القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: الرسالة الخالدة، تأليف: عبد الرحمن عزَّام

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

الرِّسالة الخالدة

تأليف: عبد الرحمن عزَّام

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس:

السيرة الذاتية للمؤلف: عبد الرحمن عزام، فارس العروبة وجندي الإسلام. 8

أ- المولد والنشأة 8

ب – فلسفة عبد الرحمن عزام. 8

١- عبد الرحمن عزام والإسلام. 8

٢- عبد الرحمن عزام والعروبة. 8

ج – الأنشطة السياسية والديبلوماسية والعسكرية. 8

د- علاقاته بالزعماء والقادة 8

مُقَدّمة الطبعة الإنجليزية. 8

مُقَدّمة الطبعة الأولى.. 9

الباب الأول: في أصول الدَّعوة 10

تمهيد. 10

تاريخ. 10

شهادة الزمان والتجربة. 10

حق من السماء أو من الأرض! 10

الدعامتان. 10

أصل الأصول: الإيمان بالله الواحد. 11

البحث عن اللّه… 11

التسامح هو السبيل إلى الوحدة العالمية. 11

دين واحد لأمة واحدة 11

آثار التوحيد. 11

التوحيد روح الدين. 11

هو أساس الانتساب والاعتبار الشخصي…. 11

الإشراك سبب لإهدار كرامة المشرك وشخصيته. 12

الشرك طارئ على الفطرة وباعث على الظلم والاستبداد. 12

آثار التوحيد في تزكية النفس… 12

أثر التوحيد في تحرير العقل وسمو الحضارة 12

لا يصح الاحتجاج بالواقع السيئ.. 12

الإحسَان. 12

رديف الإيمان. 12

تنظيم دقيق لقواعد الحياة وأساليبه. 12

أثر سريع لتطبيق نظم الإحسان. 13

الرحمة والإخاء أساس الإحسان. 13

أساس العمران. 13

رحمة الحيوان. 13

حكايات عن الرحمة. 13

آية هي دستور الإخاء البشري.. 14

قدماء العرب وفهم الإخاء والمساواة 14

إخاء شامل بين المسلمين وأهل الكتاب.. 14

الباب الثاني: في الإصلاح الاجتماعي… 14

التطهير الأخلاقي للفرد. 14

سليمان بن عبد الملك وأبو حازم. 15

نظرة عمرية لحقيقة الصلاح.. 15

التكافل. 15

جماعة المسلمين تقوم على التكافل. 15

إيقاظ ضمير الفرد وضمير الجماعة. 15

حراسة الرأي العام. 16

عزائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 16

العلاج بالتشريع. 16

مرد الإصلاح عامة إلى الإحسان. 16

البِرّ.. 16

كلمة جامعة. 16

نظرة الإسلام إلى مشكلة الفقر. 17

الفقر لعلة والفقر لفقد الوسيلة. 17

العمل هو الأصل. 17

مطاردة الترف والبؤس… 17

القانون والضمير.. 17

اشتراكية أبى ذر. 17

المساواة عقيدة وخلق ونظام. 17

الأشكال والمظاهر ليست غاية في الحكم. 18

حق الفقير حق اللّٰه… 18

البر بغير المسلمين.. 18

فلننظم البر على أسس الإسلام. 18

العدالة والحرية. 18

العالم بين الفرس والروم. 18

تحطيم القيود وإزالة الفوارق.. 18

مبادئ في السياسة وعقائد في الدين. 18

خليفة يبيع في الأسواق.. 19

خليفة يلبس المرقع. 19

فجر العدالة الدولية. 19

ميزان الشريعة. 19

كفالة الحريات.. 19

الدفاع عن الحريات.. 19

الباب الثالث: في العلاقات الدولية. 20

الدولة الإسلامية الأولى وعلاقاتها 20

من تاريخ علاقات المسلمين بالمناهضين للإسلام. 20

أول معاهدة دولية بين المسلمين واليهود والمشركين.. 20

نموذج قديم للأمم المتحدة 20

الإذن بالحرب الدفاعية. 20

حرب للأغراض السامية. 20

تنظيم علاقات الشر خير.. 20

الحرب المشرُوعة. 21

تحديد أسباب الحرب وأغراضها 21

الحرب الدفاعية هي المباحة. 21

وصايا وتحميس… 21

الإسلام دين عملي.. 21

الحرب لنصرة المظلوم. 21

قصة حلف الفضول. 21

لا تحالف في الإثم والعدوان. 22

المسيحية والحرب.. 22

نصرة المظلوم ضرب من التكافل. 22

أدب الحرب.. 22

الحرب والرق والقضاء عليهما تدريجيًّا 22

أدب عام وأدب خاص… 22

الغارات العصرية على الآمنين.. 22

التخريب القاسي…. 22

حادثة بني قريظة وغموض بعض ظروفها 23

السّلم الدائمة. 23

شهادة التاريخ. 23

العهود والمواثيق.. 23

المسلم والمعاهد ومن لا عهد له. 23

السلم بين المؤمنين.. 23

الإسلام وطن المسلم. 23

لا إقليمية في الإسلام. 23

حق واحد للغالب… 24

حرمة العهود فوق صلة الدين. 24

الباب الرابع: في أسباب الاضطراب العالمي… 24

الاستعمار. 24

الدعوة المحمدية تنكره 24

لا حجة على الإسلام إلا من نصوصه وسنته. 24

نزاع الطبقات.. 24

أمثلة من التاريخ العالمي… 24

التعقيد العصري في المذاهب والدعوات.. 24

من آثار البخار والكهرباء. 25

البساطة الإسلامية في معالجة مشكلات المال. 25

أكبر مهام الدولة. 25

الإيمان هو الحارس الأول على المصلحة. 25

إلزام السلطان بمنع نزاع الطبقات وبالتأمين الاجتماعي… 25

محاربة الترف والبذخ.. 25

الرسول الزاهد. 26

النزعات العنصرية والوطنية. 26

العنصرية قديمًا وحديثا 26

أثر التشدد في الحدود الجغرافية والجنسية. 26

انتقال العصبيات الحادة إلى الشرق.. 26

الإسلام لا يعرف وثنية العنصر والوطن. 26

القوة ليست وسيلة الإسلام لتحقيق أهدافه. 27

هزيمة القوى المعنوية. 27

السيطرة على المادة وأثرها في طغيان المادية. 27

تباعد الفروق بين الناس تبعًا لحظوظهم من العلم المادي.. 27

ضرورة التوفيق السريع بين الروح والمادة 27

جرائم ترتكب باسم الحريات.. 27

مدنيتنا تتحطم مرتين في ربع قرن. 27

أتعمير للتخريب؟. 28

فلنرجع إلى منابع الهدى والرحمة في الأديان. 28

ثالوث الفساد. 28

آثار الثالوث في حياة الأفراد والأمم. 28

نصوص وحوادث.. 28

الغدر غير الخدعة في الحرب.. 28

اللّٰه لا يهدي كيد الخائنين.. 28

صفتان أدنأ من الكفر. 28

الباب الخامس: في البحث عَن سَند روحي للحضارة 29

الوصاية على الحضارة: للأقوى أم للأتقى؟! 29

الشعلة المتنقلة بين الأجناس… 29

قصور علم الإنسان . 29

أدوار الحضارة ومن مثلوها 29

المدنية ليست اختصاصا لقوم وحدهم. 29

دعوى هي أصل الاستبداد والتفاوت.. 29

قيام المدنية ودوامها 29

بين المدنية والحق.. 29

هل جاء وعد اللّه؟. 30

نظام جديد للعالم. 30

فلنتحرر من النظريات القديمة. 30

المدنية في رأي كبلنج. 30

لنحذر عقوبة الغرور. 30

فلنؤجل النظم المثالية المجردة 30

من تاريخ الاصطدام بين المثل العليا والواقع السيئ.. 30

الواجب قبل الحق.. 30

جمعية إنجليزية تضع دستورا لحقوق الإنسان. 30

رأي غاندي.. 31

رأي نهرو. 31

مع رأي غاندي.. 31

طريقة مجربة في الإصلاح.. 31

تحويل التصور البشري.. 31

علل النظام الحالي.. 31

إجماع على فساد الرأسمالية الحالية. 31

الاستعمار الحديث… 32

شاهد من العالم الجديد. 32

مقترحات.. 32

عالم واحد لا يتجزأ السلم فيه. 32

البدء في قلوب الطفولة. 32

فلنتعهد النواة الصالحة في هيئة الأمم المتحدة 32

الباب السادس: في النظام الأساسي للدولة الإسلامية. 32

بعَض أُسُس الدَّولة الإسلاميّة: الإمَامة – الشورى – السِّيَادة 32

دلالة الفقه الإسلامي.. 32

المبادئ العامة محددة وقاطعة. 33

في الشورى.. 33

من هم أهل الشورى؟. 33

في الإِمَامة. 33

تجربة العصور. 33

الأصول المقررة في رياسة الدولة الإسلامية. 33

في سيادة الأمّة. 34

مفهوم السيادة في الإسلام. 34

صورة لا نظير لها 34

حدود سلطة الأمة. 34

لا سند لما ينقض العدل والحقّ.. 34

الباب السابع: في انتشار الدعوة 35

انتشار الدّعوة في الوثنيّين.. 35

خلط بين انتشار الدعوة وامتداد الدولة. 35

الدعوة السرية والجهرية. 35

الموقف في خارج الجزيرة 35

فتنة واعتداء. 46

جمع وتهديد. 46

مع الروم في شرق الأردن مؤتة . 46

دليل على انهيار النظام الجاهلي.. 47

الخدمة الوحيدة التي أداها السيف للإسلام. 47

أيباع الدين بدراهم معدودات؟! 47

انتشار الدّعوة في الأمم المسيحية. 47

في ساحة المسيحية. 47

انتشار المسيحية في ظلال الإسلام. 48

الوزراء والولاة المسيحيون في دولة الإسلام. 48

الكنائس تشاد في رعاية الإسلام. 48

بطولة عربي نصراني في واقعة البويب… 48

وقائع اضطهاد عن استثناء يثبت القاعدة 48

السياسة والحسد الاجتماعي لا الدين. 48

إسلام الصليبيين.. 48

في الحرب الثانية. 48

الرحمة المنقذة للأعداء. 49

رحمة أشد قسوة من الخيانة! 49

تأثير الإعجاب بصلاح الدين. 49

إسلام الأوروبيين.. 49

أثر تركيز الدين في النظام الكهنوتي.. 49

أدب القرآن مع المخالفين.. 49

من تاريخ تعصب المسيحيين في إسبانيا 49

هزيمة العرب في فرنسا سببت تأخر وصول الحضارة إلى أوروبا ثمانية قرون. 49

 

 

 

السيرة الذاتية للمؤلف: عبد الرحمن عزام، فارس العروبة وجندي الإسلام

أ- المولد والنشأة

وهو المؤسس والأمين العام الأول لجامعة الدول العربية.

ولد عزام باشا في الثامن من مارس عام ١٨٩٣ بقرية الشوبك الغربي بمديرية الجيزة، وكان والده حسن بك عزام من أعيان الجيزة وعضو مجلس شورى القوانين.

وفي خريف عام ١٩١٢، التحق بكلية سان توماس للطب في لندن إلا أنه عاد إلى مصر في عام ١٩١٤ ليلتحق بكلية طب قصر العيني بالقاهرة، وذلك بسبب نشاطه السياسي ومهاجمته سياسة بريطانيا الاستعمارية.

ب – فلسفة عبد الرحمن عزام

إن الفكرة المحورية لدى عبد الرحمن عزام هي الإسلام والعروبة، عاش لها، ومات عليها، فلم يكن له همٌّ إلا وحدة العرب والمسلمين.

١- عبد الرحمن عزام والإسلام

كانت حياته ترجمة عملية لما يفكر فيه ويؤمن به، فقد قاتل متطوعًا مع الألبان ، و أتراك للدفاع عن الأصقاع الإسلامية التي تعرضت للغزو الأجنبي في شبه جزيرة البلقان، وشعر بأخوة الإسلام الحقيقية وهو يعيش بين هذه الشعوب.

٢- عبد الرحمن عزام والعروبة

عمل عزام باشا على مناهضة الاستعمار البريطاني في مصر وجاهد في سبيل استقلالها. كما شارك الليبيين في جهادهم ضد الاحتلال الإيطالي منذ عام ١٩١٥.

وكان يرى أن الحرب النظامية مع اليهود من خلال جيوش عربية منظمة غير مجدية، وإنما الْمُجْدي هو تسليح الفلسطينيين أنفسهم لحرب يقوم بها المتطوعون وليس من حق أحد أن يوقف هذه الحرب.

تأثرت حياته بشدة عندما علم بسقوط القدس عام ١٩٦٧، حتى إنه أصيب بأزمة قلبية فور سماعه الخبر.

ج – الأنشطة السياسية والديبلوماسية والعسكرية

كما اختير وزيرًا للأوقاف في وزارة علي ماهر باشا عام ١٩٣٩، ثم أسس أول وزارة للشئون الاجتماعية وكان أول وزرائها.

د- علاقاته بالزعماء والقادة

فلقد التقى الزعيم محمد فريد في جينيڤ عام ١٩١٤، ورافق سعد زغلول باشا كعضو في الوفد المصري عند سفره لمفاوضة الإنجليز في عام ١٩٢٤.

كما كانت له علاقة ممتازة بالملك عبد العزيز آل سعود .

مُقَدّمة الطبعة الإنجليزية

فإن المسلمين إذا فقدوا دينهم، فإنهم يفقدون معه ثقافتهم، ويتردّون بالتالي إلى انحلال مجتمعهم.

ويزداد الأمر بالنسبة للشعب العربي الذي هو بذاته من صنع الثقافة الإسلامية.

وفي القرن العشرين، أخذت أوروبا الغربية والشرقية معًا تفقد تدريجيًّا ارتباطها بالدين الذي ورثته من القرون السابقة، وأصابها التيه والإعجاب بمنجزاتها العملية ونجاحها التكنولوجي.

فالمجتمع الإسلامي – كما يدعو له الإسلام – يقوم على أساس حرية الفرد، والمساواة بين الناس، وهو في حقيقته وجوهره مجتمع حر غير طبقي،

أساس شريعة الإخاء والمساواة بين الناس، ورفض الاعتراف بامتياز أو فضل إلا من خلال التقوى، والعمل الصالح لخير الفرد والجماعة، والامتثال لشريعة اللّٰه القائمة على مبادئ عالمية إنسانية ديمقراطية.

فتحكيم العقل والمصلحة أمر ضروري ومطلوب حتى في إقرار عقائدهم وأحكام شريعتهم، ومن ثمّ كان الاجتهاد أحد المصادر الأربعة للتشريع عندهم.

والإسلام يختلف عن اليهودية في كونه يخضع معتنقيه لله رب العالمين جميعًا، فليس بين المسلمين وبين اللّٰه عقد خاص أو امتياز خاص بأنهم شعبه المختار.

وهو لا يشارك المسيحية القول بأن: ما لقيصر لقيصر وما لله لله .

فالإسلام عقيدة وشريعة، هو دين وثقافة وأسلوب حياة، هو أمة ودولة لها شريعتها المتكاملة والمتطورة لتدبير شئون هذه الدنيا.

فالنظم الإسلامية فريدة ومتميزة بشمولها وبأصولها المتكاملة.

هذا الكتاب محاولة جادة لإظهار وسائل الإسلام في حل مشكلات عصرنا الحاضر.

مُقَدّمة الطبعة الأولى

وإذا نظرنا في الأديان السماوية جميعها نجدها تعبر عن حقيقة واحدة مهما تباينت الأشكال والأوضاع، أساسها الإيمان والإحسان،

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].

فالآيتان الأولى والثانية اعتبرتا أتباع هذه الرسالة الخالدة مسلمين، سواء أجاءوا بعد محمد أم قبله، والآية الثالثة جمعت الناس في رحمة اللّٰه على أساس الإيمان والعمل الصالح؛ فرسالة اللّٰه إذًا في نظر المسلمين واحدة يتتابع على حملها الرسل والأقوام.

والشريعة المحمدية كنظام عالميّ هي آخر تطور لهذه الرسالة.

وهذا الكتاب هو محاولة متواضعة لإيجاد حل لمشكلات هذا العالم على ضوئها، وهو أيضًا محاولة لبيان أسس الدعوة المحمدية في السياسة والاجتماع، والحرب والسلم، والعلاقات بين الدول والشعوب والطبقات والأفراد، وبيان حاجة الحضارة إلى سند من القوى الروحية والمعنوية يمسكها ويوجّهها للخير العام، ويَحُدُّ من حوافز السيطرة والأثرة والظهور.

وقد شرّف اللّٰه العرب بأن جعل منهم آخر رسله، واستكمل فيهم رسالته الخالدة، فحمّلهم الأمانة، وعليهم أن يكونوا المثل والقدوة في سعة الصدر والنَّصَفة والعدل والإخاء وحب السلم.

الباب الأول: في أصول الدَّعوة

تمهيد

تاريخ

ولما نظرتُ في أمرِ العرب قديما وحديثا، وجدت أن بطل أبطالهم، بل بطل العالم أجمع هو محمد بن عبد اللّٰه ﷺ.

وقد وجد بعض العلماء أن ما تحدثت به من المِذْياع في صفات الرسول الكريم جدير بالجَمْع والنشر. فجمعه وطبعه في كتاب سُمي بطل الأبطال، أو أبرز صفات النبي محمد .

وفاض الحديث واتسع له الوقت حتى أَرْبَى على ثلاثين محاضرة، رأيت أن أجعلها أساسًا لهذا الكتاب الذي أرجو أن ينفع اللّٰه به في فهم الرسالة الخالدة لمحمد بن عبد الله، في عصر الظمأ الروحيّ، والاضطراب السياسي، والمادّية القاسية.

شهادة الزمان والتجربة

وتألّب عليه الجاحدون والمكابرون وشوّهوا ما شاءوا ثلاثة عشر قرنًا، فلم يستطيعوا أن يغيّروا وعد اللّٰه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

حق من السماء أو من الأرض!

هذه الرسالة الخالدة إن كانت من اللّٰه كما نعتقد نحن المسلمين، فيكفي أنها من اللّٰه لتمتاز على كل دعوة من غير الله…

ندعو المنكرين لينظروا فيها لا كَدينٍ، بل كنظريّة تاريخية أتت بأفكار وشرائعَ في السياسة والاجتماع والاقتصاد؛

وسيجدونها حتى على فرض أنها من البشر أصلحَ الدَعَوات وأرشدَها وأدناها إلى مبادئ العدل والحرية والمساواة والإخاء.

الدعامتان

تقوم الرسالة الخالدة على دعامتين، ينهض عليهما بناؤها، وتتفرع منهما فروعها، ويَصْدُر عنهما معتنقها، هما: الإيمان، والإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]؛ ففي هاته الآيات وأمثالها تحديدُ وجْهة الإسلام، وتلخيص الدعوة المحمدية: عقائدها وعباداتها وشرائعها، وفيها سرُّ بساطتها وقوتها ورَحَابتها، وسرعة انتشارها بين أهل الرأْي والعامّة من البشر.

أصل الأصول: الإيمان بالله الواحد

الإيمان بالله بارئ الكون وحده لا شريك له، هو أصل الأُصول في الأديان السماوية.

البحث عن اللّه

التوحيد وهو السبيل إلى الوحدة العالمية أعظم أسس الدعوة المحمدية

التسامح هو السبيل إلى الوحدة العالمية

انظر إلى هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].

فالهدف الأسمى للرسالة المحمدية هو الإيمان بالله لا شريك له، وفي سبيل التوحيد تسهل كل العقبات، وتتساوى القبائل والشعوب جميعها حتى الأديان، لقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].

دين واحد لأمة واحدة

فرسول اللّٰه ﷺ في دعوته إلى الإيمان بالله الواحد الخالق لم يَدَّعِ أنه مُبْتَدِع، بل قال إنه مكمِّل للشرائع السابقة، ومعيدٌ للحنِيفِيّة الفطرية التي هي دين إبراهيم، بل دين نوح وآدم.

ولم يختلف الرسول ﷺ مع أهل الكتاب إلا حيث كان تنزيه الخالق موضع شك؛ ففي سبيل التوحيد والتنزيه جادل وخاصم، ولم يصالح أَو يهادن أحدًا على حساب دعوته هذه؛ لأنها أساس رسالته وغايتها.

آثار التوحيد

وإذا تصفّحْنا آيَ الذكر الحكيم نجد الدعوة إلى التوحيد والتَّنْزيه لا تخلو منها سورة، بل تكادُ تخلو منها صفحة من الكتاب تصريحًا أو تَلميحًا.

التوحيد روح الدين

وحِكمة ذلك واضحة؛ إذ الإيمان بالله وحده يتفرع منه كلَّ ما في الدعوة من صلاح وإصلاح، وهو الرِّباط الذي يجمع شتاتها ويُوَثَق بين أجزائها، بل هو فيها بمقام الروح للجسد.

هو أساس الانتساب والاعتبار الشخصي

بل ليس الانتساب إلى الدين الإسلامي نفسه وعدم الانتساب إليه حدًا؛ إذ بينما هذا الدين يرعى كنيسة المسيحيين وَبيْعَة اليهود إذا دخلت في ذمَّته، ويأمر المسلمين بالقتال لاحترام حرية عقائد الْمُعَاهَدين من أهل المِلل الكتابية: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]، وبينما هو يكتفي ممن يؤمن بالله من أهل الكتاب بضريبة قليلة على القادرين من الذكور مُقابل حماية نفوسهم وأموالهم وأَعراضهم ودِينهم وعُرْفهم، ضريبة هي رمز لعَهدهم، يستعين بها المجاهدون على الرِّبَاط في الثَّغور، ويأمَن المُعَاهَدون بها على ديارهم وعقيدتهم.

الإشراك سبب لإهدار كرامة المشرك وشخصيته

نقول بينما الإسلام يعامل المؤمنين بالله على هذا الأساس، إذا به يفرق بينهم وبين المشركين، ويعامل هؤلاء معاملة أخرى فيها عدم اعتراف بكرامتهم، ولو أنه يفي لهم أيضًا بما نالهم من عهود ومواثيق مع المسلمين بشرط ألا تصادم حقا أو تدفع إلى ظلم.

ومن ناحية أخرى نجد الإسلام يُدْخِل الكتابية في الأسرة المحمدية، فَيبُيحُ مُصاهرة أهل الكتاب ويجعلهم خُؤُولة للمسلمين، وهو لا يقبل مثل هذا النّسَب مع المشركين.

كل هذه الشدة مع الوَثَنِيِّين والمشركين ليست تعصُّبًا أعمى ولا إفراطًا في العصبية الإسلامية، فلو كانت كذلك لساوَتْ الدعوة في المعاملة بين أهل الأديان الأخرى جميعًا.

الشرك طارئ على الفطرة وباعث على الظلم والاستبداد

تُقَرِّر الدعوة المحمدية أن الناس كانوا على الفطرة يعبدون اللّٰه وحده، ثم ضلوا، فإذا عادُوا لها استقاموا.

آثار التوحيد في تزكية النفس

من وصايا الإسلام: لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ، الراحمون يَرْحَمُهُمُ الرحمن ، ارحمُوا من في الأرض يرحمكم من في السماء ؛ فهو إذا المجتمع السعيد.

أثر التوحيد في تحرير العقل وسمو الحضارة

كادت الدعوة المحمدية أن تكون في ذاتها مُعجِزة؛ فقد اتفق العلماء والباحثون على أن نجاح محمد ﷺ في دعوته مقطوعُ النظير، فلا يُعْرَف في تاريخ البشر نجاح كالذي لَقِيه.

لا يصح الاحتجاج بالواقع السيئ

فإذا قال قائلٌ: وما بال فساد الحال ضاربًا أطنّابه على الدنيا اليوم، والمؤمنون مِلءُ الأرض؟.

قلنا: ما قاله الله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].

الإحسَان

رديف الإيمان

والإحسان في نظري هو العمل الصالح، وقد جاء في الآيات رَدِيفَ الإيمان، بل يكادُ يلازمُه في كل آية.

تنظيم دقيق لقواعد الحياة وأساليبه

والشَّرِيعة الإسلاميّة كلُّها ما هي إلا بيانٌ بالأمْر أو النَّهْي أو الإباحة للأمور التي بها يكون العمل صالحًا، وهي فَرِيدةٌ بين الأديان في وضع الأصُول والفروع لهذا الإنسان؛ ففي جميع علاقات الإنسانِ بالله ومخلوقات اللّٰه رسَمت الشريعة بشيءٍ من التفصيل قواعدَ الحياة وأساليبَها للمسلم.

أثر سريع لتطبيق نظم الإحسان

وقد دَهِشَ فعْلًا أولادُ عمومتهم الذين استمرُّوا على الشِّرك حين الْتَقَوْا بهم في بدر فرأوهم لأول مرة في كتائبَ مرصوصة لا عهد للعرب بها، لا يتنادوْن بعصبيَّة مع أنهم من شَتَات العرب، بل شَتَات الأعراب والعبيد والأحرار والبيض والسُّود، رابِطَتُهم في اللّٰه وأخوَّتُهم في الإنسانية.

وفقهاء المسلمين حين عَلِموا أن الإسلام بُني على خمسة أركان، للعبادات ثلاثةٌ منها، قد أدركوا عِظَمَ هذه الأركان الثلاثة: الصلاة، والصوم، والحج في بناء الدِّين.

كان الرجل يأتي من أقصى البادِيَة فيجلسُ إلى رسول اللّه ﷺ يتلقّى دعوته، فيقوم من بين يَدَيْه وهو أعلمُ بها ممن دَرَجوا اليومَ في أحضان الإسلام، ونشأوا في بيوت الدين.

لأن الدعوة كانت بسيطة مُركّزَةً في مبادِئ عامّة مفهومة للكافة، سَهْلة، تُلقَى إليهم ليعمَلوا بها، وليسيروا على نَهْجها.

وعبارة القرآن في هذا المعنى تدل على سهولة تَلَقِّي الدعوة ونَشْرِها، يقول اللّٰه تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ فالدعوة بَسِيطة أساسُها الإيمان والإحسان، وهذا الإحسان هو العمل الصالح كما قلنا، وهذا العملُ الصالح هو مبادئ عامّةٌ وعبادات تُلَقَّنُ كَيْفِيّاتُها في لَحَظات.

الرحمة والإخاء أساس الإحسان

أما المبادئ فأصلُها جميعًا في الرحمة والإخاء.

أساس العمران

والتاريخ يحدّثنا عن طُغيان أقوام نُزِعت الرحمة من صدورهم فتركوا آثارًا فظيعة من الخَراب استمرَّت بعدهم قرونًا.

فمثلًا مَوْجات المُغُول مع جنكيز خان ومَنْ بَعْدَه لا تزال رغمَ مرور سبعة قرون بادية آثارُها للعِيَان في أواسط آسيا وغربها، وقد شَهدتُها بنفسي في الأفغان وإيران والعراق، وستبقى أجيالا كثيرة.

رحمة الحيوان

قال ﷺ: بينما رجلٌ يمشِى بطريق اشتدَّ عليه العطَشُ، فوجد بئرًا فنزلَ فيها فشَرِب ثم خَرج، وإذا كلبٌ يَلْهثُ، يأكُلُ الثَّرَى من العطش؛ فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كانَ بَلغ مني؛ فنزل البئر فمَلَأَ خُفَّه ماءً، ثم أَمْسكه بفِيه حتى رَقِيَ، فسَقَى الكلبَ، فشكر اللّٰه تعالى له فغفر له . فقالوا: يا رسول الله! إنَّ لَنَا في البهائم لأجْرًا؟ فقال: في كلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أجْرٌ .

وقال أيضًا: دخلتْ امرأةٌ النارَ في هِرّة ربطتها فلم تطعمها، ولم تَدَعْها تأكلُ من خشَاشِ الأرض .

حكايات عن الرحمة

وفي الحديث: إذا رأيتم ثلاثة على دابّة فارجُمُوهم حتى يَنزل أحدهم .

هذه العبارة ليست حديثًا صحيحًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما وقفتُ عليه، وإنما رواها الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه موقوفةً عليه. والعيني صرّح عند مناقشة طرق الباب بأن حديث علي موقوف ، أي أنه من كلام علي رضي الله عنه، وليس من كلام النبي ﷺ.

أما الأحاديث المرفوعة التي وردت في النهي عن ركوب ثلاثة على دابة، فأسانيدها لا تثبت على وجه قوي؛ فحديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يركب ثلاثة على دابة حكم ابن حجر بأن سنده ضعيف، وحديث أبي سعيد: لا يركب الدابة فوق اثنين قال إن في سنده لينًا، وحديث المهاجر بن قنفذ في النهي عن الثلاثة ضعيف أيضًا.

بل ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ حمل واحدًا بين يديه، والآخر خلفه ، أي كان على الدابة النبي ﷺ ومعه اثنان، فصاروا ثلاثة.

ولذلك جمع ابن حجر وغيره بين الآثار فقالوا: النهي يُحمل على الحالة التي تكون فيها الدابة لا تطيق حمل ثلاثة، أما إذا كانت تطيقهم فلا حرج. ونقل عن النووي أن مذهب العلماء جواز ركوب ثلاثة إذا كانت الدابة مطيقة لذلك.

فالخلاصة: لا يصح أن تقول: قال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم… ؛ فهذا موقوف على علي رضي الله عنه، وليس حديثًا نبويًا مرفوعًا. وأما إسناد الأثر نفسه إلى علي، فلم أجد في المصادر التي راجعتها حكمًا صريحًا مستقلاً من ابن حجر على صحته، ولذلك لا أستطيع تأكيد صحة إسناده إلى علي دون فحص إسناد الطبري الأصلي.

آية هي دستور الإخاء البشري

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].

قدماء العرب وفهم الإخاء والمساواة

كانت الدعوة إلى الإخاء غريبة كالدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى البعث، فأنكرها العرب الذين لا يعتزُّون بغير العصَبيَّة.

إخاء شامل بين المسلمين وأهل الكتاب

ولما تَمَكّنتْ دعوةُ الإخاء في النفوس، مَنَّ اللّٰه بها على المؤمنين كأكبر نعمة فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

الباب الثاني: في الإصلاح الاجتماعي

التطهير الأخلاقي للفرد

كانت الدعوة الإسلامية ثورة اجتماعية مَهْما قلَّبنا عن شَبِيه لها في الشرق والغرب، في القديم والحديث، فلن نجد لها مثيلا.

يقول تعالى في وصف محمد ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ويقول محمد ﷺ: إنما بُعِثْتُ لِأَتَمِّمَ مَكارمَ الأخلاق ، ويقول: أدَّبني رَبّي فأحسَنَ تأديبي .

سليمان بن عبد الملك وأبو حازم

رُوي أن سليمان بنَ عبدِ الملِك الخليفة الأُمَوِيَّ قَدِم المدينةَ للزيارة، وبَعث إلى أبي حازم، فلما دخلَ عليه قال: تكلمْ يا أبا حازم. قال: نعم أتكلم يا أمير المؤمنين، لا تأخذ الأشياءَ إلا من مِحِلِّهَا، ولا تَضَعْها إلا في أهلها. قال: ومن يَقْوَى على ذلك؟ قال: من قَلَّدَه اللّه من أمْرِ الرَّعِيَّة ما قلَّدك. قال: عِظْني يا أبا حازم. قال: اعلمْ أن هذا الأمرَ لم يَصِلْ إليك إلا بموت مَنْ كان قَبْلَكَ، وهو خارجٌ من يديك بِمِثْلِ ما سار إليك. قال: ما لَكَ لا تَجِيءُ إلينا؟ قال: وما أَصْنَعُ بالمجيء إليك يا أمير المؤمنين؟ إن أَدْنَيْتَني فَتَنْتَني، وإن أَقْصَيْتَني أَخْزَيْتَني، وليس عِندك ما أرجُوك له، ولا عِندي ما أخافُك عليه. قال: فارفَعْ إلينا حاجتك. قال أبو حازم: قد رفعتُها إلى مَنْ هو أقدرُ منك عليها، فما أعطاني منها قَبلتُ، وما مَنعنى رَضِيتْ.

نظرة عمرية لحقيقة الصلاح

شَهِد عند عُمرَ رضي الله عنه شاهدٌ، فقال له عمر: ائْتني بمن يَعْرفك. فأتاه برجل، أثنى عليه خَيْرًا. فقال عُمر للرجل: أنت جارُه الأَدْنى الذي يَعرف مَدْخلَه ومَخْرجه؟ فقال: لا. قال: كنتَ رفيقَه في السفر الذي يُسْتَدَلُّ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فعاملتَه بالدينارِ والدرهم الذي يستبِين به وَرَعُ الرجل؟ قال: لا. قال: أظنُّك رأيتَه قائمًا في المسجد يُهَمْهمُ بالقرآن، يخفِضُ رأسه تَارَةً ويرفعُها أخرى؟ قال: نعم. فقال له عمر: اذهبْ فلستَ تعرِفه! ثم قَال عمر للشاهد: اذهبْ فأتِني بمن يعرفك…

التكافل

جماعة المسلمين تقوم على التكافل

والفرْقُ بين الإسلام وأكثرِ الملل الأخرى أَنه لم يكتفِ بتنظيم العبادات وترُك ما وراءَ ذلك لقَيْصرٍ أو لغيره من الناس، بل نظّم المعاملات والعَلاقات والحقوق والواجبات بين أفراد الأَسْرة، وأفراد الأمّة، وبين الأمم المختلفة.

إيقاظ ضمير الفرد وضمير الجماعة

في الحديث للفرد: أنت على ثِغْرَة من ثُغَرِ الإسلام فلا يُؤْتَيَنَّ من قِبَلِك ، وجاء: كُلّكُم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رَعِيته، والأمير رَاعٍ، والرجلُ راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعيةٌ على بيت زوجها وَوَلَدِه، فكلّكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، وجاء: أوحِيّ إليَّ أن تَواضَعُوا؛ حتى لا يَفْخَر أحدٌ على أَحدٍ .

وقال للجماعة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وجاء في الحديث: المسلمون تَتكافأ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهُمْ يَدٌ على مَنْ سِواهم ، وجاء: انْصُرْ أخاك ظالما أو مظلومًا ، فقال رجل: أَنْصُره إذا كان مظلومًا، أَرَأَيتَ إنْ كان ظالِمًا كيف أَنصرُه!؟ قال: تمْنعُه من الظلم، فإن ذلك نصْرُه .

وضرب مَثَلًا رائعًا لوصاية الجماعة على الفرد ومسئوليتها إزاء جناياته، فقال رسول اللّٰه ﷺ: إن قومًا رَكِبوا سفينة فاقْتَسَمُوا، فصار لكلِّ منهم موضع، فنَقَر رجلٌ منهم مَوْضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟! قال: هو مكاني أَصْنَعُ فيه ما أشاء؛ فإن أخَذُوا على يده نجا ونَجَوْا، وإن تركُوه هَلَك وهَلَكُوا .

حراسة الرأي العام

ينشأ من إدراك المسئوليتين السابقتين والاضطلاع بهما، ما يسمى حديثًا بـ الرأي العام ، ذلك الحارس اليقظ لِكيان الأمة إذا كان مبنيّا على بصيرةٍ ووَحْدةٍ في القصد والهدف، وهو السلطة الرَّهيبة التي تقوّم الحكَّام والأفراد، وبه تهتزّ الأمة وينتفض جسمها انتفاضةَ الغضب إذا أصابه سوء أو فساد.

عزائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال القرآن: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وقال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].

وفي الحديث النبوي الشريف: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتْهُم علماؤهم فلم يَنْتَهُوا، فجالسُوهم في مجالسهم ووَاكلُوهُم وشَارَبُوهم، فضرَب اللّٰه قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، ولعنهم على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عَصَوْا وكانوا يَعتدُون .

وأكبر آفاتنا الاجتماعية ناشئ من أن الرأي العام الصالح لم يَتكَوَّن؛

ومتى أدرك الكلّ الحقوقَ والواجبات إدراكًا صحيحًا ظهر الرأي العامّ مُوَحَّدًا وقويًّا، فيُقَوِّمُ المعوجّ، ويُصْلح الفاسد.

ومفتاح كلّ أمر من أمور الإصلاح هو الوصول إلى النفس أولا، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].

العلاج بالتشريع

فيجب أن تُتَّخَذ الدعوة أساسًا للإصلاح قبل التشريع، ويجب أن يُلْحَظَ التدرّجُ في التشريع وتركُ الطَّفْرة؛ حتى يتهيأ الجوّ الصالح وتستعد أعصاب الجماعة لقبول ما يلقى عليها من الأوامر والإلزامات.

مرد الإصلاح عامة إلى الإحسان

قلنا إن الإسلامَ اتّخذ الدعوة وسيلة للإصلاح الاجتماعيّ، ثم لَجَأ إلى التشريع لحماية مقاصدِ هذه الدعوة، وقد جعل الحياةً كلَّها ترمي إلى الإيمان والإحسان في العمل؛ فهو يحدِّدُ للفرد والجماعة الحقوق والواجبات على أساس هذا الإِحسان. فكلُّ تكليف وكل حق ينشأ في المجْتَمع الإِسلاميّ إنما ينشأ بسبب واحد هو الإِحسان للفرد أو للجماعة، وأيُّ عملٍ مِنْ شَأنِه أن يُبَاعِدَ من الخير أو يقرِّبَ من الشر، سواءٌ أعاد هذا العمل على صاحبه أم على غيره، فهو مُحرَّم.

البِرّ

كلمة جامعة

البِرُّ رُكْنٌ من أركان الدعوة، وسبيلٌ واضحة للإِصلاح الاجتماعي.

وقد وردت كلمة البَرّ في القرآن على معانٍ شتَّى تحدِّدها القرينة؛ فهو الصدق والخير والإحسان على أوسع معانيه، وطاعة الله.

نظرة الإسلام إلى مشكلة الفقر

لم يجعل الإسلام الفقر سببًا لازدراءِ صاحبه، بل جعل أقربَ الناس إلى اللّٰه أتقاهم؛ فالفقير على حاجته قد يكون في نظر الإسلام أعلى من أيّ رجل آخر مَهما كان مالُه وجاهُه، وبهذا ابتدأ المواساةَ الأولى للفقير. ثم نظر في حال الفقير؛ فإما أن يكون هذا الفقير عاجِزًا عن الكَسْب لعِلَّةٍ به، وإمَّا أن يكون عاجزًا عن الكسب لفقد الوسيلة إلى العمل.

الفقر لعلة والفقر لفقد الوسيلة

فأما الذي يَعْجِز لعِلَّةٍ لا علاج لها فقد جعل مواساتَه حقًّا على المجتمع لا تبرُّعًا وتطَوُّعًا. قال اللّٰه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ – ٢٥]؛ فصان بذلك كرامتَه الإنسانيّة.

وأما الذي يَعْجِز لفقد الوسيلة إلى العمل فقد أوجب على الدولة إيجادَ الوسيلةِ لتكَسُّبِه، وقد قَبَّحَ الإسلام السؤالَ، ودعا المسلمَ للترفّع عنه؛ فاليدُ العُليا خير من اليدِ السُّفلى.

العمل هو الأصل

والعمل الصالح هو العمل الذي يتحقق به صالح الفرد والجماعة، ويعود بالخير عليهما معًا.

ونجد من أحاديث الرسول ﷺ:

ما أكَلَ أَحدٌ طعامًا خيْرًا من أن يأكلَ من عملِ يدهِ ، من أمْسَى كالَّا من عمل يدهِ أمْسَى مغفورًا له ، إذا قامت الساعةُ وفي يَدِ أَحدِكم فسيلة فاستطاع أن يغرسَها قبلَ أن تقوم الساعةُ فليغرسْها ، ما من مسلم يغرِسُ غرْسًا أو يزرعُ زرعًا فيأكلُ منه إنسانٌ أو طيرٌ أو بهيمةٌ إلا كان لهُ به صدقة .

مطاردة الترف والبؤس

واتخذ لذلك وسيلتين: وسيلةَ الضمير وهي أقواهما، ووسيلة القانون.

القانون والضمير

جعل ضميرَ المسلم لا يستريح إذا طَعِم ولَبِس وتمتّع، وجارُه ومَنْ حَوْله قد عجزوا عن القُوت.

اشتراكية أبى ذر

قال المعرور بنُ سُوَيْد: رأيت أبا ذَرَّ رَضِيَ الله عَنْهُ عليه حُلَّةٌ وعلى غلامه مِثْلُها، فسألتُه عن ذلك، فقال: سمعتُ رسول اللّٰه ﷺ يقول: هم إخوانُكم وخَوَلُكم، جعلهم اللّٰه تحت أيدِيكم، فمن كان أخوه تحتَ يدِه فلْيُطْعِمْه مما يأكل ولْيُلْبِسْه مما يَلْبَس، ولا تكلِّفوهم من العملِ ما يَغْلِبُهم، فإِن كلَّفتموهم فأعِينُوهم عليه .

المساواة عقيدة وخلق ونظام

والله تعالى يشتدُّ على الرسول نفسه ويعاتبهُ بالقرآن؛ لأنه تصدّى لقوم من رؤوس العرب يرجو من وراء إيمانهم إيمان أقوام يتبعونهم، وتلهّى بهم عن رجل فقير ضعيف جاء راغبًا في الإيمان، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾ [عبس: ١ – ١٠].

الأشكال والمظاهر ليست غاية في الحكم

وكلّ نظام يحقق الغاية من الدعوة المحمّدية، وهي مصلحة الكافّةِ وضمان حقوق الأفراد، فهو نظام إسلاميُّ.

والإسلام يريدُ الحقائق لا الصور، كما جاء في الحديث: إن اللّٰه لا ينظر إلى صُوَرِكم ولكنْ ينظرُ إلى قلوبكم .

حق الفقير حق اللّٰه

حتى إن العرب لما ارتدَّتْ عن دفع الزكاة عَقِبَ وفاة الرسول، ونُصِحَ الخليفةُ الأوّل بأن يداريهم، وقد تفاقَمَ الشرُّ، قال رَضِي الله عَنْهُ: والله لو مَنَعُوني عِقَالَ بَعيرٍ كانوا يؤدُّونه لرسول اللّٰه ﷺ لقاتلتُهم عليه ، أي: أنه يوجه كل قوى الدولة لقتال قوم يَمْنَعُونَ حقَّ الفقيرِ فيما قِيمَتُه قيمةُ حبل يُعْقَلُ به بَعير!.

البر بغير المسلمين

ولم يكن البر في الدعوة المحمدية خاصًا بأهل الجنس أو الدِّين، ولكنه كان عامّا للمساكين من البَشر، فما منع اختلافٌ في الدين دُون البر، إذ قال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].

فلننظم البر على أسس الإسلام

ورُوحُ الدعوة المحمَّدية واضحةٌ في أن الزكاةَ وَحْدَها لا تُبْرِئُ أموالَ المسلمين من حقوق المحتاجين فيها، فما دام هناك محلّ للبِرِّ والصَّدقة فهي واجبة، وحق المسلم على المسلم لا ينتهي بأداء الزكاة.

العدالة والحرية

العالم بين الفرس والروم

كان الفرس والروم البيزنطيون جيرانُ العرب، يحقِّرون العرب، ولا يعترفون بحق لهم في مساواتهم أو عدلهم.

مسيحية بيزنطة مما لا يشرِّف المسيحيين، بعيدة كل البعد عما جاء به سيدنا عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ من إخاء ومساواة ورحمة.

تحطيم القيود وإزالة الفوارق

وكذلك كان العالم لما بَعث عمر مقوِّضُ مُلْك قيصر وكسرى إلى واليه يوبّخه لاستكبار ابنه على قبطي مسيحي، ويقول له: يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! .

جاءت الدعوة المحمدية بالطريف الغريب من الدعوة إلى العدل والمساواة والحرية؛ فأصبحت الشريعة ينبوع الحريات والحقائق، تحدد الحقوق والواجبات للأفراد والجماعات.

مبادئ في السياسة وعقائد في الدين

فالمسلم لا يكون مسلمًا… يشك في أن أقلَّ إخوانه وأعجزهم يعادله في الحقوق.

هذه العدالة التي جعلت الصَّدَقة على من يستحقها حقّا في أموال من يقدِرُ عليها لا مِنّة في رقبة مستحقّيها.

خليفة يبيع في الأسواق

وكانت هذه العدالة والمساواة واضحة في العهد الإسلامي الأول، وقت سيادة العقيدة وتملّكها النفوس.

خليفة يلبس المرقع

غلب الفرس والروم وهو يرفّع ثوبه بيده، ويَخْصِف حذاءه بنَفسه، ولم يَخْطُر بباله ولا ببال المسلمين أن الخلافة تميّزه عنهم بشيءٍ، غير ما أعطته من حق الأمر، وألزمتهم من حق الطاعة ما دام واليًا للأمر.

كانت العدالة والمساواة عقيدة لا تصنعًا يتكلفها الناس أو يُلْزَمُونها بقانون رادع.

أنصفتَ أهل الفقر من أهل الغنى … فالكلّ في حق الحياة سَواءُ

فلو أنَّ إنسانًا تخيَّر ملةً … ما اختار إلا دِينَكَ الفقراء

الاشتراكيون أنتَ إمامُهم … لولا دَعَاوَى القوم والغُلَوَاءُ

قد سبق الإسلام كل نُظُم العدالة الحديثة حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: ٨].

فجر العدالة الدولية

قال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وفي الحديث القدسي: يا عِبادِي، إني حرَّمْتُ الظَّلمَ على نَفْسِي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمّا؛ فلا تظَّالُمُوا .

ميزان الشريعة

يقول ابن القيّم: إن اللّٰه سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليقُومَ الناسُ بالقِسط وهو العدل الذي قامت به الأرضُ والسموات، فإذا ظهرت أمارات العَدْل وأسْفر وَجْهُه بأيّ طريق كان، فَثَمَّ شَرْعُ الله ودينُه .

ويقول الإمام الشاطبيّ: إن أحكام الشريعة ما شُرِعَتْ إلا لَمَصْلحةِ الناس، وحيْثُما وُجَدَتْ المصلحة فثَمَّ شَرْعُ الله .

كفالة الحريات

وأما الحرية في الإسلام فهي من أقدس الحقوق: الحرّيّة السياسية، والحرية الفكرية، والحرية الدينية، والحرية المدنية، كُلّها كفلَها الإسلام، وخطَا بها خُطُواتٍ لا تزال الحضارة الحديثة متخلفة عنها.

الدفاع عن الحريات

فكانت الحرية العلمية مكفولة للصّابِئ والمجُوسيّ والنصرانيّ واليهوديّ، يقول ويكتب ما يشاء، كذلك كان المسلمون أحرارًا في هذا لا تعترضهم شريعتُهم، ولا أعرِف أن حرية الرأي والعقيدة والعلم قد اعترضها معترض في الدولة الإسلامية، إلا خشية الفتنة، أو حيث كانت سببًا في فتنة أو عرَّضت سلامة الدولة لخطر.

الباب الثالث: في العلاقات الدولية

الدولة الإسلامية الأولى وعلاقاتها

من تاريخ علاقات المسلمين بالمناهضين للإسلام

ابتدأتْ الدعوة إلى الإِسلام سرًّا، فلما جُهِر بها اشتدت الخصومة، وترتب على ذلك اضطهاد المسلمين اضطهادًا تمثلت فيه جميع أنواع الأذى؛ فأشار الرسول على أنصاره المستضعَفِين بالهِجرة إلى الحبشة فهاجروا إليها، وبهذه الهجرة ابتدأت أولى الصِّلاتِ الدولية.

وأمرهم الرسول بالهجرة الثانية إلى الحبشة، ولَقُوا بلاءً شديداً حتى في مَهْجَرِهم؛ فقد أوفدتْ قريش رُسُلَّها – وعلى رأسهم عمرو بن العاص (فاتح مصر فيما بعد) – يحملون الهدايا إلى النجَاشيّ وأهلِ الحبشة ليُغْرُوهم على تسليم المهاجرين إليهم، فدافع المسلمون عن أنفسهم بالحجّة وتمسّكوا بحق الجوار للملتجئ، وأسسوا بذلك أول علاقة دولية بين الأمة المحمدية والدولة الحبشية.

أول معاهدة دولية بين المسلمين واليهود والمشركين

ووصَلَ المدينة فوجد فيها من سبقه من المهاجرين ومَن بايعوه من الأنصار، وما لَبِث أن عقد أوّلّ معاهدة دولية بين المسلمين واليهود والمشركين، وهى من أنفس العقود الدولية وأمْتعِها وأحقها بالنظر والتقدير من الناس كافة.

نموذج قديم للأمم المتحدة

فلما بلغ السيلُ الزُّبَى جاء أمرُ الله وأَذِنَ بالقتال وأُحِلَّت الحربُ للدفاع عن النفس وعن الوطن وعن حرية العقيدة، ونزل حكم اللّٰه في هذه الآية الجليلة.

الإذن بالحرب الدفاعية

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: ٣٩ – ٤١].

حرب للأغراض السامية

وأن يجد الناس في قواعِد العلاقات الدولية التي سنَّتْها الشريعة المحمدية هدّى ومَخْرَجًا مما هم فيه؛ فميثاق محمد مع اليهود والمشركين في المدينة هو أولُ عهد دولي في سبيل صِيانة السلم على أساس المنفعة العامّة والحرية للجميع.

تنظيم علاقات الشر خير

ومَشْرُوعِيّةُ الحرب لدفع الظُلم وضمان الحرية، وتحديدُ الغرض منها بالخير العام، هما أيضًا الأساسُ الصالح الذي يجب أن تبنى عليه العلاقات الدولية في المستقبل.

الحرب المشرُوعة

تحديد أسباب الحرب وأغراضها

فالإسلام حين أباح الحربَ قد علل هذه الإباحة، وحدّد المقاصد والأغراض منها؛ فهي دفعُ الظلم، واحترام حق الإقامة، والحريةُ في الوطن، ومَنْعُ الفتنة في الدِّين، وكفالةُ حرية العقيدة للناس جميعًا.

الحرب الدفاعية هي المباحة

وإذا تقصَّيْنا آيات الكتاب الكريم في القتال، ورجَعنا إلى ظروف التنزيل، وتتبعنا الحوادث في حياة الرسول وحروبه وسراياه، حربًا حربًا وسَرِيَّةً سَرِيَّة، ما خالجَنا شك في أن الحرب المشروعة في الإسلام هي الحرب الدفاعية.

وصايا وتحميس

هذه الأقوال إنما هي آيات توحي إلى القارئ بنفسها أن حالة الحرب قائمة، وأنَّها تحريضٌ على الاستمرار فيها والصبر عليها والترغيب في الوصول بها إلى خاتمة يُطْمَأَنَ إليها، من الأمن والسلام للمؤمنين، والحصول على ثباتٍ واستمرار للدِّين، ومنع من الفتنة والارتداد بضغط المشركين وقهرهم، وأملٍ في أن ينتهي المعتدون عما هم عليه.

الإسلام دين عملي

ومن مَزايا الشريعة المحمّدية الجليلة أنها شريعة عَمَلِيّة تواجه الحقائق البشرية والفِطْرية، وتجابِهُ المُعْضِلات بالحلّ العمليّ؛ فما دامت الموعِظَة الحسَنة لا تردُّ الظلم والاعتداء، وما دام أعداء الإسلام لا يرضَوْن حسنَ الجوار والعهدَ القائم على الإنصافِ وحرية العقيدة، وما دام أهل الشر ذَوِي سلطانٍ خَطِرٍ، فإن الحرب واقعة بين الناس، فلم يقِفْ الإسلام أمام هذه الحقائق مكتوفَ اليدين، بل واجهها بالحزم والعزم اللذَيْن لازَما الرسول في دعوته طول حياته، فأمر بالاستعدادِ لها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ فجَعَل العُدَّة نفسَها للإِرهاب الذي قد يَمْنَعُ الحرب ويحفظُ السلم.

الحرب لنصرة المظلوم

قصة حلف الفضول

وأقرّ بـ حِلْف الفُضُولِ ، وهو ذلك الحلف الذي عقد في الجاهلية لنُصرة المظلوم، وقال: لو دُعيتُ إليه في الإسلام لأَجَبْتُ .

وسبب ذلك الحِلْفِ أن رجلا من اليمن قدِم مكةَ ببضاعة، فاشتراها منه رجل من بني سهم، قيل إنه العاصي بنُ وائلٍ، وامتنع بسلطانه عن أن يدفعَ للرجل ثمنَ بضاعته أو يردَّ إليه مالَه.

فإذا قد أقرّ النبيُّ ﷺ حِلفًا تعاقد فيه طائفة من الناس على القتال لنصرةِ المظلوم، وقال إنه يفضِّلُه على خير ما في دنياه.

وبذلك أصبحت الدولةُ الإسلامية مكلفةً شرعًا برد المظالم، بل والقتالِ لنصرةِ المظلوم.

لا تحالف في الإثم والعدوان

فكتابُ اللّه وسنةُ رسولِه وأئمة المسلمين متفقون على أن العدلَ هو غاية الشريعةِ. وعليه فإن القتال لنصرةِ المظلوم من عبادِ اللّٰه هو أمر يستحق ثواب الله، وللدولة المسلمة أن تُعلنَ الحربَ وهي في حدودِ الشريعةِ ما دام مَقصِدُها الإِنصافَ ودفعَ الظلم عن الغير.

المسيحية والحرب

جاءت المسيحيةُ بتحريمها الحربَ بتاتًا، بقول السيد المسيح عَلَيْهِ السَّلَامُ في إنجيل متّى: أما أنا فأقولُ لكم: لا تقاوموا الشرَّ بالشر، بل من لطمك على خدّك الأيمنِ فحوِّل له الآخرَ أيضًا، ومن سخّرَك مِيلا واحدًا، فاذهب معه ميلَيْن .

ويستندُ كذلك أنصارُ الرأي القائل بتحريم الحربِ تحريمًا مطلقًا إلى قولِ المسيح عَلَيْهِ السَّلَامُ للقدّيس بطرس: أعِدْ سيفَك إلى مكانه؛ لأن كلَّ الذين يأخذون السيفَ بالسيفِ يَهْلِكون ، وعلى هذا تحرّم المسيحية الحربَ، بل التسليحَ أيضًا.

نصرة المظلوم ضرب من التكافل

وبعد، فالحربُ لنصرة المظلوم لا يرادُ بها أغراضٌ دنيوية، ولا تحقيقُ مطامعَ دولية، ولا شفاءُ حسد أو حقد، وإنما تقعُ لمجرد إحقاق الحق ودفع الباطل. وهي حالةٌ ظاهرُها التدخلُ بين طرفين آخَرَيْن والاعتداءُ على أحدهما لنصرة الآخر، إلا أن حقيقَتَها الدفاعُ؛ لأن المقصود منها ردُّ العدوان عن مستَضْعَفِ.

أدب الحرب

الحرب والرق والقضاء عليهما تدريجيًّا

أجازت الدعوة المحمدية الحرب في أضيق نطاق، كما تغاضت عن الرِّق؛ لأنه كان أيضًا نظامًا عالميًا، وعَمِلت تَدْرِيجيَّا على منع الحرب ومنع الرق بأَساليبها المختلفة.

أدب عام وأدب خاص

افتَنّ أهل الحضارة الحديثة في الخديعة إلى درجة غير مسبوقة في تاريخ الأقوام، حتى صاروا يعقدون عهودًا المقصودُ منها تغفِيل المعاهَد وطمأنته، حتى تكون مباغتته وأخذُه على غِرَّةٍ كاملة.

الغارات العصرية على الآمنين

هذا المبدأ مبدأ الرفق والرحمة حَرَّم على المسلمين في حروبهم أن يلجأوا لقهر عدوهم بتجويع الأمة المحاربة، أو منع أسباب الحياة من قُوتٍ أو دواء أو لباس من الوصول إلى غير المحاربين منها.

التخريب القاسي

ولا خلاف بين المسلمين في أنه يَجُوزُ في الحرب قتلُ المشركين الذُّكران البالغين المقاتلين، وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوزُ قتلُ صبيانهم، ولا قتل نسائهم ما لم تقاتِلْ المرأة أو الصبي، وإن اختلفوا فيما عدا هؤلاءِ. والنَّهْج الواضح هو أنه لا يصِحُّ القصد بأذى لمن ليس شأنه القتال ممن نسمّيهم اليوم المدنيين، ولا تخريبُ العَمار وحرقُ الزرع وقطعُ الشجر.

حادثة بني قريظة وغموض بعض ظروفها

أما المعلوم فهو أنهم خانُوا عَهدهم، واستغَلُّوا ظروف كربٍ وقع للمسلمين لما حَاصَرَت الأحزابُ المدينةَ، وقد زاغَتْ الأبصار وبلغت القلوبُ الْحَناجِرَ، فنقَضُوا عهدهم، وَطَعَنُوا المسلمين من خَلْفهم.

وسببٌ آخرُ، هو أنهم نزلوا على حكم سيّد الأوس سعد بن معاذ، وهم من مَوَاليه، فحكمَ فيهم بما حكم؛ فهم سَلّموا على شرط، وكان الشرط عليهم.

السّلم الدائمة

شهادة التاريخ

وفي تاريخ الإسلام حادثان عظيمان يُثْبِتَانِ ذلك: فحينَ وضع الكفارُ المتوحشون من المغول والأتراك السلجوقيين أقدامهم على رِقابَ المسلمين في القرن الثالث عشرَ الميلادي، غزا الإسلامُ قلوبَهم فاعتنقُوا – وهم الغالبون – دينَ المغلوبين، ولم يكن للإسلام عونٌ من سيفٍ أو سلطان.

هذا ولم يفكرْ المسلمون في إقامة جيشٍ دائم، ولا اعتبرُوا الجنديةَ صناعةً إلا تقليدًا لعدوِّهم.

العهود والمواثيق

المسلم والمعاهد ومن لا عهد له

الإسلام حَصَر أسباب الحرب في كَفَالة حرية الدعوة.

السلم بين المؤمنين

فأما المؤمنون فالسَّلم بينهم أبدية لا ينقضها إلا الكفر والرِّدَّة.

الإسلام وطن المسلم

فالمؤمنون في جميع أطراف الأرض إخوانٌ لا تفرّقُهم الأوطان ولا العصبيّات ولا المذاهب، ولا المنافع ولا الخوف ولا المَنَعة ولا العُبوديّة، ولا سبب من الأسباب، للمسلم حق الأخوّة على المسلم أينما حلَّ وأينما كانت الدار، فلا جنسيةَ غيرُ الجنسية المشتَركة التي يكفِي لثبوتها شهادةُ أن لا إله إلا اللّٰه وأن محمدًا رسوله.

لا إقليمية في الإسلام

فالمسلم في أي وطن من أوطان المسلمين وطنيٌّ له جميع حقوق المُوَاطِن.

فإن فرض مثلا أنه وُجد مارًّا إلى الحجّ في مصر وهو آتٍ من المغرب، أو وُجِد في العراق وهو قادم من الصين، وكانت مصر أو العراق في حرب، وجب عليه الجهاد مع أهلها كما يجب عليه لو كان في بلده وقد هُوجِمت، كما أنه لو انقطع به السبيل، أو شق عليه الأمر، فله في زكاةِ هذا البلد فريضةٌ، وجماعة المسلمين تكفُله، بل له كافة ما لهم من حقوق.

وعلى ذلك فالملايين السَّبعُمائة من المسلمين في الأرض هم إخوان.

كان ذلك في أربعينيات القرن العشرين، والآن هم في حدود مليار وثلث المليار، والله أعلم.

حق واحد للغالب

ففي الشريعة المحمدية كما بينا سابقًا لا تجوز الحرب إلا لدفع الظلم والعدوان، ولا تنتهي إلا بمنع الظلم والعدوان وإقرار العدل والحق الذي يريده اللّٰه.

حرمة العهود فوق صلة الدين

وقد حرمت كذلك الشريعة نُصْرةَ المسلم للمسلم على من بيده ميثاق وهو غير مسلم، يقول تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].

الباب الرابع: في أسباب الاضطراب العالمي

الاستعمار

الدعوة المحمدية تنكره

ومن فضل الدعوة المحمدية أنها تنكر الاستعمار، وتحكيم القوة لأغراض دنيويّة؛ فهي لا تبيح الحرب لتوسّع في الملك.

فالإسلام لا يعرف نزاعًا ليس المقصود منه أن تكون كلمة اللّٰه هي العليا، وأن تكون الحرّيات للجميع مكفولة.

لا حجة على الإسلام إلا من نصوصه وسنته

قد يقول بعض الناس إن في تاريخ المسلمين ما لا يتفق وما تدعو إليه. ونحن ندعو إلى كتاب الله ودينه لا إلى ما فعل بعض الدول والملوك، مما قد يُشْبه من قريب أو بعيد ما يفعل الأوروبيون، وقد باءُوا بالخُسران كما باءَ المحدَثون.

نزاع الطبقات

أمثلة من التاريخ العالمي

نعم قد نجد في تاريخ البشر دعوات قوية متطرِّفة، كدعوة المَزْدَكِية في فارس، وكانت تقول بالمساواة التامَّة في المعاش، ونجد في أعقاب الدولة الرومانية نزاعًا بين العامَّة والخاصَّة، أو بعبارة أخرى بين العبيد والأحرار، ونجد في صدر الإسلام أمثال أبي ذرٍّ رضي الله عنه يهجر الشام محتجًا على الثَّرَاء ومِلْكية الأرض، ونجد الخوارج يَشْهَرُون سيوفهم ويستبسلون في سبيل الفوضى الاجتماعية، فيقول المتطرفون منهم بأن لا حُكْم إلا لله، وينكرون ضرورة الحكومة مُدّعين أن في طبيعتها الفساد، وأن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدافع من الدين والوجدان ما يكفي لاستقامة شئون المجتمع، وينكرون حقوق الملوك، وكان المعتدلون من الخوارج لا يُوَرِّثون مَلِكًا مُلْكًا، ولا يؤثرون به بيتًا ولا قبيلة ولا سيدًا على أي أحد من الناس، ويقولون بإمامة العبد ومساواته للقرشيّ والهاشميّ، ويتزهدون ويحملون الناس على الزهد، حتى كادوا يسوّون ما بينهم في المعاش ولو أنهم لم يحرِّموا المِلْك.

التعقيد العصري في المذاهب والدعوات

رُئيت هذه الدعوات على أنها شاذّة، ومع ذلك لم تصل إلى شيء مما وصلت إليه الدعوة الاشتراكية أو الشيوعية، ولا ادّعت ما ادّعتا من المساواة في الرِّزق والكسب والمِلك، ولم تقم على أنها نزاع وصراع طائفة العمال مع غيرها من الطوائف، ولم تصل إلى مثل النزاع الحديث والحروب الدامية بين العمال والطبقات الأخرى.

فهذه الشيوعية، وهذه الاشتراكية التي نظمت الأحزاب العمّالية ، والاشتراكية والشيوعية لا شك جديدة، وهي أثرٌ مباشر للنظام الرأسماليّ الحديث.

وكان الناس على البساطة الأولى متعارفين؛ فالجار الغنيّ صديق جارِه الفقير، يعرفه شخصيّا ويعرف أولاده، يتصلون جميعًا في شيء من الإخاء، تجمعهم قُرْبى الدم أو قربى الجوار.

من آثار البخار والكهرباء

فلما استُخْدِمَ البخار والكَهرُباء تضخّمت الثرْوة، واتسع نفوذ أصحابها، وكثر عددهم، وحلّت المحرِّكات الآلية محل اليد، وسَهُل الانتقال، وزادت السرعة في كل شيء؛ فنمت التجارة، ونما المال، وبعدت الشُّقَّة بين الفقر والغنى.

البساطة الإسلامية في معالجة مشكلات المال

ولم يبيّن القرآن بالتفصيل ما تجب فيه الزكاة من الأموال، ولا المقدارَ الواجب دفعُه، وقد بينت السنّة ذلك في كتاب كتبه رسول اللّٰه ﷺ لمن ولاهم أمر الصدقات.

أكبر مهام الدولة

فإقامة توازن اجتماعيّ يُرْفَع به شرُّ الحاجة عن المحتاج، ويستقيم معه العدل، والتأمين الاجتماعي هو أكبر مهامّ الدولة الإسلامية، ومسئولية الإمام وأهل الشورى في ذلك واضحة.

الإيمان هو الحارس الأول على المصلحة

والشريعةُ المحمدية حين خَصَّصت بنص القرآن إيرادَ ضرائبِ الصدقاتِ للتأمين الاجتماعي ضدّ صُنوفٍ من الحاجة لم تَكِل الناس إلى وجدان الإمام أو الدولة.

إلزام السلطان بمنع نزاع الطبقات وبالتأمين الاجتماعي

فهذه الضرائب المقررة بنص القرآن والمباحة باجتهاد الإمام ورأي جماعة المسلمين أصل ثابت في مقاومة الفقر.

محاربة الترف والبذخ

وبيّن أن من أسباب الخراب الاجتماعي كثرة المترفين في الأمة: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].(1)

(1) أي: أمرناهم بأوامر التقى، ونهيناهم عن الآثام والفسوق، والأمر في اللغة يشمل النهي.

وما زالت الشريعة تَحُدّ من الإسرافِ والترف وبذَخ العيشِ حتى ظن الناسُ أن ليس لغنيّ سبيلٌ إلى ملكوت السماء بغير الخروج من ماله، وصار التقشف رمزًا للتقوى.

الرسول الزاهد

ولقد كان رسولُ اللّٰه نفسُه على ما أوتي من سُلْطةٍ أكبرَ الزهاد، يقول ابنُ مسعود: دخلت على رسول اللّٰه وقد نام على حصير، وقد أثّرَ في جنبه، وقلتُ: يا رسولَ الله، لو اتخذنا لك وِطاءً نجعلُه بينك وبين الحصير يَقِيك منه؟ فقال: ما لي وللدنيا! ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلّ تحتَ شجرة ثم راح وتركها .

ورُوِي أن رسول اللّٰه دخل على فاطمةً وفي يدها سلسلةٌ من ذهب، وهي تقولُ لامرأة عندها: هذه أهداها أبو الحسن – تقصد عليّا زوجها – فقال ﷺ: يا فاطمةُ، أَيَسُرُّكِ أن يقولَ الناسُ: ابنةُ رسولِ اللّٰه في يدِها سلسلةٌ من نارٍ! . ثم خرج ولم يقعد؛ فأرسلت فاطمةُ بالسلسلة فباعتها واشترت بثمنها عبدًا فأعتقته، فحُدِّث رسول اللّٰه بذلك فقال: الحمد لله الذي نجىّ فاطمةَ من النار .

وكان دعاؤه ﷺ: اللهم اجعل رزقَ آلِ محمدِ كَفَافًا ، أي: لا يزيد عن الحاجة.

النزعات العنصرية والوطنية

العنصرية قديمًا وحديثا

ولنَنظر الآن في سبب آخر من أسباب الاضطراب العالمي، وهو الإفراط في النزعة الوطنية والعنصرية.

أثر التشدد في الحدود الجغرافية والجنسية

فإن الوطن باعتباره مُقامًا جغرافيًا لقوم من الأقوام لم يستطع أن يحدد حدودًا لجنسه من غير أن يصطدم بقوم آخرين وبانتشارهم، ولم تساعد الطبيعة إلا نادرًا على تحديد ساحة خاصة لعنصر خاص.

وهكذا نجد النزاع على ما يسمى الوطن وحدوده قائما لا يستقر، بل يتزايد على مدى الأيام، وعلى قدر الحِدّة في العنصرية والوطنية. فما لم تكن الطبيعة بالمصادفة قد فَصَلتْ في الأمر ببحر أو جبل فلا بد من النزاع.

انتقال العصبيات الحادة إلى الشرق

وهذه المشكلة الأوروبية المستعصية، وما يتبعها من نزاع على الحدود ونزاع على العنصرية، وما تنطوي عليه من مشاكل الأقليات، أخذت تنتقل إلى الشرق نتيجةً لتأدبه بأدب الغرب، واعتناقه نظرية الوطن والقومية.

والوطنية بالعُرْف الحديث شرٌّ جديد، والعنصرية بلاء أعظم، ولا دواء لهما إلا بتهجير عشرات الملايين من منازلها الحالية، وحصر كل منها في نطاق جغرافي خاص.

الإسلام لا يعرف وثنية العنصر والوطن

والدعوة المحمدية لا تعرف الوطنية والعنصرية بالمعنى الحديث؛ فوطن المسلم ليس له حدود جغرافية، فهو يمتد مع العقيدة، بل هو في الحقيقة وطن معنوي كما أن الدين أمر معنوي، يقول اللّٰه تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، والمسلم أخو المسلم أينما كان، جاوره أم تباعدت به الأرض، والمسلم أينما حل في دولة إسلامية فقد حلَّ في وطنه، فالعنصرية أو العصبية للقبيلة أو الوطن أو اللون أو اللغة أو الثقافة تنكرها الدعوة المحمدية وتعتبرها دعوة جاهلية، يقول ﷺ: ليس منا من دعا إلى عصبية .

القوة ليست وسيلة الإسلام لتحقيق أهدافه

فالإسلام لا يَأْذَن باستخدام القوة إلا لضمان حرية الدعوة للناس جميعًا، وفرقٌ بين المطالبة بحرية الرأي وبين الإكراه على تغيير حرية الرأي.

هزيمة القوى المعنوية

سبب آخرُ من أسباب الاضطراب العالمي، هو انهزامُ القوى المعنوية أمام القوى المادّية، أو بعبارة أخرى تخلُّف القُوَى المعنوية عن اللِّحاق بالتطور الفجائي للحياة المادّية، واختلالُ التوازنِ بين الرُّوح والمادَّة.

السيطرة على المادة وأثرها في طغيان المادية

فلما افتنُوا في استخدام الكيمياء والميكانيكا، واستخرجوا من ذلك قوّى جديدةً، انصرفوا عما وراءَ الطبيعةِ وعن عالم الروح إلى قهرِ الطبيعة، والإيمان بالمادة وفِعْلِها دون سواها.

تباعد الفروق بين الناس تبعًا لحظوظهم من العلم المادي

بل إن الفرق بين أبناءِ الجيل الواحدِ في بلدٍ واحدٍ أكثرُ مما كان من فرق بين إنسانٍ في شمال أوروبا وآخرَ في وسطِ آسيا منذ بضعةِ قرونٍ. بل إن الفرق بيني هنا في القاهرة وبين بعض الفلاحين من أبناء عمومتي، وأنا لا أزالُ وثيقَ الصِّلة بأهلي، هو أكثرُ بكثير في طَرْزِ الحياة وطرزِ التفكيرٍ مما كان بين أحدِ أجدادِي الأقربين وسكانِ المغربِ الأقصى أو الأفغان، ولا أظنُّ أن ابن بطوطة حين رحلَ من المغرب الأقصى إلى الشرق الأقصى وجد من الفرق بين الناسِ ما يجدُه قَرَويٌ لم يسبِقُ له زيارةُ القاهرة إذا جاء إليها من ناحية قريبة في الجيزة مثلًا؛ ففي الوطنِ الواحد أصنافٌ من الأمم تباعدت أفكارهُم وأخلاقُهم ومعنوياتُهم تباعدًا متناسبًا مع قدرتهم على ملاحقة الحياة المادية الجديدة.

ضرورة التوفيق السريع بين الروح والمادة

لا بد لنا كي نتمتع بثمار المدنية الآلية ونستكمل نعمتها، من بعث الحياة الرُّوحية بعثًا جديدًا مناسبًا للحياة المادِّية الجديدة. ففي هذه الحضارة نعمٌ لا حدّ لها؛ فقد تغلب الإنسان بالآلة والعلم على كثير من الصِّعابِ والوْيْلاتِ؛ زاد إنتاجهُ وسهُل انتقالُه، وقَهر الأمراض الجائحةَ، واتقى القحطَ، وتعددت مصادرُ لهوه ومرحِه، وتزينت له الأرضُ وأخذت زخرفَها، ومشى في قرن واحد بالحضارة المادية ما لا يقاس معه مَشْيُه في القرون الماضية، ولكنه في قرن واحد كذلك قضى أو كاد يقضى على تراثه المعنوي الذي كسبه في عشرات القرون.

جرائم ترتكب باسم الحريات

فباسم حرية المرأة ندمّرُ هدوءَ المنزل وحياةَ الأسرة، وباسم حرية الوطن تمزّقُ الأوطانَ، وباسم حرية العمل وحرية رأس المال سنمحُو رأسَ المال ونستعبدُ الطبقات.

مدنيتنا تتحطم مرتين في ربع قرن

ونحن الذين شاهدنا ويلاتِ الحروب العالمية مرتين في ربع قرن أحقُّ الناس بالتساؤل عن القيمة الحقيقية للمدنية التي هذه بعضُ آثارها، ولنا كل الحق في أن نقفَ لنتدبَر ونَرْجعَ البصر كرَّتَيْنِ إلى القُوَى المعنويةِ للأديانِ، لعَلَّنا نَستمدُّ منها تسلَّحَ الوجدان البشري ضدَّ طغيان الآلة الصماء.

أتعمير للتخريب؟

أما أن يكون غَرضُ الحياة الحصولَ على المواد الخام، ثم تقديمها للآلة الصماء، ثم النزاع على الأسواق لتوزيع منتجات الآلة، ثم القتال على المادة كي تستمرَّ في حركتها، ثم نطلب المزيدَ فننتزعُ لمنتجاتها الأوطانَ أسواقًا، ونفتحُ الأرض لمخزون الرِّكاز فيها، ويتقاتلُ عبيدُ الآلة من أجل السبق إلى حاجاتها، ثم ينتهي بنا الأمرُ إلى حروبٍ عالمية تُسَلَّطُ فيها قوى الآلة كلها لتدمير نفسها وتدمير الحضارة البشرية، فأمرٌ لا يمكنُ أن يدوم، وهو عندي من نتائج خذلان القوى المعنوية أو جمودها ومناصرة القوى المادية.

فلنرجع إلى منابع الهدى والرحمة في الأديان

نعم لنرجعْ إلى الأديان نستمدُّ منها الهدَى، ولْنُوَفّقُ بين هذه الأديان؛ لنستمدَّ من وفاقها القوة، لتتوازنَ الحياةُ المعنويةُ والحياةُ المادّية، ولكي تُوَجِّهَ الأولى الثانية في سبيل الخير العام، وقد دعانا اللّٰه إلى ذلك بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].

ثالوث الفساد

آثار الثالوث في حياة الأفراد والأمم

والآن نتخيّر من الأسباب الكثيرة الأخلاقية أسوأها أثرًا في المجتمع البشريّ، وهي الغدر والكذب والنفاق، وهذه الصفات الثلاث على سوئها وضررها في حياة الأفراد، أبعدُ أثرًا وأعظم ضررا في علاقات الأمم.

وأصبح الناس لا يستحْيُون من الغدر استحياء آبائهم؛ لما كان يصحَب الغدرَ من ضياع الشرف والهيبة، بل صار كثير منهم ينظر للغادر نظرته إلى الكيس المبدِع في حسن التصرف، ويقيس فضله بنجاحه.

نصوص وحوادث

روى أبو سعيد الخُدْري عن النبي ﷺ أنه قال: أَلَا إنه يُنْصَبُ لكل غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة بقدر غَدْرَتِه، ولا غَدْرَةَ أَعظمُ من غَدْرة إمام عامَّةَ .

الغدر غير الخدعة في الحرب

وشتّان بين الخيانة والنكْث بالعهد أو المفاجأة والأخذ على غِرّة وبين الخدعة في القتال؛ فالخدعة حيلة يعرف الخَصم أنه معرَّض لها وليس له وعد باجتنابها، وهي دائمًا في حدود الحرب المرعيّة.

اللّٰه لا يهدي كيد الخائنين

واتخاذ الخيانة وسيلة للظفر في علاقات الشعوب يؤدي قطعًا إلى التربص وسوء الظن؛ فيفقد الناس نعمة الأمن في السلم والحرب.

صفتان أدنأ من الكفر

ويكاد القارئ لكتاب اللّٰه وأحاديث رسوله يحكم بأن الكذب والنفاق أحط من الكفر؛ فقد لعن الكاذبين، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

الباب الخامس: في البحث عَن سَند روحي للحضارة

الوصاية على الحضارة: للأقوى أم للأتقى؟!

لما هو الحق؟ هل هو للأقوى أم للأتقى؟

الشعلة المتنقلة بين الأجناس

الحضارة لم تَثْبت في مكان واحد، ولا دامت لقوم وحدهم، فهي كسلعة الذهب، تمر بأيدي الناس جميعًا، وقد ترجع إلى اليد التي ذهبت منها بعد أن تطوف الكرة الأرضية.

قصور علم الإنسان

وكذلك إذا استعرضنا علم الإنسان أو الأنثروبولوجي ، ونظرنا في الأجناس البشرية، نجد هذا العلم على حداثته وغموض بعض نواحيه، يُرشِدنا إلى الفروق أو الميزات البدنية بين قوم وقوم، ولو أنه لا يساعدنا على إدراك الفروق الرُّوحية والذهنية.

أدوار الحضارة ومن مثلوها

قامت مصر بالدور الأول، بل الدور الأهم في تاريخ الحضارة البشرية؛ فهي التي علمت الناس الزراعة والبناء والكتابة.

ثم جاء السومريون والبابليون والفينيقيون والآشوريون والكلدان والفرس واليونان والقرطاجنيون والرومان والعرب، ثم الأقوام الأوروبية والأمريكية الحديثة، يضيفون إلى الحضارة ويجددون.

فإذا فرضنا أن أول الحضارة في مصر وآخرها الآن في أمريكا – إذ ليس عندنا دليل على البداية أو علمٌ بالنهاية.

المدنية ليست اختصاصا لقوم وحدهم

ثم ألم تكن الشعوب القديمة نفسُها وأقدمُها الفِرْعونية المصرية منذ آلاف السنين كما هي اليوم خليطًا من الأجناس تغلب عليه جنسية البحر المتوسط؟

وما هي البضعة الآلاف من السنين التي نعرف شيئًا قليلا عنها منسوبة إلى عشرات الآلاف في التاريخ البشريّ الذي لا نعرف شيئًا عنه؟

دعوى هي أصل الاستبداد والتفاوت

فالقول بالحق للأقوى، هو قول يرجّح بعض الأقوام على بعض دون سبب طبيعي، ويُبِيح الاستبداد للقادرين عليه، ويمحو حق المستضعفين، وهو قول تأباه الشريعة المحمدية كلّ الإباء.

قيام المدنية ودوامها

بين المدنية والحق

ويرى بعضُ العلماء أن سلامة العقل البشريّ ليست لازمةً للرقيّ الماديّ.

هل جاء وعد اللّه؟

وإنه لَيَحْزُنُنَا أن يكونَ ما نرى في الدنيا نذيرًا بأمر الله! فلا الأممُ المتأخرةُ من المسلمين، ولا المتقدمة من المسيحيين واليهود، على شيءٍ من التقوى.

نظام جديد للعالم

فلنتحرر من النظريات القديمة

فأول ما يخطر في البال هو التساؤل: ما الذي جعل مدنيتنا الحديثة مع ما وصل الناس إليه من عِلْم ومعرفة مصحوبةً بهذا الشر المستطير؟!.

المدنية في رأي كبلنج

يقول كبلنج: إن المدنية هي النَّقْل .

لنحذر عقوبة الغرور

وقد يكون من الخير والصواب أن نكتفي فيما نسمّيه النظام الجديد بعمل سَلْبِيَّ، هو نظامٌ نمتنِع فيه بتَاتًا عن تسليط ما بأيدينا من قُوىً للتدمير والتخريب، وعن مضاعفة العوامل التي اضطرب بها وجودُنا كلّه.

فلنؤجل النظم المثالية المجردة

فإننا نحاول إقامة هذا النظَام على بُركان من الغرائز الحيوانية المتفجرة الجامحة، وإذا فكل نظام عالمي لا يُرْضِي الغرائزَ البشرية، ولا يُعِين على توجيه الدوافع الإنسانية، هو نظامٌ تقضي عليه الغرائزُ نفسُها، أو تتخذه وسيلةً لإشباع شهواتها، فمن شأن الطبيعة الإنسانية أن تقلب كلّ نظام مثاليّ وأن تكيّفه، وإلا أصبح بالنسبة لها نظامًا لا تطيقه.

من تاريخ الاصطدام بين المثل العليا والواقع السيئ

الظاهر أن النظام المثاليّ الكامل خيالٌ في هذه الدنيا؛ فإن الطبيعة البشرية تأباه.

الواجب قبل الحق

جمعية إنجليزية تضع دستورا لحقوق الإنسان

ومن بين الجماعات الكبيرة التي اهتمت بذلك جماعة تألفت من أهل الفضل في لندن ، يرأسها المحامي الشهير اللورد سنكي ، ويقوم بدعوتها الكاتب المعروف هـ. ج. ويلز .

وقد وضعت هذه الجماعة بعد مناقشات ومكاتبات مشروعًا أعلنت فيه حقوق الإنسان، واقترحت أن يكون دستورَ العالم بعد الحرب الأخيرة.

وقد تضمّن هذا الدستور إحدى عشرة مادّة، هي في نظر الجماعة حقوق الإنسان التي يجب أن لا تعترضها شريعة ولا عُرف ولا أيُّ نظام مَحَلّيٍّ لبلد من البلاد أو شعب من الشعوب؛ فهي القانون الأساسيّ الذي يَجُبُّ كلَّ تشريع مخالف له.

رأي غاندي

فأخذت أنظرُ في واجباتي وما عليَّ قِبَلَ زوجتي وَوَلَدي وإخواني والمجتمع فأديتها، وأنا اليومَ أجدُ نفسي ولي من الحقوق ما ليس لرجل آخرَ أعرفه في هذا العالم .

رأي نهرو

وإذا كان من الحق، وهو عندي الحق، أن مآسيَ العالم الحالية ترجع قبل كلِّ شيء إلى فساد نظامه السياسيّ والاقتصاديّ، فلا بد من تغيير هذا النظام؛ كي يستطاع تطبيقُ ما تريدونه من الحقوق التي أعلنتموها.

إن بيانكم، يا مستر ويلز، ليس قابلا للتحقيق بحال من الأحوال ما دام النظام الاستعماريُّ والرأسماليُ يَسُودان العالم، تقولون: إن لكل إنسان كذا وكذا من الحقوق، وهو كذلك، ولكن أنَّى لهذا الإنسان أن يصل إلى حقوقه تحت النظام الرأسمالي؟

مع رأي غاندي

فحقوق الإنسان كثيرًا ما أُعِلنَتْ، وكثيرًا ما انْتُهكت، وما دام الأقوياء لا يَرْتَدِعُون بداع من التربية والعُرف والوجدان، فإنها تبقى حيث هي غيرَ قابلة للتحقيق.

طريقة مجربة في الإصلاح

فلو أنَّا عوّدنا الناس بالتربية إكرام القائم على واجبه أكثر من المُطالب بحقِّه، لجعلْنا الواجب مصدر العلاقات الأدبية والاجتماعية، وأَنشأنا نظامًا جديدًا لعالم أحسن من عالمنا الحاليّ؛ لأن التربية التي تجعل القيام على الواجب غاية الإنسان الراقي، تنتهي باحترام حقّ الغيْر احترامًا أحفظَ وأنفع للحقوق من كل قوة تُسْتَخدم لكسبها أو المحافظة عليها.

تحويل التصور البشري

نعم إن تحويل التصوّر البشري للأمور عمل شاقٌّ، ولكن ألم يتبدَّل في جيل أو جيلين تصوّرُ الناس لأمور كثيرة تبدلا تامًّا؟

فإِذا لم نعلِّم الناسَ ونُرَبِّهم على احتقار القتال احتقارَهم للقتل، فأنَّى لنا أن نكفُل السَّلْم بتجريد أمم من السلاح أو وضع أمم مسلحة حُرَّاسًا على السلم؟ ومن ذا الذي يضمن أن لا يقتتل الحراس طمعًا فيما اؤتُمِنُوا عليه إذا لم تكفُل ذلك التربيةُ التي أساسُها تقديس الواجب؟!.

علل النظام الحالي

إجماع على فساد الرأسمالية الحالية

يقول نهرو : إن سبب فساد العالم يرجع في معظمه إلى فساد نظامه الاقتصادي والسياسيّ الحاليّ، وإنه لا سبيل إلى الإصلاح ما دامت الرأسمالية تسخّر طبقة لطبقة، والاستعمار يسخر أمة لأمة .

نظام يقوم على الرِّبا، ويَهْدِي إلى الترفَ والإسراف.

الاستعمار الحديث

وإذا قلنا: إن الاستعمار حادث، فليس معنى ذلك أن الناس والحكام لم تتقاتل على الأرض ومِلْكيتها، أو على المُلْك وسَعَتِه؛ فذلك قديم، وإنما الجديد في الأمر هو ذلك الطغيان العامّ باسم التَّمْدِين، وقِوَامة الأمم الأوروبية على العناصر الملوَّنة كما يقولون.

وكان فيما مضى زحف تحتمس من النيل للفرات غير مسبوق، وسير الإسكندر من الفرات إلى السَّنْد أعجوبة التاريخ. كانت شرور الفتح والنهب محدودة وطرائق الأثرة والاستغلال أوّلية.

شاهد من العالم الجديد

إن السيطرة الاستعمارية على العالم باسم الحضارة إنما تسعى لإشباع شهوات الرأسمالية الحديثة في الأسواق والمواد الخام، وقد وضعت الرأسمالية والاستعمار متسانِدَيْن أسسَ هذا الاضطراب العالميّ الذي قد يقضي على الحضارة كلها.

فلا بد إذًا من نظام اقتصاديّ وسياسي جديد.

مقترحات

عالم واحد لا يتجزأ السلم فيه

ولا بد له أن ينتهي إلى قبول هيئة عليا لقيادة مشتركة كما قبلت الشعوب هيئات منها لقيادتها، فتُولَد عندئذ الحكومة العالمية التي نرى فوائدها في نظام الأمم المتحدة ، فتكون لها سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية يُقِرُّ الناس شرعيتها كما يقرون شرعية حكوماتهم القومية، ويَدينون لها بولاء مماثل لولائهم لدولهم.

البدء في قلوب الطفولة

مثل هذه القواعد الفطرية، إذا دُرِّبَ الناس على تقديسها تقديسَهم لأديانهم وأوطانهم، ولُقّنِوها في طفولتهم وهم في أحضان أمهاتهم وحين تنشئتهم في المدارس، تنتهي حتما إلى إقامة صرح نظام عالميّ عليها، موطدِ القواعد ثابت الأركان.

فلنتعهد النواة الصالحة في هيئة الأمم المتحدة

بل قد يأتي اليوم الذي تضع فيه الدولة من الدول سيادتها وسلطانها تحت تصرف هيئة الأمم المتحدة؛ لضمان أمنها أو يُسْرها، أو للتغلب على معضلاتها الاقتصادية والاجتماعية.

الباب السادس: في النظام الأساسي للدولة الإسلامية

بعَض أُسُس الدَّولة الإسلاميّة: الإمَامة – الشورى – السِّيَادة

دلالة الفقه الإسلامي

ولعل الفقه الإسلامي في نشوئه وتطوره وتعدد آراء المجتهدين فيه متأثرين قطعًا بظروف البيئة وظروف الزمن، هو الهادي إلى ما نظنه الصواب في هذا النظر.

المبادئ العامة محددة وقاطعة

إذا نظرنا في الكتاب والسنة وتاريخ المسلمين في أيام خلفائهم الراشدين نجد أن الإسلام محدد قاطع في كل ما هو من المبادئ العامة الصالحة لكل زمان ومكان وقوم.

فوضوح الإسلام في الأصول العامة ومبادئ الأخلاق السامية، وتركه الكثير من الأمور للرأي والاجتهاد لم يكن سببًا للضعف في شريعته، بل سببًا لاستمرار الحياة والخلود لهذه الشريعة وعظمة الفقه فيها.

في الشورى

كره الإسلام أن تقوم الدولة على السيطرة والجبروت من شخص أو جماعة، وأرادها أن تقوم على الرضا والتعاون، فأمر بالشورى.

فجعل الشورى مبدأ عامّا لا مفر من إقراره واعتباره في كل دولة أو جماعة إسلامية في أي مكان وأي زمان وأي قوم، وقد دلت تجارب البشر على اضطراد هذا المبدأ ونفعه، ولكنه لم يرد أن يشق علينا بتعيين نظام واحد لهذه الشورى أو تعديد صور له؛ لنختار منها ما يقتضيه المكان والزمان، فترك لنا الاختيار والتنظيم للشورى معتمدًا في ذلك على إخلاصنا لديننا وإخلاصنا لأنفسنا.

من هم أهل الشورى؟

وقد اصطلح المسلمون على أن أهل الشورى، هم جماعة من أهل الحل والعقد، و أهل الحل والعقد ، هم من إذا أبرموا وعقدوا أمرًا أبرمه الناس، وإذا نقضوه وحلوه نقضه الناس.

فلو علمنا من هم أهل الحل والعقد الذين إذا قالوا قال الناس، وإذا رأوا رأيًا تبعهم الناس لكان فيهم كل الكفاية للحصول برضائهم على الرضا العام، ومثلت الأمة خير تمثيل، ولكن المشكل الذي ظهر في مدى العصور الإسلامية هو الاتفاق أولا على من هم أهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم مثلًا البيعة للإمام، وثانيا على كيفية اختيارهم.

والواقع أن تعيين أهل الحل والعقد ليس أمرًا هينًا؛

في الإِمَامة

ومثل آخر هو: مسألة الإمامة واختيار رئيس الدولة، وما يجب أن يتوفر في الإمام من شروط، وما له وما عليه من واجبات.

تجربة العصور

وقد دلت تجربة العصور على أنه إذا فسدت الأمة، وإذا فشا فيها الجور فلم يقف الناس عند حدود الشريعة، فسد الأمر كله، فضاع حق الراعي وحق الرعية، وكثرت الفتن وانطوت سيادة القانون.

الأصول المقررة في رياسة الدولة الإسلامية

أشعر أن الشريعة الإسلامية لم تقرر لحكمة سامية في أمر رياسة الدولة إلا بعض أصول قليلة، كإقامة الإمام، وأن يكون بالغًا، عاقلًا، مرضيًا عنه من الأمة، مستعينًا بصالحيها، مشاورًا لأهل الحل والعقد فيها، وأن يكون بعد ذلك حارسًا على مصالح المسلمين مقيما لشريعتهم، وينتقض أمره بمخالفته أوامر اللّٰه ومصالح المسلمين، وأظن أنه فيما عدا هذه الأصول القليلة قد ترك للناس أن يجتهدوا ويضعوا من النظم ما يصلح أمورهم؛ ليتناسب ذلك مع دعوة الإسلام العامة، وأن هذا الدين للناس كافة.

في سيادة الأمّة

إن الإسلام دين عام، لا يتقيد في أصول العقائد والآداب والأخلاق والمبادئ والحقوق بالأوطان الخاصة، ولا بنعرات الجنسيات والقوميات والألوان، ولهذا فالسيادة عنده للشريعة، أي: لتلك الأصول التي قامت عليها دعوته.

مفهوم السيادة في الإسلام

فالسيادة بمعناها العصري عند الآخرين أو مقلديهم من المسلمين غيرها في النظام الإسلامي، فهي فيه مكونة من عدة قوى يجتمع بها سلطانها، هي: الشريعة، والأمة، والإمام حارس الشريعة ومختار الأمة، ولذلك يسمو النظام الإسلامي على ما عداه.

صورة لا نظير لها

فمثلا إذا قالت الشريعة: … لم تستطع الأمة ولا الإمامة ولا هما مجتمعين أن يتجاوزوا ما أرادته الشريعة من عدل وإنصاف، ولو كان ذلك باسم سيادة الأمة وحقها في تقرير مصائرها.

حدود سلطة الأمة

وإذا لا تكون الأمة مصدر السلطات، بمعنى: أنها طليقة تفعل بنفسها ووطنها أو غيره ما تشاء، فهذه المشيئة محدودة بمبادئ الأخلاق العامة، ومبادئ العدل وحقوق الإنسان وواجباته، كما أرادها الله.

نعم إن الأمة مصدر السلطات، وليس للملوك ولا للرؤساء من أي نوع كانوا في الشريعة الإسلامية من الأمر إلا ما تريده الأمة؛ فهي التي تقيم الدولة، وهي التي تنظمها، وهي التي تختار أولياء الأمر فيها، وهي التي تقدر مصالحها وتدرأ مفاسدها، فهي في هذا كله مصدر للسلطات: تلك السلطات التي يحدها ويحيط بها نطاق الشريعة الإسلامية.

لا سند لما ينقض العدل والحقّ

وسيادة الشريعة فيما هو متعلق بأوامر اللّه لا تنقض برأي فرد ولا جماعة ولا قوة، وكل رأي أو قوة تحول بين الناس وبين العدل والحق كما جاء بهما الإسلام، لا مبرر له ولا سند من الدين الإسلامي ولو كان له سندًا من السلطان والأمة.

فما دام المسلمون في أي قطر من أقطارهم أو دولة من دولهم، يعملون بنية خالصة محترمين شرعهم ومقيمين نظمًا دستورية تتناسب مع أحوالهم، فإنهم يحدثون بذلك نظمًا إسلامية هي خير لهم من تلك التي يقلدون فيها ما يسمى بالديمقراطيات الشيوعية أو الديمقراطيات الرأسمالية.

الباب السابع: في انتشار الدعوة

انتشار الدّعوة في الوثنيّين

خلط بين انتشار الدعوة وامتداد الدولة

وامتزاج تاريخ الفتوحات السياسية والدوْلِيَّةِ بتاريخ الفتح الدينيِّ؛ مما جعل الناس يخلِطُون بين دخول الأقوام في الإيمان وقبولهم لرسالة التوحيد، وبين خضوعهم لسلطان الأمة الجديدة التي كانت السابقة إلى قبول الرسالة المحمدية.

الدعوة السرية والجهرية

دعا محمدٌ ﷺ أول ما دعا إلى الإسلام آل بيته؛ فمنهم من آمن، ومنهم من عصى.

الموقف في خارج الجزيرة

فما الذي دعاه للخروج من قلب الجزيرة العربية، وسَوْقِ الجيوش لقتال الرومان في سوريا؟ أليس الرغبة في تحكيم السيف؟.

أولًا: المسلمون لم ينتقلوا فجأة من جزيرة عربية منعزلة إلى غزو مصر

قبل وفاة النبي ﷺ كانت الدولة الإسلامية قد بدأت بالفعل في الاحتكاك بالحدود الشمالية للعالم البيزنطي: مؤتة، ثم تبوك، ثم تجهيز جيش أسامة إلى جهة الشام. أي أن الاتجاه نحو الشمال لم يبدأ بعد وفاة النبي من الصفر؛ بل كانت هناك بالفعل صلة سياسية وعسكرية بمنطقة الشام والقبائل العربية المرتبطة ببيزنطة. وتتناول الدراسات الحديثة هذه الحملات باعتبارها المرحلة السابقة مباشرة للتوغلات الإسلامية اللاحقة في الأراضي البيزنطية.

ثم وقعت وفاة النبي ﷺ سنة 632م وحروب الردة، وبعد أن أعاد أبو بكر توحيد معظم الجزيرة تحت سلطة المدينة، أصبحت لدى الدولة قوة عسكرية كبيرة ومعبأة، وصارت حدودها الفعلية تلاصق مجال الإمبراطوريتين العظميين في ذلك الوقت: البيزنطيين في الشام، والساسانيين في العراق. وتصف دراسة Cambridge هذه المرحلة بأن الإطار العسكري الذي قامت عليه الفتوحات التالية تشكل بالفعل في عهد النبي وحروب الردة.

فما الذي دفع إلى الخروج خارج الجزيرة؟

لا يوجد سبب واحد. وأقرب قراءة للمصادر تجعل الدافع مركبًا.

الدافع الديني كان حقيقيًا وأساسيًا. الجماعة الإسلامية لم تكن ترى نفسها مجرد دولة قبلية محلية في الحجاز؛ كان لديها تصور ديني عن الجهاد، ونشر سلطان الدولة الإسلامية، والثواب الأخروي. ومن اللافت جدًا أن البلاذري، عندما يروي تعبئة أبي بكر للجيوش المتجهة إلى الشام، يذكر صراحةً أن الناس كانوا يُرغَّبون في الثواب الديني وغنائم الروم معًا؛ بل يفرق بين من خرج رغبة في الأجر ومن خرج رغبة في الغنيمة. فهذا مصدر إسلامي مبكر نسبيًا يحفظ لنا بوضوح تعدد الدوافع، بدل تصور أن الجميع خرج لسبب مادي فقط أو ديني فقط.

لكن نشر الإسلام هنا لا ينبغي فهمه بمعنى: إجبار سكان البلاد المفتوحة على أن يصبحوا مسلمين فورًا. تاريخ مصر نفسه يناقض ذلك التصور؛ فقد ظل المجتمع المصري مسيحيًا بأغلبيته مدة طويلة بعد الفتح، وكان التحول إلى العربية والإسلام تدريجيًا عبر قرون. فالفتح أنشأ سيادة سياسية إسلامية؛ أما التحول الديني للسكان فكان عملية أخرى أبطأ بكثير.

وكان هناك كذلك دافع سياسي وعسكري. بمجرد أن أصبحت الجزيرة موحدة تحت سلطة واحدة، لم تعد الحدود الشمالية مجرد منطقة قبلية فضفاضة، بل أصبحت حدود دولة مع إمبراطوريتين. وبعد السيطرة على جنوب العراق والشام، كانت كل منطقة جديدة تخلق جبهة جديدة: إذا أخذت فلسطين مثلًا، فمصر البيزنطية تصبح على حدودك مباشرة؛ وإذا استوليت على العراق، تصبح الأراضي الساسانية الأخرى خلف الجيش المهزوم مجالًا عسكريًا مفتوحًا. ولهذا اتخذ التوسع أحيانًا صورة متتابعة، وليس تنفيذًا لخطة مكتوبة منذ البداية لاحتلال كل هذه المساحات.

وكانت المكاسب المادية جزءًا من الأمر أيضًا: الغنائم، والأراضي، والعطاء، ثم إيرادات الضرائب من الأقاليم الزراعية الغنية. إنكار هذا العامل لا يتفق مع المصادر الإسلامية نفسها. لكنه أيضًا لا يكفي وحده لتفسير الظاهرة؛ لأن المصادر نفسها تجمع بين الأجر الديني والمصلحة المادية.

وهناك أخيرًا عنصر مهم جدًا لكنه ليس دافعًا بقدر ما هو فرصة تاريخية: الإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية خرجتا لتوهما من حرب مدمرة استمرت عقودًا، وانتهت حوالي 628م. كانت الموارد والجيوش والإدارة قد تعرضت لاستنزاف شديد. وتعد هذه من أهم العوامل التي تفسر لماذا استطاعت جيوش صغيرة نسبيًا تحقيق نتائج ضخمة.

ولماذا مصر بالذات؟

هنا الصورة أوضح.

مصر لم تُفتح مباشرة من المدينة قبل الشام؛ بل جاءت بعد السيطرة الإسلامية على معظم الشام وفلسطين. ولذلك يقول هيو كينيدي في The Cambridge History of Egypt حرفيًا من حيث المعنى إن فتح مصر جاء بصورة طبيعية في أعقاب فتح الشام . الهجوم انطلق من جنوب فلسطين في أواخر 639 أو أوائل 640م بقيادة عمرو بن العاص.

من الناحية الجغرافية، بعد سقوط فلسطين أصبحت مصر هي الإقليم البيزنطي الكبير المتصل مباشرة بالأراضي التي صار المسلمون يسيطرون عليها. الطريق عبر العريش والفرما وسيناء أصبح امتدادًا عسكريًا مباشرًا، وليس رحلة من المدينة عبر آلاف الكيلومترات إلى بلد اعتباطي.

وكان هناك أيضًا سبب استراتيجي واضح: مصر كانت قاعدة بيزنطية ضخمة، وخصوصًا الإسكندرية. وبقاء مصر في يد البيزنطيين مع فقدان الشام وفلسطين يعني بقاء قاعدة يمكن منها محاولة استعادة الأراضي المفقودة. وهذه ليست فرضية نظرية فقط؛ ففي سنة 645م استطاع البيزنطيون بالفعل استعادة الإسكندرية مؤقتًا من البحر، قبل أن يستعيدها المسلمون نهائيًا سنة 646م. أي أن الخطر الاستراتيجي الذي تمثله مصر البيزنطية كان حقيقيًا.

ومصر كذلك كانت من أغنى أقاليم الإمبراطورية. كانت مصدرًا مهمًا للحبوب، والمنسوجات، والبردي، والضرائب، كما كانت عقدة تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر والتجارة القادمة من المحيط الهندي. وقد كانت مصر تاريخيًا مصدرًا مهمًا لحبوب القسطنطينية، وكان فقدها ضربة مالية واقتصادية شديدة لبيزنطة.

وكان وضع مصر الداخلي نفسه مواتيًا للغزو. فقد احتلها الفرس نحو عقد ثم استعادها البيزنطيون حوالي 629م، أي قبل دخول عمرو بن العاص بنحو عشر سنوات فقط. وهذا أدى إلى اضطراب سياسي وإداري واضح.

وكانت هناك أيضًا الخلافات الدينية بين السلطة البيزنطية الخلقيدونية وقطاعات واسعة من المسيحيين المصريين الميافيزيين، لكن ينبغي الحذر هنا: لا يصح اختزال الأمر في عبارة الأقباط رحبوا بالمسلمين وكأن المصريين كانوا كتلة واحدة. بعض الروايات تشير إلى تفضيل فئات للصلح، وهناك مصريون حاربوا المسلمين أيضًا. والانقسامات ساعدت على إضعاف التماسك البيزنطي، لكنها ليست دليلًا على إجماع المصريين على استقبال الفتح.

وهناك نقطة مهمة جدًا في سؤال: من الذي قرر فتح مصر ولماذا؟ . المصادر الإسلامية نفسها ليست متفقة تمامًا. البلاذري يحفظ رواية تقول إن عمرو بن العاص تحرك إلى مصر باجتهاده، فغضب عمر بن الخطاب وكتب إليه، ويحفظ في الوقت نفسه رواية أخرى تقول إن عمر هو الذي أمره بالتوجه إلى مصر. ولذلك يحذر هيو كينيدي من الجزم بالتفاصيل الدقيقة، ويصف عمرو بأنه قائد الحملة وصاحب المبادرة الأساسية فيها.

إذن ما الخلاصة التاريخية؟

لا أرى أن الصياغة الدقيقة هي: خرج المسلمون من الجزيرة لأن البلاد الأخرى هاجمتهم ، لأن هذا لا يفسر كل الفتوحات، وبعض الحملات كانت توسعًا عسكريًا مبادرًا فعلًا.

وفي المقابل، ليس دقيقًا أيضًا أن يقال: خرجوا فقط لنهب ثروات الشعوب . المصادر الإسلامية نفسها، فضلًا عن الدراسات الحديثة، ترينا مزيجًا أكثر تعقيدًا.

الأدق هو:

ظهرت في الجزيرة العربية دولة دينية عسكرية موحدة ذات رسالة تتجاوز حدود القبيلة والجزيرة؛ وبعد توحيد الجزيرة وحروب الردة بدأت تتوسع في المجالين البيزنطي والساساني المجاورين. اشترك في التوسع دافع ديني للجهاد وإقامة السيادة الإسلامية، ومصالح سياسية وأمنية، وحوافز اقتصادية مثل الغنائم والإيرادات، وساعد على نجاحه الاستثنائي انهيار القوة العسكرية والسياسية لبيزنطة وفارس بعد حربهما الطويلة. وكل انتصار خلق حدودًا وفرصًا وأهدافًا جديدة، فتحولت الحملات تدريجيًا إلى إمبراطورية واسعة.

ومصر مثال واضح جدًا: لم تكن هدفًا عشوائيًا من داخل الجزيرة، بل المرحلة التالية جغرافيًا واستراتيجيًا بعد سقوط فلسطين والشام، وكانت في الوقت نفسه قاعدة بيزنطية خطرة وإقليمًا بالغ الثراء.

الأدق أن نفرّق بين الجبهة البيزنطية والجبهة الساسانية

في الجبهة البيزنطية يوجد بالفعل سياق عدائي سابق للفتوحات الكبرى. فبحسب روايات السيرة الإسلامية، قُتل الحارث بن عمير الأزدي، رسول النبي ﷺ، على يد شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو من القوى العربية المرتبطة ببيزنطة، ثم جاءت حملة مؤتة سنة 629م. فهذا يسمح بأن تقول: إن الاحتكاك العسكري مع المجال البيزنطي لم يبدأ لأول مرة في خلافة أبي بكر، بل سبقه صدام في حياة النبي ﷺ.

ثم جاءت تبوك سنة 630م على خلفية أخبار عن حشد بيزنطي أو حشد لحلفاء بيزنطة في الشمال. لكن هنا يجب الاحتياط: المصادر الحديثة لا تستطيع تأكيد أن هرقل كان بالفعل يعد جيشًا لغزو المدينة أو الحجاز؛ فالجيش البيزنطي المزعوم لم يظهر في تبوك، وهناك خلاف في مدى صحة المعلومات التي وصلت إلى المسلمين.

وفوق ذلك، لدينا جيش أسامة الذي جهزه النبي ﷺ قبيل وفاته للتوجه إلى منطقة البلقاء والشام. ولذلك يمكن أن تقول بثقة إن هناك مواجهة سياسية وعسكرية متصاعدة بين الدولة الإسلامية والقوى الموجودة على التخوم البيزنطية قبل الفتوحات الواسعة في عهد أبي بكر وعمر.

لكن هذا شيء، والقول إن بيزنطة بدأت حربًا شاملة لغزو الدولة الإسلامية شيء آخر. لا أرى دليلًا تاريخيًا كافيًا يسمح بالجزم بالثاني.

أما الجبهة الفارسية، فالإشكال أوضح. لا توجد فيما أستطيع التحقق منه واقعة مماثلة نستطيع منها القول إن الدولة الساسانية غزت الدولة الإسلامية أولًا، ثم رد المسلمون باجتياح العراق. الروايات التاريخية عن بداية فتح العراق تصف المثنى بن حارثة ومن معه وهم يغيرون على المناطق الواقعة تحت الحكم الساساني، ثم أرسل أبو بكر خالد بن الوليد إلى العراق سنة 633م. وكتاب Cambridge History of Iran نفسه يصور نهاية حروب الردة باعتبارها المرحلة التي صار فيها المسلمون مستعدين للانتقال إلى تحدي بيزنطة وإيران.

لذلك لو أردنا صياغة تاريخية قوية لا يسهل الاعتراض عليها، فأنا أقترح شيئًا مثل:

لم تكن الفتوحات الإسلامية مجرد رد مباشر على غزو فارسي وبيزنطي للجزيرة العربية؛ لكن الدولة الإسلامية الناشئة وجدت نفسها منذ عهد النبي ﷺ في احتكاك عسكري متزايد مع القوى التابعة لبيزنطة على حدود الشام، ثم بعد توحيد الجزيرة دخلت في صراع مفتوح مع الإمبراطوريتين المجاورتين. ومع بدء الحرب وتحقيق الانتصارات، ظهر منطق استراتيجي واضح: عدم الاكتفاء بالدفاع عن حدود الجزيرة، بل دفع مركز الثقل العسكري إلى أراضي الخصم وإبعاده عن حدود الدولة الإسلامية.

وهنا أصل إلى النقطة التي طرحتها أنت، وهي مهمة جدًا: هل بعد أن بدأت الحرب أصبح من المنطقي أن يواصل المسلمون التقدم بدل انتظار الروم أو الفرس حتى يستعيدوا قوتهم ويهاجموهم؟ نعم، هذا تحليل استراتيجي معقول جدًا، ولكن ينبغي وصفه بأنه تفسير لمنطق استمرار الحرب، لا دليل على أن كل الحرب بدأت أصلًا دفاعًا عن النفس.

مثلًا بعد انتصار المسلمين في اليرموك سنة 636م وفقدان بيزنطة للشام، سيكون من السذاجة العسكرية تصور أن الصراع انتهى نهائيًا. الإمبراطورية البيزنطية بقيت دولة عظمى لها الأناضول ومصر والأسطول والموارد، وحاولت بالفعل لاحقًا استعادة مناطق فقدتها. ومن هنا يصبح الاستمرار نحو فلسطين ثم مصر مفهومًا استراتيجيًا: كلما أبعدت القوات البيزنطية عن قلب المناطق الإسلامية الجديدة، صارت حدودك أكثر أمنًا.

ونفس الشيء حصل بدرجة ما مع الفرس. السيطرة على أجزاء من العراق لم تكن تعني انتهاء الدولة الساسانية؛ بقيت المدائن والجيش الساساني والمناطق الإيرانية خلفها. فلو توقف المسلمون عند خط معين في العراق، كان على الدولة الساسانية أن تعيد تنظيم قواتها وتحاول استعادة ما فقدته. وهذا حدث فعلًا في مراحل من الحرب، إذ وقعت هجمات مضادة ساسانية بعد النجاحات الإسلامية الأولى. لذلك تحولت الحرب تدريجيًا من السيطرة على تخوم العراق إلى إسقاط القدرة الساسانية على استعادة العراق، وانتهى الأمر بالقادسية والمدائن ثم نهاوند والتوغل داخل إيران.

إذن عندي ثلاثة مستويات ينبغي ألا نخلط بينها:

1. من بدأ أول احتكاك؟ في الجبهة البيزنطية توجد وقائع عدائية سابقة مثل قتل الرسول ومؤتة، بينما الأمر أصعب بكثير في الجبهة الفارسية.

2. من بدأ الفتوحات المنظمة داخل أراضي الإمبراطوريتين بعد الردة؟ القوات الإسلامية هي التي تحركت إلى العراق والشام بصورة هجومية منظمة.

3. بعد دخول الحرب مرحلة مفتوحة، هل أصبح دفع الحدود إلى الأمام ذا منطق دفاعي واستراتيجي؟ نعم بالتأكيد؛ القضاء على قدرة الخصم على شن هجوم مضاد وتأمين الأراضي المفتوحة عامل مهم جدًا في تفسير استمرار التوسع.

ولهذا فإن عبارة الدفاع المتقدم أو ما يسمى في الدراسات الاستراتيجية الحديثة forward defense تساعد في فهم جزء من الظاهرة: بدل أن تكون المعركة عند المدينة أو أطراف الجزيرة، تنتقل منطقة الصراع إلى العراق والشام، ثم إذا أصبحت العراق والشام جزءًا من الدولة الجديدة، تصبح حماية هذه الأراضي نفسها مقتضيةً لمواجهة مراكز القوة التي تستطيع استعادتها.

لكنني لن أجعل هذا العامل هو التفسير الوحيد للفتوحات؛ لأن المصادر نفسها تشير كذلك إلى الجهاد والدافع الديني، وإقامة السلطان السياسي، والغنائم والعطاء، واستغلال الفراغ الذي خلفه إنهاك الروم والفرس. فالصورة التاريخية المركبة أقوى بكثير من محاولة إثبات أن الفتوحات كلها كانت حربًا دفاعية بالمعنى الحديث.

مع الروم بدأ الاحتكاك الفعلي في حياة النبي ﷺ عبر القبائل العربية المرتبطة ببيزنطة، ثم وقع اشتباك مباشر في مؤتة. أما مع الفرس فلم تقع ـ فيما نستطيع إثباته ـ حرب مباشرة بينهم وبين المسلمين في حياة النبي ﷺ؛ كان الاحتكاك سياسيًا ودبلوماسيًا في الأساس، ثم بدأ القتال الحقيقي بعد وفاته ﷺ.

أولًا، لا بد من فهم الخريطة السياسية قبل الإسلام. لم تكن حدود الروم والفرس تنتهي عند مدن الشام والعراق ثم يبدأ فراغ عربي. القوتان كانتا تستخدمان قبائل عربية كـ دول حاجزة أو قوات حدودية:

– الروم/البيزنطيون اعتمدوا على قبائل عربية، وأشهرها الغساسنة أو الجفنيون، وكانوا يحصلون على الاعتراف والإعانات ويقاتلون ضمن منظومة الدفاع البيزنطية.

– الفرس الساسانيون اعتمدوا على المناذرة/اللخميين في الحيرة، وكانت لهم أيضًا سيطرة أو نفوذ مباشر في البحرين وعُمان واليمن.

إذن عندما توسعت دولة المدينة شمالًا وشرقًا لم تكن تقابل قبائل مستقلة فقط؛ بل بعض تلك القبائل كان جزءًا من شبكة النفوذ الإمبراطوري.

1. بداية الاحتكاك مع الروم: بدأت في الأغلب عبر حلفائهم العرب

أقدم مرحلة تستحق الاهتمام ترجع تقريبًا إلى سنة 5هـ/626م، أي قبل مؤتة بثلاث سنوات.

تذكر مصادر المغازي أن النبي ﷺ خرج إلى دومة الجندل في شمال الجزيرة بعد أخبار عن جماعات قبلية تعترض التجارة أو تشكل خطرًا على طريق المدينة والشام. وبعض الروايات، ولا سيما عند الواقدي، تربط المنطقة بقبائل داخلة في المجال الغساني/البيزنطي، وتذكر أن الاقتراب من الشام سيغضب قيصر .

لكن هنا ينبغي التدقيق: لم يقع في دومة الجندل قتال مباشر بين المسلمين والجيش البيزنطي، ولا نستطيع تحويل روايات الواقدي إلى دليل على أن هرقل شخصيًا كان قد أصدر أوامر لمحاربة النبي ﷺ.

لذلك أعتبر دومة الجندل احتكاكًا مبكرًا مع مجال النفوذ البيزنطي، وليس حربًا إسلامية بيزنطية مباشرة.

ثم توجد روايات عن قبائل مثل جذام وقضاعة وكلب وغيرها على تخوم الشام، وبعضها كانت له علاقات سياسية أو مالية بالروم.

وهنا نقطة مهمة بالنسبة لسؤالك: نعم، لدينا أساس تاريخي قوي للقول إن بيزنطة كانت تموّل وتستخدم قبائل عربية لحماية حدودها. هذا النظام سابق أصلًا لظهور الإسلام، وليس تحالفًا اخترعه هرقل خصيصًا لمحاربة النبي ﷺ.

ولكن عندما بدأت دولة المدينة تتوسع نحو الشمال، أصبحت تلك القبائل بحكم ارتباطها ببيزنطة أول خط احتكاك مع المسلمين.

2. حادثة رسول النبي ﷺ إلى الشام

ثم نصل إلى الحادثة التي تعد في الرواية الإسلامية مقدمة مؤتة مباشرة.

بعث النبي ﷺ الحارث بن عمير الأزدي برسالة في اتجاه الشام، وتذكر المصادر الإسلامية أن شرحبيل بن عمرو الغساني اعترضه وقتله.

وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن قتل رسول سياسي كان عملًا عدائيًا شديدًا في عرف ذلك العصر.

ومن هنا تفسر المصادر الإسلامية إرسال النبي ﷺ جيش مؤتة بأنه رد على قتل مبعوثه.

لكن من الناحية النقدية يجب التفريق بين أمرين:

أصل معركة مؤتة سنة 629م ووقوع مواجهة مع قوات تابعة للنظام البيزنطي أمر يقبله المؤرخون الحديثون بدرجة عالية.

أما تفاصيل قتل الحارث، وأنها كانت السبب المحدد للحملة، فمصدرها الأساسي هو الرواية الإسلامية، وليس لدينا ـ بحسب ما استطعت التحقق منه ـ وثيقة بيزنطية معاصرة تؤكد قصة الحارث وشرحبيل بتفاصيلها.

3. مؤتة 629م: أول مواجهة عسكرية مباشرة مهمة مع الروم

وهنا يحدث التحول الحقيقي.

في جمادى الأولى سنة 8هـ تقريبًا، الموافق 629م، خرج نحو 3000 مسلم بقيادة:

زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم.

ووقع القتال في منطقة مؤتة بالأردن الحالي.

والدراسات البيزنطية الحديثة تعد مؤتة أول اشتباك عسكري مهم بين المسلمين والقوات التابعة لبيزنطة.

لكن الروايات الإسلامية المتأخرة تذكر أرقامًا مثل 100 ألف أو 200 ألف للروم والعرب المتحالفين معهم، وهذه الأرقام لا يقبلها المؤرخون العسكريون المعاصرون.

الأقرب أن الذي واجه المسلمين كان قوة بيزنطية محلية مع عرب حلفاء للروم، وربما تحت قيادة مسؤول بيزنطي يدعى ثيودور.

والنقطة المهمة جدًا:

هرقل لم يجمع 100 ألف رجل ويخرج شخصيًا لمحاربة النبي في مؤتة.

الصورة التاريخية الأقرب هي مواجهة حدودية بين القوة الإسلامية الصاعدة وبين شبكة الدفاع البيزنطية في جنوب الشام: قوات نظامية محلية + عرب حلفاء.

وهذا يجيب على جزء مهم من سؤالك السابق: المسلمون لم يصلوا إلى الشام لأول مرة سنة 634م ليجدوا الروم فجأة؛ الصراع كان قد بدأ بالفعل في حياة النبي ﷺ.

4. بعد مؤتة: قضاعة وذات السلاسل

بعد مؤتة مباشرة تقريبًا أرسل النبي ﷺ عمرو بن العاص رضي الله عنه في ذات السلاسل.

والروايات المبكرة تربط الحملة بقبائل في شمال الجزيرة مثل قضاعة وبلي وغيرها.

وفي أحد أقدم نصوص المغازي المتاحة، رواية معمر بن راشد عن الزهري، يرد بوضوح أن النبي ﷺ أرسل حملات ناحية الشام إلى قبائل:

كلب، وبلي، وغسان، والعرب الموجودين على أطراف الشام.

وهذا مهم جدًا؛ لأنه يرينا أن المسألة لم تكن محمد ضد القسطنطينية بصورة بسيطة، بل:

دولة المدينة ← قبائل شمال الجزيرة ← عرب مرتبطون بالروم ← القوات البيزنطية نفسها.

أي أن الصراع كان يتدرج جغرافيًا وسياسيًا.

5. هل كان الروم أنفسهم يدعمون هذه القبائل؟

نعم، في المعنى السياسي والعسكري العام.

الغساسنة وغيرهم كانوا ضمن منظومة الـ foederati البيزنطية: حلفاء عسكريون عرب يستخدمهم الروم لحماية حدودهم والمشاركة في حروب الإمبراطورية.

لدينا أدلة بيزنطية قبل الإسلام على أنهم كانوا يتلقون إعانات، ويحمون تخوم الشام، ويحاربون إلى جوار الروم ضد الفرس والمناذرة.

ولذلك عندما قاتل بعضهم المسلمين، نستطيع القول إن المسلمين كانوا يقاتلون قوة عربية مرتبطة بالنظام الدفاعي البيزنطي.

لكنني لا أجد دليلًا جيدًا يسمح بعبارة:

هرقل كان يمول قريش في بدر وأحد والخندق.

هذا شيء مختلف تمامًا.

لا يوجد فيما اطلعت عليه دليل معتبر على أن الإمبراطورية البيزنطية مولت قريش أو أبا سفيان أو غطفان في حروبهم ضد النبي ﷺ.

العلاقة التي نستطيع إثباتها هي أساسًا مع العرب الموجودين على الحدود البيزنطية في الشام وشمال الجزيرة.

6. ماذا عن تبوك؟

في 9هـ/630م تقريبًا جاءت غزوة تبوك.

الرواية الإسلامية المشهورة أن أخبارًا وصلت إلى المدينة عن استعدادات للروم وحلفائهم العرب.

فخرج النبي ﷺ بجيش كبير شمالًا حتى تبوك.

لكن لم تقع المعركة.

والنقطة التاريخية المهمة: لا نستطيع حاليًا تأكيد وجود جيش بيزنطي ضخم أرسله هرقل لغزو المدينة ثم انسحب لمجرد وصول المسلمين إلى تبوك.

هذا موجود بصور مختلفة في مصادر السيرة، لكن الدليل البيزنطي المستقل عليه ضعيف جدًا.

لذلك الصياغة الدقيقة:

بلغت النبي ﷺ معلومات عن تهديد عسكري من الشمال، فتحرك إلى تبوك، ولكن لم يحدث اشتباك مباشر، ولا نستطيع إثبات خطة بيزنطية مؤكدة لغزو المدينة.

وبعد ذلك أبرم النبي ﷺ ترتيبات مع عدد من جماعات المنطقة، وهو أمر استراتيجي مهم؛ لأنه وسع مجال نفوذ المدينة حتى تخوم الشام.

ثم جهّز قبيل وفاته ﷺ جيش أسامة بن زيد مرة أخرى إلى الشمال.

إذن الاتجاه الشامي في آخر حياة النبي ﷺ واضح جدًا ومتكرر:

دومة الجندل → مؤتة → ذات السلاسل → تبوك → جيش أسامة.

وهذا يجعل فتوحات الشام بعد وفاته ﷺ أقل شبهًا بانفجار مفاجئ غير مسبوق مما قد يتصور البعض.

أما الفرس فالقصة مختلفة جدًا

7. الفرس كانوا موجودين بالفعل داخل الجزيرة

قبل الإسلام كان للساسانيين وجود مهم في:

العراق → الحيرة والمناذرة.

شرق الجزيرة → البحرين وهجر وعُمان.

جنوب الجزيرة → اليمن.

وأقوى مثال هو اليمن.

الفرس تدخلوا عسكريًا في اليمن في القرن السادس وأقاموا هناك نخبة فارسية تعرف في المصادر باسم الأبناء، وكان والي اليمن في أواخر عهد النبي ﷺ باذان، وهو فارسي تابع للساسانيين.

إذن عندما بدأت دعوة النبي ﷺ تتوسع، كانت حدود نفوذه بالفعل تقترب من أراضٍ داخل الجزيرة خاضعة بطريقة أو بأخرى للنفوذ الفارسي.

8. لكن المناذرة لم يكونوا آنذاك قوة فارسية تقاتل الإسلام

وهذه نقطة مهمة جدًا.

اللخميون/المناذرة كانوا تاريخيًا النظير الفارسي للغساسنة.

لكن كسرى الثاني ألغى المملكة اللخمية تقريبًا سنة 602م وقتل أو عزل النعمان الثالث.

أي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة.

ولهذا عندما ظهرت الدولة الإسلامية في المدينة لم يعد هناك ملك لَخمي قوي تحت رعاية الفرس يقوم بالدور نفسه الذي لعبه الغساسنة للروم.

بل إن إنهاء كسرى للمملكة اللخمية يعتبره مؤرخون خطأ استراتيجيًا؛ لأنه أزال الحاجز العربي بين العراق الساساني والقبائل القادمة من الجزيرة.

9. هل دعم الفرس قريشًا أو غطفان أو أعداء النبي ﷺ؟

هنا الإجابة أوضح:

لا أجد دليلًا تاريخيًا معتبرًا على أن كسرى أو الدولة الساسانية موّلوا قريشًا في بدر أو أحد أو الخندق، أو أرسلوا قوات لمساعدة المشركين على النبي ﷺ.

ولا أرى أن هذه الدعوى يمكن استعمالها تاريخيًا.

بالتأكيد كانت للفرس علاقات قديمة بالقبائل العربية وشبكات نفوذ وتجارات ووكلاء، لكن هذا شيء، والقول إن الدولة الفارسية شاركت في الحرب المكية ضد الإسلام شيء آخر.

10. أول احتكاك سياسي مباشر مع كسرى

هنا تأتي قصة رسالة النبي ﷺ إلى كسرى.

والأصل المهم فيها ثابت في صحيح البخاري عن ابن عباس:

أن النبي ﷺ أرسل كتابًا إلى كسرى، وأمر أن يُدفع إلى عظيم البحرين ليبلغه كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه.

إذن لدينا هنا رواية حديثية قوية جدًا من داخل التقليد الإسلامي عن أول احتكاك سياسي مباشر على أعلى مستوى.

لكن لاحظ أمرًا مثيرًا:

الرسالة نفسها مرت عبر عظيم البحرين؛ لأن البحرين كانت أصلًا ضمن مجال النفوذ الساساني.

ثم توجد في كتب السيرة والتاريخ رواية إضافية تقول إن كسرى غضب وأمر باذان والي اليمن أن يرسل رجالًا ليأتوه بمحمد ﷺ.

وبعث باذان رجلين بالفعل.

ثم قتل شيرويه أباه كسرى، وأخبر النبي ﷺ الرجلين بذلك، وانتهى الأمر بإسلام باذان ومن معه من الفرس في اليمن.

القصة مشهورة جدًا.

لكن هنا يجب أن أفرق لك من حيث قوة الإثبات:

تمزيق كسرى للكتاب: موجود في صحيح البخاري.

أمر كسرى لباذان بالقبض على النبي ﷺ: موجود في كتب السيرة والتاريخ، لكنه ليس جزءًا من رواية البخاري المذكورة، ولا أستطيع تأكيده من مصدر فارسي معاصر مستقل.

وبالتالي لا أريد أن أرفع درجة يقينه إلى درجة الرواية الأولى.

11. والمفارقة: النفوذ الفارسي في الجزيرة بدأ ينتقل إلى المسلمين

وهذه من أهم النقاط في القصة كلها.

في السنوات الأخيرة من حياة النبي ﷺ كانت الدولة الساسانية تنهار سياسيًا بعد هزيمتها أمام هرقل ومقتل كسرى الثاني سنة 628م.

وهذا أدى إلى أن ممثلي الفرس في الجزيرة لم يدخلوا في حرب شاملة ضد المسلمين.

بل العكس:

الحاكم الفارسي في صنعاء اعترف بمحمد ﷺ.

وكذلك دخلت مناطق من البحرين وعُمان كانت مرتبطة بالفرس في النظام السياسي الإسلامي.

وتذكر Encyclopaedia Iranica صراحةً أن النظام الساساني في الجزيرة ـ القائم على مستعمرات عسكرية وتحالفات في اليمن وعُمان والبحرين ـ انهار، وأن الوكلاء الفرس المحليين انجذبوا إلى القوة الجديدة في المدينة.

إذن من الغريب تاريخيًا تصوير المسألة على أن:

النبي كان يخوض حربًا مع الإمبراطورية الفارسية في حياته.

لم يحدث ذلك.

12. متى وقع أول قتال فعلي مع قوى فارسية؟

بعد وفاة النبي ﷺ سنة 632م.

في البحرين أثناء حروب الردة حدثت مقاومة من جماعات مرتبطة بالنظام القديم، ومنهم مجوس وجماعات عربية مرتبطة باللخميين، وحاصروا المسلمين من عبد القيس.

فأرسل أبو بكر رضي الله عنه قوات بقيادة العلاء الحضرمي.

لكن حتى هنا ينبغي ألا نقول إن كسرى أرسل الجيش الفارسي إلى البحرين لمحاربة أبي بكر .

فالإمبراطورية الساسانية نفسها كانت وقتها تعيش أزمة خلافة وانهيارًا داخليًا شديدًا.

الأقرب أنها قوى محلية باقية من النظام الساساني القديم.

ثم سنة 633م تقريبًا انتقل المسلمون إلى العراق، وبدأت الحملات الكبرى لخالد بن الوليد والمثنى بن حارثة.

هنا فقط ندخل بوضوح في:

الدولة الإسلامية ضد القوات العسكرية التابعة للإمبراطورية الساسانية.

ومن هنا بدأت الحرب التي انتهت بعد سنوات بالقادسية والمدائن ونهاوند وسقوط الإمبراطورية.

إذن لو وضعنا القصة كلها في خط زمني واحد

التاريخ التقريبي الروم الفرس

قبل الإسلام الغساسنة وغيرهم حلفاء بيزنطيون على حدود الشام المناذرة حلفاء فارس + نفوذ مباشر في اليمن والبحرين وعُمان

602م كسرى يلغي المملكة اللخمية

626م / 5هـ احتكاك في منطقة دومة الجندل مع قبائل المجال الشامي لا قتال

627 628م احتكاكات مع قبائل حدودية مرتبطة بالروم رسالة النبي ﷺ إلى كسرى بحسب الرواية الإسلامية

628م كسرى الثاني يسقط؛ النظام الساساني يدخل أزمة شديدة

629م / 8هـ مؤتة: أول مواجهة عسكرية كبيرة مباشرة مع المنظومة البيزنطية لا حرب مباشرة

629م ذات السلاسل ضد قبائل شمالية مرتبطة بالمجال البيزنطي

630م / 9هـ تبوك بسبب أخبار عن تهديد من الشمال؛ لا معركة ممثلو النفوذ الفارسي في الجزيرة يقتربون من دولة المدينة

631 632م تجهيز جيش أسامة ناحية الشام الفرس في اليمن ضمن النظام الإسلامي الجديد

632م وما بعده تبدأ فتوحات الشام الكبرى اضطرابات البحرين ثم بداية حرب العراق

633 634م جيوش الخلافة تدخل الشام قتال مباشر منظم مع القوات الساسانية في العراق

ومن هنا عندي نتيجة مهمة جدًا مرتبطة بسؤالك السابق:

من الصعب تاريخيًا بناء حجة واحدة تقول: الروم والفرس بدأوا الحرب على المسلمين، ولذلك فتح المسلمون إمبراطورياتهم دفاعًا عن النفس .

مع الروم توجد مادة أقوى بكثير: حلفاء حدوديون، قتل مبعوث بحسب الرواية الإسلامية، مؤتة، احتكاكات متكررة، ثم تبوك وجيش أسامة.

أما مع الفرس، فالصورة مختلفة: أول علاقة مباشرة في حياة النبي ﷺ كانت أساسًا علاقة دبلوماسية وسياسية، لا حربًا عسكرية؛ بل بعض مراكز النفوذ الفارسي داخل الجزيرة انضمت إلى الدولة الإسلامية قبل وفاة النبي.

وفي المقابل، توجد صياغة تاريخية أقوى بكثير:

الدولة الإسلامية لم تظهر في فراغ؛ كانت الجزيرة محاطة بشبكات نفوذ رومانية وفارسية تمتد إلى قبائل وأقاليم عربية. ومع توحيد معظم الجزيرة في عهد النبي ﷺ اصطدمت الدولة الجديدة أولًا بهذه الأطراف والوكلاء، ولا سيما الوكلاء البيزنطيين في الشمال. وبعد وفاة النبي ﷺ وتحول الصراع إلى حرب مفتوحة في الشام والعراق، صار التقدم داخل أراضي الإمبراطوريتين جزءًا من صراع عسكري متصاعد لم يعد مقتصرًا على حدود الجزيرة.

وهذه، في رأيي البحثي، صياغة أصعب بكثير على الاعتراض التاريخي من محاولة إثبات أن كل الفتح الإسلامي كان مجرد رد مباشر على غزو سابق للروم والفرس.

فتنة واعتداء

وفي تموز يوليو عام ٦٢٩م ٨هـ أوفد النبي كتيبة من خمسة عشر رجلًا إلى حدود شرق الأردن ليدعوا الناس إلى الدين الحنيف، وليستطلعوا أخبار الروم وحوادثهم، فخرج عليهم جمع غفيرٌ في مكان يقال له طلة بين الكرك والطفيلة، وقتلوهم كلّهم إلا واحدًا لاذ بالفرار.

وبنفس الوقت أرسل النبي رسولا اسمه الحارث بن عُمَيْرٍ إلى أمير غسان في سوريا يدعوه إلى الإسلام، فقبض عليه شُرَحْبِيلُ بنُ عَمْرو سيدُ مؤتة ، وهي قرية بجوار الكرك وقتله.

جمع وتهديد

وحوالي هذا الزمن أيضًا وصلت رسل النبيِّ من الشمال تحمل أخبار الاستعدادات الحربية على تخوم الولايات الرومانية، ووجود هرقل وجيشه في الكرك مع حلفائه من بهراء وجُذام وبَليّ والبلقاوية.

كل هذه الأسباب جعلت النبيَّ يَعْقِدْ النية على بعث حَمْلة إلى جنوب شرق الأردن؛ ليقتصَّ من قَتَلَة الحارث، وليختبر قوة أعدائه واستعدادهم، وليَعرفَ أسباب تجمعهم على الحدود الجنوبية.

مع الروم في شرق الأردن مؤتة

وفي أيلول سبتمبر عام ٦٢٩م ٨هـ جمع النبيُّ ثلاثة آلاف مقاتل في الجَوْف قرب المدينة؛ ليسيرهم نحو سوريا، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة: إن أصابه قَدَرٌ فالأميرُ جعفرُ بنُ أبي طالب، فإن أصابه قَدَرٌ فالأمير عبد اللّٰه بن رواحةَ على الناس، فإن أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه أميرًا عليهم .

فمضى الجيش حتى إذا كان بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من روم وعرب، واقتتل الفريقان في قرية مؤتة بجوار الكرك.

تلك رواية الكولونيل بيك عن كيفية وقوع الحرب بين النبي والروم، وهي واضحةٌ في أن الروم صلبوا فروة لما أبى أن يرتَّدَّ، وهي واضحة كذلك في بيان الاضطهاد والغيرة التي استولت على أفكارهم وأعمالهم، ولا مجال للشك في أن الروم وأنصارهم من العرب لما أخذتهم العزة والخوف من الدعوة السلمية، لجأوا إلى العنف، بل إلى القسوة والغدر، ولم يكن بدّ لصاحب الدعوة من أن يدفع الشرَّ عنها، ويقاتل في سبيل حريتها.

أضيف لما قاله المؤلف – رحمه اللّه – أن الإسلام ينتشر اليوم في أوروبا وأمريكا بدون سيف ولا أي قوة سوى تأثير دين رب العالمين في النفوس الحرة الباحثة عن الحقيقة، ويتم ذلك في بيئة أكثرها معاد للإسلام والمسلمين، وخاصة أوروبا التي حملت لواء الهجوم على محمد ﷺ والإسلام والمسلمين منذ أكثر من عشرة قرون، ولم تتوان الكنيسة الكاثوليكية والمستشرقون الذين خدموها وخدموا الاستعمار في تزييف شتى التهم، ومنها انتشار الإسلام بالسيف، وفي الحقيقة من يقرأ تاريخ المسيحية يجد إجبار الكثير من القبائل في أوروبا عليها أو سملهم بالسيف، وأوضح أمثلة ذلك محاكم التفتيش التي دامت عدة قرون في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

ونختم هذا التعليق بمقارنة دخول التجار المسلمين إلى شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا وتايلاند والفلبين والصين، حيث أسلم هناك ما يزيد على عدد العرب المسلمين بدون معركة واحدة ولا سيف واحد)، ودخول الهولنديين والبرتغاليين والإنجليز المسيحيين إلى تلك المناطق، وما سفكوه من دماء بريئة لأكثر من ثلاثة قرون.

دليل على انهيار النظام الجاهلي

النظام الجاهليَّ قد انهار أمام الدعوة المحمدية قبل يوم الفتح، وأن عصابة قريش لم تستطع أن تستنهض للقتال جمهرة الناس بعد أن نفذت العقيدة المحمدية إلى صدورهم، وإلا كيف تستطيعُ تفسير استسلام مكة بهذه السهولة ولَما تُغْلَب؟!

الخدمة الوحيدة التي أداها السيف للإسلام

إن الخدمة الوحيدة التي أدّاها السيفُ للإِسلام هو أنه منع الرسول في المدينة من أن يقع فريسة لخُصومه من العرب واليهود والروم، فمكَّنَ له بذلك من نشر دعوته وإيصالها إلى العقول والقلوب.

كان الناس في البلاد المفتوحة يعصمون أنفسهم وأموالهم ودينهم من قهر السيف بجزية هي ضريبة شخصية يدفعها القادرون منهم لولاة المسلمين، فيكفلون لهم مقابِلَها جميع حريّاتهم المدنية والدينية.

أيباع الدين بدراهم معدودات؟!

فهل تتصورون أن قومًا يبيعون دينهم وعُرْفَهم ووطنيتهم بنصف دينار يدفعُه القادر عليه منهم، وليس على النساء ولا على الأطفال ولا العجزة ولا الرهبان ولا القسوس؟

انتشار الدّعوة في الأمم المسيحية

في ساحة المسيحية

كانت المسيحية هي الديانة الغالبة في دولة الروم من جبال طورس إلى جبال الأطلس، أي في الساحة التي تشملُ اليوم سوريا ومصر وطرابلس الغرب وتونس.

انتشار المسيحية في ظلال الإسلام

يقولُ السير توماس في كتابه انتشار الإسلام : حقًّا إن الكنيسة المسيحية قويت وتقدمت في رعاية المسلمين وحكمهم، فلم يَحُل الحكم الإسلاميُّ بينها وبين الانتعاش والرقيِّ، بل إن النساطرة لم تتفجر فيهم الحَمِيّةُ والحماسةُ الدينيةُ إلا بعد أن دخلوا في حكم الإسلام بما لا عهد لهم به من قبلُ؛ فنشروا المسيحية تحت راية الإسلام، وبلغُوا بدعوتهم الصين والهند تحت حماية الخلفاء .

الوزراء والولاة المسيحيون في دولة الإسلام

وذكر السير توماس من بين من ذكر من الوزراء المسيحيين، نصر بن هارون ، الذي تولى رياسة الوزارة لعضد الدولة بن بويه، وبنى عددًا كبيرًا من الكنائس والمعابد.

الكنائس تشاد في رعاية الإسلام

وقد عدد كذلك أمثلة للتسامح في الكنائس التي أمر ببنائها الخلفاء، وأنفقوا عليها في شمال الجزيرة والعراق والشام، ولا يزال بعضها قائما إلى اليوم، ككنيسة أبو سرجة في مصر العتيقة.

بطولة عربي نصراني في واقعة البويب

ولقد بقيت تغلب على نصرانيتها، وهي التي أبت الجزية، وطلبت أن تدفع الصدقة أسوةً بالمسلمين، فأمر عمر رَضِي الله عَنْهُ لها بذلك قائلًا: لا تُذِلوا العربَ، خذوا من بني تغلب الصدَقة .

وقائع اضطهاد عن استثناء يثبت القاعدة

نعم لقد وقعت في التاريخ الإسلامي بعض حوادث لا تخلو من اضطهاد المسيحيين، وأكثر ما يشار إليه من هذه الحوادث في أيام المتوكل العباسي، والحاكم بأمر اللّٰه الفاطمي، وبعض المماليك.

السياسة والحسد الاجتماعي لا الدين

ومن مفاخر المسلمين المتفق عليها أن تاريخهم خِلْوٌ من القوانين الباطشة الجائرة التي حرّمت العقيدة الإسلامية في إسبانيا أيام فرديناند وإيزابيلا، وحرّمت البروتستانتية في فرنسا على عهد لويس الرابع عشر، وحرمت دخولَ اليهود في إنجلترا أربعة قرون.(1)

(1) طردت أوروبا اليهود لعدة قرون بعضها من إنجلترا، وبعضها من فرنسا، وبعضها من إسبانيا، وقد قال اليهودي عضو الكنيست الإسرائيلي إن الإسلام حمى اليهود ألف سنة، وأن في عنق كل يهودي دين للإسلام بسبب ذلك. فانظر يا أخي كيف رد اليهود الدين؟!

إسلام الصليبيين

في الحرب الثانية

يروي السير توماس عن راهب من رهبان سنت دنيس كان قسيسًا في المعبد الخصوصيّ للملك لويس السابع، ورافقه في هذه الغزوة طائفة كبيرة، وإليكم ما يقوله الراهب في عبارة شائقة:

الرحمة المنقذة للأعداء

وقد كان الفرقُ واضحًا بين معاملة هؤلاء الكفار – يقصد المسلمين – للحجّاج المسيحيين، ومعاملة اليونان الذين سخّروا إخوانهم في الدين، ونهبُوا أموالهم وضربوهم، كان الفرقُ عظيمًا لدرجة حملت الصليبيين على اعتناق دين الأعداء المنقذين، ومن غير أن يُكرَهوا أو يُقْهرُوا، لقد فرُّوا من إخوانهم في الدين الذين أساءوا إليهم، فلحق ثلاثة آلاف بالجيش الإسلاميّ بعد أن رجع عنهم ودخلوا في دينه .

رحمة أشد قسوة من الخيانة!

لقد كانت الرحمة أشدَّ قسوة من الخيانة! لقد أعطاهم المسلمون الخبز وسلبوهم الإيمان، واحسرتاهُ! لقد ارتدُّوا عن المسيحية من غير أَن يُجْبَرَ واحدٌ منهم على ترك دينه .

تأثير الإعجاب بصلاح الدين

ولقد بلغ تأثير الإعجاب بشجاعة صلاح الدين وفضائله في الصليبيين أن كثيرًا من أمرائهم وعامَّتهم المعجَبين به ذهب بهم هذا الإعجابُ إلى ترك دينهم وأهلهم والدخول في الإسلام.

إسلام الأوروبيين

أثر تركيز الدين في النظام الكهنوتي

فإن للمسيحيين نظامًا إكليريكيًّا، أو بعبارة أخرى كهنوتيًّا جعل عليهم قُوّامًا من طوائف رجال الدين.(1)

(1) من أقوال آباء الكنيسة: الكنيسة هي المسيح، والبابا هو الكنيسة – البابا ممثل المسيح – البابا تجسيد للمسيح. وجدير بالذكر أن المسيح هو اللّه في المسيحية!

أدب القرآن مع المخالفين

بل إن الدين الذي حرم على أهله سبَّ الأديان الأخرى، لا يدعُ سبيلا للاضطهاد والظلم. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨].

من تاريخ تعصب المسيحيين في إسبانيا

ولقد اتخذ الإكليروس من سلطانه سبيلًا لاضطهاد اليهود الذين كانوا عنصرًا مهمًّا في إسبانيا،

ويقول لفريخ : إن أوامر وحشية صدرت لتعميد من يأيى الارتداد عن دينه من اليهود.

فلما وصل العرب تلقّاهم اليهود بالترحيب الذي يستحقُّه المنقذون، وكذلك فرح العبيد المتنصرون لقدوم العرب شديدًا، فأخذ المضطهدون يدخلون في دين العرب أفواجًا، بل أخذ النبلاء والعامة يقبلون على الدعوة الجديدة الحرة .

هزيمة العرب في فرنسا سببت تأخر وصول الحضارة إلى أوروبا ثمانية قرون

أحد المؤرخين قال عند ذكر واقعة پواتييه التي قتل فيها عبد الرحمن الغافِقيّ وفازت جيوشُ كارل مارتل (1) على العرب في غرب فرنسا: لقد كانت هزيمة العرب سببا في تأخر وصول الحضارة لأوروپا ثمانية قرون!.

(1) أو شارل كما في كثير من المصادر التاريخية المعتمدة.

الحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة