد نفسه!(4)

قول جعيط إنّ الكنيسة السوريّة قد تبنّت -بهذا الإطلاق- القول بتحريف اليهود لأسفارهم، دليل على أنه يجهل تاريخ (الكنيسة السوريّة)، إذ إنّ (الكنيسة السوريّة) قد قبلت العهد القديم اليهودي بأسفاره وألفاظه كاملًا – في ترجمته السبعينية- باعتبار ذلك أحد أصول (استقامتها) المقابلة لهرطقات بعض المارقين عن الإيمان الحقّ!

(3) See Sidney Greidanus, Preaching Christ from the Old Testament: A Contemporary Hermeneutical Method, Michigan: Wm. B. Eerdmans Publishing, 1999, pp. 18-19.

(4) See Oskar Skarsaune, In the Shadow of the Temple: Jewish Influences on Early Christianity, IL: InterVarsity Press, 2002, p.255.

ظهرت تهمة التحريف بين اليهود أنفسهم، فهذه طائفة اليهود السامريين تردّ كل العهد القديم، باستثناء أسفاره الخمسة الأولى.(2)

(2) تذكر بعض الكتب العربيّة أنّ السامريين يلحقون سفر يشوع بقائمة الأسفار القانونيّة، وهذا خطأ. انظر:

Carl Frierich Keil: Manual of historico-critical introduction to the canonical Scriptures of the Old Testament, tr. George C. M. Douglas, Edinburgh: T. & T. Clark, 1870, 2/344.

اليهود هم أساسًا من يتهمون النصارى بقبول أسفار يهوديّة غير موحى بها من الربّ، وهي (أبوكريفا العهد القديم) التي ردّها معهم البروتستانت حين نشوئهم!

ظهر القول بالتحريف بين النصارى بصورة مبكّرة، ولم يكن البتّة مخصوصًا بالآباء السريان ولا الغنوصيين، وحجّة هؤلاء الأساسيّة هي تحريف اليهود للبشارة بالمسيح؛ إذ إنّ النزاع قد قام في القرون الأولى بين النصارى الذين قبلوا الترجمة السبعينيّة اليونانيّة، واليهود الذين أخذوا النصّ العبري، وكما يقول موسى ستيوارت(3): في الجدالات المبكرة بين اليهود الذين لم يتحوّلوا إلى المسيحيّة، والمسيحيين، حول معنى نبوءات العهد القديم عن المسيح، اتّهم اليهود الترجمة السبعينيّة أنّها ترجمة محرّفة، في حين اتّهم العديد من الكتاب المسيحيين اليهود بتحريف الأسفار العبريّة .(4)

(3) موسى ستيوارت (1780م – 1852م): عالم كتابي أمريكي. أستاذ الكتابات المقدسة في Andover Theological Seminary. له عدد من المؤلفات في شرح أسفار من الكتاب المقدس.

(4) M. Stuart, ‘Inquiry Respecting the Original Language of Matthew’s Gospel, and the Genuineness of the First Two Chapters of the Same…,’ in The American Biblical Repository, New York: Gould and Newman, 1838, 12/162.

قصرُ جعيط قول المفسّرين بتحريف اليهود أسفارهم، على محو البشارة بالرسول ﷺ دليل على أنّه لم يقرأ هذه التفاسير، فقد نص غير واحد منهم على تحريف العقائد، والشرائع، والمنظومة الأخلاقيّة، وقصص الخلق، وسير الأنبياء …

المطلب الخامس: اللّٰه ، إله وثني!

قال جعيط: الآلهة الكبرى المعروفة في الحجاز زمن البعثة كانت موجودة من قديم لدى النبط: آل= ألاه= اللّٰه بعد تطوّر الكلمة…، هذه كلّها آلهة عربيّة في تلك الفترة، ولو أنها ترمي بعروقها في تراث سامي مشترك .(3)

(3) هشام جعيط، تاريخيّة الدعوة المحمّدية، 2/96.

يذكر الناقد ج. ه. بارك-تايلر G. H. Parke-Taylor أنّ جميع الشعوب الساميّة -باستثناء الأثيوبيّين- تستعمل كلمة (إل) للدلالة بصورة عامة على المعبود(1)، وهو اسم يمثل أحد أقدم الأسماء المستعملة للألوهيّة في العالم القديم .(2)

(1) See G. H. Parke-Taylor, Yahweh: The Divine Name in the Bible, Ontario: Wilfrid Laurier University Press, 1975, p.35.

(2) Watson E. Mills, eds. Mercer Dictionary of the Bible, Mercer University Press, 1990, p.240.

الدلالة تبدو واضحة في أنّ عرب الجاهليّة كانوا يعلمون دلالة كلمتي إل و إله على معنى الألوهيّة، وكانوا يعتقدون أنّ للكون إلها واحدًا خالقًا، وأنّ هناك آلهة أخرى وسيطة بينهم وبينه؛ ولذلك فقد ميّزوا بين الإله الذي له الخلق، والآلهة (الأدنى) الوسيطة؛ فألحقوا أداة التعريف (الـ) بكلمة (إله) تمييزًا لهذا (الإله) عن غيره؛ فكان الاسم بعد الإدغام: الإله=الله، بعد حذف الهمزة، وهو ما عليه عامة علماء المسلمين؛

ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: ولهذا كان القول الصحيح أن اللّٰه أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذّ منهم (4)،

(4) ابن القيم، بدائع الفوائد، ت/ هشام عبد العزيز عطا وعادل عبد الحميد العدوي وأشرف أحمد، مكة المكرمة: مكتبة نزار، 1417هـ 1996م، 473 2.

وقال ابن منظور: روى المنذري عن أبي الهيثم أنّه سأله عن اشتقاق اسم اللّٰه تعالى في اللغة، فقال: كان حقّه إلاه، أدخلت الألف واللام تعريفًا فقيل ألإلاه، ثم حذفت العرب الهمزة استثقالا لها، فلما تركوا الهمزة حوّلوا كسرتها في اللام التي هي لام التعريف، وذهبت الهمزة أصلًا، فقالوا (أللاه)، فحرّكوا لام التعريف التي لا تكون إلا ساكنة، ثم التقى لامان متحركان فأدغموا الأولى في الثانية، فقالوا الله .(5)

(5) ابن منظور، لسان العرب، 467 / 13.

ثم إنّ اسم الجلالة (الله) هذا لا يدلّ على أيّ معنى باطل؛ سواء تعلّق بأمور الألوهيّة أو الربوبيّة أو الخلق والمعاد، أو غير ذلك من المعاني الدينيّة.. إنّه يعني ببساطة: الإله الحقّ ..!

لقد أدرك اليهود الذين عاشوا في القرون الأولى التالية للبعثة النبويّة في أرض المسلمين هذه الحقيقة التي يتعامى عنها جعيط، ولم يجدوا غضاضة في تسمية معبودهم في التوراة: (الله)!؛ فقد عرّب سعديا الفيومي العدد الثاني من الفصل الأوّل من سفر التكوين هكذا -بالحرف العبري كما كتبه الفيومي-.

وقد أحسنت الموسوعة التاريخيّة للأنبياء في الإسلام واليهوديّة Historical Dictionary of Prophets in Islam and Judaism: يبدو أنّ كلمة الله العربيّة هي نتاج جمع بين أداة التعريف الـ، وإل التي هي كلمة ساميّة شائعة دالة على الألوهيّة. وباجتماعهما تتكوّن كلمة الإله أو الله التي تعني الإله The God .(1)

(1) Scott B. Noegel and Brannon M. Wheeler, Historical Dictionary of Prophets in Islam and Judaism, p. 20.

في كتابه لاهوت يهودي A Jewish Theology عند حديثه عن أسماء اللّٰه في كتابات الأحبار(2)، أثناء تناوله للاسم السابع في قائمة هذه الأسماء أنّ الشكل العبري لـ “the Merciful” هو “هارحمن” (3)، و هو موجود بكثرة في كتابات الأحبار، ويوجد مقابله الآرامي بصورة مكثّفة جدًا، خاصة في السياق التشريعي .(4)

(4) Louis Jacobs, A Jewish Theology, New Jersey: Behrman House, 1973, p. 145.

وإن احتجّ جعيط بما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60]؟ كما أن القرآن الكريم لا يظهر في الآية السابقة جهل العرب بوجود الإله (الرحمن)، وإنّما يكشف سوء فهم العرب لكون تعدد الصفات لا يقتضي تعدد الذوات، فالربّ سبحانه له أسماء حسنى تكشف عظمته وجميل صفاته، وهي تستدعي في النفس البشريّة معاني التعظيم والخضوع والحبّ، ولذلك جاء قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110] .. وهذه الآية كاشفة لمعنى تلك! فليس هنا مزج للآلهة، ولا اقتباس من النصرانيّة، ولا نقل عن العقائد الوثنيّة.

المطلب السادس: الألفاظ الأعجميّة .. والاقتباس!

المشترك اللفظي بين اللغات السامية كبير جدًا، إلى حدّ القول إنّ اللغات الساميّة أشبه بلهجات متعدّدة للغة واحدة(3)،

(3) قال الإمام ابن حزم -رحمه اللّه- في كلام دقيق وثمين: إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينًا أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتها، ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة، كاد أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله … فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل . (ابن حزم، إحكام الأحكام، القاهرة: دار الحديث، 1404هـ، 34 /1).

وقال د. ربحي كمال -أحد النقاد العرب المعاصرين المتخصصين في اللغة العبريّة-: لا من شكّ أنّ جميع اللغات الساميّة هي لهجات نشأت من لغة واحدة هي أم هذه اللهجات . (دروس اللغة العبريّة، دمشق: مطبعة جامعة دمشق، 1383هـ، 1963م، ط 3، ص 13).

وأجمع علماء النحو المقارن للغات الساميّة، من أمثال بروكلمان، ووليم رايت، وإدوار دوروم، ودافيد يلين، أنّ اللغة العربيّة الفصحى هي بلا منازع أقدم صورة حيّة من اللغة الساميّة الأم، وأقرب هذه الصور إلى تلك اللغة التي تفرّعت منها اللغات الساميّة(2)؛

(2) حسن ظاظا، الساميون ولغاتهم، دمشق: دار القلم، 1410هـ، 1990م، ط2، ص16.

ونحن لا ننفي مبدأ التقارض بين اللغات، وإنّما نقول إنّ إثباته ليس باليسير الذي يظنّه المسارعون للتشكيك في عروبة القرآن الكريم، كما أنّ وجوده لا يعني أن مبتدأه كان مع (نزول) الآيات القرآنيّة، وإنّما الصواب هو أنّه في حال ثبوته، سابق لنزول الآيات القرآنيّة بمدة من الزمن جعلت هذا اللفظ عربيًا في تداوله؛

ألف الصلاة منقلبة عن واو، فأصل الكلمة (صلوة)؛ ودليل ذلك أن جمعها: صلوات(2)؛ ولذلك وردت بالواو في عدد من مواضعها في القرآن الكريم.

(2) انظر العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ت/ علي محمد البجاوي، ط: عيسى البابي الحلبي وشركاه، د.ت. 18/1. محمود صافي، الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، دمشق: دار الرشيد، 1416هـ، 1995م، ط3، ص 37.

الباب الثالث: اقتباس الكتاب المقدس والكنيسة من مصادر بشرية

كل اعتراض أطلقه المنصّرون من كنانتهم بظلم، ردّه علماء الإسلام إليهم بعدل، وأثبتوا تلبّس النصرانيّة بما ينكره أهلها على الإسلام ومقدّساته.

الفصل الأول: أثر العقائد القديمة وثقافاتها في العهد القديم

رغم أنّ نظريّة المصادر الأربعة قد لقيت مواجهة عنيفة في بدايتها، وطُرد عدد من المنافحين عنها من وظائفهم في الجامعات، إلا إنّه مع نهاية القرن التاسع عشر وجدت قبولا كبيرًا من النقّاد البروتستانت، والتحق بهم النقاد اليهود والكاثوليك -باستثناء (المحافظين منهم)- في منتصف القرن العشرين.(1)

ويؤكّد الناقدان المحافظان ريموند ب. دلارد Raymond B. Dillard، وترمبر لنغمان Tremper Longman، أنه حتى النقاد الإنجيليين -على ما فيهم من تعصّب- يعترفون اليوم أنّ الأسفار الخمسة التي تنسب إلى موسى عليه السلام، تضمّ مواد سابقة لـموسى عليه السلام، وأخرى لاحقة له!(2)

(1) See Michael David Coogan, The Old Testament: a very short introduction, New York: Oxford University Press US, 2008, p.16.

(2) See Raymond B. Dillard and Tremper Longman, An Introduction to the Old Testament, Michigan: Zondervan, 1994, p.47.

وأورد الأب اليسوعي (الكاثوليكي) روبير بندكتي اعترافات (صادمة!) في كتابه: (التراث الإنساني في التراث الكتابي، إشكاليّة الأساطير الشرقيّة القديمة في العهد القديم) – تغني عن كل حجة من الممكن أن نوردها، ومنها قوله:

تتمتع مسألة الاتصالات الثقافية، التي تمت بين تراث الكتاب المقدس ودائرة الثقافات الشرقية القديمة، بأهمية كبرى لفهم العهدين القديم والجديد فهمًا صحيحًا وسليمًا. لقد اكتشف دارسو ثقافات الشرق القديم منذ نيّف وقرن أن الثقافات المصرية والسومرية والبابلية الأشورية قد أسهمت إسهامًا هامًا في تكوين آداب العهد القديم، وتشكّل بعض مفاهيمه ومقولاته وصياغة بعض تصوراته. من هذا المنطلق، يُطرح السؤال بإلحاح حول كيفية علاقات تراث الكتاب المقدس وثقافات الشرق القديم، فقد لقي هذا السؤال أجوبة مختلفة. أثبت فريق من الكتاب أن الكتاب المقدس ملفق من عناصر ثقافية مقتبسة من الشرق القديم، مما حدا بهم إلى اعتباره (سرقة) و(نهبًا) أدبيين. لم يصمد هذا الرأي أمام النقد العلمي الذي بيّن أصالة الخبرة الروحية التي ولّدت تراث العهد القديم، وحافظت على هويته الثقافية خلال قرابة ألف سنة: من بزوغ الإرهاصات الأولى للتقاليد الشرعية (في عصر موسى: القرن 13 ق. م.) إلى صياغة (كتب الشريعة الخمسة) النهائية على يد الفقيه عزرا (أوائل القرن 4 ق. م.)، وذلك على الرغم من التفنن المدهش في ألوانه الأدبية. ثم وقف فريق آخر من رجال الفكر المسيحي موقف الدفاع عن أصالة (الكتاب الموحى) نافيًا نفيًا قطعيًا إمكانية تأثره بـ(الثقافات الوثنية). يمثل هذان الجوابان موقفين متطرفين، فهما لا يتعاملان مع الوقائع التاريخية تعاملًا موضوعيًا، بل يقفان منها موقفًا مسبقًا يصطبغ بصبغة أيديلوجية أو لاهوتية.

لقد غدا من باب البديهيات أن الكتاب المقدس، في عهديه القديم والجديد، تعامل مع محيطه الثقافي فعّالًا، وأقام معه علاقات الأخذ والعطاء، وعليه فإن التراث الكتابي جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني العام الذي تمثّل في الثقافات الشرقية القديمة .(1)

ذكرنا آنفًا أن (الكتب الخمسة) ليست بنت لحظة عمل واحد، بل هي إنتاج تراث ثقافي روحي، مما لم يعد ممكنًا أن ننسبه إلى شخصية مبدعة (موسى)، فقد اكتشف النقد الأدبي، وراء نص الكتب الخمسة، أعمالًا أدبية مختلفة ومؤلفين عدة، بل مجموعات من المؤلفين. ويدلّنا النص نفسه على فروع التراث التي انصهرت في هذا العمل الأدبي.

ثمة أدلة مختلفة تكشف عن وجود فروع التراث هذه، منها الأسلوب عامة، واستعمال الألفاظ والمصطلحات والأسماء – مثلا اسم اللّٰه ويهوه وإبراهيم-، والمفاهيم والمناهج اللاهوتية وما إلى ذلك .(2)

اكتشف دارسو العهد القديم، منذ قرن ونيف، أن أسفار هذا العهد تضمّ نصوصًا شتى، تتسم بصفات أساطير الشرق القديم، بل وأكثر من ذلك، فقد استعان مؤلفو روائعها بنصوص أسطورية .(4)

(1) روبير بندكتي، التراث الإنساني في التراث الكتابي، إشكالية الأساطير الشرقية القديمة في العهد القديم، بيروت: دار المشرق، 1990م، ط 2، ص 6.

(2) المصدر السابق، ص 13- 12.

(4) المصدر السابق، ص 24.

التعليق التاريخي على الكتاب المقدس The IVP Bible Background Commentary: Old Testament:

بالإمكان إظهار العديد من التوافقات بين أساطير الشرق الأدنى القديم، ونصوص من العهد القديم ومفاهيم منه .(1)

(1) John H. Walton, Victor Harold Matthews and Mark William Chavalas, The IVP Bible Background Commentary: old testament, IL: Inter Varsity press, 2000, p.30.

المبحث الأول: قصص وعقائد مقتبسة من الأمم الأخرى

المطلب الأول: خلق الكون

المطلب الثاني: الشيطان صاحب السلطان

المطلب الثالث: الملائكة أبناء اللّٰه

ذهب اليهود في: تفسيراتهم الأقدم، ومخطوطات البحر الميت، والترجمة السبعينية – في قراءة- أن أبناء الله أو أبناء الآلهة (بني ها إلوهيم) هنا هم الملائكة، وهو ما جاء أيضًا في مؤلّفات الكتّاب النصارى الأوائل كـ جستين، وإيرانيوس، وكلمنت السكندري، وترتليان …(5)

(5) See Gordon J. Wenham, Word Biblical Commentary, Volume 1: Genesis 1-15, Dallas, Texas: Word Books, 1998, CD edition.

المطلب الرابع: صراع الرب مع يعقوب

كشف العديد من النقاد أنّ هذه القصّة (البشعة) التي تتحدّث عن صراع يعقوب النبي مع (إله) ربّ العالمين -تعالى اللّٰه عن ذلك علوًا كبيرًا- أصلها الأساطير الخرافيّة القديمة التي تتحدث عن صراع (البطل) مع الروح الشيطانيّة التي تحمي النهر، فتظهر ليلًا، وتختفي قبل إشراقة الصبح.(3)

المطلب الخامس: شمشون الجبار

(2) لاحظ: وقال له: أطلقني، فقد طلع الفجر .

(3) See Eli Yassif, The Hebrew Folktale: history, genre, meaning, tr. JacquelineS. Teitelbaum, Indianapolis: Indiana University Press, 1999, pp. 12-14.

المبحث الثاني: أسفار مقتبسة من تراث الأمم الأخرى

المطلب الأول: سفر الأمثال

أثبت العديد من النقّاد أنّ سفر الأمثال ليس نتاج وحي سماوي، وإنّما هو انعكاس حكمة المصريين والكنعانيين:

ولخص الناقد دايف بلاند Dave Bland مذاهب النقاد في قوله: هناك تقريبًا اتفاق إجماعي أنّ مجموعة الأمثال الواردة في 17-11/23 /22 قد تأثرت بصورة ما بعمل الحكيم المصري المعروف بـ أمنمؤوب .(3)

(3) Dave Bland, Proverbs, Ecclesiastes and Songs of Songs, Missouri: College Press, 2002, p. 19.

المطلب الثالث: المزامير

كان العالم الأمريكي الدكتور جيمس هنري برستد أول من أشار إلى المطابقة بين نشيد إخناتون والمزمور (104) من أسفار التوراة، ثم قام بعمل مقارنة بين النصين -المصري والعبراني- فخرج من بحثه أو أبحاثه- بأن ذلك لا يمكن أن يكون بسبب توارد الخواطر بحال من الأحوال، وإنما المرجح أن العبرانيين إنما كانوا على علم بأنشودة إخناتون التي وضعها لإله الشمس.(1)

(1) محمد بيومي مهران، إسرائيل، 296 – 295 / 3، مع تصرف يسير.

المطلب الرابع: نشيد الأنشاد

المبحث الثالث: تشريعات مقتبسة من تراث الأمم الأخرى

المبحث الرابع: نصوص مقتبسة من تراث الأمم الأخرى

المبحث الخامس: كائنات أسطوريّة مقتبسة من تراث الأمم الأخرى

الغول

إشعياء 21/13: إنما تأوي إليها وحوش القفر، وتعج بيوت خرائبها بالبوم، وتلجأ إليها بنات النعام، وتتواثب فيها الماعز البرية . (ترجمة كتاب الحياة)

(3) استفدت في هذا الموضع من بحث الأستاذ محمد رفاعي: (علم الميثولوجيا يثبت تحريف الكتاب)، في حصره للكائنات الخرافيّة في الكتاب المقدس، وإن كنت قد أحلت إلى مراجع علميّة أخرى عند التحليل والتعليق على هذه النصوص.

روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح، ح / 2222) أن الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم قال: لا عدوى ولا صفر ولا غول ، قال الإمام ابن حجر (الفتح، 159 / 10): أما الغول: فقال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهى جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولًا، أي تتلون تلوناً، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم: (غالته الغولة) أي أهلكته أو أضلته، فأبطل – صلى اللّٰه عليه وسلم – ذلك ، ونسب أيضًا الإمام النووي هذا التفسير إلى جمهور العلماء (انظر المنهاج، 14 / 217-216).

وأما حديث أبي أيوب رضي اللّٰه عنه أنه كانت له سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ منه؛ فضعيف لسوء حفظ ابن أبي ليلى، كما أن الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره: إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان لا يصح للانقطاع بين الحسن البصري وجابر بن عبد اللّٰه رضي اللّٰه عنه. (انظر السلسلة الضعيفة، 139 / 3)، وفيما يتعلق بحديث لا صفر ولا غول ولكن السعالى فهو مرسل لا يصح. وأمّا ظهور الجن في صور آدمية وغيرها فثبت في الروايات الصحيحة. وفرق شاسع بين خرافات العرب الجاهليين التي أثبتها الكتاب المقدس التي تقول بوجود (الشياطين التي تسكن القفار)، وما تفرد به الكتاب المقدس من الحديث عن (الشيطان الماعزي) من جهة، وحقيقة الجن وملكاتهم من جهة أخرى، علمًا أنّ الكتاب المقدس يقرّ أيضًا بوجود الجن. (انظر اللاويين 27 / 20، 6 / 20، 31 / 19، تثنية 1، 11 / 18، صموئيل 2، 9، 8، 7، 3 / 28، الملوك 1، 6 / 21، الأيام 2، 13 / 10، الأيام 6 / 33).

الحيّة لوياثان

إشعياء 1/27: في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم المتين لوياثان الحيّة الهاربة المتلوية، ويقتل التنين الذي في البحر .

ولمن أراد الاستفاضة في البيان حول الكائنات البحريّة الخرافيّة في الكتاب المقدس وأصلها الكنعاني؛ فليقرأ كتاب (صراع اللّٰه مع التنين والبحر: أصداء أسطورة كنعانيّة في العهد القديم God’s conflict with the Dragon and the Sea: echoes of a Canaanite myth in the Old Testament) لأستاذ العهد القديم في كليّة اللاهوت بجامعة أكسفورد جون داي John Day، فإنّ استيعاب ما قيل عن هذه الأسطورة يحتاج مقامًا آخر غير الذي نحن فيه.(3)

(3) من المراجع العلميّة الأخرى التي يحسن بالقارئ أن ينظر فيها:

K. Wakemann, God’s Battle With the Monster. A study in Biblical imagery, Leiden, 1973; J. H. Gronback, ‘Baal’s Battle with Yam, a canaanite creation fight,’ Journal for the Study of the Old Testament 33, 1985: pp. 27-44; C. Westermann, Genesis 1-11, tr. J. J. Scullion, London, 1984, pp.363-383.

الثعبان الطائر

إشعياء 29 /14: تفرحي يا كل فلسطين، لأن القضيب الذي ضربك قد انكسر، فإن من أصل تلك الأفعى يخرج أفعوان، وذريته تكون ثعبانًا سامًا طيارًا .

الفصل الثاني: أثر العقائد القديمة وثقافاتها في العهد الجديد وعقائد الكنيسة

المبحث الأول: آباء الكنيسة يعترفون!

المبحث الثاني: أعداء النصرانية الأوائل يشهدون

قال فاوستس (Faustus)(1) فيما كتبه إلى قديس الكنيسة أوغسطين : لقد وضعتم أغابي مكان قرابين الوثنيين، ومكان أوثانهم وضعتم شهداءكم الذين تعاملونهم بنفس تبجيل الوثنيين لأوثانهم. أنتم تسكّنون ظلال الموتى بالخمر والولائم، أنتم تحتفلون بالأعياد المقدّسة للأمميين، وتقويمهم، والانقلاب الشمسي الموسمي، كما حافظتم على أساليبهم دون تغيير. لا يوجد شيء يميّزكم عن الوثنيين، باستثناء أنّكم تحفظون مجامعكم بعيدًا عنهم .(2)

قال الفيلسوف أمونيوس ساكوس (Ammonius Saccus): إذا فهمنا جيّدًا المسيحيّة والوثنيّة؛ فسنتعلم أنّهما لا يختلفان عن بعضهما البعض في النقاط الأساسيّة، وإنّما يشتركان في الأصل الواحد، وهما حقيقة واحدة وشيء واحد .(3)

(1) فاوستس (350م – 400م): أسقف من الجزائر. مانوي المذهب. كان قديس الكنيسة أوغسطين قد التقاه -عندما كان هو أيضًا مانويًا- لسؤاله عن بعض الأمور التي استعصت على فهمه، غير أنه بعد خروج أوغسطين من المانويّة ألف في الرد عليه.

(2) استعمل النصارى في القرون الأولى كلمة (أغابي) (agape) التي تعني حبّ للدلالة على حبّ الإله الآب للخلق حتّى إنه قد أرسل ابنه الوحيد ليموت فداءً عنهم!

(3) Thomas William Doane, Bible Myths and their Parallels in Other Religions, New York: J. W. Bouton, 1884, 3rd edition, p.411.

المبحث الثالث: مماثلات واقتباسات

المطلب الأول: عقائد الوثنيين وقصصهم

الفرع الأول: تأليه المخلوق

الفرع الثاني: اللوجوس

قال اللاهوتي أندروز نورتن Andrews Norton: من الممكن تتبع هذه العقيدة، واكتشاف مصدرها، ولكن ليس في الوحي المسيحي، وإنّما في الفلسفة الأفلاطونيّة التي كانت هي الفلسفة السائدة على مدى الفترات الأولى بعد ظهور النصرانية، وهي التي كان جميع كبار الكتاب النصارى -الآباء كما يُسمّون-، تلاميذها، بدرجة كبيرة أو صغيرة .(3)

(3) Andrews Norton, A Statement of Reasons for not Believing the Doctrines of Trinitarians, Concerning the Nature of God and the Person of Christ, Boston: American Unitarian Association, 1870, p.94.

الفرع الثالث: نجم ميلاد المسيح

قال فردريك فرار Frederic Farrar: … حتى اليونان والرومان كانوا دائمًا يعتبرون أنّ ميلاد الرجال العظماء ووفاتهم يرمز له بظهور أجرام سماويّة أو اختفائها، وقد استمر هذا الاعتقاد نفسه الى العصور الحديثة .(1)

ويرى جيكي Geikie أنّ هذا الاعتقاد كان له حضور في عامة ثقافات البشر:

لقد كان هناك حقًا اعتقاد ذائع في العالم أنّ الوقائع غير العاديّة، خاصة ميلاد رجل عظيم أو وفاته، ينبئ بها ظهور نجوم ومذنّبات، أو اقتران أفلاك سماويّة .(2)

(1) Frederic Farrar, The Life of Christ, London: Cassell and Company, 1894, pp.22-23.

(2) Geikie, Life of Christ, 1/144 (Quoted by Thomas William Doane, Bible Myths and their Parallels in Other Religions, pp. 144-145)

الفرع الخامس: الملائكة التي ظهرت عند الميلاد

الفرع السادس: الساعون في قتل المولود

الفرع السابع: تجربة الشيطان

أشار اللاهوتي لاردنر Lardner إلى أن العديد من آباء الكنيسة الأوائل قد رفضوا (قصة تجربة الشيطان) باعتبارها غير قابلة للتصديق.(3)

وللقصّة أصل ثابت في الخرافات القديمة، خاصة في البوذيّة؛ حتّى قال مؤلّف كتاب (يسوع وبوذا وكرشنا ولاو تزو: التعاليم المتوازية لأديان عالميّة أربعة Jesus, Buddha, Krishna, Lao Tzu: The Parallel Sayings: The Common Teachings of Four World Religions): قصّة تجربة المسيح في البريّة هي تقريبًا نسخ حرفي لخرافة أسطورة بوذا !(4)

(2) نثانيل لاردنر (1684م-1768م): لاهوتي إنجليزي. يعتبر مؤسس الدراسات المعاصرة للأدبيات النصرانيّة المبكرة.

(3) Lardner’s works, 8/491 (Quoted by Thomas William Doane, Bible Myths and their Parallels in Other Religions, p.175).

(4) Richard Hooper, Jesus, Buddha, Krishna and Lao Tzu: The Parallel Sayings: The Common Teachings of Four World Religions, AZ: Sanctuary Publications, Inc, 2008, p.1.

الفرع التاسع: القائمون من الموت

ومن أهم الكتب -وأحدثها- التي فصّلت تاريخيًا في هذه العقيدة عند الأمم القديمة، كتاب (لغز القيامة: “الآلهة التي تموت وتقوم” في الشرق الأدنى القديم Riddle of Resurrection: “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East) 2001م لـ ت. ن. د. متنجر T. N. D. Mettinger، وكانت خلاصة بحثه فيه، قوله: الآلهة التي تموت وتقوم من الموت كانت معروفة في فلسطين في زمن (كتابة) العهد الجديد .(2)

(1) ترايجف ن. د. متنجر: أستاذ متقاعد للعهد القديم من جامعة (لوند) في السويد. درّس في عدد من الجامعات المختلفة كأستاذ زائر. عضو شرفي في الجمعيّة البريطانية لدراسات العهد القديم.

(2) Tryggve N. D. Mettinger, Resurrection: “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East, Stockholm: Almqvist & Wiksell International, 2001, p.220.

الفرع العاشر: تحويل الماء إلى خمر

سيزول الاستغراب إذا قلنا بما نبّه عليه فريدرش هولدرلن Friedrich Holderlin من التشابه الكبير بين يسوع وديونيسوس إله الخمر، خاصة في كتابيه Brod und Wein، وأيضًا بيتر هنجل، باري باول، بيتر ويك Peter Wick.(4)

(2) بيتر هنجل (1926م – 2009م): ناقد ألماني متخصص في تاريخ الأديان.

(3) باري باول: أستاذ متقاعد من جامعة وسكنسن-مادسن. متخصص في هومر وتاريخ الكتابة. له كتاب (الأساطير التقليديّة) الذي نال شهرة كبيرة كمرجع تدريسي في الغرب.

(4) انظر دراسته: من يسوع إلى ديونيسوس: مساهمة في (فهم) سياق إنجيل يوحنا:

Peter Wick, ‘Jesus gegen Dionysos? Ein Beitrag zur Kontextualisierung des Johannesevangeliums,’ Biblica 85 (2004) pp. 179-198.

المطلب الثاني: الفكر اليوناني

الفرع الأول: الفلسفة الأفلاطونيّة

قديس الكنيسة أوغسطين هو الذي قال عمّا قرأه في الفلسفة الأفلاطونيّة: لقد قرأت هناك أنّ اللّٰه الكلمة ولد من غير لحم ودم، لا من مشيئة الإنسان، ولا من مشيئة الجسد، وإنما من مشيئة الله (5)، مقرًا أنّ أصل هذه العقيدة موجود في الفلسفة اليونانيّة!

(5) Augustine, The Confessions, tr. J. G. Pilkington, Edinburgh: T. & T. Clark, 1876, p. 154.

الفرع الثاني: الحكمة اليونانيّة

يقول الناقد المحافظ ج. س. هوسن (J.S. Howson): الصورة المجازيّة صعب أن ترفس مناخس كانت من الصور المفضّلة في العالم الوثني … لقد استُعملت بصورة مكثّفة من طرف الكتّاب اليونانيين والرومانيين. إننا نجدها في أعمال يوربيدس… وأيضًا بلوتوس Plautus، ترونس Terence. لم ترد هذه الكلمات في أية مجموعة من الأمثال اليهوديّة المعروفة .(2)

(2) Philip Schaff, ed. A Popular Commentary on the New Testament, New York: Charles Scribner’s Sons, 1880, 2/352.

المبحث الرابع: اقتباس العهد الجديد من الكتب المزيّفة

المطلب الأول: الاقتباس من الكتب المنحولة

أصبحت قضيّة اقتباس العهد الجديد من الكتب اليهوديّة المنحولة -مباشرة أو ضمنًا- حقيقة علميّة؛ في السنوات الأخيرة، خاصة منذ عشرين سنة مضت حيث تمّ نشر مجلدي كتاب العهد القديم المنحول بتحرير شارلزورث، ازداد النقاد المتخصصون في العهد الجديد انتباهًا إلى أهميّة الكتابات المنحولة، لتفسير العهد الجديد .(2)

(2) Craig A. Evans, Ancient Texts for New Testament Studies: a guide to the background Literature, p.70.

سفر 1 أخنوخ

يهوذا 15/14: عن هؤلاء وأمثالهم، تنبأ أخنوخ السابع بعد آدم، فقال: انظروا إن الرب آت بصحبة عشرات الألوف من قديسيه، ليدين جميع الناس، ويوبخ جميع الأشرار الذين لا يهابون اللّٰه بسبب جميع أعمالهم الشريرة التي ارتكبوها، وجميع أقوالهم القاسية التي أهانوه بها، والتي لا تصدر إلا عن الخاطئين الأشرار غير الأتقياء! .

سفر 1 أخنوخ 9 /1: ها إنّه يأتي مع عشرة آلاف من قدّيسيه حتّى ينفّذ الحكم على الكل، وليحطّم الأشرار، ويدين كلّ جسد على كلّ ما عمله من شر اقترفه بسوء، وكل قول قبيح قاله الخطاة الأشرار ضدّه .

نقل يهوذا عن هذا السفر خبرًا غيبيًا لا يعرف إلا بواسطة الوحي، وليس هو موافقة له في قضيّة عقليّة، أو قاعدة أخلاقيّة عامة، كما أنّ هذا التطابق في هذا الخبر الغيبي لم يرد في صورة (الموافقة) دون إحالة إلى مصدر بعينه، وإنما ورد تخصيص النقل عن هذا السفر بعينه.

ولم يتفرّد ترتليان بالقول بقداسة سفر (1 أخنوخ)، بل شاركه عدد من الآباء مثل كلمنت السكندري، إيرينيوس(2)، أثيناغورس(3)، كما شهدت رسالة برنابا 4/16 لنفس الأمر. ولا تزال الكنيسة الأثيوبيّة إلى اليوم ترى قداسته.(5)

(5) See James C. VanderKam, ‘1 Enoch, Enochic Motifs, and Enoch in Early Christian Literature,’ in James C. VanderKam and William Adler, eds. The Jewish Apocalyptic Heritage in Early Christianity, Minneapolis: Fortress Press, 1996, pp.33-60.

صعود موسى

يهوذا 9: حتى ميخائيل، وهو رئيس ملائكة، لم يجرؤ أن يحكم على إبليس بكلام مهين عندما خاصمه وتجادل معه بخصوص جثمان موسى، وإنما اكتفى بالقول: لينتهرك الرب .

قال أريجن Origen في كتابه De principiis صفت الحيّة في سفر التكوين أنّها قد أغوت حوّاء، وهي التي جاء في العمل المسمّى صعود موسى -وهو رسالة صغيرة أشار إليها يهوذا الرسول في رسالته- أنّ رئيس الملائكة ميخائيل لما تخاصم مع الشيطان حول جسد موسى، قال إنّ الحيّة قد أوحي إليها من الشيطان، وهي سبب مخالفة آدم وحواء. كما أشار إلى نفس الأمر كل من كلمنت السكندري، ديديموس الضرير(2)، وصرّح قديس الكنيسة السريانيّة البابا ساويرس الأنطاكي(4) أنّ يهوذا قد اقتبس هنا من سفر منحول.(5)

(2) ديديموس الضرير (313م – 398م): لاهوتي شهير من الإسكندرية. له عدد كبير من المؤلّفات المتنوعة، من أهمها تعليقاته على أسفار الكتاب المقدس.

(3) See Montague Rhodes James, The Lost Apocrypha of the Old Testament, California: Book Tree, 2006, p.43.

(4) ساويرس الأنطاكي (465م- 538م): بابا أنطاكية، وأحد أهم لاهوتيي الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة.

(5) See James H. Charlesworth, The Old Testament Pseudepigrapha and the New Testament, p.77.

حياة آدم وحواء

تعريف: سفر يهودي منحول، يعرف في ترجمته اليونانيّة باسم (رؤيا موسى)، وهو يتحدث عن تفاصيل حياة آدم وحواء بعد طردهما من الجنة.

التشابه: 2 كورنثوس 14/11: ولا عجب! فالشيطان نفسه يظهر نفسه بمظهر ملاك نور .

المصدر: 1/9: ثمانية عشر يومًا مرّت، ثم غضب الشيطان وحوّل نفسه إلى لمعان الملائكة، وانصرف إلى نهر دجلة، إلى حواء، فوجدها تبكي .

جاء في سلسلة التفسير الكاثوليكي العصري الشهيرة Sacra Pagina الإحالة إلى تغيير الشيطان شكله إلى شكل ملاك، أو الاكتساء بلمعان الملاك، موجودان في (رؤيا موسى) 2-1/17، و(حياة آدم وحواء) 1/9.(2)

(2) Jan Lambrecht, Second Corinthians, (Sacra Pagina, Volume 8), Minnesota, Liturgical Press, 1999, p. 178.

وجاء في التفسير المحافظ Life Application Bible Commentary: رغم أنّ العهد القديم لا يصف الشيطان على أنّه ملاك نور، فإنّ الكتابات اليهوديّة تفعل ذلك. ربّما كان بولس يفكّر في القصص المضمّنة في (حياة آدم وحواء)، أو (رؤيا موسى)، عندما كتب هذا العدد .(1)

رؤيا إيليا

تعريف: سفر رؤيا إيليا، هو سفر منحول تمّت صياغته على أنّه وحي من جبريل، وتوجد له نسختان اليوم، الأولى هي مقاطع من ترجمة قبطيّة، والأخرى عبريّة.

التشابه: 1 كورنثوس 9 /2: ما صلبوا رب المجد! ولكن، وفقًا لما كتب: إن ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال بشر قد أعده اللّٰه لمحبيه! .

المصدر: يقول جون إدغار ماك فداين John Edgar McFadyen: لا يوجد مقطع في العهد القديم يطابق حرفيًا الكلمات التي سيقت هنا .(2)

وقد ذكر كل من أريجن في تعليقه على متّى 9/27، وأوثاليوس(3)، وآخرين أنّ النص مقتبس من (رؤيا إيليا).(4)

(1) Bruce B. Barton, 1 and 2 Corinthians (The Application Bible Commentary), Tyndale House Publishers, Inc., 1999, p.436.

(2) John Edgar McFadyen, The Epistles to the Corinthians and Galatians, New York: A. S. Barnes, 1909, p.22.

(3) أوثاليوس (القرن الخامس): أسقف سولكا. من أهم أعماله كتبه في دراسة العهد الجديد.

(4) See James Hastings, eds. A Dictionary of the Bible, Edinburgh: T. & T. Clark, 1901, 1/692.

الكتاب السري لإرمياء

تعريف: كتاب منحول فيه شبه كبير بسفر باروخ الرابع، حتّى قيل إنهما من مصدر واحد. وقد وصلنا مكتوبًا باللغة العربيّة بالحرف السرياني، ويرجّح أنّ اليونانيّة هي لغته الأصليّة.

التشابه: متّى 9 /27: عندئذ تمّ ما قيل بلسان النبي إرمياء القائل: وأخذوا الثلاثين قطعة من الفضة، ثمن الكريم الذي ثمنه بنو إسرائيل .

المصدر: قال أريجن في مقالته الخامسة والثلاثين في تعليقه على إنجيل متّى: إنّ هذا النص مقتبس من الكتاب السري لإرمياء.(3) وذكر قديس الكنيسة جيروم أنّ أحد أفراد فرقة الناصريين Nazarenes أراه نسخة عبريّة لإرمياء الأبوكريفي فيها هذه النبوءة.(4)

كتاب توبة ينيس ويمبريس

تعريف: كتاب يهودي منحول يروي قصّة ساحرين اثنين.

(3) See Louis Ellies du Pin and William Wotton, A New History of Ecclesiastical Writers, London: Abel Swalle and Tim. Childe, 1693, 1/32.

(4) See Adam Clark, The New Testament of our Lord and Saviour Jesus Christ, Philadelphia: Thomas Cowperthwait, 1844, p.133.

التشابه: 2تيموثاوس 8 /3: ومثلما قاوم (الساحران) ينيس ويمبريس موسى، كذلك أيضًا يقاوم هؤلاء الحق؛ أناس عقولهم فاسدة، وقد تبين أنهم غير أهل للإيمان .

المصدر: يقول التراث اليهودي: ينيس ويمبريس اسمان لأعظم ساحرين من السحرة الذين وقفوا أمام موسى عليه السلام كما هو مذكور في سفر الخروج (11/7، 7 /8).

لا يعرف هذان الاسمان إلاّ من خلال التراث اليهودي، ولا ذكر لهما في العهد القديم؛ فقد وردا في (كتاب توبة ينيس ويمبريس). وقد ذكر أريجن في تعليقه على متّى 8/27 أنّ بولس قد اقتبس كلامه في رسالته الثانية إلى تيموثاوس من هذا السفر.(1) ولهذين الاسمين ذكر واسع في أكثر من موضع من التراث اليهودي خارج التناخ، وفي كتابات الوثنيين.

(1) See Origen, Comm. Matt. 10.18.60 (Quoted by William Adler, ‘The Pseudepigrapha in the Early Church,’ in Lee Martin McDonald and James A. Sanders, eds. The Canon Debate, Massachusetts, Hendrickson Publishers, 2002, p.220).

المطلب الثاني: الاقتباس من الكتب المجهولة

يوحنا 38/7: وكما قال الكتاب، فمن آمن بي تجري من داخله أنهار ماء حي .

1كورنثوس 10 /9: أم يقول ذلك كله من أجلنا؟ نعم، فمن أجلنا قد كتب ذلك، لأنه من حق الفلاح أن يفلح برجاء، والدراس أن يدرس برجاء، على أمل الاشتراك في الغلة .

2كورنثوس 6/4: فإن اللّٰه الذي أمر أن يشرق نور من الظلام، هو الذي جعل النور يشرق في قلوبنا، لإشعاع معرفة مجد اللّٰه المتجلي في وجه المسيح .

هذه الترجمة التي قدّمتها ترجمة الحياة العربيّة، محرفة؛ والقصد منها إخفاء دلالة النص على أنّه اقتباس نص من مصدر مجهول:

1 تيموثاوس 18/5: لأن الكتاب يقول: لا تضع كمامة على فم الثور وهو يدرس الحبوب، وأيضًا: العامل يستحق أجرته .

نصّ: العامل يستحق أجرته لا أثر له في العهد القديم، علمًا أنّ رسائل بولس هي أقدم نصوص كتبت في العهد الجديد، فلا يمكن أن تكون الإحالة إلا إلى العهد القديم، أو أسفار أخرى ظنّها بولس مقدّسة، أو تراث حسبه مقدسًا!

يعقوب 5/4: أتظنون أن الكتاب يتكلم عبثًا! هل الروح الذي حل في داخلنا يغار عن حسد؟ .

الخاتمة

شبهة اقتباس القرآن من أسفار أهل الكتاب قائمة على أنّ ثبوت التشابه حجة ضرورية للاقتباس، وهي مقدمة فاسدة لأنه عند التسليم بوجود التشابه من الممكن ردّه إلى أنّ محلّ التشابه تراثٌ كتابي صحيح؛ فلسنا نزعم أنّ أخبار أهل الكتاب كلّها أساطير، ومن ادّعى أسطوريّتها، فعليه البرهان.

كثرة المصادر التي يدّعي المستشرقون والنصارى أن نبي الإسلام ﷺ قد نقل عنها، حجة على أصحاب الشبهة لا حجة لهم؛ إذ إنّ الدلائل التاريخيّة قاطعة أنّ نبي الإسلام ﷺ كان أميًا، كما أنّ الثقافة الكتابية في بيئته كانت ضعيفة جدًا ومشوّهة.

لا يُسلَّم للمخالفين القول بالاقتباس القرآني حتى يثبتوا التشابه، وطريق العلم به، وداعيَ افترائه. ولا يسلَّم لهم كثيرٌ مما ادعوه من التشابه (خارج الكتاب المقدس)، كما أنّهم فشلوا في بيان طريق العلم به، وعجزوا عن نقض ظاهر صدق نبي الإسلام ﷺ وأمانته في إخباره عن مصدر ما يأتيه من خبر.

شهادة البحث التاريخي وإقرارات الأكاديميين المختصين في تاريخ ترجمات الكتاب المقدس أنّ هذه الأسفار لم تُعرّب إلا بعد البعثة يمنع أن يكون نبيّ الإسلام ﷺ قد نقل هذه الأخبار عن نص قرأه بنفسه أو قرأه له عربيّ.

عامة المصادر التي يزعم المستشرقون أنها أصل الخبر القرآني أثبت البحث العلمي أنها كتبت بعد زمن البعثة.

يُثبت البحث العلمي دائمًا أنّ الشبهات التي يلقيها النصارى في أمر حقيقة الإسلام وأصوله لا تصحّ إلا إذا رميت بها النصرانية وأصولها، وليست مسألة الاقتباس عن ذلك ببعيد؛ فقد بيّنا في هذا الكتاب بتفصيل المصادر البشريّة الكثيرة والمتنوعة، ومنها الوثني، التي اقتبس منها مؤلّفو أسفار الكتاب المقدس.

كلمة في الختام

﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة