بسم الله الرحمن الرحيم
مُلخَّص كتاب: أولو بقية، دليل عملي لتربية القلة المؤثرة
تأليف: محمد محمد بدري
الهدف من الكتاب
هذا الدليل العملي لتربية القلة المؤثرة هو رحلة بحث لاختيار فئة من الناس مثل الماس نقاءً ونُدرة، والاجتهاد في تنبيههم إلى تميُّزهم، ثُمَّ العمل معهم على صقل مواهبهم في إطار مراد الله الذي أخبر به سبحانه في رسالته إلى خلقه.
سبب اختيار عنوان الكتاب
إنَّ الله لا يأخذ القُرَى بالظُّلم إذا كان أهلها مُصلحين. قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 116-117]
هذه القِلَّة المُؤثِّرة، هي صمام الأمان لأنها المُقاومة للظُّلم والفساد بكل صوره.
«تفسير الطبري» (12/ 628): «{أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ} يقولُ: ذَوُو بقيةٍ من الفهمِ والعقلِ، يعتبِرون مواعظَ اللهِ، ويتدبَّرون حججَه، فيعرِفون ما لهم في الإيمانِ باللهِ، وعليهم في الكفرِ به، {يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ}. يقولُ: ينهَون أهلَ المعاصي عن معاصيهم، وأهلَ الكفرِ باللهِ عن كفرِهم به في أرضِه، {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ}. يقولُ: لم يكُنْ من القرونِ من قبلِكم أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ في الأرضِ إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهَون عن الفسادِ في الأرضِ، فنجّاهم اللهُ من عذابِه حينَ أخَذ مَن كان مقيمًا على الكفرِ باللهِ – عذابُه، وهم تُبَّاعُ الأنبياءِ والرسلِ.»
المُقدِّمة
الإنسان حين يتربى على فكرة أنه مسؤول «من»؛ فإن نفسه تستعد لـ «الأخذ»، أما حين يتربى على فكرة أنه مسؤول «عن»؛ فإن نفسه تستعد لـ «العطاء»، بل يكون عطاؤها «دائماً» غير محدود بوقت، و «عامًّا» غير مقصور على دائرة الانتماء.
الصَّحابة شعروا بأنَّ عندهم ما يحملونه للعالم؛ فقال أصغر جندي فيهم مُعبِّر عن مُهمّتهم «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة». فهو رضي الله عنه يرى أن العالم في حاجة إليه ليخرجه من الغفلة إلى اليقظة، ومن ثم إلى البصيرة والحياة الطيبة.
«دليل تربية القِلَّة المُؤثِّرة»، مُقسَّم إلى ثلاثة محاور، وكل محور مُقسَّم إلى خطوات.
المحور الأوَّل: بناء النَّفس السَّوِيَّة.
نُحاول فيه بناء النفس السوية من خلال إشراقة التوحيد، وبناء النفس من خلال وحي الفرقان؛ فيقرأ القرآن كأنما عليه نزل.
المحور الثاني: صناعة القادة المؤثرين.
اكتشاف الذَّات، والتَّعرُّف على المواهب والإمكانات وتنميتها، والانسجام بين الأفراد.
المحور الثالث: التَّحرُّر من العوائق.
التعامل مع كل «العوائق» في الحياة على أنها «تحدِّيَّات» يُمكن تجاوزها بالمبادرة الإيجابية. والتَّخلُّص من ثقافة الخوف والتَّعامُل مع الواقع بشجاعة الاستمرار في العمل مع وجود أسباب الخوف، فلا يصيبنا الخوف بالشلل، ولا يمنعنا من العمل.
في سعينا لبناء النَّفس السَّوِيَّة خطوات …
الخُطوة الأولى: إشراقة التَّوحيد.
عيش الحياة بمركزية «العمل عند الله»، ولا سبيل إلى إشراقة التَّوحيد إلَّا تحطيم «الوثن». والوثن «الخفي» هنا هو النَّفس. إنَّ دين الله وشريعته أن تكون كل حياتك لله.
الخطوة الثانية: رحلة ترويض الأنا.
لتوضيح تأثير ال «أنا» على مناحي الحياة المختلفة، لكي نعلم الحق؛ فنوالي الآخر بقدر ما نراه من خيره، ونبرأ منه بقدر ما نرى من شره.
ولا شك أن هذه الرحلة لابد أن يتوفر فيها: الرغبة، والقدرة، والاستعداد لدفع الثمن.
الخطوة الثالثة: نفسي تحدثني، وأسمعها.
أكثر شخص يعرفك هو أنت. ابدأ حواراً بينك وبين نفسك.
الوصول إلى القيمة وراء الفعل أو الترك.
الخطوة الرابعة: بناء إنسان بوحي الفرقان.
قال رسول الله ﷺ: الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذ فقهوا.
خامات البشر تدخل مدرسة الوحي لتتربى على المنهاج.
وفي سعينا لصناعة القادة المؤثرين خطوات …
الخطوة الأولى: اكتشاف الذَّات.
فهل جلست يوماً لتكتب كل ما تعرفه عن العطايا والمواهب والقدرات والإمكانات التي وهبها الله لك؟
الخطوة الثانية: ميلاد القلب المرجعي.
لابد من وعي جديد تقف فيه على أرضية صلبة من الأفكار الصحيحة النافعة التي لا تتغير ولا تتبدل، تكون مُقدِّمة لميلاد «القلب المرجعي» المشبع بالعلم الشرعي، وبفهم الواقع.
أئمَّة الفقه الكبار لم يؤسِّسوا كياناً تنظيمِيًّا، بل كان كل منهم «قلباً مرجعيًّا» يرتكَّز على المصداقية في التربية وترك الأثر، ضمن إطار عمل محمود شرعاً.
أنتَ مسؤولٌ عن كل من وثقوا بك، هذه المسئولية تكمن في تمكينهم من أداء أدوارهم بشكل أفضل من خلال تعليمهم المهارات التي تساعدهم على الإنجاز وتحقيق الأهداف.
الخطوة الثالثة: القادة صُنَّاع الأثر.
هُناك فريقان في هذه الحياة. فريق في حالة انتظار تتلوها حالة اتباع لمن يدلهم على الطريق، وفريق آخر هم من ينتظرهم الفريق الأول ليمشوا وراءهم فيما يختارونه من طريق!
وهذا الفريق الثاني هم «القلة المؤثرة» التي آمنت أنها تستطيع؛ فحاولت.. فغيرت.
ولكي تكون من هؤلاء فأنت في أمس الحاجة لاكتساب مهارات القائد الحق:
- تمكين الآخرين من العمل وليس التسلط عليهم. فيحاول تحقيق الأهداف من خلال اختيار الفريق القوي المنظم المتماسك الذي يمتلك رؤية متكاملة.
- الذي يستخدم نموذج القيادة بالقدوة من خلال اتساق أفعاله مع أقواله وتقديم النموذج العملي الواقعي لما يريد الوصول إليه.
- العمل المكيث الصادر عن خطط مدروسة وإعداد مُحكم يكون صحيحاً ومؤثرا.
القائد الذي سبقك هو أعلم من يدلك على الطريق.
إن رحلة اكتشاف تميُّزك الخاص ليست وسيلة لأن تكون شبيه أحد أو أن تطابق مسارك بمسار قائد ملهم.
وفي سعينا للتَّحرُّر من العوائق خطوات …
الخطوة أولى: الحياة بمركزية المعنى.
حياتك المهنية «وسيلة» لتحقيق جزء من الصورة الكبيرة لمراد الله، وتختار شريكا لحياتك يعاونك وتعاونه على تحقيق مراد الله منكما، وتبحث عن صحبة لهم نفس منظومتك القيمية لتستدفئ بصحبتهم في طريق تحقيق مراد الله.
هناك غاية لوجود الإنسان، هذه الغاية هي العبودية لله، أي أن تستقيم الحياة على أن هناك عبداً يتعبَّد وإلهاً معبُوداً.
معنى العبادة أوسع وأشمل من مجرد أداء الشعائر التعبدية، ومن ثمَّ تُصبح الحياة والكون محراب صلاة.
حال «القلة المؤثرة» يعيشون لأجل «معنى» أكبر بكثير من ذواتهم.
الخطوة الثانية: تحدِّيَّات لا عقبات.
بعض المجموعات تبحث عن رمز تلغي إرادتها وتمشي وراء إرادته، وتسلمه مقاديرها. وتُعطِّل عقولها لتعتمد على عقل من تراه «القدوة».
أنفع طُرُق التَّعلُّم «التَّلقِّي والتَّساؤل».
احذر أن تكون جزءا من كيان بمنع التفكير ويحرم التعبير؛ فكان كل دوره هو «تمرير» الأفكار دون مناقشة و«تكرارها» دون تمحيص و«تبريرها» والدفاع عنها حتى الموت!
الخطوة الثالثة: العبور إلى الحياة.
حين تضبط بوصلة حياتك على اتجاه مراد الله، يكون معيار النجاح الحقيقي هو عدم انحرافك عن ذلك الاتجاه.
إذا كنت تملك فكرة نفذها، وإذا كان لديك علم؛ بلغه، وإذا كنت تسعى لهدف؛ حاول أن تحققه، وحاول أن تعيش كل يوم في حياتك كأنه أخر يوم، تبذل من طاقتك أقصاها، وتقدم من العمل أفضله، ومن الإبداع أروعه.
فإذا أتاك الموت؛ كنت على أفضل نسخة تستطيع بلوغها من ذاتك، تتذكر الموت عندما تواجه الحياة، وتفكر في البعث عندما تواجه الموت.
وصية: لا تستصغر ما تفعله ولا تتعجل النتيجة، فأنت منتصر ما لم تعلن الهزيمة.
لا يدفعك الخوف إلى الانسحاب من الحياة لتعيش على هوامشها.
لا تبقى – يا صديقي – في موقف «المنتظر»، ولا ترضى أن تكون «مفعولا بك»، بل اصنع أنت طريقة الحياة لنفسك ولمن تحب، وكن واحدا من «القلة المؤثرة».
المحور الأول: بناء النفس السوية
ويتحقَّق في أربع خُطُوات …
- الخطوة الأولى: إشراقة التَّوحيد.
- الخطوة الثانية: رحلة ترويض الأنا.
- الخطوة الثالثة: نفسي تُحدِّثني وأسمعها.
- الخطوة الرابعة: بناء الإنسان بوحي الفرقان.
الخطوة الأولى: إشراقة التَّوحيد
الوثن الأبشع هو وثن اللحم والدم الذي يظهر في صورة بشر يتعالى فوق النقد والخطأ.
لم تهدأ معركة «الوثن» و «الفكرة» عبر التاريخ.
يجب أن تعبد الله على الشروط التي يحددها الله.
القصد أن تكون العلاقة بالله قائمة على أنه سبحانه هو الأول في حياتك ثم تقترب علاقتك بالآخرين أو تبتعد بقدر كونهم «وسيلة» لرضا ربك وليس إرضاء نفسك.
إنَّ الوعي يسبق الاختيار، والاختيار يسبق التغيير، وطرح السؤال الصحيح يستدعي الإجابة الصحيحة.
فالاستقامة هي الحالة الوسطية بين الطغيان واللامبالاة.
حاصل الأخلاق ينتهي إلى ثلاثة: هي العفة والشجاعة والحكمة، وقالوا إن كل خلق من هذه الأخلاق هي وسط بين حدَّين، وكل فضيلة هي وسط بين رذيلتين.
نجح الفقهاء في استيعاب المنظومة الفقهية على أساس «الطيف» واستخراج الأحكام وفق حركة ضمن طيف في خمس مراتب بين الحرام مرورا بالمكروه ثم المباح وصولا إلى المستحب وانتهاء بالواجب. راجع إن شئت: باب المباح في كتاب الموافقات للإمام الشاطبي.
يجب أن يكون لديك شعور بالامتنان لله الذي شرفك بقبوله لك عاملا عنده.
«الرضا عن الله» وليس الرضا عن نفسك، فالله هو الذي ألهمك أن تبحث، وهو الذي أرشدك أن تجد وهو الذي وفقك أن تحقق، ثم هو الذي تكرم بالقبول منك، فأين «نفسك» فيما سبق؟
من الأشياء ما لا يمكن وصفه، كالمذاق، فقط حينما تذوقها ستعرف مذاقهما، فمن ذاق؛ عرف.
الخطوة الثانية: وحلة ترويض الأنا
مسَّت الحاجة إلى رحلة تضبط الـ «أنا» بداخلك حتى لا تبقى متطلعا إلى نظرة التقدير في أعين «هم».
أعتقد أنه لا يمكن أن تتخلص نهائيا من الـ «أنا»، إنما عليك أن تكون واعياً بوُجُودها، ومدركاً لنشاطها.
يجب أن تخوض رحلة البحث عن مراد الله منك.
مفاهيم نلتزم بها أثناء الرحلة:
- الاستعداد للخروج من منطقة الراحة.
- الاستعداد لسماع الآراء والأفكار المختلفة.
- القدرة على رؤية الجوانب الإيجابية في الآخر والتعلم منه.
- إلغاء الألقاب.
- تفعيل رحمة الله في قلبك.
- ممارسة ثقافة الاعتذار.
- التحرر من أسر تقييم «الآخر» لحياتك.
- معيار النجاح هو الاستمرار في الاتجاه الذي اخترته لحياتك «مراد الله منك».
أنت وأنا نستطيع أن نتعلم “علم العلماء” من قراءة كتبهم، أو من تلاميذهم، ولكن عملية أن «نذوق»، ونتعلم ما هي «كينونتهم» لا تتم ولا تكتمل إلا بمصاحبتهم ومعاشرتهم والاختلاط بهم.
هل أنت تنتمي إلى كيان ما، لأنك «تريد» هذا الانتماء أم لأنك “تحتاج” إليه؟
حين تضع «مراد الرب» و«رضاه» كهدف أعلى، ستكون مفتوحا على الآخر تبحث معه عن مساحات الاشتراك بينكم لتبنوا عليها.
الحب لب الرحمة؛ فإنها أكثر اتساعاً منه، فأنت كمحب ترحم من تحب تلقائيا، ولكنك كرحيم ترخم من تحب، ومن لا تحب.
علينا «تفعيل» الرحمة واستحضارها من خلال التعبير عن المحبة وإخبار من أحببته أنك تحبه.
قال رسول الله ﷺ: «إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره انه يحبه».
والتعامل مع خلق الله بالرحمة كقيمة ربانية تستمدُّها من مصدرها من الله الرحمن.
الخطوة الثالثة: نفسي.. أحدثها، وتسمعني
إنها ألاعيب ال «أنا» التي توهمه أنم «متميز» عن كل من حوله، ثم من خلال هذا الإحساس ب «التميز» المزعوم توسوس له أنه شلال من ماء العلم ينزل إلى الآخرين من أعلى إلى أسفل.. ثم تسحبه إلى أبعد من ذلك؛ فتشعره أنه في غاية التواضع لأنه يتحمل جهلهم!
أن تأخذك الإجابات خطوة إلى مزيد من التساؤلات التي تنقلك من مربع الغفلة إلى مربع الوعي حتى لا تخدعك ال «أنا».
نفسي: اقبلني وحاول أن تراني مستحقة للخير.
أنا: وماذا عما مضى؟ … ماذا عن لحظات الإخفاق والفشل؟ ثم، ماذا عن أخطاء الماضي وعثراته؟
نفسي: تصالح معها، وابدأ من حيث أنت الآن. الندم يطهر الروح، والعزم على عدم العودة خطوتك الأولى للتحليق في القمة السامقة.
أنا: ليس على وجهي أقنعة!
نفسي: بل على وجهك أقنعة كثيرة بعضها فوق بعض، وأنت وضعتها لتلعب أدورا كثيرة يوما بعد يوم.
نفسي: الوعي بالأوهام التي تعيش فيها، والأقنعة التي ترتديها.
نفسي: أبعدهم عن حياتك حتى لا يكرروا فعلتهم.
نفسي: الإحسان يليق بك وإن لم يستحقه من أمامك.
نفسي: ألم تر أنك في بعض اختياراتك كنت عبقريا، وفي بعضها الآخر كنت في غاية البلاهة؟
نفسي: سامح.. سامح الجميع.
نفسي: أنت تخلط يا صديقي بين التسامح والتصالح.
نفسي: سامح من آذوك بمعنى: لا تظل أسير حالة الألم واجترار ذكرياته، لا تظل أسير غضبك مني لأفي سمحت لهم بإيذائك!
نفسي: يا صديقي الطيب.. ألست تخطيء؟ … ألست تعصي خالقك؟ ألا تحب أن يتجاوز ربك عن خطاياك؟ كلما أخطأت، فاجعل أخطاءك دروسا في التسامح مع أخطاء الآخرين.
أنا: لقد انتبهت إلى خدعة الشيطان معي؟ … لقد دخل إلي من طبيعتي البشرية ليصوره سبحانه لي في صورة مادية أو معنوية!
نفسي: الأخطر يا صديقي أن ينفرد الشيطان بك في محنتك، فيوحي إليك أنه سبحانه قد تخلى عنك وخذلك.
نفسي: اجتهد في معرفتي؛ فهي سبيلك إلى حق معرفته، فإذا عرفتني بالضعف عرفت ربك بالقوة، وإذا عرفتني بالعجز عرفت ربك بالقدرة، وإذا عرفتني بالذل عرفته سبحانه بالعز، وإذا عرفتني بالجهل عرفته بالعلم.
نفسي: إن الله سبحانه استأثر بالكمال المطلق، والحمد، والثناء، والمجد، والغنى. أما العبد، فهو فقير، ناقص، محتاج. وكلما ازدادت معرفة العبد بنقصه، وعيبه، وفقره، وذله، وضعفه، ازدادت معرفته لربه بأوصاف كماله.
نفسي: لا تجعل تقصيرك يحول بينك وبينه، فأبواب مغفرته مفتحة، وهو يفرح بتوبتك. أتدري يا صديقي ما هو الذنب الأخطر؟
أنا: ما هو؟
نفسي: أن تظن أنك تأتيه تائباً فلا يقبلك.
وصية: إن موطنك الأصلي هو الجنة، وصاحبك في سفر الحياة هو الله؛ فاقرن حاضر حبك لله، بغائب شوقك لرؤياه.
الخطوة الرابعة: بناء الإنسان بوحي الفرقان
من أهم أسباب الخوف من التغيير، «الجهل» و «الكبر».
ليبقى القرآن هو الروح الذي يؤنس المؤمن في رحلته الشاقة في هذه الأرض، والنور الذي يضيء جوانب روحه، والمعلم الذي يلقنه، والهادي الذي يبين له معالم الطريق.
ومن هنا فقد مست الحاجة إلى محاضن تربوية يتدبر فيها المربي مع طلابه النص القرآني من حيث هو طريقة حياة، ومن حيث هو نظام متكامل موضوعه الإنسان، وغايته تغييره وتحريره.
سنتدارس القرآن على ترتيب نزوله. مُحاولة الدكتور محمد عزة دروزة: «التفسير الحديث»، وهناك أيضا محاولة عبد الرحمن حبنكة: «معارج التفكر ودقائق التدبر».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «معلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، فكما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.
فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها.
وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط فتدبر هذا الأصل فإنه نافع». (مجموع الفتاوى).
عن عائشة أم المؤمنين: «إنما نزل أول ما نزل منه -أي من القرآن- سورة من المُفصَّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا».
والقراءة المطلوبة هنا هي القراءة المبنية على الفهم والوعي والتدبر، القراءة التي تربط وتستنج.
والد الفيلسوف الهندي محمد إقبال قال له: إنما أردت أن أقول لك يا ولدي: اقرأ القرآن كما لو كان نزل عليك! يقول محمد إقبال: منذ ذلك اليوم انفتحت لي مغاليق المعاني.
محاولة العيش في نفس اللحظات النفسية لنزول الآيات في محاولة لربط فهمنا للقرآن بوقائع السيرة، وقراءة القرآن بالسيرة وقراءة السيرة بالقرآن.
لن يمر بآية من كتاب الله وكأنها لا تعنيه، بل ينتقل بكل آية من «الترتيل» إلى «التشكيل»، ومن الأداء الصوتي إلى الأداء السلوكي.
يحث المربي من يقوم على تربيتهم أن يحدد كل منهم «حلم» حياته، وأن يمتلك شجاعة التجربة والفشل حتى يتعلم وينجح في هذه الحياة.
«الإسلام الكنسي» هو الذي يمارس في مكان العبادة ك «طقوس» لا علاقة لها بالحياة.
من هنا: يجب على المتربي إعادة النظر لهذا الكم من الجزئيات والشعائر ودقيق الأمور وجليلها، ومقاصدها ومقدماتها؛ ليجد نفسه أمام نسق متكامل يهدف إلى جعل الدنيا موصولة بالآخرة، ليصبح الإيمان خطا متصلا من القلب إلى الجوارح، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى العالم، ومن العالم إلى مسار التاريخ كله.
الإيمان بالله هو الركيزة الكبرى التي تنبثق منها الركائز كلها، ولا شيء يتقدم عليها في عقيدة التوحيد، التي هي أساس الإيمان.
البصيرة لازمة لزوما أصليا لا غنى عنها، وأنه لا يكفي أن تكون مؤمنا، بل لابد مع الإيمان من البصيرة. والبصيرة منها جزء يكتسب بالتعليم، ومنها جزء يكتسب بالخبرة من التجارب، ومنها جزء يكتسب بالتربية.
الإنسان لا يكون قادراً على اختيار الطريق الأصوب إلَّا أن يمتلك قلباً سليماً، لأن صاحب القلب السليم لا يرى بعينيه فقط، وإنما يرى ببصيرته، وهذه البصيرة هي أمر قلبي بامتياز، فإذا امتلكت «البصيرة» قرأت رسائل الله!
في كل يوم تزداد قناعتي أنه قد مسَّت الحاجة أن يقرأ كل منا القرآن كأنما أنزل عليه هو.
بالمداومة على قراءة القرآن يزداد الإيمان شينا فشيئا، ويحل القرآن محل الهوى في القلب، إلى أن تأتي لحظة من أجمل لحظات الحياة، وهي تحرُّر القلب من الهوى ليصبح قلباً حيًّا يسير في الحياة وفق منهاج الله في هذه الحياة.
المحور الثاني: صناعة القادة المؤثرين
ويتحقَّق في ثلاث خطوات:
- الخطوة الأولى: اكتشاف الذات.
- الخطوة الثانية: ميلاد القلب المرجعي.
- الخطوة الثالثة: القادة صُنَّاع الأثر.
الخطوة الأولى: اكتشاف الذَّات
كل فرد منا أسير ثقافة ومفاهيم، فهو لا يرى بعينيه، بل بما يسكن دماغه من التصورات، ولا سبيل له إلى الحقيقة إلا من خلال العقل النقدي الذي هو أساس المعرفة السليمة.
يخبرنا التاريخ أن ظروف التحدي الصعبة هي التي شكلت الوسط الذهبي لبزوغ الحضارات، ولم تكن ظروف الترف بحال من الأحوال وسطا لنهوض حضاري.
الضَّمانات ضِدّ «الجوع» و«الخوف» أعظم شيء يمكن أن يتحقق في أي مجتمع.
المؤمنون يألمون والكافرون يألمون، ولكنَّ ألم المؤمنين لأجل معنى يستحق.
لابد أن تثق أن كل ما يقع بك هو فرصة تطوير ذاتك لأحسن نسخة منك، وأنك لست أعز على الله من أنبيائه وأوليائه الذين بلغ بهم البلاء ما بلغ فما زادهم إلا إيمانا وتثبيتا.
إن الحياة لا تخلو من المعاناة.
الحياة بمركزية المعنى، راجع إن شنت قصة فيكتور فرانكل الملهمة في كتابه: الإنسان يبحث عن المعنى، كيف تعرض لأشد أنواع التعذيب في المعسكرات النازية، ولكنه لم يفقد تقديره لذاته.
كيف تُنمِّي ذاتك؟ قد تبدو هذه العبارة منسوخة من كتب التنمية الشرية، ولكنها في الحقيقة منسوخة من معاجم اللغة في شرح معنى كلمة «زكى»، ولا شك أن التطهر جزء من التزكية، لكنه -بكل أسف- قد أصبح عند المتأخرين هو معنى التزكية الأساس وتم التغافل عن بقية المعاني.
السبيل الأصوب إلى تنمية ذاتك هي أن تحبها، لأنك لن تستطيع حب أحد إلا أن يكون بداخلك محبة حقيقية وصادقة لذاتك.
ولا شك أنك كلما قلبت النظر في هذا التصور وجدت له شواهد متعددة، بل وجدت حب النفس غاية ومقصد، فتأمل كيف يخبرك الله أن كل ما تقوم به من عمل صالح إنما تفعله من أجل نفسك، بل جعل القرآن ما في الجنة لذة للنفس وطالبك أن تشتغل بـ «نفسك» حفاظاً وإحياءً.
كما تلحظ في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [رواه البخاري]. أنه لم يحتج للتَّعليل لحُبِّ النَّفس.
فإذا تأملت كل هذا ظهر لك جليا حديث عمر الفاروق مُصرِّحاً بهذا الأمر تصريحاً ويده مشتبكة بيد النبي ﷺ، يراهما عبد الله ابن هشام رضي الله عنه فيحكى لنا: «كُنَّا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر» [رواه البخاري].
فانظر أولا إلى السؤال، ثم انظر إلى الصراحة، ثم إلى التغيير؛ تعلم أنه حتى هذا الحب المقدس لابد له أن يمر من محبة النفس.
لن تجد غزالا يدخل في معركة مع أسد، بل سيسارع بالفرار إذا واجهه، لأنه يعرف إمكاناته جيدا.
الحيوانات عندها وعي كبير بقدراتها، من قوة وسرعة. ربما لا تمتلك الحيوانات مواهب وقدرات متعددة مثل الإنسان إلا أنها على دراية عالية بما تحظى به من قدرات وإمكانات. فهل تعي قدراتك وإمكاناتك؟
الإمكانات والقدرات التي وهبك الله، لن تؤدي إلى نتائج ونجاحات، إلا إذا وصلت إلى الاستخدام الأمثل لها، ولن تصل إلى هذا المستوى من الاستخدام إلا أن تكون واعيا بها، وراغبا في استخدامها لتحقيق نتائج.
العامل الأهم هنا هو «الوعي» بذاتك وما تملكه من مواهب وإمكانات.
أدوات التدمير الذاتي التي أمرنا حبيبنا ﷺ بالاستعاذة منها حين قال: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجبن، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال» [صحيح البخاري]، إذ يبدو أن المشترك بين المصائب الثمان سابقة الذكر، هي أنها عوامل تدمير ذاتي، أربعة منها خارجية المصدر، وأربعة أخرى داخلية المصدر.
الخطوة الثانية: ميلاد القلب المرجعي
يوجد فرق الكبير بين تنفيذ العمل بطريقة أفضل، واختيار العمل الأكثر أهمية. فالأول هو الكفاءة في العمل، والثاني هو اختيار الأولويات الصحيحة منذ البدء، فقد يكون عمل المرء فعالا، ولكنه يقوم بمهمة ثانوية!، ولذلك فإن لترتيب الأولويات أسبقية، لأن المهام أكثر بكثير من الموارد المتوافرة للقيام بها.
سلوك الإنسان هو نتيجة لأفكاره، فإذا تغيرت أفكاره بجهده هو أو عن طريق جهد غيره فإن سلوكه يتغير، فهناك فكرة قد تجعل إنسانا ينحني ويسجد لصنم من الحجر، وفكرة أخرى تجعل إنسانا آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم ويحطمه!
ليس العبرة أن تقرأ مئة كتاب أو ألف كتاب، بل العبرة، ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟
وهذه حقيقة لابد أن يدركها كل أفراد «القلة المؤثرة» لأنَّ من يقودون العالم هم الذين يعرفون كيف يقرأون.
فيما رواه زياد بن لبيد، فقال: «ذكر النبي ﷺ شيئا، فقال: «وذاك عند ذهاب العلم»، قلنا يا رسول الله: وكيف يذهب العلم؟ ونحن قرأنا القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرؤون أبناءهم، فقال: «ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟!» (صحيح ابن ماجه)
كلما تعرفت أكثر على مبادئك، وأحكمت نظامها كانت هي العمود الراسخ في اللحظات الحالكة ووسط الأمواج العاتية.
الإمام مالك في محنته يطلق نصا حرا في صورة فتوي: «ليس لمستكره يمين» نصا حرا أنتج فعلا حرا وسلوكا حرا.
الخطوة الثالثة: القادة صُنَّاع الأثر
المُربِّي لابد له أن يدرك أن التربية عملية تفاعلية.
الأحوال والظروف لا تغيرنا وإنما تكشفنا.
المقولة الباطلة: «عاش سعيدا من بقي في الظل»، هكذا وصف ديكارت الفيلسوف الفرنسي حكمة العصر الذي عاش فيه.
جميعنا يحتاج مرشداً جيدا في الحياة ليساعدنا على الوصول إلى أفضل حياة لنا، ومن يدخل الطريق بلا مرشد سيستغرق مئة عام في رحلة لا تحتاج سوى يومين.
لا تتحرَّك في هذه الرحلة بروح «القطيع» والعمل عبر «التقليد الأعمى»، بل ليكن تحركك بروح «الفريق» والعمل على «بصيرة».
لا تستصغر ما تفعله ولا تتعجل النتيجة.
السواء النفسي يأتي كنتيجة لممارسة التغيير الداخلي والانضباط الذاتي الذي يعني قدرتك على تغيير أفكارك وعواطفك وسلوكياتك، من أجل تحقيق أهدافك والتغلب على التحديات والصعاب التي تواجهك.
القيادة الحقيقية هي قيادة القلوب.
لا يمكنك أن تشتري الولاء، لا يمكنك أن تشتري إخلاص القلوب والعقول والسرائر، بل عليك أن تكتسب تلك الأمور.
القاعدة هنا: يصبح القادة عظماء لقدرتهم على تمكين الآخرين، وليس لما لديهم من سلطة.
القادة الحقيقيون يحرصون على توفير المناخ لينمو العقل الحر المُبادر.
النقلات النفسية الكبرى في حياة الإنسان تتطلب وقتا وجهدا لا يمكن أن تختصره الحماسة.
ترك الأثر ليس عملا فرديا، فالأثر الحقيقي لا يتركه فرد، بل هو عمل جماعي، فلا بد لك من التعرف على هؤلاء الشباب الذين يشتركون معك في حلم ترك الأثر ليأخذ بعضكم بيد بعض مكونين قاطرة من «القلة المؤثرة» و «القادة الحقيقيين» من أجل بناء مجتمع الرحمة.
إن من أوجب الواجبات في أثناء سعيك لتحقيق مراد الله منك، أن تخطط جيدا، وتنفذ جيدا، وأن تهتم بأن تحقق أهدافا.
التخطيط والتنفيذ ليسا غاية، هما وسيلتان لغاية، والغاية هي تحقيق أهداف، وعندما تنجح في تحقيق الأهداف، فاحمد الله الذي وفقك وشرفك بالعمل عنده، وحقق الأهداف على يديك. وإذ الم تنجح في تحقيق أهدافك، فاحمد الله ثم ابدأ المحاولة مرة أخرى مع كل الاهتمام بتحقيق أهدافك.
عندما نصف شخصا بأنه صاحب قضية، فنحن بذلك نشير إلى أنه قد وهب حياته لخدمة فكرته، فمن لم يكتشف فكرة هو على استعداد للموت في سبيلها فهو فيما أرى – لا يستحق الحياة.
أصحاب النبي ﷺ كانوا يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال.
المحور الثالث: التَّحرُّر من العوائق
ويتحقق في ثلاث خطوات:
- الخطوة الأولى: الحياة بمركزية المعنى.
- الخطوة الثانية: تحديات لا عقبات.
- الخطوة الثالثة: العبور إلى الحياة.
الخطوة الأولى: الحياة بمركزية المعنى
من الغاية ينبع كل شيء، أهدافك، قيمك، أنشطتك اليومية، تفاعلاتك، حكمك على الأمور.
الغاية هي النموذج المعرفي الذي ترى من خلاله «الإله – الكون – الإنسان» لتجيب على سؤال؟ هل الله هو مركز الكون، وبالتالي نحن هنا لتحقيق ما خلقنا الله من أجله؟، أم الإنسان هو مركز الكون، فيعيش كل منا بما يراه هو؟
إن كان الإسلام هو مصدر «المعنى» لحياتك؛ ستكون الرؤية بلا غبش، وستجد أن غايتك واضحة.
الحياة ذات المعنى تعني استخدام نقاط قوتك وقدراتك المميزة وفضائلك في خدمة شيء أكبر كثيرا منك أنت ذاتك.
لا يتصور أن يكون شخص صاحب غاية ومعنى في الحياة، وله منظومة قيمية تتسق مع المعنى، إلا ويكون التأثير هو الجزء الثالث المكمل لتلك الصورة. فكل تأثير أو هدف في الحياة يقوم به الإنسان له معنى متسق مع غاية الإنسان وقيمه.
إن الارتكاز على مبادئ وقيم ثابتة في الحياة يمنحنا أماناً واستقراراً في مواجهة ما قد يتهددنا من تغيرات أو مقارنات أو انتقادات.
هؤلاء الذين ينجحون في ترك الأثر يمتلكون منظومة قوية وراسخة من المبادئ المستقيمة، وكلما كانت تلك المبادئ واضحة وضوح الشمس بالنسبة لك، تمكنت من الاستمرار في طريقك، وتكون تلك المبادئ الصحيحة دليلك ومرشدك طوال رحلتك في الحياة.
ونحن نستمد أمننا من معرفة أن المبادئ الصحيحة لا تتغير، ومن ثم يمكننا الاعتماد عليها، ولا تعتمد المبادئ على سلوكيات الآخرين أو البيئة أو الأشياء الزائلة، فالمبادئ لا تموت ولا تتواجد اليوم وتختفي غدا. (العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، ستيفن كوفي).
طبيعة رسالتك وغايتك في الحياة تستلزم منك أن تبني نظاما كاملا في حياتك، هذا النظام يستطيع بمجموعه أن يحافظ لك على تلك الحالة النفسية التي تمكنك من استثمار كل طاقاتك النفسية والذهنية والعملية في سبيل تحقيق غاياتك.
وهذا هو حال القلة المؤثرة، فهم يدركون ما تتوقعه الحياة منهم، ويعيشون لأجل «معنى» أكبر بكثير من ذواتهم، ومهما واجهوا من صعوبات فهم قادرون على إيجاد المعنى من وراء كل ما يحدث لهم.
حياتك ليست دورا واحدا، وإنما هي مجموع من أدوار عدة تلعبها، ولكي تكون حياتك متزنة ومنتجة؛ لا بد أن تكون واعيا بتلك الأدوار، وتكون متأكدا أن حياتك متزنة بين تلك الأدوار. ويزداد إحساسك بالرضا عن أدائك كلما كنت متزنا في ممارستك لتلك الأدوار، ومنتبها ألا يطغى أحدها على ا لآخر.
ابحث عن طريقة مختلفة في التفكير والنظر ورؤية الأمور لتساعدك على التوفيق بين القيام بأدوار الحياة ودورك كقائد من «القلة المؤثرة».
عليك هنا أن تقوم بفصل تلك الأدوار عن بعضها البعض، وتقييم كل منها على حده، فمن وجدته مظلوما زدت منه، ومن وجدته طاغيا أقللت منه.
ويمكنك رصد نجاحك في ممارستك لأدوار الحياة من خلال مؤشرات منها:
- سكينة القلب وراحة البال.
- التحرر من ضغط شعورين: الخوف، والشعور بالذنب.
- تحقيق مستوى عال من الفعالية.
- تحقيق علاقات طيبة مع الناس.
- العنصر الاقتصادي.
المال لم يكن مصدرا وحيدا من مصادر السعادة، فالفقر ليس بالوضع الذي يجلب التعاسة بشكل مطلق. كما أن الغنى لا يأتي من كمية المال.
والضابط هنا ليس امتلاك المال، ولكن تأثر النفس حين فقده؛ فيمكن معرفة تعلق القلب به عند فقدم ومدى الحزن عليه.
حين يكون «الله» هو «الأول» في حياتك؛ سيكون سعيك لراحتك من خلال تحقيق رضاه.
حين تكون أرواحنا غير مرتاحة، فإن أجسادنا تتضامن معها.
ليس هناك من نعمة أعظم في المجتمع من الشعور بالأمن إذا اجتمع مع رغد العيش وراحة البال.
الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلا بتصورات وقيم تخالف واقعه، وهو لابد أن يسعى لتغيير الواقع المخالف لتصوراته وقيمه.
الخطوة الثانية: تحدِّيَّات لا عقبات
وجدت السائق وزميله يجمعان بعض الأحجار الصغيرة ويحشرانها تحت عجلات السيارة، فسألتهما عن جدوى ما يفعلانه، وهل تستطيع تلك الأحجار الصغيرة منع تلك السيارة الضخمة من التحرك؟! فأجابني السائق بنبرة ملؤها الخبرة أنه واثق من هذا.
أنت وأنا قد يكون لدينا بعض الأحجار «المحشورة» تحت «عجلات حياتنا»، مما قد يمنع، أو يبطئ بداياتنا، هذه «الأحجار» هي عوائق، بعضها حقيقي، وبعضها وهمي.
هذا ما أخبر عنه عمرو بن العاص حين سئل عن سبب تأخر إسلامه، وهو صاحب العقل الراجح، فقال رضي الله عنه: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم وسن، توازي حلومهم الجبال، ما سلكوا فجا فتبعناهم إلا وجدناه سهلا، فلما أنكروا على النبي ﷺ أنكرنا معهم ولم نفكر في أمرنا، وقلدناهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا في أمر النبي ﷺ فإذا الأمر بين؛ فوقع في قلبي الإسلام. (القصة مذكورة في: تاريخ دمشق لابن عساكر، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وغيرهما).
لابد أن ترى «القائد» في إطار هامش الخطأ البشري؛ فلا تطلب من القدوة إخفاء بشريته، ولا تصطدم أو تتحطم حين ترى أخطاء القائد، لأنك تعلم أنه ليس نبيا، وإن سار على طريق الأنبياء.
إن الإنسان متى جهل؛ خضع، فالجهل في حقيقته وثنية؛ لأنه لا يغرس أفكاراً، بل ينصب أصناماً!
الشجاعة ليس معناها زوال الخوف، بل الشجاعة أن تستمر فيما تفعله وأنت خائف، فلا يصيبك الخوف بالشلل، ولا يمنعك من العمل، ولا يثنيك عن الحركة.
وبداية الشجاعة أن تعترف بخوفك، فإذا اعترفت به استطعت أن تواجهه، وإذا واجهته فغالبا ما ستصل إلى طريقة للتغلب عليه.
في غياب الوعي والإدراك؛ يمارس البعض ممارسات لها توابعها الخطيرة، ومن أهمها تسمية الأشياء بأسماء غير حقيقية، ثم تصديق تلك الأسماء.
نعيد تسمية ممارساتنا القبيحة، بأسماء أخرى؛ فنسمي الخوف عقلا، ونسمي السلبية حكمة، ونسمي النفاق مجاملة، ونسمي الأنانية تدبيرا.
لماذا نفعل ذلك؟ لأننا نكون من الضعف بحيث لا نستطيع تغيير واقعنا المهين؛ فنقوم بتزييفه حتى لا نشعر بالاحتياج لتغييره، والأهم، كي نستطيع أن ننظر في المرآة بلا خجل.
نحن -شئنا أم أبينا- قدوة لأبنائنا، هم يتشرَّبون ويتعلَّمون حقائق الحياة مِنَّا.
المُنتصر في أُمُور الدُّنيا هو من يأخذ بأسباب النجاح سواء أكانت أهدافه صائبة أم لا.
إن كان التغيير ينصب على الذات في إطارها الفردي بالدرجة الأولي، لكنه لا يؤتي ثماره المرجوة إلا إذا انسحب إلى المجتمع والقوم.
مضى الشيطان إلى طريق اللاعودة واللاتوبة، لأنه لم يراجع نفسه، ولم يعترف بالخطأ، بل نسب خطأه إلى الرب فقال: بما أغويتني.
إن ما يحدث لك من محنة هو فرصة أن تخرج بعلاقة وصل بالله، فتزيد علما وحكمة، وتكون المنارة التي يسترشد بها كل من يحاول أن ينهض من عثرته، ويتجاوز محته.
أمَّا تجارب الفشل، فأقوم بفصل الألم المصاحب لها عن أسباب الفشل، ثم أبحث عما يمكن أن أتعلمه من هذه الأسباب مع محاولة جادة للخروج من تجربة الفشل بعلاقة وصل بالله.
الخوف والحزن من أشد العواطف تأثيرا وزعزعة لكيان النفس الداخلي. فأما الحزن فهو عاطفة تستولي على الإنسان في شيء مر عليه وانقضى. وأما الخوف فهو عاطفة مدمرة مربكة معوقة للتفكير السليم، مما سيحدث ويأتي مع لحظات الزمن الزاحفة باتجاهنا.
نفسك عندما تدفعك إلى الخوف فوق حد ما، فهي تدفعك إلى عدم الثقة بالله، وكلما استسلمت لعدم ثقتك بالله؛ زاد خوفك.
الصلابة النفسية تقع في معادلة البلاء والصبر عليه.
كما ينضج الخبز بالنار، تنضج النفس بالألم. فإن زارك الألم؛ فتأمل السبب الذي زارك لأجله!! فإذا عرفت السبب ووجدت أن بإمكانك علاجه؛ فافعل وإذا عرفت السبب وكان خارج قدرتك؛ فعليك التسليم والصبر.
واجعل دعاءك للرحمن: اللهم امنحني، السكينة لأتقبل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها. والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها.. والحكمة لمعرفة الفرق بينهما.
إن بواعث أعمالك أجدر بالعناية من أفعالك وأهدافك.
الخطوة الثالثة: العُبُور إلى الحياة
حب الحياة مشروع، والشوق للقاء الله جميل. فكيف تُقرن حاضر حبك للحياة بغائب شوقك إلى الله؟
يحاولون تغذية “الروح” بما ليس من أغذيتها، بل بأغذية مسمومة، كالموسيقى والغناء الفاحش، فهم كمن يحاول أن يروي عطشه بماء البحر المالح!
الدنيا ليست هي الأهم، والموت يأتيك بأهون سبب، فليس المهم هو الموت كحدث، وإنما المهم هو استجابتك للحدث، والاستجابة المثلى للموت هي أن تكون كل يوم في أفضل نسخة تستطيع بلوغها من نفسك.
مما يساعدك على ذلك أن تتخيل موتك بعد فترة قصيرة لأنك ستشعر عندها أن عليك إعادة ترتيب الاهتمامات والأولويات.
يجعلك الموت تفكر بشكل مختلف.
الحياة مؤلمة لأن طبيعتنا خلقت لموضع آخر، ونحن هنا في مسير عابر وطريق سفر نحو الموضع!
مُت فارغاً. عنوان كتاب لهنري تود، بذل فيه قصارى جهده لتحفيز القراء ليفرغوا ما لديهم من أفكار وطاقات كامنة وتحويلها إلى شيء ملموس في واقع الحياة قبل فوات الأوان بالموت.
لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائما أن تموت فارغا. فارغا من كل الخير الذي في داخلك! فإذا كنت تملك فكرة؛ نفذها، وإذا كان لديك علم؛ بلغه، وإذا كنت تسعى لهدف؛ حاول أن تحققه.
إن من توفيق الله للإنسان أن يرزقه الفهم لينقد ذاته، وأن يهبه القدرة ليقوم حياته؛ فيمتلك شجاعة مواجهة التعثر أو الفشل مرات ثم القيام من جديد.
قد تضعف، وقد تبتعد، وقد تنسى، وقد تغفل؛ ولكن هذا من طبيعة اختبار الله لإنسانيتك، ثم تكون التوبة والعودة إلى رحابه.
الموت يشبه الاستيقاظ من حلم.
الخاتمة
سألت ربي غطاء من الخير أسحبه على ذاتي لأتقي شرور نفسي حتى أكون جديرا بحمل رسالة الخير إلى العالم.
السعي إلى الكمال مطلوب، ولكن توقع الكمال المطلق وهم.
جميل أن تتوب، ولكن لا تخجل من الندوب.
العظمة الحقيقية أن تضيف إلى رصيد حياتك تلك المرات التي جعلت النقص فيها سلما نحو الكمال.
إن من أسوأ عقوبات الذنوب أنها تفقدك تقديرك لنفسك.
إذا رأيت صواب نفسك؛ فاحذر الكبر. وإذا رأيت خطأها؛ فاحذر القنوط.
ليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يُقال، يُقال في كل وقت.
في بعض الأوقات يكون الصمت هو الواجب، بينما في أوقات أخرى يكون الكلام هو الواجب؟!
ومن خلال التوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام، تتكون الرؤية الواعية كما ينطبق الواقع على المرآة بلا اختلاف.
لا شك أنك تعلم أن الفرق بين الإنسان المتقدم، والإنسان المتخلف، هو أن الأول يتعلم مما يمر به أو بغيره من خبرات؛ فيثبت ما يساعده على النجاح ويعززه ويؤيده، ويحذف ويتلاشى ما كان خطأ.
أما الثاني، فيكرر ما أخطأ فيه، فلا يتغير إلى ما هو أحسن.
ومن هنا فإن الوسيلة الوحيدة للنجاة من ذلك، هي التعلم، والتعلم يتطلب قدرا من التواضع المعرفي لتقبل ما تجهل، وقدرا من المساءلة الدائمة والنقد الدائم لما تعرف ولما تستقبل من معلومات.
إذا لم تحدد هدفك؛ كانت كل الطرق عندك سواء.
آمن وإن ألحد الناس.. ووثق صلتك بالله وإن قطعها الناس.
إذا تعلمنا تخصيص نصف ساعة يوميا لأداء واجب معين، وخصص كل فرد منا هذا الجزء من يومه في تنفيذ مهمة منتظمة وفعالة؛ فسوف يكون لدينا في نهاية العام حصيلة هائلة من ساعات العمل في جميع أشكالها العقلية والخلقية، والتقنية، والاقتصادية، والمنزلية.
مباشرة المُمكن تُوسِّع دائرة العمل، وتذلل عقباته.
مجالات الحركة والعطاء يمكن تمثيلها بثلاث دوائر هي:
- دائرة السيطرة، دائرة التأثير، دائرة الاهتمام.
دائرة السيطرة: تشمل الشؤون والأوضاع والعلاقات الشخصية التي يشعر المرء بالقدرة على التحكم فيها. وإذا عدنا إلى تكاليف الشريعة الغراء وجدنا أنها تتعلق في معظمها بدائرة السيطرة،
دائرة التأثير: فهي المجال الذي يمكن للواحد منا أن يمارس نفوذه الأدبي والمادي فيه.
دائرة الاهتمام: فإنها أضعف الدوائر الثلاث، وهي الدائرة التي نتصل بها من خلال معتقداتنا وطموحاتنا وأحلامنا، واهتماماتنا، وهمومنا، وعواطفنا.
من الضروري في دائرة اهتمامنا أن نتعلم كيف نضبط أنفسنا من الاندفاع نحو تضييع الوقت وبذل الجهد والمال في دوائر ومجالات عقيمة، أي تتصل بدائرة اهتمامنا، وتنعزل عن دائرة تأثيرنا.
البحث الجاد في كيفية تحويل دائرة الاهتمام إلى دائرة تأثير.
أتدري ما المسمى الشرعي لمصطلح: التصالح مع الذات؟ … إنه الصدق!
على الإنسان أن يتثبت من طريقه، فإذا تيقَّن أنه طريق الحق؛ ثبت عليه وإن طال.
لا تضيّق مساحة الأمل في حياتك حتى لا تسقط في جوف اليأس.
أنتَ مُنتصر ما لم تعلن الهزيمة في معركة التَّمسُّك بالأمل.
إنك إذا لم تقاوم نظاماً، فستتكيف معه، لأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً بتصورات وقيم تخالف واقعه، وهو لابد أن يسعى لتغيير الواقع المخالف لتصوراته وقيمه، وإلا فإن استقرار الواقع المخالف لتصوراته وقيمه، يهدد هذه القيم وتلك التصورات بالتغير.
كل إنسان لا يشكل تصوراته، سيشكلها له الآخرون، وليس من سبيل إلى الانتصار في معركة ذاتك وهويتك وتصوراتك إلا المقاومة.
ليكن سعيك الدائم أن تدعم من حولك بكل ما تستطيع ليتمسكوا بالأمل، لأن المعركة طويلة وقد لا تمتع ناظريك بثمارها.
كتاب آخر لنفس المؤلِّف بعنوان: الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة.
الحمد لله رب العالمين
