القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: سرقات وأباطيل (نقد كتاب خزعل الماجدي: أنبياء سومريون)، تأليف: د. سامي عامري

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

سرقات وأباطيل

قراءة نقدية لكتاب خزعل الماجدي أنبياء سومريون المُشكِّك في الأنبياء والآباء

تأليف: د. سامي عامري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]

الفهرس

المُقدِّمة 4

١- القرآن وتهمة اقتباس الأساطير 4

٢- البحث عن زعيم لاديني. 4

٣- فتح جديد أم سقطة علمية؟! 6

السَّرقات العِلْمِيَّة 6

1- سرقة أطروحة الكتاب.. 7

2- سرقة متن الكتاب.. 9

المثال الأوّل: إسرائيل اليوم، وأسماء الأسفار 10

المثال الثاني: سرقة أسماء الإله 11

المثال الثالث: سرقة عن مترجم جاهل. 12

المثال الرابع: عندما يجوّد خزعل. 12

المثال الخامس: سرقةً لترجمة آليّة غبيّة 13

المثال السادس: السرقة من اليهود. 13

المثال السابع: المجازون وكونفشيوس! 13

المثال الثامن: إسلاميبيديا! 14

المثال التاسع: القسيس، المرجع الخفيّ. 14

المثال العاشر: ويكيبيديا مرّة أخرى.. 14

المثال الحادي عشر: التلمود. 14

المثال الثاني عشر: سرقة من اللادينيين. 15

المثال الثالث عشر: سرقة من كتاب المسيري.. 15

المثال الرابع عشر: سرقة شيطانية من ويكبيديا 15

المثال الخامس عشر: سرقة من منتدى إلحادي! 15

3- سرقة المراجع. 16

إشكاليات مبدئية 18

1- أطروحة ثورية وفقر معرفي. 18

أ. التراث اليهودي.. 18

ب. التراث السومري وما جاوره 19

ت. الإسلام. 20

2- معالم وأصول لا تضمن الوصول. 21

أ. طريقة بلا معالم واضحة أو مطّردة 21

ب. المادة التاريخية وإشكالياتها 23

ت. التكلّف والمنهج الرغبوي.. 24

ث. التناقض26

خطايا لغوية 26

1- جرأة الأبتثي! 27

2- تصرّف الفضولي! 28

ب. ترجمة بلا حجّة 29

ت. تمييز بلا مميّز 30

ح. القفز بين المعاني. 30

خ. الجزم في موضع الشكّ.. 30

ذ. قاعدة مصلوبة! 30

3. رأس المهازل! 31

نقد الأطروحة 32

1- الإمكان التاريخي. 33

2- عدد الآباء والملوك. 34

3- أسماء الآباء والملوك. 35

4- التطابق في الخبر 36

الأب الأول: آدم عليه السلام. 36

الأب الثاني: شيث.. 38

الأب الثالث: إنوش.. 39

الأب الرابع: قينان. 40

الأب الخامس: مهللئيل. 40

الأب السادس: يارد. 41

الأب السابع: أخنوخ.. 41

الأب الثامن: متوشالح. 43

الأب التاسع: لامك.. 44

الأب العاشر: نوح عليه السلام. 44

خلاصة المقارنة بين الآباء والملوك. 46

5- فلسفة قصص الآباء والملوك. 47

الخاتمة 47

كلمات عن كتاب أنبياء سومريون 47

 

 

 

المُقدِّمة

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 48]

١- القرآن وتهمة اقتباس الأساطير

تُعَدُ دعوى الاقتباس القرآني من أسفار أهل الكتاب، أبرز شبهة رُمِي بها القرآن الكريم، وأقدمها. وقد ظهرت صورتها الأولى في قول مُشرِكي مكة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5].

وهذه الشبهة في حقيقتها حجّة لربّانيّة القرآن من وجهين، أوّلهما أنّ مكّة لم تكن مركزًا علميًّا لمعرفة أخبار أهل الكتاب وما جاء في كتبهم المقدّسة، كما أنّ نبيّ الإسلام ﷺ كان أميًّا؛

وثانيهما أنّ في القرآن تجاوزًا لأخطاء في الكتاب المقدس، وإصلاحًا لأخطاء أخرى. وذاك لا يأتلف مع دعوى الاقتباس منها!

وفي العقود الثلاث الأخيرة، تجدّد التشكيك في ربانيّة القرآن، لا من خلال الطعن المباشر في صدق خبره التاريخي، وإنّما باتّهام الكتاب المقدس النصراني بتبنّي أساطير الأوّلين وخرافاتهم، خاصة أساطير بلاد الرافدين ومصر، ونقل القرآن هذه الخرافات عينها.

وطابع الإغراء في اعتماد الكتاب المقدس قنطرة للطعن في القرآن الكريم، يظهر في أمرين اثنين؛ أولهما أنّ المكتبة الغربية فيها مادة واسعة جدًا في نقد الأصول التاريخيّة للكتاب المقدس،

وثانيهما أنّ الكتاب المقدس قد تلبّس حقيقة بالاقتباس من أساطير الأوّلين في عدد من الأخبار والعقائد. فكانت جريرة نقل بعض خرافات الأوّلين حجّة للتوسّع في التهمة؛ وردِّ كلّ أصالة في الخبر التوراتي.

٢- البحث عن زعيم لاديني

وأذكت نار هذه الفتنة هيمنة ثقافة الصورة على ثقافة المعلومة ؛ فصار الأعلم بسُبل مخاطبة العيون؛ بالإخراج الساحر مع العبارة المستفزة، الأقدر على إثارة الانتباه، وإسماع القاصي والداني.

وقد اشتدّ الأمر على اللادينيين والملاحدة العرب في العقود الأخيرة؛ فإنه من الصَغَار أن يتصدّر الصغار،

خزعل الماجدي، الكاتب العراقي الذي يتترّس بادعائه التخصص في الدراسات التاريخية للحضارات القديمة الكبرى كلّها، رغم أنّه لا يوجد على الأرض متخصص في تاريخ الأمم جميعًا!

لا يقدّم خزعل الماجدي نفسه بصفته ملحدًا أو لا دينيًا، بل إنّه لا يجد حرجًا أن يقول إنّه من المسلمين ، ثم هو مع ذلك يَعُدُّ التوحيد عقيدة مختلَقة بعد عصر التعدّد والشرك، وأنّ القرآن كلّه أساطير مكرّرة من كتب اليهود الخرافية.

ومن ذلك قوله عن الخرافات الموجودة في المدراشات اليهودية: كلّ هذه العناصر موجودة أيضًا في المدراش، وكلّها ستتسرب إلى القرآن وسيتحول اسم قايين إلى قابيل .(2)

(2) خزعل الماجدي، أنبياء سومريون، الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2018 ص 218.

فكلّ خبر توراتي عن أحداث ما قبل السبي -في رأي خزعل- خرافة. وهو ما أكّده خزعل بقوله: الدين اليهودي دين بابلي أعاد صياغة مواد أولية كنعانية مع سيرة مبالغ فيها لمجموعة من العائلات الكنعانية المنشقة والمعارضة لكل من حاول حكمهم بشكل عام .(1)

(1) خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، الدار البيضاء: مؤمنون بلا حدود، 2014، ص 278.

ولعل كتاب أنبياء سومريون، كيف تحوّل عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين أشدّ صراحة من كل كتب خزعل السابقة في اتّهام القرآن بنقل أساطير الأوّلين عن طريق تبنّي ما اقتبسته التوراة من خرافات حضارات بلاد الرافدين؛ فكلّ خبر عن الأنبياء من آدم عليه السلام إلى نوح عليه السلام خرافة: العقائد وشخصيات الأنبياء والقصص.

وخلاصة كتاب: أنبياء سومريون هي أنّ التوراة قد أخبرتنا عن عشر شخصيات متتالية عاشت قبل الطوفان، أوّلها آدم عليه السلام وآخرها نوح عليه السلام. وهؤلاء الآباء لا حقيقة لهم على الأرض،

رغم أنّه ليس في القرآن ذكر لأحد من الآباء العشرة التوراتيين سوى آدم عليه السلام ونوح عليه السلام.

لمّا سُئل خزعل -صراحة- عن تكذيب كتابه للتوراة والإسلام والنصرانية في شأن الأنبياء من آدم عليه السلام إلى نوح عليه السلام، قال بالحرف: نعم، هذا طبيعي لأنّنا أمام مادة علمية . وأضاف قائلًا: خصام قائم بين علم الآثار والعلم بشكل عام والدين. هذا أمر طبيعي جدًا .(1)

(1) عن لقاء مصوّر مع خزعل الماجدي على قناة سوريا . عنوان المقطع: أنبياء سومريون للدكتور خزعل الماجدي:https://www.youtube.com/watch?v=t4-LwAy1Rso

وخلاصة مذهب خزعل، هو أنّ ما جاءت به التوراة عن آدم عليه السلام وبنيه، مما وافق القرآن أو خالفه، هو -كما قال بلسانه-: تخريف في تخريف. وهذا تشويه لرواية الحضارات الإنسانية .(2)

(2) عن لقاء مصور مع خزعل الماجدي. عنوان المقطع: كيف تحول 10 ملوك سومريون إلى أنبياء. مع د. خزعل الماجدي: https://www.youtube.com/watch?v=_aEKqMCx3cA

٣- فتح جديد أم سقطة علمية؟!

سيقول لك خزعل: لا داعي لتأكيد أنني لا أحمل سوى نزاهة العلم ولا أخفي أي دوافع أخرى قد يختلقها الآخرون ويفتعلونها لأن غرضي من البحث العلمي في هذه الحقول كان ومازال: البحث عن الحقيقة .(1)

(1) أنبياء سومريون، ص 17.

نقد الشكل: رفع أستار التجميل عن كتاب أنبياء سومريون ببيان أنّه ليس بفتح علمي رائد؛ وإنّما هو سرقة لدعوى قديمة، منتهبة من المكتبة الغربية، تجاوزها عامة النقّاد؛ لضعفها البيّن.

ربّ اغفر لي حظّ النفس من هذا الكتاب!

السَّرقات العِلْمِيَّة

الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ (حديث محمّد ﷺ)

نحن هنا أمام حرامي غسيل -كما هي العبارة المصرية في من يُخاطرون بسمعتهم لأجل نهبة لا تساوي شيئًا مما يعلّقه النساء على حبل الغسيل.

إنّ خزعل قد اتّهم التوراة والقرآن بسرقة أساطير الأوّلين، ولمّا اتَّهم هو بالسرقة الأدبية، لم يصرف عن نفسه التهمة.

إنّ تأخّر كشف اللصوصيّة العلميّة لخزعل الماجدي أمرٌ يثير العجب.

لقد سرق فكرة الكتاب؛ وزعم أنّه صاحب فتح علمي فريد،

ثم سرق كثيرًا من مادة الكتاب من مواقع غير علمية من الشبكة العنكبوتية؛ فجمع بين سوأتين: النهب والرداءة.. ثم سرق مراجع كتابه الأعجمية؛ ليجمّل بها رُقَع الأفكار المُتشاكسة..

1- سرقة أطروحة الكتاب

قال خزعل في مفتتح كتابه: منذ وقت مبكر، ربما يعود إلى الصبا والشباب، تنبّهت وأنا في شوط بناء ثقافتي التاريخية القديمة إلى أن هناك شبها ما بين أنبياء ما قبل الطوفان (المذكورون في سفر التكوين التناخي) وملوك ما قبل الطوفان (المذكورون في ثبت الملوك السومري) من حيث بعض المضامين التي ذكرت عنهم، لكنني حين كنت أتناول أسماءهم وأقارن بعضها أجد، في حينها، الاختلاف الكبير جدًا في مطابقتها، الأمر الذي جعلني أعزف عن البحث في الأمر والكتابة عنه.

لاعتقادي بأنّ أنبياء ما قبل الطوفان هم ملوك سومريون حوّلتهم تقاليد التوراة وكتبتها من ملوك إلى أنبياء. (1)

(1) أنبياء سومريون، ص16.

ليقول في تقديمه للكتاب، إنّه أوّل دراسة علمية تكشف لغز حقيقة عشرة من الآباء المؤسسين للبشرية والذين درجنا على اعتبارهم، كلّهم أو بعضهم، من الأنبياء، وهم (آدم، شيث، إنوش، قينان، مهلالئيل، يارد، أخنوخ (إدريس)، متوشالح، لامك، نوح) وتتوصل إلى أنهم عشرة ملوك سومريين حكموا مدنا رافدينية معروفة، لكن التوراة حوّلتهم من ملوك إلى آباء/ أنبياء بدأ بهم ظهور الإنسان على وجه الأرض… هذا الكتاب سيكشف عن كلّ هذا ويفتح الباب واسعًا لسبر حقيقة أغلب الأنبياء وكيف ظهروا؟ ومن أين ومتى ولماذا ظهروا؟ عبر الأدلة العلمية الدامغة للآثار ولمناهج البحث العلمي . النص على ظهر الكتاب.

وزاد قائلاً: موضوع كتاب (أنبياء سومريون) ظلّ يشغلني وكنت أجمع له المعلومات والتفاصيل اللازمة من الكثير من المراجع التي مررت بها وهي بالمئات وصارت عندي عدة كبير لكتاب الكتاب كاملًا .(2)

(2) أنبياء سومريون، ص16.

رغم أنّ المراجع العربية لهذا الكتاب عينه، أقلّ من ثلاثين كتابًا، والمراجع الأعجمية أقلّ من عشرين كتابًا والمجموع لا يتجاوز نصف المئة؛ فأين هي المئات إذن..؟! ثم إنّ المصادر الأعجمية -كما سأبيّن ذلك لاحقًا- ملفّقة، لم يطّلع عليها كلّها أو على معظمها – إن أحسّنا به الظنّ -.

يعجب المرء من جرأة الماجدي أن يقول قولًا يعلم فساده كلّ مطّلع على الدراسات التوراتية؛ فإنّ دعوى المطابقة بين الملوك السومريين والآباء التوراتيين قبل الطوفان معلومة عند الباحثين قبل أن يكتب خزعل كتابه، بل قبل أن يولد خزعل نفسه.

لقد تناول أمر مرجعية القائمة السومرية لقائمة آباء التوراة كثير من الكُتّاب -تأييدًا أو رفضًا، في أجناس مختلفة من الكتب- قبل نشر الماجدي كتابه أنبياء سومريون ؛

ومن النقّاد من اهتمّ بنقض هذه الدعوى، مثل الناقد ج. ف. هازل G.F. Hasel في مقالته المعروفة: سلاسل الأنساب في تكوين 5 و11 وخلفيتها البابلية المزعومة (6) -قبل أربعين سنة من نشر الماجدي كتابه، وفيها أبطل التطابق بين القائمة السومرية وقائمة ملوك التوراة من جهات.

(6) Gerhard F. Hasel, “The Genealogies of Genesis 5 and 11 and Their Alleged Babylonian Background,” Andrews University Seminary Studies 16(1978): pp. 361-374.

ومن الظريف هنا التنبيه إلى أنّ جورج بارتون قد بدأ مقالته سالفة الذكر، بقوله: تبنّى بعض النقّاد لعدد من السنوات أنّ قائمة ملوك ما قبل الطوفان، والموجودة في شذرات برعوشا تمثّل ربّما أسماء آباء الفصل الخامس من سفر التكوين بشكل مختلف! .(1) فردُّ آباء التوراة إلى حضارة بلاد الرافدين أقدم من نشر بارتون مقالته قبل أكثر من قرن من اليوم!

(1) George A. Barton, “A Sumerian Source of the Fourth and Fifth Chapters of Genesis“, Journal of Biblical Literature Vol. 34, No. 1/4, 1915, 1-9.

التهمة هي ادعاؤه أنّه يقدّم بحثًا غير مسبوق في إثبات الأصل السومري لآباء التوراة؛

ولم يذكر خزعل في متن كتابه أيّ بحث من الأبحاث التي سبقته في الدفاع عن سومرية آباء التوراة، ولا أشار إلى ذلك، ولو عرضًا.

مقطع مرئي لخزعل الماجدي، عنوانه: الرافدينيون لايعتقدون بوجود جنة ونار وحساب، ملوك سومريون تحولهم التوراة الى أنبياء . https://www.youtube.com/watch?v=SqITeT86v44&t=393s

قول الأركيولوجي كنث كتشن: رغم أنّه من الممكن الوصول إلى نتائج مثمرة عند المقارنة بين الفصول الأولى لسفر التكوين ومثل هذه الوثائق، مثل قائمة الملوك السومريين، يبقى أنّ هاتين الوثيقتين متمايزتان بصورة كليّة، مع اختلافات أساسيّة كثيرة؛ بما يمنع أي علاقة مباشرة بينهما بعيدًا عن المفاهيم الأساسية للتاريخ البدائي. إنّ القائمة السومرية هي قائمة لسلالات مَلَكِيّة حاكمة لا صلة بينها، كما أنّها أحيانًا كثيرة هي سلالات غير متعاقبة، في حين تحفظ الفصول الأولى من سفر التكوين قائمة أنساب متعاقبة لشخصيات خاصة [غير عامة] بصورة كليّة .(2)

(2) K. A. Kitchen, The Bible in Its World, p.34.

وهو ما سبق أن أعلنه الناقد ألبرت كلاي Albert Clay -عالم الحضارتين الآشورية والبابلية والساميات الأمريكي – بعد مناقشته النظريات المختلفة للأصل الكلداني أو السومري لقائمة آباء التوراة قبل الطوفان في الأدبيات الإنجليزية والجرمانية. فقد انتهى -رغم عدم إيمانه أن سفر التكوين نص موحى به من الله- إلى القول: على الرغم من كل ما كتب عن هذا الموضوع، لا يوجد أي شيء على الإطلاق في أي من القوائم لإظهار أنّ قائمة الكتاب المقدس مشتقة ممّا يسمى بالقوائم الكلدانية أو السومرية .(1)

(1) A. T. Clay, The Origin of Biblical Traditions, New Haven: 1923, p. 145.

وأمّا زعم الماجدي إهمال الباحثين النظر في جذور آدم عليه السلام وحواء؛ فشهادة زور؛

وحصر الدراسات التي تناولت هذا الأمر، ممّا يشقّ على الباحثين؛ لكثرتها في كبرى اللغات الأوروبية (الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية…).

كما نوقشت بكثافة تاريخية آدم عليه السلام في الدوائر الكاثوليكية والبروتستانتية بسبب تحديّات الداروينية -أساسًا-،

ومن المؤلّفات في الباب كتاب الناقد النصراني جون والتون: العالم المفقود لآدم وحواء .(3)

(3) John Walton, The lost world of Adam and Eve: Genesis 2-3 and the human origins debate, Downers Grove: Intervarsity Press, 2015.

2- سرقة متن الكتاب

ومن القرائن التي تدعم شبهة السرقة، كتابة خزعل الأسماء الأعجمية للأشخاص والأماكن وغير ذلك، على صور مختلفة بصورة فاحشة، دون أدنى داع، وأحيانًا يكتب الاسم على صورتين -دون مسوّغ – في الصفحة الواحدة.

ومن أمثلة ذلك:

حنوخ (ص 316)، إينوخ (ص 382)، حنوك (ص 264)

يوبيل (ص 471)، جوبليز (ص 322)

إينميدار أنّا (ص 305)، إنميدور أنّا (ص 306)، إينمين دور أنا (ص 316)

ترجوم جونتان (ص 322)، ترجوم اجوناثان (ص 322)

جاشر (ص 336)، حاشر (ص 473)، ياشر (ص 47)

مهاليل (ص 471)، مهلالا ليل (ص 278)، بعدها بصفحة واحدة: مهالا ليل (ص 279)

محو يائيل (ص 294)، في الصفحة السابقة نفسها: محويائيل، وفي الصفحة التالية مباشرة: مهويائيل

نعمة (ص 328)، نوام (ص 481)، ناماه (ص 361)

زيوسودرا (ص 383)، السطر التالي مباشرة: زيو سيدرا (ص 383)

أوانيس (ص 436)، أوانس (ص 434)، وانيس (ص 434)، إيانيس (ص 436)

آدابا (ص 436)، آدبا (ص 436)

قبالا (ص 397)، كابالا (ص 61)، كابلا (ص 321)

ميتوشالح (ص 328)، متوشالح (ص 329)

هجادا (ص 157)، هاجادا (ص 462)…

سأنقل أمامكم بعض سرقات خزعل الماجدي في كتابه أنبياء سومريون ، وعامتها نقولٌ عن مصادر غير علميّة بالمعنى العامي أو المعنى الأكاديمي.

المثال الأوّل: إسرائيل اليوم، وأسماء الأسفار

أغرب سرقات خزعل -في رأيي-، والتي أكّدت استحقاق الرجل لصفة حرامي الغسيل سرقته -على طول أربع صفحات- لأسماء أسفار الكتاب المقدس من أحد المواقع الشعبية.(4)

(3) أنبياء سومريون، ص29-26. [يتكوّن الكتاب المقدس من مجموعة أسفار، أي مجموعة كتب، مثل: سفر التكوين، وسفر الخروج، والمزامير…]

الأمر الأوّل، هو أنّها سرقة ما هو معلومٌ، ومشهورٌ،

والأمر الثاني هو أنّ الموقع الذي سرق منه خزعل هذه القائمة، موقع شعبوي غير علمي، اسمه إسرائيل اليوم .

والأمر الثالث هو أنّ خزعل قد سرق هذه الصفحات، بلحمها، وعظمها، وريشها؛ فأخذ منها الصواب والخطأ.(1)

(1) أنبياء سومريون، ص28.

السارق لم يجتهد لإصلاح الأخطاء، والأظهر أنّه جاهل بالأسماء الأصلية، كما هو بيّن.

وليست هذه السرقة، الوحيدة من قائمة سرقات خزعل لأسماء الأسفار الدينية، فقد نقل خزعل قائمة الكتب المفقودة عند اليهود في كتابه(5)، من مقالة: كتب غير قانونية مشار إليها في الكتاب المقدس في صفحة ويكيبيديا العربية.

(5) أنبياء سومريون، ص47.

وجهل خزعل بأسماء الكتب التي يدْرُسها رزيّة ما بعدها رزيّة؛ فإنّ الجهل بالأسماء قرينة الجهل بالمضمون، والحال.

والعجيب هنا أنّه لمّا أراد خزعل أن يُظهر أمانته العلمية في حديثه عن الإنجيل ، نقل كلامًا طويلًا في قرابة ثلاث صفحات، عن ويكيبيديا، في تعريف الإنجيل .(1)

(1) خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، ص333-331.

رغم أنّه من المعلوم أنّ ويكيبيديا مرجع مرفوض في مدارس الأطفال على مدى قارات الكرة الأرضية، وكثيرًا ما يُزجر الأطفال الصغار بداية كل عام دراسي عن النقل عنه؛ لأنّ كَتّاب مقالاته مجاهيل.

المثال الثاني: سرقة أسماء الإله

سرق خزعل الماجدي أسماء إله اليهود في التناخ على مدى صفحتين(2)، من كتاب طوني هاشم قال نيتشه: “مات الله” قلتُ: “حقًّا! إنّما قام” – أو ربّما عن مصدر نقل عنه -، وهو كتاب دعوي/ تنصيري شعبي، من منشورات المكتبة البولسية لبنان.

(2) أنبياء سومريون، ص134-133.

المثال الثالث: سرقة عن مترجم جاهل

عندما تحدّث خزعل الماجدي عن أخنوخ في الأدب الحاخامي الكلاسيكي كتب كلامًا لم يُحل فيه إلى مرجع(1)؛ بما يوحي أنّه من إنشائه؛ ولمّا راجعت مقالة Enoch في ويكيبيديا الإنجليزية، وجدت الكلام متطابقًا، مع أخطاء ساذجة في نص خزعل؛ فظننت أنّ خزعل قد ترجم النص مباشرة، ثم تبيّن لي أنّه سرق المقالة العربية المقابلة في ويكيبيديا أنس الله ، وأنّه تابعَ مترجمًا جاهلًا جهله.

(1) أنبياء سومريون، ص 322.

ترجم صاحب المقال العربي الأصل الإنجليزي visited the Seventh Heaven إلى زار الجنة السابعة . والصواب زار السماء السابعة .

الأصل يقول: مدراش التكوين (Genesis Rabbah) ، والترجمة العربية الويكيبيدية تقول: ترجوم التكوين . والترجوم غير المدراش، كما هو معلوم عند الدارسين؛ فالترجوم، ترجمة آرامية لأسفار الكتاب المقدس، والمدراش تفسير للأسفار له طابع مخصوص، بالإضافة إلى أنّه يُقصد به منهج تفسيري مخصوص.

المثال الرابع: عندما يجوّد خزعل

نقل خزعل الماجدي عن مقالة ويكيبيديا العربي: أنس الله حديث العهد الجديد النصراني عن أخنوخ.(1)

(1) أنبياء سومريون، ص323-322.

تابع صاحب الترجمة العربية لويكيبيديا في اعتماد عبارة نسخة الملك جون ، رغم أنّ الصواب -بداهةً- نسخة الملك جيمس King James Version؛ إذ هي أشهر ترجمة للكتاب المقدس على الإطلاق، والتي لا يليق بمبتدئ في دراسة النصرانية أن يجهلها. ولا تُعرف ترجمة باسم ترجمة جون أصلًا، وإن وُجد مترجمون اسمهم جون!

المثال الخامس: سرقةً لترجمة آليّة غبيّة

قد يسرق خزعل نصًا من الشبكة، وينقله دون فهم، أو يعدّله بطريقة خطأ. ومن ذلك كتابته الجملة التالية عند حديثه عن جبرائيل: في الكابالا، يتم تحديد جبرائيل مع سيفيروت من يسود .(1) والعبارة في أصلها مترجمة بصورة حرفية عن ويكيبيديا.

(1) أنبياء سومريون، ص137.

المثال السادس: السرقة من اليهود

يبدو أنّ خزعل قد سرق نصًا من أحد المواقع الإسرائيلية – الرسمية -موقع الحكومة الإسرائيلية !-، بعدما سرق قائمة أسفار التناخ من أحد المواقع الإسرائيلية الشعبية.

وعلى كلّ حال فالسرقة ثابتة بلا شك؛ لأنّ هذا النص موجود في كتاب بنو إسرائيل عبر التاريخ للدكتور شفيق الخليل، وقد طبع سنة 2011.(1)

(1) شفيق الخليل، بنو إسرائيل عبر التاريخ، القاهرة: شمس للنشر والتوزيع، 2011، ص197.

(2) أنبياء سومريون، ص 136.

المثال السابع: المجازون وكونفشيوس!

جاء في مقالة ويكيبيديا العربية أنس الله

ونقل خزعل النص السابق مع تغيير طفيف ليخفي جريمة السرقة

وممّا يؤكّد أنّ خزعل قد نقل الكلام- أو قل سرقه- دون فهم، أنّه من عادته -وعادة العرف العربي- أن يذكر كونفشيوس باسم كونفشيوس ، ولم يفعل خزعل ذلك هنا؛ لأنه لم يعلم أن فو زي هو اسم كونفشيوس: Kongfuzi -أو Kongzi– أي المعلّم كونغ. فاسم كونفشيوس: كونغ، ولقب التبجيل: معلّم، فوزي.(2)

(2) أنبياء سومريون، ص 323

(1) خزعل الماجدي، علم الأديان، الرباط: مؤمنون بلا حدود، 2016، ص 53، خزعل الماجدي، الأعمال الشعرية، المؤسسة العربية للنشر، 14/1 ،2001.

(2) :Confucius, art., Stanford Encyclopedia of Philosophy https://plato.stanford.edu/entries/confucius

المثال الثامن: إسلاميبيديا!

لمّا قرأتُ قول خزعل الماجدي في إحدى صفحات كتابه: فأنذرهم بعذاب الله تعالى (2) عند حديثه عن أمر نوح عليه السلام في القرآن، أدركت أنّني أمام عملية سرقة جديدة؛ إذ لا يُعرف لخزعل استعمال لألفاظ تعظّم الله سبحانه؛ فإنّ الرجل في شغل شديد لإثبات أنّ التوحيد عقيدة متأخرة جدًا في تاريخ البشرية. كما أنّ من قرائن السرقة هنا أنّ خزعل قد أحسن سرد الآيات المخبرة عن نوح عليه السلام، رغم جهله المعروف في الإسلاميات. (2) أنبياء سومريون، ص 413

ولكن تبيّن لي لاحقًا أنّه انتهب حديث القرآن عن نوح عليه السلام من السوق الشعبي للويكيبيديا، بعد أن اختصره وغيّر بعض لفظه!

المثال التاسع: القسيس، المرجع الخفيّ

لا يتورّع خزعل الماجدي عن السرقة من صفحات النصارى العرب، سواء الشعبية أو العلميّة. ومن هذه السرقات، ما نقله عن كتاب سنوات مع إيميلات الناس ، مع شيء بسيط من التغيير والاختصار.

(1) أنبياء سومريون، ص 413

(2) أنبياء سومريون، ص136.

المثال العاشر: ويكيبيديا مرّة أخرى

من نهبات خزعل من ويكيبيديا، سرقته الحديث عن مخطوطة لامك في مقالة: مخطوطات البحر الميت ، مع حذوفات وتغييرات بسيطة لا تمنع التنبّه إلى السرقة.

المثال الحادي عشر: التلمود

سرق خزعل نصوصًا من مقال منشور على صفحة وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ، مع تغييرات طفيفة، هامشية، كعادته في التعمية على السرقات.

ومن مواضع السرقة حديث مقال الوكالة عن التلمود. فقد انتهب خزعل منه قرابة ثلاث صفحات.

(1) أنبياء سومريون، ص359.

(2) أنبياء سومريون، ص 32.

(2) أنبياء سومريون، ص 33.-34

المثال الثاني عشر: سرقة من اللادينيين

سرق خزعل مرارًا من كتاب إلحادي شعبوي اسمه: أصول أساطير الإسلام .

المثال الثالث عشر: سرقة من كتاب المسيري

سرق خزعل نصوصًا كثيرة من موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للمسيري، رغم أنّه كان أحيانًا ينقل عنها مع الإحالة إليها. ويبدو أنّه استثقل كثرة النقل عنها، فصار يسرق دون إحالة. (1)

(1) أنبياء سومريون، ص159-158.

المثال الرابع عشر: سرقة شيطانية من ويكبيديا

سرق خزعل حديث ويكيبيديا عن الشيطانة ليليث. وهذا النقل منه، يكشف مبلغ جهله بالكتاب المقدس واليهودية -بالإضافة إلى لصوصيّته-:

تابعَ خزعل مقالة ويكيبيديا في عبارة: العهد القديم – كتاب الرسل (إشعيا) . ولا معنى هنا لعبارة: كتاب الرسل .

وصف مقال ويكيبيديا الزوهار بأنّه كتاب. وأصرّ خزعل في كتابه في أكثر من موضع أنّ الزوهار قسم في كتاب الكابالا. وهذا خطأ معيب جدًا؛ فإنّ الزوهار، كتاب اليهود الكاباليين، وهو مؤلَّف ضخم، طُبع في مجلّدات كثيرة. وشهرته ذائعة. والكابالا ليست كتابًا!(1)

(1) أنباء سومريون، ص63.

المثال الخامس عشر: سرقة من منتدى إلحادي!

سرق خزعل تعريف مصطلح الهاجادا من الشبكة، من حديث في منتدى إلحادي نُشر قبل ثماني سنوات من طبع كتاب: أنبياء سومريون -وربما كان مقال هذا المنتدى مجرّد نقلٍ عن أصل أقدم منه-، رغم أنّ هذا المصطلح معروف عند جميع المعتنين بالدراسات اليهودية.

(2) أنبياء سومريون، ص35.

3- سرقة المراجع

سرقة أفكار الكتب، والتشبّع بذلك كذبًا، أمر مشهور مألوف، وسرقة كلام المؤلّفين، أمر ذائع، وأمّا سرقة المراجع فنازلة جديدة من نوازل العصر.

سأبدأ بأغرب مرجع رأته عيناي في ثبت المراجع في كتاب مطبوع على وجه الأرض منذ أن استهللتُ وليدًا وإلى اليوم؛

ولاحظ أنّنا هنا لا نتحدّث عن هوامش، وإنّما هي قائمة المراجع آخرَ الكتاب-:(1)

(1) أنبياء سومريون، ص486.

Hag. 12a, Sanh. 38b; compare also Philo, “Creation of the World,” ed. Mangey, i.33, 47).

هذا المرجع أيّها القارئ الكريم، هو ببساطة: إحالة ما سرقها خزعل من كتاب ما، كما هو بيّنٌ بصورة جليّة. إذ هو في حقيقته كلام ينبّه القارئ إلى مرجعين اثنين لمسألة مذكورة سابقا، مع طلب مقارنة هذين المرجعين بمرجع ثالث.

وفك الكلام كالآتي:

إحالة إلى التلمود Hag. 12a

إحالة إلى التلمود، سنهدرين 38b.

compare also Philo, “Creation of the World“… التلمود بما ذكره الفيلسوف اليهودي فيلون السكندري في مؤلفه: خلق العالم ، الصفحتان 33 و 47 -دون ذكر مكان النشر أو زمانه أو الناشر-.

ولن أتركك تحار في أصل ذلك؛ فإنّ خزعل قد سرق هذا المرجع! -مباشرة أو بواسطة- عن مقال آدم في الموسوعة اليهودية The Jewish Encyclopedia.(1)

(1) أنبياء سومريون، ص486.

والأمر الظريف هنا أنّ خزعل قد انتهب المرجع كما هو، بالقوس آخره، رغمّ أنّ خزعل لم يضع قوسًا أوّله، ولا توضع الأقواس أصلًا بعد أسماء المراجع؛ في حين أنّ الموسوعة اليهودية قد وضعت قوسًا آخر الكلام بعد أن وضعت قوسًا أوّله. ولا أدري، أهذه سرقة غشيم أم سرقة عَجول!

ومن علامات سرقة خزعل للمراجع، وجود ثلاثة كتب فرنسيّة في ثبت المرجع، رغم أنّ خزعل لا يعرف الفرنسية ابتداء. ونقله لبعضها -نفسه- مؤكّد جهله بهذه اللغة والكتب.

Dossin G: Le sumerion, Langue savante et re-ligieuse . Bullet de la calss des letters et des science morales et politiques 5 serie x1 III Bruxelles (1957).

(1) أنبياء سومريون، ص487.

وهذا التوثيق مريب من أوجه:

كتبَ خزعل دينية هكذا: re-ligieuse ؛ واضعاً مطّة وسط الكلمة؛ وهي ليست في الأصل، وتُستعمل عادة عندما تُشطر الكلمة نصفين؛ إذا لم يستوعب السطر الكلمة كاملة؛

كما كتب خزعل اسم المرجع الثاني الفرنسي:

Dhorome E and Dussaud R: Les Religions orieales, ed mona 1 et 2 press universitairas paris (1949).

واسم الكتاب لا معنى له في الفرنسية Les Religions orientales . وأقرب صورة له هي الأديان الشرقية.

وواضح أنّ المؤلّفَين هما: Rene Dussaud و douard Dhorme، وإن أخطأ خزعل في كتابة الاسم.

لم أجد للمؤلّفين السابقين كتابًا بالاسم الذي ذكره خزعل.

ومن أعجب عجائب مراجع خزعل، تضمّنها رابط كتاب على موقع دروبوكس ، دون اسم الكتاب. وموقع دروبوكس خاص برفع الملفات.

وغالب الظنّ عندي أنّ خزعل لا يعرف غير اللغة العربية، وأنّ معرفته بالإنجليزية ضعيفة لا تؤهله للاطلاع على الكتب التخصصية، وأن مراجعه هي الشيخ غوغل ثم بعض المراجع العربية؛

ومما يؤكّد سرقة خزعل عامة أسماء المراجع الأعجمية -إن لم تكن كلها- أنه يذكر في توثيق بعض المراجع رقم (ISBN) International Standard Book Number، وهو خاص بالترقيم الدولي للكتب!

وهذا الصنيع خلاف العرف العلمي في التوثيق. والأرجح عندي أنه سرق هذه الأسماء من بعض صفحات ويكيبيديا التي تفعل ذلك في مراجع كثير من مقالاتها. ولا يُعرف ذلك في العرف الأكاديمي ولا في مواقع الشبكة الأخرى. فهو طابع تكاد تتفرّد به مقالات ويكيبيديا.

إشكاليات مبدئية

موت المعرفة ليس في الجهل، وإنّما في الجهل بالجهل عالم الرياضيات والفيلسوف ألفريد نورث وياتهاد.

1- أطروحة ثورية وفقر معرفي

ولن تغفل عين الناظر في كتاب أنبياء سومريون عن أنّ الأدوات المعرفيّة للمؤلف ضعيفة، سواء في حديثه عن اليهودية التي زعم أنّها اقتبست أساطير الأوّلين، أو في حديثه عن الوثائق السومرية بلغتها الأم؛

أ. التراث اليهودي

يظهر جهل خزعل باليهودية، قبل البدء، في عنوان الكتاب نفسه: أنبياء سومريون: كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟ . ووجه الخطأ هنا هو أنّ كتب التناخ لم تصف هؤلاء الآباء بالنبوة، ولا فعل ذلك التلمود.

فالنبوّة -بالمعنى التقني للكلمة- تبدأ من إبراهيم عليه السلام (كما هو صريح كلام الحبر المفسّر راشي: شلومو يصحاقي)، وعند بعض علماء اليهود (مثل حنانئيل بن حوشيئيل وجاؤون فيلنا) تبدأ النبوة بموسى عليه السلام.

Ronald H. Isaacs, Messengers of God: A Jewish Prophets Who’s Who, New Jersey: Jason Aronson, 1998, p.63.

ونصُّ التناخ ينصر القول إنّ إبراهيم عليه السلام أوّل الأنبياء؛ فإنّه أوّل موصوف بهذا اللقب، وذلك في تكوين 20 /7 حيث قال الربّ في الحلم لأبيمالك -ملك جرار- عن إبراهيم عليه السلام: فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لِأَجْلِكَ

قال في تعريف التلمود الفلسطيني: التلمود الفلسطيني (لأورشليمي): الذي كتب في أورشليم متأخرًا وملخصًا للتلمود البابلي .(7)

(7) أنبياء سومريون، ص32.

المنكر الأوّل: قول خزعل إنّ التلمود الأورشليمي قد كُتب في أورشليم، رغم أنّ المراجع العلمية كلّها تنبّه عند تعريف التلمود الأورشليمي إلى أنّ اسم هذا التلمود موهم بنسبته إلى أورشليم، رغم أنّه لم يُكتب هناك.

المنكر الثالث: وهو الأعجب من كلّ ما سبق، وهو أنّ خزعل قد سطا على بحث التلمود من مقال منشور على موقع وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ، كما سبق ذكره سابقًا. وليس في ذاك المقال الخطآن السابقان!

وهذا أمر من المدهشات، أن يجمع المرء رذيلتَي السرقة والإصرار على إظهار الجهل!

ميّز خزعل بين الكتب المنحولة وكتب الأبوكريفا. ثم ذكر كتاب أنوخ (1، 2، 3) -في قائمة الأسفار الأبوكريفية-، وبعد ذلك بصفحتين فقط كتب أنّ من الأسفار المنحولة، أسفار إنوخ 1، 2، 3، 4 ؛ ظانًا أنّ أسفار غير كتاب وإنوخ غير أنوخ؛ مع أنّهما واحد؛ فالاسم بالإنجليزية لهذه الأسفار واحد: Enoch 1,2,3,4.

كتب خزعل أنّ من أسفار الأبوكريفا سفر يوسف وأسينيث ، وكتب بعد صفحتين من ذلك إنّ سفر أسنة ويوسف من الأسفار المنحولة، ظنًا منه أنّ السفر الأوّل غير الثاني، والصواب البدهي الواضح أنّهما سفر واحد، له اسم Joseph and Aseneth .

ب. التراث السومري وما جاوره

أطروحة كتاب أنبياء سومريون وثيقة الصلة باللغة السومريّة التي لا يعرفها خزعل ولا غيرها من لغات بلاد الرافدين القديمة؛

ولا يقف الإشكال عند معرفة صوت المقاطع السومرية التي تتكوّن منها الأسماء، وإنّما يتجاوز ذلك -عمليًا- إلى ما أعلنه عالم الآشوريات والأركيولوجي ولفريد لامبرت Wilfred Lambert عن غياب أيّ دراسة جادة متاحة عن الأسماء الشخصيّة السومرية .(2) في مراجعته النقدية لكتاب: دراسات في الأسماء الشخصية السومريّة والأكاديّة في الألفية الثالثة .

(2) W. G. Lambert, Review: Studies in Third Millennium Sumerian and Akkadian Personal Names: The Designation and Conception of the Personal God, Orientalia, 1995, Vol. 64, Fasc.2, 133.

وممّا يُنكَر على خزعل أيضًا، ربطه بين اللغة السومريّة واللغة العبريّة؛ بتكلّف بارد، دون سند علمي، ودون مراعاة لانتماء العبريّة والسومريّة إلى أسرتين لغويتين مختلفتين؛ فالعبريّة لغة ساميّة على خلاف اللغة السومرية؛

زعم خزعل أنّ اسم مدينة أريدو -التي جعلها خزعل مسرح قصّة آدم السومري- يقابل في العبرية التوراتيّة: أرض ، وهو ما يفسِّر -بزعمه- أنّ آدم عليه السلام قد أخرِج في التوراة من الجنّة إلى الأرض .

كلمة أرض العربيّة، من المشترك السامي؛ فهي في العبرية إرص ٢٦٨، وفي الآرامية أرع ٦Nلا، وفي السريانية أرعا، وفي البابلية الآشورية أرصتو. والسامية الأولى سابقة للألفية الثالثة التي ظهر فيها أصل خبر الملوك العشرة وقصّتهم. فلا يصحّ أن يُقال إنّ الكلمة السامية المعبّرة عن الأرض، مقتبسةٌ من الخبر السومري؛ لتقدّمها من ناحية الزمن على الخبر السومري.

التقارض بين الأسر اللغوية المختلفة نادر، لا يُسلَّم إلّا بالقرينة الساطعة، ولا قرينة هنا.

كلمة أرض في السومرية هي: كِي.(3)

(3) John Alan Halloran, Sumerian Lexicon: A Dictionary Guide to the Ancient Sumerian Language, Los Angeles: Logogram Publishing, 2006, p. 137

يبدو أنّ خزعل يحسب أنّ كلمة أرض العربيّة هي في العبريّة أيضًا أرض (لا إرص)؛ ولذلك قال إنّ السومرية لا تعرف حرف الضاد! ولا معنى للحديث عن حرف الضاد هنا؛ لأنّ اليهود -وفق نظريّته- قد نقلوا الخبر السومري من السومريّة إلى العبريّة لا العربيّة!!

(1) مقطع مصوّر لخزعل الماجدي، بعنوان: الدكتور خزعل الماجدي من هو آدم وحواء وشيث في الآثار؟

https://www.youtube.com/watch?v=74PaB_resTI

ت. الإسلام

عامة ما كتبه خزعل عن الإسلام في كتابه، منقول عن الشبكة، دون إحالة، وأحيانًا مع خطأ ظاهر؛

ويطابق خزعل بين التراث الإسلامي والتراث اليهودي، بلا حجّة، سوى الوهم. ومن ذلك قوله: وعند المسلمين طوبق عزازيل مع عزرائيل الذي هو ملاك الموت والذي يعمل كدليل لأرواح الموتى. (5) فإنّ عزازيل ليس ملك الموت في اليهودية، كما أنّ عبارة كدليل لأرواح الموتى توصيف غريب لهذا الملَك الذي يقبض الأرواح، علمًا أنّه لم يرد شيء في القرآن وصحيح السنّة في اسم هذا الملك.(6)

(5) أنبياء سومريون، ص 245.

(6) قال ابن كثير: أما ملك الموت فليس بمصرّح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم -ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر، 1424 ه / 2003م، 106 /1)

كما قال خزعل في تعريف الملك رافائيل: معنى اسمه (الله يشفي)، هو أحد الملائكة المقدسين في اليهودية والمسيحية وفي الإسلام يعرف باسم (إسرافيل) والذي يعد واحدا من الملائكة الأربعة الرئيسيين .(1) وليس بين إسرافيل ورافائيل ما هو مشترك في معنى الاسم أو الوظيفة. علمًا أنّ هذا النصّ، بحرفه، قد سرقه خزعل من مقالة ويكيبيديا: رفائيل .

(1) أنبياء سومريون، ص138.

2- معالم وأصول لا تضمن الوصول

أ. طريقة بلا معالم واضحة أو مطّردة

1- لم يحدّثنا خزعل عن معايير الاقتباس والنقل والتأثّر. وعامة ما قام به هو التلاعب اللفظي بالأسماء للمطابقة بينها، والتكلّف في ربط العقائد والقصص ببعضها، دون ذكر من سبقه في هذا الباب، والتعمية على الاختلافات الجوهريّة بين خبر آباء التوراة والملوك السومريين. وهو منهج رغبوي، غير موضوعي في دراسة التاريخ.

2- يؤمن كثير من الباحثين اليهود والنصارى والمسلمين أنّ التوراة متأثرة بالتراث البابلي، ولا يجادلون في ذلك، لكنّهم يُنكرون بشدّة أن يكون خبر التوراة كلّه مختلَقًا. ويرون أنّ دعوى الاقتباس لا بدّ أن تُدرس فيها آحاد المسائل بتفصيل؛ فقد تصحّ تهمة الاقتباس في أحيان، ولا تصحّ في أخرى.

ومن أشهر هذه المسائل المتّصلة بكتاب أنبياء سومريون ، مسألة الطوفان؛

يقول الناقد كنث كتشن: من الإنصاف القول إن أهل بلاد ما بين النهرين – السومريين والبابليين والساميين الغربيين – كان لديهم تقليدٌ طوفانيٌ مشترك، كان موجودًا وتمّ تداوله في عدة روايات. والحديث عن استعارة الرواية العبرية من الرواية البابلية (أو السومرية)، أو العكس، يبدو مستبعدًا. قد تكون التقاليد المتوازية حول بعض الأحداث القديمة المحفوظة في ذاكرة بلاد ما بين النهرين، إجابة أبسط وأحرى بالقبول. إن رواية سفر التكوين ليست بأي حال من الأحوال متطورة عن روايات جيرانها، وكثيرًا ما تقدّم صيغة أبسط للقصّة… ربما كان سفر التكوين هو الأبسط والأقصر من بين جميع الروايات القديمة، وربما نشأ في وقت أبكر من زمن نشأة تلك الروايات، وبالتأكيد لم يكن تطويرًا ثانويًا لها.

ثانيًا، آمن السومريون والبابليون الذين عاشوا حوالي 2000-1800 ق.م بشدةٍ بتاريخية هذا الفيضان – في أرض ابتليت بالفيضانات حتى العصر الحديث – لدرجة أنهم أدخلوا خبره في قائمة الملوك السومريين، وليس فقط في حكاياتهم الملحمية. في الشكل الثاني والأخير من تلك القائمة، كان الطوفان علامة فارقة بين ملوك ما قبل الطوفان وملوك ما بعده. وبالتالي، كما سبق أن أشرنا أعلاه، ليس من المستغرب أن تجد أعلامًا في علم الآثار والتاريخ في بلاد ما بين النهرين مثل مالوان أو هالو يكتبون بجدية لتأريخ تراث الطوفان. من غير المرجح -حلًّا للأمر – أن يكون هذا الحدث محض خيال .

(1) K. A. Kitchen, The Bible in Its World: The Bible and Archaeology Today, p.30

3- أدرك خزعل أن الفارق بين آباء التوراة وملوك السومريين واسع جدًا؛

وقد نقضت سنثيا إيلر Cynthia Eller -أستاذة الدين في Claremont Graduate– أطروحة المجتمع الأمومي، في كتابها المعروف: أسطورة ما قبل التاريخ الأمومي: لماذا لا يمنح الماضي المختلَق مستقبلا للمرأة .

ونقضت أسطورة الثورة الذكورية/ الأبوية، وردّت على دعوى أنّ طابع الإنجاب في الأنثى سبب تقديسها… وهي الأمور التي دندن حولها خزعل كثيرًا.

Cynthia Eller, The Myth of Matriarchal Prehistory: Why an Invented Past Won’t Give Women a Future, Beacon Press, 2001

حاول خزعل إرهاب القارئ بسيف الإجماع العلمي؛ ومن ذلك قوله: مكان الجنّة في التوراة هو شرق عدن (على الأرض)، وقد اختلفت الدراسات الآثارية في تحديد موقع عدن لكن الإجماع كان يقول إنها في أرض سومر . ولا إجماع -قديمًا أو حديثًا- في المسألة أصلًا؛ فقد اختُلَف في مكان عدن بين أرمينيا (الشمال) وبابل (الجنوب)، وبلاد أخرى في الغرب.(5)

(5) W. C Marlowe, art. “Eden” in D. N. Freedman, ed. Eerdmans Dictionary of the Bible, Grand Rapids, MI: W.B. erdmans, 2000, p.371.

ب. المادة التاريخية وإشكالياتها

1- القول بالاقتباس رهين وجود تفاصيل من الممكن أن تقبل المقارنة بين الأصل- المزعوم- والنقل. وجميع آباء ما قبل الطوفان -باستثناء آدم عليه السلام ونوح عليه السلام- لم يرد تفصيل خبرهم التاريخي سوى في الفصل الخامس من سفر التكوين، وما جاء في غير هذا الفصل، لا يتجاوز الذكر العابر للأسماء.

ومن الأمثلة في الباب، خبر يارد – الأب السادس-؛ فإنّنا لا نعلم عنه سوى النص التالي: وَعَاشَ يَارَدُ مِئَةً وَاثْتَتَيْن وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَخْنُوخَ. وَعَاشَ يَارَدُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَخْنُوخَ ثَمَانِيَ مِنَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّام يَارَدَ تِسْعَ مِئَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ. (تكوين 18/5-20). وهو خبر -كما هو ظاهر – ليس فيه شيء من التفصيل التاريخي الذي يقبل المقارنة مع أخبار ملوك السومريين، سوى اسمه وسنّه. وسنّ يارد واسمه مخالفان لاسم الملك السومري السادس وسنّه!(1)

(1) التراث السومري ذكر مدّة الحكم لا السنّ، وهذه المدّة أكبر بكثير من سنّ يارد.

2- تبنّى خزعل آراء في مسائل خلافية كثيرة تتعلّق بالتاريخ العراقي القديم، والعلاقة بين الآلهة الأسطورية في بلاد الرافدين وما جاورها، دون أن يُظهر في عامتها سبب انحيازه إلى ما اختاره من رأي، بل ودون أن ينبّه القارئ أنّه أمام قضايا خلافيّة دخل الجماعة العلميّة.

3- انتصر خزعل في كتابه تاريخ القدس القديم منذ عصور ما قبل التاريخ حتى الاحتلال الروماني للقول إنّ التوراة قد صيغت مادتها الأولى أوّلًا في القرن السادس قبل الميلاد. ومعلوم أنّ اللغة السومرية قد أصبحت لغة ميتة -في الحديث العام spoken language– مع بداية الألفية الثانية قبل الميلاد،(2) قبل أن ينقرض السومريون بعد ذلك بقرون قليلة، وتتحوّل السومرية إلى لغة أدبية ودينية أجنبية عند البابليين. والواجب إذن أن يكون عامة البحث في إثبات أثر البابليين الذين عاش في عصرهم كَتَبَةُ التوراة، لا السومريين؛ إذ إنّ إثبات الأثر يحتاج إلى بيان واسطته.

(2) Aaron Butts, Semitic Languages in Contact, BRILL, 2015, p.162

كما أنّ الواجب كان يقتضي بيان صورة الأساطير السومرية الموروثة عند البابليين، لا أن يستغرق البحثَ بيان صورة الأساطير السومرية كما تَظهر في الآثار القديمة التي تعود إلى عصرهم في بلاد الرافدين.

5- استدلّ خزعل مرارًا بسِفر كنزا ربا المندائي للتأكيد على أثر السومريين في اليهودية والحضارات المجاورة لهم، رغم أنّ هذا الكتاب قد أَلّف بعد ميلاد المسيح عليه السلام!

(3) Andrew Phillip Smith, A Dictionary of Gnosticism, Quest Books, 2014, p.102.

6- أعجبُ ممّا سبق -وما سبقَ عجيبٌ-، استدلال خزعل بكتاب اليهود القباليين: الزوهار ٦٦٢؛ لإثبات أثر السومريين في اليهودية، رغم أنّ أهل التحقيق على أنّ الزوهار قد ألف في القرن الثالث عشر بعد الميلاد. وفي ذلك قال معجم أوكسفورد للدين اليهودي : أظهر النقد الحديث أنّ الجزء الرئيس من الزوهار قد كُتب عند نهاية القرن الثالث عشر بيد موشي الليوني… المتوفى سنة 1305. كُتبت بعض أجزاء الزوهار بعد فترة قريبة من ذلك، وأضيفت إلى العمل الأصلي .(1)

(1) Raphael Jehudah Zwi Werblowsky; Geoffrey Bernard Wigoder, eds. The Oxford Dictionary of the Jewish Religion, New York: Oxford University Press, 1997, p.763.

ت. التكلّف والمنهج الرغبوي

1- لا يتحرّج خزعل من أن يجعل الشخصيّة السومريّة الواحدة مصدرًا لأكثر من شخصيّة توراتية، رغم الفارق الواضح بين هذه الشخصيات التوراتية، اسمًا وسيرة.

2- يتكلّف خزعل بصورة متطرّفة في قراءة قصص التوراة قراءةً رمزيّة، دون أي سند، غير الإسقاطات التي يمارسها دون منهج علمي؛ للانتصار لرؤيته التاريخية.

4- قد يتكلّف خزعل في تأويل الآثار التاريخية بصورة بيّنة. ومن ذلك دعواه في محاضراته العامة أنّ أحد الأختام في بلاد الرافدين القديمة، فيه صورة رجل وامرأة، وبينهما شجرة تقطف منها المرأة ثمارًا، والأفعى وراءها توسوس لها في أذنها. والنقش -بزعمه- فيه قصّة آدم وحواء التوراتيّة. وقد وصف خزعل هذا الختم بقوله: وهذا الختم يجسد بوضوح ظهور الأفعى / الثعبان في عدن التي كانت مسرح هذه الرموز والأسطورة .(2)

(2) أنبياء سومريون، ص182.

والقراءة السالفة متكلَّفَة لإثبات الأصل السومري لقصّة آدم عليه السلام وزوجه؛ إذ إنّنا هنا أمام ختم يُسمّى بلا حجّة ختم الغواية (Temptation seal)، لا نعرف عن سياقه ودلالته أي شيء يقينيّ، وما قيل فيه بربطه بخبر التوراة، محض إسقاط تاريخيّ. وليس في هذا الختم ما يحسم ربطه بالقصّة التوراتية، وإن زعم خزعل أنّ هذا الختم قد كشف سرّ علاقة قصّة آدم التوراتية بقصّة الخلق السومريّة!(3)

(3) مقطع مصوّر لخزعل الماجدي، بعنوان: الدكتور خزعل الماجدي من هو آدم وحواء وشيث في الآثار؟

https://www.youtube.com/watch?v=74PaB_resTI

تبدو الحيّة منتصبة وراء الجالسين الاثنين، لا فقط المرأة ؛ فإنّنا أمام ختم إسطواني الصورة في الختم متصلة ببعضها؛ فليس لها حدّ من الجهتين وهو ختم على شكل مستطيل. وقد دلّس خزعل عل مشاهديه؛ بوضعه لصورة هذا الختم على شكل صفحة واحدة، لا تظهر فيها الأفعى إلّا جهة المرأة . والناظر في الختم كما هو في الواقع، يرى أنّ الأفعى وراء الجالسين الاثنين!

زعم خزعل أنّ الختم فيه امرأة تريد قطف الثمرة، وأنّ الرجل يستعد لاستلام الثمرة من المرأة. وهذا كذبٌ وقحُ، يستغبي الناظرين؛ فإنّ الصورة ليس فيها أنّ الرجل يمدّ يده إلى المرأة؛ وإنّما هو يمدّ يده إلى الثمرة..

انحناءة الأفعى عند رأس المرأة -ولا يمكن الجزم أنها امرأة- لا تدلّ على الوسوسة، فإنّ رأس الأفعى ليس عند أذنها، وإنّما فوق رأسها.

يظهر الشخصان في الختم بملابسهما كاملة، عكس القصة التوراتية للأبوين العاريين (تكوين 25/2).

وقد وصف المتحف البريطاني هذا الختم أنّه لامرأة تجلس في مواجهة إله، ووراءهما الاثنان أفعى.(3)

(3) “Description: Greenstone facies cylinder seal; a female figure with her hair in a bun holds out her left hand and sits facing a god (identified by his horned head-dress) who holds out his right hand. Both wear plain robes and sit on either side of a date palm; Terminal: behind them is a undulating serpent rising vertically.

https://www.britishmuseum.org/collection/object/W 1846-0523-347

ولذلك قال ت. س. ميتشال T.C. Mitchell – المعتني بالتراث الآسيوي الغربي في المتحف البريطاني-، في كتابه: الكتاب المقدس في المتحف البريطاني ، عند تعريفه بهذا الختم: لا يوجد سبب لربط هذا المشهد بقصة آدم وحواء .(1)

(1) T. C. Mitchell, The Bible in the British Museum: Interpreting the Evidence, Paulist Press, 2004, p.24.

5 – قد يتّخذ خزعل من الأمور الشائعة أصلا للقول بالاقتباس، رغم أنّ دعوى الاقتباس لا بدّ أن تقوم على الأمور المشتركة النادرة. ومن ذلك زعم خزعل أنّ وصايا شوروباك أصل الوصايا العشر التوراتية؛ لاشتراكهما في منع القتل والسرقة وشهادة الزور والمنكرات الجنسية والدعوة إلى إكرام الوالدين.(1) وهي وصايا أخلاقية شائعة في الخطاب الأخلاقي لعامة الأمم.

(1) أنبياء سومريون، ص 355.-357

وممّا يظهر التكلّف والانتقائية في دعوى خزعل، تجاهله إعلام القرّاء أنّ وصايا شوروباك أكثر من عشر، فهي أكثر من 250 وصية(2)، كما أنها لا تتضمّن أربع وصايا من وصايا التوراة العشر: الإيمان بإله واحد للكون، إذ إنّ وثيقة شوروباك فيها رفع لإله قومي فوق الآلهة الأخرى، كما أنّه ليس فيها دعوة لتعظيم يوم السبت، ولا منع الحلف بالله باطلًا، ولا منع صناعة التماثيل والصور.

(2) نص تعاليم (وصايا) شوروباك:https://etcsl.orinst.ox.ac.uk/section5/tr561.htm

ث. التناقض

يعتقد خزعل -بحماسة- أن تاريخ الأسطورة في بلاد الرافدين متّصل بلا انقطاع على مدى ثلاثة آلاف سنة أو أكثر، وإن حصل بعض التغيير في التفاصيل والأسماء. ثم هو مع ذلك ينكر أن يحافظ اليهود على الأصول العريضة لتاريخهم من القرن السادس قبل الميلاد إلى زمن إبراهيم عليه السلام أي نصف مدة الثلاثة آلاف سنة، ويرى التاريخ اليهودي المكتوب في التوراة، محض خرافة. وهذا تناقض فجّ.

أطروحة خزعل في كتابه أنبياء سومريون غير قابلة للإثبات؛ لغياب السيرة التاريخية التي تسمح بدعمها، كما أنّ منهجها مطاط وغير موضوعي؛

خطايا لغوية

أقام خزعل بحثه على أصول الفيلولوجيا philology -والتي سمّاها فيلوجي!(2)– التي تهتم بدراسة اللغات وتطوّرها وعلاقتها باللغات الأخرى، والنظر الإتيمولوجي المعتني بدراسة أصول الكلمات وتطوّر معانيها تاريخيًا، مع السبر الأركيولوجي المتعلّق بالكشف الآثاريّ وتأويله.

(2) أنبياء سومريون، ص 388.

والحق هو أنّ خزعل قد أقام كتابه على المغالطات التفسيريّة Exegetical محصورة في شكل الكلمة ومكوّناتها، ومغالطة المفارقة التاريخيّة الدلالية Semantic بنسبة معنى لكلمة في غير الزمن التاريخي لاستعمالها، ومغالطة الالتجاء إلى معنى غير معروف أو بعيد Appeal to Unknown or Unlikely Meaning، بترك المعنى المعروف، والبحث عن معنى استثنائي، لا يُصار إليه إلّا بالقرائن القويّة، أو اقتراح معنى منقطع الصلة بالكلمة، ومغالطة Verbal parallelomania – التي نحت اسمها صموئيل صندميل Samuel Sandmel -؛ بافتراض وجود تواز بين فعلين، أو وجود علاقة بينهما، ومغالطة الإهمال غير المسوّغ للتمييز بين الخصائص المميزة Unwarranted neglect of distinguishing peculiarities of a corpus، بتجاوز الاستعمال الدلالي الخاص لكلمة ما عند فرد أو جماعة، وتعميم هذا البعد الدلالي للكلمة في كلّ بيئة وثقافة.(3)

(3) يُراجع في المغالطات التفسيرية، الكتاب اللطيف حجمّا، الغزير فائدة:

D. A. Carson, Exegetical Fallacies (Grand Rapids, Mich.: Baker Academic, 2013), p. 6.

وإنّي لو اكتفيت بهذا الفصل في نقد كتاب خزعل؛ لكفى؛ لأنّ إثبات التدليس اللغوي وحده كاف لإسقاط علميّة الكتاب؛ فإنّ فساد المنهج حجّة على نتائج البحث.

وفساد البحث اللغوي عند خزعل يظهر في ثلاثة أمور، الأوّل: جهله الواضح باللغات القديمة التي يشرح معناها الأصلي بثقة ودون تردّد، والثاني: شرحه الأسماء بما لا يصحّ، والثالث: الربط بين اللغات بما لا يستقيم.

1- جرأة الأبتثي!

العرب يقولون عن من لا يعرف من الكلام إلّا حروفه: أبتثي ؛ نسبةً إلى الحروف الألفبائيّة: الهمزة والباء والتاء والثاء…؛

إنّ جهل خزعل باللغات القديمة التي أقام على معجمها أطروحته، لم يرْق إلى العلم بالحروف دون المعاني؛ فإنّ خزعل يقرأ الكلمات العبريّة والسومريّة والأكاديّة، منقحرة (transliterated) بالحرف اللاتيني، دون أن يُدرك حقيقة الحرف الأصلي، ثم هو يبيح لنفسه بعد ذلك أن يجتهد لمعرفة معنى الكلمة وأصلها وعلاقتها باللغات الأخرى.

لقد كان يجتهد لاستخراج معاني الأسماء العبرية، ويربط بين بعضها والأسماء السومرية، ثم نكتشف -بسهولة- أنّه يقرأ الكلمات العبرية والسومريّة وغيرها بالحرف اللاتيني.

ومن الشناعات التي وقع فيها خزعل بسبب ذلك؛ زعمه المتكرر أنّ الاسم الفلانيّ له في اللغة العبرية أكثر من صورة، رغم أنه يُكتب على صورة واحدة في الأصل العبري. وقد أرداه في هذا الخطأ أنّه لا توجد صور موحّدة لكتابة هذه الأسماء باللغة العبريّة بالحرف اللاتيني.

ومن دلائل جهل خزعل بحروف اللغات، وظنّه أنّنا أمام أسماء مختلفة شخص واحد، قوله إنّ قينان له أسماء أخرى مع اسم قينان، وهي: كينان، كوينان، غينان، كاينان.(1)

(1) أنبياء سومريون، ص271

قلتُ: اسم حواء بالعبرية حوا ، ولا علاقة له بالشفاه ولا الشفاء، ولا عزاء لمن يمصمصون الشفاه أسفًا على ضيعة العلم.

ومن ذلك أنّه كتب التالي: كلمة جبابرة التي في العبرية من قاموس سترونج. وكلمة جيبور هي من كلمة جيبر . (1)

وهنا أخطأ خزعل في ثلاثة أمور، أولًا: كلمة جبور العبرية هنا بمعنى جبّار لا جبابرة، فهي في صيغة المفرد. وثانيًا: كتب خزعل هنا كلمتين متّصلتين على أنّهما كلمة واحدة؛ فنحن هنا أمام صورتين لكتابة كلمة جبار ، الثانية منهما مع إضافة حرف الواو !٦- ، ولا بدّ أن يُفصَل بينهما كتابة. وثالثا: الكلمة هي جبور لا جيبور؛ فكسرة الجيم قصيرة (حركة حيريق).

(1) أنبياء سومريون، ص 242.

2- تصرّف الفضولي!

الفضولي لغة هو الذي يتدخل فيما لا يعنيه. وتصرّف الفضولي فيما لا يملك مذموم عُرفًا وخُلَقًا.

ومن الفضالة أن يتطوّع جاهل باللغات القديمة لهداية القرّاء وطلّاب المعرفة إلى شرح ما لا يعرفه لمن لم يطلب منه ذلك.

وقد كان بالإمكان إعذار خزعل لو أنّه كان يوثّق كلّ تحليل إتيمولوجي للأسماء التي يذكرها، وإن كان ذلك لا يرفع عنه كلّ النكير العلمي؛

ولعلّك ستسألني، بدهشة لحوحة: فما مصدر خزعل في معرفة معاني أسماء العباد والبلاد؟

وجوابي الذي سأبذله لك، بلا تردّد، هو: مرجع خزعل هواه وخياله الخصب، وويكيبيديا وأخواتها من المواقع الإلكترونية غير الموثوقة علميًا -وإن ادّعى خلاف ذلك-.

قول خزعل في تعريف كلمة: شيطان : (شيطان) كلمة عبرية من جذر شطى أي مقاوم، معارض، متهم، وفي العربية جذرها شطن تعني تمرد . (2) أنبياء سومريون، ص141

فقد سرق خزعل التعريف السابق من مقالة شيطان ، من ويكيبيديا -دون إحالة منه إليها-. وفي هذا المقال، جاء: كلمة شيطان مشتقة من (عبرية: 10 شطن) بمعنى مقاوم أو متهم وفي العربية لها نفس الجذور فكلمة شط تعني تمرد .

والنقل السابق من خزعل، دليل ضعف علميته؛ باعتماد مرجع غير علمي، وقلّة أمانته؛ بسرقته ما ليس له، وجهله؛ إذ إنّه قد كتب الأصل العبري لكلمة شيطان، بالشين لا بالسين، وهما حرفان متشابهان في العبرية، يُميّز بينهما بموضع النقطة فوقهما، يمينًا أو شمالًا: شين ثا، سين 0. ويبدو أنّ صاحب المقال العربي في ويكيبيديا قد أخطأ في معرفة الحرف العبري عند كتابته بالحرف اللاتيني. وقد تابع خزعل ويكيبيديا بجهلٍ وعمى!

ب. ترجمة بلا حجّة

وقد يتطوّع خزعل ببذل ترجمات غير صحيحة لمعاني الأسماء العبرية؛ كقوله إنّ إنوش اسم يعني الرجل الميت أو الضعيف ،(3) في حين أنّ هذه الكلمة داك تعني -كما هو ظاهر ومعلوم-: إنسان، رجل. ويزداد الأمر غرابة بقول خزعل في الصفحة التالية مباشرة لما سبق، إنّ معنى اسم إنوش: زائل!(4) ثم عاد خزعل بعد صفحة واحدة من التعريف السابق ليقول إنّ إنوش اسمٌ يعني: الإنسان أو الرجل!(5) وسبب هذا الاضطراب أنّه ينقل من الشبكة العنكبوتية عن كلّ من هبّ ودبّ وزحف!

(3) أنبياء سومريون، ص446

(4) أنبياء سومريون، ص447

(5) أنبياء سومريون، ص448

ت. تمييز بلا مميّز

من غرائب خزعل الماجدي التمييز بين معاني الاسم الواحد، دون أدنى داعِ، كقوله: لامك يعني (القوي) في اللغة العبرية وهو الأب التاسع، في حين أن اسم لامك من سلالة قايين يعني الفقير والدنيء. (6)

(6) أنبياء سومريون، ص359

قلتُ: الاسم واحد -بحركاته-، وهو لامك -??٦)؛ فكيف ميّز خزعل اسم الشخصية الأولى بمعنى مختلف عن معنى اسم الشخصية الثانية؟!

ح. القفز بين المعاني

وليس أقلّ غرابة ممّا سبق، قول خزعل: ونرى أن آدم ترادف آدن، فكلاهما يتضمن آد أي السهل، وفي حالة آدم الرجل المنحدر من (م) الأم إلى السهل، أما في حالة آدن فهو السهل المنحدر من السماء (ن) أي السهل السماوي أو جنة الله . (5) أنبياء سومريون، ص160.

وهاهنا يدّعي خزعل الترادف بين عدن (التي يكتبها آدن!) واسم آدم! ولا أدري كيف يكون بينهما ترادف، إذا علمنا أنّ الترادف يكون في المعنى لا في الرسم. وأمّا عبارة السهل المنحدر من السماء ؛ فاستغباء للقارئ؛ إذ كيف يكون السهل منحدرًا من أعلى، والسهل هو من انبسط وتسطّح كلّه!

خ. الجزم في موضع الشكّ

ومَن يقرأ كتاب: دراسات في الأسماء الشخصيّة للفصول 1-11 من سفر التكوين للناقد ريتشارد هيس Richard -المتخصص في دراسات العهد القديم واللغات الساميّة-؛ والذي تتبّع الجدل الدائر حول معاني هذه الأسماء؛ سيدرك مبلغ الظنّ في ضبط معانيها، خاصة مع الجدل الطويل في معرفة لغة جذور هذه الأسماء.

ذ. قاعدة مصلوبة!

قد يأتي خزعل بقاعدة صحيحة؛ فيطبقها بطريقة بيّنة الفساد، فاحشة التكلّف؛ كقوله إنّ اسم نوح العبري جاء من اختصار كلمة أوتانابشتم إلى (نا) حيث حذفت (أوتا) و(بشتم) لسهولة اللفظ في اللغة الكنعانية والعبرية . (1) أنبياء سومريون، ص386

وهذه -والله- إحدى الكُبَر! طامة لغويّة وعجيبة من عجائب الدهر! كلمة من سبعة حروف من الصوامت، سُهّل نطقها بحذف ستّة حروف منها، وإبقاء النون التي يحتاجها خزعل، وإضافة الحاء التي لا يستغني عنها للوصول إلى مطلوبه: نوح!

ومن قبائح خزعل في هذا الباب زعمه أنّ اسم إدريس في القرآن تصحيف لاسم أوزيريس، بتغيير الزاي إلى دال.(3) والعجب هنا هو افتراضه أنّ القرآن فيه تعريبٌ لاسم آلهة مصرية طواها الزمان منذ قرون، خاصة بعد اندثار اللغة المصرية القديمة، وتنصّر مصر، ولا ذكر لهذا الاسم في التوراة.

(3) أنبياء سومريون، ص 314.

3. رأس المهازل!

لم أستطع أن أحبس ضحكي كلّما وقعت على مثال له في الكتاب، وهو تفسير خزعل للأسماء السومرية بالعربيّة، لا على صورة من يعتقد أنّ العربيّة أمّ اللغات، وإنّما على صورة من لا يعرف معنى ما يقوله.

المثال الأول: قال خزعل عن تأخّر ذكر اسم حوّاء في التوراة، بعد الإخبار عن خلقها، بأنّ الله خلق امرأة لآدم دون تصريح باسمها: … كل هذا ولم يُذكر بعد اسمٌ آخر لهذه (المرأة) وهذا يتطابق مع ما نراه على الصعيد الميثولوجي، فقد توصلنا إلى استنتاج مهم في دراستنا عن الأموريين يقول إلههم القومي (أمورو) واسم المرأة الأولى عند الأموريين (مرة) أو (امرأة) وهو تأنيث سامي الصيغة لاسم (أمورو).. وهذا يعكس أمرين من وجهة نظرنا. (1): حين يذكر سفر التكوين التوراتي أن الاسم الأول للمرأة هو (امرأة) وليس حواء قياسًا على اسم الرجل (امرء) وليس آدم فهذا يعني أن أصل الأسطورة التوراتية هو آموري بحسب استنتاجنا السابق .(1)

(1) أنبياء سومريون، ص 186.

أراد أن يقول إنّ كلمة امرأة الواردة في سفر التكوين في وصف حواء، تحيل إلى الإله أمورو عند الأموريين!

وجه المهزلة هنا هو أنّ خزعل يتوهّم أنّ التوراة العبريّة قد وصفت حواء أنّها امرأة .. والحقّ الذي لا يخفي على الغافل أنّ امرأة كلمة واردة في الترجمة العربية التي كُتبت بعد البعثة المحمّدية.. وكلمة امرأة في نص تكوين 23/2 الذي يتحدَّث عنها خزعل هي: إشا .

المثال الثاني: قال خزعل عن حكماء سومر: ويطلق على الواحد منهم أيضًا لقب (منتاكو muntaku) ويعطي معنى المستشار ويوحي كذلك بكلمة (المنطق) فهل هذه الكلمة وهي جزء من الحكمة فهم (المنطقيون) أيضا؟ .

(1) أنبياء سومريون، ص435.

كيف من الممكن الربط بين كلمة منطق -صوتيًا- بهذا المسمّى منتاكو ؟!

كلمة منطق عربيّة المبنى، ولا علاقة لها صوتيًا بالاصطلاح الدال على علم المنطق عند الأمم السابقة لعصر المسيح.

وأمّا اليونان؛ فلم ينحتوا اسم علم المنطق من مادةٍ حروفها اليونانية فيها الميم والنون والطاء والقاف (اليونانية ليس فيها حرف القاف، وفيها التاء لا الطاء!)؛ فالمنطق عندهم [لُوغكي] من [لوغوس] بمعنى العقل أو التفكير أو اللغة.

المثال الثالث: قال خزعل إنّ اسم إسرائيل يعني: من ينتسب إلى أسرة إيل ؛(1) وهذه دعوى قبيحة جدًا لسببين، أولّهما لظنّ صاحبها أن اسم إسرائيل بالعبرية يبدأ بمقطع أسر أو إسر، كالعربية. والحق أنّ الاسم في العبرية هو ا٦٨٦ [يسرائيل]؛ فهو يبدأ بالياء لا الهمزة، وثانيهما لظنّه أنّ إسر بمعنى أسرة العربية، علمّا أن أسرة في العبرية هي [مِشباحا].

(1) أنبياء سومريون، ص139.

المثال الرابع: قال خزعل إنّ اسم إله التوراة يهوه من هواء ،(1) كما سبق له أن قال في كتابه: كشف الحلقة المفقودة عن إله اليهود: يهوه: وقد عُثر على صورة له على ختم كنعاني وهو يجلس على عجلة مجنحة ويحمل على كفه الأيسر طائرًا وهو ما يشير إلى أنه إله للهواء، ولنلاحظ أن اسم يهوا له علاقة بالهواء باللغتين العبرية والعربية (2)، رغم أنّ كلمة هواء العربية لا تعني هواء في العبرية.

(1) أنبياء سومريون، 157…

نقد الأطروحة

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39]

وعلى شفا جرف بنيتم أنتم … فأتت سيول الوحي والإيمان

قلعت أساس بنائكم فتهدمت … تلك السقوف وخر للأركان

(ابن القيم)

ولا أظنّ أننا سنختلف في البراهين التي يطلبها القارئ لصحّة دعوى خزعل..

1- معقولية اقتباس كاتب/ أو كتبة سفر التكوين من التراث السومري.

2- وجود عشرة ملوك سومريين قبل الطوفان السومري. فلا يزيد عددهم عن ذلك ولا ينقص.

3- موافقة أسماء ملوك ما قبل الطوفان -كلّهم أو جلّهم – لأسماء الآباء التوراتيين.

4- التطابق في الخبر؛ أي (أ) التطابق في الطبيعة: أن يكونوا كلّهم بشرًا. (ب) والتطابق في السِيَر: أي التطابق في أعمارهم، وإنجازاتهم، ودعوتهم..

5- التطابق في فلسفة القصّة التاريخيّة.

من غير اجتماع العناصر السابقة، كلّها أو بعضها، لا سبيل للدفاع عن اقتباس خبر الآباء من التراث السومري؛ إذ إنّ تهمة الاقتباس لا بدّ أن تقوم على وجود تطابق كلّيّ أو تشابهات كثيرة، ومتميّزة، يعسر تصوّر اجتماعها في طرفيها صدفة.

خزعل قد جمع كلّ هذه المساحات البحثية التي تضمّ عددًا كبيرًا جدًا من الأسماء؛ لسببين اثنين فقط، غير ما خطر في بالك:

السبب الأوّل: البحث عن اسم شبيه باسم الأب التوراتي في هذه القائمة الطويلة من الأسماء: الملوك، والآلهة، والملائكة، والشياطين، والحكماء.

السبب الثاني: تضخيم البحث، بالإسراف في الحشو وذكر تفاصيل مملّة في مسائل لا علاقة لها البتّة بإثبات مرجعية التراث السومري لقصص آباء التوراة قبل الطوفان.

1- الإمكان التاريخي

اندثرت الحضارة السومرية منذ بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، غير أنّها مرّرت مجموعة من العقائد والأساطير إلى من جاء بعدها في بلاد الرافدين.

والمطلوب من خزعل الماجدي بيان انتقال سيرة ملوك سومر -بأسمائهم وتفاصيل خبرهم الأولى التي اعتمد عليها كتاب أنبياء سومريون – إلى كاتب/ كتبة سفر التكوين.

إنّ أطروحة اقتباس سيرة الآباء السومريين في سفر التكوين، بعد اندثار الحضارة السومرية بقرابة ألف وأربعمائة عام، مع إعادة توظيفها لاهوتيًا لخدمة التصوّر الديني اليهودي، تحتاج اتصالًا وثيقًا بالتراث السومري. ولما امتنع الاتّصال بهذا التراث القديم، وجب البحث عن واسطة بابليّة تحفظ ذاك التراث.

نحن -إذن- أمام بحث لم يعتن ببيان السُّبل الواقعية لإقامة علاقة بين المقتبس والمقتبَس منه.

وقد أكّد خزعل نفسه الحاجة إلى ذكر الواسطة التاريخيّة، في قوله إنّ العبريين أخذوا أسطورة آدم وحواء من السومريين من خلال طرف ثالث (الكنعانيون أو الشاميون) الذين أعادوا بناء عدة أساطير وكونوا هذه الأسطورة وأخذها عنهم العبريون وأعادوا إنتاجها .(1) ولكّن خزعل لم يبال بأمر بيان الواسطة التي ربطت الطرفين!

(1) أنبياء سومريون، ص193.

2- عدد الآباء والملوك

أكّد خزعل -بكلّ فخر – أنّه اكتشف الملوك السومريين العشرة وراء الآباء التوراتيين العشرة. والتطابق بين عدد الآباء وعدد الملوك، أصل دعوى المطابقة الصادمة التي أذاع خزعل خبرها، وأعظم حجّة على اقتباس مؤلّف سفر التكوين خبر الملوك السومريين. وهذه الدعوى التي لا يكلّ خزعل عن تردادها في المحافل العامة، موهمة أنّ التراث السومري قاطع أنّ الملوك السومريين قبل الطوفان كانوا عشرة، لا أكثر من ذلك ولا أقلّ.

والصادم هنا أنّ خزعل يعترف في ثنايا كتابه أنّ التراث السومري قد اختلفت روايته في ضبط عدد ملوك عصر ما قبل الطوفان.

اعترف خزعل أنّ قائمة الملوك السومرية التي أعدّها فيلد بلونديل عن منشور طيني قديم، تضم 12 ملكًا. وهذه هي القائمة كما عرضها في كتاب أنبياء سومريون :(1)

(1) أنبياء سومريون، ص82-81.

وأمّا القائمة التي حرّرها وترجمها توركليد ياكبسون، فتضمّ فقط 8 ملوك سومريين قبل الطوفان:(1)

(1) أنبياء سومريون، ص 78.

ومن أشدّ ما يعجب له القارئ، تجاهل خزعل في كتابه بيان سبب انتقائه عشرة ملوك سومريين من القائمتين؛ فالأولى دون العشرة والثانية فوق العشرة!

قائمة ياكبسون السومرية جاء فيها صراحة النص التالي، بعد ذكر أوبور توتو (الملك الثامن) ومجموع الملوك السومريين من عصره حتى نزول الملوكية قبله: في خمس مدن ثمانية ملوك. لقد حكموا 241200 سنة. ثم اجتاح [الأرض] الطوفان .

(1) Jeremy Black et al., The Literature of Ancient Sumer, Oxford: OUP Oxford, 2004, p.284.

فقائمة ياكبسون صريحة أنّ الطوفان قد وقع عصر أبور توتو لا زيوسودرا. وهي القائمة العمدة عند خزعل، لا القائمة الأخرى.

وخلاصة الكلام في أمر عدد ملوك ما قبل الطوفان في التراث السومري، ما قاله الناقد ج. ف. هازل G.F. Hasel: على أساس البيانات المسمارية، لم يعد من الممكن اقتراح أنّ قائمة الملوك السومرية احتوت في الأصل على عشرة ملوك قبل الطوفان قامت لاحقًا الأنساب التوراتية بإنشاء مواز لها .(1)

(1) Gerhard F. Hasel, The Genealogies of Genesis 5 and 11 and Their Alleged Babylonian Background, Andrews University Seminary Studies 16 (1978): p. 367

3- أسماء الآباء والملوك

قال الناقد جون والتون، بعد أن ذكر أنّ قائمة الملوك السومرية تضم ثمانية ملوك فقط بين نزول الملكية على الأرض والطوفان: احتفظت النصوص الأخرى لقائمة الملوك السومريين بأسماء وأعداد مختلفة، وعدد مختلف من الأسماء .(1)

(1) John H. Walton, Ancient Israelite Literature in Its Cultural Context: A Survey of Parallels Between Biblical and Ancient Near Eastern Texts, p.128.

ثم إنّ الإشكال لا يقف عند اختلاف قوائم أسماء ملوك سومر قبل الطوفان فيما بينها، وإنّما يشمل مخالفة هذه الأسماء لأسماء آباء ما قبل الطوفان في التوراة.

وقد لخّص خزعل الأمر بقوله إنّ أسماء ملوك سومر قبل الطوفان مختلفة تمامًا عن الأسماء العبريّة للآباء.(1)

(1) ملوك سومريون، ص59.

4- التطابق في الخبر

لم يبق أمام خزعل لاستنقاذ دعواه الراديكالية في شأن أصل خبر آباء ما قبل الطوفان، بعد ثبوت امتناع علم كاتب سفر التكوين بالتراث السومري، والاختلاف في أعداد الآباء/ الملوك وأسمائهم، إلّا أن يُثبت وجود تشابهات بارزة وصادمة بين الخبر التوراتي لطبيعة الآباء وما يقابله في التراث السومري.

وهناك رواية Sumerian king list موجود يسمونه ثبت الآثار السومري، يعدّدهم واحد بعد الآخر وهم وجدتهم متطابقين بالكامل مع هؤلاء بكل أفعالهم .(1)

(1) مقطع مرئي لخزعل الماجدي، عنوانه: تفنيد الرواية التوراتية 1- المحاضرة :

https://www.youtube.com/watch?v=62f4G9KJCBM

الأب الأول: آدم عليه السلام

أولًا: لفّق خزعل بين شخصيات مختلفة اسمًا وطبيعة في تراث بلاد الرافدين؛ ليصنع دعوى الاقتباس هنا. ومعلوم أنّ ردّ الشخصية الواحدة المتأخّرة إلى أصول قديمة مختلفة ومتنافرة في الحضارة الواحدة، ليس من العلميّة في شيء؛

ثانيًا: طابق خزعل بين آدم عليه السلام التوراتي وألوليم السومري،(3) رغم أنّ ألوليم ليس هو الإنسان الأوّل المخلوق في الأساطير السومريّة.

(3) أنبياء سومريون، ص456.

ثالثًا: اعترف خزعل أنّ التراث السومري يحتفظ بقصص خلقٍ مختلفة.

قال: هناك خمس إنثربوغونيات سومرية توضح خلق الإنسان وكل منها يرجع الإنسان إلى أصل مختلف وتكوينه وهذه الأصول هي (الأصل الطيني المائي، الأصل النباتي؛ الأصل الحيواني، الأصل الإلهي، الأصل اللوغوسي) .(1) ولا نجد بينها أنّ ألوليم أوّل بشر مخلوق. (1) أنبياء سومريون، ص111.

ومن المهازل أنّ خزعل عندما أراد أن يثبت أنّ مقطع دمو في اسم موزي يعني إنسان، قال إنّ كلمة ديمقراطية أصلها في اليوناني من ديموس وكراتوس. وديموس تعني الشعب، أي الإنسان.(5) وهذا إسفاف؛ بتفسير السومرية باليونانية، وهما من أسرتين لغويتين مختلفتين، وتخليط؛ بالمطابقة بين (ديموس) بمعنى عامة الناس people من جهة، و إنسان من الجهة الأخرى؛ فمن كلمة ديموس جاء اسم الخط المصري القديم الخط الديموطيقي الذي يعني الخط الشعبي popular، لا الخط الإنساني!! علمًا أنّ كلمة إنسان باليونانية هي أنثروبوس .

(5) مقطع مصوّر لخزعل الماجدي، بعنوان: الدكتور خزعل الماجدي من هو آدم وحواء وشيث في الآثار؟

https://www.youtube.com/watch?v=74PaB_resTI

وقد قارن الناقد ألكسندر هيدل بين قصّة أدبا وقصّة آدم عليه السلام التوراتية، والأكل من الشجرة، والخطيئة، والنزول؛ فقال: بدءًا، من الواضح أنّ هذه القصة لا تحتوي على أي شيء يسوّغ الاستنتاج بأنّ كسر جناح الريح الجنوبية كان أوّل جريمة يرتكبها أي إنسان على الإطلاق. علاوة على ذلك، من الواضح أيضًا أن أدبا قد فشل في الحصول على نعمة الخلود التي لا تقدّر بثمن، لا بسبب أي خطيئة أو عصيان من جهته، وإنّما فشل في ذلك بسبب طاعته الصارمة لإرادة إيا، والده، إله الحكمة وصديق الإنسان. وأخيرًا، لا يوجد أدنى أثر لأي إغراء، ولا أيّ مؤشر لتعلّق هذه الأسطورة بأي شكل من الأشكال بمشكلة أصل الشر الأخلاقي. تتصارع قصة أدبا -مثل الرواية الكتابية لسقوط الإنسان- مع الأسئلة التالية: (لماذا يجب أن يتألم الإنسان ويموت؟ لماذا لا يعيش إلى الأبد؟)، ولكن -على عكس الرواية الكتابية- لم تكن الإجابة التي قدّمتها: (لأنّ الإنسان قد سقط عن درجة الكمال الأخلاقي)، وإنّما كانت الإجابة: (لأنّ أدبا كانت لديه فرصة لينال الخلود لنفسه وللبشرية، لكنه لم يفز بها. قُدمت له عطية الحياة الأبدية، لكنّه رفض العرض، وبالتالي فشل في الخلود، وجلب الويل والبؤس للإنسان). لم تكن مشكلة أصل الخطيئة محلّ اعتبار هنا أصلاً. وبالتالي فمن الخطأ تسمية أسطورة أدبا: الرواية البابلية لسقوط الإنسان. إنّ أسطورة أدبا والقصة التوراتية متباعدتان عن بعضهما البعض بصورة جوهريّة .(2)

(2) Alexander Heidel, The Babylonian Genesis: the story of the creation, Chicago, II.: University of Chicago Press, 1974, p.124.

ويعد عجز خزعل عن إيجاد سلف لآدم التوراتي في التراث السومري، توجّه إلى هذا التراث ليجد فيه حوّاء؛ لدعم نظريّته!

والأغرب ممّا سبق أنّ خزعل يرى الإلهة ليليث تشكّل هي أيضًا أصلا سومريًا لحواء التوراتية (1)، رغم أنها تختلف عن حواء اسمًا، وطبيعة، ووظيفة.

(1) أنبياء سومريون، ص167.

الأب الثاني: شيث

قال خزعل إنّ الأب التوراتي الثاني: شيث ابن آدم عليه السلام، يقابله في قائمة الملوك السومرية: الملك الثاني لأريدو ألالكار Alalgar. ولم ينكر خزعل أنّ الفارق بين شيث وألالكار ظاهر في كلّ شيء:(2)

(2) انظر أنبياء سومريون، ص228-227.

بحث خزعل في التراث السومري، طلبًا لشخصية تشابه شيثًا، ولو في بعض الأمر؛ فلم يجد شيئًا ذي بال؛ فتوجّه إلى التراث المصري القديم، ولمّا لم يجد فيه شخصية بشرية تخدم غرضه؛ التجأ إلى القول إنّ الإله المصري ست أصل شخصية شيث؛

طار خزعل إلى شمال بلاد الرافدين (كنعان)، بعد رحلته البعيدة غربًا إلى مصر؛ ليجعل كل اسم شبيه بشيث في العبري، شخصيّة مكرّرة من أساطير السالفين. وهو ما يُظهر أنّه لا يوجد ضابط علميّ عند خزعل لمعرفة أصل الخبر التوراتي؛ فالمكان والزمان مفتوحان بلا قيد للوصول إلى اسم يشبه اسم الأب التوراتي.

حاول خزعل أن يجعل أوزيريس أصلا لشيث؛ فقال: يعني اسم شيث بالعبرية (البديل) أو (المساعد) وهو ما يجعلنا نتأمل في اسم (أوزر) الذي من دلالاته (وزير) أي (مساعد) الملك. وكان هو كذلك مساعد آدم الابن الثالث لآدم وحواء والذي انحدرت منه سلالة الآباء الثمانية المتبقين من الآباء العشرة .(4)

(4) أنبياء سومريون، ص 235.

معنى اسم شيث في سفر التكوين كما في المراجع العلمية: وَضَع أو بديل (1)، ولا أدري كيف ربط خزعل الاسم بمعنى مساعد؟! لم يُخبرنا خزعل في أيّ لغة تعني كلمة وزر وزيرًا ، أي مساعدًا؛ فإنّ العبرية ليس فيها كلمة (وزير). وكلمة (وزير) السريانية مقترضة من العربية بعد البعثة.

(1) Gordon J. Wenham, Genesis 1-15, p.115.

قال خزعل: هناك ما يقرب من العشرين من الملائكة قرروا في السماء الهبوط إلى الأرض والزواج من بنات الإنسان، وتزوجوا بنات آدم، وكان اسم أحد هؤلاء الملائكة (ست). ونحن نرجح أن يكون هذا الملاك هو مرجعية شيث الملائكية . (1) أنبياء سومريون، ص231.

أولًا: يُحدّثنا خزعل هنا أنّ اسم شيث مأخوذ من التراث اليهود، من خبر الملائكة التي نزلت الأرض؛ لتتزوج بنات آدم. والسؤال: كيف يجتمع لشخصية شيث أن تكون مقتبسة من التراث اليهودي والمصري على السواء، وأن يكون أصلها إلهًا وملَكًا!

عدد الملائكة النازلة من السماء يبلع 200 لا 20، كما هو في سفر أخنوخ 6/6. ووجود اسم يشابه اسم شيث من بين مئتي اسم -إن صحّ ذلك-، ليس بالأمر الصادم، خاصة أنّ اسم شيث، يتكون من حرفين عبريين فقط.

رابعًا: لم يذكر سفر أخنوخ من أسماء هذه الملائكة النازلة إلى الأرض سوى أسماء القادة، وليس من بين هذه الأسماء اسم شيث أو أيّ اسم يقاربه (أخنوخ 8/6).

خزعل لم يجد أيّ أثر لشيث في قائمة الملوك السومرية، ولا في تاريخ سومر كله!

الأب الثالث: إنوش

عند خزعل، يقابل إنوش ضمن قائمة آباء التوراة، إينمين لو أنّا في قائمة الملوك السومريين.(1) واسم هذا الملك يعني: سيّد التاج، رجل السماء .(2) وقد عاش في بادتبيرا، وحكم 43200 سنة. ومن البيّن أنّ اسمه وتفاصيل خبره لا تُظهر مطابقة لاسم إنوش ولا سيرته: مكان الولادة وطول الحياة أو الحكم؛ فقد عاش إنوش شرق عدن، ومات وله من العمر 905 سنة.(3)

(1) أنبياء سومريون، ص 251.

(2) أنبياء سومريون، ص 258.

(3) أنبياء سومريون، ص 251.

اسم هذه الشخصية العراقية القديمة: أُوَنِّيس بتشديد النون، ومدّها بكسرة طويلة. وقد غيّر خزعل الاسم إلى أوانس ليبدو أقرب إلى إنوش .

وأنا أعتذر بشدّة إلى القارئ إن تاه وسط هذا التخليط ؛ فليس الأمر بيدي. ولذلك سأحاول تبسيط الأمر بصورة أكبر، لمن لم يتّضح له تخليط خزعل:

ادّعى خزعل ما يلي:

إنوش بنى مدينة اسمها إنوش بناء على نص تكوين 17 /4 (وقد علمتَ أنّ هذا النص من سفر التكوين يقول إنّ اسم المدينة: حنوك لا إنوش!).

عاش إنوش في مدينة أوروك .

طريق إثبات أنّ أوروك هي نفسها إنوش، النظر في التغيّرات الصوتية التي تطرأ على الأسماء.

النون تتحوّل أحيانًا إلى راء.

صوت (تش) يتحوّل أحيانا إلى كاف أو جيم أو غين.

وهذا الكلام برمّته لا معنى له؛ لسببين عظيمين:

الأب التوراتي الذي يعنينا أمره هنا هو إنوش ابن شيث. ولا علاقة لهذه الشخصية بنص تكوين 17 /4 الذي يتحدّث عن شخص آخر غيره.

الشخصية التي تحدّث عنها نص تكوين 17 /4 اسمها حنوك لا إنوش!

الخلاصة: كذب خزعل ودلّس لإثبات أصل سومري لإنوش:

1- زعم أن أونيس اسم سومري.

2- خلط بين إنوش وحنوك.

الأب الرابع: قينان

نحدّث خزعل عن قينان باقتضاب شديد؛ إذ لا تطابق -أو تشابه- بينه وبين الملك السومري الرابع إنمين كال أنا الذي يعني اسمه: سيد التاج عظيم السماء . (1) أنبياء سومريون، ص274.

لم يرَ خزعل من تشابه بين قينان والملك السومري: En-men-gal-ana ، سوى بعض اتفاق في الاسم بينهما. وهذا التشابه السطحي، لا يثبت مع ذلك!

الأب الخامس: مهللئيل

ذكر خزعل أنّ الملك دِموزي الراعي، السومري، يُقابل مهللئيل (الذي يكتبه خزعل على صور مختلفة في كتابه!). ولكنّ الملامح الظاهرة لشخصيتَي مهللئيل ودِموزي الراعي ليس فيها شيء من التطابق أو التشابه اللافت للنظر:

لم يجد خزعل ما ينتصر به لدعوى المطابقة والاقتباس؛ فانحرف عن الموضوع، وأسرف في الحديث الجانبي عن إلهة الزهرة إنانا وأرشكيكال ونوموشدا وغيرها. وهو حشو صرف.

الأب السادس: يارد

قال خزعل إنّ الملك السومري نسيبازي أنّا (En-sipadzid-ana) يُقابل الأب السادس في التوراة: يارد . واسم يارد من معنى النزول أو السقوط، في حين يعني اسم هذا الملك السومري: السيد الذي ملأ القنوات بالماء (أو السيد الراعي) وارتفع إلى السماء .(2) ولذلك فلا أمل في ادّعاء الاقتباس هنا بناء على صورة الاسمين أو معناهما.

(2) أنبياء سومريون، ص301.

أدرك خزعل أنّه أمام عجز قاطع أن يربط بين الأب السادس والملك السادس؛ ولذلك اهتدى إلى تشابه لا يخطر في ذهن عاقل؛ وهو الربط بين يارد وأحد الحكماء السومريين.

وترك بذلك المقارنة بين الأب التوراتي والملك السومري، واستحضر خبر حكيم من الحكماء لم يعش في مدينة لاراك التي منها الملك السومري السادس، وقال إنّ هذا الملك مرتبط بمدينة أريدو.

وهكذا استنبط خزعل الأصل السومري للأب التوراتي، يارد:

أ. الملك السومري السادس لا يشابه الأب التوراتي السادس في شيء.

ب. لا توجد أيّ شخصيّة سومرية تحمل اسما يشابه اسم يارد.

ت. أقرب اسم إلى اسم يارد في مجموع أخبار الحضارة السومرية، اسم مدينة أريدو.

ث. إذن، نربط يارد بأيّ شخصية معروفة لها علاقة بمدينة أريدو، رغم أنّ الملك السادس لم يحكم أريدو!

إذا كان هذا المنطق في الاستنباط، علمًا؛ فقل على العقول السلام، وكبّر عليها أربعًا!

= ليس بين يارد وإنسيبازي أنّا أي تطابق أو تشابه لافت في الاسم أو السيرة.

الأب السابع: أخنوخ

ويُعد الأب التوراتي السابع، أخنوخ، الشخصية الأهم في أطروحة خزعل -مع شخصية آدم عليه السلام-؛ لأنّها -في رأيه- شخصيّة سومريّة الأصل بوضوح. وذاك أنّ خزعل يرى أنّ العلاقة بين أخنوخ والملك السومري السابع إينميدار أنّا كبيرة؛ فهي تَظهر في أمور أربعة:

1- إينميدار أنّا هو أصل شخصية هرمس التي ظهرت في كثير من الحضارات السابقة نحت مسمّيات مختلفة. وقد اقتبس اليهود شخصية هرمس في صورة أخنوخ.

2- إينميدار أنّا صعد إلى السماء وأخنوخ صعد -في سفر التكوين- إلى السماء. وهذا تطابق في الحال، حاسم في إثبات الاقتباس.

سلّمنا أنّ التشابهات التي أوردها خزعل -إن صحّت مجتمعة- لافتة للنظر، لكنّها لا تمثّل -مع ذلك- حجّة لاقتباس حال الآباء العشرة من سيرة الملوك العشرة، إلّا أن يثبت أنّ بقية الآباء أو جلّهم قد تطابق حالهم مع حال بقية الملوك العشرة. وهو ما لم يُقِم له خزعل حجّة ظاهرة. ولذلك فنهاية ما يُستنبط من هذا التشابه المثير -إنّ صحّ كلّه- هو أنّ شخصّية أخنوخ مقتبسة من شخصيّة إينميدار أنّا أو أنّ شخصية أخنوخ قد تأثّرت بشخصيّة إينميدار أنّا من خلال ما بقي من خبرها في التراث البابلي الذي وصل كاتب سفر التكوين. وهذا التأثّر لا يلزم منه ضرورةً نفي تاريخيّة أخنوخ؛ فقد تكون شخصية أخنوخ خرافية، والاقتباس التوراتي كان للشخصية نفسها، وقد يكون الاقتباس بإلباس أخنوخ بعض صفات هذا الملك السومري.

لم يقدّم خزعل في كتابه أنبياء سومريون حجّة واحدة على هرمسيّة أخنوخ، ولا هرمسية إينميدار أنّا. وهذه هي مغالطة المصادرة على المطلوب بالتسليم في البدء لما هو محلّ النظر.

ليس في سفر التكوين تنصيص صريح على صعود أخنوخ إلى السماء، وإنّما ورد ذلك في التفسير اليهودي المتأخّر. والعبرة في دعوى اقتباس أمر الآباء من التراث السومري، بما كتبه مؤلّف سفر التكوين، لا التراث المضاف بصورة متأخرة عند اليهود.

والنصّ التوراتي يقول: سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأنَّ اللهَ أَخَذَهُ. (تكوين 24 /5).

قال الناقد المفسّر الشهير ناحوم سارنا Nahum Sarna تعليقًا على عبارة أنّ الله أَخَذهُ : تعبير ملطف عن الموت، كما هو واضح من نصوص أخرى، مثل حزقيال 18 ،16/24 ويونان 3 /4. الأرجح -كما لاحظ ذلك راشي- أنّ استخدام هذا التعبير هنا كان بمعنى الموت المبكر. رواية انتقال إيليا إلى السماء دون أن يموت -كما في الملوك الثاني 2 – هي التي أدت إلى ظهور الأسطورة الشعبية بأن أخنوخ خضع أيضًا لتجربة الصعود .(1) فليس -إذن- في النص التوراتي أيّ خبر عن صعود إدريس إلى السماء.

(1) N. M. Sarna, Genesis, p.43.

صعود إينميدار أنا في التراث السومري إلى السماء يخالف صعود أخنوخ في التراث اليهودي إلى السماء.

ليس صعود إينميدار أنّا إلى السماء بالحادث الفرد النادر في تاريخ ما قبل الطوفان عند السومريين؛ فقد قال خزعل نفسه: أسطورة الصعود للسماء متوالية متكررة في الكثير من عصور آباء قبل الطوفان وحكمائهم .(3)

(3) أنبياء سومريون، ص 213.

قول خزعل إنّ اسم أخنوخ يعني في العبرية المرتفع كذب صراح على العبريّة؛ إذ لا سبيل له أن يردّ الاسم العبري إلى جذر عبري بهذا المعنى!

فخزعل لا يستحي من الكذب على العبرية والسومرية لتحقيق مطلوبه!

القول إنّ أخنوخ قد علّم الناس الحضارة، ومنها الكتابة، ليس في سفر التكوين. وتبنّيه من متأخّري اليهودي -إن صحّ عنهم- لا يفيد أطروحة خزعل في كتاب يتحدّث عن اقتباس مؤلّف سفر التكوين من التراث السومري خبر الآباء.

أنكر خزعل نفسه أن يكون أخنوخ أصل المعالم الكبرى للحضارة -ومنها الكتابة والصناعة- في التراث اليهودي؛ فهو القائل: ترى الأساطير اليهودية أن آدم هو الذي اخترع اللغات السبعين للبشر وهو الذي اخترع فن الكتابة، وهو مخترع الحِرف . (4) أنبياء سومريون، ص463.

تلك أقوى حجّة عند خزعل لصالح اقتباس سفر التكوين خبر قائمة الملوك السومريّة. وقد أسقطها خزعل نفسه، بالتكلّف، والتدليس، والتناقض.. فضلًا عن أنّها حجّة قاصرة في ذاتها أن تثبت اقتباس الملوك العشرة في خبر الآباء العشرة كما سبق بيانه في أوّل الحديث عن أخنوخ وإينميدار أنّا.

الأب الثامن: متوشالح

ذكر خزعل أنّ متوشالح في سفر التكوين يُقابل أوبار توتو في قائمة الملوك السومريين قبل الطوفان، ثم لم يكتب خزعل في أمر التطابق أو التشابه بينهما شيئًا، رغم تبنّيه لمنهج في النظر زئبقي، وقواعد في النظر مطّاطة، مع تكلّف عنيد في استخراج التشابهات بين التراثين السومري واليهودي… لا التقاء هنا بين الاسمين لغة، ولا دلالة، ولا وظيفة، ولا إيحاءً.. لا شيء!

الأب التاسع: لامك

نحدّث خزعل الماجدي عن الأصل السومري للامك، وأسرف في الحشو والحديث خارج أطروحة الكتاب.

أخبرنا خزعل في الفقرة السابقة أنّ حجّته لمرجعية شخصية شوكور لام لشخصية لامك التوراتي، هي وجود مقطع لام في شوكور– لام وفي اسم لامك . وهذا في رأيه، تشابه صادم للذهن، لا يُفسَّر إلّا بالاقتباس.

التشابه المزعوم بين الأب التاسع والملك التاسع، من صناعة خزعل نفسه؛ فإنّ الملك السومري التاسع هو زيوسودرا،(2) وأمّا شوكورلام، فهو الملك الحادي عشر في قائمة بلونديل التي نقلها خزعل!(3)

(2) أنبياء سومريون، ص80.

(3) أنبياء سومريون، ص82.

وهذا أمر يشرحه بصورة أوضح ولفرد لامبرت Wilfred Lambert، بقوله: يظهر شروباك في مخطوطة واحدة لقائمة الملوك السومريين مكتوب شك-كور-لام كجيل إضافي بين أوبارتوتو وزيوسودرا. في المخطوطات الأخرى يشكّل هذان الرجلان [أوبارتوتو وزيوسودرا] أبًا وابنه. وقد تم اقتراح أنّ هذا الاسم الدخيل ربما نشأ من خلال لقب الأب (رجل شروباك) الذي تم استخدامه خطأ كاسم علم .(2) وكما يقول يقول ي.س. تشين، فإنّ عامة النقّاد على قراءة هذا النصّ على أنّه شروباك لا شوكورلام.(3)

وما سبق يعني أنّه لم يوجد في خبر الملوك السومريين، حاكم اسمه: شوكورلام. وأنّ الأمر مجرّد خطأ في نص تاريخي سومري واحد، لم يتكرّر لاحقًا.

الأب العاشر: نوح عليه السلام

تشترك التوراة مع التراث السومري في ذكر خبر الطوفان العظيم، والسفينة، ونجاة من ركبوها. وذكرُ الطوفان في التراث السومري لا يضرّ المسلمين في شيء؛ لأنّ الأرجح هو أنّ هذا الطوفان السومري عين طوفان نوح عليه السلام.

وقد قال الباحث العراقي المعروف، المتخصص في التاريخ العراقي القديم، طه باقر: ويكاد ينعقد الإجماع بين الباحثين أنّ خبر الطوفان الوارد في الكتب المقدّسة ولا سيما التوراة هو الطوفان الوارد في مآثر حضارة وادي الرافدين .(1)

(1) طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، بغداد: دار الوراق، 2012، ص 334.

كما أنّ وجود شبيه بنوح عليه السلام في التراث السومري، دون تطابق بينهما، لا يضرّ المسلمين في شيء؛ لأنّ الأرجح هو ألّا يحتفظ التراث السومري بالصورة البِكر لنوح عليه السلام؛ لانقطاع الأسانيد في الزمن القديم، ولغلبة أسطرة والرموز والعظماء على السرد التاريخي الأمين، وتوظيف سير الأبطال في الموروث الوثني في تشكيل العقيدة الشركية.

أولًا: الاختلاف في الاسم بين نوح وزيوسودرا.

ثانيًا: الملك زيوسودرا لم يمت كما مات نوح عليه السلام؛ فقد نال الخلود، وصار كالآلهة.(1)

(1) أنبياء سومريون، ص371.

إثبات وجود اسم نوح في واحد من أخبار الطوفان، لا يُبطل تاريخية الخبر التوراتي؛ ولا يُثبت الاقتباس؛ لأنّنا نرجّح أنّ قصّة الطوفان في تراث بلاد الرافدين، أصلها القصّة التي أخبرت عنها التوراة، وجاء خبرها في القرآن.

عارض خزعل نفسه هنا؛ بنسبته التشابه إلى تراث الحوريين، لا تراث السومريين!

الأثر التاريخي الذي تحدّث عنه الأب باروز، فيه أجزاء من ملحمة جلجامش وإنّما في هذه القطعة أنّ جلجامش تحدّث مع شخص اسمه نحموليل .(2) ولا نملك الجزم أنّ هذا الشخص هو صاحب السفينة في القصة.

(2) Amraphel, rex Seenar, A Pontificio Instituto biblico: Volumen 8, p.352.

وقد لفت دعاة الاقتباس التوراتي من التراث السومري أنظار القرّاء إلى طول عمر نوح عليه السلام في التوراة، وأنّ ذاك مطابق لطوله في التراث السومري وما بعده. وهذا من التدليس؛ لأنّنا لا نسلّم إلّا بالطول العظيم لعمر نوح عليه السلام وآدم عليه السلام -للحديث النبوي الوارد في ذلك- دون بقيّة الآباء، وهذا الطول نفسه يُعد قصيرًا جدًا مقارنة بطول عمر أو حكم الملوك السومريين قبل الطوفان.

وحتّى لو سلّمنا -جدلًا- بأثر التراث السومري في أعمار الآباء في التوراة؛ فإنّ ذلك لا ينصر أطروحة خزعل؛ لأنّنا لا ننفي تأثير تراث بلاد الرافدين (البابلي بصورة مباشرة) في التوراة اليهوديّة (لا التوراة الأولى المنزّلة)، وإنّما ننفي أن يكون اليهود قد اقتبسوا تراث بلاد الرافدين كلّه، مع التخلّص من ميراثهم كلّه.

خلاصة المقارنة بين الآباء والملوك

1- أقام خزعل بحثه عن آباء التوراة في التاريخ السومري على المنهج الانتقائي المتفلّت من كلّ ضابط علمي جاد، وجعل التشابه اللفظي الجزئي أعظم حجة للقول بالاقتباس.

2- لم تكن أسماء الملوك وسيرهم -في معظم الأحوال- أصل القول بالاقتباس عند خزعل، وإنّما انتقى صاحب كتاب أنبياء سومريون شخصيات أخرى غير ملوك سومر لتكون الأصل الأوّل لشخصيات آباء التوراة.

3- توسّعُ خزعل في عرض أسماء الشخصيات السومرية الإلهية، ونصف الإلهية، والشيطانيّة، والبشرية، بحثًا عن تشابه -ولو كان هامشيًا- مع أسماء الآباء وسيرهم، كاشفٌ لعلم خزعل أنّ الأصل المزعوم لآباء التوراة الذي يروّج له في خطاباته الشعبية بين اللادينيين والملاحدة، وهو قائمة ملوك ما قبل الطوفان، لن يسعفه لدعم أطروحته.

4- جهل خزعل باللغتين السومرية والعبرية، لم يمنعه من محاولة الربط بين معاني الأسماء في اللغتين. وحديثه في الباب ساقط من جهتي المنهج والنتائج.

5- قول خزعل الماجدي: أنا كشفت بالضبط شلون واحد واحد حوّلوه العبريين من سومري إلى نبي توراتي (1)؛ استخفاف بعقول الناس؛ فإنّه لم يفعل ذلك، ولا هو اقترب من هدفه!

(1) لقاء مصور مع خزعل الماجدي. عنوان المقطع: كيف تحول 10 ملوك سومريون إلى أنبياء. مع د. خزعل الماجديhttps://www.youtube.com/watch?v=_aEKqMCx3cA

6- لا يزال اعتراض الناقد ج. ف. هازل على دعوى مرجعية قائمة الملوك السومرية لقائمة آباء التوراة، قويًا، وقاطعًا في إبطال دعوى المعارضين:

الاختلاف في الأسماء بين القائمتين.

الاختلاف في الأعداد بين القائمتين.

تبدأ قائمة الملوك، بأوّل الملوك على الأرض، في حين تبدأ قائمة سفر التكوين بأوّل البشر.

قائمة الملوك، قائمة سياسية لملوك حكموا مدنًا، في حين أنّ قائمة سفر التكوين متعلّقة بتسلسل ذريّة آدم عليه السلام.

تذكر قائمة الملوك مدد حكم هؤلاء الحكّام، على خلاف قائمة سفر التكوين التي تذكر مدد حياة الآباء. كلّ ذلك مع الاختلاف الكبير جدًا بين مدد حكم الملوك الألفية ومدد حياة الآباء البعيدة عن ذلك.

قائمة الملوك محصورة جغرافيًا، على خلاف قائمة سفر التكوين.

هل كان بإمكان خزعل أن يفشل في الانتصار لفكرته (المسروقة)، بصورة أعظم ممّا فعله في كتابه: أنبياء سومريون؛ فإنّه لم يهتدِ إلى حجّة واحدة تنصر دعواه أو توهم أنّها بعيدة عن التكلّف..؟!

عن نفسي، لا أملك إلّا أن أقول: الحياء شعبة من الإيمان ..!

5- فلسفة قصص الآباء والملوك

اعترف خزعل بالفارق بين فلسفة قصص الملوك السومريين وفلسفة قصص آباء التوراة قبل الطوفان؛ بقوله: المتفحص جيدًا في مجمل قصة آباء ما قبل الطوفان بصياغتها العبرية يدرك بوضوح أن أسطورة البحث عن الخلود التي مثلتها مدونة الملوك السومرية قد تحولت من أسطورة بحث عن الخلود إلى أسطورة للصراع بين الخير والشر والملائكة والشياطين والإنسان والخطيئة، ودخلت طريقاً لاهوتيًا مقفلاً بدلًا من إذكاء طموحات النجاح والبحث عن الخلود . (1) أنبياء سومريون، ص479.

الخاتمة

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17]

يمكنك أن تخدع كلّ الناس بعض الوقت، وبعض الناس كلّ الوقت،

لكنّك لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت

كلمات عن كتاب أنبياء سومريون

يتقاطع خبر القرآن مع خبر آباء ما قبل الطوفان التوراتيين في شخصيتين اثنتين فقط: آدم عليه السلام، ونوح عليه السلام. وإثبات مرجعية التراث السومري الأسطوري لكلّ الآباء ما عداهما، لا يضرّ المسلمين شيئًا.(1)

(1) قد يُضاف أخنوخ، إن سلمنا بما ذهب إليه فريق واسع من مفسّري القرآن من أنّ أخنوخ هو إدريس عليه السلام.

زعم خزعل أنّه قدّم للمكتبة العربية نظريّة تاريخيّة صلبة لأصل آباء التوراة، في حين أنّ هذه النظرية قد ظهرت في الغرب منذ أكثر من قرن، وسقطت هناك -لضعفها الشديد- منذ أكثر من نصف قرن، ولا تُذكر اليوم إلّا عرَضًا.

أظهر خزعل الماجدي في كتابه: أنبياء سومريون افتقاده للشروط الأخلاقية للبحث العلمي الأكاديمي؛ فهو مُدان بسرقة فكرة البحث التي نسب الريادة فيها لنفسه، كما سرق عامة ما كتبه عن التوراة والتراث اليهودي. وكانت هذه السرقات في عامتها حرفية، ومن مواقع إلكترونية غير معترف بحجيّتها أو أمانتها علميًا في جميع الدوائر العلمية في العالم.

أظهر خزعل الماجدي قصورًا منهجيًا بيّنًا في تناول العلاقة بين التراثين العبري والسومري.

أظهر خزعل الماجدي من خلال طريقته المضطربة في الربط بين التراثين السومري والعبري، أنّ ما يقوده في بحثه، هو الطابع الرغبوي الذي تحرّك فيه النتيجة المقدّمات، ويَصنع فيه التشهّي المحاججات.

التشابه (الجزئي) بين التراث السومري والتراث اليهودي عند خزعل، حجّة للاقتباس، وأمّا الاختلاف، فهو حجّة لإخفاء الاقتباس. ففي كلّ حال، كل مقارنة تقود ضرورة عند خزعل إلى إثبات الاقتباس؛ ببيان حضوره أو التآمر لإخفائه!

الضجيج الذي أحدثه خزعل الماجدي بكتابه أنبياء سومريون ، يُظهر غلبة روح الإثارة لا التحقيق العلمي بين اللادينيين العرب، وأنّ الطعن في الإسلام مصدر مغرٍ للتصدّر على منصّات الإعلام وفي المؤتمرات والمحافل العامة.

يقع على عاتق الباحثين المسلمين واجب كشف الخطاب اللا ديني والإلحادي المتستر بثوب العلمية، وبيان ما فيه من خلل، وفضح الأغراض الحقيقية التي توجّهه.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة